الوضع ما بعد الحداثي

جان فرنسوا ليوتار
أعرف ما بعد الحداثي بأنه التشكك إزاء الميتا-حكايات metanarratives. هذا التشكك هو بلا شك نتاج التقدم في العلوم، لكن هذا التقدم بدوره يفترضه سلفًا. وأبرز ما يناظر قدم جهاز إضفاء المشروعية الميتا-حكائي، هو أزمة الفلسفة الميتافيزيقية ومؤسسة الجامعة التي كانت تعتمد عليها في الماضي. إن الوظيفة الحكائية تفقد مؤديها، وبطلها العظيم، ومخاطرها العظيمة ورحلاتها العظيمة، وهدفها العظيم. إنها تتبعثر في سحبٍ من عناصر اللغة الحكائية — عناصر حكائية، لكن أيضًا إشارية، وتقعيدية Prescriptive، ووصفية، وما إلى ذلك. وتحمل كل سحابة في داخلها تكافؤات Valencies براجماتية خاصة بنوعها. وكل واحدٍ منا يحيا عند تقاطع عددٍ كبير منها. لكننا لا نقيم بالضرورة تراكيب لغوية مستقرة، وخصائص تلك التي نقيمها ليست قابلة للتوصيل بالضرورة.
من هنا فإن مجتمع المستقبل لا يندرج داخل مجال الأنثروبولوجيا النيوتنية١ (من قبيل البنيوية أو نظرية الأنساق) بقَدْر ما يندرج داخل براجماتية pragmatics لجزئيات اللغة. وثمَّة العديد من ألعاب اللغة المختلفة — تنافر للعناصر، وهي لا تتسبب في ظهور المؤسسات إلا في بقع — حتمية موضعية.
إلا أن صانعي القرار يحاولون إدارة سحب النشاطية الاجتماعية Sociality وفقًا لمصفوفات المدخل/المخرج input/output، متبعين منطقًا يتضمن أن عناصرها قابلة للقياس، وأن المجموع قابل للتحديد. إنهم يخصصون حيواتنا من أجل نمو السلطة. وسواء في أمور العدالة الاجتماعية أو الصدق العلمي، فإن مشروعية تلك السلطة تقوم على أساس جعل أداء النظام أداءً أمثل-كفاءة. وتطبيق هذا المعيار على كل ألعابنا يستتبعه بالضرورة مستوًى معيَّن من الإرهاب، سواء إرهاب ناعم أو إرهاب صلب؛ كن جاهزًا للعمل (أي، قابلًا للقياس) أو اختفِ.

ولا ريب أن منطق أقصى أداء هو منطقٌ متهافت من نواحٍ عديدة، خصوصًا بالنسبة للتناقض في المجال الاجتماعي-الاقتصادي؛ إذ يتطلب عملًا أقل (لتخفيض نفقات الإنتاج) وكذلك عملًا أكثر (لتقليل العبء الاجتماعي للسكان العاطلين). لكن تشككنا بلغ الآن حدًّا يجعلنا لا نعود نتوقع أن ينشأ الخلاص من تلك التهافتات، كما فعل ماركس.

إلا أن الوضع ما بعد الحداثي غريب عن التخلص من الأوهام قَدْر غربته عن الوضعية العمياء لنزع المشروعية، فأين يمكن، بعد الميتا-حكايات، أن تستقر المشروعية؟ إن معيار التشغيل هو معيارٌ تكنولوجي، وليس له علاقة للحكم على ما هو صادق أو عادل. هل تكمُن المشروعية في الحصول على الإجماع من خلال النقاش، كما يعتقد يورجن هابرماس Jürgen Habermas؟ إن مثل هذا الإجماع يُوقع العنف بتنافر ألعاب اللغة. ودائمًا ما يُولد الابتكار من الانشقاق. وليست المعرفة ما بعد الحداثية مجرد أداة للسلطات؛ فإنها تشحذ حساسيتنا للاختلافات وتدعم قدرتنا على تحمُّل ما لا يقبل القياس incommensurable ومبدؤها ليس التماثل الذي يخص الخبير بل الخطاب الهامشي paralogy الذي يخصُّه المبتكر.

في المجتمع والثقافة المعاصرين — مجتمع ما بعد صناعي، وثقافة ما بعد حداثية — يُصاغ سؤال مشروعية المعرفة بمفرداتٍ مختلفة؛ فقد فقدَت الحكاية الكبرى مصداقيتها، بصرف النظر عن نمط التوحيد الذي تستخدمه، وبصرفِ النظر عما إذا كانت حكايةً تأملية أم حكاية انعتاق.

ويمكن اعتبار أفول الحكاية على أنه أحد آثار ازدهار التقنيات والتكنولوجيات منذ الحرب العالمية الثانية، التي حوَّلَت التركيز من غايات الفعل إلى وسائله؛ كما يمكن اعتباره أحد آثار إعادة نشر الرأسمالية الليبرالية المتقدمة بعد تراجعها تحت حماية الكينزية خلال الفترة ١٩٣٠–١٩٦٠م، وهو تجدُّد ألغى البديل الشيوعي ومنح قيمةً للتمتُّع الفردي بالسلع والخدمات.

ومهما بحثنا عن أسبابٍ على هذا النحو فسوف تكون خيبة الأمل من نصيبنا. وحتى لو تبنَّينا واحدًا أو آخر من هذه الافتراضات، فسوف يكون علينا أن نفصل الارتباط بين الميول المذكورة وبين أفول القوة الموحدة والمضفِية للمشروعية للحكايات الكبرى التأملية والانعتاقية.

