الرأسمالية والحداثة وما بعد الحداثة
تيري إيجلتون
في مقاله بعنوان «ما بعد الحداثة، أو المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة» (نيولفت
ريفيو،
رقم ١٤٦)، يجادل فريدريك جيمسون
Fredric Jameson بأن
المُقَابَسَة
١⋆ [الباستيش]
Pastiche، وليس المحاكاة الساخرة [الباروديا]
Parody، هي النمط الملائم لثقافة ما بعد الحداثة. ويكتب
قائلًا إن «المقابسة، مثل المحاكاة الساخرة، هي محاكاة لقناعٍ غريب، حديث بلغةٍ ميتة،
لكنها
ممارسة محايدة لتلك المحاكاة، بدون أيٍّ من الدوافع الأخرى للمحاكاة الساخرة، مقطوعة
الصلة
بالحافز التهكُّمي، ومفرغة من الضحك ومن أي اقتناعٍ بأنه بمحاذاة اللغة الشاذة التي
استعرتُها للحظة، ما زال ثمَّة بعض السواء اللغوي الصحي.» هذه نقطة ممتازة؛ لكنني
أودُّ أن
أشير هنا إلى أن نوعًا ما من المحاكاة الساخرة ليس غريبًا تمامًا عن ثقافة ما بعد
الحداثة،
رغم أنه ليس نوعًا يمكن أن يُقال عنه إنه واعٍ بوجهٍ خاص. وما تجري المحاكاة الساخرة
له من
جانب ثقافة ما بعد الحداثة، بحلِّها للفن إلى الأشكال السائدة للإنتاج السلعي، ليس
أقل من
الفن الثوري للطليعة في القرن العشرين؛ فكأنما ما بعد الحداثة هي، بين أشياء أخرى،
نكتةٌ
سخيفة على حساب تلك الطليعية الثورية، التي كان أحد دوافعها الرئيسية، كما جادل بيتر
بورجر
Peter Bürger بصورةٍ مقنعة في عمله نظرية الطليعة
Theory of the Avant-Garde هو فك الاستقلال الذاتي
المؤسسي للفن، ومحو الحدود بين الثقافة والمجتمع السياسي، وإعادة الإنتاج الجمالي
إلى مكانه
المتواضع، غير المتميز، ضمن الممارسات الاجتماعية ككل.
٢ … في الأعمال الفنية ذات الطابع السلعي لما بعد الحداثة، يعود الحلم الطليعي
للتكامل بين الفن والمجتمع في صورةٍ كاريكاتوريةٍ بشعة؛ يُعاد تمثيل مأساة ماياكوفسكي
من
جديد، لكن كمهزلة هذه المرة؛ فكأنما تمثِّل ما بعد الحداثة الانتقام الساخر الذي جاء
متأخرًا، والذي تُوقِعه الثقافة البورجوازية بخصومها الثوريين، الذين يتم الاستحواذ
على
رغبتهم الطوباوية في اندماج الفن والممارسة الاجتماعية، وتُشوَّه وتُعاد إليهم باستهجان
بوصفها واقعًا طوباويًّا-فاسدًا
dystopian.
٣⋆ من هذا
المنظور، تحاكي ما بعد الحداثة التحلُّل الشكلي للفن والحياة الاجتماعية الذي حاولته
الطليعة، بينما تُفرغه بلا رحمة من مضمونه السياسي؛ قراءات شعر ماياكوفسكي في ساحة
المصنع
تصبح أحذيةً وعُلَب حَسَاء وارهول
Warhol.
أقول كأنما تُحدث ما بعد الحداثة هذه المحاكاة الساخرة؛
لأن جيمسون على صواب بالتأكيد في زعمه أنها في الواقع أحيانًا ما تكون بريئة تمامًا
من أي
دافعٍ تهكُّمي ملتوٍ من هذا النوع، ومُفرغة تمامًا من نوع الذاكرة التاريخية التي
قد تجعل
مثل هذا التشويه واعيًا بذاته؛ فوضع كومة من قوالب الطوب في قاعة تيت جاليري
Tate Gallery مرةً قد يُعد تهكميًّا، لكن تكرار هذا
الفعل إلى ما لا نهاية هو إهمالٌ مطلق لأي قصدٍ تهكُّمي من هذا النوع؛ حيث إن قيمة
الصدمة
فيه يتم إفراغها بعنادٍ بحيث لا تترك شيئًا يتجاوز الواقعة الفظَّة. إن الأسطح المجردة
من
العمق، المجردة من الأسلوب، المجردة من التاريخية، المجردة من التعلق العاطفي، لثقافة
ما
بعد الحداثة ليس المقصود منها أن تعني استلابًا؛ لأن نفس مفهوم الاستلاب لا بد أن
يطرح
خفيةً حلمًا بالأصالة تجده ما بعد الحداثة غير مفهوم تمامًا. تلك الأسطح المبطَّطة
والأوجه
الداخلية المجوَّفة ليست «مستلبة» لأنه لم يعُد ثمَّة ذاتٌ لتُستلب ولا شيء يجري الاستلاب
عنه، ﻓ «الأصالة» لم تُرفض بقَدْر ما نُسيَت ببساطة. ومن المستحيل أن نستشفَّ في تلك
التكوينات، مثلما في الأعمال الفنية للحداثة بمعناها المحدَّد، وعيًا عابسًا، معذبًا
أو
مستهجنًا، بالنزعة الإنسانية التقليدية المعيارية التي تطمسها تلك التكوينات؛ إذ لو
كان
العمق وهمًا ميتافيزيقيًّا، فلا يمكن إذن أن يكون ثمَّة شيءٌ «سطحي» بالنسبة لتلك
الأشكال
الفنية؛ لأن المصطلح نفسه لم تعُد له قوة. هكذا فإن ما بعد الحداثة هي محاكاةٌ ساخرةٌ
رهيبة
لليوتوبيا الاشتراكية، ألغت كل استلاب بضربةٍ واحدة. إنها برفعها الاستلاب إلى الأس
التربيعي، مُستلبةً إيانا حتى عن استلابنا ذاته، تحضُّنا على إقرار تلك اليوتوبيا
ليس
بوصفها غاية بعيدة معنية، بل، بصورة مدهشة، على أنها ليست
أقلَّ من الحاضر نفسه، الطافح كما هي الحال بوضعيَّته الفظَّة، الذي لا يخدشه أدنى
أثرٍ
للنقص. إن التشيؤ، بعد أن مد إمبراطوريته عبْر مجمل الواقع الاجتماعي، يمحو نفس المعيار
الذي يمكن بواسطته إدراكه على ما هو عليه وبذلك يُلغي نفسه بصورةٍ ظافرة، معيدًا كل
شيء إلى
وضعه الاعتيادي. كان الغموض الميتافيزيقي التقليدي مسألة أعماق، وضروب غياب، وأسس،
واستكشافات سحيقة، بينما غموض بعض الفن الحداثي هو مجرد الحقيقة التي توجِّه الذهن
إلى أن
الأشياء هي ما هي، متطابقة مع ذاتها على نحوٍ تآمري، ومجردة تمامًا من العلة، أو الدافع،
أو
الإقرار؛ أما ما بعد الحداثة فتحافظ على هذه الهوية-الذاتية، لكنها تمحو فضائحيتها
الحداثية. يتم تجاوز مأزق ديفيد هيوم بدمجٍ بسيط؛ الواقع هو القيمة. واليوتوبيا لا يمكن أن تنتمي إلى المستقبل لأن المستقبل، في
هيئة التكنولوجيا، قد حلَّ فعلًا، متزامنًا تمامًا مع الحاضر. وويليام موريس، في حلمه
بأن
يذوبَ الفن في الحياة الاجتماعية، يتضح أنه، كما يبدو، كان نبيًّا حقيقيًّا للرأسمالية
المتأخرة؛ إذ إن الرأسمالية المتأخرة، باستباقها لتلك الرغبة، وبتحقيقها لها بتعجلٍ
سابق
للأوان، فإنها تقلب نفس منطقها ببراعة، وتعلن أن العمل الفني إذا كان سلعة، فإن السلعة
يمكنها دائمًا أن تكون عملًا فنيًّا. إن «الفن» و«الحياة» يتهاجنان فعلًا — مما يعني
القول
بأن الفن يصوغ نفسه في قالب شكل سلعي يكون مكتسيًا بالفعل ببريقٍ جمالي، وذلك في حلقة
محكمة
الإغلاق. يبدو أن الآخرة eschaton قد حلَّت فعلًا تحت أنوفنا ذاتها، لكنها بلغَت من
الانتشار والمباشرة حدَّ أن تصير لا مرئية لأولئك الذين ما زالت عيونُهم موجَّهة بعنادٍ
صوب
الماضي أو المستقبل.
