• أوراقي … حياتي (الجزء الأول)

    «الكتابة في حياتي مثل حضن الأم، مثل الحبِّ يَحدث بلا سبب، ومع ذلك لم أكفَّ عن البحث عن السبب. لماذا أكتب؟»

    هي مزيج من متناقضات الحياة؛ تجمع أسرتُها بين أرستقراطيةٍ تركية تنحدِر منها الأم، وبساطةٍ مصرية تضرب بجذورها في أصلٍ حبَشيٍّ ينتمي إليه الأب «السيد السعداوي» موظَّف نظارة المعارف أو «المقارف» (كما كان يسميها). ورثت نوال السعداوي مِن والدها — الساخط على أحزاب الأقلية، والوفد، والملك، والمشارك في ثورة ١٩١٩م، والمطالب بتحسين أوضاع المصريِّين المعيشية — جيناتِ التمرُّد، ومِن نساء أسرتها تعلَّمتْ أن الأنثى يمكنها أن تتحرَّر من قَيدها أو تبقى سجينةَ مجتمعها الذكوري. وُلِدت نوال السيد السعداوي في أكتوبر عام ١٩٣١م بقرية كفر طلحة إحدى قرى مركز بنها، لتَرحل مع أسرتها بعد سبع سنوات إلى مدينة الإسكندرية، ثم إلى منوف بالمنوفية. كان القدر رحيمًا بها، حينما آمَن والدُها بأنَّ من حقِّها كإنسانٍ أن تتلقَّى القَدْر الملائم من التعليم. هكذا تفتَّحت عيناها، وهكذا بدأت طفولتها.

  • كانت هي الأضعف

    «لا أحدَ يَعرفُ الحقيقة، إلَّا هي. هي؟ مَنْ؟ إنَّه لا يَعرفُها، لَمْ يَرَها أبدًا، لَمْ يَرَ وجهَها ولا عينَيْها ولا شَعرةً واحدةً مِنْ شعرِ رأسِها، أولُ مرةٍ يَراها الآن، وهو لا يَرى عروسًا، لا يَرى أسنانًا، مجرَّد شالٍ أحمرَ كبير، في نهايتِهِ فَخِذانِ رفيعتانِ منفرجتانِ كفَخذَيِ البقرةِ الكسيحة.»

    «الجهلُ نِعْمة»، والجهلُ بالذاتِ المصحوبُ بتوهُّمِ المعرفةِ أشدُّ الأنواعِ خطرًا والْتِصاقًا بالإنسان؛ فهو يُلازِمُه مِنْ ميلادِهِ حتى وفاتِه، ويَجعلُه يُغيِّرُ مَوازينَ تمييزِ الخطَأِ والصواب، فيُفسِدُ وهو يَحسِبُ أنَّه يُحسِنُ صُنعًا. ولعلَّ الخوفَ هو ما يَحْدُوهُ في ذلك؛ خوفَه من وصْمِهِ بالجهلِ أو الضَّعْفِ أو أيِّ صفةٍ مُستهجَنةٍ أخرى. وكُلَّما أحسَّ الإنسانُ باقترابِ هتْكِ سِتْرِ ضَعْفِه، اندفَعَ نحوَ الاتجاهِ الآخَر؛ اتجاهِ القوَّة، و«المعرفةُ قوة»، وظهورُ القوةِ يَكمُنُ في إظهارِ المعرفةِ حقيقةً أو ادِّعاءً. وفي هذا الكتابِ قصصٌ لِرحلاتٍ مِنَ الجهلِ بالذاتِ إلى ما يظنُّه أبطالُها أنَّه العِلْمُ بها … فهل يَصدُقُ ظنُّهم؟

