الحداثة ضد ما بعد الحداثة

يورجن هابرماس
في العام الماضي، سُمح للمعماريين بالاشتراك في بينالي فينيسيا في أعقاب المصوِّرين والمُخرِجين السينمائيين، وكانت النغمة التي تردَّدَت في بينالي العمارة الأول هذه نغمة خيبة أمل. وسوف أَصِفها بالقول بأن أولئك الذين عرضوا في فينيسيا كانوا يشكِّلون طليعة لجبهاتٍ معكوسة. وأعني أنهم ضحَّوا بتقاليد الحداثة لكي يفسحوا مكانًا لنزعةٍ تاريخية جديدة، وبهذه المناسبة قدَّم ناقد من الصحيفة الألمانية فرنكفورتر ألجيماينة تسايتونج Frankfurter Allgemeine Zeitung أطروحةً تتجاوز دلالتها هذه المناسبة بعينها؛ إنها تشخيصٌ لعصرنا: «إن ما بعد الحداثة تقدِّم نفسها بشكلٍ محدَّد على أنها مناهضة-الحداثة»، هذه العبارة تصف تيارًا وجدانيًّا لعصرنا تغلغل في كل مجالات الحياة الثقافية، وقد وضع على جدول الأعمال نظريات ما بعد التنوير، وما بعد الحداثة، وحتى ما بعد التاريخ.

من التاريخ نعرف عبارة:

«القدماء والمحدثون»١
فلأبدأ بتعريف هذه المفاهيم، لمصطلح «الحديث» تاريخٌ طويل، بحثه هانز روبرت ياوس Hans Robert Jauss. وقد استُخدمَت كلمة «حديث» في شكلها اللاتيني مودرنوس Modernus لأول مرة في أواخر القرن الخامس لتمييز الحاضر، الذي أصبح مسيحيًّا بشكلٍ رسمي، عن الماضي الروماني والوثني، وبمضمونٍ متنوِّع، كان مصطلح «الحديث» يعبِّر المرة تلو المرة عن وعي حقبةٍ تربط نفسها بماضي القدماء لكي تنظر إلى نفسها باعتبارها نتيجة انتقالٍ من القديم إلى الجديد.
ويضيِّق بعض الكتاب مفهوم «الحداثة» هذا بحيث يقتصر على النهضة Renaissance لكن هذا بالغ الضيق من الناحية التاريخية؛ فقد اعتبر الناس أنفسهم حديثين خلال فترة شارلمان العظيم، في القرن الثاني عشر، وكذلك في فرنسا أواخر القرن السابع عشر، في زمن «نزاع القدماء والمحدثين» الشهير، ويعني هذا أن مصطلح «الحديث» كان يظهر ويعاود الظهور بالضبط خلال تلك الفترات في أوروبا حين كان الوعي بحقبةٍ جديدة يُشكِّل نفسه من خلال علاقةٍ متجددة بالقدماء — وكذلك حين كان الزمن القديم يُعتبر نموذجًا يجب استعادته من خلال نوعٍ من المحاكاة.

وقد ذاب السحر الذي تطرحه كلاسيكيات العالم القديم على روح العصور التالية لأول مرة مع مثل التنوير الفرنسي، وبالتحديد، فإن فكرة كون المرء «حديثًا» عن طريق النظر إلى الوراء إلى القدماء قد تغيَّرت مع الاعتقاد، الذي ألهمه العالم الحديث، في التقدم اللانهائي للمعرفة وفي الترقي اللانهائي نحو التحسُّن الاجتماعي والأخلاقي. وقد تشكَّل شكلٌ جديدٌ من الوعي الحداثي في أعقاب هذا التغيُّر؛ فقد سعى الحداثي الرومانسي إلى معارضة المثل العتيقة لأصحاب النزعة الكلاسيكية؛ وقد بحث عن حقبةٍ تاريخية جديدة ووجدها في العصور الوسطى المكتسية بالطابع المثالي، إلا أن هذا العصر المثالي الجديد، الذي جرى تأسيسه في أوائل القرن التاسع عشر، لم يبقَ مثالًا ثابتًا؛ ففي خلال القرن التاسع عشر، بزغ من هذه الروح الرومانسية ذلك الوعي الجذري الطابع للحداثة التي حرَّرَت نفسها من كل الروابط التاريخية المحدَّدة، وهذه الحداثة القريبة العهد تُقيم ببساطة تعارضًا مجردًا بين التقاليد وبين الحاضر؛ وما زلنا نحن على نحوٍ من الأنحاء، المعاصرين لذلك النوع من الحداثة الجمالية التي ظهرَت أول ما ظهرَت في أواسط القرن التاسع عشر، ومنذ ذلك الحين، فإن العلامة المميزة للأعمال التي تُعد حديثة هي «الجديد». السمة المميزة لتلك الأعمال هي «الجديد» الذي سيتم دحره وجعله عتيقًا من خلال جدَّة الأسلوب التالي، لكن، بينما سرعان ما سيصبح ذلك الشيء «الأسلوبي» المحض عتيقًا، فإن ما هو حديث يحتفظ برابطةٍ خفية بالكلاسيكي. وبالطبع، فإن كل ما يستطيع أن يصمد للزمن قد اعتُبر على الدوام كلاسيكيًّا، لكن الوثيقة الحديثة على نحوٍ تأكيدي لم تعُد تستعير قوة كونها عملًا كلاسيكيًّا من سلطة حِقبةٍ ماضية؛ وبدلًا من ذلك، فإن عملًا حديثًا يصبح كلاسيكيًّا لأنه كان ذات مرة حديثًا على نحوٍ أصيل، فإحساسنا بالحداثة يخلق معاييره الخاصة المغلقة على نفسها لكون العمل كلاسيكيًّا، وبهذا المعنى نتحدث، مثلًا، بصدد تاريخ الفن الحديث، بصدد الحداثة الكلاسيكية. إن العلاقة بين «الحديث» و«الكلاسيكي» قد فقدَت بالتأكيد مرجعًا تاريخيًّا ثابتًا.