ومن المفهوم، بالطبع، أن كلًّا من التجدد والرفاهية الرأسماليَّين والصعود المحيِّر للتكنولوجيا سيكون لهما تأثيرٌ على وضع المعرفة، لكن لكي نفهم كيف كان العلم المعاصر قابلًا لتلك التأثيرات قبل زمنٍ طويل من حدوثها، فلا بد لنا أن نحدِّد أولًا بذور «نزع المشروعية» والعدمية التي كانت كامنة في الحكايات الكبرى للقرن التاسع عشر.

في المحل الأول، يحافظ الجهاز التأملي على علاقةٍ ملتبسة بالمعرفة. إنه يبيِّن أن المعرفة لا تستحق ذلك الاسم إلا إلى المدى الذي تنسخ نفسها فيه» («ترفع نفسها»، hebt sich auf؛ تتسامى) بأن تورد مقولاتها في خطابٍ من المستوى-الثاني (تسمية ذاتية) Autonymie يعمل لكي يمنحها المشروعية. ويعادل هذا القول بأن الخطاب الإشاري denotative في حالته المباشرة، ذلك الخطاب الذي يستند على مرجع معين (كيان عضوي حي، أو خاصية كيميائية، أو ظاهرة فيزيائية أو ما إلى ذلك) لا يعرف فعلًا ما يظُن أنه يعرفه. العلم الوضعي ليس شكلًا من أشكال المعرفة. والتأمل يغتذي على كبته. هكذا تُضمر الحكاية التأملية الهيجلية تشككًا معيَّنًا تجاه التعلم الوضعي، كما يعترف هيجل نفسه.

إن العلم الذي لم يكسب نفسه المشروعية ليس علمًا حقيقيًّا؛ وإذا بدا أن الخطاب الذي كان المقصود منه إضفاء المشروعية عليه ينتمي إلى شكل قبل-علمي من المعرفة، مثل حكاية «مبتذلة»، عندها يتم تهبيطه إلى أدنى مرتبة، إلى مرتبة أيديولوجيا أو أداة سلطة. ويحدث هذا دائمًا إذا كانت قواعد لعبة العلم التي يشجبها الخطاب بوصفها إمبيريقية تطبَّق على العلم ذاته.

خذ مثلًا العبارة التأملية التالية: «إن عبارة «علمية» ما تُعد معرفة إذا، وفقط إذا، استطاعت أن تأخذ مكانها في عملية توليد شاملة» السؤال هو: هل هذه العبارة معرفة كما تعرف هي نفسها المعرفة؟ فقط إذا استطاعت أن تأخذ مكانها في عملية توليدٍ شاملة وهو أمرٌ تستطيعه؛ فكل ما عليها أن تفعله هو أن تفترض سلفًا أن مثل تلك العملية موجودة (حياة الروح) وأنها هي نفسها تعبيرٌ عن تلك العملية. وفي الحقيقة، فإن هذا الافتراض المسبق لا غنى عنه بالنسبة للعبة اللغة التأملية. وبدونه، لن تكون لغة إضفاء المشروعية مشروعة؛ وستصاحب العلم في السقوط من حالق إلى الهراء، على الأقل إذا صدَّقنا كلمة المثالية بهذا الشأن.

لكن هذا الافتراض المسبق يمكن كذلك فهمه بمعنًى مختلف تمامًا، معنًى يأخذنا في اتجاه الثقافة ما بعد الحداثية؛ يمكننا القول، تمشيًا مع المنظور الذي تبنيناه آنفًا، إن هذا الافتراض المسبق يحدد منظومة القواعد التي يجب أن يقبلها المرء لكي يلعب اللعبة التأملية. مثل هذا التقييم يفترض أولًا، أننا نقبل أن العلوم «الوضعية» تمثل النمط العام للمعرفة، وثانيًا، أننا نفهم أن هذه اللغة تتضمن افتراضاتٍ مسبقة شكلية وبديهية معنية يجب أن تجعلَها واضحة دائمًا. وهذا بالضبط هو ما يفعله نيتشه Nietzsche، ولو بمصطلحاتٍ مختلفة، حين يبين أن «العدمية الأوروبية» نتجت عن تحويل متطلبات صدق العلم ضد نفسها.

من هنا، إذن، تنشأ فكرة عن المنظور ليست بعيدة تمامًا، على الأقل في هذا الصدد، عن فكرة ألعاب اللغة؛ فما لدينا هنا هو عملية نزع مشروعية يغذِّيها نفس مطلب إضفاء المشروعية. إن «أزمة» المعرفة العلمية، التي ظلت الدلائل عليها تتراكم منذ نهاية القرن التاسع عشر، ليست وليدة انتشارٍ عشوائي للعلوم، هو نفسه أحد تأثيرات التقدم في التكنولوجيا وتوسع الرأسمالية، بل إنها تمثل تآكلًا داخليًّا لمبدأ المشروعية في المعرفة. ثمَّة تآكل يعمل داخل اللعبة التأملية، وعن طريق خلخلة نسيج الشبكة الموسوعية التي كان كل علم يجد مكانه فيها، فإنه يطلق بالتالي سراح هذه العلوم.