  • الخيط وعين الحياة

    فِي تَناغُمٍ فَلسَفيٍّ وحَبْكةٍ مُتماسِكةٍ قَوِية، تَروِي لنَا نوال السعداوي قِصَّتَينِ تُبيِّنانِ مَا يَتوارَدُ مِن أَسئِلةٍ فِي عَقلِ الفَتاةِ مُنذُ مَولِدِها، للكَشفِ عَن مَكنُونِ جَسدِها الذِي يَتحمَّلُ العَديدَ مِنَ الآلَامِ مِن أَجلِ استِمرارِ هَذِه الحَياة. فِي القِصةِ الأُولى (الخَيْط) تَروِي لنَا الطَّبِيبةُ رِسالةً وَردَتْها مِن إِحدَى مَرِيضاتِها تَتحدَّثُ فِيهَا عَن عَلاقةٍ آثِمةٍ نَشأتْ مَعَ أَبِيها، غَيرَ أَنَّها اكتَشفَتْ بُعدًا آخَرَ للعَلاقةِ الحَميمِيةِ حِينَما مَارَستْها مَعَ صَديقِها بِالعَمَل، وقَدْ نَجَمَ عَن هَذِهِ العَلاقاتِ غَيرِ السَّوِيةِ طِفْل؛ ليُدرِكَ القَارئُ أنَّ الطَّبِيبةَ هِي المَرِيضة، والمَرِيضةَ هِي الطَّبِيبة. أمَّا القِصَّةُ الأُخْرى (عَيْن الحَيَاة) فَتَجرِي أَحدَاثُها بالأردن، وتَدُورُ حَولَ فَتاةٍ وُلِدتْ مَعَ خَمسِ أَخَوات، تَنتظِرُ دَورَها للخُروجِ مِن خَيْمةِ أَبِيها إلى عَالَمٍ آخَر … إِلى بَيتِ زَوجِها، فتُقابِلُ امرَأةً عَجُوزًا تُغيِّرُ مِن نَظرَتِها لِلحَياة، وتُطلِقَ عَلَيها «عَيْن الحَيَاة».

  • الإنسان: اثنتا عشرة امرأة في زنزانة

    «أنا قلت رأيي ورأيي هو كده، واللي يعملوه يعملوه. خَدوا مننا كل حاجة، خدوا شبابنا وطفولتنا، خدوا وظايفنا وفلوسنا، خدوا كل حاجة فينا ومافضلش غير إن احنا نقول رأينا. هو مش عاوزنا نقول رأينا كمان؟»

    فِي السِّجنِ تَسقُطُ الأَقنِعةُ وتَظهَرُ المَعادِنُ الحَقيقِيةُ للنَّاس، وفِي سُجونِ النِّساءِ حِكايَاتٌ لا تَنتهِي؛ فَداخِلَ عَنبرِ السِّياسيَّاتِ صَاحِباتُ الرَّأيِ اللَّاتِي فَقدْنَ حُرِّيتَهُنَّ لِمُجرَّدِ التَّعبِيرِ عَن رَأيِهنَّ الَّذِي يَتنوَّعُ بينَ الاعتِدالِ والتَّطرُّف، وعَنبَرُ المُتَسوِّلاتِ يَحوِي مَن يَرى النِّظامُ أنَّ فِي فَقْرِهنَّ جَريمةً تَستَوجِبُ العِقابَ أو مَرضًا مُجتمَعِيًّا جَدِيرًا بِعَزلِ صَاحِبَتِهِ عَن بَاقِي المُجتمَع، أمَّا عَنبرُ الدِّعارَةِ فَفِيهِ مَن بِعْنَ أَجْسادَهُنَّ — فَقَط — عَن رِضًا أو اضْطِرارٍ كَي لا يَلجأْنَ إِلى التَّسوُّلِ أو فِعلِ جَرائِمَ أُخْرى تَضَعُهنَّ فِي عَنابِرَ مِن فِئةٍ مُختلِفَة، والفِئةُ الخَطِرَةُ صَاحِباتُ جَرائِمِ القَتلِ لَهُنَّ مَكانٌ ومَكانَةٌ خَاصَّةٌ فِي عَنبَرِ القَتَّالات … كُلُّها عَنابِرُ مَليئةٌ بالأَسْرار، فِيها مَا يَستدْعِي التَّعاطُف، وَمَا يَستَوجِبُ المُساعَدَة، وَما يَستَحِقُّ مُعامَلةً مُختلِفَة … وَلَكِن مَا لا شَكَّ فِيهِ أنَّها كُلَّها تَستَحِقُّ إِعادَةَ النَّظَر.

