نظريات ما بعد الحديث
فريدريك جيمسون
إن مشكلة ما بعد الحداثة — كيف يجب وصف خصائصها الأساسية، وما إذا كانت حتى تُوجد
في
المقام الأول، وما إذا كان نفس المفهوم ذا فائدة على
الإطلاق، أم إنه، على النقيض، تعمية — هذه المشكلة هي في وقتٍ واحد مشكلةٌ جمالية
وسياسية.
والمواقف المتنوعة التي يمكن اتخاذها منها منطقيًّا، مهما كانت المفردات التي تُصاغ
بها،
يمكن دائمًا توضيح أنها تطور رؤًى للتاريخ يكون فيها تقييم اللحظة الاجتماعية التي
نعيشها
اليوم هو موضوع توكيدٍ أو رفضٍ سياسي أساسًا. وفي الحقيقة، فإن نفس الفرضية التي تُتيح
السجال تدور حول افتراض مسبق أولي، واستراتيجي حول نظامنا الاجتماعي؛ إذ إن منح أصالةٍ
تاريخية معيَّنة لثقافةٍ ما بعد حداثيةٍ يعني ضمنيًّا كذلك تأكيد اختلافٍ بنيوي جذري
ما بين
ما يسمَّى أحيانًا بالمجتمع الاستهلاكي وبين اللحظات الأسبق من الرأسمالية التي انبثق
منها.
إلا أن الاحتمالات المنطقية المتنوعة ترتبط بالضرورة باتخاذ موقفٍ من ذلك الموضوع
الآخر
المتضمن في نفس توصيف ما بعد الحداثة ذاته، أعني، تقييم ما يجب تسميتُه الآن باسم
الحداثة
العليا أو الكلاسيكية. وفي الحقيقة، فإننا حين نجري ثبتًا أوليًّا للأعمال الفنية
الثقافية
المتنوعة التي يمكن بشكلٍ مناسبٍ توصيفُها بأنها ما بعد حداثية، يواجهنا إغراءٌ قوي
بالبحث
عن «التشابه العائلي» لتلك الأساليب والإنتاجات المتنافرة، ليس فيما بينها بل في دافع
حداثي
أعلى شائع وجماليات تقف جميع هذه الأساليب والإنتاجات كرد فعل عليها، بطريقةٍ أو
بأخرى.
إلا أن السجالات المعمارية، المناقشات الافتتاحية لما بعد الحداثة كأسلوب، لها ميزة
جعل
الرنين السياسي لهذه المسائل التي تبدو جمالية شيئًا لا مفَر منه وتتيح اكتشافه في
المناقشات الأكثر شفرية أو تسترًا في الفنون الأخرى. وعلى العموم، يمكن فصل أربعة
مواقفَ
عامة مما بعد الحداثة من تنويعة الأحكام الأخيرة حول هذا الموضوع؛ لكن، حتى هذا المخطط
البسيط نسبيًّا، أو التوليفة Combinatoire،
يتعقَّد أكثر نتيجة انطباع المرء بأن كل واحدٍ من هذه الاحتمالات قابل لأن يكون إما
تعبيرًا
تقدميًّا من الناحية السياسية أو تعبيرًا تقدميًّا رجعيًّا من الناحية السياسية (وأنا
أتحدث
الآن من منظورٍ ماركسي أو يساري بوجهٍ عام).
إذ يمكن للمرء، مثلًا، أن يحيي قدوم ما بعد الحداثة من موقفٍ مناهض للحداثة
أساسًا
١ ويبدو أن جيلًا أسبق من المنظِّرين (وبالأخص إيهاب حسن) قد فعلوا شيئًا من هذا
القبيل حين تناولوا الجماليات ما بعد الحداثية في علاقتها بموضوعاتٍ تنتمي أكثر إلى
ما بعد
البنيوية (هجوم مجلة
تل كل Tel Quel على أيديولوجيا التمثيل
representation «نهاية الميتافيزيقا الغربية» لدى
هايدجر أو ديريدا
Derrida)؛ حيث تجري تحية ذلك الشيء الذي
لم يكن يطُلق عليه بعدُ اسم ما بعد الحداثة (راجع النبوءة الطوباوية في نهاية كتاب
فوكوه
نظام الأشياء The
Order of Things)
٢⋆ باعتباره مقدم طريقةٍ جديدةٍ تمامًا في التفكير
والوجود في العالم. لكن حيث إن احتفاء حسن يتضمن كذلك عددًا من المعالم الأكثر تطرفًا
للحداثة العليا (جويس، ومالارميه)، فإن هذا سيكون موقفًا ملتبسًا نسبيًّا لولا الحفاوة
المصاحبة بتكنولوجيا معلوماتٍ متقدمةٍ جديدة تحدِّد الصلة بين تلك الاستحضارات وبين
الأطروحة السياسية القائلة ﺑ
مجتمع ما بعد صناعي بالمعنى
المحدَّد.