هكذا تطرح للتساؤل الخطوط الفاصلة الكلاسيكية بين مختلف حقول العلم — تختفي المذاهب، ويطرأ التداخل عند الحدود بين العلوم، وتُولد من هذا مناطق territories جديدة. تفسح مراتبية التعلم التأملية المجال لشبكة محايثة، و«مسطحة» من مجالات البحث، تكون الحدود فيما بينها في حالة سيولةٍ دائمة. تتشظى «الكليات الجامعية القديمة» إلى معاهد ومؤسسات من كل الأنواع، وتفقد الجامعات وظيفتها في إضفاء المشروعية التأملي. وإزاء تجريدها من مسئولية البحث (الذي خنقَته الحكاية التأملية) فإنها تكتفي بنقل ما يُعد معرفةً مستقرة، وتضمن من خلال التلقين استنساخ المعلمين وليس إنتاج الباحثين. وهذه هي الحالة التي يجدها عليها نيتشه ويُدينها.
أما إمكانية التآكل الكامنة في نهج إضفاء المشروعية الآخر، وهو جهاز الانعتاق المنبثق عن التنوير Aufklärung، فليست أقل اتساعًا من تلك التي تعمل داخل الخطاب التأملي. لكنها تمسُّ جانبًا مختلفًا؛ إذ إن خاصيتها المميزة تتمثل في أنها ترسي مشروعية العلم والصدق على أساس استقلال المحاورين المنخرطين في الممارسة الأخلاقية، والاجتماعية، والسياسية. وكما رأينا، فإن هناك مشكلاتٍ مباشرة في هذا الشكل من المشروعية؛ فالاختلاف بين عبارةٍ إشارية denotative ذات قيمة إدراكية وعبارة تقعيدية prescriptive ذات قيمة عملية هو اختلاف ارتباط، ومن ثم منافسة. وليس ثمَّة ما يثبت أنه إذا كانت عبارة تصف موقفًا واقعيًّا صادقة، فإنه ينتج من ذلك أن عبارة تقعيدية تقوم على أساسها (سيكون تأثيرها بالضرورة هو تعديل ذلك الواقع) ستكون عادلة.

خذ، على سبيل المثال، بابًا مغلقًا. بين «الباب مغلق» و«افتح الباب» ليس ثمَّة علاقة استنتاج كما تعرف في منطق القضايا؛ إذ تنتمي العبارتان إلى منظومتَين مستقلتَين من القواعد تعرفان نوعَين مختلفَين من الارتباط، وبالتالي من التنافس. هنا، فإن تأثير تقسيم العقل إلى عقلٍ إدراكي أو نظري من جهة، وعقلٍ عملي من جهةٍ أخرى، هو مهاجمة مشروعية خطاب العلم؛ ليس على نحوٍ مباشر بل بطريقةٍ غير مباشرة، بكشف أنه لعبة لغة لها قواعدها الخاصة (تقدم الشروط القبلية للمعرفة عند كانط لمحة أولى منها) وليس لديها مبرِّر خاص للإشراف على لعبة الممارسة (ولا لعبة الجماليات، بقَدْر ما يتعلق الأمر بها). هكذا تُوضع لعبة العلم على قدم المساواة مع الأخريات.

إذا تم تتبُّع «نزع المشروعية» هذا لأدنى درجة، وإذا جرى توسيع مداه (كما يفعل فتجنشتين Wittgenstein على طريقته، وكما يفعل على طريقتهم مفكِّرون مثل مارتين بوبر Martin Buber وإيمانويل ليفيناس Emmanuel Levinas) عندها يصبح الطريق مفتوحًا أمام تيارٍ هام مما بعد الحداثة؛ فالعلم يلعب لعبته الخاصة؛ وليس قادرًا على إضفاء المشروعية على ألعاب اللغة الأخرى؛ فلعبة التقعيد prescription، مثلًا، تفلِت منه. لكنه في المحل الأول، ليس قادرًا على إضفاء المشروعية على نفسه، كما افترض التأمل أنَّ بإمكانه أن يفعل.
ويبدو أن الذات الاجتماعية نفسها تذوب في هذا التناثر لألعاب اللغة. إن الرابطة الاجتماعية لغوية، لكنها ليست منسوجة بخيطٍ واحد. إنها نسيج يتكون من تداخل اثنتَين على الأقل (وفي الحقيقة، عدد غير محدد) من ألعاب اللغة، تخضعان لقواعدَ مختلفة. يكتب فتجنشتين قائلًا: «يمكن النظر إلى لغتنا على أنها مدينةٌ عتيقة، متاهة من الشوارع والميادين الصغيرة، من المنازل القديمة والجديدة، ومن منازل ذات إضافاتٍ من مختلف المراحل؛ ويحيط بهذا حشدٌ من الأحياء الجديدة بشوارعَ مستقيمة منتظمة ومنازلَ متجانسة.» ولكي يوضح أن مبدأ الكل المتجانس unitotality — أو المركب synthesis تحت سطوة ميتا-خطاب٢ معرفي — غير قابل للتطبيق فإنه يخضع «بلدة» اللغة لتناقض القياس المركب [المتسلسل] القديم Sorites paradox وذلك بأن يسأل: «كم منزلًا أو شارعًا يتطلب الأمر قبل أن تبدأ البلدة في أن تكون بلدة»؟
وتُضاف لغاتٌ جديدة إلى اللغات القديمة، مكونة ضواحي للبلدة القديمة: «رمزية الكيمياء وتدوين notation حساب التفاضل المتناهي الصغر». وبعد خمسٍ وثلاثين سنة يمكننا أن نضيف إلى القائمة: لغات الآلات، ومصفوفات نظرية اللعب، والنظم الجديدة للتدوين الموسيقي، ونظم التدوين للأشكال غير الإشارية للمنطق (المنطق الزمني، منطق الواجبات deontic، المنطق الشرطي modal)، ولغة الشفرة الوراثية، والخطوط البيانية للبنيات الفونولوجية … إلى آخره.

