• رحلاتي في العالم

    «… السياحة في رأيي ليست ركوبَ طائرات وزيارةَ متاحف والنومَ والأكلَ في الفنادق الفاخرة، السياحة عندي هي التجوُّل على الأقدام في الشوارع والحواري المُتربة …»

    هكذا كانت رحلات «نوال السعداوي»؛ سياحة لاكتشاف النفس البشرية، ومُعايَشة لعادات الشعوب؛ قاصدةً في معظم رحلاتها تلك الأزِقَّة التي تَضيق بسكانها، لتقترب من ذلك الإنسان المُتعَب، لتتلمَّس معاناته، وتعرف أحلامه. تقرأ رحلاتها فتظلُّ مشدوهًا وكأنك أحد أفراد الرحلة، تزور مُدنًا، تُعايِش ثقافات، ولا تفتأ تنتهي من رحلةٍ حتى تبدأ أخرى. تلتقي هنا بالكاتبة، فتعشق السفرَ والترحال، ثم تراك تنتقل معها — انتقالًا سَلِسًا دون مفاجأة — من مستشفى الصدر بالجيزة، إلى نيويورك حيث الصخب الدائم، ولا تجد غرابةً في تنقُّلِها من هِلسنكي في أقصى شمال أوروبا إلى روسيا، ثم إلى إيران؛ ونقْلِها واقعَ المجتمع الإيراني قُبيلَ اندلاع الثورة هناك. وعند حديثها عن بلاد الهند تجد الكلمات وكأنها تتراقص أمامك لتُشكِّل لوحاتٍ مختلفةَ الألوان، كاختلافِ ثقافاتِ تلك البلاد.

  • الحب في زمن النفط

    «نشط رجال البوليس في البحث عنها، خرجت منشورات وإعلانات في الصحف تطلب العثور عليها حيَّةً أو ميتةً، ومكافأة سخية من صاحب الجلالة الملك. ما علاقة صاحب الجلالة باختفاء امرأةٍ من عامَّة النساء؟!».

    تَبارى العُشَّاق قديمًا في وصف الحب، وفنونه، ووسائله، وسُبله، ودسائسه، لكنهم لم يعلموا أن زمانًا سيأتي حاملًا نوعًا آخر من الحب؛ حبٌّ لا يعرف الودَّ، ولا يرى للعاطفة مكانًا، حبٌّ مُغلَّف بطبقة نفطية، طبقة عازلة لكل معاني الرحمة والعطف، طبقة تتحول معها الحياة إلى دربٍ من دروب العذاب الذي لا نهاية له. هذه المرأة التي تخرج باحثة عن ذاتها لتجد نفسها «مُتَّهمة» بالهروب من بيت زوجها، حالة فريدة لم يألفها المجتمع، مرض تجب مواجهته كي لا ينتشر وتعرف بقية النساء أن باستطاعتهن الخروج من بقعة المجتمع الزَّيتيَّة التي تخنقهن.

  • مذكرات طفلة اسمها سعاد

    «لم تكن تُحب الليل، لأن الليل مُظلم، والعفاريت لا تظهر إلَّا في الظلام، وكانت تُحب النهار، والشمس حين تسطع وتملأ الكون بالنور والدفء.»

    صادقةٌ هي تلك البدايات؛ الخطوات الأولى نحو الحُلم، رائعة إلى أن تتعثر، أو تقف، تحت تأثير سلطان السيطرة والامتلاك، وحين نكتشف روعتها ورونقها البرَّاق، تكون قد دخلت سراديب الذكريات، وحلَّت ضيفًا داخل أعماق أنفسنا تحتاج لمن يوقظها ويزيل عنها غبار الزمن. كتبت نوال السعداوي روايتها الأولى ولم تكن سنها تتجاوز الثالثة عشرة، حينها رأت أن تُعبِّر عمَّا يؤرق خلدها ببضع كلمات استحالت لصفحات طويلة لم تُعجِب مُعلمها الذي أراد موضوعًا إنشائيًّا يُناسب طالبةً في الصف الأول الثانوي فأعطاها صفرًا؛ كان «نُقطة» لانطلاقها نحو عالم جديد لم تكن تُخطط له.

  • الحاكم بأمر الله

    «نعم تحرَّرتُ يا مولاي، لم أَعُدْ عبدًا، شُفِيت يا مولاي من العقم، أصبح لي عقل يفكِّر. أستطيع أن أنظر في عينَيْك الآن؛ أصبحتُ رجلًا يا مولاي … أصبحتُ رجلًا، أصبحتُ رجلًا.»