احتقرَت الجمالياتُ الإنتاجية النزعة لطليعة بداية القرن العشرين مقولة «التمثيل»
representation الفني بالنسبة لفن سيكون «انعكاسًا»
بدرجةٍ أقلَّ من كونه تدخلًا ماديًّا وقوةً منظمة. أما جماليات ما بعد الحداثة فهي
محاكاةٌ
ساخرةٌ كئيبة لتلك النزعة المضادة-للتمثيل؛ فإذا لم يعُد الفن يعكس، فليس ذلك لأنه
يسعى إلى
تغيير العالم وليس إلى محاكاته، بل لأنه ليس ثمَّة في الحقيقة شيءٌ يمكن عكسُه، ليس
ثمَّة
واقعٌ لم يعُد هو نفسه صورة فعلًا، استعراضًا، شبيهًا
simulacrum، اختلاقًا
fiction مجانيًّا. والقول بأن الواقع الاجتماعي قد
اصطبغ على نطاقٍ واسع بالطابع السلعي يعني القول بأنه قد أصبح على الدوام «جماليًّا»
— في
نسيجه، وتغليفه، وصنميَّته، وليبيديَّته،
٤⋆ وأن يعكس
الفن الواقع يعني إذن بالنسبة له أنه لا يفعل أكثر من أن يعكس ذاته مرآويًّا، في
مرجعية-ذاتية مبهَمة هي في الحقيقة إحدى أعمق بِنيات صنَمية السلعة؛ فالسلعة هي صورة
بمعنى
«انعكاس» أقل مما هي صورة لذاتها، وكل وجودها المادي مكرَّس لتقديمها-الذاتي؛ وفي
مثل هذا
الشرط فإن الفن الأكثر أصالة في تمثيليته يصبح، بصورةٍ متناقضة، هو العمل الفني
المضاد-للتمثيل، الذي يُبين إمكانه وحقيقيَّته مصير كل موضوعات الرأسمالية المتأخرة؛
إذ لو
كانت لا واقعية الصور الفنية تعكس مرآويًّا لا واقعية مجتمعها ككل، فإن هذا يعني إذن
أنها
لا تعكس مرآويًّا شيئًا واقعيًّا؛ ومن ثَم لا تعكس مرآويًّا على الإطلاق في الحقيقة.
وتحت
هذا التعارض تكمن الحقيقة التاريخية في أن نفس الاستقلال الذاتي والهوية الذاتية الفظَّة
للعمل الفني ما بعد الحداثي هي تأثير
تكامله الشامل ضمن
نظامٍ اقتصادي يكون فيه ذلك الاستقلال الذاتي، في شكل صنَمية السلعة، هو الحالة
السائدة.
إن رؤية الفن على طريقة الطليعة الثورية، ليس بوصفه موضوعًا اكتسب الطابع المؤسَّسي
بل
بوصفه ممارسةً استراتيجية، أداءً، إنتاجًا:
كل هذا، من جديد، يجد مسخه الكاريكاتوري على نحوٍ فظيع على يد الرأسمالية المتأخرة،
التي
يكون «مبدأ الأدائية» هو كل ما يهم بالنسبة لها، كما أبرز جان-فرنسوا ليوتار؛ ففي
كتابه
«الوضع ما بعد الحداثي»
The Postmodern Condition، يلفِت
ليوتار الانتباه إلى «إخضاع» الرأسمالية «الشامل لمقولات الإدراك لهدف أفضلِ أداءٍ
ممكن»؛
ويكتب «إن ألعاب اللغة العلمية، تصبح ألعاب الأغنياء، التي يكون فيها للأغنى أيًّا
كان
أفضلُ فرصة لأن يكونَ على صواب.»
٥ وليس من الصعب، إذن، رؤية علاقة بين فلسفة ج. ل. أوستن وبين شركة آي بي إم
IBM، أو بين مختلف النزعات النيتشوية-الجديدة لحقبة ما
بعد-البنيوية وبين شركة ستاندارد أويل. وليس من المدهش أن تكون النماذج الكلاسيكية
للصدق
والإدراك مكروهةً بشكلٍ متزايد في مجتمع ما يهمُّ فيه هو ما إذا كنتَ تسلِّم البضائع
التجارية أو البلاغية. وسواء بين منظري الخطاب أو معهد المديرين، لم يعُد الهدف هو
الصدق بل
الأدائية، ليس العقل بل السلطة. وأعضاء اتحاد الصناعة البريطانية
CBI هم بهذا المعنى ما بعد-بنيويين تلقائيين بالنسبة
لشخصٍ ساخط تمامًا (ألم يعلموا ذلك؟) إزاء الواقعية الإبستمولوجية ونظرية الصدق القائمة
على
التناظر
Correspondence.
وكون الأمر على هذا النحو ليس سببًا للتظاهر بأن باستطاعتنا أن نعود متنفِّسين الصُّعداء
إلى جون لوك أو جورج لوكاتش، بل إنه مجرد إقرار بأنه ليس من السهل دائمًا التمييز
بين
الهجمات الراديكالية سياسيًّا على الإبستمولوجيا الكلاسيكية (التي يجب أن نعُد من
بينها
لوكاتش المبكِّر نفسه، جنبًا إلى جنب مع الطليعة السوفييتية) وبين الهجمات الصارخة
الرجعية،
وفي الحقيقة، فإن من علامات هذه الصعوبة أن ليوتار نفسه، بعد أن رسم بجهامة الخطوط
العريضة
لأكثر الجوانب قمعيةً لمبدأ الأدائية الرأسمالي Performativity
Principle، لم يجد لديه ما يقدِّمه فعلًا بدلًا منه سوى ما يُعادل في
أثره طبعةً فوضوية لنفس هذه الإبستمولوجيا، أعني مناوشات حرب عصابات ﻟ «خطاب هامشي»
Paralogism [بارالوجيزم] يمكنه من حينٍ لآخر أن يُحدثَ
انقطاعات، وقلاقل، وتناقضات، وتوقفاتٍ كارثية متناهية الصغر في هذا النسق التقني-العلمي
الإرهابي، باختصار، توجه براجماتية «جيدة» ضد براجماتية «سيئة»؛ لكنها ستكون دومًا
خاسرة
منذ البداية؛ لأنها قد تخلَّت منذ زمنٍ طويل عن حكاية التنوير الكبرى grand
narrative عن الانعتاق الإنساني، الذي نعلم جميعًا الآن أنها
ميتافيزيقيةٌ سيئة السمعة. ولا يشك ليوتار في أن «النضالات [الاشتراكية] وأدواتها
قد
تحوَّلَت إلى منظماتٍ للنظام» في كل المجتمعات المتقدمة، وهذا يقينٌ أوليمبي ربما
تحسُده أو
تتساءل عنه المسز تاتشر، بينما أكتب هذا الكلام (وليوتار يلتزم الصمت الحكيم بصَدَد
الصراع
الطبقي خارج الدول الرأسمالية المتقدمة).
