• حصاد السنين

    «وَخُلاصةُ الفَرقِ بَينَنا وبَينَهم هو أنَّهُم يَعِيشونَ عَصرَهمُ الذي صَنعُوه بأَيْدِيهم ونَسجُوا خُيوطَه على أَنوالِهم بكُلِّ حَسناتِه وسَيئاتِه، وأمَّا نَحنُ فنَقِفُ وَقْفةً تُشبِهُ الرَّفضَ الذي يَأبَى عَلى صاحِبِه أنْ يَخُوضَ هَذا البَحرَ الهائِجَ الذي هُو عَصرُنا.»

    إنَّ آخِرَ ما خَطَّه بقَلمِه، ليَحصُدَ فِيهِ سَنواتِ عُمرِه، لَمْ يَكُنْ سِيرةً ذاتِيةً تَقلِيديةً يَتتبَّعُ فِيها حَياتَه مُنذُ المَولِدِ حتَّى لَحظَةِ كِتابتِه لَها، بَلْ كانَ سِيرةً يَصِفُ فِيها التطوُّرَ الفِكْريَّ والأَدَبيَّ الذي مَرَّ بِهِ خِلالَ رِحلتِه العِلْميةِ الطَوِيلة، مُتأثِّرًا بعِدَّةِ مَحطَّات، مِنْها: بَعْثتُه إلَى إنجلترا لِلحُصولِ عَلى دَرجةِ الدكتوراه، وزِيارتُه القُدْس، وتَأثُّرُه بالمُحاوَراتِ الأَرْبعِ لأَفْلاطون … وغَيرُها. وبنَظْرةِ الفَيْلسوفِ حلَّلَ الدكتور زكي نجيب محمود الأَحْداثَ التارِيخيةَ التي عاشَها؛ مِن حُروبٍ وثَوَراتٍ وحَرَكاتِ تَمرُّدٍ في العالَمِ عامَّةً وفِي مِصرَ خاصَّة، فرَأى أنَّها أَحْدثَتْ تَغيُّراتٍ فِكريةً وأَدَبيةً وعِلْميةً جِذْرِية. ثُمَّ يُقارِنُ بَعدَها بَينَ ما أَحْدثَه الغَربُ مِن تَقدُّمٍ عِلْميٍّ وتِكْنولوجيٍّ هائِل، وبَينَ التَّخلُّفِ العَربيِّ عَن هَذا الرَّكْبِ الحَضارِي؛ ممَّا دفَعَه إلى البَحثِ عَن أَسْبابِ هَذا التَّخلُّفِ وعَنِ الحُلُولِ الناجِعةِ لَه مِن خِلالِ سِيرتِه ومَسِيرتِه الفِكْرية.

  • المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري

    «إنَّنا نكتبُ هذه الصفحاتِ من هذا الكتابِ لِنُبيِّنَ أنَّ في الثقافةِ العربيةِ القديمةِ التي هيَ «تراثُنا» حالاتٍ مِن اللامعقولِ لا يَنبغي أن نُغمِضَ عنها أبصارَنا.»

    شكَّلَ الموقفُ من التراثِ العربيِّ مُعضِلةً فكريةً كبيرةً ليسَ للدكتور «زكي نجيب محمود» وحدَه، بل للكثيرِ من المفكِّرين أيضًا؛ فما بين دعواتٍ لهدمِ التراث، وأخرى تُنادِي بتقديسِه، يقفُ المؤلفُ موقفَ الباحثِ الفاحِص. ويُمثِّلُ هذا الكتابُ تغيرًا جوهريًّا في موقفِ المؤلفِ من التراث، فبينَما نادى في كتاباتِه السابِقة — مثل «خرافة الميتافيزيقا»، و«نحو فلسفةٍ علمية» — باستبعادِ التراثِ العربيِّ من النهضةِ الفكريةِ لِما به من خرافات، إذا بهِ يَتراجعُ عن موقفِه هذا بعدما أدرَكَ أن التراثَ يُمكنُ الأخذُ منه والاستفادةُ بما هو معقولٌ فيه، ويتلاءمُ مع العقلِ والمنطِق، دُونَ أن يُجبِرَ القارئَ على التسليمِ برأيِه، فترَكَ له حريةَ الاختيارِ حينَما ضمَّنَ في كتابِه ما هو معقولٌ وما هو لا معقولٌ من وجهةِ نظرِه في تراثِنا العربيِّ الفكري.