وقد يتشكل لدينا انطباعٌ متشائم عن هذا التشظي؛ فلا أحد يتحدث كل تلك اللغات، وليست لها ميتا-لغة عامة، ومشروع النظام-الذات فاشل وهدف الانعتاق ليس له علاقة بالعلم، وجميعنا منغرسون في وضعية هذا المذهب للتعلم أو ذاك، والدارسون العارفون قد تحولوا إلى علماء، وقد أصبحَت مهام البحث المنكمشة مقسمة إلى تخصُّصاتٍ صغيرة ولا يمكن لأحد أن يجيدها جميعًا. والفلسفة التأملية أو الإنسانية النزعة مجبَرة على التنازل عن واجبات إضفاء المشروعية، مما يفسر لماذا تواجه الفلسفة أزمة حيثما أصرَّت على انتحال تلك الوظائف وتختزل إلى دراسة أنساق المنطق أو تاريخ الأفكار حيث تكون من الواقعية بما يكفي للتخلي عنها.

وقد فُطمَت فيِنَّا على هذا التشاؤم؛ ليس فقط الفنانون من أمثال موزيل Musil، وكراوس Kraus، وهوفمانشتال Hofmannsthal، ولوز Loos، وشونبرج Schönberg، وبروخ Broch، بل كذلك الفيلسوفان ماخ Mach وفتجنشتين Wittgenstein. وقد حملوا الوعي ﺑ، والمسئولية النظرية والفنية عن نزع المشروعية إلى أبعد مدًى ممكن. ويمكننا اليوم أن نقول إن عملية الحداد قد اكتملَت. وما من حاجة لبدء كل شيءٍ من جديد. وقوة فتجنشتين أنه لم يختَر الوضعية التي كانت تطوِّرها حلقة فيِنَّا لكنه وضع في بحثه حول ألعاب اللغة الخطوطَ العريضة لنوعٍ من المشروعية لا يقوم على أساس الأدائية. وهذا هو الشغل الشاغل للعالَم ما بعد الحداثي؛ فقد فقد معظم الناس الحنين للحكاية المفقودة. ولا يستتبع ذلك بأية حال أنهم قد اختزلوا إلى الهمجية. وما ينقذهم منها هو معرفتهم بأن المشروعية لا يمكن أن تنبثق إلا من نفس ممارستهم اللغوية وتفاعلهم التواصلي. إن العلم الذي «يخفي ابتسامته في لحيته» إزاء كل معتقَدٍ آخر قد علَّمهم التقشُّف القاسي للواقعية.

(١) المشروعية بواسطة الخطاب الهامشي (البارالوجيا)

دعونا نقول عند هذه النقطة إن الحقائق التي قدَّمناها بصدد مشكلة مشروعية المعرفة اليوم كافية لأغراضنا. لم نعُد نستطيع الاستعانة بالحكايات الكبرى — لا نستطيع اللجوء لا إلى جدل الروح ولا حتى إلى تحرير البشرية كمبرر لصلاحية الخطاب العلمي ما بعد الحداثي. لكن، وكما رأينا لتوِّنا، تظل الحكاية الصغيرة petit recit هي الشكل الجوهري للابتكار الخيالي، وبالأخص في العلم وفضلًا عن ذلك، فإن مبدأ الإجماع بوصفه معيارًا للصلاحية يبدو أنه غير كافٍ وله صياغتان. في الأولى، يكون الإجماع اتفاقًا بين بشر، يعرفون بأنهم أذهانٌ عارفة وإراداتٌ حرة، ويتم الحصول عليه من خلال الحوار: وهذا هو الشكل الذي طوَّره هابرماس، لكن مفهومه قائم على أساس صلاحية حكاية الانعتاق. وفي الثانية يكون الإجماع أحد مكوِّنات النظام، الذي يستغله لكي يحافظ على ويحسِّن أداءه. إنه موضوع الإجراءات الإدارية، بالمعنى الذي يقصده لومان Luhmann. وفي هذه الحالة، تكون صلاحيته الوحيدة هي أنه أداة تُستخدم في اتجاه تحقيق الهدف الحقيقي، الذي يُضفي المشروعية على النظام — ألا وهو السلطة.
من ثم فإن المشكلة هي تحديد ما إذا كان من الممكن أن يكون لدينا شكلٌ من المشروعية لا يقوم إلا على الخطاب الهامشي [البارالوجيا] paralogy. ويجب التمييز بين الخطاب الهامشي وبين التجديد؛ فالأخير تحت سيطرة النظام، أو على الأقل يستخدمه النظام لتحسين كفاءته؛ أما الأول فهو حركة [نقلة] move٣ (لا يتم في العادة إدراك أهميتها إلا فيما بعد) يتم لعبها في براجماتية المعرفة. وحقيقة أن الحالة عادة ما تكون في الواقع، لكن ليس بالضرورة، أن أحدهما يتحول إلى الآخر لا تمثل أية صعوبات بالنسبة للفرضية.
وإذا عدنا إلى وصف البراجماتية العلمية … فلا بد الآن من التشديد على الانشقاق؛ فالإجماع هو أفق لا يتم بلوغه أبدأ. والبحث الذي يجري تحت جناح نموذج paradigm يميل إلى إقرار الاستقرار؛ إنه مثل استغلال «فكرة» تكنولوجية، أو اقتصادية، أو فنية. لا يمكن التقليل من شأنه. لكن المدهش هو أن شخصًا ما دائمًا ما يأتي ليوقع الاضطراب في نظام «العقل». من الضروري طرح وجود قوة تقلقل القدرة على التفسير، تتبدَّى في تعميم معايير جديدة للفهم أو، إذا فضَّلنا، في اقتراح إقامة قواعد جديدة تحدِّد حدود مجال بحثٍ جديد بالنسبة للغة العلم. وهذا، في سياق النقاش العلمي، هو نفس العلمية التي يسميها توم Thom باسم التوليد المورفولوجي morphogenesis. وهي ليست دون قواعد (فهناك أنواع من الكوارث)، لكنها دائمًا ما تتحدد موضعيًّا. وبتطبيق هذه الخاصية على النقاش العلمي ووضعها في إطارٍ زمني، فإنها تتضمَّن أن «الاكتشافات» غير قابلة للتنبؤ. وبالنسبة لفكرة الشفافية فإنها عامل يولد بقعًا عمياء ويؤجل الإجماع.