وليس من السهل رؤية كيف أن التجريب العلمي النافر غير الأرثوذكسي سيسبِّب الكثير
من
المتاعب للنظام الرأسمالي إذا كان هذا النظام فعَّالًا بما يكفي لكي ينفيَ كلَّ الصراع
الطبقي برُمَّته. إن «العلم ما بعد الحداثي»، كما يوحي فريدريك جيمسون في مقدِّمته
لكتاب
ليوتار، يلعب هنا الدور الذي كان يضطلع به فن الحداثة العليا ذات حين، والذي كان على
نحوٍ
مماثل إعاقةً
Disruption تجريبيةً للنسق المعطى؛ ورغبة
ليوتار في النظر إلى الحداثة وما بعد الحداثة باعتبارهما متصلتَين الواحدة بعد الأخرى،
هي
في جزءٍ منها رفضٌ لمواجهة الحقيقة المزعجة المتمثلة في أن الحداثة قد أثبتَت أنها
فريسةٌ
لإضفاء الطابع المؤسَّسي عليها. وكلتا المرحلتَين الثقافيتَين هما بالنسبة لليوتار
تبدياتٌ
لذلك الشيء الذي يفلِت من، ويُربك التاريخ بقوة الآن الانفجارية، ما ينتمي إلى «الخطاب
الهامشي»
Paralogic بوصفه قفزةً ممكنة بالكاد، تجعل العقل
يجفل، إلى الهواء الطلق تسقط كابوس الزمنية
temporality
والحكاية الكونية
global narrative الذي يحاول بعضُنا
الاستيقاظ منه. إن الخطاب الهامشي، مثله مثل الفقراء، معنا دومًا، لكن ذلك فقط لأن
النظام
معنا دومًا كذلك. إن «ما هو حديث» ليس ممارسةً ثقافيةً معيَّنة أو فترةً تاريخيةً
معيَّنة،
يمكنها من ثَم أن تُعاني الهزيمة والاستيعاب بقَدْر ما هو نوعٌ من الإمكانية الأنطولوجية
الدائمة لإحداث انقطاعٍ في كل التقسيمات إلى مراحلَ تاريخية، بقَدْر ما هو إيماءةٌ
لا زمنية
جوهريًّا لا يمكن تَكرارها أو حسابها ضمن حكايةٍ تاريخية لأنها ليست سوى قوةٍ لا زمنية
تكذِّب كل ذلك التصنيف الخطي. ومثلما بالنسبة لكل تمردٍ فوضوي أو على طريقة كامو،
فإن
الحداثة لا يمكن هكذا أن تموت حقًّا على الإطلاق — وقد عادت لتطفوَ على السطح في زماننا
على
أنها علم بارالوجي (ينتمي إلى الخطاب الهامشي) — لكن السبب في أنها لا يمكن أبدًا
أن تصير
أسوأ — حقيقة أنها لا تحتل نفس المجال الزمني أو الفضاء المنطقي الذي تحتله غريماتها
— هو
بالذات السبب في أنها لا يمكن أبدًا أن تهزم النظام. ومزيج التشاؤم والابتهاج المميز
لما
بعد-البنيوية ينبع على وجه الدقة من هذا التناقض. إن التاريخ والحداثة يلعبان لعبة
القط
والفأر التي لا تنتهي داخل وخارج الزمن، ولا يستطيع أيٌّ منهما القضاء على الآخر لأنهما
يحتلان مواقع أنطولوجية مختلفة. «اللعبة» بالمعنى الإيجابي — اللهو اللعبي للإعاقة
والرغبة
— تستهلك نفسها في شقوق «اللعبة» بالمعنى السلبي — نظرية اللعب، النسق التقني-العلمي
— في
نزاع وتواطؤ بلا نهاية. هنا تعني الحداثة حقًّا «نسيانًا نشيطًا» نيتشويًّا للتاريخ؛
فقدان
الذاكرة الصحي للحيوان الذي كبَتَ بإرادته قراراته الخسيسة ذاتها، وبذلك صار حرًّا.
وهكذا
فإنها العكس التام ﻟ «الحنين الثوري» لدى فالتر بنيامين؛ أي القدرة على التذكُّر النشيط
باعتباره استدعاءً واستحضارًا طقسيًّا لتقاليد المقهورين في التحام
Constellation٦⋆ عنيف مع
الحاضر السياسي، وليس عجيبًا أن يكون ليوتار معارضًا بعمق لأي وعيٍ تاريخي من هذا
النوع،
ومع احتفائه الرجعي بالحكايات
narrative باعتبارها حاضرًا
أبديًّا بدل أن تكون تذكرًا ثوريًّا للمقموعين ظلمًا. ولو استطاع التذكُّر بهذه الطريقة
البنيامينية، لأصبح أقل ثقة في أن الصراع الطبقي يمكن استئصاله ببساطة. كذلك ما كان
يمكنه،
لو كان قد استوعب عمل بنيامين على نحوٍ كاف، أن يستقطب في ذلك التعارض الثنائي التبسيطي
—
وهو تعارض نمطي بالنسبة لكثيرٍ من الفكر ما بعد النيوي — حكايات التنوير الكبرى الكلية
الطابع من جهة والميكرو-سياسي أو البارالوجي [ما ينتمي إلى الخطاب الهامشي] من جهةٍ
ثانية
(ما بعد الحداثة باعتبارها موتًا للميتا-حكايات) إذ إن تأملات بنيامين البارعة على
نحوٍ لا
يسبر غَوره توقع الاضطراب فورًا في أي مخططاتٍ ثنائية ما بعد-بنيوية من هذا النوع.
من
المؤكَّد أن «تقاليد» بنيامين هي كلٌّ من نوعٍ معين، لكنها في الوقت نفسه نزعٌ لا
يتوقف
للطابع الكلي عن تاريخ طبقةٍ حاكمة ذي طابعٍ ظافر، إنها معطًى بمعنًى معيَّن، لكنها
تنبني
على الدوام ابتداءً من نقطة الحاضر المتميزة؛ وهي تعمل كقوة تفكيك داخل أيديولوجيات
تاريخٍ
مهنية، لكن يمكن أيضًا النظر إليها بوصفها حركة تُضفي الطابع الكلِّي يمكن في إطارها
لتألفات، وتناظرات، والتحاماتٍ مباغتة أن تتشكَّل بين نضالاتٍ متنافرة.
كذلك يُلهم حسن نيتشوي بما هو «حديث» عمل أكثر التفكيكيين الأمريكيين نفوذًا، ألا
وهو بول
دي مان
Paul de Man، رغم أن ذلك ينطوي على لمسة مفارقةٍ
إضافية؛ لأن «النسيان النشيط»، كما يجادل دي مان، لا يمكن أن يكون ناجحًا تمامًا أبدًا؛
فالفعل الحداثي المتميز، الذي يسعى إلى محو أو وقف التاريخ، يجد نفسه في نفس تلك اللحظة
مستسلمًا للنسب الذي يسعى إلى قمعه، مؤبدًا له بدل أن يُلغيه. وفي الحقيقة، فإن الأدب
بالنسبة لدي مان ليس أقلَّ من هذه المحاولة المحكوم عليها باستمرار، التي تُبطل نفسها
على
نحوٍ تهكُّمي، لجعله جديدًا، إنه العجز الذي لا يتوقف عن الاستيقاظ تمامًا من كابوس
التاريخ؛ إن «الجاذبية المستمرة للحداثة، الرغبة في الإفلات من الأدب صوب واقع اللحظة،
تسود، وبانطوائها على نفسها، بدورها، تؤكد تَكرار واستمرار الأدب.»
٧ وحيث إن الفعل والزمنية لا ينفصلان، فإن حُلم الحداثة في التولد
الذاتي جوعها للقاء مع الواقعي دون توسط تاريخي، متصدع داخليًّا ومحبط ذاتيًّا؛ فالكتابة
هي
قطع تقاليد تعتمد على مثل ذلك القطع من أجل إعادة إنتاجها الذاتية. إننا جميعًا، في
آنٍ
واحد وبلا فكاك، حداثيون وتقليديون، وهما مصطلحان لا يُشيران بالنسبة لدي مان لا إلى
حركاتٍ
ثقافية ولا إلى أيديولوجياتٍ جمالية بل إلى نفس بنية تلك الظاهرة ذات الوجهَين، التي
هي
دائمًا وفي نفس الآن داخل وخارج الزمن، والمسمَّاة بالأدب؛ حيث يصوِّر هذا المأزق
المشترك
نفسه بوعيٍ ذاتي بلاغي. والتاريخ الأدبي هنا، كما يجادل دي مان، «يمكنه حقًّا أن يكون
نموذجًا للتاريخ عمومًا» وما يعنيه هذا، إذا ترجمناه من لغة دي مان، هو أنه رغم أننا
لن
نتخلَّى أبدًا عن أوهامنا السياسية الراديكالية (الفانتازيا الأثيرة في تحرير أنفسنا
من
التقاليد ومواجهة الوجود الواقعي العاري، وهي حالة مرضية دائمة للأمور الإنسانية،
كما هي
الحال)، فإن تلك الأفعال ستُثبت دومًا أنها تنهزم ذاتيًّا، سوف يستوعبها دومًا تاريخ،
تنبأ
بها وتشبث بها بوصفها حيلًا لدوامة-الوعي؛ أي إن اللجوء الراديكالي الجسور إلى نيتشه،
يتكشَّف عن أنه يضع المرء في موضعٍ ديمقراطيٍّ ليبراليٍّ ناضج، متشكك بتجهُّم لكنه
أصيل
التسامح إزاء الغرابات الراديكالية للشباب.