(١) مبحث الحداثة الجمالية

اكتسب كلٌّ من روح ومبحث الحداثة الجمالية قسماتٍ واضحةً في عمل بودلير Baudelaire ثم تفتحَت الحداثة في عدة حركات طليعة، وأخيرًا بلغَت ذروتها في مقهى فولتير مقر الدادائيين وفي السوريالية، وتتميز الحداثة الجمالية بمواقف تجد بؤرتها المشتركة في وعيٍ متغيِّر بالزمن، ويعبِّر هذا الوعي بالزمن عن نفسه من خلال استعارتَي الطليعة والرواد، وتفهم الطليعة نفسها على أنها تغزو أرضًا مجهولة معرِّضة نفسها لمخاطر لقاءاتٍ مباغتة، صادمة، وفاتحةً لمستقبلٍ ما زال غير محتلٍّ بعدُ، ولا بد للطليعة أن تجد اتجاهها في مشهد لا يبدو أن أحدًا قد جرؤ بعدُ على دخوله.
لكن هذا التلمُّس للطريق إلى الأمام، هذا التوقع لمستقبلٍ غير محدَّد والإيمان بالجديد، تعني في الحقيقة تمجيد الحاضر، إن الوعي الجديد بالزمن، الذي يدخل الفلسفة في كتابات برجسون Bergson، يفعل أكثر من التعبير عن خبرة الحَرَاك في المجتمع والتسارع في التاريخ، والانقطاع في الحياة اليومية. والقيمة الجديدة التي يتم إضفاؤها على العابر، المراوِغ، السريع الزوال، نفس الاحتفاء بالدينامية ينم عن التوق إلى حاضرٍ غير مدنس، طاهر، ومستقر.

وهذا يفسِّر اللغة المجردة بعض الشيء التي تحدَّث بها المزاج الحداثي عن «الماضي»؛ إذ تفقد الحِقَب المحدَّدة قوَّتها المتميزة. ومحل الذاكرة التاريخية يحل التزاوج البطولي للحاضر مع النهايات المتطرفة للتاريخ؛ حس بالزمن يتعرَّف فيه الانحطاط على نفسه على الفور فيما هو همجي، ووحشي، وبدائي، نلاحظ القصد الفوضوي لنسف متصل التاريخ، ويمكننا تفسيره على أساس القوة التخريبية لهذا الوعي الجمالي الجديد، إن الحداثة تثور ضد الوظائف المعيارية للتقاليد؛ الحداثة تحيا على خبرة التمرد ضد كل ما هو معياري، وهذا التمرد هو طريقة لتحييد معايير كلٍّ من الأخلاق والنفعية. هذا الوعي الجمالي يقيم باستمرارٍ تفاعلًا جدليًّا بين السرية والفضيحة العامة؛ إنه مدمنٌ على إبهار ذلك الرعب الذي يُصاحِب فعل تدنيس المقدَّسات، لكنه دائمًا في حالة فرار من النتائج التافهة للتدنيس.

ومن جهةٍ أخرى، فإن الوعي بالزمن الذي تم تطويره في الفن الطليعي ليس لا تاريخيًّا ببساطة؛ بل إنه موجَّه ضد ما يمكن تسميتُه بأنه معياريةٌ زائفة في التاريخ، وبدل ذلك، سعَت الروح الحديثة الطليعية، إلى استخدام الماضي بطريقةٍ مختلفة؛ إنها تتصرف في تلك الماضيات التي أتاحتها الدراسة الموضوعية الطابع للنزعة التاريخية، لكنها تعارض في نفس الوقت تاريخًا محايدًا، محبوسًا في متحف النزعة التاريخية.

حاذيًا حذو روح السوريالية، يقيم فالتر بنيامين العلاقة بين الحداثة والتاريخ فيما يمكن أن أسمِّيه موقف ما بعد-النزعة التاريخية. ويذكِّرنا بفهم الثورة الفرنسية لنفسها: «استشهدَت الثورة بروما القديمة، بالضبط مثلما تستشهد الموضة بثوبٍ عفا عليه الزمن؛ فالموضة تتمتع بحسٍّ لما هو راهن، أينما تحرَّك ذلك ضمن دغلٍ ما كان ذات مرة»، هذا هو مفهوم بنيامين ﻟ الآن Jetztzeit، للحاضر بوصفه لحظة كشف؛ زمن تشتبك في أحبولته شظايا من الحضور الخلاصي Messianic. بهذا المعنى، كانت روما القديمة بالنسبة لروبسبيير Robespierre ماضيًا محملًا بالتجليات اللحظية.
والآن، فإن روح الحداثة الجمالية قد بدأَت تشيخ مؤخرًا، وقد أُعيد ذكرها مرةً أخرى خلال الستينيات، لكننا يجب أن نُقرَّ لأنفسنا بأن هذه الحداثة، بعد السبعينيات، أصبحَت اليوم تثير استجابةً أوهن بكثيرٍ مما كانت تفعل منذ خمسة عشر عامًا. وبالفعل، كان أوكتابيو باث Octavio Paz، وهو رفيق طريق الحداثة، قد لاحظ في منتصف الستينيات أن «طليعة عام ١٩٦٧م تكرِّر أفعال وإيماءات طلائع عام ۱۹۱۷م. إننا نشهد نهاية فكرة الفن الحديث». ومنذ ذلك الحين، علَّمنا عمل بيتر بورجر Peter Bürger أن نتحدث عن فن «ما بعد-الطليعة»؛ وقد اختير هذا المصطلح ليشير إلى إخفاق التمرُّد السوريالي، لكن ما معنى هذا الإخفاق؟ هل يعني وداعًا للحداثة؟! وإذا فكَّرنا بشكلٍ أعم، فهل يعني وجود ما بعد-طليعة أن ثمَّة انتقالًا إلى تلك الظاهرة الأشمل المسمَّاة ما بعد الحداثة؟!
هذه في الحقيقة هي الكيفية التي يفسِّر بها الأمور دانييل بل Daniel Bell، ألمع المحافظين الجدد الأمريكيين؛ ففي كتابه التناقضات الثقافية للرأسمالية The Cultural Contradictions of Capitalism، يجادل بل بأن أزمات المجتمعات المتقدمة في الغرب يجب إرجاعها إلى صدعٍ بين الثقافة والمجتمع؛ فقد تغلغلَت الثقافة الحداثية في قيم الحياة اليومية؛ وأصبح عالم-الحياة مصابًا بعدوى الحداثة. وبسبب قوى الحداثة، فإن مبدأ التحقق-الذاتي اللامحدود، والطلب على الخبرة-الذاتية الأصيلة، والنزعة الذاتية لحساسية مفرطة الاستثارة، قد أصبحَت أمورًا سائدة.