  • موت معالي الوزير سابقًا

    «أحسستُ فجأةً كأنما أصبحتُ ساقطَ قيد، كأنما اسمي سقَطَ من فوق جسدي ولم يَعُد لي اسم، وفي كل يومٍ حين أفتِّش في الصحف عن اسمي فلا أجده يتأكَّد لديَّ الإحساسُ بأنني أصبحتُ جسدًا بغير اسم.»

    قيل قديمًا: «ومِن الحب ما قتل.» وأي الحب لا يقتل؟ ولكن الموت لا يكتفي بالأبدان؛ فالأرواحُ تعتلُّ وتموت إذا ما أُصِيبت في حبِّها، وما أقسى العيشَ بجسدٍ صحيح وروحٍ عليلة! وحبُّ الأشخاص والأشياء ما هو في الحقيقة إلا انعكاسٌ لحب الذات؛ فنحن لا نحبُّ الأشياء لذواتها، ولكننا نحبُّ أنفسَنا فيها، نحبُّ أنفسَنا في موضعَيِ السلطة والخضوع، ونتلذَّذ بالقسوة كما اللِّين، ونرى في الفراق داعيًا للقُرْب، وفي الاقتراب خوفًا من هَتْك أستارِ النفس يبعث على الفراق، ونحبُّ الأماكنَ لأنها تذكِّرنا بنا، بمشاعرنا فيها … فحبُّ الذات أساسُ كلِّ حب، والحبُّ أساسُ كلِّ حياة؛ فمَن سَلِمتْ له ذاته فقد سَلِمتْ له الحياة.

  • الأغنية الدائرية

    «ولَكِن لَا بُدَّ لِي أَنْ أُنهِيَ القِصَّة؛ فَكُلُّ شَيءٍ لَهُ نِهَاية، لَكِنَّ نُقطَةَ النِّهَايةِ فِي هَذهِ القِصَّةِ لَا أَستَطِيعُ تَحدِيدَها.»

    فِي مُجتَمَعِنا الشَّرقِيِّ قَد يُعاقَبُ المَجنِيُّ عَلَيه لأَنَّهُ سَمَحَ لِلجَاني أَنْ يُوقِعَ جِنَايتَهُ عَلَيه، فَإنْ كَانَ الجانِي ذَكَرًا وَالمَجنِيُّ عَلَيه أُنثَى، فَلَا حَرَجَ أَنْ تُسلَبَ حَياتَها عِقابًا لَهَا عَلَى اغتِصَابِ شَرَفِها. فعَلى الرَّغمِ مِن أَنَّهُما تَوأَمَانِ تَشَارَكَا مَعًا فِي أَحشَاءِ أُمٍّ وَاحِدَة، وَجَمَعَهُما الشَّبَهُ الكَبِيرُ بَينَهُما، فَإِنَّ المُجتمَعَ الذِي عَاشَا فِيهِ لَا يَعتَرِفُ بِكُلِّ هَذهِ الصِّفَاتِ المُشتَرَكةِ بَينَهُما، وَيَضَعُ الحَواجِزَ بَينَهُما؛ فَهَذا ذَكَرٌ وهَذهِ أُنثَى، هَذا يَكتُبُ التَّارِيخَ وَبِاسمِهِ تُكتَبُ الأَحدَاثُ والبُطُولات، وهَذهِ امرَأَةٌ خُلِقَتْ لِتَلبِيةِ احتِيَاجاتِهِ الجِنسِيَّةِ والجَسدِيَّة. فِي «الأُغنِيةِ الدَّائِريةِ» تَعزِفُ نوال السعداوي عَلَى وَتَرِ النِّظامِ الذُّكُوريِّ الذِي سَيطَرَ عَلى كُلِّ شَيءٍ وَلَمْ يَترُكْ لِلمَرأَةِ سِوَى مَكَانةٍ ثَانَويةٍ عَلى هَامِشِ نِظَامِه.

