المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة
حملَت السنوات القليلة الماضية علامةَ نزعةٍ ألفية معكوسة حلَّت فيها محل نُذر المستقبل،
كارثيةً كانت أم خلاصية، إحساساتٌ بنهاية هذا الشيء أو ذاك (نهاية الأيديولوجيا، أو
الفن،
أو الطبقة الاجتماعية، «أزمة» اللينينية، أو الاشتراكية الديمقراطية، أو دولة الرفاهية،
إلى
آخره، إلى آخره) وإذا أُخذت هذه الأمور معًا، فربما كونَت جميعُها ما يُطلَق عليه
على نحوٍ
متزايد اسم ما بعد الحداثة. وتعتمد إقامة الدليل على وجودها على افتراض انقطاعٍ جذري
ما أو
Coupure، يتم إرجاعه عمومًا إلى نهاية الخمسينيات أو
بداية الستينيات.
١
وكما تُوحي الكلمة ذاتها، يرتبط هذا الانقطاع في الأغلب بمقولات خفوت أو اندثار الحركة
الحديثة ذات المائة عام (أو برفضها أيديولوجيًّا أو جماليًّا). وهكذا فإن التعبيرية
التجريدية في التصوير، والوجودية في الفلسفة، وآخر أشكال التمثيل
Representation في الرواية، وأفلام
المؤلِّفين العظام، أو المدرسة الحداثية في الشعر (كما تمأسسَت
وتقرَّرَت في أعمال والاس ستيفنز) يُنظر إليها جميعًا اليوم باعتبارها الازدهار الأخير
الاستثنائي، لدافعٍ حداثي-أعلى أُنهِك وتبدَّد معها. عندها، يصبح تعداد ما يتلو ذلك،
على
الفور، إمبيريقيًّا، ومختلطًا، ومتنافرًا؛ آندي وارهول
Andy
Warhol وفن البوب
Pop art، لكن أيضًا
الواقعية الفوتوغرافية، وفيما وراءها «التعبيرية الجديدة»؛ اللحظة
moment، في الموسيقى، لدى جون كيج
John
Cage لكن كذلك المركب من الأساليب الكلاسيكية و«الشعبية» الذي نجده عند
مؤلِّفين موسيقيين مثل فيل جلاس
Phil Glass، وتيري رايلي
Terry Riley، وكذلك موسيقى البانك
Punk وروك الموجة الجديدة
new wave
rock (الآن يمثل البيتلز
Beatles
والستونز
Stones٢⋆ اللحظة
الحداثية-العليا من هذه التقاليد الأحدث والسريعة التطور)، وفي السينما جودار
Godard وما بعد-جودار، والسينما والفيديو التجريبيان،
لكن كذلك نمطٌ جديد كامل من السينما التجارية (سنُورِد المزيد عنه أدناه)، بوروز
Burroughs وبينشون
Pynchon أو إشماعيل ريد
Ishmael
Reed من جهة،
والرواية الجديدة nouveau roman الفرنسية وذريتها، من جهةٍ ثانية، مع أنواعٍ
جديدة مزعجة من النقد الأدبي تقوم على أساس جمالياتٍ جديدة للنصية
Textuality أو
الكتابة écriture ويمكن أن تطول القائمة بلا حدود، لكن هل تنطوي على
أي تغيُّر أو انقطاعٍ أساسي أكثر من تغيُّرات الأسلوب والموضة الدورية التي تحدِّدها
ضرورة
حداثية-عليا أقدم للتجديد الأسلوبي؟
إلا أن مجال العمارة هو الذي نجد فيه أن التعديلات في الإنتاج الجمالي ملحوظة بأشد
الأشكال درامية، وهو الذي تم فيه طرح مشكلاتها النظرية وتطويرها بأكثر الأشكال محورية،
ومن
خلال المساجلات المعمارية، في الحقيقة، بدأ يتكون في البداية مفهومي الخاص عما بعد
الحداثة
— كما ستتحدَّد خطوطه العريضة فيما بعد الصفحات التالية؛ إذ على نحوٍ أكثر حسمًا مما
في
الفنون أو وسائل الإعلام الأخرى، لم تكن المواقف ما بعد الحداثية في العمارة لتنفصل
عن نقدٍ
لا يلين للحداثة العليا المعمارية ولفرانك لويد رايت Frank Lloyd
Wright أو لما يسمَّى بالأسلوب الدولي (لوكوربوزييه Le
Corbusier، ومييس Mies … إلخ)؛ حيث
يكون النقد والتحليل، الشكليان (للتحول الحداثي-الأعلى للمبنى إلى نحتٍ فعلي، أو إلى
«بطة»
صريحة، حسب تعبير روبرت فنتوري Robert Venturi) منسجمَين مع
جوانب إعادة النظر في مستوى العمران الحضري والمؤسَّسة الجمالية. هكذا يُنسب إلى الحداثة
العليا تدمير نسيج المدينة التقليدية وثقافة الجوار الأقدم (عن طريق الفصل الجذري
للمبنى
الحداثي-الأعلى الطوباوي الجديد عن سياقة المحيط)، بينما يجري، بلا رحمة، تبيُّن النخبوية
والسلطوية التنبُّئيتَين للحركة الحديثة في اللفتة المتغطرسة للأستاذ الكاريزمي.
من المنطقي تمامًا، إذن، أن تقدِّم ما بعد الحداثة نفسها في العمارة على أنها نوع
من
الشعبوية الجمالية، كما يوحي نفس عنوان بيان فنتوري الواسع النفوذ،
التعلم من لاس فيجاس، ومهما حاولنا أن نقيم في النهاية هذه البلاغة
الشعبوية،
٣ فإن لها على الأقل ميزة لفت انتباهنا إلى سمةٍ أساسيةٍ واحدة لكل اتجاهات ما
بعد الحداثة التي عددناها أعلاه: هي بالتحديد محوها للحدود (الحداثية-العليا أساسًا)
الأقدم
بين الثقافة الراقية وبين ما يسمَّى بالثقافة المعمَّمة أو التجارية، وبزوغ أنواعٍ
جديدة من
النصوص مشبعة بأشكال، ومقولات، ومضامين نفس صناعة الثقافة تلك التي شجبها بحرارة كل
أيديولوجيي الحديث، من ليفيز
Leavis والنقد الجديد الأمريكي
وحتى أدورنو
Adorno ومدرسة فرنكفورت. وفي الحقيقة، فإن
اتجاهات ما بعد الحداثة قد فتَنَها على وجه الدقة كل هذا المشهد «المنحط» من الفن
المبتذل
والهابط من ثقافة مسلسلات التليفزيون ومجلة الريدرز دايجست
Readers
Digest، من الدعاية والموتيلات، من العروض المتأخرة وأفلام هوليوود
للكبار فقط، مما يسمَّى شبه الأدب من تنويعات الطبعات الشعبية التي تُباع في المطارات
من
الروايات القوطية
٤⋆ والعاطفية،
من السير الشعبية وألغاز الجريمة، وروايات الخيال العلمي أو الروايات الفانتازية وهي
مواد
لم تعُد هذه الاتجاهات «تقتبس» منها ببساطة، مثلما كان يمكن أن يفعل أمثال جويس
Joyce أو مالر
Mahler
بل إنها تمزجها في جوهرها ذاته.
كذلك لا يجب النظر إلى الانقطاع موضع البحث على أنه مسألةٌ ثقافية خالصة؛ لأن نظريات
ما
بعد الحديث، في الحقيقة — وسواء أكانت احتفائيةً أو مصاغةً بلغة الاشمئزاز والشجب
الأخلاقيَّين — تحمل شبهًا عائليًّا قويًّا بكل تلك التعميمات السوسيولوجية الأشد
طموحًا،
التي تحمل إلينا، في نفس الوقت، أنباء حلول واستهلال نمطٍ جديد تمامًا من المجتمع،
أشهَر ما
أُطلق عليه هو اسم المجتمع ما بعد الصناعي (دانييل بل Daniel
Bell) لكن عادة ما يُطلَق عليه كذلك أسماء المجتمع الاستهلاكي، ومجتمع
وسائل الإعلام، ومجتمع المعلومات، والمجتمع الإلكتروني أو مجتمع التكنولوجيا المتطورة،
وما
أشبه. والمهمة الأيديولوجية البديهية لتلك النظريات هي أن توضِّح، بزفرة ارتياح، أن
التشكيل
الاجتماعي الجديد موضع البحث لم يعُد يخضع لقوانين الرأسمالية الكلاسيكية؛ أي أولوية
الإنتاج الصناعي والوجود الكلي للصراع الطبقي؛ ومن ثَم فقد قاومَتْها التقاليد الماركسية
بقوة، باستثناءٍ بارز هو الاقتصادي إرنست ماندل Ernest
Mandel، الذي طرح كتابه الرأسمالية المتأخرة Late Capitalism مهمة ليس فقط تشريح الأصالة التاريخية لهذا
المجتمع الجديد (الذي يرى فيه مرحلة أو لحظة ثالثة في تطور رأس المال) بل كذلك توضيح
أنه،
مهما كان، عبارة عن مرحلةٍ من الرأسمالية أشدَّ نقاءً من أي لحظةٍ سبقَته. وسوف أعود
إلى
هذه المناقشة فيما بعدُ، لكن يكفيني الآن أن أستبقَ نقطةً سوف تُناقش في الفصل الثاني،
ألا
وهي، أن كل موقفٍ مما بعد الحداثة في الثقافة — سواء كان يدافع عنها أو يَصِمُها —
هو كذلك
في نفس الوقت، وبالضرورة، موقفٌ سياسي ضمني أو صريح من
طبيعة الرأسمالية المتعدِّدة القوميات اليوم.
كلمةٌ تمهيديةٌ أخيرة حول المنهج: لا يجب قراءة ما يلي على أنه وصفٌ أسلوبي، على أنه
تقرير عن أسلوبٍ أو حركةٍ ثقافية بين غيرها؛ فقد قصدت بالأحرى تقديم فرضية تقسيم إلى
مراحل،
وذلك في لحظةٍ أصبح فيها نفس مفهوم التقسيم إلى مراحلَ تاريخية يبدو إشكاليًّا جدًّا
في
الحقيقة. وقد جادلتُ في موضعٍ آخر بأن كل تحليلٍ ثقافيٍّ منعزل أو منفصل يتضمَّن على
الدوام
نظريةً دفينة أو مكتومة عن التقسيم التاريخي إلى مراحل، وعلى أية حال، فإن مفهوم «علم
الأنساب» يدفن إلى حدٍّ كبير المخاوف النظرية التقليدية حول ما يسمَّى بالتاريخ الخطي،
ونظريات «المراحل» وكتابة التاريخ الغائية. ورغم ذلك، فإن المناقشة النظرية المطوَّلة،
في
السياق الراهن، لتلك الموضوعات (الحقيقية جدًّا)، ربما أمكن استبدالها ببضع ملاحظاتٍ
جوهرية.
وأحد المخاوف التي تُثيرها دائمًا فرضياتُ التقسيم إلى مراحل هو أن هذه الفرضيات تميل
إلى
طمس الاختلاف وإبراز فكرة أن المرحلة التاريخية هي تجانس شامل (تحده على كلَا الجانبَين
تحولاتٌ زمنية وعلامات ترقيم يتعذر تفسيرها) إلا أن هذا بالضبط هو السبب في أنه يبدو
لي
أساسيا إدراك ما بعد الحداثة ليس باعتبارها أسلوبًا بل سمة ثقافية سائدة؛ أي مفهومًا
يسمح
بوجود وتعايش مجموعة من السمات البالغة الاختلاف، لكنها تابعة.
لنأخذ، على سبيل المثال، الموقفَ البديلَ القوي القائل بأن ما بعد الحداثة لا تزيد
هي
نفسها كثيرًا عن مرحلةٍ أخرى من الحداثة بمعناها المحدَّد (ما لم تكن في الحقيقة مرحلةً
أخرى من الرومانسية الأقدم)، ويمكن فعلًا التسليم بأن كل سمات ما بعد الحداثة التي
سأعدِّدها يمكن أن نستشفَّها، في أوج نضجها، في هذه الحداثة السابقة أو تلك (بما في
ذلك
أسلاف النسب المدهشين أولاء من أمثال جرترود شتاين Gertrude
Stein، وريموند رسل Raymond Roussel،
أو مارسيل دوشامب Marcel Duchamp الذين يمكن اعتبارهم ما
بعد حداثيين تمامًا، قبل وجود التسمية). إلا أن ما لم تأخذه هذه النظرة في الحسبان
هو
الموقف الاجتماعي للحداثة الأقدم، أو بالأحرى، إنكارها العنيف من جانب بورجوازيةٍ
فيكتورية
وبعد-فيكتورية أقدم تتلقَّى أشكالها وروحها العامة باعتبارها إما قبيحة أو نشازًا،
أو
غامضة، أو فضائحية، أو لا أخلاقية، أو تخريبية، و«مناهضة للمجتمع» عمومًا. ورغم ذلك
يمكن
الجدال هنا بأن تحولًا في مجال الثقافة قد جعل تلك المواقف عتيقة؛ فلم يعُد بيكاسو
وجويس
قبيحَين، بل إنهما يصدماننا الآن، عمومًا باعتبارهما «واقعيَّين» تقريبًا، وهذه نتيجة
إجازة
وإضفاء أكاديمي للطابع المؤسَّسي على الحركة الحديثة عمومًا، يمكن الرجوع به إلى أواخر
الخمسينيات، وهذا بالتأكيد، أحد أفضل تفسيرات ظهور ما بعد الحداثة ذاتها؛ حيث إن جيل
الستينيات الأصغر سنًّا سيواجه الآن الحركة الحديثة التي كانت معارضة في السابق بوصفها
منظومة من الكلاسيكيات الميتة التي «تثقل مثل كابوس على عقول الأحياء»، كما قال ماركس
ذات
مرة في سياقٍ مختلف.
أما بالنسبة للتمرُّد ما بعد الحداثي ضد ذلك كله، فيجب أن نؤكِّد بنفس القَدْر أن
سماته
الهجومية — من الغموض والمواد المكشوفة جنسيًّا إلى الاتضاع السيكولوجي والتعبيرات
الصريحة
عن التحدِّي الاجتماعي والسياسي، التي تتجاوز أي شيءٍ كان يمكن تخيُّله في أقصى لحظات
الحداثة العليا لم تعُد تُثير استهجان أحد ولا تستقبل بأعظم الرضى فحسب، بل إنها قد
أصبحَت
مؤسسية الطابع وتتمشَّى مع الثقافة الرسمية أو العامة للمجتمع الغربي.
وما حدث هو أن الإنتاج الجمالي اليوم قد أصبح متكاملًا في الإنتاج السلعي عمومًا؛
إن
الإلحاح الاقتصادي المحموم لإنتاج موجاتٍ جديدة من البضائع التي تبدو مبتكرة بصورةٍ
متزايدة
(من الملابس حتى الطائرات)، بمعدلات مبيعاتٍ متزايدة باطراد يُخصص الآن للابتكار والتجريب
الجماليَّين موقعًا ووظيفة بنيويَّين متزايدَي المحورية، ثم تلقى تلك الضرورات الاقتصادية
الاعتراف في مختلف أشكال الدعم المؤسَّسي المتاح للفن الأكثر جدة، من مؤسَّسات
الأوقاف
٥⋆ والمنح إلى
المتاحف وغيرها من أشكال الرعاية ومن بين جميع الفنون، فإن العمارة أقربها تكوينيًّا
إلى
الاقتصادي، الذي تتمتع بعلاقةٍ مباشرة فعليًّا معه، في شكل عمولاتٍ وأسعار أراضٍ؛
ومن ثَم
لن يكون مدهشًا أن نجد أن الازدهار الاستثنائي للعمارة الجديدة ما بعد الحداثية قائمٌ
على
أساس رعاية الأعمال المتعددة القومية، التي يتزامن توسُّعها وتطوُّرها تمامًا مع هذه
العمارة. وفيما يلي، سأشير إلى أن هاتَين الظاهرتَين الجديدتَين تتمتعان بعلاقةٍ جدلية
متبادلة إلا أنني يجب هنا أن أذكِّر القارئ بما هو بديهي؛ أعني أن كل تلك الثقافة
ما بعد
الحداثية الكونية، لكن الأمريكية رغم ذلك، هي التعبير الداخلي والمرتبط بالبنية الفوقية
لموجةٍ جديدة تمامًا من السيطرة العسكرية والاقتصادية الأمريكية عبْر العالم كله؛
بهذا
المعنى، ومثلما خلال كل التاريخ الطبقي، فإن الوجه الآخر للثقافة هو الدم، والتعذيب،
والموت، والرعب.
النقطة الأولى التي يجب طرحها بالنسبة لمفهوم المراحل السائد، إذن، هي أنه حتى ولو
كانت
كل السِّمات التكوينية لما بعد الحداثة متطابقة مع، واستمرارًا لسمات حداثةٍ أقدم
— وهو
موقفٌ أشعُر بخطئه الواضح لكن لن يبدِّده إلا تحليلٌ أكثر استفاضة للحداثة بالمعنى
المحدَّد
— فإن الظاهرتَين تظلان متمايزتَين تمامًا في المعنى والوظيفة الاجتماعية، وذلك بسبب
الوضع
البالغ الاختلاف لما بعد الحداثة في النظام الاقتصادي لرأس المال المتأخر، وأبعد من
ذلك،
بسبب التحولات في نفس مجال الثقافة في المجتمع المعاصر.
وسوف أواصل مناقشة هذه النقطة في خاتمة هذا الكتاب. لكنني يجب الآن أن أتناول نوعًا
آخر
من الاعتراض على التقسيم إلى مراحل، ألا وهو القلق بشأن طمسها المحتمل للتنافر، وهو
قلق
يعبِّر عنه اليسار عادة. من المؤكد أن ثمَّة مفارقةً شبه-سارترية غريبة منطق «الرابح
يخسر»
— تميل إلى أن تحيط بأي جهدٍ لوصف نسق، لوصف دنياميةٍ ذات طابعٍ كلي، بينما يجري استكشاف
هذا النسق وهذه الدينامية من حركة المجتمع المعاصر. وما يحدث هو أنه كلما زادت قوة
رؤية نسق
أو منطقٍ كلي بشكلٍ مطَّرد — وكتاب فوكوه Foucault عن
السجون هو المثال البديهي — كلما أحسَّ القارئ بأنه لا حول له؛ ومن ثَم، بقَدْر ما
يربح
المنظر، ببناء آلة متزايدة الانغلاق والرعب، فإنه يخسر بنفس الدرجة؛ إذ يصيب الشلل
الطاقة
النقدية لعمله، أما دوافع النفي والتمرد، ناهيك عن دوافع التغيير الاجتماعي، فيتم
إدراكها
بصورةٍ متزايدة باعتبارها غير مجدية وتافهة في مواجهة النموذج نفسه.
لكنني أحسستُ بأنه لا يمكن قياس وتقييم الاختلاف الأصيل إلا على ضوء مفهومٍ معين
عن منطقٍ
ثقافي سائد أو معيارٍ مهيمن. وأنا شديد البعد عن الإحساس بأن كل الإنتاج الثقافي اليوم
«ما
بعد حداثي» بالمعنى الواسع الذي سأُسبِغه على هذا المصطلح. لكن ما بعد الحداثي هو
مجال
القوة الذي لا بد أن تشقَّ طريقها فيه أنواعٌ شديدة الاختلاف من الدوافع الثقافية
— هي ما
أطلَق عليه ريموند ويليامز Raymond Williams بشكلٍ مفيد اسم
الأشكال «المترسبة» و«البازغة» للإنتاج الثقافي. وما لم نُحقق حسًّا عامًّا معيَّنًا
بسمةٍ
ثقافية سائدة، فإننا نرتدُّ إلى نظرة للتاريخ الحاضر تنظر إليه على أنه تنافرٌ حاد،
اختلافٌ
عشوائي تعايش لمجموعة من القوى المتمايزة التي لا يمكن تحديد فعاليتها. وعلى أية حال،
كانت
الروح السياسية التي تم بها تصوُّر التحليل التالي كما يلي: إبراز مفهومٍ معيَّن لمعيارٍ
ثقافي منهجي جديد ولإعادة إنتاجه، وذلك حتى نتأمل على نحوٍ أكثر دقة بصدد أكثر الأشكال
فعاليةً لأيِّ سياسةٍ ثقافيةٍ راديكالية اليوم.
وسوف يتناول هذا العرض على التوالي السمات التكوينية التالية لما بعد الحداثي؛ انعدام
للعمق جديد، يجد استمراره في «النظرية» المعاصرة، وكذلك في ثقافةٍ كاملة جديدة عن
الصورة أو
الشبيه
Simulacrum؛
٦⋆ ما ترتَّب
على ذلك من إضعافٍ للتاريخية، في علاقتنا بالتاريخ العام وكذلك في الأشكال الجديدة
لزمنيَّتنا الخاصة
temporality، التي ستحدِّد بنيتها
«الفصامية» (إذا اتبعنا لاكان
Lacan) أنماطًا جديدة للنحو
أو العلاقات السنتاجماتية في الفنون الأكثر زمنية؛ نمط جديد تمامًا من نغمة الأساس
الشعورية
— ما سأُسميه «الكثافات»
intensities — يمكن إدراكها على
أفضل نحوٍ عن طريق العودة إلى النظريات الأقدم عن السامي
sublime؛ العلاقات التكوينية العميقة لهذا كله
بتكنولوجيا جديدة تمامًا، هي نفسها تعبيرٌ عن نظامٍ اقتصادي عالمي جديد تمامًا؛ وبعد
عرضٍ
مُوجَز للتحولات ما بعد الحداثية في الخبرة المُعاشة للفراغ المبني ذاته، تأتي بعضُ
التأملات حول رسالة الفن السياسي في الفضاء الجديد المُربِك لعالم رأس المال المتأخر
أو
المتعدد القوميات.
١
سنبدأ بواحدٍ من الأعمال الموقرة للحداثة العليا في الفن البصري، هو لوحة فان جوخ
Van Gogh الشهيرة التي تصوِّر حذاء الفلَّاح، وهو
مثال، كما يمكنكم أن تتخيَّلوا، لم يتم اختياره ببراءة أو عشوائيًّا. وأودُّ أن أقترح
طريقتَين لقراءة هذه اللوحة، كلتاهما تُعيد، على نحوٍ معيَّن، بناء تلقِّي العمل
في
عملية ذات مرحلتَين أو ذات مستويَين.
وأودُّ أولًا أن أشير إلى أن هذه الصورة التي تستنسخ بكثرة، إذا كان لها ألا تنحدر
إلى مستوى مجرد ديكور، فإنها تتطلَّب منا أن نعيد بناء موقفٍ أوَّلي معيَّن ينشأ
منه
العمل المكتمل؛ فما لم تتم استعادة عقلية على نحوٍ ما لذلك الموقف — الذي تلاشي في
الماضي — فسوف تظل اللوحة شيئًا خاملًا، منتَجًا نهائيًّا متشيئًا يستحيل إدراكه
بوصفه
فعلًا رمزيًّا قائمًا بذاته، بوصفه ممارسة وإنتاجًا.