  • أفكار ومواقف

    «سُجَناءُ الكهوفِ عندَنا كثيرون، كلٌّ يَنضحُ من ذاتِهِ الخاصَّة، ويُريدُ أن يفرِضَ ما ينضحُهُ على الآخَرِين، وليس في ذلكَ من بأسٍ إذا كانَ الأمرُ أمرَ ذَوقٍ أو مِزاج، وأمَّا إذا كان المطروحُ موضوعًا عامًّا، ويُرادُ فيه كلمةُ الحقِّ التي لا شأنَ لها بشجرةِ الأنساب … فلا مَنْدوحةَ لأُولي الشأنِ عندئذٍ عَنِ الخروجِ من ظلامِ الكهوفِ التي هم سُجناؤها.»

    على مدى سنواتٍ عديدةٍ ظلَّ «زكي نجيب محمود» يكتبُ مقالاتِهِ في عمودٍ له بجريدةِ الأهرامِ تحتَ عنوانِ «أفكار ومواقف»، مُحاوِلًا تبسيطَ الفلسفةِ للقارئِ العادي، فكانَ النِّتاجُ عددًا كبيرًا من المقالاتِ، نستطيعُ من خلالِها أن نتتبَّعَ مسيرتَهُ الأدبيَّة، ونتعرَّفَ على ذَوقِه الأدبيِّ كيف تشكَّل، وكيف أثَّرَت مجْرَياتُ عصرِهِ في تَذوُّقِه الشِّعري. كما نتعرَّفُ منها على مسيرتِهِ الأكاديميةِ وميولِهِ الثقافيَّة، وكيف بدأَ المشاركةَ بالكتابةِ في الوسطِ الثقافي. وينتقلُ بنا «أديبُ الفلاسفةِ وفيلسوفُ الأدباءِ» — كما أُطلق عليه — إلى ما أحدثَتْه ثورةُ ١٩٥٢م من تغيُّراتٍ في قواعدِ الفكرِ والثقافة، وما أدَّت إليه من ميلادِ عصرٍ جديدٍ له قِيَمُه ومعاييرُه وأُسسُه.

  • رؤية إسلامية

    «يَكونُ القَولُ تَشاؤُمًا لَو أنَّنا زَعمْنا أنَّ طاقةَ الإبْداعِ فِينا قَدِ اقتُلعَت مِن نُفوسِنا اقتِلاعًا، لكنَّ حَقِيقةَ الأَمرِ فِينا هِي أنَّ تِلكَ الطَّاقةَ في كُمُونٍ يُشْبهُ كُمُونَ الحَياةِ فِي حَبةِ القَمْح وفي نَواةِ التَّمْر، حتَّى إذا ما شاءَ لها فالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى أنْ تَنزاحَ عَن مَحابِسِها أقْفالُها تَوقدَتِ الشُّعلةُ مِن جَدِيد، وأوَّلُ خُطوةٍ على الطَّريقِ هِي أنْ تُنفَخَ فِينا إِرادةُ أنْ نَحْيا، ثُمَّ يُضافُ إلى ذَلِك إِرادةُ أنْ تَكُونَ حَياتُنا حَياةَ السَّادةِ لا حَياةَ العَبِيد: سِيادَةً فِي العِلْم، سِيادَةً فِي الفِكْر، سِيادَةً فِي الأَدبِ والفَن، سِيادَةً بالإِباءِ وبالكِبريَاء.»