  • موت الرجل الوحيد على الأرض

    «حَمَلَها الشَّيخُ حمزاوي والشَّيخُ متولي إلى البيتِ، وفي صَباحِ اليومِ التَّالي دَفَنَاها كما هي بالطِّفْلِ بينَ ذِرَاعَيْها، بعدَ أنِ اشْتَرَى لها حمزاوي كَفَنًا حَرِيريًّا أَخْضَرَ … وكانَ كَفَنُ فتحيةَ هوَ الكَفَنَ الوحيدَ الذي لم يَسْرِقْهُ متولي، وكانتْ جُثَّتُها هي الجثَّةَ الوَحيدةَ في كَفْرِ الطِّينِ التي لم يَقْرَبْهَا.»‎

    في «كَفْرِ الطِّينِ» تَعِيشُ المرأةُ مُرْتَدِيَةً رِدَاءً من طِينٍ؛ يَحْجُبُ وَجْهَهَا، ويَسْتُرُ جَسَدَهَا بعدَ موتِها. في قَريةٍ رِيفيَّةٍ بسيطةٍ يَتجلَّى القَهرُ الذُّكوريُّ وتَتُوهُ المرأةُ في ظلِّ مَتاهةِ الفقرِ والجِنسِ والدِّينِ؛ فعلى أَعتابِ الفَقرِ تَترُكُ كرامَتَها وتَخْدُمُ في بيتِ العُمْدَةِ، لا لِشيءٍ إلا لأنَّها تَحتاجُ إلى العِشرينَ قِرشًا؛ أُجْرَتَها اليوميَّةَ التي تُدفَعُ لها نَظِيرَ مَجهُودِها في التَّنظيفِ والصَّمتِ عن أيِّ تحرُّشٍ جَسَدِيٍّ؛ فالفَقرُ بوابةُ ارتِمائِها في حُضنِ رجلٍ لا تُريدُهُ. وباسمِ الدِّينِ يَتَّخِذُ هذا اللِّقاءُ إطارًا شرعيًّا. وفي رِوايَتها تَنْسِجُ نوال السعداوي من واقعِ بَعضِ النساءِ مِثْلِ زينبَ وفتحيةَ ونفيسةَ وغيرِهنَّ حالَ السيَّداتِ الرِّيفيَّاتِ، وكَيفَ تَتحالفُ السُّلْطَةُ (العُمدة) والدِّينُ (إمام الجامِع) والجَهْلُ (الحلَّاق) لِخَلْقِ مُجتمَعٍ تكونُ فيه المرأةُ وَسيلةً للإمْتاعِ فقَط.

  • الأنثى هي الأصل

    «وقد أدرَكَ المجتمع الإنساني البدائي المكوَّن من الذكور والإناث أن الأنثى بالطبيعة أصل الحياة، بسبب قدرتها على ولادةِ الحياة الجديدة، فاعتبروها أكثرَ قدرةً من الذَّكَر، وبالتالي أعلى قيمةً.»

    تطوَّرت النظرةُ إلى الأنثى عبر تطوُّر الأنظمة البشرية على مدار التاريخ؛ ففي النشأة الأولى تحتَّمَ وجودُ التكافؤ التام بين الذَّكَر والأنثى، وظهر جليًّا دورُ كلٍّ منهما في إكمالِ الآخَر نفسيًّا وجسديًّا، ولكنْ مع تباعُد الأزمان والأماكن تغيَّرت النظرةُ إليها في اتجاهِ الانتقاص من الحريات والحقوق مقابل الزيادة فيها للذكور، وتزايَدَ ذلك مع تسطيحِ النظرةِ إلى الفروقات بين الطرفين من النواحي البيولوجية والفسيولوجية والتشريح خارجَ إطارِ الأدلةِ العلميةِ المُعتَدِّ بها، حتى صار الوضعُ الأدنى للمرأة أمرًا مفروضًا عليها من المجتمع، وإنْ كان يُغلَّفُ في بعض الأحيان بمظهرِ الاحترام الظاهري والإتيكيت والمعامَلةِ الرقيقة. ويسلِّط هذا الكتابُ الضوءَ على الأصل المنسِيِّ للكائنات، وعلى مكانةِ الأنثى الحقيقية؛ وذلك من خلال تحليلٍ فني لعلومٍ مختلفةٍ ساعدَتْ في التعرُّفِ على الوضعِ الحقيقي لها؛ وذلك بهدفِ إسقاطِ القيود الفكرية، والتحرُّرِ من أغلال العادة، والعودةِ إلى الصورةِ البَدْئيةِ للمجتمعات.