وهذا المزاج يطلق عِنان دوافعَ لذِّية لا تتمشَّى مع مبدأ الحياة المهنية في المجتمع، كما يقول بل، وفضلًا عن ذلك، فإن الثقافة الحداثية لا تتمشَّى مطلقًا مع الأساس الأخلاقي لسلوكٍ عقلاني قصدي للحياة، بهذه الطريقة، يلقي بل بعبء المسئولية عن تحلُّل الأخلاق البروتستانتية (وهي الظاهرة التي أزعجت ماكس فيبر بالفعل) على كاهل «الثقافة المناوئة»، إن الثقافة، في شكلها الحديث، تثير الكراهية ضد مواضعات وفضائل حياة يومية أصبحَت مكتسبة للطابع العقلاني تحت ضغوط دوافع اقتصادية وإدارية.

وسوف ألفتُ انتباهكم إلى نقيصةٍ مركبة في هذه النظرة؛ إذ يقال لنا من جهةٍ أخرى، إن قوة دفع الحداثة قد استنفدَت؛ وأي شخصٍ يعتبر نفسه طليعيًّا يمكنه أن يقرأ أخطار وفاته، ورغم أن الطليعة ما زالت تُعد في حالة توسُّع، فالمفترض أنها لم تعُد خلَّاقة. الحداثة سائدة لكنها ميتة، عندئذٍ يطرح، بالنسبة للمحافظ-الجديد السؤال: كيف يمكن أن تنشأ في المجتمع معايير تحدُّ من الإباحية، وتعيد تأسيس أخلاق الانضباط والعمل؟ أيُّ معايير جديدة ستكبح جماح عملية التسوية المتسبِّبة عن دولة الرفاهية الاجتماعية، بحيث يمكن أن تسودَ من جديدٍ فضائل المنافسة الفردية من أجل التحقُّق؟ يرى بل أن الحل الوحيد هو إعادة إحياء ديني؛ فالإيمان الديني مقرونًا بإيمان بالتقاليد سيزوِّد الأفراد بهوياتٍ واضحة التحدُّد وبأمانٍ وجودي.

(٢) الحداثة الثقافية والتحديث المجتمعي

من المؤكَّد أن المرء لا يستطيع أن يستحضر بالسحر المعتقدات الملزمة التي تحكم السلطة؛ ومن ثَم، فإن التحليلات من قبيل تحليل بل لا ينتج عنها إلا موقفٌ ينتشر في ألمانيا بدرجة لا تقل عن انتشاره هنا في الولايات المتحدة؛ مواجهة فكرية وسياسية مع حملة الحداثة الثقافية. وسوف أستشهد ببيتر شتاينفيلس Peter Steinfels، وهو مراقبٌ للأسلوب الجديد الذي فرضَه المحافظون-الجدد على المشهد الثقافي في السبعينيات.
يأخذ الصراع شكل شرح كل مظهر لما يمكن اعتباره عقليةً معارضة وتتبع «منطقه» بغرض الربط بينه وبين مختلف أشكال التطرف؛ إقامة الصلة بين الحداثة والعدمية … بين التقنين الحكومي والشمولية، بين نقد نفقات التسلح والإذعان للشيوعية، بين تحرير النساء أو حقوق ذوي الجنسية المثلية وبين تدمير العائلة … بين اليسار عمومًا وبين الإرهاب، والعداء للسامية، والفاشية.٢
وفي ألمانيا أيضًا تردَّدَت بصخبٍ هذه المقاربة الموجَّهة إلى المشاعر ad hominem ومرارة هذه الاتهامات الثقافية. ولا يجب تفسيرها في علاقتها بسيكولوجية الكُتاب المحافظين الجدد؛ بل إنها، بالأحرى، تجد جذورها في أوجه الضعف التحليلية للمذهب المحافظ الجديد ذاته.

فنزعة المحافظة الجديدة تحمِّل الحداثة الثقافية الأعباء المزعجة لتحديثٍ رأسمالي ناجح بدرجة أو بأخرى للاقتصاد والمجتمع. ويطمس المذهب المحافظ الجديد العلاقة بين العملية المرغوبة للتحديث المجتمعي من جهة، وبين التطور الثقافي المؤسف من جهةٍ أخرى. والشخص المحافظ الجديد لا يكشف الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للمواقف المتغيرة إزاء العمل، والاستهلاك، والتحقق والفراغ؛ وبالتالي، فإنه ينسب كل ما يلي — اللذِّية، والافتقار إلى التماهي الاجتماعي، والافتقار إلى الطاعة والنرجسية والانسحاب من التنافس على المكانة والتحقق — إلى مجال «الثقافة». إلا أن الثقافة، في الحقيقة، لا تتدخل في خلق كل هذه المشكلات إلا على نحوٍ غير مباشر جدًّا وعن طريق وسائط.

