مدخل إلى مدخل
طوال العقدَين المنصرمَين، ساد الجدالاتِ في الغرب خطابٌ يستعصي على مجرد الإغفال البسيط، من جهة، كما يستعصي على محاولات إدماجه ضمن القوالب الفكرية المستقرة، من جهة ثانية. وتخلَّل هذا الخطاب مختلف أوجه الحياة الفكرية، طارحًا في علم الجمال والنظرية الثقافية مشكلة ما إذا كانت الحداثة في الفنون لم تمُت فعلًا، وطارحًا في الفلسفة نهاية التقاليد الحديثة المستندة على كانط وهيجل وماركس، مقابل الاحتفاء «بفلسفة» ما بعد حداثية ترتبط بأسماء نيتشه، وهايدجر، ثم ديريدا، وليوتار … إلخ. وقد امتد تأثير هذا الخطاب ليطبع بطابعه مختلفَ مجالات الإبداع، من العمارة وترتيب الفراغ إلى الفنون التشكيلية والبصرية والمشهدية وفنون الموسيقى وحتى الكتابة الإبداعية ووسائل الإعلام والإعلان … وبذلك أصبح محدِّدًا هامًّا في مناقشات الخطاب النقدي والنظرية الاجتماعية ونظرية المعرفة … إلخ. هذا الخطاب الشديد الاتساع والتنوع، هو ما أصبح يُطلَق عليه اسم «ما بعد الحداثة» وهو ما يطمح هذا الكتاب إلى تقديم مدخلٍ إلى مناقشته النظرية.
ولو اخترنا أن نقرأ الخطابات النظرية باعتبارها استجابةً لأزماتٍ تاريخية، لوجدنا أن ظهور خطاب ما بعد الحداثة يشير إلى حدوث تحولاتٍ هامة في المجتمعات الغربية؛ تطورات اقتصادية وتكنولوجية تثير القلق، وفوران اجتماعي وثقافي ناشئ عن تحلُّل أنماط التفكير والحياة المألوفة والمستقرة.
وفي نفس الوقت يشير الانتشار الواسع لهذا الخطاب إلى عمق هذه التحولات.
والمقالات القليلة التالية تضع على عاتقها أن تكون مدخلًا إلى مناقشة ما بعد الحداثة، مع المحافظة على أن تمثِّل حالة حوارٍ تتفاعل فيها مواقف أساسية من الموضوع، وذلك بدلًا من مجرد الشجب البسيطي أو الحفاوة المتواطئة. وإذا كان اختيار المقالات في ذاته ينطوي على موقفٍ بالضرورة، فلا مفَر من ذلك. كذلك لا مفَر من أن يجد القارئ أن هذا التقديم ينحاز لوجهاتِ نظرٍ شخصية أرجو ألا تعوق حريته في اتخاذ وجهاتِ نظرٍ غيرها.
إلا أن مما لا شك فيه أن الحديث عما بعد الحداثة التي تجسِّد التحولات العميقة والبعيدة المدى في المجتمعات الغربية قد يبدو لنا في العالم الثالث أمرًا بعيدًا عن اهتمامنا المباشر؛ فما بالنا نناقش هموم مجتمعٍ استهلاكي مُفرِط التطور تكلَّسَت فيه الحداثة بحيث أصبح الكلام يدور عن إنكار الأيديولوجيا، وعدم إمكانية المعرفة (فالذات منقسمة أو مفتَّتة إن لم تكن قد ماتت، والوعي أصبح وعيًا فصاميًّا. بينما تحوَّل الشيء أو الموضوع إلى صورة أو شبيه لذاته)، بل وعن نهاية التاريخ، بينما نحن ما زلنا نكافح لإرساء حداثةٍ متماسكة، ومساحاتٌ ضخمة من عقولنا وواقعنا لا تزال غارقة في ما قبل الحداثة؟