هذا الموجَز يجعل من السهل رؤية أن نظرية الأنساق ونوع المشروعية الذي تقترحُه ليس لهما أي أساسٍ علمي على الإطلاق؛ والعلم نفسه لا يعمل طبقًا لنموذج هذه النظرية عن النسق، كما يستبعد العلم المعاصر إمكانية استخدام مثل هذا النموذج لوصف المجتمع.

في هذا السياق، دعونا نفحص نقطتَين هامتَين في حُجة لومان Luhmann؛ فمن ناحية، لا يمكن للنظام أن يعمل إلا عن طريق اختزال التعقيد، ومن ناحيةٍ أخرى، يجب أن يحث على مواءمة التطلعات الفردية مع غاياته هو. واختزال التعقيد مطلوب للحفاظ على قدرة قوة النظام؛ فلو أمكن تداول كل الرسائل بحرية بين جميع الأفراد، فإن كمية المعلومات التي سيتوجَّب أخذها في الاعتبار قبل اتخاذ الاختيار الصحيح سوف تعطِّل القرارات بدرجةٍ ملحوظة وبذلك تخفض الأدائية. والسرعة، فعليًّا، هي أحد مكوِّنات قوة النظام.
سيُثار اعتراض أن هذه الآراء الجزيئية يجب أن توضع في الاعتبار حقًّا لو أريد تجنُّب خطر وقوع اضطراباتٍ خطيرة، ويجيب لومان — وهذه هي النقطة الثانية — بأن من الممكن توجيه التطلعات الفردية من خلال عملية «شبه تأهيل» quasi-apprenticeship «خالية من كل تشوُّش»، وذلك لجعلها متمشية مع قرارات النظام. القرارات ليس عليها أن تحترم تطلعات الأفراد؛ فالتطلعات عليها أن تتطلع إلى القرارات، أو على الأقل إلى تأثيراتها. يجب أن تجعل الإجراءات الإدارية الأفراد «يريدون» ما يحتاجه النظام لكي يعمل جيدًا، ومن السهل رؤية الدور الذي يمكن أن تلعبه تكنولوجيا التليماتيكس Telematics٤ في ذلك.
لا يمكن إنكار أن ثمة قوة إقناعٍ في فكرة أن السيطرة والتحكم السياقيَّين هما أفضل على نحوٍ متأصل من غيابهما؛ فمعيار الأدائية له «مميزاته». إنه يستبعد من ناحية المبدأ الانتماء إلى خطابٍ ميتافيزيقي؛ يتطلب إنكار الحكايات الخرافية fables ويطالب بعقولٍ صافية وإراداتٍ باردة؛ ويستبدل تعريف الجواهر بحساب التفاعلات، ويجعل «اللاعبين» يتحمَّلون المسئولية ليس فقط عن العبارات التي يقترحونها، بل كذلك عن القواعد التي يُخضعون لها تلك العبارات لكي يجعلوها مقبولة. إنه يسلِّط الضوء بوضوحٍ على الوظائف البراجماتية للمعرفة، إلى المدى الذي يجعلها تبدو مرتبطةً بمعيار الكفاءة؛ ذرائعية وضع الحُجج، وإنتاج البرهان، ونقل العلم، وتأهيل الخيال.

كذلك يساهم في رفع كل ألعاب اللغة إلى مرتبة المعرفة بالذات، حتى تلك التي لا تدخل في مجال المعرفة المعيارية. إنه يميل إلى دفع الخطاب اليومي ليصبح ميتا-خطاب؛ فالعبارات العادية تكشف الآن عن نزوعٍ إلى الاستشهاد بنفسها، وتميل المواقع البراجماتية المختلفة إلى إقامة ارتباطٍ غير مباشر حتى بالرسائل الراهنة المتعلقة بها. وأخيرًا، فإنه يوحي بأن مشكلات الاتصال الداخلي التي تمُر بها طائفة العلماء أثناء عملها في فك وإعادة تركيب لغاتها قابلة للمقارنةٌ في طبيعتها بالمشكلات التي يمُر بها المجموع الاجتماعي وذلك حين يتوجَّب عليه، وقد حُرم من ثقافته الحكائية، أن يُعيدَ فحصَ اتصاله الداخلي نفسه، وأن يتساءل خلال هذه العملية عن طبيعة مشروعية القرارات التي تُتخذ باسمه.