في وجهة النظر المحافظة الجديدة؛ من ثَم، يجري تقديم أولئك المثقفين الذين ما زالوا يشعرون بالالتزام بمشروع الحداثة على أنهم يحتلون مكان تلك الأسباب التي لا تخضع للتحليل. والمزاج الذي يغذِّي نزعة المحافظة الجديدة اليوم لا ينبع بحالٍ من أوجه الاستياء إزاء العواقب المتناقضة لثقافةٍ تنطلق من المتاحف إلى تيار الحياة العادية؛ فلم يخرج المثقفون الحداثيون أوجه الاستياء هذه إلى الحياة؛ فهي ترجع إلى ردود أفعالٍ عميقة الجذور ضد عملية التحديث المجتمعي؛ فتحت ضغوط ديناميات النمو الاقتصادي والإنجازات التنظيمية للدولة، يتغلغل هذا التحديث الاجتماعي أعمق فأعمق في الأشكال السابقة للوجود الإنساني. وسوف أَصِف هذا الإخضاع لعوالم الحياة لمتطلبات النظام بأنه أمرٌ يتعلق بإيقاع الاضطراب في البنية التحتية التواصلية للحياة اليومية.

ومن ثم، فإن الاحتجاجات الشعبوية-الجديدة، مثلًا، لا تفعل سوى أن تعبِّر بصورةٍ حادة عن خوفٍ واسع الانتشار إزاء تدمير البيئة الحضرية والطبيعية وأشكال المودة الاجتماعية الإنسانية. وثمَّة مفارقةٌ معيَّنة بالنسبة لهذه الاحتجاجات في علاقتها بنزعة المحافظة الجديدة؛ فمهام نقل تقاليدَ ثقافية، والتكامل الاجتماعي وإضفاء الطابع الاجتماعي تتطلب التمسُّك بمعيار عقلانية تواصلية. ومناسبات الاحتجاج والاستياء تنشأ بالضبط حين تكون مجالات الفعل التواصُلي، المتمحورة حول إعادة إنتاج ونقل القيم والمعايير، حين تكون قد تغلغل فيها شكلٌ من التحديث يسترشد بمعايير وعقلانية اقتصادية وإدارية؛ رغم أن تلك المجالات ذاتها تعتمد على معايير عقلنة مختلفة تمامًا — على معايير ما سأسمِّيه العقلانية التواصلية. لكن المذاهب المحافظة الجديدة تحوِّل الانتباه على وجه الدقة بعيدًا عن تلك العمليات المجتمعية؛ إنها تسقط الأسباب، التي لا تسلط عليها الضوء، إلى مستوى ثقافةٍ تخريبية والمدافعين عنها.

ومن المؤكَّد أن الحداثة الثقافية تولِّد شكوكها الخاصة كذلك؛ إذ بصورةٍ مستقلة عن عواقب التحديث المجتمعي، ومن داخل منظور التطور الثقافي ذاته، تنبع دوافع للشك في مشروع الحداثة، وبعد أن تناولتُ نوعًا واهنًا من النقد للحداثة — هو نوع نزعة المحافظة الجديدة — فلأنقل الآن مناقشتنا للحداثة ولأوجه الاستياء منها إلى مجالٍ مختلف يمسُّ شكوك الحداثة الثقافية هذه، وهي موضوعات لا تقوم في العادة إلا بدور الذريعة لتلك المواقف (التي إما أن تطالب بما بعد حداثة، أو توصي بالعودة إلى شكلٍ من أشكال ما قبل الحداثة، أو … تطوِّح بالحداثة بعيدًا على نحوٍ جذري).