إن موضوع الرهان هنا، خلفَ قِناع مناظرة حول التاريخ والحداثة، ليس أقل من العلاقة
الجدلية بين النظرية والممارسة؛ إذ لو تم تعريف الممارسة بأسلوبٍ نيتشوي جديد على
أنها خطأ
تلقائي، أو عمى مثمر، أو فقدان ذاكرةٍ تاريخي، فلن تكون النظرية بالطبع أكثر من تأمل
منهك
في استحالتها النهائية، والأدب، ذلك الموقع الشكي الذي ينضفر فيه الصدق والخطأ بلا
فكاك، هو
في آنٍ واحد ممارسة وتفكيك للممارسة، فعلٌ تلقائي وحقيقةٌ نظرية، إيماءة في سعيها
إلى لقاء
دون وسيط مع الواقع تفسِّر في اللحظة ذاتها هذا الدافع نفسه على أنه اختلاقٌ
Fiction ميتافيزيقي. الكتابة هي فعل وكذلك تأمل في ذلك
الفعل، لكنَّ الاثنَين منفصلان أنطولوجيًّا؛ والأدب هو المكان المتميِّز حيث تصل الممارسة
إلى معرفة وتسمية اختلافها الأبدي عن النظرية. وليس مدهشًا، إذن، أن تقوم آخر جملة
في مقالة
دي مان بانعطافةٍ مفاجئة إلى ما هو سياسي: «إذا مددنا هذا المفهوم إلى ما وراء الأدب،
فإنه
يؤكد ببساطة أن أسس المعرفة التاريخية ليست هي الحقائق الإمبيريقية بل النصوص المكتوبة،
حتى
ولو تخفَّت هذه النصوص تحت قناع حروب وثورات.» إن نصًّا يستهل بمشكلة في التاريخ الأدبي
يختتم كهجوم على الماركسية؛ لأن الماركسية بالطبع وقبل كل شيء هي التي أصرَّت على
أن
الأفعال يجب أن تكون مطلعة نظريًّا، والنظريات تحريرية، وهي مفاهيم قادرة على القضاء
على
حجة دي مان برُمَّتها؛ إذ فقط بفضل دوجمائية نيتشوية أولية، فإن تفكيكًا حصيفًا لتعارضاتها
الثنائية يكون أمرًا جوهريًّا من الناحية السياسية — هي أن الممارسة عمياء-ذاتيًّا
بالضرورة، والتقاليد معوِّقة بالضرورة — يستطيع دي مان التوصل إلى تشكُّكاته المهدِّئة
سياسيًّا.
٨ ومع وجود هذه التعريفات الأولية، فإن تفكيكًا حصيفًا لتعارضاتها الثنائية يكون
أمرًا جوهريًّا من الناحية السياسية، إذا كان للإيمان النيتشوي بالفعل الإيجابي ألا
يرخص
بسياسة راديكالية، لكن ليس مسموحًا لذلك التفكيك أن يغير للفعل (العمى، الخطأ) وشكل
وحيد من
التقاليد («توقع الارتباك بدل أن تمكن من اللقاء ﺑ «الواقعي»). وتقترب ماركسية لوي
ألتوسير
من هذه النزعة النيتشوية؛ فالممارسة هي أمرٌ «خيالي» يزدهر على كبت الفهم النظري الحق،
والنظرية هي تأمل بصدد الاختلاقية
Fictionality الضرورية
لذلك الفعل. والاثنان، مثلما عند نيتشه ودي مان، منفصلان أنطولوجيًّا، ولا متزامنان
بالضرورة.
يتميِّز دي مان، إذن، بأنه أكثر تعقلًا ازاء إمكانات التجربة الحداثية من ليوتار
المتسرع
في احتفائه بعض الشيء؛ فكل الأدب بالنسبة لدي مان هو حداثة محطَّمة أو معاقة، واكتساب
تلك
الدوافع للطابع المؤسَّسي هو أمرٌ دائم وليس سياسيًّا، إنه في الحقيقة جزء مما يصنع
الأدب
في المقام الأول، مؤسس لإمكانيَّته ذاتها؛ فكأنما، في مفارقة حداثية نهائية، يتملك
الأدب
ويجهض نفس اكتسابه للطابع المؤسَّسي الثقافي بأن يتمثَّله نصيًّا، محتضنًا نفس السلاسل
التي
تقيِّده، مكتشفًا نفس شكله السلبي للتسامي Transcendence في
قدرته على التسمية البلاغية، وبذلك يبعد جزئيًّا، فشله المزمن في معانقة الواقعي،
إن العمل
الحداثي — وكل الأعمال الفنية هي كذلك — هو العمل الذي يعرف أن التجربة الحداثية (اقرأها
أيضًا «السياسة») عاجزة في النهاية. والطفيلية المتبادلة بين التاريخ والحداثة هي
تفسير دي
مان الخاص للمأزق ما بعد-البنيوي للقانون والرغبة، الذي يزداد فيه الدافع الثوري جموحًا
وهذيانًا بينما يتغذَّى على مُقننات سجنه الشحيحة.
إن إصرار دي مان على إسباغ الطابع الأنطولوجي على الحداثة ونزع طابعها التاريخي،
الذي هو
جزء من الجدال المتصل، الصامت، المناهض للماركسية الذي يجري خلال كل أعماله، يتوقف
مرةً على
الأقل ليتأمل فيما يمكن أن يعنيه المصطلح فعلًا. إلا أن بيري آندرسون Perry
Anderson في مقاله النير «الحداثة والثورة» (نيولفت ريفيو، العدد ١٤٤)،
يختتم برفض نفس تحديد «الحداثة» باعتباره «مفتقرًا تمامًا إلى مضمونٍ إيجابي … ومرجعه
الوحيد هو مجرد مرور الزمن نفسه». هذه النزعة الاسمية
Nominalism النافدة الصبر مفهومة بدرجةٍ معيَّنة، إذا
نظرنا إلى مرونة المفهوم، إلا أن نفس ضبابية الكلمة قد تكون ذات مغزًى بمعنًى معيَّن؛
لأن
«الحداثة» كمصطلح تعبِّر عن وتكسو بالغموض في آنٍ واحد، حسًّا بالمفترق التاريخي الخاص
للمرء باعتباره مشحونًا على نحوٍ غريب بالأزمة والتغيير. إنها تعني وعيًا ذاتيًّا
مثقلًا
بالاحتمالات، مُشوَّشًا لكنه مثير في حدته، باللحظة التاريخية الخاصة للمرء، وعيًا
متشككًا
في نفسه ومغبطًا نفسه في نفس الآن، وعيًا قلقًا وظافرًا معًا. إنها تُوحي في نفس الوقت
بكبح
وإنكار التاريخ في الصدمة العنيفة للحاضر المباشر، الذي يمكن من نقطته المتميزة وبرضًا
عن
النفس وضع كل التطورات السابقة في سلة نفايات «التقاليد»، وبحسٍّ مربك بالتاريخ الذي
يتحرك
بقوة وإلحاح غريبَين ضمن إطار تجربة المرء المباشرة، راهن بصورة ضاغطة لكنه مصمَت
بصورةٍ
معذبة. كل الحِقَب التاريخية حديثة بالنسبة لنفسها، لكنها لا تحيا جميعًا تجربتها
بهذا
النمط الأيديولوجي، وإذا كانت الحداثة تحيا تاريخها بوصفه حاضرًا بطريقةٍ فريدة، وبإصرار، فإنها تخبر كذلك حسًّا بأن هذه اللحظة
الحاضرة تنتمي على نحوٍ ما إلى المستقبل، الذي ليس الحاضر
بالنسبة له سوى توجُّه؛ بحيث إن فكرة الآن، فكرة الحاضر باعتباره حضورًا مكتملًا يحجُب
الماضي، يحجُبها هي نفسها وبشكلٍ متقطع وعي بالحاضر بوصفه إرجاءً، بوصفه انفتاحًا
مستثارًا
فارغًا على مستقبل حل فعلًا بمعنًى من المعاني، ولم يأتِ بعدُ بمعنًى آخر. إن ما هو
«حديث»،
بالنسبة لمعظمنا، هو ذلك الذي يجب دائمًا أن نلحق به، والاستخدام الشعبي لمصطلح «مستقبلي»،
للإشارة إلى التجربة الحداثية، هو أمرٌ مميز لهذه الحقيقة. إن الحداثة — وهنا يمكن
إعطاء
قضية ليوتار بعض المعقولية المشروطة — ليست لحظةً دقيقة في الزمن بقَدْر ما هي إعادة
تقييم
للزمن ذاته، إنها حس بتحولٍ مرحلي في نفس معنى وشرط
modality الزمنية، انقطاع كيفي في أساليبنا
الأيديولوجية للتاريخ المُعاش. وما يبدو أنه يتحرك في تلك اللحظات ليس «التاريخ» بقَدْر
ما
هو ذلك الشيء الذي يفلِت من زمامه نتيجة انقطاع التاريخ ووقفه؛ والصور الحداثية النمطية
للدوَّامة والهاوية، التدويمات irruptions «الرأسية» إلى
الزمنية التي تموج داخلها القوى بلا كلَل في كسوف للزمن الخطي، تمثِّل هذا الوعي المتنافر
وهكذا، في الحقيقة، يفعل تقسيم التاريخ إلى فضاءات
spatializing أو «التحامه»
constellating لدى بنيامين، مما يفرض عليه سكونًا
مفزعًا وفي نفس الوقت يجعله يومض بكل قلق الأزمة أو الكارثة.