هذه الكلمة الأخيرة توحي بأن إحدى الطرق لإعادة بناء الموقف الأوَّلي الذي يكون العمل
استجابة له على نحوٍ معيَّن، هي بالتركيز على المواد الخام، المحتوى الأوَّلي، الذي
يُواجهه العمل ويُعيد تشغيله، يحوِّله، ويجعله ملكه. هذا المحتوى لدى فان جوخ، تلك
المواد الخام الأولية يجب أن تدرك ببساطة، كما سأقترح، على أنها مجمل عالم أشياء
البؤس
الزراعي، عالم الفقر الريفي المُدقِع، ومجمل العالم الإنساني المتخلِّف للكدح الفلاحي
الذي يقصم الظهر، عالم مختزل إلى أشد حالاته فظاظة وتهديدًا، بدائية وهامشية.
أشجار الفاكهة في هذا العالم هي عِصيٌّ عتيقة ومنهَكة نابتة من تربة فقيرة؛ وأناس
القرية متأكلون حتى جماجمهم، صور كاريكاتورية لعلم أنماطٍ نهائي بشع يصوِّر نماذج
الملامح الإنسانية الأساسية؛ فكيف يتأتَّى، إذن، أن أشياء من قبيل أشجار التفاح لدى
فان
جوخ تتفجَّر إلى سطحٍ من الألوان التي تثير الهذيان، بينما نجد النماذج القروية النمطية
لديه مثقلة فجأة وبصورةٍ مبهرجة بظلال الأحمر والأخضر؟ سأقترح بإيجاز، في هذا الخيار
التفسيري الأول، أن التحويل الإرادي والعنيف لعالم أشياء فلاحية كالح إلى أبهَى تجسُّد
للون الخالص في ألوانٍ زيتية يجب رؤيته على أنه لفتةٌ طوباوية، فعل تعويضٍ ينتهي
بأن
ينتج مجالًا طوباويًّا جديدًا كاملًا من الحواس، أو على الأقل من تلك الحاسة
الأرقى — البصر البصري، العين — يعيد تشكيله لنا الآن
بوصفه فضاءً شبه مستقل قائمًا بذاته، بوصفه جزءًا من تقسيمٍ جديد للعمل في جسم
الرأسمال، تفتيتًا جديدًا لمركز الإحساس
٧⋆ الناشئ
الذي يضاهي تخصُّصات وتقسيمات الحياة الرأسمالية في نفس الوقت الذي يفتِّش فيه في
ذلك
التفتُّت بالذات عن تعويضٍ طوباوي يائس عنها.
وهناك، بالتأكيد، قراءةٌ ثانية لفان جوخ لا يمكن تجاهلها حين نحدِّق في هذه اللوحة
بالتحديد، وهذه القراءة هي تحليل هايدجر
Heidegger،
المحوري في
أصل الأعمال الفنية Der Ursprung des Kunstwerkes، وينتظم حول فكرة أن
العمل الفني ينشأ داخل الفجوة بين الأرض والعالم، أو ما أفضِّل ترجمته على أنه المادية
التي لا معنى لها للجسم والطبيعة وإسباغ المعنى من جانب التاريخ وما هو اجتماعي.
وسوف
نعود إلى هذه الفجوة أو الصدع فيما بعدُ؛ ويكفي هنا أن نسترجع بعض العبارات الشهيرة
التي تصوغ العملية التي يبدأ بها هذا الحذاء المشهور من ساعتها في أن يخلق حول نفسه
من
جديد وببطء كل العالم المادي المفقود الذي كان ذات مرة هو سياقه المُعاش. يقول هايدجر
«فيه يتذبذب نداء الأرض الصامت، هديتها الهادئة في إنضاج الذرة ورفضها الملغز لذاتها
في
وحشة مراح الحقل الشتوي». ويمضي قائلًا: «هذه الأداة تنتمي إلى
الأرض، وتجد الحماية في
عالم المرأة
الفلاحة … إن لوحة فان جوخ هي الكشف عما
تكونه في
الحقيقة هذه الأداة، هذا الزوج من الأحذية الفلاحية. إن هذا الكيان ينبثق نحو إفشاء
وجوده»،
٨ عن طريق توسط العمل الفني، الذي يشُد كل العالم والأرض الغائبين إلى الكشف
حول نفسه، الخطو الثقيل للمرأة الفلاحة، ووحدة درب الحقل، والخُص في فرجة الأرض،
وأدوات
العمل المتآكلة والمكسورة في الأخاديد وعند الموقد. ويحتاج عرض هايدجر إلى إكماله
بالإصرار على المادية المتجدِّدة للعمل، على تحوُّل شكلٍ من المادية — الأرض نفسها
ودروبها وأشياؤها المادية — إلى تلك المادية الأخرى لألوان الزيت التي تتأكد وتأخذ
مكان
الصدارة بذاتها ومن أجل متعتها البصرية، لكنها رغم ذلك تتمتع بجدارة مرضية.
وعلى أية حالة، فإن أيًّا من القراءتَين يُمكِن وصفُها بأنها تأويلية، بالمعنى الذي يؤخذ به العمل، في شكله الخامل، الشيئي كمفتاحٍ
أو كعرضٍ لواقع أشمل يحلُّ محلَّه بوصفه حقيقته النهائية. ونحن بحاجةٍ الآن إلى النظر
إلى أحذية من نوعٍ آخر، ومما يسرُّ أن نستطيع اللجوء بحثًا عن تلك الصورة إلى العمل
المُنجَز أخيرًا للشخصية المحورية في الفن البصري المعاصر. ومن الواضح أن لوحة آندي
وارهول Andy Warhol باسم أحذية
تراب الماس لم تعُد تتحدث إلينا براهنية حذاء فان جوخ، بل إنني، في
الحقيقة، أميل إلى القول بأنها لا تتحدث إلينا حقًّا على الإطلاق؛ فلا شيء في هذه
اللوحة ينظِّم حتى أدنى مكان للمشاهد، الذي يواجهها عند منعطف ممرٍّ في متحف أو قاعة
عرض بكل بداهة شيء طبيعي يتعذر شرحه؛ فعلى مستوى المضمون، علينا أن نقنع بما هو الآن
أشياء صنمية أوضح، بالمعنى الفرويدي وكذلك بالمعنى الماركسي (يلاحظ ديريدا
Derrida في أحد المواضع، فيما يخص الحذاء الفلاحي
Paar Bauerschuhe الهيدجري، أن حذاء فان جوخ هو
زوجٌ من الأحذية المختلفة الجنس، التي لا تسمح لا بالشذوذ ولا بإضفاء الطابع الصنمي).
إلا أن أمامنا، الآن، مجموعةً عشوائية من الأشياء الميتة المعلَّقة معًا على قماش
اللوحة مثل اللفت، مجتزة عن عالم حياتها السابق مثل كوم الأحذية المتخلِّف من أوشفيتز
أو بقايا ومخلَّفات حريقٍ مأساوي وغير مفهوم في صالة رقص مزدحمة. من هنا، فليس لدى
وارهول طريقة لإكمال اللفتة التأويلية ولكي نعيد إلى هذه البقايا كل ذلك السياق المُعاش
الأوسع لقاعة الرقص أو الحفلة الراقصة، عالم الموضة المرفهة أو المجلات المتألقة.
ويصبح
هذا أكثر تناقضًا على ضوء المعلومات البيوجرافية؛ فقد بدأ وارهول مهنته الفنية كرسامٍ
تجاري لموضات الأحذية وكمصممٍ لنوافذ العرض التي تبرُز فيها أخفافٌ وأحذيةٌ خفيفة
متنوِّعة. وفي الحقيقة، يغري المرء أن يثير هنا — بشكلٍ سابق لأوانه بكثير — أحد
الموضوعات المحورية بصدد ما بعد الحداثة نفسها وأبعادها السياسية المحتملة؛ فعمل
آندي
وارهول في الحقيقة يدور محوريًّا حول إبراز الطابع السلعي، وصور لوحة الإعلانات الضخمة
لزجاجة الكوكاكولا أو علبة حَسَاء كامبل، التي تبرز في الصدارة بوضوح صنمية السلعة
المرتبطة بالانتقال إلى رأس المال المتأخر، يجب أن
تكون تعبيرات سياسية نقدية وقوية. وإذا لم تكن كذلك، فسوف يودُّ المرء بالتأكيد أن
يعرف
السبب، وسيودُّ المرء أن يتساءل بجديةٍ أكبر عن إمكانات الفن السياسي أو الانتقادي
في
الفترة ما بعد الحداثية لرأس المال المتأخر.
لكن ثمَّة بعض الاختلافات الأخرى ذات المغزى بين لحظة الحداثة العليا ولحظة ما بعد
الحداثة، بين حذاء فان جوخ وأحذية آندي وارهول، يجب أن نتناولها الآن بإيجازٍ شديد.
أول
هذه الاختلافات وأكثرها وضوحًا هو ظهور نوعٍ جديد من التسطيح أو انعدام العمق، نوعٍ
جديد من السطحية بأشد معانيها حرفية، ربما كان أكبر ملمحٍ شكلي لكل اتجاهات ما بعد
الحداثة التي ستكون أمامنا فرصة العودة إليها في عددٍ من السياقات الأخرى.
ثم علينا بالتأكيد أن نتوصل إلى تفاهمٍ مع دور الفوتوغرافيا والصورة الفوتوغرافية
السالبة في الفن المعاصر من هذا النوع؛ وهذا، في الحقيقة، هو ما يُسبغ طابع الموت
على
صورة وارهول، التي تميت رشاقة أشعة إكس الثلجية فيها العين المتشيئة للمشاهد بطريقة
لا
يبدو أن لها أيَّ علاقة بالموت أو هاجس الموت أو قلق الموت على مستوى المضمون. كأن
علينا هنا، في الحقيقة، أن نكتفيَ بقلب لفتة فان جوخ الطوباوية؛ في العمل الأسبق
يتحول
عالم مبتلًى عن طريق أمر وفعل إرادة نيتشوي إلى صرير لون طوباوي. وهنا، على النقيض،
كأن
السطح الخارجي والملون للأشياء — المنحطة والملوثة سلفًا باندراجها ضمن صور الإعلانات
المصقولة — قد انتُزع منها ليكشف عن الشريحة التحتية الميتة بالأبيض والأسود للصورة
الفوتوغرافية السالبة التي تتخلَّلها. ورغم أن هذا النوع من موت عالم المظاهر يصبح
ثيمة
في أعمالٍ معيَّنة لوارهول، خصوصًا في مجموعات حوادث المرور أو الكرسي الكهربائي،
فلم
يعُد ذلك، فيما أظن، مسألة مضمون بل مسألة تبدُّل أساسي أكبر في عالم الأشياء ذاته
—
الذي أصبح الآن منظومةً من النصوص أو الأشباه simulacra
— وكذلك في نظرة الذات.
كل هذا يصل بي إلى ملمحٍ ثالث سأناقشه هنا، هو ما سأُسمِّيه خمود العاطفة
Waning of affect في الثقافة ما بعد الحداثية.
بالطبع، لن يكون دقيقًا الإيحاء بأن كل عاطفة، كل أحساس أو شعور، كل ذاتية، قد تلاشت
من
الصورة الجديدة. وفي الحقيقة ثمَّة عودة لما هو مكبوت في
أحذية
تراب الماس، ابتهاج تزييني، تعويضي، غريب، يشير إليه العنوان نفسه
بوضوح، هو، بالطبع وميض التبر، تلألؤ الرمل المذهب الذي يعزل سطح اللوحة لكنه يظل
يُومض
تجاهنا. فكِّر، رغم ذلك، في أزهار رامبو
Rimbaud
السحرية «التي تبادلك النظر» أو بومضات العين البهية المنذرة للجذع الإغريقي العتيق
عند
ريلكه
Rilke، الذي ينذر الذات البورجوازية أن تغيِّر
حياتها؛ لا شيء من هذا النوع هنا في الاختلاج المجاني لهذا الغشاء التزييني النهائي،
في
عرضٍ مثير للاهتمام للنسخة الإيطالية من هذا المقال،
٩ يوسع ريموتشيزيراني
Remo Ceserani صنمية
الأقدام هذه إلى صورةٍ رباعية العناصر تُضيف إلى التعبيرية «الحداثية» الفاغرة لحذاء
فان جوخ-هايدجر، سَوْرة الانفعال
pathos «الواقعية» ﻟ
ووكر إيفانز وجيمس آجي
Walker Evans & James
Agee (غريب أن تتطلب سَوْرة الانفعال فريقًا هكذا!)؛ بينما نجد أن
ما بدا مثل تشكيلةٍ عشوائية لموضات الأمس لدى وارهول يكتسب، عند ماجريت
Magritte، الواقع الجسماني للعضو البشري ذاته،
الأكثر شبحيةً الآن من الجلد الذي هو مطبوع فوقه، إن ماجريت، الفريد بين السورياليين،
قد نجا من المد والجزر انتقالًا من الحديث إلى ما بعده، وأصبح خلال ذلك شيئًا شبيهًا
بشعار ما بعد حداثي؛ هو الاحتباس
Preclusion اللاكاني،
الغريب، بلا تعبير. إن الفصامي المثالي، في الحقيقة، من السهل أن يبهج بشرط أن يُحشر
حاضر أبدي أمام العيون، التي تحدِّق بنفس الذهول في حذاءٍ قديم أو في اللغز العضوي
النامي بعنادٍ لظفر قدمٍ إنسانية. من هنا يستحق تشيزيراني مكعبًا سيميوطيقيًّا خاصًّا
به:
لكن، ربما كانت أفضل طريقة لتناول خمود العاطفة، أوليًّا، هي عن طريق الشخوص
الإنسانية، ومن الواضح أن ما قلناه عن إضفاء الطابع السلعي على الأشياء يصلُح بنفس
القوة بالنسبة للذوات الإنسانية لدى وارهول؛ للنجوم — مثل مارلين مونرو — الذين اكتسَوا
هم أنفسهم بالطابع السلعي وتحوَّلوا إلى صورٍ لأنفسهم. وهنا أيضًا، فإن العودة الفظَّة
إلى المرحلة الأقدم للحداثة العليا تقدِّم موعظةً مختصرة عن التحول موضوع البحث.
بالطبع، فإن لوحة الصرخة ﻟ إرفارد مونش
Edvard Munch هي تعبيرٌ قياسي عن التيمة الحداثية
الكبرى للاستلاب، وانعدام القانون، والوحدة والتفتُّت الاجتماعي، والعزلة، هي شعار
برنامجي فعلي لما اصطُلح على تسميته عصر القلق. وسوف تجري قراءتها هنا ليس فقط كتجسيدٍ
للتعبير عن ذلك النوع من العاطفة، بل وفضلًا عن ذلك، كتفكيكٍ فعلي لنفس جماليات
التعبير، الذي يبدو أنه ساد الكثير مما نسمِّيه الحداثة العليا لكنه تلاشى — لأسبابٍ
عملية ونظرية — في عالم ما بعد الحداثة. ونفس مفهوم التعبير
expression يفترض سلفًا، في الحقيقة، بعضَ الانفصال
في إطار الذات، ومع ذلك ميتافيزيقا كاملة عن الداخل
inside والخارج
outside، عن الألم الأخرس داخل الجوهر الفرد
[الموناد] monad واللحظة التي يجد فيها هذا «الشعور»
إسقاطه عندئذٍ ويتخارج، بوصفه لفتةً أو صرخة، تواصلًا يائسًا وتجسيدًا دراميًّا
خارجيًّا للإحساس الداخلي.
ربما تكون اللحظة قد حانت لقول شيءٍ عن النظرية المعاصرة، التي، بين أشياء أخرى،
التزمَت بمهمة نقد وتكذيب نفس هذا النموذج التأويلي للداخل والخارج، وبوصم النماذج
من
هذا القبيل بأنها أيديولوجيةٌ وميتافيزيقية. لكن ما يُسمًّى اليوم باسم النظرية
المعاصرة — أو بالأحرى، الخطاب النظري — هو نفسه أيضًا، كما أودُّ أن أجادل، ظاهرة
ما
بعد حداثية على وجه الدقة؛ ومن ثَم يكون من عدم الاتساق أن ندافع عن صدق استبصاراته
النظرية في وضعٍ يكون فيه نفس مفهوم «الصدق» هو نفسه جزءًا من المتاع الميتافيزيقي
الذي
تسعى ما بعد البنيوية إلى التخلص منه. وما نستطيع أن نقترحه على الأقل هو أن النقد
ما
بعد-البنيوي لما هو تأويلي، لما سأدعوه اختصارًا بنموذج العمق، مفيد بالنسبة لنا
باعتباره عرضًا بالغ الدلالة لنفس ثقافة ما بعد الحداثة التي هي موضوعنا هنا.
وبسرعة، يمكننا القول إنه علاوةً على النموذج التأويلي للداخل والخارج الذي تطوِّره
لوحة مونش، جرى عمومًا في النظرية المعاصرة التبرؤ من أربعة نماذج عمقٍ أساسية على
الأقل: (۱) النموذج الديالكتيكي للجوهر والمظهر (مع مجموعة كاملة من مفاهيم
الأيديولوجيا أو الوعي الزائف التي تميل إلى مصاحبته)؛ و(٢) النموذج الفرويدي للكامن
والظاهرة، أو الكبت (الذي هو، بالطبع، هدف كراسة فوكوه البرنامجية والمميزة الرغبة في المعرفة La volonté de savoir [تاريخ الجنس])؛ و(۳) النموذج
الوجودي للأصالة وعدم الأصالة الذي ترتبط تيماته البطولية أو التراجيدية ارتباطًا
وثيقًا بذلك التعارض الكبير الآخر بين الاستلاب ونزع الاستلاب، وهو بدَورِه ضحية
من
ضحايا الفترة ما بعد البنيوية أو ما بعد الحداثية؛ و(٤) مؤخرًا، التعارض السيميوطيقي
الكبير بين الدال والمدلول، الذي حُلَّت خيوطه وتم تفكيكه بسرعة خلال فترة ذروته
القصيرة في الستينيات والسبعينيات. وما يحلُّ محلَّ نماذج العمق المتنوِّعة هذه هو
في
الأغلب مفهوم عن الممارسات، والخطابات، واللعب النصِّي، التي سنفحص فيما يلي بنياتها
السانتاجماتية الجديدة، ويكفينا الآن أن نلاحظ هنا أيضًا أن العمق يحلُّ محلَّه السطح،
أو أسطح متعددة (وما يُطلَق عليه عادةً اسم التناص [تفاعل النصوص]
intertextuality لم يعُد، بهذا المعنى، مسألة
عمق).
وليس انعدام العمق هذا مجرد استعارة؛ إذا أمكن أن يجرِّبه فيزيقيًّا «وحرفيًّا» أيُّ
شخصٍ يمضي مُصعِدًا فيما اعتاد ريموند تشاندلر أن يسمِّيه بانكرهيل، قادمًا من أسواق
تشيكانو الكبرى عند تقاطع برودواي والشارع الرابع في وسط مدينة لوس أنجلوس؛ حيث سيواجهه
بغتة الجدار الضخم الذي يقف وحيدًا لمحكمة ويلزفارجو
Wells
Fargo (من تصميم سكيدمور، وأوينجز، وميريل
Skidmore, Owings and Merrill) — وهو جدار يبدو أنه
لا يوجد أي حجمٍ يسنده، أو أن حجمه المفترض (مربع؟ شبه منحرف؟) يتعذر تحديده تمامًا
تحديده على نحوٍ غريب. هذا اللوح الضخم من النوافذ، ببُعدَيه اللذَين يتحدَّيان
الجاذبية، يحوِّل الأرض الصلبة التي نق عليها، لحظيًّا، إلى محتويات فانوس سحري مجسم
stereopticon، أشكال من كرتون تتتابع جانبيًّا هنا
وهناك حولنا، والتأثير البصري واحد من كل الجوانب؛ منظر مثل الصخرة الضخمة في فيلم
ستانلي كوبريك
Stanley Kubrick ۲۰۰۱،
١٠⋆ التي
تواجه مشاهديها مثل قدَرٍ ملغز، مثل دعوة إلى تحولٍ تطوُّري. إذا استطاع قلب المدينة
الجديد ذو الطابع المتعدد القومية أن يُلغي بفعالية النسيج المدمر الأقدم للمدينة
الذي
يجري استبداله بعنف، أفلا يمكن قول شيءٍ مماثل عن الطريقة التي يجعل بها هذا السطح
الجديد الغريب بطريقته القاطعة أنساقَ إدراكنا الأقدم للمدينة عتيقة وغير ذات هدف،
دون
أن يقدِّم نسقًا بديلًا؟
وإذا عدنا الآن للحظة أخيرة إلى لوحة مونش، فإنه يبدو واضحًا أن
الصرخة تقطع، بطريقةٍ راقية لكن ببراعة، جماليات تعبيرها
ذاتها، بينما تظل سجينة في إطارها؛ فمضمونها الإيمائي يؤكد بالفعل على فشلها الخاص؛
حيث
إن مجال المسموع، الصرخة، الذبذبات الفجَّة للحنجرة البشرية، لا تتمشى مع الوسط
التعبيري (وهو شيء يجري التأكيد عليه داخل العمل عن طريق افتقار القزم إلى آذان).
إلا
أن الصرخة الغائبة تعود، كما هو الحال، في جدلٍ من الحلقات واللوالب، تتجه دوائرها
بإحكامٍ متزايد نحو تلك التجربة الأشد غيابًا للوحدة والقلق الوحشيَّين اللذَين كان
على
الصرخة نفسها أن «تعبِّر» عنهما. وتخط تلك الحلقات نفسها على السطح المرسوم على شكل
تلك
الدوائر الكبيرة المتحدة المركز التي تصبح فيها الذبذبة الصوتية مرئية في النهاية،
مثلما على سطح صفحة من الماء، في ارتدادٍ لا نهائي ينبع من الشخص الذي يُعاني ليصبح
هو
نفس جغرافية عالم يتحدثُ فيه الألم نفسه الآن ويرنُّ خلال المنظر الخلوي وغروب الشمس
الماديَّين. الآن يصبح العالم المرئي هو جدار الجوهر الفرد [الموناد] الذي تُسجَّل
وتُنقش عليه هذه «الصرخة التي تسري خلال الطبيعة» (كلمات مونش):
١١ إن المرء ليفكِّر في تلك الشخصية عند لوتريامون
Lautréamont، التي بعد أن نمت داخل غشاء محكم
وساكن، مزقَته بصرختها عندما أبصرت بشاعة الإله؛ ومن ثَم انضمَّت إلى عالم الصوت
والعناء.
كل هذا يوحي بفرضيةٍ تاريخية أكثر عمومية: هي أن المفاهيم من قبيل القلق والاستلاب
(والخبرات التي تناظرها، مثلما في الصرخة) لم تعُد
مناسبة في عالم ما بعد الحداثي. أن شخوص وارهول العظيمة — مارلين نفسها أو إيدي سيدجويك
Edie Sedgwick — الحالات الشهيرة للاحتراق وتدمير
الذات لفترة نهاية الستينيات، ستبدو وكأن شيئًا لم يعُد يجمعها سواء مع هستيريا وعُصاب
أيام فرويد أو مع تلك الخبرات القياسية للعزلة والوحدة الجذريتَين، لغياب القانون،
للتمرد الفردي، للجنون على طريقة فان جوخ، التي سادت فترة الحداثة العليا. هذا التحول
في ديناميات الباثولوجيا الثقافية يمكن تشخيصه على أنه تحوُّل حل فيه تفتُّت الذات
محل
استلابها.