    لم تكن عمليةً سهلةً قطُّ، تلك التي تسلب الرجالَ عقولَهم بل حريتهم؛ فيصبح لقب «رجل» عزيزًا، بعيدَ المنال، لتخلو المدينة من الرجولة، ويكون الحاكم بأمرها أداةَ بَتْرٍ لأي محاوَلةٍ للخروج عن نظره وتفكيره؛ فهو يرى كلَّ شيء، ويعلم كلَّ شيء، والجميع عبيد، مُنقادون لأوامره، مُبتعِدون عن نواهيه، حتى يظهر مَنْ لم تَطُلْه يدُ الحاكم الخَاصِيَة؛ رجلٌ ليس من شعبه، يجرؤ على مُخاطبته، وينظر إليه دون خوف، بل يقف أمامه ليُعِيد الأمرَ إلى طبيعته، ليزرع بذرةً تُنبِت رجلًا يُحيي المدينة.

  • توأم السلطة والجنس

    «إنَّ حياتي الخاصة كامرأةٍ وطبيبة قد أتاحَتْ لي الفرصةَ لإدراك التناقضات التي تقع فيها سُلطة الدولة والدين فيما يخص أحكامَها أو قوانينها التي تُحكم بها النساء. لم تنفصل سُلطةُ الدولة عن السلطة الدينية في عصرٍ من العصور، ولا في بلدٍ من بلاد العالم حتى يومنا هذا.»

    مثَّلَ ثالوث «السلطة – الجنس – الدين» نقطةً هامة في تقديم الدكتورة نوال السعداوي لأفكارها التحرُّرية؛ وهو ما جعل هذا الطرح صادمًا لدى الكثيرين، وجاء ربطها التاريخي بين هذه الثلاثة كتأطير لتجاربها الشخصية التي أكَّدَتْ لديها بشكلٍ ما صحةَ ما ذهبَتْ إليه. وقد مزجَتْ في عرضها هذا بين دراستها للطِّب واهتمامها بمصادر التراث والتاريخ والأدب، ووظَّفت كلَّ هذا في الدفاع عن حقوق المرأة؛ تلك الحقوق التي ترى السعداوي أنه على الرغم من حصول المرأة على جزءٍ كبير منها، فإنه يبقى الكثير لم تحصل عليه بعد؛ وهي لا تُفرِّق في ذلك بين المرأة في المجتمعات العربية والمرأة في المجتمعات الغربية. وثَّقت السعداوي كلَّ هذا في مقالاتها المجموعة بين دفتَيْ هذا الكتاب، والتي نشرتها خلال حقبة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

  • مذكرات طبيبة

    «ضاعت طفولتي في صراع ضد أمي وأخي ونفسي، والتهمَتْ كتبُ العلم والطب مراهقتي وفَجرَ شبابي … كلُّ ما كنتُ أعرفه في ذلك الوقت أنني بنتٌ كما أسمع من أمي. بنت! ولم يكن لكلمةِ «بنت» في نظري سوى معنًى واحد، هو أنني لستُ ولدًا، لستُ مثل أخي!»

    حين يُعايِش الإنسانُ آلامَه، حين يدوِّن المكلومُ سِنِي جراحه، حين تتخلَّل الحياةَ لحظاتٌ نَديَّة تروي ظمأَ الطفولة المُهدَرة، تُجِير تلك الفتاة الحالمة، المُتمردة، الصلبة، من لكمات واقعها الأليم؛ تُصبح «مذكرات طبيبة» حَكْيًا ذاتيًّا، يتجاوز حدودَ الرواية، ليُجسِّد تجربةً إنسانية فريدة. سطَّرتِ الدكتورة «نوال السعداوي» ما قاسَتْه وتقاسيه كلُّ فتاة وامرأة تنشأ ولا تجد غيرَ أفكارٍ وعاداتٍ تقتل فيها كلَّ حُبٍّ للحياة ونفسها وذويها، تسوقها لكره وحقد نحو مجتمع لا تجد فيه رجاء، مجتمع تستحيل فيه الفتاةُ الحالمة الرقيقة البريئة إلى إنسانٍ خائف، عنيف، يتوجس خيفةً من كل قريب وبعيد.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2018

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مفعّل، براجاء التفعيل لتسجيل الدخول

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.