    مَاذا أَصابَ العالَمَ الإِسلامِيَّ فتَخلَّفَ حَتَّى أَصبحَ فِي مُؤخِّرةِ الرَّكْبِ الحَضَاري؟ سُؤالٌ يَطرَحُه «زكي نجيب محمود» مُحاوِلًا الإِجَابةَ عَنه، باحِثًا عن أَسبابِ هَذا التَّراجُعِ الذي مُنيَ به عالَمُنا الإِسْلامِي، وكَيفَ بَعدَ أنْ كُنَّا في الرِّيادةِ أَصبَحْنا نَتسوَّلُ العِلْم، مُوضِّحًا أَهمَّ الأدَواتِ التي يَجبُ الاعتِمادُ عَلَيها للخُروجِ مِن هَذا المأْزِق، جَاعِلًا في مُقدِّمتِها استِخدامَ العَقلِ بِشكلٍ رَئيسٍ في حَياتِنا العِلميَّةِ والعَمليَّة، وداعِيًا إلى الْتِماسِ وَسائلِ العِلْم والمَعرفةِ مِن مَظانِّها المُختلِفة، ومُبينًا دَورَ «حَمَلةِ الأَقلامِ» في تَغييرِ هذا المُناخِ الفِكريِّ الذي نَعيشُه، مُتقفِّيًا خُطَى فَلاسِفتِنا القُدماءِ فِي ذَلك. ويَختِمُ كِتابَهُ بالحَديثِ حَولَ ما سمَّاهُ «دَوائِرَ الانتِماءِ الثَّلاثة» حيثُ انتِماءُ الفَردِ إلى وَطنِهِ أوَّلًا، وَعُروبتِهِ ثانيًا، وعالَمِهِ الإِسْلاميِّ ثالثًا، وَهَذا التَّدرجُ في المَسئُوليةِ وليسَ في الأَهَمية.

  • الكوميديا الأرضية

    «فَقِيرةٌ هِي النُّفوسُ التي تَبطِشُ بالأَشياءِ والأَحياءِ بَطْشَ الصِّبيان، فَقِيرةٌ — يَا أَبا العَلاءِ — هِي تِلكَ النُّفوسُ التي لا تُخفِّفُ الوَطْء، لأَنَّها لا تَدرِي أَنَّ أَديمَ الأَرضِ هُو مِن هَذِه الأَجْساد.»

    يَتجوَّلُ زكي نجيب محمود بَيْنَ عِدةِ قَضايَا تَتعلَّقُ بالأَوضاعِ الاجتِماعِيةِ والسِّياسِيةِ والثَّقافِيةِ والأَدبِية، وبالطَّبعِ لم يُغفِلِ الجانِبَ الفَلسَفِي، وإِنْ كانَ مُؤلِّفُنا فَيلسُوفًا لَه قِيمتُه الفِكرِيةُ فَإنَّه أَديبٌ يَنسِجُ مِن كَلِماتِه قِصصًا قَصِيرةً فيُحاكِي دانتي فِي «الكوميديا الأرضية»، ويَقومُ بِرحْلةٍ «عند سفح الجبل». كما يُناقِشُ الأَوضاعَ السِّياسِيةَ وحَرِيقَ القَاهِرةِ فِي مَقالَتِه «نفسٌ عارية» ويُوجِّهُ رِسالةً إلى الحُكَّامِ فِي «إلى سادتي الحكام»، ويُخصِّصُ جانِبًا مِن مَقالَتِه لمُناقَشةِ الأَوضاعِ الاجتِماعِيةِ كما حَدثَ فِي «أبناء الظلام» و«عالَم قلق» و«نفوس فقيرة» … وقَدْ حَرَصَ المُؤلِّفُ عَلى صِياغةِ مَقالَاتِه بأُسلُوبٍ بَسيطٍ ليَتمكَّنَ القارِئُ العَاديُّ مِن هَضمِ أَفكَارِه الكَامِنةِ وَراءَها.