كل هذا تم نزع الالتباس عنه بدرجةٍ كبيرة في كتاب توم وولف
Tom
Wolfe بعنوان من
الباوهاوس إلى منزلنا From Bauhaus to Our House، الذي هو فيما عدا ذلك كتابٌ غير
متميز يقدِّم تقريرًا عن المناظرات المعمارية الأخيرة بقلم كاتب تمثِّل الصحافة الجديدة
New Journalism نفسها لديه إحدى تنويعات ما بعد
الحداثة. إلا أن ما يثير الاهتمام ويميِّز هذا الكتاب هو غياب أي احتفاءٍ طوباوي بما
بعد
الحداثي، وكذلك، وهذا أكثر إدهاشًا، الكراهية المتقدة لما هو حديث التي تنضح مما هو
فيما
عدا ذلك تهكُّم إجباري على طريقة الكامب
٣⋆Camp من البلاغة؛ وهذا الشعور ليس جديدًا، بل إنه قديم
العهد وعتيق؛ فكأن الفزع الأصلي الذي انتاب متفرِّجي الطبقة المتوسطة الأوائل الذين
شهدوا
الحديث نفسه — أول مباني لوكوربوزييه، بيضاء مثل الكاتدرائيات الأولى المبنية لتوِّها
في
القرن الثاني عشر، وأول رءوس بيكاسو الفضائحية ذات العينَين على جانبٍ واحد من الرأس
كسمكةٍ
مفلطحة، و«الغموض» المذهل للطبعات الأولى من
يوليسس Ulysses أو
الأرض الخراب The Waste Land — هذا الاحتقار الذي يضمره المتزمِّتون
الأصلاء، المنغلقون الأغبياء
Spiessbürger،
٤⋆
البورجوازيون، أو أقران بابيت
٥⋆ في شارع
مين ستريت
Main Street، كأنه قد عاد إلى الحياة فجأة،
مشبعًا الانتقادات اللاحقة للحداثة بروحٍ شديدة الاختلاف أيديولوجيًّا يكون تأثيرها،
على
العموم، هو أن توقظ في القارئ من جديد تعاطفًا مماثلًا في قدمه، مع الدوافع
السياسية-الأصلية، الطوباوية، المناهضة للطبقة المتوسطة، التي تنتمي إلى حداثةٍ عليا
انقرضَت هي نفسها الآن. وهكذا يقدِّم نقد وولف اللاذع مثالًا بحجم كتابٍ مدرسي على
الطريقة
التي يمكِّن بها لرفضٍ نظري، متعقل ومعاصر، للحديث — ينبع قدرٌ كبير من قوَّته التقدمية
من
حسٍّ جديد بما هو حضري، ومن خبرة أصبحَت الآن كبيرة بتدمير الأشكال الأقدم للحياة
الجماعية
والحضرية باسم أرثوذكسية حداثية عليا — أن يُعاد تملُّكه بسهولة وإجباره على خدمة
سياسة
ثقافية رجعية صريحة.
عندئذٍ، تجد هذه المواقف — ضد الحداثي، مع ما بعد الحداثي — عددًا مقابلًا وقلبًا
بنيويًّا لها في مجموعةٍ من الأحكام المضادة التي تستهدف فضح ادعاء ولامسئولية ما
بعد
الحداثي عمومًا عن طريق إعادة توكيد الدافع الأصيل لتقاليد حداثية-عليا لا تزال تُعتبر
حية
وفعالة. والبيانان التوءمان هيلتون كرامر Hilton Kramer في
العدد الافتتاحي لصحيفة نيوكرايتيريون [المعيار الجديد]
New Criterion، يطوِّران هذه الآراء بقوةٍ مقيمَين
تضادًّا بين المسئولية الأخلاقية ﻟ «روائع» وآثار الحداثة الكلاسيكية وبين اللامسئولية
والسطحية الأساسيتَين لما بعد الحداثة ترتبط بالكامب وﺑ «الظُّرف» الذي يُعد أسلوب
وولف
مثالًا ناضجًا وبديهيًّا عليه.