هذه التعبيرات تذكِّرنا حتمًا بإحدى أكثر التيمات رواجًا في النظرية المعاصرة، ألا
وهي تيمة «موت» الذات نفسها — نهاية الجوهر الفرد أو الأنا أو الفرد البورجوازي المستقل
ذاتيًّا — والتأكيد المصاحب لذلك، سواء كمثلٍ أعلى أخلاقي جديد أو كوصفٍ إمبيريقي،
على
الإزاحة عن المركز لتلك الذات أو النفس التي كانت
سابقًا في المركز. (من بين الصياغتَين الممكنتَين لهذه المقولة-الصياغة التاريخية
النزعة، أن ذاتًا متمركزة كانت موجودة ذات حين، في فترة الرأسمالية الكلاسيكية والعائلة
النووية، قد تحلَّلَت اليوم في عالم البيروقراطية التنظيمية؛ والموقف ما بعد البنيوي
الأكثر راديكالية، الذي لم توجد بالنسبة له تلك الذات قط في المقام الأول، بل شكَّلَت
شيئًا من قبيل السراب الأيديولوجي — فإنني أميل بديهيًّا إلى الصياغة الأولى؛ أما
الأخرى فلا بد على أية حال أن تأخذ في اعتبارها شيئًا من قبيل «واقع المظهر»).
إلَّا أننا يجب أن نضيف أن مشكلة التعبير هي نفسها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمفهومٍ
عن
الذات باعتبارها وعاءً يشبه الجوهر الفرد، يجري التعبير عن الأشياء التي تُحس داخله
بإسقاطها نحو الخارج. إلا أن ما يجب أن نشدِّد عليه الآن، هو الدرجة التي يصمد أو
يسقط
بها مفهوم الحداثة العليا عن الأسلوب الفريد، مع
المُثل الجماعية المصاحبة له عن الرواد أو الطليعة الفنية أو السياسية، وذلك مع صمود
أو
سقوط تلك المقولة (أو الخبرة) الأقدم عما يسمَّى بالذات المتمركزة.
هنا أيضًا تقف لوحة مونش كتأملٍ مركَّب لهذا الموقف المعقد؛ فهي تبيِّن لنا أن
التعبير يستلزم مقولة الموناد الفرد، لكنها تبيِّن لنا كذلك الثمن الفادح الذي يجب
دفعُه مقابل هذا الشرط المسبق، مُسبِغة الدرامية على التناقض التَّعِس المتمثل في
أنك
حين تؤسِّس ذاتيتك الفردية كحقلٍ مكتفٍ بذاته ومجالٍ مغلَق، فإنك من ثَم تعزل نفسك
عن
كل شيءٍ آخر، وتحكم على نفسك بالوحدة الغبية للموناد، المدفون حيًّا والمحكوم عليه
بزنزانة بلا مخرج.
من المفترض أن ما بعد الحداثة تشير إلى نهاية هذا المأزق، الذي تستبدله بمأزقٍ جديد؛
فنهاية الأنا البورجوازية، أو الموناد، تجلب معها بلا شكٍّ نهاية الباثولوجيات النفسية
لتلك الأنا — ما سمَّيتُه أنا بخمود العاطفة. لكنها تعني نهاية ما هو أكثر من ذلك
—
مثلًا، نهاية الأسلوب، بمعنى ما هو فريد وشخصي، نهاية ضربة الفرشاة الفردية المميزة
(كما تجد رمزها في الأولوية البازغة للاستنساخ الميكانيكي). أما بالنسبة للتعبير
والمشاعر أو العواطف، فإن التحرُّر، في المجتمع المعاصر، من اللامعيارية
anomie الأقدم للذات المتمركزة قد يعني كذلك ليس
مجرد التحرر من القلق فحسب، بل التحرر من كل نوعٍ آخر من المشاعر أيضًا؛ حيث لم يعُد
ثمَّة وجودٌ لذاتٍ تقوم بالشعور. هذا لا يعني القول بأن المنتَجات الثقافية لحقبة
ما
بعد الحداثة مفرغة تمامًا من الشعور، بل بالأحرى أن تلك المشاعر — التي يكون من الأفضل
والأدق، مقتفين أثر ج. ف. ليوتار، أن ندعوها «كثافات»
intensities — هي الآن طافية بحرية ولا شخصية وتميل
إلى أن يسودها نوع من البهجة؛ الأمر الذي سنودُّ الرجوع إليه فيما بعدُ.
إلا أن خمود العاطفة، كان من الممكن أيضًا
توصيفه، في السياق الأضيق للنقد الأدبي، بأنه خمود التيمات الحداثية-العليا العظيمة
في
الزمن والزمنية، الألغاز الرثائية ﻟ
المدة duree والذاكرة (الأمر الذي يجب فهمه تمامًا على أنه
مقولةٌ للنقد الأدبي مرتبطة بالحداثة العليا بقَدْر ما هي مرتبطة بالأعمال نفسها).
لكن،
قيل لنا كثيرًا إننا الآن نسكن فيما هو تزامني [سانكروني]
synchronic وليس فيما هو تتابعي [دياكروني]
diachronic، وأظن أنه يمكن الجدال إمبيريقيًّا على
الأقل، بأن حياتنا اليومية، خبرتنا النفسية، لغتنا الثقافية تسودها اليوم مقولاتُ
المكان وليس مقولات الزمان، مثلما في الفترة السابقة للحداثة العليا.
١٢
٢
إن اختفاء الذات الفردية، مع النتيجة الشكلية المترتبة على ذلك، والمتمثلة في عدم
التوفر المطَّرد للأسلوب الفردي، يُولد اليوم الممارسة الشاملة تقريبًا لما يمكن
أن
يسمَّى المقابسة [الباستيش] Pastiche. هذا المفهوم،
الذي ندين به لتوماس مان Thomas Mann (في الدكتور
فاوستوس Doktor Faustus)، الذي كان يدين به بدوره لعمل
أدورنو Adorno العظيم عن دربي التجريب الموسيقى المتقدم
(وهما التخطيط الابتكاري لدى شونبرج Schoenberg
والتوفيقية اللاعقلانية لدى سترافينسكي Stravinsky)،
يجب تمييزه تمييزًا عن فكرة المحاكاة الساخرة [الباروديا]
Parody الأكثر قبولًا.
من المؤكَّد أن المحاكاة الساخرة وجدَت مجالًا خصبًا في خصوصيات المحدثين وأساليبهم
التي «لا تقبل التقليد»؛ الجملة الفوكنرية الطويلة، على سبيل المثال، بأسماء الأفعال
التي تقطع النفس فيها؛ وصور الطبيعة عند لورنس، المرصَّعة بتعبيراتٍ عاميةٍ نزقة؛
ترسيب
والاس ستيفنز العنيد لأجزاء الكلام غير الجوهرية (التملصات المعقَّدة من كلمة مثل)؛
الانقضاضات القدرية (لكن القابلة للتنبؤ في النهاية) لدى مالر
Mahler من سَورة المشاعر الأوركسترالية الجيَّاشة
إلى إحساس أكورديون القرية؛ ممارسة هايدجر الرصينة-التأملية للاشتقاق الزائف كطريقة
ﻟ
«البرهان» … كل هذه الأشياء تدهش المرء باعتبارها سماتٍ مميزة، بقَدْر ما تحيد بتباهٍ
عن معيارٍ يُعيد حينئذٍ تأكيد نفسه، بطريقةٍ ليست عدائيةً بالضرورة، عن طريق محاكاةٍ
منهجيةٍ للمبالغات الإرادية فيها.
لكن في القفزة الجدلية من الكم إلى الكيف، فإن انفجار الأدب الحديث إلى حشدٍ من
الأساليب والطرائق الأسلوبية الخاصة قد تبعه تفتُّتٌ لغوي للحياة الاجتماعية نفسها
إلى
النقطة التي أصاب الأفول فيها المعيار ذاته؛ إذ تم اختزاله إلى كلام وسائل إعلامٍ
محايد
ومتشيِّئ (شديد البعد عن الطموحات الطوباوية لمخترعي لغة الإسبرانتو أو الإنجليزية
الأساسية)، يصبح هو نفسه عندئذٍ مجرد لهجةٍ خاصة بين لهجاتٍ عديدة. هكذا تصبح الأساليب
الحداثية شفرات ما بعد حداثية. أما كون التشعُّب المذهل للشفرات الاجتماعية اليوم
إلى
رطاناتٍ مهنية وانضباطية (لكن كذلك إلى شارات تماسُكٍ عرقي، ومرتبط أحد الجنسَين،
وسلالي، وديني وفئوي-طبقي)، كونه ظاهرةً سياسية أيضًا، فهذا ما تبيِّنه بدرجةٍ كافيةٍ
مشكلة السياسة المتناهية الصغر micropolitics. إذا كانت
أفكار طبقةٍ حاكمة هي الأيديولوجيا السائدة (أو المُهيمِنة) للمجتمع البورجوازي ذات
حين، فإن البلدان الرأسمالية المتقدمة اليوم هي حقلٌ للتنافر الأسلوبي والخطابي دون
معيار. يواصل سادة بلا وجوه إدارة الاستراتيجيات الاقتصادية التي تُكبِّل وجودنا،
لكنهم
لم يعودوا بحاجة إلى فرض كلامهم (أو أنهم عاجزون عن ذلك من الآن فصاعدًا). وما بعد
أمية
العالم الرأسمالي المتأخر لا تعكس الآن غياب أي مشروعٍ جماعي عظيم فحسب، بل كذلك
عدم
توفُّر اللغة القومية الأقدم ذاتها.
في هذا الوضع تجد المحاكاة الساخرة نفسها دون وظيفة؛ لقد عاشت، وذلك الشيء الجديد
الغريب الذي هو المقابسة يأتي ببطء ليأخذ مكانها. إن المقابسة، مثل المحاكاة الساخرة،
هي محاكاة أسلوبٍ خاص أو فريد، مميز، هي ارتداء قناعٍ لغوي، حديث بلغةٍ ميتة. لكنها
ممارسةٌ محايدة لتلك المحاكاة، بدون أيٍّ من الدوافع الأخرى للمحاكاة الساخرة، مقطوعة
الصلة بالحافز التهكُّمي ومفرغة من الضحك ومن أيِّ اقتناعٍ بأنه بمحاذاة اللغة الشاذة
التي استعرتُها للحظة، ما زال ثمَّة بعض السواء اللغوي الصحي. هكذا فإن المقابسة
هي
محاكاةٌ ساخرةٌ جوفاء، تمثال ذو حدقاتٍ عمياء، وهي تمثل بالنسبة للمحاكاة الساخرة
ما
يمثله ذلك الشيء الحديث الآخر المثير للاهتمام والأصيل تاريخيًّا؛ أي ممارسة نوعٍ
من
المفارقة الجوفاء، بالنسبة لما يسمِّيه وين بوث Wayne
Booth باسم «المفارقات المستقرة» للقرن الثامن عشر.
ومن ثَم، سيبدو أن تشخيص أدورنو التنبُّئى قد تحقَّق، لكن بطريقةٍ سلبية؛ فليس شونبرج
(الذي لمح هو بالفعل عُقم نسَقه المنجَز) بل سترافينسكي هو السلف الحقيقي للإنتاج
الثقافي ما بعد الحداثي؛ لأنه مع انهيار الأيديولوجيا الحداثية-العليا عن الأسلوب
— ما
هو فريد ولا تُخطئه العين مثل بصماتك ذاتها، ولا يقبل المقارنة مثل جسدك ذاته (الذي
هو،
بالنسبة لرولان بارت Roland Barthes المبكِّر، نفس مصدر
الابتكار والتجديد الأسلوبيَّين) — لم يعُد أمام منتجي الثقافة من مكانٍ يلجَئون
إليه
سوى الماضي؛ محاكاة الأساليب الميتة، الحديث من خلال كل الأقنعة والأصوات المُختزَنة
في
المُتحَف الخيالي لثقافة أصبحت الآن عالمية.
هذا الوضع يُحدد بداهة ما يسمِّيه مؤرخو العمارة باسم «النزعة التاريخية
historicism»؛ أي، الالتهام العشوائي لكل أساليب
الماضي، اللعب بالإيحاء الأسلوبي العشوائي، وبشكلٍ عام ما وصفه هنري لوفيفر
Henri Lefebvre بأنه الأولوية المتزايدة ﻟﻠ «جديد».
إلا أن هذا الحضور الكلي للمقابسة لا يتنافر مع نوعٍ معيَّن من الدعابة، وليس بريئًا
من
كل عاطفة؛ أنه يتمشى على الأقل مع الإدمان — مع شهيةٍ استهلاكيةٍ كاملة أصيلة تاريخيًّا
موجهة لعالمٍ تحوَّل إلى مجرد صور لنفسه وللأحداث الزائفة و«الاستعراضات» (وهو مصطلح
الموقفين Situationists) لمثل هذه الأشياء سنحتفظ
بمفهوم أفلاطون في «الشبيه» simulacrum، النسخة طبق
الأصل التي لم يوجد لها أصلٌ مطلقًا. بشكلٍ ملائم تمامًا، تخرج ثقافة الشبيه إلى
الحياة
في مجتمعٍ تم فيه تعميم قيمة التبادل إلى النقطة التي تنمحي عندها نفس ذكرى قيمة
الاستعمال، مجتمع لاحظ عنه جي ديبور Guy Debord، في
عبارة غير عادية، أن فيه «أصبحت الصورة هي الشكل النهائي للتشيؤ السلعي» (مجتمع
الاستعراض) (The Society of the Spectacle).
الآن يمكن توقُّع أن يمارس المنطق المكاني الجديد للشبيه تأثيرًا هائلًا على ما أعتاد
أن يكون الزمن التاريخي، وبذلك تعدل الماضي نفسه؛ إن ما كان ذات حين، في الرواية
التاريخية كما يعرفها لوكاتش، هو النسب العضوي للمشروع الجماعي البورجوازي — ذلك
الذي
ما زال، بالنسبة لكتابة التاريخ الانعتاقية لشخصٍ مثل أ. ب. طومسون E.
P. Thompson أو بالنسبة ﻟ «التاريخ الشفهي» الأمريكي، بالنسبة لبعث
الموتى من الأجيال المجهولة التي أخرس صوتها، ذلك الذي ما زال هو البعد الاسترجاعي
الذي
لا غنى عنه لأي إعادة توجيه حيوية لمستقبلنا الجماعي — قد أصبح هو نفسه في هذه الأثناء
مجموعةً هائلةً من الصور، شبيهًا فوتوغرافيًّا حاشدًا. وشعار جي ديبور القوي أكثر
ملاءمة الآن ﻟ «ما قبل تاريخ» مجتمع محروم من كل تاريخية، مجتمع لا يزيد ماضيه الخاص
المفترض كثيرًا عن مجموعة من الاستعراضات التي يعلوها التراب. في اتساقٍ أمين مع
النظرية اللغوية ما بعد البنيوية، فإن الماضي بوصفه «مرجعًا»
referent يجد نفسه بالتدريج موضوعًا بين أقواس، ثم
ممحوًّا برُمَّته، تاركًا إيانا وليس لدينا سوى نصوص.
لكن لا يجب الاعتقاد بأن هذه العملية تصاحبها اللامبالاة، بل على العكس، فإن التكثيف
الراهن الملحوظ لإدمان الصورة الفوتوغرافية هو نفسه عرضٌ ملموس لنزعةٍ ليبيديةٍ
تقريبًا، كلية الحضور، وتلتهم كل شيء. وكما لاحظت بالفعل، يستخدم المعماريون هذه
الكلمة
(المفرِطة في تعدُّد معانيها) للتعبير عن التوفيقية الهانئة للعمارة ما بعد الحداثية،
التي تلتهم، عشوائيًّا ودون مبدأ بل باستمتاع، كل أساليب الماضي المعمارية وتجمع
بينها
في كياناتٍ مفرطة الإثارة. وكلمة حنين لا تدهش المرء باعتبارها كلمةً مرضية تمامًا
للتعبير عن ذلك الانبهار (وخصوصًا حين يفكر المرء في ألم حنين حداثي حقًّا تجاه ماضٍ
بعيدٍ عن متناول أيِّ استعادة إلا الاستعادة الجمالية)، إلا أنها توجِّه انتباهنا
إلى
ما هو تبدٍّ ثقافي أشد عمومية لهذه العملية في الفن والذوق التجاريَّين، وأعني ما
يُطلَق عليه اسم سينما الحنين (أو ما يسميه الفرنسيون موضة العودة إلى الوراء la mode rétro).
إن أفلام الحنين تعيد بناء كل موضوع المقابسة وتطرحه في مستوًى جماعي واجتماعي؛ حيث
تنكسر أشعة المحاولة اليائسة لتملك ماضٍ مفقود، خلال منشور القانون الحديدي لتغير
الموضة وأيديولوجيا الجيل البازغة. والفيلم الافتتاحي لهذا الخطاب الجمالي الجديد،
وهو
فيلم جورج لوكاس بعنوان شخبطات أمريكية (۱۹۷۳م)
George Lucas’s American
Graffiti، وضع لنفسه مهمة استعادة الواقع الضائع والمذهل منذ ذلك
الحين، لحقبة أيزنهاور، وذلك ما حاولَته أفلامٌ عديدة منذ ذلك الحين؛ ويميل المرء
إلى
أن يشعر بأن الخمسينيات، بالنسبة للأمريكيين على الأقل، تظل موضوع الرغبة الضائع
المتميز
١٣ — ليس فقط في استقرار ورفاهية سلامٍ أمريكي
Pax
Americana بل أيضًا في البراءة الساذجة الأُولى لدوافع الثقافة
المضادة المتمثلة في الروك آندرول المبكِّر وفي عصابات الشباب (وهكذا سيكون فيلم
كوبولا
بعنوان
رامبل فيش Coppola’s Rumble Fish هو المرثية المعاصرة التي تبكي
انقضاء هذه الدوافع، رغم أن هذه المرثية نفسها ما زالت مصوَّرة على نحوٍ متناقض بأسلوب
سينما الحنين الأصيل). ومع هذا الإنجاز الأوَّلي، تنفتح فتراتٌ جيلية أخرى أمام
الاستعمار الجمالي؛ كما تشهد الاستعادة الأسلوبية للثلاثينيات الأمريكية والإيطالية
في
فيلم بولانسكي
الحي الصيني وفيلم برتولوتشي
الممتثل Il Conformista، على التوالي، والأكثر إثارةً للاهتمام،
والأكثر إشكالية، هي تلك المحاولات الأخيرة، من خلال هذا الخطاب الجديد، لفرض الحصار
سواء على حاضرنا وماضينا المباشر أو على تاريخٍ أبعد مسافة يفلت من الذاكرة الوجودية
للأفراد.
وفي مواجهة هذه الموضوعات النهائية — حاضرنا الاجتماعي، والتاريخي، والوجودي، والماضي
بوصفه «مرجعًا» referent — فإن عدم اتساق لغة فن «حنين»
ما بعد حداثية مع التاريخية historicity الأصيلة يصبح
واضحًا على نحوٍ درامي. إلا أن التناقض يدفع هذا النمط إلى ابتكاريةٍ شكلية جديدة
معقَّدة ومثيرة للاهتمام، ومن المفهوم أن سينما الحنين لم تكن قط مسألة «تمثيل»
representation عتيقة الطراز للمضمون التاريخي، بل
إنها بدلًا من ذلك قاربَت «الماضي» من خلال التضمين الأسلوبي، ناقلة «ماضية الماضي»
Pastness عن طريق الخصائص البرَّاقة للصورة،
و«ثلاثينية الثلاثينيات» 1930s-ness أو «خمسينية
الخمسينيات» عن طريق صفات الموضة (وفي هذا تتبع وصفة بارت
Barthes في الأساطير Mythologies، الذي رأَى أن التضمين هو الإمداد بالجوانب
المثالية الخيالية والمتعلِّقة بالنموذج الأصلي؛ Sinic
مثلًا، بوصفها نوعًا من «مفهوم» ديزني-إبكوت Disney
Epcot عن الصين).
ويمكن ملاحظة الاستعمار العديم الحس للحاضر من جانب موضة الجنين في فيلم لورنس كاسدان
Lawrence Kasdan الأنيق حرارة الجسد Body Heat، وهو إعادة صياغةٍ بعيدة على طريقة «مجتمع
الوفرة» لرواية جيمس كين M. Cain بعنوان تعويض مزدوج Double Indemnity، إعادة صياغة في جوِّ بلدةٍ صغيرة
معاصرة في فلوريدا على مبعدة بضع ساعات بالسيارة من ميامي. إلا أن كلمة إعادة صياغة
remake تنطوي على مفارقةٍ زمنية إلى الدرجة التي
يكون بها وعينا بالوجود المسبق لنُسخٍ أخرى (أفلام سابقة مأخوذة عن الرواية وكذلك
الرواية نفسها) الآن جزءًا مكونًا وجوهريًّا من بنية الفيلم؛ وبتعبيرٍ آخر، فإننا
الآن
في «تناصٍّ» يُعد سمةً مقصودة، وداخلية للتأثير الجمالي ومحركًا لتضمينٍ جديد عن
«ماضية
الماضي»، وعمقًا تاريخيًّا-زائفًا، يحلُّ فيه تاريخ الأساليب الجمالية محل التاريخ
«الواقعي».
إلا أن بطاريةً كاملة من العلامات الجمالية تبدأ، منذ البداية، في إبعاد الصورة
المعاصرة رسميًّا عنا في الزمن؛ فتنسيق التيترات بأسماء المشاركين في الفيلم على
طريقة
الفن التزييني
art deco، مثلًا، تفيد على الفور في
برمجة المشاهد وفق نمط «حنين» التلقِّي الملائم (واقتباسات الفن التزييني [آرت ديكو]
لها نفس الوظيفة تقريبًا في العمارة المعاصرة، مثلما في مركز إيتون سنتر المشهور
في
تورنتو
Toronto’s Eaton Centre).
١٤ وفي نفس الوقت، تُنشَّط إشارات معقَّدة (لكنها شكلية خالصة) إلى مؤسسة نظام
النجوم ذاتها، تنشط نوعًا مختلفًا بعض الشيء من تفاعل التضمينات.
فالبطل، ويليام هيرت William Hurt، واحد من جيلٍ جديد
من «نجوم» السينما، مكانتُه متميزة بشكلٍ ملحوظ عن مكانة الجيل السابق من النجوم
الكبار
من الرجال، أمثال ستيف ماكوين أو جاك نيكولسون (أو حتى، براندو، بدرجةٍ أبعد)، ناهيك
عن
اللحظات الأسبق في تطوُّر مؤسَّسة النجوم؛ فالجيل السابق مباشرة كانوا يطرحون أدوارهم
المختلفة من خلال وعن طريق شخصياتهم المعروفة خارج الشاشة، التي كانت تُوحي عادةً
بالتمرُّد وعدم الامتثال. أما الجيل الأخير من النجوم الممثلين فيواصل تأكيد الوظائف
التقليدية للنجومية (وأبرزها الجانب الجنسي) لكن في غيابٍ مطلق ﻟ «الشخصية» بالمعنى
الأقدم، وبنوعٍ من المجهولية في تمثيل الشخصيات (تصل لدى ممثلين مثل هيرت إلى أبعاد
براعة ممتازة، لكنها من نوعٍ شديد الاختلاف عن براعة براندو أو أوليفييه الأقدم).