وأقول أيضًا، مخاطرًا بأن أصدم القارئ، بأن بإمكان النظام أن يعُد الصرامة بين مميزاته؛ ففي داخل إطار معيار السلطة، لا يكتسب مطلب (أي، شكل من التقعيد) شيئًا في المشروعية بفضل كونه قائمًا على أساس عناء حاجة غير ملبَّاة؛ فالحقوق لا تنبع من العناء، بل من حقيقة أن تخفيف العناء يحسِّن أداء النظام. وحاجات أشد المحرومين لا يجب أن تُستخدم كمنظم للنظام من ناحية المبدأ؛ فحيث إن وسائل إشباعها معروفة فعلًا، فإن إشباعها الفعلي لن يحسِّن أداء النظام، بل سيزيد فقط من نفقاته. والمحظور الوحيد هو أن عدم إشباعها يمكن أن يُحدث القلاقل في المجموع. مما هو ضد طبيعة القوة أن يحكمها الضعف. لكن من طبيعتها إثارة مطالبَ جديدة المقصود منها هو أن تقود إلى إعادة تعريف معايير «الحياة». بهذا المعنى، يبدو النظام آلةً طليعيةً تجُر البشرية خلفها، نازعة إنسانيتَها لكي تُعيد أنسنتها على مستوًى آخر من القدرة المعيارية. يعلن التكنوقراطيون أنهم لا يستطيعون أن يثقوا بما يحدِّده المجتمع كاحتياجات له؛ إنهم «يعرفون» أن المجتمع لا يمكنه أن يعرف احتياجاته الخاصة حيث إنها ليست متغيراتٍ مستقلة عن التكنولوجيات الجديدة. تلك هي غطرسة صانعي القرار — وعماهم أيضًا.

وما تعنيه «غطرستهم» هو أنهم يُماهون بين أنفسهم وبين النظام الاجتماعي مدركًا على أنه كلٌّ يسعى إلى أكثر وحدةٍ أدائية ممكنة له. وإذا نظرنا إلى براجماتية العلم، لعلمنا أن مثل هذا التماهي مستحيل؛ فمن ناحية المبدأ، لا يجسِّد أي عالم المعرفة أو يتجاهل «احتياجات» مشروعٍ بحثي، أو تطلعاتِ باحث، بحُجة أنها لا تضيف إلى أداء «العلم» ككل. والإجابة التي عادة ما يقدِّمها باحثٌ ردًّا على مطلبٍ ما هي: «سيكون علينا أن نرى، احكِ لي قصتك». من ناحية المبدأ، فإنه لا يحكم سلفًا بأن «حالة» ما قد أُغلقَت فعلًا أو بأن سلطة «العلم» ستُعاني إذا أُعيد فتحها. وفي الحقيقة، فإن العكس هو الصحيح.

وبالطبع، لا يحدث الأمر دائمًا على هذا النحو في الواقع؛ فقد رأَى عددٌ لا يُحصى من العلماء «تحرُّكهم» [نقلتُهم] move ينال التجاهل والكبت، أحيانًا طوال عقود، لأنه يهزُّ بشكلٍ مفرِط العنف استقرار المواقف المقبولة، ليس فقط في الجامعة والمراتبية العلمية، بل كذلك في الإشكالية. وكلما كان «التحرُّك» أقوى، كلما زاد احتمال حرمانه من الحد الأدنى من الإجماع، بالضبط لأنه يغيِّر قواعد اللعبة التي أُقيم الإجماع على أساسها. لكن حين تتصرَّف مؤسسة معرفة بهذه الطريقة، فإنها تتصرَّف مثل مركز قوة عادي يحكم سلوكه مبدأ الاتزان الداخلي homeostasis.

هذا السلوك إرهابي، مثله مثل سلوك النظام كما وصفه لومان. وأعني بالإرهاب الكفاءة المتحصلة عن طريق تصفية، أو التهديد بتصفية، لاعبٍ ما من لعبة اللغة التي يشاركه المرء فيها، يتم إسكاته أو يوافق، ليس لأنه قد تم دحضه، بل لأن قدرته على المشاركة أصبحَت مهدَّدة (ثمَّة طرقٌ عديدة لمنع شخصٍ ما من اللعب)، وغطرسة صانعي القرار، التي ليس لها نظير في العلوم من ناحية المبدأ، تتمثل في ممارسة الإرهاب. إنها تقول: «كيف تطلعاتك لأغراضنا — وإلا.»

وحتى الإباحة تجاه مختلف الألعاب قد جعلَت متوقِّفة على الأدائية. وإعادة تعريف معايير الحياة يتمثل في تعزيز كفاءة النظام للسلطة. وكون هذه هي الحال هو أمرٌ واضح على نحوٍ خاص في إدخال تكنولوجيا التليماتيكس telematics؛ إذ يرى التكنوقراطيون في التليماتيكس وعدًا بإضفاء التحرر والثراء على التفاعلات بين المتحدِّثين interlocutors لكن ما يجعل هذه العملية جذابة بالنسبة لهم هو أنها ستتسبَّب في إحداث توتراتٍ جديدة في النظام، وهذه التوترات ستؤدي إلى تحسين في أدائيته.
إلى المدى الذي يكون فيه العلم اختلافيًّا، تقدِّم براجماتيته النموذج المضاد لنموذج النظام المستقر؛ فأية عبارة تُعد جديرة بالإبقاء عليها في اللحظة التي تحدِّد فيها اختلافًا عما هو معروف فعلًا، وبعد العثور على حُجة وبرهان يؤيدانها. العلم هو نموذج «نسق مفتوح» open system، تكون فيه عبارةٌ ما صالحة إذا كانت «تولِّد أفكارًا»؛ أي، إذا كانت تولِّد عباراتٍ أخرى وقواعدَ لعبٍ أخرى. ولا يملك العلم ميتا-لغة عامة يمكن تحويل كل اللغات الأخرى إليها وتقييمها. وهذا ما يمنع تماهيه مع النظام ومع الإرهاب، إذا أخذنا كل شيء في الاعتبار. وإذا كانت التفرقة بين صانعي القرار وبين المنفِّذين موجودة في طائفة العلماء (وهي موجودة)، فإنها إحدى حقائق النظام الاجتماعي-الاقتصادي وليست إحدى حقائق براجماتيات العلم ذاته. وهي في الحقيقة إحدى العقبات الرئيسية أمام التطور الإبداعي للمعرفة.