أما الأمر الأكثر تناقضًا فهو أن وولف وكرامر يشتركان في الكثير من الناحية السياسية؛
ويبدو أن ثمَّة عدم اتساقٍ معيَّن في الطريقة التي يسعى بها كرامر لكي يمحو من «الجدية
العليا» لكلاسيكيات الحداثي موقفها المناهض جوهريًّا للطبقة المتوسطة والعاطفة
السياسية-الأصلية التي تفسِّر رفض الحداثيين العظام للمحرمات الفيكتورية والحياة العائلية،
لإضفاء الطابع السلعي، وللاختناق المتزايد الذي تسبِّبه رأسمالية تدنِّس المقدسات،
من إبسن
Ibsen إلى لورنس
Lawrence، من فان جوخ Van
Gogh إلى جاكسون بولاك Jackson
Pollack. إن محاولة كرامر البارعة لاستيعاب هذا الموقف الواضح العداء
للبورجوازية لدى الحداثيين العظام ضمن «معارضة موالية» تغذِّيها البورجوازية نفسها
سرًّا،
عن طريق المؤسَّسات والمنح، بينما تبدو هي غير مقنعة بشكلٍ لافت، هذه المحاولة تُتيحها
بالتأكيد تناقضات السياسة الثقافية للحداثة نفسها، التي تعتمد أوجه نفيها على استمرار
ما
ترفضه، وتقيم علاقة تعايشٍ عضوي مع رأس المال — حين لا تتوصل (إلا في أحيانٍ نادرة
جدًّا،
مثلما في حالة بريخت) إلى وعيٍ ذاتي سياسي أصيل.
لكن من الأسهل فهم تحرُّك كرامر هنا حين يتم توضيح المشروع السياسي للنيوكرايتيريون؛
فمن
الواضح أن مهمة الصحيفة هي محو الستينيات ذاتها وما تبقَّى من ميراثها، إلقاء مجمل
تلك
الفترة في غياهب ذلك النوع من النسيان الذي استطاعت الخمسينيات أن تدبِّره للثلاثينيات،
أو
استطاعت العشرينيات أن تدبِّره للثقافة السياسية الثرية في حقبة ما قبل الحرب العالمية
الأولى؛ ومن ثَم، تضع النيوكرايتيريون نفسها في خدمة هذا
الجهد، المستمر الذي يعمل في كل مكانٍ اليوم، من أجل بناء نوعٍ من الثورة الثقافية
المضادة
المحافظة الجديدة، التي تتراوح مفرداتُها من الجماليات وحتى الدفاع النهائي عن العائلة
والدين. ومن التناقض، إذن، لهذا المشروع السياسي أساسًا أن يرثي صراحة للوجود الشامل
للسياسة في الثقافة المعاصرة — وهي عدوى انتشرَت بدرجةٍ كبيرة خلال الستينيات لكن
كرامر
يعتبرها مسئولة عن الحُمق الأخلاقي لما بعد الحداثة في فترتنا.
والمشكلة مع هذه العملية — التي لا غنى عنها بوضوحٍ من وجهة النظر المحافظة — أن
بلاغتها
التي تشبه العملة الورقية لا تبدو مدعومةً باحتياطي الذهب المتمثل في سلطة الدولة،
مهما كان
السبب، مثلما كانت الحال مع المكارثية
McCarthyism أو خلال
فترة حملات بالمر
Palmer؛ إذ يبدو أن فشل حرب فيتنام، على
الأقل في الوقت الحاضر، قد جعل ممارسة السلطة القمعية مستحيلًا
٦ وأكسب الستينيات بقاء في الذاكرة والخبرة الجمعيتَين لم تتمتع به تقاليد
الثلاثينيات أو فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى. من هنا تميل «الثورة الثقافية»
لدى
كرامر غالبًا إلى الانزلاق إلى حنينٍ رخوٍ ومفرِط العاطفية للخمسينيات وحقبة
أيزنهاور.