مشروع التنوير

ترتبط فكرة الحداثة ارتباطًا وثيقًا بتطور الفن الأوروبي؛ لكن ما أسميه «مشروع الحداثة» لا يحتل موضع البؤرة إلا حين نستغني عن التركيز المألوف على الفن. ولأبدأ تحليلًا مختلفًا باستحضار فكرة من ماكس فيبر Max Weber؛ فقد وصف الحداثة الثقافية على أنها انفصال العقل الجوهري الذي يجد تعبيرًا عنه في الدين والميتافيزيقا إلى ثلاثة مجالات مستقلة. وهذه هي: العلم، والأخلاق، والفن. وقد أصبحَت متمايزة لأن المفاهيم الموحَّدة عن العالم في الدين والميتافيزيقا قد تحطمَت. ومنذ القرن الثامن عشر، أصبح بالإمكان إعادة ترتيب المشكلات الموروثة عن هذه الرؤى الأقدم للعالم بحيث تندرج تحت جوانب نوعية من الصلاحية؛ الصدق، والصحة المعيارية، والأصالة، والجمال. عندئذٍ يمكن تناولها باعتبارها مسائل معرفة، أو عدل وأخلاق، أو ذوق؛ وبالتالي فإن الخطاب العلمي، ونظريات الأخلاق، وفلسفة التشريع، وإنتاج ونقد الفن، أصبح من الممكن تحويلها، بدَورها، إلى مؤسسات. أصبح من الممكن جعل كل مجالٍ من مجالات الثقافة مناظرًا لمهنٍ ثقافية، يمكن فيها التعامل مع المشكلات على أنها من اختصاص أخصائيين معيَّنين. هذا التناول المصطبغ بالطابع المهني للتقاليد الثقافية يضع في مكان الصدارة البنيات الكامنة لكل واحد من الأبعاد الثلاثة للثقافة. هنا تظهر بنيات العقلانية الإدراكية-الأداتية، والأخلاقية-العملية، والجمالية-التعبيرية، وكل واحدٍ منها تحت سيطرة أخصائيين يبدون أكثر مهارة في أن يكونوا منطقيين بهذه الطرق الخاصة أكثر من سواهم من الناس. ونتيجة لذلك، اتسعَت المسافة بين ثقافة الاختصاصيين وثقافة الجمهور العريض. وما يتراكم في الثقافة من خلال المعالجة والتأمل المتخصصين لا يصبح على الفور وبالضرورة ملكية تخص الممارسة اليومية. ومع العقلنة الثقافية من هذا النوع، يتزايد خطر أن عالم الحياة، الذي جرى بالفعل التقليل من قيمة جوهره التقليدي، سيتزايد فقرًا أكثر فأكثر.
كان مشروع الحداثة الذي صيغ في القرن الثامن عشر بواسطة فلاسفة التنوير يتمثل في جهودهم لتطوير علمٍ موضوعي، وأخلاق وقانون كليَّين، وفنٍّ مستقل طبقًا لمنطقهم الداخلي. وفي نفس الوقت اعتزم هذا المشروع إطلاق الطاقات الإدراكية لكل واحدٍ من هذه المجالات لتحريرها من أشكالها السرية esoteric.٣ أراد فلاسفة التنوير استخدام هذا التراكم للثقافة المتخصصة من أجل إثراء الحياة اليومية؛ أي، من أجل التنظيم العقلاني للحياة الاجتماعية اليومية.
كان ما زال لدى مفكِّرة التنوير المتمتعين بتركيبةٍ عقلية على غرار كوندورسيه Condorcet توقعٌ مغالًى فيه بأن الفنون والعلوم لن تطوِّر فحسب السيطرة على القوى الطبيعية، بل ستعمِّق كذلك فهم العالم وفهم الذات، ستطوِّر التقدم الأخلاقي، وعدالة المؤسسات، وحتى سعادة الكائنات البشرية. وقد حطَّم القرن العشرون هذا التفاؤل فقد صار التمايز بين العلم، والأخلاق، والفن يعني استقلال الشذرات التي يتناولها الأخصائي وفي نفس الوقت يعني تركها تنفصل بعيدًا عن تأويل التواصل اليومي. وهذا الانفصال هو المشكلة التي نشأَت عنها تلك الجهود ﻟ «نفي» ثقافة الخبراء. لكن المشكلة لن تنتهي؛ فهل يجب أن نحاول التمسك بمقاصد التنوير، مهما كانت واهنة، أم يجب أن تعلن أن مجمل مشروع الحداثة هو قضيةٌ خاسرة؟ أودُّ الآن أن أعود إلى مشكلة الثقافة الفنية، بعد أن شرحت، تاريخيًّا، لماذا نجد أن تلك الحداثة الجمالية هي مجرد جزء من الحداثة الثقافية بوجهٍ عام.

(٣) البرامج الزائفة لنفي الثقافة

مع المبالغة الشديدة في التبسيط، يمكنني القول بأن المرء يمكنه أن يلاحظ في تاريخ الفن الحديث اتجاهًا نحو الاستقلال المتزايد باطِّراد في تعريف وممارسة الفن؛ فقد تأسَّسَت مقولة «الجمال» وحقل الأشياء الجميلة لأول مرة خلال النهضة. وخلال القرن الثامن عشر اكتسب الأدب، والفنون الجميلة، والموسيقى الطابع المؤسَّسي كنشاطاتٍ مستقلة عن الحياة المقدَّسة وعن حياة البلاط. وأخيرًا، حوالي منتصف القرن التاسع عشر، ظهر مفهومٌ جمالي النزعة للفن، شجَّع الفنان على إنتاج عمله طبقًا للوعي المختلف للفن من أجل الفن. عندها صار ممكنًا لاستقلال المجال الجمالي أن يصبح مشروعًا متعمدًا؛ إذ أصبح باستطاعة الفنان الموهوب أن يضفي تعبيرًا أصيلًا على تلك الخبرات التي صادفها في سعيه للالتقاء بذاتيته الخاصة المُزاحة عن المركز، منفصلًا عن ضغوط الإدراك الروتيني والفعل اليومي.