إن الحداثة العليا، كما جادل فريدريك جيمسون في موضعٍ آخر، قد ولدت دفعةً واحدة مع
الثقافة السلعية المُعَمَّمة.
٩ وهذه حقيقة بصدد تكوينها الداخلي، وليس مجرد تاريخها الخارجي؛ فالحداثة هي، بين
أشياء أخرى، استراتيجية يقاوم بها العمل الفني إسباغ طابع السلعة عليه، ويعَضُّ بالنواجذ
ضد
تلك القوى الاجتماعية التي تنحط به إلى مرتبة شيءٍ قابل للتبادل. إلى هذا المدى، فإن
الأعمال الحداثية في تناقضٍ مع نفس وضعها المادي، ظواهر منقسمة-ذاتيًّا تنكر في أشكالها
الخطابية واقعها الاقتصادي البائس؛ فمن أجل صد ذلك الاختزال إلى وضع السلعة، يضع العمل
الحداثي المرجع أو العالم التاريخي الواقعي بين أقواس، ويكثِّف أنسجته ويشوِّش أشكاله
ليُجهض قابلية الاستهلاك الفورية، ويلُف نفسه بلغته الخاصة بصورةٍ واقعية ليصبح شيئًا
هو
غاية نفسه على نحوٍ غامض، متحررًا من كل تعاملٍ ملوث مع الواقعي. ومستغرقًا في تأملٍ
ذاتي
في وجوده ذاته، فإنه يباعد نفسه من خلال المفارقة
irony عن
عار كونه لا يعدو أن يكون شيئًا فظًّا، متطابقًا مع ذاته. لكن أشد المفارقات تدميرًا
هي أن
العمل الحداثي بقيامه بهذا يهرب من أحد أشكال التحول إلى سلعة ليسقط فريسة شكلٍ آخر؛
فإنه
لو كان يتجنَّب إذلال أن يصبح شيئًا مجردًا، منتجًا ضمن سلسلة، وقابلًا للتبادل الفوري،
فإنه لا يفعل ذلك إلا بفعل إعادة إنتاج ذلك الجانب الآخر للسلعة الذي هو صنَميَّتها.
إن
العمل الفني الحداثي، المستقل ذاتيًّا، والذي يحترم نفسه، وغير القابل للنفاذ، في
كل بهائه
المنعزل، هو السلعة بوصفها صنمًا، وهي تقاوم السلعة بوصفها تبادلًا، وحَلُّه للتشيؤ
ينطلق
من نفس هذه المشكلة.
وعلى صخرة تلك التناقضات سيتهاوى مجمل المشروع الحداثي في النهاية؛ ففي وضع الحداثة
للعالم الاجتماعي الواقعي بين أقواس، وإقامة مسافةٍ نقدية، نافية، بين نفسها وبين
النظام
الاجتماعي الحاكم، لا بد للحداثة في نفس الوقت أن تضع بين أقواس القوى السياسية التي
تسعى
لتغيير ذلك النظام، وثمَّة في الحقيقة حداثة سياسية — فماذا يكون برتولت بريخت سوى
ذلك؟ —
لكنها ليست سمةً مميزة للحركة ككل، وفضلًا عن ذلك، فإن العمل الحداثي، بإزاحته لنفسه
من
المجتمع إلى فضائه الخاص غير القابل للنفاذ، يعيد بشكلٍ متناقض إنتاج — بل ويكثِّف
في
الحقيقة — نفس وهم الاستقلال الذاتي الجمالي الذي يميِّز النظام البورجوازي الإنساني
النزعة، والذي يحتج هو ضده أيضًا؛ فالأعمال الحداثية هي «أعمال» في نهاية الأمر، كيانات
متحفِّظة ومحدَّدة الحدود رغم كل اللعب الحر داخلها، وهذا بالضبط ما تفهمه مؤسَّسة
الفن
البورجوازية. والطليعة الثورية، التي عاشت هذا المأزق، هُزمَت على يد التاريخ السياسي.
أما
ما بعد الحداثة، فإنها حين تواجه هذا الموقف، سوف تسلك الطريق الأخرى للخروج منه؛
إذ لو كان
العمل الفني سلعة حقًّا، فيجب عليه إذن أن يسلِّم بذلك، بكل سبق الإصرار
sang-froid الذي يمكنه أن يستجمعه. وبدل أن يتعذَّب في
نزاع لا يُحتمل بين واقعه المادي وبنيته الجمالية، فإن بإمكانه دومًا أن يهدم هذا
النزاع
على أحد جانبَيه، ليصبح جماليًّا ما هو عليه اقتصاديًّا؛ ومن ثم، فإن التشيؤ الحداثي
—
العمل الفني بوصفه صنمًا منعزلًا — يستبدل بتشيؤ الحياة اليومية في ساحة السوق الرأسمالية
السلعة بوصفها تبادلًا قابلًا للاستنساخ ميكانيكيًّا تطرد السلعة بوصفها هالةً
aura سحرية. في تعقيبٍ ساخر على عمل الطليعة، ستذيب
ثقافةُ ما بعد الحداثة حدودها الخاصة، وتصبح متشاركة في الامتداد مع نفس الحياة العادية
المصطبغة بالطابع السلعي، التي لا تعترف تبادلاتها وتحولاتها الدائمة على أية حال
بأي حدودٍ
شكلية لا يجري انتهاكها باستمرار. إذا كان النظام الحاكم يمكنه تملُّك كل الأعمال
الفنية،
فمن الأفضل إذن إجهاض هذا المصير بصفاقة بدل معاناته كرهًا؛ إن ما هو سلعة فعلًا هو
فقط ما
يمكنه أن يقاوم اكتساب الطابع السلعي، وإذا كان عمل الحداثة العليا قد اكتسب الطابع
المؤسَّسي ضمن البنية الفوقية، فسوف تردُّ ثقافة ما بعد الحداثة بصورةٍ مُلغزةٍ على
تلك
النزعة النخبوية بوضع نفسها ضمن الأساس؛ فالأفضل، كما لاحظ بريخت، البدء من «الأشياء
الجديدة السيئة» بدل البدء من «الأشياء القديمة الجيدة».