لكن
«موت الذات» هذا في مؤسَّسة النجوم الآن، يفتح الباب أمام إمكانية تفاعل للإيحاءات
التاريخية بالنسبة لأدوارٍ أقدم بكثير — في هذه الحالة الأدوار المرتبطة بكلارك جيبل
—
بحيث إن نفس أسلوب الأداء يمكن الآن أن يخدم بوصفه «عنصر تضمين» للماضي.
وأخيرًا، فإن أماكن الأحداث قد تم تأطيرها بصورةٍ استراتيجية ببراعةٍ فائقة؛ بحيث
يتم
تجنُّب معظم الإشارات التي عادةً ما تنقل الإحساس بمعاصرة الولايات المتحدة في حقبتها
المتعدِّدة القومية؛ فأماكن البلدة الصغيرة تتيح للكاميرا تجنُّب مشهد ناطحات سحاب
السبعينيات والثمانينيات (رغم أن فصلًا محوريًّا في الرواية يتضمن التدمير الفاجع
للمباني الأقدم من جانب مضاربي الأراضي)، بينما تم بعنايةٍ حذف عالم الأشياء في يومنا
الحاضر-الأعمال الفنية والأدوات، التي يفيد طرازها على الفور في تحديد تاريخ الصورة؛
من
ثَم، فإن كل شيء في الفيلم يتآمر لطمس معاصرته الرسمية، وليجعل من الممكن للمشاهد
أن
يتلقَّى الحكاية وكأنها تدور في ثلاثينياتٍ أبدية، فيما وراء الزمن التاريخي الواقعي.
هذا التناول للحاضر عن طريق اللغة الفنية للشبيه
simulacrum، أو المقابسة للماضي الذي يمثِّل
نموذجًا أصليًّا stereotypical، يُضفي على الواقع
الراهن وعلى انفتاح التاريخ الحاضر سحر ومسافة سرابٍ برَّاق. لكن هذه الموضة الجمالية
الجديدة المذهلة نشأَت هي نفسها كعرضٍ مركَّب لخمود تاريخيتنا، لخمود الإمكانية
المُعاشة في أن نخبر التاريخ بطريقةٍ فعَّالة ما؛ ومن ثم، لا يمكن القول إنها تنتج
هذا
الإخفاء الغريب للحاضر بواسطة قوَّتها الشكلية الخاصة، بل توضِّح مجرد توضيح، من
خلال
هذه التناقضات الداخلية، فظاعة وضعٍ نبدو فيه عاجزين بصورةٍ متزايدة عن صياغة تمثيلات
لخبرتنا الراهنة الخاصة.
أما بالنسبة ﻟ «التاريخ الواقعي» نفسه — الموضوع التقليدي على أي نحوٍ عرفناه، لما
اعتاد أن يعرف بأنه الرواية التاريخية — فسوف يكون أكثر إيحاء أن نستدير الآن لذلك
الشكل والوسط الأقدم، وأن نقرأ مصيره ما بعد الحداثي في عمل واحد من الروائيين
اليساريين القلائل الجادِّين والمجدِّدين الذين يعملون في الولايات المتحدة اليوم،
والذي تغتذي كتبه على التاريخ بالمعنى الأكثر تقليدية ويبدو، حتى الآن، أنه يُحدِّد
معالم لحظاتٍ جيلية متعاقبة في «ملحمة» التاريخ الأمريكي، تتعاقب بينها؛ فرواية أ.
ل.
دوكتوروف E. L. Doctorow بعنوان راجتايم Ragtime تقدِّم نفسها رسميًّا باعتبارها بانوراما
للعقدَين الأولَين من القرن (مثل رواية معرض العالم World’s Fair)؛ أما أحدث رواياته، بيلي باثجيت Billy Bathgate، فإنها مثل لوون
ليك Loon Lake تقدِّم الثلاثينيات.
والكساد الكبير، بينما تعرض كتاب دانييل The Book of Daniel أمامنا، في تقابلٍ مؤلم، اللحظتَين
العظيمتَين لليسار القديم واليسار الجديد، لشيوعية الثلاثينيات والأربعينيات وراديكالية
الستينيات (وحتى روايته المبكِّرة عن الغرب الأمريكي يمكن القول إنها تتلاءم مع هذا
المخطَّط وتحدِّد بطريقة أقل تعقيدًا وأقل في الوعي الذاتي الشكلي، نهاية حدود أواخر
القرن التاسع عشر).
وكتاب دانييل ليست الوحيدة بين هذه الروايات
التاريخية الخمس الكبرى التي تقيم صلةً روائيةً صريحة بين حاضر القارئ والكاتب وبين
الواقع التاريخي الأقدم الذي هو موضوع العمل؛ والصحفة الأخيرة المدهشة من رواية
لوون ليك، التي لن أكشفَ النقابَ عنها، تفعل ذلك
أيضًا بطريقةٍ شديدة الاختلاف؛ ومن المثير للاهتمامِ أن نلاحظ أن النسخة الأولى من
راجتايم١٥ تضعُنا صراحةً في حاضرنا، في منزل الروائي في نيوروشيل، بنيويورك، الذي
يصبح على الفور مشهد ماضيه «الخيالي» في سنة ۱۹۰۰م. وقد تم حجب هذه التفصيلة من النص
المنشور، وبذلك انقطعَت رمزيًّا حبال مرساها وتحرَّرَت الرواية لتطفوَ في عالمٍ جديد
من
الزمن التاريخي الماضي علاقته بنا إشكالية في الحقيقة. إلا أن أصالة اللفتة يمكن
أن
تُقاس بالحقيقة الوجودية الواضحة المتمثِّلة في أنه لم يعُد يبدو أن ثمَّة أيَّ علاقةٍ
عضوية بين التاريخ الأمريكي الذي نتعلمه من الكتب المدرسية وبين الخبرة المُعاشة
للمدينة الراهنة المتعدِّدة القومية، الشاهقة المباني، المصابة بالركود التضخُّمي،
مدينة الصحف وحياتنا اليومية.
إلا أن أزمةً في التاريخية، تندرج بشكلٍ ملازم في سماتٍ شكلية عديدة أخرى مثيرة
للاهتمام في قلب هذا النص؛ فموضوعه الرسمي هو الانتقال من سياسةٍ عمالية وجذرية سابقة
على الحرب العالمية الأولى (الإضرابات الضخمة) إلى الابتكار التكنولوجي والإنتاج
السلعي
الجديد لأعوام العشرينيات (صعود هوليوود والصورة بوصفها سلعة)؛ إن النسخة المحرفة
عن
رواية كلايست
Kleist المسمَّاة
ميشايل كولهاس Michael Kohlhaas، الفصل الغريب، المأساوي، لتمرُّد
البطل الزنجي، يمكن التفكير فيه على أنه لحظةٌ متصلة بهذه العملية. أما أن راجتايم
لها
مضمونٌ سياسي وحتى ما يشبه أن يكون «معنًى» سياسيًّا، فيبدو واضحًا على أية حال وقد
مفصلَته ليندا هتشيون
Linda Hutcheon ببراعةٍ على أساس
عائلاتها الثلاث المتوازية؛ عائلة المؤسَّسة، الأنجلو-أمريكية، والعائلتَيْن
الهامشيتَيْن الأوروبية المهاجرة والأمريكية السوداء. يُبعثر حدث الرواية مركز الأولى
ويحرِّك الهوامش إلى «المراكز» المتعدِّدة للحكاية، في مجازٍ شكلي للديموغرافيا
الاجتماعية لأمريكا الحضرية. وعلاوةً على ذلك، ثمَّة نقدٌ مستفيض للمُثل الديمقراطية
الأمريكية من خلال تقديم صراعٍ طبقي يجد جذوره في الملكية الرأسمالية وسلطة الأثرياء.
إن كولهاوس الأسود، وهوديني الأبيض، وتاته المهاجر كلهم من الطبقة العاملة، وبسبب
ذلك —
وليس بالرغم منه — يمكنهم جميعًا، من ثَم، أن يعملوا لخلق أشكالٍ جمالية جديدة
(راجتايم، فودفيل، أفلام).
١٦
لكن هذا يوضِّح كل شيء فيما عدا الشيء الجوهري، مُضفيًا على الرواية تماسكًا للموضوع
يُثير الاعجاب، كان يُمكن أن يخبره قلة من القُراء بينما هم يُعربون جمل موضوعٍ لغوي
يمسكونه قريبًا جدًّا من أعينهم بحيث لا يمكن أن يتطابق مع هذه المنظورات. وهتشيون
محقة
تمامًا، بالطبع، وهذا هو ما كان يمكن أن تعنيه الرواية إذا لم تكن عملًا فنيًّا ما
بعد
حداثي. وأحد الأسباب هو أن موضوعات التمثيل، الشخوص الروائية المزعومة، ليست متكافئة
وذات ماهيات لا تقبل المقارنة، كما هي الحال، مثل الزيت والماء — حيث إن هوديني هو
شخصية
تاريخية، وتاته شخصية
قصصية وكولهاوس شخصية
تناصية — وهو
شيء من الصعوبة بمكان أن يجعل مقارنةً تفسيريةً من هذا النوع صالحة. وفي نفس الوقت،
تتطلب التيمة المنسوبة إلى الرواية نوعًا آخر من التمحيص؛ حيث إنها يمكن إعادة صياغتها
في نسخةٍ كلاسيكية من «تجربة هزيمة» اليسار في القرن العشرين، وبالتحديد، في أطروحة
أن
نزع تسييس الحركة العمالية يرجع إلى وسائل الإعلام أو الثقافة عمومًا (ما تسمِّيه
هي
هنا ﺑ «أشكال جمالية جديدة»). هذا، حقًّا، في اعتقادي، شيء يشبه الستارة الخليفة
الرثائية، ما لم يكن المعنى ﻟ
راجتايم، وربما لعمل
دوكتوروف عمومًا؛ لكننا، حينئذٍ، سنكون بحاجة إلى طريقةٍ جديدة لوصف الرواية باعتبارها
شيئًا يشبه تعبيرًا لاواعيًا واستكشافًا يقوم على التداعي لهذه العقيدة اليسارية،
هذا
المعتقَد التاريخي أو شبه-الرؤية بعين عقل «الروح الموضوعية». وما سيودُّ ذلك الوصف
أن
يسجِّله هو التناقض المتمثل في أن عملًا يبدو واقعيًّا مثل
راجتايم هو في الحقيقة عملٌ غير تمثيلي يجمع بين دالاتٍ فانتازية من
عددٍ متنوعٍ من الوحدات الأيديولوجية في نوعٍ من الهولوجرام
hologram.
١٧⋆
والنقطة التي أودُّ إيضاحها، رغم ذلك، ليست فرضيةً ما عن التماسك بين التيمات في هذه
الرواية المُزاحة عن المركز، بل العكس، وبالتحديد، أن الطريقة التي تفرض بها هذه
الرواية نوعَ القراءة تجعل من المستحيل عمليًّا أن نصل إلى وأن نحدِّد تيمات تلك
«الموضوعات» الرسمية التي تطفو فوق النص، لكنها لا يمكن أن تتكامل في قراءتنا للعبارات.
بهذا المعنى، فإن الرواية لا تُقاوِم التفسير فحسب، بل إنها منظَّمة منهجيًّا وشكليًّا
لتُفسِد نوعًا أقدم من التفسير الاجتماعي والتاريخي تظهره هي ثم تسحبه بشكلٍ دائم.
وحين
نتذكَّر أن نقد وإنكار التفسير النظري هو مكونٌ أساسي للنظرية ما بعد البنيوية، يكون
من
الصعب ألا نستنتج أن دوكتوروف قد بنى عن عمدٍ هذا التوتر ذاته، هذا التناقض ذاته،
في
تدفق عباراته.
والكتاب مزدحم بالشخصيات التاريخية الحقيقية — من تيدي روزفلت إلى أما جولدمان، من
هاري ك. ثو وستانفورد وايت إلى ج. بييربونت مورجان وهنري فورد، ناهيك عن الدور الأكثر
محورية لشخصية هوديني — التي تتفاعل مع عائلةٍ خيالية، تتحد ببساطة على أنها الأب،
والأم، والأخ الأكبر، إلى آخره. وكل الروايات "التاريخية، بدءًا من روايات السير
والتر
سكوت نفسه Sir Walter Scott، لا شك أنها بطريقةٍ أو
بأخرى تتضمن استنفارًا للمعرفة التاريخية الأسبق المكتسَبة عادة من خلال مراجع التاريخ
المدرسية التي تستهدف غرض إضفاء شرعيةٍ ما من جانب هذه التقاليد القومية أو تلك —
وبذلك
تقيم جدلًا سرديًّا بين ما «نعرفه» فعلًا بشأن المتظاهر The
Pretender، مثلًا، وبين ما نرى أنه عليه عينيًّا في صفحات الرواية.
لكن نهج دوكتوروف يبدو أكثر تطرفًا من ذلك؛ وسوف أجادل بأن تحديد كلٍّ من نمطَي
الشخصيات — الأسماء التاريخية والأدوار العائلية ذات الأهمية — تعمل منهجيًّا وبقوة
لتشييء كل تلك الشخصيات، ولتجعل من المستحيل أمامنا أن نتلقَّى تمثيلهم بدون التدخُّل
المسبق للمعرفة أو العقيدة المكتسبة فعلًا — وهو شيء يكسب النص حسًّا غير عادي بأننا
رأيناه من قبل deja Vu وألفةً غريبة يميل المرء إلى
ربطها ﺑ «عودة المكبوت» الفرويدية في «الخارق للطبيعة» The
Uncanny بدل أن يربطها بأي تشكيلٍ تاريخي صُلب من جانب
القارئ.
وفي نفس الوقت، فإن العبارات التي يدور فيها ذلك كله لها خصوصيتها النوعية، التي
تسمح
لنا بشكلٍ أكثر تجسُّدًا بأن نميِّز تطوير الحداثيين لأسلوبٍ شخصي عن هذا النوع الجديد
من التجديد اللغوي، الذي لم يعُد شخصيًّا على الإطلاق لكنه ينتمي بصِلة القرابة بما
سمَّاه بارت منذ زمنٍ طويل باسم «الكتابة البيضاء». وفي هذه الرواية بالتحديد، فرض
دوكتوروف على نفسه مبدأ اختيار صارم لا يتم فيه سوى تلقِّي عباراتٍ تقريرية بسيطة
(يغلب
عليها أن يكون محركها هو فعل «الكينونة»). إلا أن التأثير ليس تأثير التبسيط المتعطِّف
والعناية الرمزية التي نجدُها في أدب الأطفال، بل شيءٌ أكثر إزعاجًا، إنه حس بعنف
خفي
عميق ما وقع على الإنجليزية الأمريكية، لا يمكن، رغم ذلك، استشفافه إمبيريقيًّا في
أيٍّ
من العبارات المكتملة نحويًّا، التي يتشكل منها هذا العمل، إلا أن «تجديدات» تقنية
أكثر
وضوحًا ربما تقدِّم مفتاحًا لما يحدث في لغة
راجتايم؛
فمن المعروف، مثلًا، أن مصدر كثيرٍ من التأثيرات المميزة لرواية كامو
Camus،
الغريب،
يمكن إرجاعها إلى قرار المؤلف الإرادي في إحلال زمن الماضي المركَّب
passé composé الفرنسي، على طول الرواية، محل أزمنة
الماضي الأخرى الأكثر استخدامًا في العادة في هذا اللغة.
١٨ وأنا أوحي بأن الأمر وكأن شيئًا من هذا النوع يعمل هنا؛ كأن دوكتوروف قد
عزم منهجيًّا على إحداث أثر أو مكافئ، في لغته، لزمنٍ ماضٍ لا نملكه في الإنجليزية،
ألا
وهو الزمن الماضي
preterite في الفرنسية (أو الماضي
البسيط
Passé simple) الذي تُفيد حركته «الاكتمالية»
Perfective، كما علمنا إميل بنفنست
Émile Benveniste، في فصل الأحداث عن مضارع
المنطوق، وفي تحويل مجرى الزمن والحدث إلى عددٍ كبير من موضوعات الحدث المضبوطة
المكتملة، والنهائية، والمعزولة، التي تجد نفسها منقطعة الصلة بأي موقفٍ حاضر (حتى
مع
فعل الحكي أو النطق).
إن أ. ل. دوكتوروف هو الشاعر الملحمي لاختفاء الماضي الراديكالي الأمريكي، لكبت
التقاليد واللحظات الأقدم للتقليد الراديكالي الأمريكي؛ وما من أحد لديه تعاطفات
يسارية
يستطيع قراءة هذه الروايات الرائعة دون أسًى قارس هو طريقة أصيلة لمواجهة مآزقنا
السياسية الراهنة في الحاضر، إلا أن الأمر المثير للاهتمام ثقافيًّا، هو أنه كان
عليه
أن يوصل هذه التيمة الكبرى شكليًّا (حيث إن خمود المضمون هو موضوعه على وجه الدقة)
وأكثر من ذلك، كان عليه أن يطوِّر عمله عن طريق نفس المنطق الثقافي لما بعد الحداثي،
الذي هو في حد ذاته علامة وعرض هذا المأزق.
إن لوون ليك تنقل على نحوٍ أكثر بداهة استراتيجيات المقابسة
(وبالأخص في إعادة اختراعها للروائي دوس باسوس Dos Passos)؛ لكن راجتايم تظل هي النصب الأكثر تفردًا
وإدهاشًا للوضع الجمالي الناشئ عن اختفاء المرجع
referent التاريخي. لم تعُد هذه الرواية التاريخية
لتستطيع الشروع في تمثيل الماضي التاريخي؛ فهي لا تستطيع سوى «تمثيل» أفكارنا ونماذجنا
النمطية stereotypes عن الماضي (الذي يصبح بذلك على
الفور «تاريخ بوب» pop history). من هنا يُعاد الإنتاج
الثقافي إلى داخل فضاءٍ عقلي لم يعُد هو ذلك الفضاء العقلي للذات المونادية القديمة،
بل
بالأحرى ذلك الفضاء العقلي «لروح موضوعية» جمعية متدهورة؛ لم يعُد بإمكانه التحديق
في
عالمٍ واقعي مفترض، في إعادة بناءٍ ما لتاريخٍ ماضٍ كان هو نفسه حاضرًا ذات حين،
بل
إنه، مثلما في كهف أفلاطون، لا بد أن يتتبع صورنا العقلية لذلك الماضي على جدرانه
المحتجزة، وإذا كان ثمَّة أيُّ واقعية بقيَت هنا، فإنها «واقعية» يقصد بها أن تستمد
من
صدمة إدراك ذلك الاحتجاز والوعي ببطء بوضعٍ تاريخي جديد وأصيل حكم علينا فيه أن نفتِّش
فيه عن التاريخ عن طريق صور البوب والأشباه التي لدينا عن ذلك التاريخ، الذي يظل
هو
نفسه بعيدًا عن متناولنا إلى الأبد.
٣
تُملي علينا أزمة التاريخية الآن عودة، بطريقةٍ جديدة، إلى مسألة التنظيم الزمني
عمومًا في مجال القوة ما بعد الحداثي، وفي الحقيقة، إلى مشكلة الشكل الذي سيتمكن
من
اتخاذه الزمن، والزمنية، وما هو سانتاجماتي، في ثقافة يسودها باطرادٍ المكان والمنطق
المكاني؛ إذ لو كانت الذات، حقًّا، قد فقدَت قدرتها على أن تمدَّ بفاعلية توتراتها
القبلية والبعدية عبْر المجموع الزمني وعلى أن تنظِّم ماضيها ومستقبلها في خبرةٍ
متماسكة، لأصبح من الصعب أن نرى كيف يمكن للنتاجات الثقافية لتلك الذات أن تنتج أي
شيءٍ
سوى «أكوام من الشذرات» وممارسة لما هو متنافر ومفتَّت وصدفي عشوائيًّا. إلا أن هذه
الأشياء هي، على وجه الدقة، بعض المفردات المتميِّزة التي جرى بها تحليل الإنتاج
الثقافي ما بعد الحداثي (وحتى الدفاع عنه، من جانب أنصاره). إلا أنها ما زالت سماتٍ
تحديدية؛ أما الصياغات الأكثر جوهرية فتحمل أسماء من قبيل النصِّية
textuality، والكتابة écriture، أو الكتابة الفصامية، وإليها يجب أن نتحول
الآن بإيجاز.
وقد وجدتُ تقرير لاكان
Lacan عن الفصام مفيدًا هنا،
ليس لأن لديَّ أية طريقة للتحقق من دقته الإكلينيكية، بل أساسًا لأنه — باعتباره
وصفًا
وليس تشخيصًا — يبدو لي أنه يقدِّم نموذجًا جماليًّا موحيًا.
١٩ وبديهي أنني شديد البعد عن التفكير في أن أيًّا من الفنانين ما بعد
الحداثيين الأكثر دلالة — كيج
Cage، وآشبري
Ashbery، وسولرز
Sollers، وروبرت ويلسون
Robert
Wilson، وإشماعيل ريد
Ishmael
Read، ومايكل سنو
Michael Snow،
ووارهول
Warhol، أو حتى بيكيت
Beckett نفسه — فصاميين بأي معنًى إكلينيكي. كذلك
ليست المسألة تشخيصًا من زاوية الثقافة — و — الشخصية لمجتمعنا وفنه، على غرار
الانتقادات الثقافية التي تميل إلى إضفاء الطابع النفسي أو الأخلاقي من طراز كتاب
كريستوفر لاش
Christopher Lasch الواسع النفوذ بعنوان
ثقافة النرجسية The Culture of Narcissism، التي يهمني أن أباعد عنها
روح ومنهجية الملاحظات الراهنة؛ إذ يمكن للمرء أن يعتقد أن ثمَّة أشياء أشد تدميرًا
يمكن أن تُقال عن نظامنا الاجتماعي من تلك المتاحة من خلال استخدام المقولات
السيكولوجية.
باختصار شديد، يصف لاكان الفصام بأنه انهيار في سلسلة الدلالة؛ أي، في السلسلة
السانتاجماتية المتضافرة للدالات التي تشكِّل منطوقًا أو معنًى. ولا بد أن أحذف الخلفية
العائلية أو التحليلية-النفسية الأكثر أرثوذكسية لهذا الموقف، التي يحوِّل لاكان
شفرتها
إلى اللغة عن طريق وصف المنافسة الأوديبية، ليس على أساس الشخص البيولوجي الذي هو
منافسك على اهتمام الأم، بل بالأحرى على أساس ما يسميه اسم الأب، السلطة الأبوية
التي
تعتبر الآن وظيفة لغوية.
٢٠ ومفهومه عن سلسلة الدلالة يفترض سلفًا عن نحوٍ جوهري واحدًا من الأسس
الأولية (وواحد من الاكتشافات الكبرى) للبنيوية السوسيرية، ألا وهو فرضية أن المعنى
ليس
علاقة واحد-لواحد بين الدال والمدلول، بين مادية اللغة، بين كلمة أو اسم، وبين مرجعه
أو
مفهومه؛ فالمعنى في هذه النظرة الجديدة يتولد بواسطة الحركة من دالٍّ إلى دال. وما
نسمِّيه عمومًا باسم المدلول — أي المعنى أو المضمون المفهومي لمنطوقٍ ما — يجب النظر
إليه الآن على أنه تأثير-معنًى، على أنه ذلك السراب الموضوعي للدلالة الذي يتولد
ويتم
إسقاطه بواسطة علاقة الدالَّات فيما بينها. وحين تنكسر هذه العلاقة، حين تنقصف روابط
سلسلة الدلالة، نجد أمامنا الفصام في شكل ركامٍ من دالَّاتٍ مختلفة وغير مترابطة.