  • هذا العصر وثقافته

    «إنَّ شرَّ خيانةٍ يَخونُ بها المُعاصِرونَ أمانةَ السالِفين، هيَ أن يُقلِّدوهمْ تَفصيلةً بتَفصيلة، ومَوقِفًا بمَوقِفٍ، وإِنَّما تُصانُ الأمانةُ بأنْ نُحافِظَ على المِنظارِ الذي يُساعِدُنا على رؤيةِ ما هو دقيقٌ وما هو بعيد، دونَ أنْ نتوقَّعَ رؤيةَ المَشاهِدِ نفسِها التي كانَ يُشاهِدُها السابقونَ تحتَ المِنظار.»

    كانَ عصرُ النهضةِ إيذانًا ببدْءِ مَرحلةٍ جديدةٍ في الفكرِ الغربي؛ إذ تمَّتْ فيهِ المُصالَحةُ بينَ التراثِ الغربيِّ القَدِيم والعِلم، الذي قامَ في الغربِ مُعتمِدًا بشكلٍ أو بآخَرَ على هذا التراث. بينَما ما زالتْ مشكلةُ الأصالةِ ومواكَبةِ العِلمِ هي الشغلَ الشاغِلَ للمُفكِّرين العرب، كلٌّ منهمْ يَدْلو بدَلوِه في هذا الأمر، ويضعُ رؤيتَهُ حولَ إمكانيةِ التعايُشِ بينَ التراثِ والعِلمِ الحديث. والتوفيقُ بينَ تراثِنا العربيِّ القديمِ وبينَ حضارةٍ تقفُ على أبوابِنا صراعٌ بينَ القديمِ والمُستجَد، وحتى لا نَضيعَ بين رَدَهاتِ هذا الصِّراع، يَضعُ الدكتور «زكي نجيب محمود» رؤيتَهُ حَولَ إمكانيةِ مُعالَجةِ هذه المُشكِلة، بحيثُ يُمكِنُنا أنْ نصنعَ واقعًا ثقافيًّا وحضاريًّا جديدًا يَتوافقُ معَ النُّموذجِ الحضاريِّ الحالي، وفي الوقتِ نفسِهِ لا يُبدِّدُ تُراثَنا القديم، الذي هوَ امتدادٌ لتاريخِنا.

  • في حياتنا العقلية

    «لَوْ أنَّ كَلَّ تَغيُّرٍ يَطْرَأُ عَلَى الْحَياةِ الإِنْسانِيَّة يَسْتَتبعُ في ذَيلِهِ فَوْرًا نَمطًا جَدِيدًا مِنَ الفِكْر، يُسايِرُ ذَلِكَ التَّغيُّرَ الظَّاهِرَ عَلَى وَجْهِ الْحَيَاة؛ لَمَا وَقَعَ الإِنْسانُ فِيما يَقَعُ فِيهِ دائِمًا إبَّانَ مَراحِلِ الانْتِقالِ الكُبْرَى، مِن تَعارُضٍ بَيْنَ حَياتِهِ الخارِجِيَّةِ البَادِيةِ أَمامَ أَعْيُنِ النَّاس، وَحَياتِهِ الدَّاخلِيَّةِ الَّتي يَعِيشُها مَعَ نَفْسِه كُلَّما فَكَّرَ أَوْ شَعَر.»