دعونا لا نغتر بالظواهر؛ فما بعد الحداثة تحيط بنا من كل جانب في عصر إضفاء الطابع الكوني على الاستهلاك والإنتاج، وفي الصدارة منه الإنتاج الثقافي. وإذا صحَّت فرضية جيمسون القائلة، بأن ما بعد الحداثة هي المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة أو المتعددة القومية، فإن الرأسمالية الأنقى لعصرنا هي التي طرحَت على نفسها مهمة تصفية، والتغلغل إلى، آخر جيوب التنظيم ما قبل الرأسمالي التي تحملَتها حتى الآن واستغلَّتها بطريقةٍ ريعية، لتدمجها ضمن شبكةٍ واحدةٍ هائلة تضُم العالم بأَسْره. مما يدفعنا للحديث عن استعمارٍ جديد وأصيل تاريخيًّا للطبيعة واللاوعي: ألا وهو تدمير زراعة العالم الثالث السابقة على الرأسمالية بواسطة الثورة الخضراء، وصعود صناعة وسائل الإعلام والإعلان (جيمسون). وفي ظل ذلك نحيا نحن عند الحدود الفاصلة بين ترتيبٍ عقلاني للحياة، من جهة، وبين الفوضى والفصام ما بعد الحداثيَّين من جهةٍ أخرى. وتزداد باطِّراد المساحات التي يحكُمها المنطق ما بعد الحداثي مع اكتساح الطابع السلعي وصنمية السلعة لمساحاتٍ من حياتنا تتسع باستمرار (إيجلتون). ولا يمكنُنا الإفلات من هذا السياق؛ فتبعيتُنا للسوق الدولية تجرفُنا إلى قلب الدوَّامة بكل ما لذلك من آثار.
من هنا، فإن واجبنا الذي لا يمكننا الإفلات منه، هو أن نبذل جهدًا للتفكير في هذا التطور الثقافي للرأسمالية المتأخرة باعتباره كارثة وتقدمًا معًا. وأرجو أن يخرج القارئ بهذا الموقف الجدلي وإلا فما أسهل أن نعاود الانزلاق إلى الموقف الشائع — الأكاديمي الطابع، الفقهي الروح، والشديد الضرر — المتمثل في الاحتماء من أي تغيراتٍ محتملة في حياتنا خلف سلطة نصٍّ مبجل. إنه موقف مقارعة الواقع «بما بين أيدينا»، الذي ظل لزمنٍ طويل من تقاليد جدالاتنا. والنتائج الوخيمة لذلك ماثلةٌ أمامنا في مجالاتٍ عديدة لا أعتقد أن ما بعد الحداثة ستكون استثناء منها؛ فقد طبع هذا الموقف الدوجمائي طابعه بقوة على الفكر الراديكالي بحيث جعل من يفترض فيهم أن يتلمَّسوا أفق المستقبل حُراسًا للماضي، لنصٍّ محفوظ ومجمَّد، يرفضون رغم الشواهد العديدة، أن يكون العالم قد تغيَّر عنه قيد أُنملة.
أعتقد أن من واجب الراديكاليين الآن، في مواجهة مداهمة «نظام عالمي» جديد للرأسمالية المتأخرة، تجنُّب الانزلاق إلى الحلم بارتدادٍ — مستحيل — إلى أنساق [قومية أو عِرقية] أصغر، يعتقد، من ثَم، أنها أقل قمعًا وشمولًا، وأن يفكروا جدليًّا في هذا التطور على غرارِ ما فعل ماركس أو لينين اللذان فَهِما الأبعاد التي بلغَها رأس المال في عصرَيْهما على أنها الوعد، والإطار، والشرط المسبق لتحقيق اشتراكية جديدة أكثر شمولًا.
فإزاء الفضاء الأكثر عالمية وكلية للنظام العالمي الجديد، لا بد من تطوير نزعةٍ أممية من طرازٍ جديد جذريًّا.
وربما كان من المفيد أن نتذكَّر أن نظريات ما بعد الحداثة (التي تتعدد خطاباتُها وتتنافر بقدر تعدُّد خطابات الحداثة) إذا كانت تنفي مقولة النظرية ذاتها، أو ما يسميه ليوتار «الميتا-حكايات»، فإنها ما زالت نظريات. وإذا كانت الحداثة قد أنتجَت منظومةً من المؤسسات، والممارسات، والخطابات التي تُضفي الشرعية على أنماط سيادتها وسيطرتها، وتمخَّضَت وعود الحداثة في التحرر عن أشكالٍ من القمع، فإننا نشهد الآن تحوُّل ما بعد الحداثة ذاتها إلى خطابٍ مؤسَّسي الطابع يتمشَّى مع الثقافة الرسمية في المجتمع الغربي. إلا أن هناك ما بعد حداثات تُصِر على أن تظل تعبيرًا عن تناقضات النظام وعبثيته. واكتشافُ هذه الإمكانات الكامنة في كل تحوُّلٍ جديد هو الشرط الضروري لكسر الطوق المحكَم الذي يفرضه تطوُّر النظام على عقول البشر.