أما
الصلة بين هذا النوع من الخلل اللغوي وبين نفس الفصامي فيمكن إدراكها، إذن، عن طريق
فرضيةٍ مزدوجة؛ أولًا، أن الهوية الشخصية هي ذاتها تأثير توحيد زمني معيَّن للماضي
والمستقبل مع حاضر المرء؛ وثانيًا، أن ذلك التوحيد الزمني الفعَّال هو نفسه وظيفة
من
وظائف اللغة، أو بالأحرى من وظائف الجملة، بينما تتحرك عبْر دائرتها التأويلية خلال
الزمن. وإذا كنا عاجزين عن توحيد الماضي، والحاضر، والمستقبل في الجملة، فنحن عاجزون
على نحوٍ مُماثلٍ عن توحيد ماضي، وحاضر، ومستقبل خبرتنا نحن البيوجرافية أو حياتنا
النفسية. مع انهيار سلسلة الدلالة، إذن، يختزل الفصامي إلى خبرة دالَّاتٍ مادية خالصة،
أو، بعبارةٍ أخرى، إلى تسلسلٍ من أشكال الحاضر الخالصة التي لا تجمعها رابطة في الزمن.
وسوف نودُّ أن نطرح أسئلة عن النتائج الجمالية أو الثقافية لمثل هذا الموقف خلال
برهةٍ
قصيرة؛ لكن لنرَ أولًا كيف يكون الإحساس بذلك؛ أتذكَّر جيدًا جدًّا يوم حدث ذلك.
كنا
نقيم في الريف وكنتُ قد ذهبتُ لأتمشَّى وحيدة كما كنتُ أفعل بين حينٍ وآخر. وفجأة،
بينما أمرُّ بجوار المدرسة، سمعتُ أغنية ألمانية؛ كان الأطفال يتلقَّون درسًا في
الغناء. توقفتُ لأستمع، وفي تلك اللحظة اجتاحني إحساسٌ غريب، إحساسٌ يصعب تحليله
لكنه
يشبه شيئًا كنتُ سأعرفه جيدًا جدًّا فيما بعد — إحساسٌ مزعج باللاواقعية. بدا لي
أنني
لم أعُد أتعرَّف على المدرسة، وقد أصبحَت في ضخامة معسكر؛ وكان الأطفال الذين يُغنُّون
سجناء، مجبرين على الغناء. بدا وكأن المدرسة وأغنية الأطفال مفصولتان عن بقية العالم.
وفي نفس الوقت صادفَت عيناي حقلَ قمحٍ لم أستطع رؤية حدوده. البراح الأصفر، المتلألئ
في
الشمس، والمرتبط بأغنية الأطفال المسجونين في المدرسة-المعسكر الحجرية الناعمة، ملأَتني
بقلقٍ بلغ منه أنني انفجرتُ أشهقُ باكية. جريتُ إلى المنزل إلى حديقتنا وبدأتُ ألعب
«لأجعل الأشياء تبدو كما اعتادت أن تكون»؛ أي، كي تعود إلى الواقع. كان ذلك أول ظهور
لتلك العناصر التي كانت موجودة دومًا في الإحساسات اللاحقة باللاواقعية؛ البراح الذي
لا
يُحد، والضوء البرَّاق، والتماع ونعومة الأشياء المادية
٢١
في سياقنا الراهن، توحي هذه التجربة بما يلي: أولًا، أن انهيار الزمنية يطلق فجأة
هذا
الحاضر الزمني من عِقال كل الأنشطة والمقاصد التي قد تحدِّد بؤرته وتجعله مجالًا
للممارسة؛ ومعزولًا على هذا النحو، يجتاح هذا الحاضر الذات فجأة بحيوية لا تُوصف،
بمادية إدراك ساحقة في ذاتها، تطبع فعليًّا بالطابع الدرامي قوة الدالِّ المادي —
أو
بالأحرى، الحرفي — المنعزل، هذا الحاضر للعالم أو للدالِّ المادي يمثل أمام الذات
بكثافةٍ متصاعدة، حاملًا شحنةَ عاطفةٍ غامضة، تُوصف هنا سلبيًّا على شكل القلق وفقدان
الواقع، لكن يمكن للمرء كذلك أن يتخيلها إيجابيًّا على شكل نشوة، كثافة سطلة، كثافة
سامة أو مولِّدة للهلوسة.
إن ما يحدث في النصِّية أو الفن الفصامي تضيئُه بصورةٍ مدهشة أمثال تلك التقارير
الإكلينيكية، رغم أن الدالَّ المنعزل، في النص الثقافي، لم يعُد حالة «مُلغِزة» للعالم
أو شذرة لا يمكن فهمها لكنها مُذهِلة من اللغة، بل بالأحرى شيئًا أقرب إلى جملة في
عزلةٍ طليقة. فكِّر، مثلًا، في تجربة موسيقى جون كيج، التي يكون فيها عنقود من الأصوات
المادية (على البيانو المجهز، مثلًا) متبوعًا بصمتٍ لا يُحتمل لدرجة أنك لا يمكن
أن
تتخيل أن تأتي إلى الوجود أنغامٌ صوتية أخرى، ولا أن تتخيل أنك تتذكَّر الأنغام السابقة
بما يكفي لكي تقيم معها هذه الأنغام أي صلة أن فعلت. وبعض قطع السرد لدى بيكيت من
هذا
الطراز بدورها، وخصوصًا وات Watt؛ حيث إن أولوية جملة المضارع في الزمن تمزِّق بعنف
النسيج السردي الذي يحاول الالتئام حولها، إلا أن المثال الذي سأعطيه، سيكون مثالًا
أقل
جهامة، هو نصٌّ لشاعرٍ شابٍّ من سان فرنسيسكو يبدو أن جماعته أو مدرسته — المسماة
شعر
اللغة أو الجملة الجديدة — قد تبنَّت التفتيت الفصامي كجمالياتٍ أساسية لها.
الصين
نحيا على العالم الثالث من الشمس. رقم ثلاثة. لا أحد يقول لنا ماذا نفعل.
الناس الذين علَّمونا العدد كانوا طيبين جدًّا.
إنه دائمًا وقتُ الرحيل.
إذا أمطرت، فإما أن تكون معك مظلتُك أو لا تكون.
الريح تطوِّح قبعتك.
الشمس تشرق أيضًا.
أودُّ لو لم تصفنا النجوم لبعضها؛ أودُّ لو فعلنا ذلك بأنفسنا.
اجرِ أمام ظلِّك.
إن أختًا تشير إلى السماء على الأقل مرَّة كل عقدٍ هي أختٌ طيبة.
المنظر الخلوي مزوَّد بمحرِّك.
القطار يأخذك إلى حديث يمضي.
جسور بين الماء.
أناس ينتشرون بمحاذاة امتداداتٍ ضخمة من الخرسانة، متجهين إلى السهل.
لا تنسَ كيف ستبدو قبَّعتُك وحذاؤك حين تكون حيث لا يعثر عليك.
حتى الكلمات الطافية في الهواء تصنع ظلالًا زرقاء.
إذا كان مذاق الشيء طيبًا أكلناه.
أوراق الشجر تتساقط. حدِّد الأشياء.
التقط الأشياء الصحيحة.
باقول لك إيه؟ إيه؟ إتعلمت أتكلم. عظيم.
الشخص الذي كان رأسه غير مكتمل أجهش بالدموع.
بينما تسقط، ماذا كان باستطاعة الدمية أن تفعل؟ لا شيء.
اذهب لتنام.
تبدو رائعًا في السراويل القصيرة. كذلك يبدو العلم رائعًا.
تمتَّع الجميع بالانفجارات.
إنه وقت الاستيقاظ.
لكن من الأفضل التعوُّد على الأحلام.
بوب بيريليمان
Bob Perelman.
٢٢
يمكن قول أشياء كثيرة عن هذا التدريب المثير على الانقطاعات؛ ليس أقلها تناقضًا
معاودة ظهور معنًى كُلي أكثر توحيدًا هنا عبْر هذه العبارات المفكَّكة. وفي
الحقيقة، فإنه بقَدْر ما إن هذه القصيدة قصيدةٌ سياسية على نحوٍ غريب وسري، فإنها
يبدو أنها تلتقط شيئًا من إثارة التجربة الاجتماعية الهائلة، غير المكتملة، للصين
الجديدة — التي لا تُقارن في التاريخ العالمي — الظهور غير المتوقع، بين القوَّتَين
الأعظم، ﻟ «رقم ثلاثة»، طزاجة عالم أشياء جديد كامل أنتجَتْه كائناتٌ بشرية في
سيطرةٍ جديدة على مصيرها المشترك؛ الحدث البارز، في المقام الأول، لجماعة من البشر
أصبحت «ذاتًا للتاريخ» جديدة، وبعد الخضوع الطويل الأمد للإقطاعية والإمبريالية،
تتحدث من جديد بصوتها الخاص، لنفسها، كأنما للمرة الأولى.
لكنني أردتُ أساسًا أن أبيِّن الطريقة التي يكُف بها ما سميتُه بالانفصال الفصامي
أو الكتابةécriture ، حين يصبح معممًا كأسلوبٍ ثقافي، يكُف عن
إظهار علاقةٍ ضرورية بالمضمون المرضي الذي نربطُه عادةً بتعبيراتٍ مثل الفصام ويصبح
في خدمة كثافات أكثر بهجة، وبالتحديد في خدمة تلك النشوة التي رأيناها تُزيح
المشاعر القديمة للقلق والاستلاب.
خذ في الاعتبار، مثلًا، تقرير جان-بول سارتر
Jean-Paul
Sartre عن ميل مماثل لدى فلوبير
Flaubert:
إن عباراته [يخبرنا سارتر
٢٣ عن فلوبير] تنقضُّ على موضوعها، وتأخذ بخناقه، وتشلُّ حركته،
وتقصمُ ظهره وتلفُّ نفسها حوله، وتتحول إلى حجر وتحجر موضوعها معها. إنها
عمياء وصمَّاء، بلا دم، ولا نفس حياة؛ يفصلها صمتٌ عميق عن العبارة التي
تليها؛ إنها تسقط في العدم، أبديًّا وتجر فريستها معها في ذلك السقوط
اللانهائي. وأي واقع، فور أن يُوصَف، يُشطَب من السجل.
وأنا أميل إلى النظر إلى هذه القراءة على أنها نوعٌ من الخداع البصري (أو التكبير
الفوتوغرافي) من طرازٍ استنسابي غير مقصود، يجري فيه منح الصدارة، على نحوٍ ينطوي
على مفارقةٍ زمنية، لسماتٍ معنية كامنة أو ثانوية، ما بعد حداثية في ذاتها، لأسلوب
فلوبير، إلا أنها تقدِّم درسًا مثيرًا للاهتمام في التقسيم إلى فترات وفي إعادة
البناء الجدلية للسمات الثقافية السائدة والثانوية؛ لأن هذه السمات، عند فلوبير،
كانت أعراضًا واستراتيجياتٍ في كل تلك الحياة بعد الوفاة واحتقار الممارسة التي
يجري شجبها (بتعاطفٍ متزايد) على طول الصفحات الثلاثة الآلاف لكتاب سارتر أحمق العائلة Family Idiot. وحين تصبح تلك السمات هي نفسها
المعيار الثقافي، فإنها تتخلَّى عن كل تلك الأشكال للعاطفة السلبية، وتصبح في خدمة
استخداماتٍ أخرى، أكثر تزيينية.
لكننا لم نستنفد تمامًا بعدُ الأسرار البنيوية لقصيدة بيريلمان، التي يتضح أن لها
علاقةً واهية بذلك المرجع referent المسمَّى الصين.
وقد حكَى المؤلف، في الحقيقة، كيف صادف، أثناء تجواله في الحي الصيني، كتابًا من
الصور الفوتوغرافية ظلَّت التعليقات عليها، المكتوبة بالإيديوجرامات (الصينية)
حروفًا ميتة بالنسبة له (أو ربما دالًّا ماديًّا، كما يمكن للمرء أن يقول). وعبارات
القصيدة موضع البحث هي إذن تعليقات بيريلمان الخاصة على تلك الصورة ومراجعها
referent صورةٌ أخرى، نصٌّ غائب آخر، أما وحدة
القصيدة فلم تعُد لتُوجَد داخل لغتها بل خارج القصيدة، في الوحدة الوثيقة لكتابٍ
آخر، غائب. وهنا ثمَّة توازٍ مدهش مع ديناميات ما يسمَّى بالواقعية الفوتوغرافية،
التي بدت وكأنها عودة إلى التمثيل والتشخيص بعد الهيمنة الطويلة لجماليات التجريد
حتى اتضح أن موضوعاتها لم تكن لتوجد في «العالم الواقعي» حتى، بل كانت هي نفسها
صورًا فوتوغرافية لذلك العالم الواقعي، وهذه الأخيرة تحوَّلَت الآن إلى صور، تكون
«واقعية» لوحة الواقعية الفوتوغرافية الآن هي الشبيه
Simulacrum لها.
إلا أن هذا العرض للفصام والتنظيم الزمني كان يمكن صياغته على نحوٍ آخر، مما
يعيدنا إلى فكرة هايدجر عن فجوة أو صدع بين الأرض والعالم، لكن بطريقةٍ تختلف
بحدَّة مع نغمة وجدية فلسفته البالغة. وأودُّ أن أميِّز خبرة ما بعد الحداثة في
الشكل بما سيبدو، كما آمل، شعارًا متناقضًا، ألا وهو فرضية أن «الاختلاف يربط»؛
فنقدنا الحديث، من ماشري Macherey فصاعدًا، كان
مهتمًّا بالتركيز على التنافر والانقطاعات العميقة للعمل الفني، الذي لم يعُد
موحدًا أو عضويًّا، بل هو الآن حقيبة منوَّعات فعلية أو حجرة كرار ممتلئة بالأنساق
الفرعية المفكَّكة والمواد الخام العشوائية والدوافع من كل نوع. وبتعبيرٍ آخر، تحول
العمل الفني الأسبق الآن إلى نص، تتقدم قراءته بواسطة التمايز وليس بواسطة التوحد.
إلا أن نظريات الاختلاف نزعَت إلى التشديد على الانفصال إلى النقطة التي تميل عندها
مواد النص، بما في ذلك كلماته وعباراته، إلى التساقط إلى سلبيةٍ عشوائية وخاملة،
إلى تشكيلةٍ من العناصر التي تستعرض انفصالاتها أحدها عن الآخر.
ورغم ذلك، ففي أكثر الأعمال ما بعد الحداثية إثارة للاهتمام، يمكن للمرء أن
يستشفَّ مفهومًا أكثر إيجابية للعلاقة، يعيد توترها الخاص إلى فكرة الاختلاف نفسها.
هذا النمط الجديد من العلاقة من خلال الاختلاف قد يكون أحيانًا طريقةً متحققة جديدة
وأصيلة للتفكير والإدراك؛ أما في الأغلب فيأخذ شكل دافعٍ مستحيل لتحقيق ذلك التبدل
الجديد فيما لم يعُد من الممكن تسميته الوعي. وأعتقد أن الشعار الأشد إدهاشًا لهذا
النمط الجديد من التفكير في العلاقات يمكن العثور عليها في عمل نام جون بايك
Nam June Paik، الذي تقوم شاشاته التليفزيونية
المكدَّسة أو المبعثَرة، الموضوعة على مسافاتٍ بين نباتاتٍ مورقة، أو التي تغمز
لنا
من سقفٍ من نجوم الفيديو الجديدة الغريبة، تقوم المرة بعد المرة بعرض مشاهدَ
مرتَّبة سلفًا أو حلقات من الصور تعود على لحظاتٍ غير متزامنة على الشاشات
المختلفة. عندها، نجد أن المشاهدين، الذين شتَّتَهم هذا التنوع المفكك، يمارسون
الجماليات القديمة، حين يقرِّرون التركيز على شاشةٍ واحدة، كأن تتابع الصور العديم
القيمة نسبيًّا الذي سيتابعونه هناك له قيمةٌ عضوية معيَّنة في حد ذاته، إلا أن
المُشاهِد ما بعد الحداثي مدعوٌّ لأن يفعل المستحيل، وتحديدًا، أن يشاهد كل الشاشات
في آنٍ واحد، في اختلافها الجذري والعشوائي؛ إن ذلك المُشاهِد يطلب منه أن يتتبع
التبدل التطوري لديفيد بوي David Bowie في فيلم
الرجل الذي سقط إلى الأرض (الذي يشاهد سبعًا
وخمسين شاشة تليفزيون في نفس الآن) وأن يصعد على نحوٍ ما إلى مستوًى يكون عنده
الإدراك الحي للاختلاف الجذري هو في ذاته، ومن تلقاء ذاته، نمطٌ جديد لالتقاط ما
اصطُلح على تسميته العلاقة: إنه شيء ما زالت كلمة كولاج Collage اسمًا ضعيفًا جدًّا للتعبير عنه.
٤
نحن الآن بحاجة إلى إكمال هذا العرض الاستكشافي للزمان والمكان ما بعد الحداثيَّين
بتحليلٍ أخير لتلك النشوة أو تلك الكثافات التي يبدو دائمًا أنها تميِّز التجربة
الثقافية الأحدث. دعونا نعيد التأكيد على ضخامة الانتقال الذي يخلِّف وراءه كآبة
مباني
هوبر Hopper أو التركيب الصارم على طريقة الغرب الأوسط
Midwest لأشكال شيلر
Sheeler، ويحل محلَّها الأسطح غير العادية لمنظر
مديني على طريقة الواقعية الفوتوغرافية، يلتمع فيه حتى حُطام السيارات ببهاءٍ يبعث
على
الهذيان. إلا أن الابتهاج الذي تبعثه هذه الأسطح الجديدة يزداد تناقضًا حيث إن مضمونها
الجوهري — وهو المدينة ذاتها — قد تدهوَر وتحلَّل إلى درجة من المؤكد أنها كانت لا
تزال
عصية على التصوُّر في الأعوام الأولى للقرن العشرين، ناهيك عن الحقبة السابقة. كيف
يمكن
لنفاية المدن أن تكون بهجةً للعين حين يجري التعبير عنها بالشكل السلعي، وكيف يمكن
لقفزة كمية لا مثيل لها في استلاب الحياة اليومية في المدينة أن تدخل خبرتنا الآن
في
شكل ابتهاجٍ هذياني جديد غريب — تلك بعض الأسئلة التي تواجهنا في هذه اللحظة من بحثنا.
كذلك لا يجب إعفاء الشكل البشري من البحث رغم أنه يبدو واضحًا أن الجماليات الجديدة
قد
بدأت تحس بأن تمثيل الفراغ نفسه قد أصبح لا يتمشَّى مع تمثيل الجسم؛ إنه نوعٌ من
تقسيم
العمل الجمالي أوضح مما هو في أيٍّ من المفاهيم التوليدية الأسبق عن المنظر الطبيعي،
وعرض أشد شؤمًا في الحقيقة. إن الفراغ المتميز للفن الأحدث مناهضٌ جذريًّا للتشبه
بالإنسان، مثلما في حجرات الاستحمام الخالية في عمل دوج بوند Doug
Bond. ورغم ذلك، فإن الصنمية النهائية المعاصرة للجسم الإنساني
تأخذ اتجاهًا مختلفًا في تماثيل دوان هانسون Duane
Hanson؛ اتجاه ما سميتُه باسم الشبيه
Simulacrum، الذي تكمُن وظيفتُه الغريبة فيما كان
يمكن أن يسمِّيه سارتر نزع واقعية derealization مجمل
العالم المحيط للواقع اليومي. وبعبارةٍ أخرى فإن لحظة الشك والتردُّد لديك تجاه تنفُّس
وحرارة هذه الأشكال المصنوعة من البوليستر، تميل إلى أن ترتدَّ إلى الكائنات البشرية
التي تتحرك حولك في المتحف وإلى أن تحولها هي أيضًا، للحظة بالغة القِصَر، إلى أشباه
ميتة بلون الجلد في حد ذاتها، وهكذا يفقد العالم عمقه لحظيًّا ويهدِّد بأن يتحول
إلى
جلدٍ برَّاق، إلى وهمٍ مجسم، إلى قصاصات من صورٍ فيلمية بلا كثافة. لكن هل هذه الآن
تجربة تثير الرعب أم الابتهاج؟
وقد ثبت أن من المفيد أن نفكِّر في مثل هذه التجارب من خلال ما أفردته سوزان سونتاج
Susan Sontag، في عبارةٍ ذات نفوذ، على أنه فن اﻟ
«كامب» Camp. وأنا أقترح ضوءًا فاحصًا مختلفًا بعضَ
الشيء عن ذلك، على أساس التيمة الراهنة الرائجة بنفس القَدْر، تيمة «السامي»
Sublime، كما أعيد اكتشافها في أعمال أدموند بيرك
Edmund Burke وكانط
Kant، أو ربما يودُّ المرء أن يمزج التصورَين في
شكل شيءٍ من قبيل السامي من نوع الكامب أو السامي «الهستيري»؛ فقد كان السامي بالنسبة
لبيرك خبرة تشارف الرعب، كان اللمحة القدرية، في دهشة، وذهول، ورهبة، لما يبلغ من
ضخامته أن يسحق الحياة البشرية برُمَّتها؛ ثم هذَّب كانط هذا الوصف ليضم مسألة التمثيل
ذاتها، حتى يصبح موضوع السامي ليس مجرد مسألة القوة الطاغية وعدم التناسب الفيزيقي
للكيان العضوي الإنساني مع الطبيعة، بل كذلك حدود التخيُّل وعدم قدرة العقل الإنساني
على إعطاء تمثيل لتلك القوى الهائلة. تلك القوى، كان بيرك، في لحظته التاريخية عند
فجر
الدولة البورجوازية الحديثة، قادرًا فقط على صياغتها مفهوميًّا في علاقتها بما هو
مقدَّس، بينما يواصل حتى هايدجر التفكير في علاقةٍ شبحية مع مشهدٍ خلوي ومجتمع ريفي
فلاحي عضوي سابق على الرأسمالية، هو الشكل الأخير لصورة الطبيعة في زماننا.
إلا أن من الممكن، اليوم، التفكير في ذلك كله بطريقةٍ مختلفة، في لحظة أفولٍ جذري
للطبيعة ذاتها؛ إذ إن «درب الحقل» عند هايدجر، قد دمَّرته، في نهاية الأمر، الرأسمالية
المتأخرة على نحوٍ لا خلاص منه ولا عودة فيه، دمَّرته الثورة الخضراء، والاستعمار
الجديد، والمدينة العملاقة، التي تمدُّ طُرقها الضخمة فوق الحقول القديمة وقطع الأرض
الخالية وتحول «منزل الوجود» الهيدجري إلى محميات، ما لم يكن إلى عشش الصفيح الأشد
بؤسًا، العديمة التدفئة؛ التي تبتليها الجرذان. إن الآخر بالنسبة لمجتمعنا لم يعُد، بهذا المعنى، هو الطبيعة على الإطلاق،
مثلما كان في المجتمعات السابقة على الرأسمالية، بل أصبح شيئًا آخر علينا الآن أن
نحدِّده.