في منتصف القرن التاسع عشر، بدأَت في فن التصوير وفي الأدب حركة يجدها أوكتابيو بات موجودةً فعلًا بصورة مصغَّرة في النقد الفني لدى بودلير؛ فقد كفَّت الخطوط، واللون، والأصوات والحركة عن أن تخدم أساسًا قضية التمثيل representation؛ وصارت وسائط التعبير وتقنيات الإنتاج هي نفسها الموضوع الجمالي؛ ومن ثم، استطاع تيودور أدورنو Theodor W. Adorno أن يستهل عمله النظرية الجمالية Aesthetic Theory بالعبارة التالية: «من المسلَّم به الآن أنه لم يعُد ممكنًا لأي شيءٍ يخصُّ الفن أن يُؤخذ على أنه أمرٌ مسلَّم به؛ لا الفن نفسه ولا الفن في علاقته بالمجموع، ولا حتى حق الفن في الوجود». وهذا ما أنكرَته السوريالية؛ حق الوجود للفن بوصفه فنًّا das Existenzrecht der Kunst als Kunst. ومن المؤكَّد أن السوريالية ما كانت لتتحدَّى حق الفن في الوجود ما لم يكن الفن الحديث قد كَفَّ عن تقديم وعدٍ بالسعادة يخصُّ علاقته «بمجموع» الحياة. وبالنسبة لشيلر Schiller، كان الحدس الجمالي هو الذي يقدِّم ذلك الوعد لكنه لا يحقِّقه. وعمل شيلر خطابات في التربية الجمالية للإنسان Letters on Aesthetic education of Man يحدِّثنا عن يوتوبيا أبعد مدًى من الفن ذاته. لكن مع حلول زمن بودلير، الذي كرَّر هذا الوعد بالسعادة Promesse de bonheur، من خلال الفن، كانت يوتوبيا المصالحة مع المجتمع قد أصبحَت فاسدة. وظهرَت إلى الوجود علاقة أضداد؛ أصبح الفن مرآة نقدية، تبيِّن الطبيعة غير القابلة للتوفيق للجمالي وللعالم الاجتماعي. وكان هذا التحول الحداثي يتحقَّق على نحوٍ أكثر إيلامًا بقَدْر ما كان الفن يستلبُ نفسه من الحياة وينسحب إلى داخل انعزالية untouchableness الاستقلال التام. من تلك التيارات الوجدانية تجمَّعَت في النهاية تلك الطاقات المتفجِّرة التي أفرغَت نفسها في المحاولة السوريالية لنسف مجال الاكتفاء الذاتي للفن، ولفرض مصالحة بين الفن والحياة.
لكن كل تلك المحاولات لوضع الفن والحياة، الاختلاق Fiction والممارسة، المظهر والواقع على مستوًى واحد؛ محاولات إزالة التمايز بين العمل الفني وموضوع الاستخدام، بين الإخراج الواعي والانفعال العفْوي؛ محاولات إعلان أن كل شيء فن وأن كل فرد فنان، إنكار كل معيار ومساواة الحكم الجمالي بالتعبير عن التجارب الذاتية — كل هذه المشروعات أثبتَت أنها نوعُ من التجارب الهرائية؛ فقد أفادت هذه التجارب في أن تعيد إلى الحياة، وأن تضيء على نحوٍ أكثر بريقًا، بنيات الفن تلك التي استهدفَت أن تحلَّها بالضبط؛ فقد منحَت مشروعية جديدة، كغاية في ذاتها، للمظهر كوسيط للاختلاق Fiction، لتعالي العمل الفني فوق المجتمع، للطابع المركَّز والمخطَّط للإنتاج الفني وكذلك المنزلة الإدراكية الخاصة لأحكام الذوق. انتهت المحاولة الراديكالية لنفي الفن بإيلاء الاهتمام، على نحوٍ ينطوي على مفارقة، لنفس تلك المقولات التي حددَت جماليات التنوير من خلالها حدود مجال موضوعها. شنَّ السورياليون أشد الحروب تطرفًا، لكنَّ خطأَين بالأخص دمَّرا تمرُّدهم. أولًا، حين تتحطم أوعية حقلٍ ثقافي متطور بصورةٍ مستقلة، فإن المحتويات تتبعثر. ولا شيء يتبقَّى من معنًى منزوع-التسامي أو من شكل مهدوم-البنية؛ لا يعقب ذلك تأثيرٌ انعتاقي.

أما خطؤهم الثاني فله عواقبُ أهم. في التواصل اليومي، لا بد للمعاني الإدراكية، والتوقعات الأخلاقية، والتعبيرات والتقييمات الذاتية أن ترتبط ببعضها. فعمليات التواصل تحتاج إلى تقاليد ثقافية تغطى كل المجالات — الإدراكي والأخلاقي-العملي والتعبيري؛ ومن ثم، لا يمكن انقاذ حياةٍ يومية معقلَنة من الإفقار الثقافي من خلال فتح مجالٍ ثقافي واحد عنوة — هو الفن — وإتاحة الوصول بذلك إلى واحدٍ فقط من مركبات المعرفة التخصصية. ما كان للتمرد السوريالي سوى أن يستبدل تجريدًا واحدًا.

وفي مجال المعرفة النظرية والأخلاق كذلك، ثمَّة محاولاتٌ موازية لهذه المحاولة الفاشلة لما يمكن أن نسمِّيه النفي الزائف للثقافة. لكنها محاولاتٌ أقل بروزًا؛ فمنذ أيام الهيجليين الشباب، جرى الحديث عن نفي الفلسفة. ومنذ ماركس، طُرحَت مسألة العلاقة بين النظرية والممارسة. ورغم ذلك، انضم المثقفون الماركسيون إلى حركةٍ اجتماعية؛ وعلى أطرافها فقط، كانت هناك محاولاتٌ طائفية لتنفيذ برنامج لنفي الفلسفة مماثل للبرنامج السوريالي لنفي الفن. ويتضح في هذه البرامج شيءٌ موازٍ للأخطاء السوريالية حين يلاحظ المرء عواقب الدوجمائية والصرامة الأخلاقية.

لا يمكن شفاء ممارسةٍ يومية متشيئة إلا بخلق تفاعلٍ غير مقيد بين العناصر الإدراكية والأخلاقية — العملية والجمالية — التعبيرية. ولا يمكن التغلب على التشيؤ بإجبار واحدٍ فقط من تلك المجالات الثقافية ذات الطابع الأسلوبي الراقي على أن ينفتح ويصبح أقرب متناولًا. وبدلًا من ذلك، فإننا نرى، في ظروفٍ معيَّنة، أن علاقة تنشأ بين النشاطات الإرهابية وبين التوسع المفرِط لأي واحد من هذه المجالات إلى ميادينَ أخرى؛ والأمثلة على ذلك هي الميول لإضفاء الطابع الجمالي على السياسة، أو استبدال السياسية بالصرامة الأخلاقية، أو إخضاعها لدوجمائية مذهب. إلا أن هذه الظواهر لا يجب أن تقودنا إلى شجب نوايا تقاليد التنوير الباقية بوصفها نوايا تجد جذورها في «عقل إرهابي». وأولئك الذين يضعون في كومةٍ واحدة نفسَ مشروع الحداثة مع حالة الوعي والفعل المثير للإرهابي الفرد لا يقلُّون في قِصر نظرهم عن أولئك الذين يزعمون أن الإرهاب البيروقراطي الأكثر مثابرة واتساعًا بما لا يُقارن، والذي يُمارس في الظلام، في أقبية الشرطة العسكرية والسرية، وفي المعسكرات والمؤسسات، هو مبرِّر وجود الدولة الحديثة، وذلك لمجرد أن هذا النوع من الإرهاب الإداري يستفيد من وسائل القسر لدى البيروقراطيات الحديثة.