إلا أن ما بعد الحداثة تتوقف هنا أيضًا؛ فتعليق بريخت يشير إلى العادة الماركسية
في
استخلاص اللحظة التقدمية من واقعٍ يكون من نواحٍ أخرى عصيًّا على القبول أو متنافرًا،
وهي
عادة تجد مثالًا جيدًا لها في احتضان الطليعة المبكِّرة لتكنولوجيا قادرة على التحرير
والاستعباد كلَيهما، وفي مرحلةٍ لاحقة، أقل نشوة من الرأسمالية التكنولوجية، فإن ما
بعد
الحداثة التي تحتفي بالفن الهابط
kitsch والكامب
camp١٠⋆ تقدِّم
كاريكاتورًا للشعار البريختي ليس بزعم أن السيئ يتضمن الجيد، بل بزعم أن السيئ هو
جيد أو
بالأحرى أن كلا هذَين المصطلحَين «الميتافيزيقيَّين» قد عفَا عليهما الزمن بصورةٍ
حاسمة
بفعل نظامٍ اجتماعي لا يجب لا إثباته ولا شجبه بل مجرد قبوله؛ فمن أين، في عالم متشيِّئ
تمامًا، سنستمدُّ المعايير التي تكون على أساسها أفعال الإثبات أو الشجب ممكنة؟ بالتأكيد
ليس من التاريخ، الذي لا بد لما بعد الحداثة أن تمحوَه بأي ثمن، أو تقسِّمه فضائيًّا
spatialize إلى مجالٍ من الأساليب الممكنة، إذا كان لها
أن تقنعنا بنسيان أننا عرفنا أو نستطيع أن نعرف على الإطلاق أي بديلٍ لها هي نفسها،
وهذا
النسيان، مثلما مع الحيوان الصحي الفاقد الذاكرة لدى نيتشه وكهنته المعاصرين، هو القيمة؛
فالقيمة لا تكمن في هذا التمييز أو ذاك ضمن الخبرة المعاصرة، بل في ذات القدرة على
أن
نُصِمَّ آذاننا إزاء نداءات حوريَّات التاريخ ونواجه ما هو معاصر على ما هو عليه،
بكل
راهنيَّته الجوفاء؛ إذ إن التمييز الأخلاقي أو السياسي سيُخمد المعاصر بمجرد التوسط
معه،
ويفصل هويته الذاتية، ويضعنا قبله أو بعده؛ القيمة هي مجرد ما هو
كائن، هي محو ودحر التاريخ،
وخطابات
القيمة، التي لا يمكن إلا أن تكون تاريخية، هي من ثَم عديمة القيمة بالتعريف؛ ولهذا
السبب،
فإن نظرية ما بعد الحداثة معادية للتأويل، ولا نجدها في أي مكانٍ أشد عنفًا في ذلك
مما هي
في كتاب جيل ديلوز وفيليكس جواتاري بعنوان
Anti-Oedipus.
١١ في باريس ما بعد ١٩٦٨م، كان اللقاء وجهًا لوجه مع الواقعي ما زال يبدو على
القائمة، فقط لو أمكن التخلي عن التوسطات المشوشة لماركس وفرويد، وبالنسبة لديلوز
وجواتاري،
فإن ذلك «الواقعي» هو الرغبة، التي في وضعيةٍ ميتافيزيقية مطلَقة العِنان، «لا يمكن
خداعها
أبدًا»، ولا تحتاج إلى تفسير
وتكون ببساطة في هذه النزعة
القطعية
apodicticism للرغبة، التي يكون الفصامي بطلًا لها،
لا يمكن أن يكون ثمَّة مكان للخطاب السياسي بوصفه كذلك؛ لأن ذلك الخطاب هو بالضبط
الجهد
الذي لا يتوقف
لتفسير الرغبة، جهد تفسير لا يترك موضوعه
سليمًا، وبالنسبة لديلوز وجواتاري، فإن أي حركة من هذا القبيل تجعل الرغبة عُرضة لفخاخ
المعنى الميتافيزيقية. لكن ذلك التفسير للرغبة الذي هو السياسي ضروري بالضبط لأن الرغبة
ليست كيانًا مفردًا، موجبًا على نحوٍ نهائي؛ وديلوز وجواتاري، رغم كل إصرارهما على
التبدِّيات المشتتة والشاذة للرغبة، هما الميتافيزيقيان الحقيقيان في اعتناقهما لتلك
النزعة
الجوهرية
essentialism الخفية. مرةً أخرى نجد النظرية
والممارسة على طرفَي نقيضٍ أنطولوجيًّا؛ حيث إن البطل الفصامي للدراما الثورية عاجزٌ
بالتعريف عن التأمل في وضعه الخاص ويحتاج إلى المثقفين الباريسيين ليفعلوا ذلك من
أجله.
و«الثورة الوحيدة التي يمكن إدراكها، مع وجود مثل هذا البطل، هي الاضطراب؛ ومما له
مغزًى أن
ديلوز وجواتاري يستخدمان المصطلحَين كمترادفَين، في أسوأ بلاغةٍ فوضوية.
في بعض كتابات نظرية ما بعد الحداثة، جرى بانتقامٍ تنفيذ التوصية القائلة بتبيُّن
الجيد
في قلب السيِّئ؛ فالتكنولوجيا الرأسمالية يمكن النظر إليها على أنها آلة رغبةٍ هائلة،
دائرة
ضخمة من الرسائل والتبادلات تنتشر فيها اللغات الجمعية وتتوهج الأشياء، والأجسام والأسطح
العشوائية بكثافةٍ ليبيدية، و«الشيء المثير للاهتمام» كما يكتب ليوتار في كتابه بعنوان
الاقتصاد الليبيدي Économie Libidinale، هو أن نظل حيث نحن — لكن أن نتشبث دون
ضجة بكل الفرص للأداء كأجساد وموصلاتٍ جيدة
للكثافات intensities لا حاجة للتصريحات، والبيانات، والمنظمات؛ ولا
حتى من أجل الأعمال النموذجية، أن ندع الرياء يلعب لصالح الكثافات.
١٢
إن كل هذا لهو أقرب إلى والتر باتر Walter Pater منه إلى
فالتر بنيامين، وبالطبع لا تنال الرأسمالية مصادقةً غير نقدية من جانب مثل تلك النظرية،
وذلك لأن فيوضاتها الليبيدية خاضعة لنظامٍ استبدادي أخلاقي، وسيميوطيقي، وقانوني؛
أن الخطأ
في الرأسمالية المتأخرة ليس هو هذه الرغبة أو تلك، بل حقيقة أن الرغبة لا يجري تبادلها
بحريةٍ كافية. لكن لو استطعنا فقط أن نركل حنيننا الميتافيزيقي للصدق، والمعنى، والتاريخ،
الذي ربما كانت الماركسية هي النموذج النمطي له، فقد نبلغ حد إدراك أن الرغبة قائمةٌ
هنا
والآن، شذراتٌ وأسطُح هي كل ما لدينا على الإطلاق، فن مبتذل
kitsch جيد جودة الشيء الواقعي لأنه ليس ثمَّة في
الحقيقة شيءٌ واقعي. وما يحيد عن الصواب بشأن الحداثة العتيقة الطراز، من هذا المنظور،
هو
مجرد حقيقة أنها ترفض بعنادٍ أن تتخلى عن النضال من أجل المعنى، أنها ما زالت مشتبكة
بصورة
معذبة في أحبولة العمق والبؤس الميتافيزيقي، ما زالت قادرة على أن تخبر التمزق النفسي
والاستلاب الاجتماعي على أنها أشياء جارحة روحيًّا، وبذلك تكون مرتهنة على نحوٍ محرج
لنفس
النزعة الإنسانية البورجوازية التي تسعى هي من ناحيةٍ أخرى إلى تخريبها. أما ما بعد
الحداثة، ولأنها ما بعد ميتافيزيقية عن ثقة، فقد بقيَت بعد كل فانتازيا الجوَّانية
interiority هذه، تلك الرغبة القهرية المرضية لخدش
الأسطح بحثًا عن أعماقٍ خفية؛ وبدلًا من ذلك فإنها تحتضن الوضعية الصوفية لفتجنشتين
المبكر،
التي يكون العالم بالنسبة لها — أتصدق ذلك؟ — هو مجرد ما هو عليه وليس على أي نحوٍ
آخر.