وأنا أتلهَّف على ألا يتم إدراك هذا الشيء الآخر، بتعجُّلٍ مُفرِط، على أنه
التكنولوجيا في ذاتها؛ حيث إنني سأودُّ أن أوضِّح أن التكنولوجيا هي نفسها هنا كمجاز
لشيءٍ آخر. إلا أن التكنولوجيا يمكن أيضًا أن تفيد كاختزالٍ دقيق لتحديد تلك الطاقة
الهائلة الإنسانية تحديدًا والمناهضة للطبيعة للعمل الإنساني الميت المختزن في آلاتنا
—
طاقة مستلبة، ما يسميه سارتر الغائية — العكسية لما هو عملي-خامل، التي تستدير نحونا
وضدنا في أشكالٍ لا يمكن التعرُّف عليها، ويبدو أنها تشكِّل الأفق الطوباوي-الفاسد
dystopian الشامل لممارستنا الجماعية وكذلك
لممارستنا الفردية.
لكن التطور التكنولوجي في وجهة النظر الماركسية هو نتيجة تطور رأس المال وليس لحظةً
نهائية محدَّدة قائمة بذاتها؛ ومن ثم سيكون من المناسب أن نميِّز بين مختلف أجيال
طاقة
الآلات، بين مختلف مراحل الثورة التكنولوجية في إطار رأس المال نفسه. وأنا هنا أقتفي
أثر إرنست ماندل
Ernest Mandel، الذي وضع الخطوط
العريضة لثلاثٍ من تلك الانقطاعات الأساسية أو القفزات الكمية في تطور الآلات في
ظل رأس المال:
إن الثورات الأساسية في تكنولوجيا الطاقة — تكنولوجيا إنتاج الآلات المحركة
بواسطة الآلات — تبدو هكذا على أنها اللحظة المحدَّدة في ثورات التكنولوجيا
ككل. إنتاج الآلات بمحركات تُدار بالبخار منذ عام ١٨٤٨م؛ وإنتاج الآلات بمحركات
الكهرباء والاحتراق الداخلي منذ تسعينيات القرن التاسع عشر؛ وإنتاج الآلات
بالأجهزة الإلكترونية وأجهزة الطاقة النووية منذ أربعينيات القرن العشرين — هذه
هي الثورات الثلاث العامة في التكنولوجيا التي ولَّدها نمط الإنتاج الرأسمالي
منذ الثورة الصناعية «الأصلية» في أواخر القرن الثامن عشر
٢٤
هذا التقسيم المرحلي يؤكد الأطروحة العامة لكتاب ماندل الرأسمالية المتأخرة؛ ألا وهي أنه حدثَت ثلاث لحظاتٍ أساسية في
الرأسمالية، كل واحدةٍ منها تشير إلى توسعٍ جدلي بالنسبة للمرحلة السابقة عليها.
وهذه
هي رأسمالية السوق، ومرحلة الاحتكار أو مرحلة الإمبريالية، ثم مرحلتنا، المسماة خطأ
الرأسمالية ما بعد الصناعية، التي من الأفضل تسميتها مرحلة رأس المال المتعدد القومية.
وقد أشرتُ بالفعل إلى أن تدخُّل ماندل في السجال ما بعد الصناعي ينطوي على فرضية
أن
الرأسمالية المتأخرة أو المتعددة القومية أو الاستهلاكية، بدلًا من أن تكون غير متسقة
مع تحليل ماركس العظيم للقرن التاسع عشر، فإنها تشكِّل، على النقيض، أنقي شكل لرأس
المال ظهر حتى الآن، تشكِّل توسعًا استثنائيًّا لرأس المال إلى مساحاتٍ لم تكتسب
الطابع
السلعي حتى الآن. هكذا فإن الرأسمالية الأنقى لعصرنا تصفِّي جيوب التنظيم ما قبل
الرأسمالي التي تحمَّلَتها حتى الآن واستغلَّتها بطريقة ريعية
tributary ويميل المرء، في ارتباطٍ بذلك، إلى
الحديث عن تغلغلٍ واستعمارٍ جديد وأصيل تاريخيًّا للطبيعة وللاوعي؛ ألا وهو تدمير
زراعة
العالم الثالث السابقة على الرأسمالية بواسطة الثورة الخضراء، وصعود صناعة وسائل
الإعلام والإعلان. وعلى أية حال، سيكون قد أصبح واضحًا أن تقسيمي المرحلي الثقافي
لمراحل الواقعية، والحداثة، وما بعد الحداثة، مُستلهَم من مخطَّط ماندل الثلاثي كما
يؤكده هذا المخطط.
يمكننا، من ثَم، الحديث عن فترتنا على أنها عصر الآلة الثالث؛ وعند هذه النقطة يجب
أن
نعيد طرح مشكلة التمثيل الجمالي التي تطوَّرَت بوضوحٍ فعلًا في تحليل كانط السابق
للسامي؛ حيث إن من المنطقي أن نتوقع أن العلاقة بالآلة وتمثيلها ستتغيَّر جدليًّا
مع كل
واحدةٍ من هذه المراحل المختلفة نوعيًّا من التطور التكنولوجي.
ومن المناسب أن نسترجع إثارة الآلات في لحظة رأس المال السابقة على لحظتنا، ابتهاج
المستقبلية، على الأخص، واحتفاء مارينيتي
Marinetti
بالمدفع الرشاس والسيارة. وما زالت هذه شعاراتٍ واضحة، عُقدًا نحتية للطاقة تمنح
الملموسية والتشخيص للطاقات المحرِّكة لتلك اللحظة الأسبق للتحديث. أما مكانة هذه
الأشكال الانسيابية الخطوط فيمكن قياسُها عن طريق حضورها المجازي في مباني لوكوربوزييه
Le Corbusier، تلك الهياكل الطوباوية الضخمة تشمخ،
مثل عديدٍ من سفن الركَّاب البخارية الهائلة، فوق المشهد المديني لأرضٍ قديمةٍ
مهدمة.
٢٥ كذلك تمارس الآلات نوعًا آخر من الفتنة في أعمال فنانين مثل بيكابيا
Picabia ودوشامب
Duchamp، اللذَين لا وقت لدينا لدراستهما هنا؛ لكن
دعوني أذكِّر، من باب الاكتمال، الطرق التي سعى بها الفنانون الثوريون أو الشيوعيون
في
الثلاثينيات إلى إعادة امتلاك هذه الإثارة لطاقة الآلات من أجل إعادة بناء بروميثيوسية
للمجتمع الإنساني ككل، مثلما عند فرنان ليجيه
Fernand
Léger ودييجو ريبيرا
Diego
Rivera.
وبديهي على الفور أن تكنولوجيا لحظتنا نحن لم تعُد تملك نفس القدرة على التمثيل؛
فلا
التوربين، ولا حتى روافع شيلر
Sheeler للغلال ولا
المداخن، ولا التطوير الباروكي للأنابيب وسيور نقل الحركة، ولا حتى الخطوط الانسيابية
الجانبية للقطار — كل المَركَبات السريعة مركزة في حالة سكون — بل الكومبيوتر، الذي
ليس
لغِلافه الخارجي قوة بصرية ولا شعارية، ولا حتى للهياكل الخارجية لمختلف أجهزة وسائل
الإعلام، مثلما الحال مع ذلك الجهاز المنزلي المسمَّى التليفزيون الذي لا يُمفصِل
شيئًا
بل بالأحرى ينحصر إلى الداخل
implodes،
٢٦⋆ حاملا
سطح الصورة المبطط في داخله.
تلك الآلات هي في الحقيقة آلات إعادة إنتاج
٢٧⋆ وليست
آلات إنتاج، وتفرض على قدرتنا على التمثيل الجمالي مطالب مختلفة تمامًا عما كانت
تفعل
عبادة الآلات الأقدم، المحاكاتية نسبيًّا للحظة المستقبلية، عبادة تمثال أقدم يمثل
السرعة — والطاقة. هنا تكون علاقتنا أقل بالطاقة الحركية مما هي بكل أنواع عمليات
إعادة
الإنتاج الجديدة؛ وفي النتاجات الأضعف لما بعد الحداثة، عادةً ما تميل التجسيدات
الجمالية لتلك العمليات إلى الانزلاق مرةً أخرى، على نحوٍ أكثر ارتياحًا، إلى مجرد
تمثيل تيماتي
٢٨⋆
للمضمون — إلى حكايات عن عمليات إعادة الإنتاج، تضم كاميرات السينما، والفيديو، وأجهزة
التسجيل، وكل تكنولوجيا إنتاج وإعادة إنتاج الشبيه (والانتقال من فيلم أنطونيوني
Antonioni الحداثي بعنوان
Blow-up٢٩⋆ إلى
فيلم دي بالما
De Palma ما بعد الحداثي بعنوان
Blow-out هو انتقالٌ نموذجي هنا)؛ فحين يصوغ
المعماريون اليابانيون، مثلًا، بناءً على شكل تقليدٍ ديكوري لأكوامٍ من الكاسيتات،
فإن
الحل تيماتي
٢٩⋆
وتلميحي في أفضل الحالات، رغم أنه عادةً ما يكون مرحًا.
إلا أن شيئًا آخر يميل إلى الظهور في أكثر النصوص ما بعد الحداثية حيوية، وهذا هو
الإحساس بأنه، وراء كل موضوع أو مضمون، يبدو العمل وكأنه ينزع السِّدادة على نحوٍ
ما،
عن شبكات عملية إعادة الإنتاج ومن ثَم يقدِّم لنا لمحةً داخل سامٍ
Sublime ما بعد حداثي أو تكنولوجي، يسجِّل قوَّته
أو أصالته نجاح تلك الأعمال في استحضار فضاءٍ ما بعد حداثي جديدٍ كامل بازغ حولنا؛
ومن
ثَم تظل العمارة، بهذا المعنى، هي اللغة الجمالية المحظوظة؛ والانعكاسات المشوهة
أو
المفتتة لسطحٍ زجاجي هائل على آخر يمكن اعتبارها نموذجًا للدور المركزي للسيرورة
ولإعادة الإنتاج في ثقافة ما بعد الحداثة.
إلا أنني، كما قلتُ، أودُّ أن أتجنَّب الإيحاء بأن التكنولوجيا هي بأي حال «العامل
المحدد النهائي» سواء لحياتنا الاجتماعية اليومية أو لإنتاجنا الثقافي؛ فهذه الأطروحة،
بالطبع، تتفق مع التصور ما بعد-الماركسي للمجتمع ما بعد الصناعي. لكنني، بدلًا من
ذلك،
أودُّ أن أشير إلى أن تمثيلاتنا الخاطئة لشبكة اتصالات أو كومبيوتر هائلة ليست سوى
تصويرٍ مشوه لشيءٍ أعمق، هو مجمل النظام العالمي لرأسمالية اليوم المتعددة القومية.
من
هنا، فإن تكنولوجيا المجتمع المعاصر فاتنة ومذهلة ليس في ذاتها بل لأنها تبدو أنها
تقدم
اختزالًا تمثيليًّا متميزًا لإدراك شبكة سلطة وسيطرة أصعب في إدراكها على عقولنا
وخيالنا؛ ألا وهي كل الشبكة العالمية الجديدة والمُزاحة عن المركز للمرحلة الثالثة
لرأس
المال ذاته. هذه عمليةٌ مجازية أفضل ما تلاحظ الآن في نمطٍ كاملٍ من أدب التسلية
المعاصر — ويميل المرء إلى توصيفها بأنها «بارانويا، التكنولوجيا-المتقدمة» — تكون
فيها
دوائر وشبكات تزاوج كومبيوتري عالمي مفترض محشودة حكائيًّا بواسطة مؤامرات متشابكة
الخيوط لوكالات معلوماتٍ مستقلة ذاتيًّا لكنها متداخلة ومتنافسة بصورةٍ قاتلة في
تعقيدٍ
يكون عادةً أبعد من متناول العقل القارئ العادي. إلا أن نظرية المؤامرة (وتبدياتها
الحكائية المبهرجة) يجب النظر إليها على أنها محاولة متدهورة — من خلال تصوير
التكنولوجيا المتقدمة — للتفكير في الكلية المستحيلة للنظام العالمي المعاصر؛ فعلى
أساس
الواقع الآخر، الهائل والمهدد لكنه غير مدرك سوى بطريقةٍ غامضة، للمؤسسات الاقتصادية
والاجتماعية، على هذا الأساس فقط، في رأيي، يمكن التنظير بدقة للسامي ما بعد
الحداثي.
تلك الحكايات، التي حاولَت في البداية أن تجد تعبيرًا عنها من خلال البنية التوليدية
لرواية الجاسوسية، لم تتبلور إلا مؤخرًا في نمطٍ جديد من رواية الخيال العلمي، تُدعى
سيبريانك Cyberpunk، هي برُمَّتها تعبيرٌ عن حقائق الاندماج
العابر للقوميات مثلما هي تعبيرٌ عن البارانويا الكونية ذاتها؛ أن التجديدات التمثيلية
ﻟ ويليام جيبسون William Gibson، في الحقيقة، تميز عمله
بأنه إنجازٌ أدبي استثنائي في إطار إنتاج ما بعد حداثي يغلب عليه كونه بصريًّا أو
مرتبطًا بالهالة aural.
٥
الآن، وقبل الختام، أودُّ وضع خطوطٍ سريعة لتحليل مبنًى ما بعد حداثي مكتمل النضج
—
وهو عملٌ غير مميز، من نواحٍ عديدة للعمارة ما بعد الحداثية التي يُعد دعاتها الرئيسيون
روبرت فنتوري Robert Venturi، وتشارلز مور
Charles Moore، ومايكل جريفز
Michael Graves، ومؤخرًا، فرانك جهري
Frank Gehry، لكنه عمل يقدم في رأيي بعض الدروس
المدهشة عن أصالة الفراغ Space ما بعد الحداثي. دعوني
أوِّسع التصور الذي كان يتخلل الملاحظات السابقة وأجعله أكثر صراحة؛ إنني أطرح مفهوم
أننا هنا في حضور شيءٍ أشبه بتبدُّل في الفراغ المبني ذاته. وأنا أوحي هنا بأننا
نحن
الذوات البشرية التي يتصادف وجودها داخل هذا الفراغ الجديد، لم نُجارِ ذلك التطور؛
فقد
طرأ تبدُّل في الموضوع لم يصاحبه بعدُ أي تبدُّلٍ مكافئ في الذات. ونحن لا نملك بعدُ
الجهاز الإدراكي لمجاراة هذا الفراغ — المُفرِط
hyperspace، كما سأسمِّيه، وذلك جزئيًّا لأن
عاداتنا الإدراكية قد تشكلَت في ذلك النوع الأقدم من الفراغ الذي سميتُه فراغ [فضاء]
الحداثة العليا. من هنا فإن العمارة الأحدث — مثل كثير من المنتجات الثقافية التي
استحضرتُها في الملاحظات السالفة — تُعد أشبه بشيءٍ من قبيل الحافز لنا على تنمية
أعضاءٍ جديدة، على توسيع مركز إحساسنا وجسدنا إلى أبعادٍ جديدة، ما زالت غير قابلة
للتخيل، وريما مستحيلة في النهاية.
والمبنى الذي سأعدِّد ملامحه بسرعة شديدة هو فندق وستين، بونافنتشر
Westin Bonaventure، الذي بناه في قلب مدينة لوس
أنجلوس الجديدة المعماري والمطوِّر جون بورتمان
John
Portman، الذي تتضمن أعماله الأخرى فنادق هيات ريجنسي
Hyatt Regencies المختلفة، ومركز بيتش تري سنتر
Peachtree Center في أطلانتا، ومركز رينيسانس سنتر
Renaissance Center في ديترويت. وقد ذكرت الجانب
الشعبوي لدفاع ما بعد البلاغي ضد جوانب التقشف النخبوية (والطوباوية) لاتجاهات الحداثة
المعمارية العظيمة، وبعبارة أخرى، فإن من المؤكد عمومًا أن هذه المباني الأحدث هي
أعمالٌ شعبية، من جهة، وأنها تحترم الطابع الدارج لنسيج المدينة الأمريكية، من جهة
ثانية؛ أي إنها لم تعُد تحاول، مثلهما فعلت روائع الحداثة العليا وآثارها الباقية،
أن
تحشر لغةً طوباوية جديدة، مختلفة، متمايزة، راقية، داخل نظام العلامات المبهرج والتجاري
للمدينة المحيطة، لكنها تسعى بالأحرى إلى أن تتحدث بنفس تلك اللغة، مستخدمة مفرداتها
وتراكيبها، كما «تعلَّمتها من لاس فيجاس»
٣٠⋆ الشعار
الذي وضعَته لنفسها.
وبالنسبة لأولى هاتَين الصفتَين،
٣١⋆ فإن
بونافنتشر بورتمان يؤكِّد هذا الزعم تمامًا؛ فهو مبنًى شعبي، يزوره بحماسٍ السكان
المحليون والسياح على السواء (رغم أن مباني بورتمان الأخرى أنجح في هذا الصدد). لكن
الإقحام الشعبوي في نسيج المدينة أمرٌ آخر، وسوف نبدأ بتناوله. هناك ثلاثة مداخل
للبونافنتشر، واحد من شارع فيجيروا
Figueroa والآخران
عن طريق حدائقَ مرتفعة على الناحية الأخرى من الفندق، المقام على المنحدر المتبقي
من تل
بانكرهيل الأسبق. ولا يشبه أيها في شيء الفنادق الفخمة القديمة، ولا بوابة دخول
السيارات الضخمة التي كانت مباني الأمس القريب تميل إلى إقامتها لتحدِّد مرورك من
شارع
المدينة إلى الداخل. إن مداخل البونافنتشر، كما هي الحال، عرضية وأقرب إلى الأبواب
الخلفية؛ فالحدائق في الخلف تؤدي بك إلى الدور السادس للأبراج، وحتى هناك لا بد لك
أن
تهبط دورًا واحدًا حتى تجد المصعد الذي يوصلك إلى البهو. وفي هذه الأثناء، فإن المدخل
الذي ما زال المرء يميل إلى اعتباره المدخل الأمامي، على شارع فيجيروا، يؤدي بك،
مع
متاعك وما تحمل، إلى شرفة التسوق في الدور الثاني، ومنها لا بد أن تستخدم السُّلم
المتحرِّك لتهبط إلى مكتب تسجيل النزلاء الرئيسي. وما أودُّ أن أشير إليه أولًا بصدد
هذه المداخل المُغفلَة على نحوٍ غريب، هو أنها تبدو وكأنما فرضَتها مقولة انغلاقٍ
جديدة
تحكُم الفراغ الداخلي للفندق نفسه (وهي تسبق وتفوق الضغوط المادية التي كان على بورتمان
أن يعمل تحت وطأتها). وأعتقد أنه، مع عددٍ معيَّن من المباني المميزة لما بعد الحداثة،
مثل مركز البوبور في باريس
Beaubourg أو مركز إيتون
سنتر
Eaton Centre في تورنتو، يطمح البونافنتشر إلى أن
يكون فضاءً كليًّا، عالمًا كاملًا، نوعًا من المدينة المصغَّرة، بينما تُقابل هذا
الفضاء الكلي الجديد ممارسةٌ جماعية جديدة، نمطٌ جديد لحركة وتجمُّع الأفراد، شيء
يشبه
ممارسة نوعٍ جديد وأصيل تاريخيًّا من الزحام — المفرط
hypercrowd بهذا المعنى، إذن، لا يجب، من الناحية
المثالية، أن يكون لمدينة بونافنتشر المصغَّرة لبورتمان أية مداخل على الإطلاق؛ حيث
إن
المدخل هو دائمًا خط اللحام الذي يربط المبنى ببقية المدينة التي تحوطه؛ لأن المبنى
لا
يودُّ أن يكون جزءًا من المدينة، بل بالأحرى معادلها وبديلها أو ما يحل محلها. وبديهيٌّ
أن هذا ليس ممكنًا، ومن هنا التقليل من أهمية المدخل إلى مجرد الحد الأدنى.
٣٢ لكن هذا الانفصال عن المدينة المحيطة مختلفٌ عن انفصال صروح الأسلوب
العالمي، الذي كان فيه فعل الانفصال عنيفًا، ومرئيًّا، وله دلالةٌ رمزية حقيقية جدًّا
—
مثلما في بيلوتيس
pilotis لوكوربوزييه الضخم، الذي تفصل
لفتتُه جذريًّا الفراغ الطوباوي الجديد لما هو حديث عن نسيج المدينة المتدهوِر
والمتهدِّم وبذلك تتبرأ منه صراحة (رغم أن رهان الحديث كان أن هذا الفراغ الطوباوي
الجديد، بقوة جدَّته سيتسع نطاقه؛ وبالتالي يغيِّر ما يحيطه بفضل قوة لغته الفراغية
الجديدة). لكن البونافنتشر راضٍ بأن «يدع نسيج المدينة المتهدم يواصل الوجود في وجوده»
(إذا قمنا بمحاكاةٍ ساخرةٍ لهايدجر)؛ فليس متوقعًا ولا مطلوبًا أي تأثيراتٍ أبعد،
ولا
أي تغييرٍ طوباوي سياسي-نمطي.
هذا التشخيص يؤكده الجلد الزجاجي العاكس الضخم، للبونافنتشر، الذي سأفسِّر الآن
وظيفته على نحوٍ مختلف بعض الشيء عما فعلتُ منذ برهة حين رأيتُ أن ظاهرة الانعكاس
عمومًا تطوِّر تيمات تكنولوجيا استنساخية (والقراءتان ليستا متنافرتَين رغم ذلك).
أما
الآن فيودُّ المرء أن يركِّز على الطريقة التي يصد بها الجلد الزجاجي المدينة خارجه،
وهو صدٌّ لدينا مشابهاتٌ له في تلك النظارات الشمسية العاكسة التي تجعل من المستحيل
لمحدثك أن يرى عينَيك؛ ومن ثَم فإنها تحقِّق عدوانيةً معيَّنة تجاه الآخر وسلطة عليه.
بطريقةٍ مماثلة يحقِّق الجلد الزجاجي فك ارتباطٍ غريب ولا مكاني للبونافنتشر عن جواره؛
إنه ليس حتى سطحًا خارجيًّا، بقَدْر ما أنك حين تحاول النظر إلى الجدران الخارجية
للفندق لا تستطيع أن ترى الفندق نفسه، بل مجرد الصور المشوهة لكل شيء يحوطه.