البدائل

أعتقد أننا، بدلًا من التخلي عن الحداثة ومشروعها باعتبارها قضيةً خاسرة، يجب أن نتعلم من أخطاء تلك البرامج المغالية التي حاولَت نفي الحداثة. وربما قدَّمَت أنماط تلقِّي الفن مثالًا يشير على الأقل إلى اتجاه مخرج.

يتوقع الفن البورجوازي من جمهوره توقعَين في آنٍ واحد؛ فمن جهة، يجب على الإنسان العادي الذي يتمتع بالفن أن يثقِّف نفسه لكي يصبح اختصاصيًّا. ومن جهةٍ ثانية، يجب عليه كذلك أن يتصرَّف كمستهلكٍ كفء يستخدم الفن، ويربط الخبرة الجمالية بمشكلاته الحياتية. هذه الطريقة الثانية، التي لا ضرر منها في الظاهر، لخوض الخبرة الفنية قد فقدَت تضميناتها الراديكالية، وذلك بالضبط لأن لها علاقةً مرتبكة بموقف كون المرء أخصائيًّا ومهنيًّا.

ومن المؤكَّد أن الإنتاج الفني سيذبل إذا لم يتم تنفيذه في شكل معالجةٍ متخصِّصة لمشكلاتٍ مستقلة، وإذا كفَّ عن أن يكون اهتمامًا للخبراء الذين لا يُعيرون كبير التفاتٍ إلى المسائل السرية esoteric. ومن هنا يقبل كلٌّ من الفنانين والنقاد حقيقة أن تلك المشكلات تقع تحت سحر ما أسميتُه آنفًا «المنطق الداخلي» لمجالٍ ثقافي. لكن هذا التحديد القاطع، هذا التركيز الحصري على جانبٍ واحد من جوانب الصلاحية، واستبعاد جوانب الصدق والعدالة، يتحطم فور أن تدخل الخبرة الجمالية إلى تاريخ حياة فردي ويجري امتصاصها داخل الحياة العادية؛ إذ يمضي تلقِّي الفن بواسطة الإنسان العادي، أو بواسطة «الأخصائي اليومي»، في اتجاهٍ مختلف عن تلقِّي الفن بواسطة الناقد المهني.
وقد لفت آلبريشت فيلمر Albrecht Wellmer انتباهي إلى طريقة يمكن بها لخبرةٍ جمالية لا تكون مؤطَّرة حول أحكام الذوق النقدية للأخصائي أن تغيِّر دلالتها؛ ففور أن تستخدم خبرة من هذا القبيل لإضاءة موقف حياةٍ تاريخي وترتبط بمشكلات الحياة، فإنها تدخل في لعبة لغة لا تعود هي لعبة الناقد الجمالي. عندها لا تجدِّد الخبرة الجمالية فحسب تفسير احتياجاتنا التي ندرك العالم على ضوئها. بل إنها كذلك تتخلل دلالاتنا الإدراكية وتوقعاتنا المعيارية وتغيِّر الطريقة التي تحيل بها كل هذه اللحظات إلى بعضها. ولأُعطِ مثالًا على هذه العملية.
هذه الطريقة للتلقِّي والارتباط بالفن نجدها مقترَحة في المجلد الأول من جماليات المقاومة Aesthetics of Resistance بقلم الكاتب الألماني-السويدي بيتر فايس Peter Weiss. يصف فايس عملية إعادة تملُّك الفن عن طريق تقديم مجموعة عمالٍ مدفوعة سياسيًّا، ومتعطشة إلى المعرفة في برلين عام ۱۹۳۷م. كان هؤلاء شبانًا اكتسبوا، من خلال تعليمٍ مسائيٍّ عالٍ، الوسائل الذهنية لسبر غَور التاريخ العام والاجتماعي للفن الأوروبي. وابتداء من الصرح المرن للعقل الموضوعي، المتجسِّد في الأعمال الفنية التي كانوا يرَونها المرة تلو المرة في متاحف برلين، بدَءوا في نقل شرائح الأحجار، التي جمعوها معًا ورتَّبوها في سياق بيئتهم المحيطة. وكانت هذه البيئة بعيدة جدًّا عن بيئة التعليم التقليدي وكذلك عن النظام القائم حينئذٍ. انتقل هؤلاء العمال الشبان جيئةً وذهوبًا بين صرح الفن الأوروبي وبين بيئتهم المحيطة حتى استطاعوا أن يضيئوا كلَيهما.
في أمثلة مثل هذا توضِّح إعادة تملُّك ثقافة الاخصائي من وجهة نظر عالم الحياة، يمكننا أن نتبين عنصرًا يُنصف مقاصد التمردات السوريالية اليائسة، وربما ينصف بدرجة أكبر اهتمامات بريخت وبنيامين بالكيفية التي ما زال ممكنًا بها تلقِّي الأعمال الفنية، التي فقدَت هالتها aura، بطرقٍ مضيئة. والنتيجة، أن مشروع الحداثة لم يتحقق بعدُ. وتلقِّي الفن ليس إلا جانبًا واحدًا من ثلاثة من جوانبه على الأقل. ويستهدف المشروع إعادة ربطٍ مختلفة للثقافة الحديثة بممارسة يومية ما زالت تعتمد على ميراثات حية لكنها ستعاني من الافقار إذا استندت إلى النزعة التقليدية وحدها. لكن هذا الارتباط الجديد لا يمكن إقامته إلا في ظل شرط أن يكون التحديث المجتمعي موجهًا هو أيضًا في اتجاهٍ مختلف. يجب أن يكون عالم الحياة قادرًا على أن يطوِّر من داخله مؤسساتٍ تضع حدودًا للديناميات الداخلية والدوافع الخاصة بنظامٍ اقتصادي يكاد يكون مستقلًّا وبملحقاته الإدارية.