يكاد جميع المشاركين في هذا الكتاب أن يُجمعوا على حدوث هذا التحوُّل الجذري في بنية المجتمعات المتقدِّمة، لكن هذا الإجماع هو مقدِّمة الخلاف برُمَّته. الخلاف حول تشخيصه، ومفصلته، وعلاقته بالحداثة الأسبق.
كذلك يكاد الجميع أن يُجمعوا على كون ما بعد الحداثة ظاهرةً أمريكية أساسًا، تأتي، بالنسبة لنا، مصاحبةً للهيمنة الأمريكية بعد الانتصار في ميادين القتال في الحرب العالمية الثانية، وعلى كونها التقت في مرحلةٍ لاحقة باتجاهاتِ ما بعد البنيوية الأوروبية، وعلى كونها تعبيرًا عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأَت على المجتمع الأمريكي، ورفعَتْها الرأسمالية المتعدِّدة القومية إلى مرتبة نموذجٍ مثالي يجري تعميمُه على مستوى العالم كله.
ومهما كان ما يَعِد به هذا الانعطاف خانقًا، فلن يكون من السهل أن نرفض مسبقًا الإمكاناتِ التي يُتيحها تيارٌ يفرضُ إعادة النظر مثلًا في الطابع المركزي-الأوروبي للنزعة الإنسانية، الذي يُعد أحد أسس الحداثة؛ فقد ارتبط اكتشاف الغرب لثقافات وحضارات الشعوب الأخرى بتوسُّع عملية الاستعمار، فلم تفلِت هذه الثقافات قَط من نزعة إعلاء الثقافة الغربية ووضع تلك الثقافات الأخرى في إطار النزعة الغرائبية أو الدونية أو كلتَيْهما معًا. وإعادة طرح إشكالية الذات في علاقتها بالآخر، والتشكيك في يقين الحداثة أنها تتكلم باسم إنسانيةٍ موحَّدة ومتجانسة، يتيحان فرصةً جديدة لتفاعلٍ أكثر تكافؤًا بين الثقافات. أما الانفتاح على الآخر — الداخلي والخارجي — فيتيح إعادة الاعتبار إلى الهامش والخطاب الهامشي، ويفتح آفاقًا أوسع أمام الابتكار والخيال.
كذلك فإن انتقاد فكرة التقدُّم، التي ظلت مرتبطةً بمفهوم التحديث الرأسمالي الذي نُعاني من وطأته، يُتيح لنا نقد مسار التطوُّر الغربي وضيق حدود العقلانية البورجوازية، مما يجعلها فريسةً لزحف الاتجاهات اللاعقلانية مع تزايد أزمة المجتمع. تشهد على ذلك التطوراتُ الجارية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي أصبحَت تهدِّد بإلحاق الدمار بالكرة الأرضية إلى مدًى يتجاوز كل إمكانية للبشر على إصلاح الضرر؛ فالازدياد الهائل في طاقات المجتمع لا تصاحبه زيادةٌ في القدرة على السيطرة عليها وترشيدها، بل يصاحبه انحسارٌ هائل في هذه القدرة. والضيق والتركُّز الشديدان والمتزايدان في دوائر اتخاذ القرار يجعل شبح «القيامة» النووية أو البيئية يطارد عقولَ الأغلبية الساحقة المحرومة من التأثير على مستقبلها التي تجد نفسها بلا حولٍ في مواجهة هذا التهديد.
هل تكفي هذه الأمور، بين كثيرٍ غيرها، مبررًا لنا للتجاسر على الخوض في هذا الموضوع الهام، ومناسبة لدعوة القارئ الكريم إلى مناقشته بما يستحق من اهتمام؟ أرجو ذلك، لأن ما بعد الحداثة، بوصفها الإطار والشرط المسبق لأي تفكير في تغيرٍ جديد، تظل، كما يؤكد هويسن في مقاله، هي مشكلتنا وأملنا.