الآن نصل إلى السلالم المتحركة والمصاعد. مع متعها الحقيقية جدًّا لدى بورتمان،
وخصوصًا المصاعد، التي أطلق عليها الفنان اسم «منحوتات حركية هائلة»، والتي يرجع
إليها
الكثير من استعراض وإثارة داخل الفندق — خصوصًا في فنادق اﻟ هيات
Hyatts؛ حيث تصعد وتهبط بلا توقف مثل زوارق جندول
أو مصابيح يابانية ضخمة — مع ذلك التأكيد القصدي عليها وإفساح مكان مع الصدارة لها
بذاتها، فإنني أعتقد أنه يجب النظر إلى «محرِّكات الناس» هذه (وهي لفظة بورتمان نفسه،
معدَّلة من ديزني) على أنها ذاتُ دلالةٍ تفوق مجرد كونها وظائف ومكونات هندسية. ونحن
نعلم، على أية حال، أن النظرية المعمارية الحديثة قد بدأت تستعير من التحليل الحكائي
في
المجالات الأخرى، وتُحاول أن ترى في مساراتنا الفيزيقية خلال تلك المباني حكاياتٍ
أو
قصصًا فعلية، ممرات دينامية ونماذج سردية يُطلب منا بوصفنا زوارًا أن نُنجزها ونُكملها
بأجسادنا سردية يُطلب منا بوصفنا زوارًا أن نُنجزها ونُكملها بأجسادنا وحركاتنا ذاتها.
إلا أننا، في البونافنتشر، نجد تصعيدًا جدليًّا لهذه العملية؛ إذ يبدو لي أن السلالم
المتحركة والمصاعد هنا تحل محل الحركة من البداية لكنها أيضًا، وقبل كل شيء، تحدِّد
نفسها بوصفها علاماتٍ وشعاراتٍ انعكاسية جديدة للحركة في ذاتها (وهذا شيء سيصبح واضحًا
حين نصل إلى مسألة ما الذي يتبقَّى من الأشكال القديمة للحركة في هذا المبنى، وبالأخص
المشي نفسه). هنا جرى التأكيد، وإسباغ الطابع الرمزي على، الدال وتشييء، التمشية
الحكائية وأحلَّ محلها آلة نقل تصبح هي المجازي لتلك النزهة الأقدم التي لم يعُد
مسموحًا لنا بالقيام بها من تلقاء أنفسنا؛ وهذا تكثيفٌ جدلي للمرجعية-الذاتية لكل
الثقافة الحديثة، التي تميل إلى التكوُّر على نفسها وإلى تحديد إنتاجها الثقافي الخاص
على أنه مضمونها.
لكنني أشد ارتباكًا حين يصل الأمر إلى نقل
الشيء نفسه، خبرة الفراغ التي تمُر بها حين تخطو خارجًا من تلك الأدوات المجازية
إلى
البهو أو الرَّدهة، بعمودها المحوري الضخم المحاط ببحيرة مصغرة، وهذا كله يجد موضعه
بين
أبراج النزلاء السيمترية الأربعة بمصاعدها، وتحيطه شرفاتٌ صاعدة يتوِّجها سقف كأنه
صوبة
عند المستوى السادس. وإنني لأميل إلى القول بأن مثل هذا الفراغ يجعل من المستحيل
لنا
استخدام لغة الحجم أو الأحجام أكثر من ذلك؛ لأن هذه الأحجام يستحيل الإمساك بها.
وفي
الحقيقة، فإن الدعامات المعلَّقة تذيب هذا الفراغ الخالي بطريقة تصرف الانتباه عمدًا
وبطريقةٍ منهجية عن أي شكلٍ يفترض أن يأخذه مهما كان، بينما تعطي حركة الأعمال التجارية
التي لا تتوقف الإحساس بأن هذا الخواء مكتظٌّ هنا تمامًا، أنه عنصر تكون أنت نفسك
منغمسًا في قلبه، بدون أي نوع من تلك المسافة التي كانت في السابق تتيح إدراك المنظور
أو الحجم، أنك في هذا الفراغ-المُفرِط منغمس حتى قمة عينَيك وجسدك؛ وإذا بدا من قبلُ
أن
كبت العمق ذاك الذي تحدثتُ عنه في التصوير أو الأدب ما بعد الحداثي سيكون بالضرورة
صعب
التحقيق في العمارة ذاتها، فربما يفيد هذا الانغماس المُربِك الآن في كونه المعادل
الشكلي في الوسط الجديد.
لكن السُّلم المتحرك والمصعد هي أيضًا في هذا السياق أضدادٌ أيضًا جدلية؛ وقد نشير
إلى أن الحركة الرائعة للمصعد الجندول هي تعويضٌ جدلي عن هذا الفراغ الممتلئ للردهة
—
إذ تمنحنا فرصة خبرةٍ مكانية مختلفة جذريًّا، لكنها مكملة؛ هي خبرة الاندفاع بسرعة
إلى
أعلى خلال السقف وإلى الخارج، على طولٍ واحد من الأبراج السيمترية الأربعة، مع كون
المرجع، لوس أنجلوس نفسها، ممتدًّا في الخارج على نحوٍ مذهل وحتى مرعب أمامنا. لكن
حتى
هذه الحركة الرأسية مكبوحة؛ فالمصعد يصعد بك إلى واحدة من قاعات الكوكتيل الدوارة
تلك
التي، وأنت جالس فيها، تجد نفسك تدور من جديدٍ دون أن تحرِّك ساكنًا وأمامك فرصة
استعراضٍ تأملي للمدينة ذاتها، التي تحولَت الآن إلى صورها هي نفسها عن طريق النوافذ
الزجاجية التي تنظر إليها من خلالها.
وقد تختتم هذا كله بالعودة إلى الفراغ المركزي للبهو نفسه (مع الملاحظة العابرة أن
حجرات الفندق مهمَّشة بشكل ملحوظ؛ والممرات في أقسام النزلاء واطئة السقف ومظلمة،
وظيفية بأشد الصور كآبة، بينما يفهم المرء أن الحجرات من أسوأ ذوق). والهبوط درامي
بما
يكفي؛ إذ تسقط من حالق خلال السقف لتطرطش في البحيرة. وما يحدث حين تصل إلى هناك
شيءٌ
آخر، لا يمكن توصيفُه إلا بأنه اختلاط يتحرك دائريًّا، شيء من قبيل الانتقام الذي
يقتصُّه هذا الفراغ ممن ما زالوا يحاولون السير خلاله. مع السيمترية المطلقة للأبراج
الأربعة، يكون من المستحيل تمامًا أن تحدِّد اتجاهك في هذا البهو؛ ومؤخرًا، أُضيفَت
شفراتٌ ملونة وإشارات اتجاه في محاولةٍ بائسة وموحية، لكنها يائسة، لاستعادة إحداثيات
الفراغ القديم. وسأخذ، كأكثر النتائج العملية دراميةً لهذا التبدُّل المكاني تلك
الورطة
الشهيرة لأصحاب المحلات في الشرفات المختلفة؛ فقد اتضح منذ افتتاح الفندق عام ۱۹۷۷م
أن
أحدًا لا يستطيع العثور أبدًا على تلك المحال، وحتى إذا حدَّدتَ مرة موقع البوتيك
المناسب، فمن غير المحتمل تمامًا أن يصادفك الحظ لتحديده مرةً ثانية؛ ونتيجة لذلك،
فإن
مستأجري المحال التجارية يائسون وكل البضائع تُباع بأسعارٍ مخفضة. وحين تتذكَّر أن
بورتمان هو رجل أعمال بقَدْر ما هو معماري ومطور مليونير، فنان هو في نفس الوقت رأسمالي
في ذاته، فلن يمكنك سوى الإحساس بأن الأمر هنا أيضًا ينطوي على شيء من «عودة
المكبوت»
هكذا أصل أخيرًا إلى النقطة الأساسية بالنسبة
لي هنا، وهي أن هذا التبدل الأخير في الفراغ — الفراغ-الفائق ما بعد الحداثي — قد
نجح
أخيرًا في تجاوُز قدرات الجسد الإنساني الفردي على أن يحدِّد موضعه، أن ينظِّم
إدراكيًّا الأشياء المحيطة به مباشرة، وأن يرسم معرفيًّا خريطة موقعه في عالمٍ خارجي
قابل لوضع خريطة له. ويمكن الآن الإيحاء بأن نقطة الانفصال المزعجة هذه بين الجسم
ومجاله المحيط المبنى — التي تُعد بالنسبة للحيرة الأولية للحداثة الأقدم مثلما تُعد
سرعات سفن الفضاء بالنسبة لسرعات السيارة — يمكن لها هي نفسها أن تقف باعتبارها الرمز
والنظير لذلك المأزق الأشد حدَّة والمتمثل في عدم قدرة عقولنا، في الحاضر على الأقل،
على رسم خريطة شبكة الاتصالات العالمية الضخمة المتعددة القومية والمنزوعة المركز
التي
نجد أنفسنا مشتبكين في أحبولتها كذواتٍ فردية.
لكن لأنني قلق من أن يُفهم فضاء بورتمان على أنه إما شيء استثنائي أو مهمش ومتخصص
في
وقت الفراغ على غرار ديزني لاند Disneyland، فإنني
سأختتم بمقابلة بين فضاء وقت الفراغ الراضي والمسلِّي هذا (رغم أنه محيِّر) وبين
نظيره
في مجالٍ شديد الاختلاف، وبالتحديد، فضاء الحرب ما بعد الحداثية، خصوصًا كما يستحضره
مايكل هير Michael Herr في برقيات Dispatches كتابه العظيم عن تجربة فيتنام. إن التجديدات
اللغوية الاستثنائية لهذا العمل ما زال يمكن اعتبارها ما بعد حداثية، في الطريقة
التوفيقية التي تدمج بها لغته بطريقة غير شخصية مجالًا كاملًا من اللهجات المختلفة
الجماعية المعاصرة، وبالأخص لغة الروك ولغة الزنوج، لكن الاندماج تُمليه مشكلات المضمون
فهذه الحرب ما بعد الحداثية الأولى الرهيبة لا يمكن حكيُها في أيٍّ من النماذج
التقليدية لرواية أو فيلم الحرب — وفي الحقيقة، فإن تحطيم كل النماذج السردية السابقة،
مع تحطيم أي لغةٍ مشتركة يمكن من خلالها لمحاربٍ قديم أن ينقل مثل هذه التجربة، هو
من
بين الموضوعات الأساسية للكتاب، ويمكن القول إنه يفتح المجال أمام تأمليةٍ جديدة
كاملة.
إن تقرير بنيامين
Benjamin عن بودلير
Baudelaire، وعن ظهور الحداثة من خبرةٍ جديدة
بتكنولوجيا المدينة التي تتجاوز كل العادات الأقدم للإدراك الجسماني، تبرز على نحو
فريد
وتصبح عتيقة على نحوٍ فريد في ضوء هذه القفزة الكمية الجديدة وغير القابلة للتصور
عمليًّا في الاستلاب التكنولوجي:
كان عضو جماعة الهدف — المتحرِّك — الناجي، ابنًا حقيقيًّا للحرب؛ لأنه
باستثناء الأوقات النادرة اللي تكون فيها متدبس أو متلقح، كان النظام متركب
بحيث تفضل تتحرك، إذا كان ده اللي أنت فاكر أنك عاوزه. وده كان معقول جدًّا
كتكنيك عشان تفضل عايش؛ لأنك طبعًا من الأصل موجود هناك وتحب تشوف الحاجات من
قريب، الموضوع بدأ بسيط وعادي لكن كان بياخد شكل المخروط كل ما يتقدم، لأنك كل
ما تمشي كل ما تشوف، وكل ما تشوف كل ما تخاطر بحاجات أكثر من الموت والبتر، وكل
ما تخاطر بالحاجات دي كل ما يكون عليك إنك تخلع منها في يوم من الأيام وتبقى
«ناجي» كان بعضنا بيتحرك حوالين الحرب زي المجانين لحدما ما بقيناش شايفين
الجري مودِّينا على فين، بس شايفين الحرب من على الوش ومن وقت للتاني، اختراق
غير متوقع. طول ما الهليكوبتر موجودة زي التاكسيات كان لازم نكون هلكانين تعب
أو مكتئبين لحد الصدمة، أو واخدين دستتين بيبة أفيون عشان نفضل هاديين ولو
ظاهريًّا، وبنكون لسة عمالين نجري جوَّا جلودنا كأن حاجة بتجري ورانا، هاها،
لافيدا لوكا.
٣٣⋆
وفي الشهور اللي بعد ما رجعت بدأَت مئات الطيارات الهليكوبتر اللي طرت فيها
تتجمع مع بعضها لحد ما شكلت هليكوبتر جماعية مهولة، كانت في عقلي أكثر حاجة
جنسية؛ منقذة-مدمرة، تدي-تبدد، إيد يمين-إيد شمال، نبيهة، شاطرة، لئيمة،
إنسانية؛ صلب سخن، شحم، هدمة شاربة الغابة، عرق يبرد ويرجع يسخن، كاسيت مزيكة
روك أند روك في ودن ورصاص رشاش باب الطيارة في الودن الثانية، بنزين، حرارة،
حيوية، وموت، الموت نفسه، مش دخيل خالص
٣٤
في هذه الآلة الجديدة، التي، على عكس الآلات الحداثية الأقدم من القاطرة البخارية
أو
الطائرة، لا تمثل الحركة، بل لا يمكن تمثيلها إلا في الحركة، يتركَّز شيءٌ من غموض
الفضاء ما بعد الحداثي الجديد.
•••
إن مفهوم ما بعد الحداثة الذي حدَّدتُ خطوطه العريضة هنا هو مفهومٍ تاريخي وليس مجرد
مفهومٍ أسلوبي. ولا يمكنني أن أبالغ في التشديد على التمايز الجذري بين نظرة ترى
أن ما
بعد الحداثي هو أسلوب واحد (اختياري) من بين أساليبَ عديدة متاحة أخرى وبين نظرة
تسعى
إلى إدراكه على أنه العنصر الثقافي السائد في منطق الرأسمالية المتأخرة؛ فالمقاربتان
تولِّدان، في الحقيقة، طريقتَين شديدتَي الاختلاف للصياغة المفهومية للظاهرة ككل؛
أحكام
أخلاقية، من ناحية (لا يهم ما إذا كانت إيجابية أم سلبية)، ومن ناحيةٍ أخرى، محاولة
جدلية أصيلة للتفكير في حاضرنا الزمني في التاريخ.
ولسنا بحاجة إلى قول الكثير عن التقييم الأخلاقي الإيجابي لما بعد الحداثة؛ فالاحتفاء
الراضي (الهذياني رغم ذلك) الانقيادي بهذا العالم الجمالي الجديد (بما في ذلك بُعده
الاجتماعي والاقتصادي، الذي يلقى ترحيبًا مماثلًا في حماسته تحت شعار «المجتمع ما
بعد
الصناعي») غير مقبول بالتأكيد، رغم أنه قد يكون أقلَّ وضوحًا أن الفانتازيات الراهنة
حول الطبيعة الخلاصية للتكنولوجيا الراقية، من الرقائق المتناهية الصِّغر إلى الإنسان
الآلي — وهي فانتازيات لا تكشف عنها كلٌّ من الحكومات اليسارية واليمينية المأزومة
فحسب، بل يكشف عنها كذلك عديدٌ من المثقفين — هي أيضًا وبشكل أساسي من نفس نوع الدفاعات
الأكثر ابتذالًا عمَّا بعد الحداثة.
لكن في هذه الحالة يترتَّب على ذلك رفض الإدانات الأخلاقية لما بعد الحداثي ولتفاهته
الجوهرية حين يُوضَع في تعارضٍ مع «الجدية البالغة» الطوباوية لاتجاهات الحداثة
العظيمة؛ وهي أحكام يجدها المرء في صفوف كلٍّ من اليسار واليمين الراديكالي. ولا
شك أن
منطق الشبيه، بتحويله أشكال الواقع الأقدم إلى صورٍ تليفزيونية، يفعل أكثر من مجرد
نسخ
منطق الرأسمالية المتأخرة؛ أنه يدعمه ويكثفه. وفي نفس الوقت، فإنه بالنسبة للمجموعات
السياسية التي تسعى بنشاطٍ للتدخل في التاريخ ولتعديل قوة دفعه التي تكون سلبية بدون
ذلك (سواء كان في ذهنها أن تجعله يصُب في تحويلٍ اشتراكي للمجتمع أو أن تحوِّله إلى
إعادة تأسيس نكوصية لماضٍ فانتازي أبسط)، لا بد أن يكون هناك الكثير مما يبعث الأسف
والقلق في شكلٍ ثقافي من إدمان الصورة، بتحويله للماضي إلى سراباتٍ بصرية ونماذجَ
نمطية، أو نصوص، فإنه يتخلى فعليًّا عن أي معنًى عملي للمستقبل وللمشروع الجماعي،
وبذلك
يترك التفكير في التغيير المستقبلي لفانتازيات الكارثة المطبقة والطوفان الذي لا
تفسير
له، ابتداءً من رؤى «الإرهاب» على المستوى الاجتماعي إلى رؤى السرطان على المستوى
الشخصي. لكن، إذا كانت ما بعد الحداثة ظاهرةً تاريخية، فإن محاولة صياغتها مفهوميًّا
على أساس أحكامٍ أخلاقية أو ذات طابعٍ أخلاقي لا بد من وصفها في النهاية بأنها خطأ
في
المقولات category mistake. وكل هذا يصبح أكثر وضوحًا
حين نتساءل عن وضع الناقد والأخلاقي الثقافي؛ فهذا الأخير، مع بقيتنا جميعًا، منغمس
بعمقٍ بالغ في الفضاء ما بعد الحداثي، تتخلَّله وتعديه مقولاته الثقافية الجديدة،
لدرجة
لا يصبح معها متاحًا ترف النقد الأيديولوجي من الطراز القديم، الشجب الأخلاقي
الناقم.
والتمييز الذي أطرحُه هنا يجد صيغةً معيارية في تفرقة هيجل بين تفكير الأخلاق الفردية
أو إضفاء الطابع الأخلاقي (
Moralitat) وبين مجمل ذلك
المجال الشديد الاختلاف للقيَم والممارسات الاجتماعية الجماعية
(
Sittlichkeit)
٣٥ لكنه يجد صيغته الحاسمة في عرض ماركس للجدل المادي، وخصوصًا في تلك الصفحات
الكلاسيكية في
البيان التي تعلِّم الدرس القاسي
لطريقةٍ جدلية أكثر أصالةً للتفكير في
التطور والتغير
التاريخيَّين. وموضوع الدرس، بالطبع، هو التطور التاريخي للرأسمالية
ذاتها وظهور ثقافة بورجوازية نوعية؛ ففي فقرة شهيرة يحثُّنا ماركس بقوة على أن نفعل
المستحيل؛ أي أن نفكِّر في هذا التطور التاريخي سلبيًّا وإيجابيًّا في آنٍ واحد.
وبعبارةٍ أخرى، أن نمطًا نحقِّق نمطًا من التفكير يكون قادرًا على إدراك الملامح
الواضحة الشؤم للرأسمالية مقترنة بديناميتها الاستثنائية والمحررة في نفس الوقت وفي
فكرةٍ واحدة، ودون التخفيف من قوة أيٍّ من الحكمين، علينا أن نرتفع بعقولنا، بطريقةٍ
ما، إلى نقطة يكون من الممكن عندها فهم أن الرأسمالية هي، في نفس الآن، أفضل شيءٍ
حدث
للجنس البشري، وأسوأ شيء. والانزلاق من هذ الإلزام الجدلي الصارم إلى الموقف الأكثر
راحةً في اتخاذ مواقفَ أخلاقية هو انزلاقٌ متأصل وإنساني جدًّا؛ إلا أن إلحاح الموضوع
يتطلب منا على الأقل أن نبذل جهدًا للتفكير جدليًّا في التطور الثقافي للرأسمالية
المتأخرة، باعتبارها كارثةً وتقدمًا معًا.
مثل هذا الجهد يثير على الفور سؤالَين، سنختتم بهما هذه التأملات. هل يمكننا حقًّا
أن
نحدِّد «لحظة صدق» ما ضمن نطاق «لحظات الزيف» الأوضح للثقافة ما بعد الحداثية؟ وحتى
إذا
ما أمكننا أن نفعل ذلك، أليس في النظرة الجدلية للتطور التاريخي والمطروحة أعلاه
شيءٌ
يصيب بالشلل في نهاية الأمر؛ ألا تميل إلى تسريحنا وإخضاعنا للسلبية والعجز بطمسها
المنهجي لإمكانات الفعل تحت الضباب الذي لا يمكن اختراقه للحتمية التاريخية؟ من المناسب
أن نناقش هذَين الموضوعَين (المترابطَين) منسوبَين إلى الإمكانات الراهنة لسياسة
ثقافية
معاصرة فعالة ولإقامة ثقافة سياسية أصيلة.
وتحديد بؤرة المشكلة على هذا النحو يعني، بالطبع، أن نثير على الفور المسألة الأكثر
أصالةً والمتعلقة بمصير الثقافة عمومًا، ووظيفة الثقافة بوجهٍ خاص باعتبارها مستوًى
اجتماعيًّا أو لحظةً اجتماعية، في عصر ما بعد الحداثة. كل ما في المناقشة السابقة
يوحي
بأن ما ظلِلْنا نسمِّيه ما بعد الحداثة لا ينفصل عن، ولا يمكن التفكير فيه بدون،
افتراض
تبدُّلٍ جوهري لمجال الثقافة في عالم الرأسمالية المتأخرة، يتضمَّن تعديلًا خطيرًا
في
وظيفتها الاجتماعية. وقد شدَّدت المناقشات السابقة لفضاء، أو وظيفة، أو مجال الثقافة
(وبالأخص مقال هربرت ماركوز Herbert Marcuse الكلاسيكي
بعنوان «الطابع التوكيدي للثقافة») على ما يمكن أن تسميه لغةً مختلفة «شبه-استقلال»
مجال الثقافة؛ وجودها الشجي، لكن الطوباوي، سواء للأفضل أو للأسوأ، فوق العالم العملي
للموجود، الذي تعكس هي صورته المرآوية في أشكالٍ تتراوح من إضفاء المشروعية على التشابه
المتملق وحتى الاتهامات المرتابة للتهكم النقدي أو الألم الطوباوي.
والسؤال الذي يجب أن نوجِّهه لأنفسنا الآن هو أليس شبه-استقلال المجال الثقافي هذا
هو
بالضبط ما دمَّره منطق الرأسمالية المتأخرة. لكن الجدال بأن الثقافة اليوم لم تعُد
تتمتع بالاستقلال النسبي الذي كانت تتمتع به ذات حينٍ كمستوًى واحد بين مستوياتٍ
أخرى
في لحظاتٍ سابقة من الرأسمالية (ناهيك عن المجتمعات السابقة على الرأسمالية) لا يعني
بالضرورة الإشارة ضمنيًّا إلى اختفائها أو انقراضها. على العكس تمامًا؛ ويجب أن نمضي
لنؤكد أن تحلُّل مجالٍ مستقلٍّ للثقافة يمكن تخيُّله بالأحرى منسوبًا إلى انفجار؛
توسُّع هائل للثقافة خلال المجال الاجتماعي، إلى النقطة التي يمكن عندها لكل شيءٍ
في
حياتنا الاجتماعية — من القيمة الاقتصادية وسلطة الدولة إلى الممارسات وإلى نفس بنية
النفس ذاتها — أن يُقال إنه قد أصبح «ثقافيًّا» بمعنًى أصيل لكنه غير مُصاغٍ في نظرية.
هذه الفرضية تتفق جوهريًّا مع التشخيص السابق لمجتمع الصورة أو الشبيه وتحول «الواقعي»
إلى عددٍ كبير من الأحداث-الزائفة.