وما لم أكن مخطئًا، فإن فرص ذلك اليوم ليست طيبة؛ ففي كل العالم الغربي تقريبًا، تطوَّر مناخ يحفِّز عمليات التحديث الرأسمالي وكذلك الاتجاهات التي تنتقد الحداثة الثقافية. أما خيبة الأمل إزاء نفس إخفاقات تلك البرامج التي دعت إلى نفي الفن والفلسفة فقد أصبحَت ذريعة للمواقف المحافظة. ولأميِّز بإيجازٍ بين مناهضة الحداثة لدى المحافظين الشباب وبين ما بعد حداثة المحافظين الجدد.

يلخِّص المحافظون الشباب الخبرة الأساسية للحداثة الجمالية؛ فهم ينسبون لأنفسهم إلهاماتٍ ذاتية مُزاحة عن المركز، منعتقة من دوافع العمل والفائدة، وبهذه الخبرة يخطون خارج العالم الحديث. على أساس مواقفَ حداثية، يبرِّرون نزعة عداء للحداثة لا تقبل المصالحة. إنهم يزيحون إلى مجال ما هو ناءٍ وعتيق، القوى العفوية للخيال، وللخبرة الذاتية، وللوجدانية. ويعارضون العقل الأداتي، على نحوٍ مانوي، بمبدأ لا يمكن بلوغه سوى عن طريق الاستحضار، سواء أكان إرادة القوة أو السيادة، أو الوجود، أو القوة الديونيسية لما هو شعري. وفي فرنسا يقود هذا الخط من باتاي Bataille عبْر فوكوه Foucault إلى ديريدا Derrida.
أمَّا المحافظون القدامى فلا يسمحون لأنفسهم بأن تلوِّثهم الحداثة الثقافية. إنهم يراقبون بحزنٍ تدهور العقل الجوهري، والتمايز بين العلم، والأخلاق، والفن، ورؤية العالم الحديثة وعقلانيتها الإجرائية تمامًا ويوصون بالانسحاب إلى موقفٍ سابق على الحداثة.
وتتمتع الأرسطية-الجديدة، خصوصًا، بنجاحٍ معيَّن اليوم. ونظرًا لإشكالية الإيكولوجيا، فإنها تسمح لنفسها بالدعوة إلى أخلاقٍ كوزمولوجية [كونية]. ويمكن للمرء أن يعدِّد، مثلًا، الأعمال المثيرة للاهتمام لهانز يوناس Hans Jonas وروبرت شبايمان Robert Spaemann على أنها تنتمي لهذه المدرسة، التي نشأَت مع ليو شتراوس Leo Strauss
وأخيرًا، فإن المحافظين-الجدد يرحِّبون بتطور العلم الحديث ما دام تعدَّى مجاله ليدفع إلى الأمام التقدم التقني، والنمو الرأسمالي والإدارة القومية. وفضلًا عن ذلك، يُوصون بسياسة نزع فتيل المحتوى المتفجر للحداثة الثقافية. وطبقًا لإحدى الأطروحات، فإن العلم، حين يُفهم على نحوٍ صحيح، قد أصبح، بطريقة لا رجعة فيها، غير ذي معنًى بالنسبة لتوجيه عالم الحياة. وثمَّة أطروحةٌ أخرى هي أنه يجب إبقاء السياسة أبعد ما يمكن عن متطلَّبات التبرير الأخلاقي-العملي. وهناك أطروحةٌ ثالثة تؤكد على المحايثة الخالصة للفن، وتجادل في أن له محتوًى طوباويًّا، وتشير إلى طابعه الوهمي لكي تحدِّد الخبرة الجمالية داخل حدود الخصوصية. ويمكن للمرء أن يورد هنا اسماء فتجنشتين Wittgenstein المبكِّر، وكارل شميت Carl Schmitt في مرحلته الوسطى، وجوتفريد بن Gottfried Benn في مرحلته المتأخِّرة. لكن مع التحدُّد القاطع للعلم، والأخلاق، والفن في مجالاتٍ مستقلة منفصلة عن عالم الحياة ويديرها الأخصائيون، فإن ما يتبقَّى من مشروع الحداثة الثقافية هو فقط ما يمكن أن يكون لدينا إذا تخلَّينا تمامًا عن مشروع الحداثة برُمَّته. وكبديل لذلك يشير المرء إلى التقاليد، التي تُعتبر، رغم ذلك، ذات مناعة تجاه مطالب التبرير والتقييم (المعياريَّين).
بالطبع، فإن هذه الدراسة التصنيفية، مثل أي واحدةٍ أخرى، هي تبسيط؛ لكن قد تكون لها بعض الفائدة في تحليل المواجهات الثقافية والسياسية المعاصرة. وأخشى أن أفكار معاداة الحداثة، مع لمسةٍ إضافية مما قبل الحداثة، أخذَت تصبح رائجة في أوساط الثقافة البديلة. وحين يراقب المرء تحولات الوعي داخل الأحزاب السياسية في ألمانيا، يبرز للعيان انعطافٌ أيديولوجي جديد (Tendenzwende). هو تحالف ما بعد الحداثيين مع ما قبل الحداثيين. ويبدو لي أنه ما من حزبٍ يحتكر بوجهٍ خاص إساءة استخدام المثقَّفين وموقف النزعة المحافظة الجديدة. ومن هنا، فإن لديَّ سببًا وجيهًا للامتنان للروح الليبرالية التي قدمَت لي بها مدينة فرنكفورت جائزةً تحمل اسم تيودور أدورنو. أدورنو، أحد أعظم أبناء هذه المدينة دلالة، الذي بوصفه فيلسوفًا وكاتبًا طبع صورة المثقَّف في بلادنا بطريقةٍ لاتُضاهَى؛ وأكثر من ذلك، أصبح نفس الصورة التي يسعى المثقف لمحاكاتها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