وعلى ضوء ما أوضحناه بالنسبة لمجموعةٍ سابقة من المواقف إزاء الحداثة وما بعد الحداثة،
لن
يكون مدهشًا أنه بالرغم من الأيديولوجيا المحافظة بصراحة لهذا التقييم الثاني للمشهد
الثقافي المعاصر، سيكون من الممكن أيضًا إعادة تملُّك هذا المشهد الثقافي ضمن إطار
خطٍّ
أكثر تقدمًا بالتأكيد في هذا الموضوع. ونحن مدينون ليورجن هابرماس
Jürgen Habermas٧ بهذا القلب
وإعادة الصياغة الدراميَّين لما يظل يُعد توكيدًا للقيمة العليا للحداثي ورفضًا لنظرية
وممارسة ما بعد الحداثة. لكن خطيئة ما بعد الحداثة، بالنسبة لهابرماس، تتمثل بشكلٍ
محوري
جدًّا في وظيفتها الرجعية من الناحية السياسية، بوصفها المحاولة الجارية في كل مكانٍ
للتشكيك في دافعٍ حداثي يربطه هابرماس نفسه بالتنوير البورجوازي وروحه التي لا تزال
تعميمية
وطوباوية. ومع أدورنو
Adorno نفسه، يسعى هابرماس لاستنقاذ
وإعادة إحياء ذكرى ما يراه الاثنان على أنه القوة السلبية، النقدية، والطوباوية أساسًا
للحداثات العليا العظيمة. ومن جهةٍ أخرى، فإن محاولته ربطَ هذه الحداثات الأخيرة بروح
التنوير في القرن الثامن عشر تحدِّد في الحقيقة قطيعةً حاسمة مع
جدل
التنوير Dialectic of Enlightenment المتجهِّم لأدورنو وهوركهايمر
Horkheimer، الذي يجري فيه دراميًّا إبراز الروح العلمي
لدى الفلاسفة على أنه إرادة مضللة في السلطة والسيطرة على الطبيعة، وبرنامجهم المدنس
للمقدسات على أنه المرحلة الأولى في تطور رؤيةٍ أداتية تمامًا للعالم سوف تؤدي مباشرة
إلى
أوشفيتز. هذا التباعد اللافت للنظر يمكن إرجاعه إلى رؤية هابرماس نفسه للتاريخ، التي
تسعى
إلى الحفاظ على وعد «الليبرالية» والمضمون الطوباوي أساسًا للأيديولوجيا البورجوازية
التعميمية الأولى (المساواة، والحقوق المدنية، والنزعة الإنسانية، وحرية التعبير،
ووسائل
الإعلام المفتوحة) ضد فشل تلك المُثل في التحقُّق خلال تطوُّر الرأسمالية نفسها.
أما بالنسبة للمفردات الجمالية للمناظرة، فلن يكون كافيًا أن نردَّ على إعادة إحياء
هابرماس للحداثي بتأكيدٍ إمبيريقي على انقراض هذا الأخير، بل إننا بحاجةٍ إلى أن نأخذ
في
الاعتبار إمكانية أن يكون الوضع القومي الذي يفكِّر فيه هابرماس ويكتب مختلفًا عن
وضعنا؛
فالمكارثية والقمع هي اليوم حقائق في جهورية ألمانيا الاتحادية، أما التخويف الثقافي
لليسار
وإخراس الثقافة اليسارية (التي يربطها اليمين الألماني الغربي ﺑ «الإرهاب» إلى حدٍّ
كبير)
فقد كان على العموم عمليةً أكثر نجاحًا مما هي في أي مكانٍ آخر في الغرب
٨ إن انتصار المكارثية الجديدة وثقافة الانغلاق والتزمُّت
Spiessbürger and the philistine توحي باحتمال أن يكون
هابرماس على صوابٍ في هذا الوضع القومي المحدَّد، وربما لا تزال الأشكال الأقدم للحداثة
العليا تحتفظ بشيء من القوة التخريبية التي فقدَتها في أماكنَ أخرى. وفي هذه الحالة،
قد
تستحقُّ ما بعد حداثة تسعى إلى إضعاف وتدمير تلك السلطة تشخيصه الأيديولوجي أيضًا
بطريقةٍ
محلية، حتى لو ظل التقييم غير قابل للتعميم.