    أَفْرَزَتِ الْحَربُ الْعَالَميَّةُ الأُولَى، ومَا تَلَاها مِن أَحْدَاثٍ جِسامٍ هَزَّتْ أَرْكانَ الْمُجتمَعِ المِصْرِي، حَرَكةً عَقْلانِيَّةً كُبْرى، وظَهَرَ ذَلِك جَلِيًّا فِي الإِنْتاجِ العِلْميِّ للكَثِيرِ مِن رُوَّادِ هَذِهِ الفَتْرةِ مِن تارِيخِنا، كانَ مِنْه: «الإِسْلامُ وأُصُولُ الْحُكْمِ» لِعلي عَبدِ الرَّازِق، و«في الأدَبِ الجَاهِلِيِّ» لِطَهَ حُسَيْن. يُقارِنُ المُؤلِّفُ بَيْنَ المُثَقَّفِ المُنْعَزِلِ الَّذِي يَنْعَمُ بِثقَافتِهِ لِذَاتِهِ فَقَطْ وَيَبْنِي مَدِينتَهُ الْفَاضِلَةَ خَارِجَ الْوَاقِعِ الاجْتِماعِي، وَالْمُثقَّفِ الثَّورِيِّ الَّذِي يُغَيِّرُ ما حَوْلَهُ في الحَياةِ بِمَا اكْتَسَبَهُ مِن ثَقَافة. يُوضِّحُ كَذَلِك مَا تُحْدِثُهُ ازدِوَاجِيةُ القِيَمِ والصِّرَاعُ الدَّاخِلِيُّ لَدَى الإِنْسانِ بَيْنَ ما هُوَ قَدِيمٌ ومَا هُوَ جَدِيد، مُتَحدِّثًا عَنِ الفَلْسَفةِ ودَوْرِها في هَذَا الصِّراعِ الدَّائِر، خاتِمًا مُؤَلَّفَهُ بِمُناقَشَةِ المَنْهَجِ المَارْكِسِيِّ وَالحَلِّ الاشْتِرَاكِيِّ لِمُشْكِلةِ التَّخَلُّفِ الاقْتِصادِيِّ والاجْتِماعِي.

  • الشرق الفنان

    «الثقافةُ الشرقيةُ بشتَّى نَواحِيها مِن دِينٍ وفنٍّ وفلسفةٍ تعبيراتٌ تُخرِجُ ما تَضطرِبُ به النَّفسُ مِن وِجْدان، على حينِ أنَّ الثقافةَ الغربيةَ بجميعِ ألوانِها مِن عِلمٍ وفلسفةٍ وفنٍّ لا تخلو أبدًا مِنَ الرمزِ إلى ما هو كائنٌ خارجَ النَّفسِ الإنسانيةِ بكلِّ ما فيها من جَيَشان.»

    للإنسانِ نظرتانِ للكَون؛ نظرةٌ مباشِرةٌ حِسيَّةٌ أطلَقَ عليها المؤلِّفُ «نظرة الفنان الخالص»، وهي النظرةُ المُسيطِرةُ على الشرقِ الأقصى المتمثِّلِ في الهندِ والصينِ وما جاوَرَهما؛ والنظرةُ الأخرى «نظرة العِلم الخالص» ذاتُ العقليةِ التحليليةِ المسيطِرةِ على الغَرب. وخلالَ العُصورِ السابقة، استطاعَ الشرقُ الأوسطُ أنْ يَدمُجَ هاتَينِ النظرتَينِ ليُوحِّدَ بينَ قلبِ الفنَّانِ وعقلِ العالِم. وفي هذا الكتابِ يَعقِدُ المؤلِّفُ مُقارَناتٍ سريعةً بينَ فلسفاتِ الشرقِ وفلسفاتِ الغرب، ويُقارِنُ أيضًا بينَ الفلسفةِ الإسلاميةِ القائمةِ على العقل، كالتي عند المُعتزلةِ والكِنْدي والفارابي، وبينَ التصوُّفِ الفلسفيِّ القائمِ على الحَدْسِ المباشِر، كالذي عندَ ذي النُّونِ وابنِ الفارض.

  • أيام في أمريكا

    «إنَّ مِن أَظلَمِ الظُّلمِ أنْ تَحكُمَ على شَعبٍ بأَسْرِه حُكمًا ما وأَنتَ واثِقٌ مِن صِدْقه؛ ذلِكَ لأنَّ الناسَ أَفْرادٌ يَختلِفُ كلُّ فرْدٍ مِنهُم عَن سِواه، وقَدْ يَتعذَّرُ جِدًّا بَل يَستحِيلُ أَحْيانًا أنْ تُدرِكَ أَوجُهَ الشَّبهِ السارِيةَ في الجَمِيع، والتي جَعلَتْ مِن مَجمُوعةِ الأَفْرادِ أمَّةً واحِدةً ذاتَ طابعٍ مُعيَّنٍ يُميِّزُها.»