  • الغائب

    «ولكنْ لم يكنْ بينَها وبينَ فريدٍ شيءٌ اسمُهُ آخَرون، أو شيءٌ اسمُهُ نفسُها ضدَّ نفسِه، كانا يتبادلانِ كلَّ شيءٍ في الحُبِّ حتى نفسَيْهما، فتُصبحُ هي نفسَه ويُصبحُ هو نفسَها، ويُدافِعُ هو عن حقوقِها، وتتولَّى هي الدفاعَ عن حقوقِه.»

    الغائبُ شبح، وكأنه ظِلٌّ وتلاشَى، ننتظرُه بكلِّ شوق، ورجوعُه محضُ خيال، يُداعِبُنا بذكرياتِنا، ويَخلقُ أملًا يائسًا، نحن نعرفُ ذلك، وأملُنا في الانتظار. على الرغمِ من عدمِ خروجِ الدكتورة « نوال السعداوي» عن أفكارِها المعتادةِ الخاصةِ بحقوقِ المرأةِ والمعاناةِ التي تَلْقاها منذ ولادتِها وحتى موتِها، فإنها في روايةِ «الغائب» استطاعَتْ أنْ تأسِرَنا من جديدٍ في تفاصيلِ شخصياتِها المثيرة؛ «فريدة» تلك الفتاةُ التي تُعاني منذ صغرِها معَ مجتمعِها الذي يُحرِّمُ تفكيرَها، ويُقيِّدُ حرِّيتَها، ويُكبِّلُها بتقاليدِه، الكيميائيةُ الحالمةُ بكسرِ قيودِ عملِها التقليدي، وافتتاحِ معملِها الخاص، والعيشِ بجوارِ حبيبِها «فريد» الذي يهجرُها فجأةً دونَ إبداءِ أسباب، حتى كادَ المرضُ يأكلُها إلى أنْ تأتيَ رسالةُ النجاةِ من الغائب.

  • زينة

    «تمدَّدتْ بُدور الدَّامهيري فوقَ الرَّصيف، أصبحَ جسدُها ممدودًا فوقَ الأَسفلت، تحتَ لهيبِ الشَّمسِ وصقيعِ البرد، جفونُها نصفُ مغلَقةٍ نصفُ مفتوحة، صدرُها لا يعلُو ولا يهبِط، لا شيءَ فيها يتحرَّكُ إلا ثوبُها القُطنيُّ الأبيضُ الخفيف، يُحركُه الهواء، ترفعُه الريحُ عن جسدِها الرَّاقدِ فوقَ الرَّصيف، من حولِها أطفالُ الشَّوارع يُغنُّون: ماما زمانها جايه، جايه ومعاها هديه …»

    ليسَ غريبًا أن يحاسَبَ الإنسانُ على ذنبٍ لم يَفعلْه، أو على خطيئةٍ اقترفَها غيرُه؛ فهكذا تدورُ رَحى الدُّنيا على الإنسانِ فلا يجدُ غيرَ مصيرِه المحتومِ أمامَه، ما دام يعيشُ في مجتمعٍ يسيطرُ عليه الأخُ الأكبر، الذي لا بدَّ أن يُنصِتَ له الجميع. مأساةٌ جديدةٌ تُجسِّدُها الكاتبةُ «نوال السعداوي» في روايتِها «زينة». تلكَ الطفلةُ التي وُلدتْ لأبٍ مجهولٍ في أوراقِ الحكومةِ الرَّسمية، معروفٍ بفعلِه؛ وأوضحُ دليلٍ عليه طفلةٌ بريئةٌ موهوبة، يُشارُ إليها بالبَنان، أصابعُها تتحرَّكُ فتُخرجُ أجملَ الأَلحان، وأعذبَ الأصوات؛ لكنَّها الدُّنيا لا تستقيمُ على حالٍ فتواجِهُ مجتمعًا يَحوي أرخصَ الأَساليبِ تجاهَ مجهُولِي النَسَب، وبيروقراطيةً قاتلة، وشيوخًا يعيشونَ في صحراءِ الفكرِ والجهل، وصحافةً لا تهتمُّ لغيرِ الفضيحة، ولا تجيدُ غيرَ نفاقِ السُّلطة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