يصبح سؤال المشروعية العام كالتالي: ما هي العلاقة بين النموذج المضاد الخاص ببراجماتيات العلم وبين المجتمع؟ هل يقبل التطبيق على السُّحب الضخمة من مادة اللغة التي تشكِّل مجتمعًا؟ أم إنه محدود بحدود لعبة التعلم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الدور الذي يلعبه بالنسبة للرباط الاجتماعي؟ هل هو فكرةٌ مستحيلة عن مجتمعٍ مفتوح؟ هل هو عنصرٌ جوهري بالنسبة للمنظومة الفرعية من صانعي القرار، الذين يفرضون على المجتمع معيار الأداء الذي يرفضونه بالنسبة لأنفسهم؟ أم إنه، على العكس، رفضٌ للتعاون مع السلطات، تحركٌ في اتجاه الثقافة المضادة، مع الخطر المصاحب المتمثل في أن كل إمكانية للبحث سوف تُمنع نظرًا للافتقار إلى التمويل؟

منذ بداية هذه الدراسة، شدَّدتُ على الاختلافات (ليس الشكلية فحسب، بل البراجماتية أيضًا) بين مختلف ألعاب اللغة، خصوصًا بين الألعاب الإشارية denotative، أو المعرفية، والألعاب التقعيدية، أو ألعاب الفعل. تتركَّز ذرائعية العلم حول المنطوقات الإشارية، التي هي القاعدة التي تُبنى عليها مؤسسات التعليم (المعاهد، المراكز، الجامعات … إلخ). لكن تطوُّرها ما بعد الحداثي يجلب إلى مكان الصدارة «حقيقة» حاسمة؛ هي أنه حتى المناقشات حول العبارات الإشارية بحاجةٍ إلى أن تكونَ لها قواعد. والقواعد ليست منطوقاتٍ إشارية بل تقعيدية prescriptive، يكون من الأفضل لنا أن نسمِّيها منطوقات ميتا-تقعيدية metaprescriptive لتجنُّب الخلط (فهي تقعِّد ما يجب أن تكونَ عليه تحركات moves ألعاب اللغة لكي تكون مقبولة). ووظيفة النشاط الاختلافي أو الخيالي أو البارالوجي لبراجماتيات العلم الحالية هي إبراز هذه الميتا-تقعيدات (الافتراضات المسبقة للعلم) ومطالبة اللاعبين بقبول أخرى غيرها. والمشروعية الوحيدة التي يمكن أن تجعل هذا النوع من الطلب مقبولًا بتعبير آخر هي أنه سيولِّد أفكارًا، أو عباراتٍ جديدة، بتعبيرٍ آخر.
وليس للبراجماتية الاجتماعية «بساطة» البراجماتية العلمية. إنها وحشٌ يتشكل من تداخُل شبكاتٍ عديدة من أنواعٍ متنافرة الشكل من المنطوقات (إشارية، تقعيدية، أدائية، تقنية، تقييمية … إلخ). وما من سببٍ للاعتقاد بأنه سيكون من الممكن تحديد الميتا-تقعيدات المشتركة بين كل ألعاب اللغة هذه، أو أن إجماعًا قابلًا للمراجعة مثل الإجماع الساري عند لحظةٍ معيَّنة بين الطائفة العلمية يمكن أن يضُم المجموع الكلي للميتا-تقعيدات التي تنظم مجمل العبارات المتداولة في المجموع الاجتماعي. وفي الحقيقة، فإن الأفول المعاصر لحكايات إضفاء المشروعية — سواء كانت تقليدية أم «حديثة» (تحرير البشرية، تحقُّق الفكرة) — مرتبط بالتخلي عن هذا الاعتقاد. غيابه هو ما تحاول أن تعوِّضه أيديولوجية «النظام» بادعاءاتها بأنها كلية، وما تعبِّر عنه بكلبية Cynicism معيارها في الأداء.
لهذا السبب، لا يبدو ممكنًا، ولا حتى متعقلًا، أن نتبع هابرماس في توجيه تناولنا لمشكلة المشروعية في اتجاه بحثٍ عن الإجماع الشامل من خلال ما يسمِّيه Diskurs، أو بعبارةٍ أخرى، حوار طرح الحُجَج.

فسوف يعني هذا افتراض افتراضَين؛ الأول أن من الممكن لكل المتحدِّثين أن يتفقوا على تلك القواعد أو الميتا-تقعيدات الصالحة بشكلٍ شامل بالنسبة لألعاب اللغة، بينما من الواضح أن ألعاب اللغة متنافرة الأشكال، وخاضعة لمجموعاتٍ متنافرة من القواعد البراجماتية.