كذلك توحي بأن بعضًا من أعز وأقدم مفاهيمنا الراديكالية عن طبيعة السياسة الثقافية
قد
تجد نفسها بالتالي عتيقه؛ فمهما بلغ اختلاف تلك المفاهيم — التي تتراوح من شعارات
السلبية، والمعارضة، والتخريب إلى النقد والتأملية — فقد كانت جمعيها تشترك في افتراضٍ
مسبقٍ وحد، فراغي أساسًا، يمكن تلخيصه في الصيغة القديمة بدورها ﻟ «المسافة النقدية».
وما من نظرية في السياسة الثقافية راهنة بين اليسار اليوم استطاعت الاستغناء عن تصوُّر
أو آخر عن مسافةٍ جماليةٍ دنيا معيَّنة، عن إمكانية موضعة الفعل الثقافي خارج الوجود
الشامل لرأس المال، ومهاجمة هذا الأخير من هذا الموضع. إلا أن العبء الذي يبيِّنه
عرضُنا السابق يتمثل في أن المسافة عمومًا (بما في ذلك «المسافة النقدية» خصوصًا)
قد تم
إلغاؤها بدقةٍ شديدة من الفضاء الجديد لما بعد الحداثة. إننا مغمورون في أحجامها
الممتلئة والمتشبعة إلى النقطة التي عندها تصبح أجسامنا، التي صارت الآن ما بعد حداثية،
محرومة من الإحداثيات الفراغية وعاجزة عمليًّا (ناهيك عن نظريًّا) عن اتخاذ مسافة؛
وقد
لاحظنا بالفعل كيف أن التوسع الجديد الاستثنائي لرأس المال المتعدد القوميات ينتهي
بأن
يتغلغل ويستعمر نفس تلك الجيوب السابقة على الرأسمالية (الطبيعة واللاوعي) التي كانت
تقدِّم مواطئ أقدامٍ خارجة عن النطاق وأرشميدية للفعالية النقدية؛ لهذا السبب، فإن
لغة
الاصطفاء Cooptation الاختزالية كلية الحضور في أوساط
اليسار، لكن يبدو الآن أنها تقدِّم أساسًا نظريًّا غير كافٍ تمامًا لفهم وضعٍ نشعر
فيه
جميعًا، بطريقةٍ أو بأخرى، شعورًا خفيًّا بأنه ليس فقط أشكال الثقافة المضادة الفورية
والموضعية للمقاومة وحرب العصابات الثقافية بل كذلك حتى تلك التدخلات السياسية الصريحة
مثل تدخلات الصدام The Clash تجرد جميعها من السلاح سرًّا ويعيد امتصاصها
نظامٌ يمكن اعتبارها هي نفسها جزءًا منه؛ حيث إنها لا تنجح في تحقيق مسافة عنه.
وما يجب أن نؤكِّده الآن هو أن هذا الفضاء العالمي الجديد الأصيل المثبط الذي يسبِّب
الاكتئاب على نحوٍ غير عادي هو بالضبط «لحظة الصدق» لما بعد الحداثة. وما أطلق عليه
اسم
«السامي» ما بعد الحداثي هو مجرد اللحظة التي صار فيها هذا المضمون أوضح ما يمكن،
تحرك
أقرب ما يمكن من سطح الوعي كنمطٍ جديد متماسك من الفضاء قائم بذاته — رغم أنه ما
زال
يعمل هنا نوعٌ من الإخفاء أو التخفِّي المجازي، وبالأخص في تيمات التكنولوجيا —
المتقدمة التي ما زال المضمون الفراغي الجديد فيها معقدًا ومكتسيًا بالطابع الدرامي.
إلا أن السمات السابقة لما بعد الحداثي التي عددناها أعلاه يمكن النظر إليها جميعًا
الآن على أنها هي نفسها جوانب جزئية (لكنها مؤسسة) للموضوع الفراغي العام نفسه.
وتعتمد حُجة وجود أصالةٍ معيَّنة في هذه الإنتاجات ذات الطابع الأيديولوجي الواضح
فيما عدا ذلك، على الفرضية السابقة والقائلة بأن ما ظلِلْنا نسمِّيه الفضاء ما بعد
الحداثي (أو المتعدد القومية) ليس مجرد أيديولوجيا أو فانتازيا ثقافية لكنَّ له واقعًا
تاريخيًّا (واجتماعيًّا-اقتصاديًّا) أصيلًا بوصفه توسعًا ثالثًا أصيلًا ضخمًا
للرأسمالية حول الكرة الأرضية (بعد التوسعَين السابقَين للسوق القومي والنظام
الإمبريالي الأقدم اللذَين كان لكلٍّ منهما خصوصيتُه الثقافية الخاصة، وولَّد أنماطًا
جديدة من الفضاء مناسبة لدينامياته). والمحاولات المشوهة وغير الانعكاسية للإنتاج
الثقافي الأحدث لاستكشاف، والتعبير عن، هذا الفضاء الجديد يجب اعتبارها، إذن، وعلى
طريقتها، على أنها مقارباتٌ متعددة لتمثيل واقع «جديد» (إذا استخدمنا لغة أقدم)
ومهما بدت المصطلحات متناقضة، فإنها يمكن، إذا اتبعنا خيارًا تفسيريًّا كلاسيكيًّا،
أن تُقرأ على أنها أشكالٌ جديدة غريبة من الواقعية (أو على الأقل محاكاة الواقع)،
بينما
يمكن تحليلها في نفس الوقت وعلى قدم المساواة باعتبارها محاولاتٍ متعددة لصرف انتباهنا
وتحويلنا عن ذلك الواقع أو لإسقاط القناع على تناقضاته وحلها تحت قناع تعمياتٍ شكلية
متنوِّعة.
أما بالنسبة لذلك الواقع نفسه — الفضاء الأصلي غير المنظَّر له بعد ﻟ «نظامٍ عالمي»
جديد للرأسمالية المتعددة القومية أو المتأخرة، وهو فضاء نجد جوانبه السلبية أو
المشئومة شديدة الوضوح — فإن الجدل يتطلب منا أن نتخذ، على قدم المساواة، تقييمًا
إيجابيًّا أو «تقدميًّا» لنشوئه، مثلما فعل ماركس بالنسبة للسوق الدولية باعتبارها
أفق
الاقتصادات القومية، أو مثلما فعل لينين بالنسبة للشبكة العالمية الإمبريالية الأقدم؛
لأن الاشتراكية لم تكن بالنسبة لماركس أو لينين مسألة عودة إلى أنساق أصغر (ومن ثم
أقل
قمعًا وشمولًا) للتنظيم الاجتماعي؛ بل إن الأبعاد التي بلغها رأس المال في عصرَيهما
فُهمَت على أنها الوعد، والإطار، والشرط المسبق لتحقيق اشتراكيةٍ جديدة وأكثر شمولًا.
أليست هذه هي الحال إزاء الفضاء الأكثر عالمية وكلية للنظام العالمي الجديد، الذي
يتطلب
تدخلًا وتطويرًا لنزعةٍ أممية من طرازٍ جديد جذريًّا؟ إن إعادة الاصطفاف الكارثي
للثورة
الاشتراكية إلى جانب القوميات الأقدم (وليس فقط في جنوب شرق آسيا)، الذي أثارت نتائجه،
بالضرورة، الكثير من التأمل الجاد مؤخرًا في أوساط اليسار، يمكن إيراده لتأييد هذا
الموقف.
لكن لوكان ذلك كذلك، فإن شكلًا واحدًا ممكنًا على الأقل لسياسةٍ ثقافيةٍ راديكالية
جديدة يصبح واضحًا، مع شرط جمالي نهائي يجب ملاحظته بسرعة؛ فالمنتجون والمنظِّرون
الثقافيون اليساريون — خصوصًا أولئك الذين شكَّلَتهم التقاليد الثقافية البورجوازية
المنبثقة عن الرومانسية، والذين يقدِّرون أشكال «العبقرية» التلقائية، أو الغريزية،
أو
اللاواعية، لكن كذلك لأسبابٍ تاريخية شديدة الوضوح من قبيل الزدانوفية
Zhdanovism والعواقب الوخيمة للتدخُّلات الحزبية
والسياسية في الفنون — عادة ما كانوا من باب رد الفعل يسمحون لأنفسهم بأن يخيفهم
دون
مبرِّر إنكار الجماليات البورجوازية وبالأخص الحداثة العليا لواحدة من وظائف الفن
القديمة قِدم الزمن — هي الوظيفة البيداجوجية والتعليمية. ورغم ذلك، كانت الوظيفة
التعليمية للفن تلقى التأكيد على الدوام في العصور الكلاسيكية (رغم أنها كانت تأخذ
هناك
شكل الدروس الأخلاقية أساسًا)، بينما نجد أن عمل بريخت الاستثنائي، الذي ما زال غير
مفهوم بدرجةٍ كاملة، يُعيد تأكيد مفهومٍ جديد مركَّب للعلاقة بين الثقافة والبيداجوجيا،
بطريقةٍ جديدة وأصيلة وتجديدية شكليًّا، مناسبة للحظة الحداثة بالمعنى المحدَّد.
والنموذج الثقافي الذي سأقترحه يفسح مجال الصدارة، على نحوٍ مماثل، للأبعاد المعرفية
والبيداجوجية للفن والثقافة السياسيَّين، وهي أبعادٌ أكَّد عليها بطرقٍ شديدة الاختلاف
كلٌّ من لوكاتش وبريخت (في اللحظتَين المتميزتَين للواقعية والحداثة، على
الترتيب)
إلا أننا لا يمكننا العودة إلى ممارساتٍ جمالية طوِّرَت على أساس أوضاعٍ ومآزقَ
تاريخية لم تعُد تخصُّنا. وفي نفس الوقت، فإن مفهوم الفضاء الذي تم تطويره هنا يوحي
بأن
نموذجًا للثقافة السياسية مناسبًا لوضعنا الخاص سيكون عليه بالضرورة أن يثير موضوعاتٍ
فضائية باعتبارها اهتمامه المنظم الأساسي؛ ومن ثَم سأعرِّف مؤقتًا، الجمالي لهذا
الشكل
الثقافي الجديد (والافتراضي) بأنه جمالي يرتبط بوضع الخرائط
الإدراكي Cognitive mapping
في عملٍ كلاسيكي، هو صورة المدينة The Image of the City علَّمنا كيفين لينش
Kevin Lynch أن المدينة المستلَبة هي في المقام
الأول فضاء لا يستطيع الناس فيه أن يرسموا (في عقولهم) سواء خريطة مواقعهم الخاصة
أو
خريطة الكل المديني الذي يجدون أنفسهم فيه؛ الشبكات مثل شبكات مدينة جيرسي
Jersey City، التي لا يسود فيها أي معلمٍ من
المعالم التقليدية (المنشآت التذكارية، والتقاطعات، والتخوم الطبيعية، والمنظورات
المبنية)، هي أوضح الأمثلة. من هنا، فإن نزع الاستلاب في المدينة التقليدية يتضمن
الامتلاك العملي من جديد لحسٍّ بالمكان وبناء أو إعادة بناء مجموعٍ معقَّد يمكن حفظه
في
الذاكرة، وتستطيع الذات الفردية أن ترسم وتعيد رسم خريطته على طول لحظات المسارات
المتحركة، المتتابعة. وعمل ليش محدود بإطار التقييد القصدي لموضوعه للاقتصار على
مشاكل
شكل المدينة بوصفه كذلك؛ لكنه يصير موحيًا بطريقةٍ غير عادية حين نُسقِطه إلى الخارج
على بعضٍ من الفضاءات الأكبر القومية والعالمية التي لمسناها هنا. كذلك لا يجب أن
نفترض
بتعجُّل أن هذا النموذج — بينما يثير بوضوحٍ موضوعاتٍ محورية جدًّا حول التمثيل بوصفه
كذلك — تُبطِله بسهولة بأية طريقةٍ تلك الانتقاداتُ ما بعد البنيوية التقليدية ﻟ
«أيديولوجيا التمثيل» أو المحاكاة؛ فالخريطة الإدراكية ليست محاكاتية بالضبط بذلك
المعنى القديم؛ وفي الحقيقة، فإن المسائل النظرية التي تُثيرها تُتيح تجديد تحليل
التمثيل على مستوًى أعلى وأكثر تعقيدًا.
فهناك، من ناحية، التقاءٌ شديد الإثارة للاهتمام بين المشكلات الإمبيريقية التي درسها
لينش منسوبة إلى فضاء المدينة وبين إعادة التعريف الكبرى عند ألتوسير (ولاكان)
للأيديولوجيا على أنها «تمثيل لعلاقة الذات
الخيالية
بشروط وجودها
الواقعية»
٣٦ وهذا بالتأكيد هو بالضبط ما يُطلب من الخريطة الإدراكية أن تفعله في الإطار
الأضيق للحياة اليومية في المدينة الفيزيقية؛ أن تمكِّن الذات الفردية من عمل تمثيلٍ
موضعي لذلك الكل الأوسع وغير القابل للتمثيل، الذي هو مجموع بنيات المجتمع ككل.
كذلك يشير عمل لينش إلى خطٍّ أبعد للتطور بقَدْر ما تُشكِّل الكارتوجرافيا
Cartography [علم رسم الخرائط] لحظته التوسطية
المحورية. والعودة إلى تاريخ هذا العلم (الذي هو فنٌّ أيضًا) تُبيِّن لنا أن نموذج
لينش
لا يستجيب بعدُ، في الحقيقة، لما سيصبح وضع الخرائط؛ فذوات لينش منخرطة بوضوحٍ في
عمليات قبل-كارتوجرافية تُوصَف نتائجها تقليديًّا بأنها مسارات
itineraries وليست خرائط؛ أي منحنيات مرتَّبة حول
رحلة المسافر التي ما زالت متمحورة حول الذات أو وجودية، تُوضع على طولها علامات
على
الملامح الأساسية الدالة المتعددة — الواحات، وسلاسل الجبال والأنهار، والآثار، وما
أشبه. وأكثر الأشكال تطورًا لهذه المنحنيات هو المسار الملاحي، خريطة البحر، أو
البورتولان Portulan،
٣٧⋆ حيث
تُوضع ملاحظاتٌ حول ملامح الشاطئ ليستخدمها ملَّاحو البحر المتوسط الذين نادرًا ما
يغامرون باقتحام عمق البحر.
إلا أن البوصلة تدخل على الفور بُعدًا جديدًا على خرائط البحر وهو بُعد سيغيِّر
تمامًا إشكالية المسار ويسمح لنا بطرح مشكلة وضع خرائط إدراكي أصيل بطريقة أكثر تعقيدًا
بكثير؛ لأن الأدوات الجديدة — البوصلة، وآلة السدس [السكستانت]
sextant والمزواة [الثيودوليت] لا تناظر فقط
مشكلاتٍ جغرافيةً وملاحية جديدة (المشكلة العويصة لتحديد خط الطول، خصوصًا على السطح
المنحني للكوكب، مقابل المسألة الأبسط لتحديد خط العرض، الذي ما زال بإمكان الملَّاحين
الأوروبيين تحديده إمبيريقيا عن طريق تفقُّد الساحل الأفريقي بالنظر)؛ بل إنها أيضًا
تدخل إحداثيًّا جديدًا تمامًا؛ هو العلاقة بالمجموع، خصوصًا وأنها تتوسطها النجوم
والعمليات الجديدة مثل عملية حساب المثلثات
triangulation. عند هذه النقطة أصبح وضع الخرائط
الإدراكي بالمعنى الأوسع يتطلب تنسيق المعطيات الوجودية (الموضع الإمبيريقي للذات)
مع
المفاهيم المجردة غير المعاشة، للكل الجغرافي.
وأخيرًا، مع أول كُرةٍ أرضية (١٤٩٠م) ومع اختراع إسقاط ميركاتور في نفس الوقت
تقريبًا، ينشأ بُعدٌ ثالث للكارتوجرافيا يتضمن على الفور ما سنُسمِّيه نحن اليوم
طبيعة
الشفرات التمثيلية، والبنيات الداخلية لمختلف الوسائط، وتدخل المشكلة الأساسية الجديدة
تمامًا والمتعلقة بلغات التمثيل ذاته، في المفاهيم المحاكاتية الأكثر سذاجة لرسم
الخرائط، وخصوصًا المأزق (شبه الهايزنبرجي)
٣٨⋆ غير
القابل للحل لنقل الفراغ المقوَّس إلى خرائطَ مستوية. وعند هذه النقطة يتضح أنه لا
يمكن
وجود خرائط صادقة (وفي نفس الوقت يتضح أيضًا أنه يمكن وجود تقدُّم علمي، أو بالأحرى
رقي
جدلي في مختلف اللحظات التاريخية لعلم الخرائط).
والآن، إذا نقلنا هذا كله إلى الإشكالية الشديدة الاختلاف لتعريف ألتوسير
للأيديولوجيا، فإن المرء يودُّ أن يُورِد ملاحظتَين؛ الأولى أن المفهوم الألتوسيري
يتيح
لنا الآن أن نعيد التفكير في هذه المسائل الجغرافية والكارتوجرافية المتخصِّصة في
علاقتها بالفضاء الاجتماعي — في علاقتها، مثلًا، بالطبقة الاجتماعية والسياق القومي
والدولي، في علاقتها بالطرق التي لا بد أننا جميعًا نرسم بها إدراكيًّا خرائط علاقتنا
الاجتماعية الفردية بالحقائق الطبقية الدولية، والقومية، والمحلية. إلا أن إعادة
صياغة
المشكلة بهذه الطريقة يعني كذلك أن نصطدم بنفس صعوبات وضع الخرائط تلك التي يطرحها
بطرقٍ مكثفة وأصيلة نفس ذلك الفضاء العالمي للحظة ما بعد الحداثية أو المتعددة القومية
والتي كانت موضع النقاش هنا. وليست هذه مجرد أمورٍ نظرية؛ فلها عواقبُ سياسيةٌ عملية
مُلحَّة، كما يتضح من الأحاسيس التقليدية لأفراد العالم الأول بأنهم وجوديًّا (أو
«إمبيريقيًّا») يسكنون حقًّا «مجتمعًا ما بعد صناعي» اختفَى منه الإنتاج التقليدي
ولم
تعُد توجد فيه طبقاتٌ اجتماعية من النمط الكلاسيكي — وهذا اعتقاد له تأثيراتٌ مباشرة
على الممارسة السياسية.
والملاحظة الثانية هي أن العودة إلى تدعيمات لاكان لنظرية ألتوسير يمكن أن تقدِّم
بعض
الإثراءات المنهجية المفيدة والموحية؛ فصياغة ألتوسير تعيد استنفار تفرقةٍ ماركسية
أقدم؛ ومن ثَم كلاسيكية بين العلم والأيديولوجيا ليست عديمة الفائدة لنا حتى في أيامنا
هذه؛ فما هو وجودي — موضعة الذات الفردية، خبرة الحياة في أيامنا هذه. فما هو وجودي
—
موضعة الذات الفردية، خبرة الحياة اليومية، «وجهة النظر» المونادية [«وجهة نظر» الجوهر
الفرد] في العالم الذي نكون بالضرورة مقيَّدين به، بوصفنا ذواتٍ بيولوجية — يتعارض
ضمنيًّا في صياغة ألتوسير مع مجال المعرفة المجردة، وهو مجال كما يذكِّرنا لاكان،
لا
يتموضع أبدًا في، ولا تحدثه، أي ذاتٍ عينية بل ذلك الخواء البنيوي المسمَّى
Le sujet supposé savoir (الذات التي من المفترض أن
تعرف)، ذات-مكان المعرفة. وما يجري تأكيده ليس أننا لا يمكننا معرفة العالم وكليته
بطريقة مجردة أو «علمية» ما. ﻓ «العلم» الماركسي يقدِّم بالضبط مثل هذه الطريقة لمعرفة
العالم تجريديًّا وتحويله إلى مفاهيم بالمعنى الذي يقدِّم فيه كتاب ماندل العظيم،
على
سبيل المثال، معرفة ثرية وراقية للنظام العالمي
الكلي، الذي لم يذكر عنه هنا قط أنه يستعصي على المعرفة
unknowable بل فقط أنه يستعصي على التمثيل
unrepresentable، وهو أمرٌ شديد الاختلاف. بعبارةٍ
أخرى، تحدِّد الصياغة الألتوسيرية فجوة، صدعًا، بين الخبرة الوجودية وبين المعرفة
العلمية. ومن هنا فإن للأيديولوجيا وظيفةً أن تخترع على نحوٍ ما طريقةً لمفصلة هذَين
البُعدَين المتمايزَين أحدهما مع الآخر. وما قد تود نظرةٌ تاريخية النزعة لهذا التعريف
أن تضيفه، هو أن ذلك التنسيق، إنتاج أيديولوجياتٍ عاملة وحية، مختلف في الأوضاع
التاريخية المختلفة، وقبل كل شيء، أنه قد تكون ثمَّة أوضاعٌ تاريخية لا يكون فيها
ممكنًا على الإطلاق — ويبدو أن هذا هو وضعنا في الأزمة الحالية.
لكن نسق لاكان ثلاثي، وليس ثنائيًّا. والتعارض الماركسي-الألتوسيري بين الأيديولوجيا
والعلم لا يناظره سوى اثنتَين من وظائف لاكان الثلاثية؛ وهما الخيالي والواقعي، على
الترتيب. إلا أنَّ استطرادنا حول الكارتوجرافيا، بكشفه النهائي عن جدلٍ تمثيلي حقيقي
لشفرات وطاقات اللغات أو الوسائط المختلفة، يذكِّرنا بأن ما حُذف حتى الآن هو بعد
الرمزي اللاكاني نفسه.
إن جماليات لرسم خرائط إدراكي — ثقافة سياسية بيداجوجية تسعى لكي تكسب الذات الفردية
حسًّا جديدًا مكثفًا بمكانها في النظام العالمي — سيكون عليها بالضرورة أن تحترم
هذا
الجدل التمثيلي المعقد الذي أصبح الآن هائلًا وأن تخترع أشكالًا جديدة جذريًّا لكي
توفيه حقه. من الواضح إذن، أن هذه ليست دعوة للعودة إلى نوعٍ أقدم من الآلات، إلى
فضاءٍ
قومي أقدم وأكثر شفافية، أو إلى ملاذٍ منظوري أو محاكاتي أكثر تقليدية واطمئنانًا؛
فالفن السياسي الجديد (إذا كان ممكنًا على الإطلاق) سيكون عليه أن يتمسَّك بصدقِ
ما بعد
الحداثة، بمعنى أن يتمسك بموضوعها الأساسي — القضاء العالمي لرأس المال المتعدد القومية
— في نفس الوقت الذي يحقق فيه تجاوزًا إلى نمطٍ جديد، ما زال غير قابلٍ للتخيل، لتمثيل
هذا الأخير، الذي قد نبدأ فيه من جديد في إدراك موضعنا كذواتٍ فردية وجماعية وفي
استعادة قدرة على الفعل، وعلى النضال يحيِّدها في الوقت الحاضر تشوشُنا الفضائي وكذلك
الاجتماعي. إن الشكل السياسي مما بعد الحداثة، لو كان هناك واحد على الإطلاق، ستكون
مهمته هي ابتكار وإسقاط رسم خرائط إدراكي شامل، على نطاق اجتماعي وفضائي كذلك.