ومثلما بالنسبة لفتجنشتين المبكر، لا يمكن وجود خطابٍ عقلي للقيمة الأخلاقية أو السياسية؛
لأن القيم ليست ذلك النوع من الأشياء التي يمكن أن تكون في العالم في المقام الأول،
أكثر
مما يمكن للعين أن تكون جزءًا من مجال الرؤية. والذات المبعثَرة، الفصامية ليست شيئًا
يجب
الانزعاج بشأنه في نهاية الأمر؛ فلا شيء يمكن أن يكون أكثر معيارية في خبرة الرأسمالية
المتأخرة. وتبدو الحداثة في هذا الضوء بمثابة حيودٍ ما زال أسيرًا لقاعدة، طفيلية
على ما
تشرع في تفكيكه. لكن إذا كنا الآن لاحقين على تلك النزعة الإنسانية الميتافيزيقية،
فلم يتبق
حقًّا شيء للنضال ضده سوى تلك الأوهام الموروثة (القانون، الأخلاق، الصراع الطبقي،
عقدة
أوديب) التي تمنعنا من رؤية الأشياء كما هي.
لكن حقيقة أن الحداثة تواصل النضال من أجل المعنى هي بالضبط ما يجعلها شديدة الإثارة
للاهتمام؛ لأن هذا النضال يدفعها باستمرار نحو الأساليب الكلاسيكية لتكوين المعنى،
التي هي
في آنٍ واحد غير مقبولة ولا يمكن تجنُّبها، مصفوفات المعنى التقليدية التي صارت فارغة
بصورةٍ متزايدة، لكنها رغم ذلك تواصل ممارسة قوَّتها التي لا تلين، بهذه الطريقة عينها
يقرأ
فالتر بنيامين فرانز كافكا، الذي يرث فنه القصصي شكل حكيٍ تقليدي بدون مضمون الصدق
فيه، إن
أيديولوجية تمثيل representation كاملة في أزمة، لكن ذلك لا
يعني التخلِّي عن البحث عن الصدق، وعلى النقيض من ذلك، فإن ما بعد الحداثة ترتكب الخطأ
المنذر بنهاية العالم apocalyptic في الاعتقاد بأن تكذيب
هذه الإبستمولوجيا التمثيلية المعيَّنة بمثابة موت الصدق نفسه، مثلما تخلط أحيانًا
بين
تحلُّل أيديولوجياتٍ تقليدية معيَّنة عن الذات وبين الاختفاء النهائي للذات. وفي كلتا
الحالتَين تكون إشعارات التأبين مبالغًا فيها بدرجةٍ كبيرة، إن ما بعد الحداثة تحثُّنا
على
التخلي عن البارانويا الإبستمولوجية لدينا ومعانقة الموضوعية الفظة للذات العشوائية،
إلا أن
الحداثة، وبشكلٍ أكثر جدوى، تمزِّقها التناقضات بين نزعةٍ إنسانية بورجوازية ما زال
من
المتعذر تجنُّبها وبين ضغوطٍ عقلانيةٍ مختلفة تمامًا، ما زالت، وهي الحديثة البزوغ،
غير
قادرة حتى على تسمية نفسها، وإذا كانت تفجيرات الحداثة للنزعة الإنسانية التقليدية
معذبة
ومنتشية في آنٍ واحد، فذلك يرجع جزئيًّا إلى أن ثمَّة، في الحقبة الحديثة، قِلةً من
المشكلات التي تفوق في استعصائها مشكلات التمييز بين تلك الانتقادات التي يمكن أن
تكون
تقدُّمية للعقلانية الكلاسيكية، وتلك الانتقادات اللاعقلانية بأسوأ المعاني. إنه الاختيار،
إذا شئت القول، بين النزعة النسائية وبين الفاشية؛ وفي أي مفترقٍ معيَّن فإن السؤال
عما
يُعد انقطاعًا ثوريًّا وليس همجيًّا مع الأيديولوجيات الغربية السائدة عن العقل والإنسانية
يكون عصيًّا على الحسم في بعض الأحيان؛ فثمَّة اختلاف، مثلًا بين «اللامعنى» الذي
تحفزُه
بعض اتجاهات ما بعد الحداثة، وبين «اللامعنى» الذي تحقنه عمدًا بعض تيارات الثقافة
الطليعية
في المعيارية البورجوازية.
إن تناقض الحداثة في هذا الصدد هو أنها لكي تفكك بصورةٍ قيمة الذات الموحدة للنزعة
الإنسانية البورجوازية، فإنها تستند إلى جوانبَ سلبيةٍ محورية في الخبرة الراهنة لتلك
الذوات في المجتمع البورجوازي المتأخر، وهي جوانبُ لا تتمشَّى مطلقًا في الغالب مع
التفسير
الأيديولوجي الرسمي؛ ومن ثَم فإنها تضع ما نحسُّ به باطِّراد على أنه الواقع الفينومنولوجي
للرأسمالية في مواجهة أيديولوجياتها الصورية، وبعمل ذلك تجد أنها لا يمكن أن تحتضن
أيًّا
منهما؛ فالواقع الفينومنولوجي للذات يطرح للتساؤل الأيديولوجيا الإنسانية الصورية،
بينما
استمرار بقاء تلك الأيديولوجيا هو على وجه الدقة ما يمكِّن من تشخيص الواقع الفينومنولوجي
بوصفه سلبيًّا. وهكذا تُضفي الحداثة الطابع الدرامي في بِنياتها الداخلية على تناقضٍ
محوري
في أيديولوجية الذات، يمكننا أن نقدِّر قوَّته إذا سألنا أنفسنا بأي معنًى يكون المفهوم
الإنساني البورجوازي عن الذات بوصفها حرة، وفعَّالة، ومستقلة ذاتيًّا، ومتطابقة مع
نفسها،
بأي معنًى يكون أيديولوجيا عملية أو مناسبة للمجتمع الرأسمالي المتأخر. سيبدو أن الإجابة
هي
أن تلك الأيديولوجيا مناسبة تمامًا لمثل تلك الشروط الاجتماعية بمعنًى معيَّن، وغير
مناسبة
على الإطلاق بمعنًى آخر. هذا الالتباس يُغفِله أولئك المنظِّرون ما بعد البنيويين
الذين
يبدو أنهم يراهنون بكل شيءٍ على افتراض أن «الذات الموحدة» هي حقًّا جزءٌ متكامل من
الأيديولوجيا البورجوازية المعاصرة؛ ومن ثَم فإنها ناضجة للتفكيك العاجل. وضد وجهة
النظر
هذه، فإن من المؤكَّد أنه يمكن الجدال بأن الرسمالية المتأخرة قد فكَّكَت تلك الذات
بكفاءةٍ
أعلى بكثيرٍ من التأملات حول الكتابة écriture. وكما تشهد ثقافة ما بعد الحداثة، فإن الذات
المعاصرة قد لا تُعد وسيطًا جوهرًا فردًا Monadic نشيطًا
منتميًا لمرحلةٍ سابقة من الأيديولوجيا الرأسمالية بقَدْر ما تُعد شبكة مبعثَرة، مُزاحة
عن
المركز من التعلقات الليبيدية، المفرغة من الجوهر الأخلاقي ومن الجوَّانية النفسية،
وظيفة
عابرة لهذا الفعل أو ذاك من أفعال الاستهلاك، أو خبرة وسائل الإعلام، أو العلاقة الجنسية،
أو الاتجاه أو الموضة. إن «الذات الموحدة» تجثم في هذا الضوء باعتبارها أكثر فأكثر
كلمة سر
Shibboleth أو هدفًا زائفًا، أحد مخلَّفات حقبة
ليبرالية أقدم للرأسمالية قبل أن تُبعثر التكنولوجيا والنزعة الاستهلاكية أجسادنا
أدراج
الرياح كأشلاء عديدة متشيِّئة جميعها من التقنية، والشهية، والأداء الميكانيكي أو
الاستجابة
للرغبة.