    يَومِياتٌ يَسْرُدُها زكي نجيب عَنِ الفَتْرةِ التي قَضاها بالوِلَاياتِ المُتحِدةِ الأَمريكيةِ خِلالَ بَعْثَتِه بَينَ عامَيْ ١٩٥٣-١٩٥٤م للتَّدريسِ في جامِعةِ كارولاينا الجنوبيةِ بكولمبيا وجامِعةِ وِلايةِ واشنطن، سجَّلَ فيها مَا شاهَدَه بِعَينِه، وما عاشَهُ بنفْسِه؛ ارتحَلَ شَرقًا وغَربًا ليَرسمَ لَنا صُورةً مُغايِرةً للشَّعبِ الأَمريكيِّ عمَّا تُصوِّرُه شاشاتُ السينما مِن الِانْحِلالِ الأَخْلاقيِّ والدِّيني؛ فهُو شَعبٌ مُتديِّنٌ ومُترابِطٌ أُسَريًّا، ويُكرِمُ ضَيفَه، ولَدَيهِ حِسُّ الفُكاهَة. وبأُسلوبٍ مُمتِعٍ يَصِفُ لَنا ما زارَهُ مِنَ المَتاحِفِ والكَنائسِ والمَبانِي الحُكومِية … وغَيرِها. ويَذكرُ لَنا ما وَاجَهَه مِن مُناظَراتٍ ومُناقَشاتٍ معَ الأَساتِذةِ والطَّلَبةِ حولَ الفَلْسفةِ والإِسْلامِ ومَبادِئه، ومِصرَ وتارِيخِها. ولقَدْ تَخلَّلَ يَومِياتِه ما قرَأهُ في الصُّحفِ مِن أَخْبارٍ وقِصصٍ واقِعيةٍ وخَيالِية.

  • حياة الفكر في العالم الجديد

    «لقد عاهَدتُ اللهَ أن أكونَ إلى آخرِ الدهرِ عدوًّا للطغيانِ في شتَّى صُورِه، الطغيانِ الذي يستبدُّ بعقلِ الإنسانِ. «جفرسن»»

    تكوَّنَ المجتمعُ الأمريكيُّ من خليطٍ مختلفٍ من البشر، تعدَّدتْ مَشاربُه واتجاهاتُه الفِكريةُ والدينيةُ والسياسيةُ بل وحتى العِرقية، إلَّا أن هذا الاختلافَ لم يكُن اختلافَ التنافرِ بل كانَ اختلافَ التكامُل؛ فبالرغمِ من أن أمريكا نشأتْ كجزءٍ أصيلٍ من العالَمِ الأوروبيِّ بصفةٍ عامة، وبريطانيا بصفةٍ خاصة، فإن التلميذَ المخلِصَ لأفكارِ القارةِ العجوزِ سرعانَ ما نفضَ عن نفسِه قيدَه السياسيَّ والفكري. ولعلَّ أبرزَ ملامحِ التحرُّرِ الأمريكيِّ من الفكرِ القاريِّ (الأوروبي) هو فكرةُ الحريةِ في حدِّ ذاتِها، التي بدأتْ ملامحُها في التشكُّلِ من خلالِ مُناقشاتِ «توماس جفرسن» و«توماس بين» لملامحِ الدستورِ الأمريكي. ثُم تبعَها أولُ انتصارٍ لمبادئِ الحريةِ الدينيةِ الكاملةِ لأفرادِ المُجتمع. ثُم انتقلَتِ الحريةُ في النصفِ الأولِ من القرنِ التاسعَ عشرَ من مجالِ الدينِ إلى الفلسفةِ والأدبِ والثقافةِ والإبداع؛ فصارَت الحريةُ شِعارًا ترفعُه ومبدأً تحترمُه.‎

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