والافتراض الثاني هو أن هدف الحوار هو الإجماع. لكن، كما أوضحتُ في تحليل براجماتيات العلم، فإن الإجماع هو حالةٌ خاصة من المناقشة، وليس غايتها؛ فغايتها، على النقيض، هي الخطاب الهامشي (البارالوجيا) paralogy. هذه الملاحظة المزدوجة (تنافر القواعد والبحث عن الانشقاق) يدمِّر اعتقادًا ما زال كامنًا خلف بحث هابرماس، ألا وهو أن البشرية بوصفها ذاتًا جمعية (كلية) تسعى إلى تحرُّرها المشترك من خلال تنظيم «التحركات» المسموح بها في كل ألعاب اللغة، وأن مشروعية أية عبارة تكمُن في مساهمتها في ذلك التحرُّر.
ومن السهل رؤية أي وظيفة يؤديها هذا الالتجاء في حُجة هابرماس ضد لومان؛ إذ إن اﻟ Diskurs هو سلاحه الأخير ضد نظرية النظام المستقر. القضية جيدة، لكن الحُجة ليست كذلك؛ فقد أصبح الإجماع قيمةً مضى أوانها ومشكوك فيها لكن العدالة كقيمة لم يفُت أوانُها ولا هي مشكوكٌ فيها. وهكذا لا بد أن نتوصل إلى فكرة وممارسة للعدالة لا ترتبط بفكرة الإجماع.

والإقرار بالطبيعة المتنافرة شكليًّا لألعاب اللغة هو خطوةٌ أولى في هذا الاتجاه. وبديهيٌّ أن هذا يتضمَّن نبذ الإرهاب، الذي يفترضُ أنها متماثلة الشكل ويحاول أن يجعلها كذلك. والخطوة الثانية هي مبدأ أن أي إجماع على القواعد التي تحدِّد لعبة ما وعلى «التحركات» التي يمكن لعبها فيها لا بد أن تكون موضعية، وبعبارةٍ أخرى، متفق عليها من جانب اللاعبين الحاليين لها وخاضعة للإلغاء المحتمل. من هناك يحبِّذ التوجُّه تعدُّدية وميتا-حُجج متناهية، وأعني بذلك حُججًا تتعلق بالميتا-تقعيدات ومحدودة في الزمان والمكان.

هذا التوجه يناظر المسار الذي يتخذه حاليًّا التفاعل الاجتماعي؛ فالعقد المؤقَّت يحلُّ في الممارسة محلَّ المؤسسات الدائمة في المجالات المهنية، والعاطفية، والجنسية، والثقافية، والعائلية، والدولية، وكذلك في الشئون السياسية. وهذا التطور ملتبس بالطبع؛ فالنظام يحبِّذ العقد المؤقت بسبب مرونته الأكبر، وتكلفته الأقل، والزخم الإبداعي للدوافع المصاحبة له — وكل هذه العوامل تسهم في زيادة الأدائية. وعلى أية حال. ليس ثمة احتمال لاقتراح بديل «نقي» للنظام؛ فنحن جميعًا نعلم الآن، بينما السبعينيات تأتي إلى نهايتها، أن أي محاولة لوضع بديل من هذا النوع سينتهي بها الأمر إلى أن تشابه النظام الذي كان المقصود منها أن تحل محله. ويجب أن نكون سعداء لأن الميل باتجاه العقد المؤقَّت هو ميلٌ ملتبس؛ لأنه ليس خاضعًا تمامًا لهدف النظام، لكن النظام يتحمله. ويشهد هذا على وجود هدفٍ آخر في داخل النظام؛ هو معرفة ألعاب اللغة بوصفها كذلك وقرار تولي المسئولية عن قواعدها وتأثيراتها. وأبرز تأثيرات ذلك هو بالضبط ما يجعل تبنِّي القواعد صالحًا — أي السعي إلى الخطاب الهامشي (البارالوجيا).

ونحن أخيرًا في وضع يجعلنا نفهم كيف يؤثِّر إدخال الكومبيوتر لإدارة المجتمع على هذه الإشكالية؛ إذ يمكن أن يكون الحاسب الإلكتروني هو الأداة «الحُلم» للسيطرة على، والتحكُّم في نظام السوق، الممتد ليشمل المعرفة نفسها والذي يحكُمه بشكلٍ شامل مبدأ الأدائية، في هذه الحالة، سيتضمن حتمًا استخدام الإرهاب. لكنه يستطيع كذلك أن يعاون المجموعات التي تناقش الميتا-تقعيدات بإمدادها بالمعلومات التي عادة ما تفتقدها من أجل اتخاذ قراراتٍ قابلة للمعرفة. والخط الذي يجب أن يسلكه إدخال الكومبيوتر لكي ينتهج ثاني هذَين الطريقَين هو، من ناحية المبدأ، أمرٌ بسيط جدًّا؛ أَتيحوا للجمهور الوصول الحر إلى بنوك الذاكرة والمعلومات عندها ستكون اللغة ألعابًا ذات معلوماتٍ كاملة في أي لحظة معطاة. لكنها ستكون أيضًا ألعابًا ذات محصلة — ليست — صفرية،٥ وبفضل هذه الحقيقية لن يخاطر النقاش أبدًا بأن يثبت في وضع اتزان حد أدنى-حد أقصى لأنه قد استنفد رهاناته؛ فالرهانات ستكون هي المعرفة (أو المعلومات، إذا شئت)، واحتياطي المعرفة — أي احتياطي اللغة من المنطوقات الممكنة — لا ينفد. وهذا يرسم الخطوط العامة لسياسة ستحترم كلًّا من الرغبة في العدالة والرغبة في المجهول.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