وبالطبع، لو كان ذلك صادقًا تمامًا، لوجدَت ثقافة ما بعد الحداثة حسب تبريرها المنتصر؛
سيكون ما لا يمكن التفكير فيه أو الطوباوي، حسب منظور المرء، قد حدث فعلًا، لكن الذات
الإنسانية البورجوازية ليست في الحقيقة مجرد جزءٍ من تاريخ طُويَت صفحتُه يمكننا جميعًا،
ممانعين أو عن طيب خاطر، أن نخلِّفه وراءنا؛ لأنها لو كانت نموذجًا غير ملائم باطِّراد
عند
مستوياتٍ معيَّنة من الذاتية، فإنها تظل نموذجًا ملائمًا بقوة عند مستوياتٍ أخرى،
لنأخذ،
مثلًا، وَضْع أن يكون المرء أبًا ومستهلكًا في آنٍ واحد، الدور الأول تحكمه قواعدُ
أيديولوجية تتعلق بالتوسط
agency والواجب، والاستقلال
الذاتي، والسلطة، والمسئولية؛ والدور الآخر، بينما لا يخلو تمامًا من تلك التقييدات،
يطرحها
لتساؤلٍ ذي دلالة. وليس الدَّوْران بالطبع منفصلَين ببساطة، لكن رغم أن العلاقات بينهما
قابلة للتبادل عمليًّا، فإن المستهلك المثالي الحالي للرأسمالية يتعارض بشكلٍ صارم
مع الأب
المثالي الراهن لها. وبعبارةٍ أخرى، فإن الذات في الرأسمالية المتأخرة ليست هي الوسيط
المركب الذاتي-التنظيم الذي طرحَتْه الأيديولوجيا الإنسانية الكلاسيكية، ولا هي مجرد
شبكة
رغبة مُزاحة عن المركز، بل هي مزيجٌ متناقض من الاثنَين. وتأسُّس تلك الذات عند المستويات
الأخلاقية، والقانونية، والسياسية ليس استمرارًا متسقًا تمامًا مع تأسُّسها بوصفها
وحدة
استهلاك أو وحدة «ثقافة معمَّمة»
Mass-cultural يكتب ليوتار
أن «التوفيقية هي درجة الصفر للثقافة العامة المعاصرة؛ فالمرء يستمع إلى موسيقى الريجي
reggae، ويشاهد فيلم غرب أمريكي «ويسترن»، ويأكل
سندوتشات ماكدونالد على الغداء وطعامًا محليًّا على العشاء، ويضع عطرًا باريسيًّا
في طوكيو
ويرتدي ملابس توحي بالعودة إلى الماضي
retro في هونج كونج،
إن المعرفة هي مسألة ألعاب تليفزيون»
١٣ وليس الأمر مجرد أن هناك ملايين من الذوات الإنسانية الأخرى، أقل غرائبية من
راكبي الطيارات النفاثة لدى ليوتار، يعلمون أطفالهم، ويدلون بأصواتهم كمواطنين مسئولين،
وينسحبون من أعمالهم ويَصِلون إلى أشغالهم في موعدهم، بل كذلك أن عديدًا من الذوات
تحيا
أكثر فأكثر عند نقاط التقاطع المتناقض بين هذَين التعريفَين.
كان هذا أيضًا، بمعنًى معيَّن، هو الموقع الذي احتلَّته الحداثة، التي كانت تثق،
كما كانت
لا تزال تفعل، بخبرة جوَّانية كانت إمكانية صياغتها في اصطلاحاتٍ أيديولوجية تقليدية
تتناقض
باستمرارٍ رغم ذلك. كان بإمكانها أن تكشف حدود تلك المصطلحات عن طريق أساليب خبرة
ذاتية لا
يمكن أن تتسع لها تلك المصطلحات، لكنها كانت أيضًا تتذكَّر تلك اللغة بما يكفي لكي
تُخضِع
الوضع «الحديث» على نحوٍ حاسم لمعالجةٍ
نقدية ضمنية.
ومهما كانت مداهناتُ ما بعد الحداثة، فإن هذا في رأيي هو موقع التناقض الذي ما زلنا
نحتله؛
ومن ثَم فإن أكثر أشكالِ ما بعد-البنيوية قيمةً هي تلك التي، مثلما الحال مع كثير
من كتابات
جاك ديريدا، ترفض إقرار عبث أن بإمكاننا على الإطلاق التخلُّص من «الميتافيزيقي» ببساطة
مثل
معطفٍ مُهمَل. إن الذات الجديدة ما بعد-الميتافيزيقية التي اقترحَها برتولت بريخت
وفالتر
بنيامين ذلك
اللا-إنسان Unmensch١٤⋆ المفرغ من
كل جوَّانيَّة بورجوازية ليصبح الموظَّف الهُمام الذي لا وجه له للنضال الثوري، هو
في آنٍ
واحد مجاز قيم للتفكير في أنفسنا متجاوزين بروست
Proust
وشديد القرابة على نحوٍ غير مريح بالمستخدمين الذين لا وجه لهم للرأسمالية المتقدِّمة
بحيث
لا يمكن تبنِّيه بصورة غير نقدية. وبطريقةٍ مماثلة، تُحدث جماليات الطليعة الثورية
قطيعة
الجوهر الفرد
monad التأملي للثقافة مع البورجوازية بنداء
نفيرها الداعي إلى «الإنتاج»، فقط لكي تنضمَّ من بعض الجوانب إلى الذات العاملة والصانعة
للنزعة النفعية البورجوازية. وربما كنا لا نزال في توازنٍ هشٍّ كتوازنك متسكع بنيامين
البودليري بين الهالة
aura الآخذة في الأفول السريع للذات
الإنسانية القديمة، وبين الأشكال الحافزة والمنفِّرة بشكلٍ متضارب للمشهد المديني.
تأخذ ما بعد الحداثة شيئًا من كلٍّ من الحداثة والطليعة، وتضرب إحداهما بالأخرى بمعنًى
معيَّن؛ فمن الحداثة بمعناها المحدَّد، ترث ما بعد الحداثة الذات المفتَّتة أو الفصامية،
لكنها تمحو كل مسافةٍ نقديةٍ منها؛ معادلة ذلك بتقديمٍ جامد لخبرات «غريبة» يشبه إيماءاتٍ
معيَّنة للطليعة، ومن الطليعة، تأخذ ما بعد الحداثة ذوبان الفن في الحياة الاجتماعية،
ورفض
التقاليد، والمعارضة للثقافة «الراقية» بوصفها كذلك، لكنها تمزج ذلك بالدوافع اللاسياسية
للحداثة. وهكذا تكشف بصورةٍ خرقاء الشكلية الكامنة لأي شكلٍ فني راديكالي يُحدِّد
نزع
الطابع المؤسَّسي للفن، وإعادة تكامله مع الممارسات الاجتماعية الأخرى، على أنهما
حركةٌ
ثورية باطنيًّا؛ لأن السؤال، بالأحرى، هو تحت أي شروطٍ وبأي تأثيراتٍ محتملة يُمكِن
محاولة
إعادة التكامل تلك. والفن السياسي بصورةٍ أصيلة في زمننا قد ينسج على نحوٍ مماثل على
منوال
كلٍّ من الحداثة والطليعة، لكن في تركيبةٍ مختلفة عمَّا بعد الحداثة. إن تناقضات العمل
الحداثي هي، كما حاولتُ أن أبيِّن، سياسية ضمنيًّا في طابعها؛ لكن حيث إن «السياسي»
بدا
لجزءٍ كبيرٍ من الحداثة أنه ينتمي على وجه الدقة إلى العقلانية التقليدية التي كانت
تحاول
الإفلات منها، فإن هذه الحقيقة ظلَّت في جانبها الأكبر مطمورةً تحت ما هو مثيولوجي
وما هو
ميتافيزيقي. وفضلًا عن ذلك، كانت التأملية-الذاتية النمطية هي للثقافة الحداثية في
آنٍ واحد
شكلًا يمكنها أن تستكشف فيه بعضَ الموضوعات الأيديولوجية المحورية التي عرضَت خطوطها
العريضة، وبنفس اللفتة جعلَت نتاجاتها مصمَتة وبعيدة عن متناول جمهورٍ عريض. إن فنًّا،
اليوم، يكون قد تعلَّم من الطابع الواضح الالتزام لثقافة الطليعة، قد يضع تناقضات
الحداثة
في ضوءٍ سياسي أصرح، ولا يمكنه أن يفعل ذلك بكفاءة إلا إذا تعلم كذلك درسه من الحداثة
أيضًا
— أي تعلم أن «السياسي» نفسه هو مسألة بزوغ عقلانية متحولة، وإذا لم تُقدَّم بهذه
الصفة
فسوف تظل تبدو جزءًا من التقاليد الميتة التي يجاهد ما هو حديثٌ على نحوٍ مغامر لتحرير
نفسه
منها.