كلٌّ من الموقفَين السابقَين — ضد الحداثي/مع ما بعد الحداثي، ومع الحداثي/ضد ما بعد
الحداثي — يتميز بقبول المصطلح الجديد، مما يعادل اتفاقًا على الطبيعة الأساسية لقطيعةٍ
حاسمة بين اللحظتَين الحداثية وما بعد الحداثية مهما كان تقييم هاتَين اللحظتَين
الأخيرتَين. لكن، يبقى احتمالان منطقيان أخيران، يعتمد كلاهما على رفض أي مفهومٍ لقطيعةٍ
تاريخية من هذا القبيل؛ ومن ثَم يطرحان للتساؤل، صراحةً أو ضمنيًّا، فائدة نفس مقولة
ما بعد
الحداثة. أما الأعمال المرتبطة بهذه الأخيرة، فسوف يجري استيعابها مرةً أخرى ضمن الحداثة
الكلاسيكية بالمعنى المحدَّد؛ بحيث يصبح «ما بعد الحداثي» شيئًا لا يتجاوز كثيرًا
كونه
الشكل الذي يتخذه الحداثي الأصيل في فترتنا، ومجرد تكثيفٍ جدلي للدافع الحداثي القديم
تجاه
التجديد (ولا بد هنا أن أحذف سلسلةً أخرى من المناظرات، الأكاديمية إلى حدٍّ كبير،
تُطرح
فيها للتساؤل نفس استمرارية الحداثة كما يُعاد توكيدها هنا، وذلك من جانب حسٍّ أشمل
بالاستمرارية العميقة للرومانسية، منذ أواخر القرن الثامن عشر فصاعدًا، سيكون كلٌّ
من
الحداثي وما بعد الحداثي من منظورها مجرد مرحلتَين عضويتَين).
هكذا يثبت الموقفان الأخيران حول الموضوع منطقيًّا أنهما تقييمٌ إيجابي وسلبي، على
التوالي، لما بعد حداثة استُوعبَت مرةً أخرى ضمن التقاليد الحداثية-العليا. هكذا يقترح
جان-فرنسوا ليوتار
Jean-Francois Lyotard أن يجري إدراك
التزامه الحيوي بالجديد
٩ والبازغ، بإنتاجٍ ثقافي معاصر أو ما بعد معاصر يُوصف الآن على نطاقٍ واسع على
أنه «ما بعد حداثي»، أن يجري إدراكه كجزء لا يتجزأ من إعادة توكيدٍ للحداثات العليا
الأقدم
الأصلية على غرار أدورنو إلى حدِّ كبير. والانعطاف، أو الانحراف البارع في اقتراحه
يتضمَّن
أطروحة أن شيئا اسمه ما بعد الحداثة لا
يعقب الحداثة
العليا بمعناها المحدَّد، بوصفه ناتجًا مهملًا لهذه الأخيرة، بل إنه على وجه الدقة
يسبقها ويمهِّد لها؛ بحيث إن ما بعد الحداثات
المعاصرة في كل مكانٍ حولنا يمكن أن يُنظر إليها على أنها الوعد بعودة وإعادة ابتكار،
بالظهور المظفَّر الجديد، لحداثةٍ عليا جديدة مُشبَّعة بكل قوَّتها القديمة وبحياةٍ
جديدة.
وهذا موقفٌ تنبؤي تدور تحليلاتُه حول قوة الدفع المناهضة للتمثيل في الحداثة وما بعد
الحداثة. إلا أن مواقفَ ليوتار الجمالية لا يمكن تقييمُها بدقةٍ على أسسٍ جمالية؛
حيث إن ما
يفسِّرها هو مفهومٌ اجتماعي وسياسي أساسًا لنظامٍ اجتماعيٍّ جديدٍ متجاوز للرأسمالية
الكلاسيكية (صديقنا القديم «المجتمع ما بعد الصناعي»)؛ بهذا المعنى، فإن رؤيا حداثةٍ
متجددة
لا تنفصل عن إيمانٍ تنبُّئي معيَّن بإمكانات ووعد المجتمع الجديد الذي هو نفسه في
حالة
بزوغٍ كلي.
والعكس السلبي لهذا الموقف سيتضمَّن بوضوحٍ رفضًا أيديولوجيًّا للحداثة من طرازٍ
قد
يتراوح، على نحوٍ يمكن تخيُّله، من تحليل لوكاتش القديم للأشكال الحداثية على أنها
نُسخٌ
لتشيُّؤ الحياة الاجتماعية الرأسمالية وحتى بعض الانتقادات الأكثر تعقيدًا للحداثة
العليا
للوقت الراهن، وما يميِّز هذا الموقف الأخير عن المواقف المناهضة للحداثة التي وضعت
خطوطها
العريضة أعلاه، هو أنه لا يتحدث انطلاقًا من أمان توكيد نوعٍ من الثقافة ما بعد الحداثية
الجديدة، بل إنه يرى حتى أن هذه الأخيرة هي مجرد تدهور للدوافع البارزة فعلًا للحداثة
العليا بمعناها المحدَّد. هذا الموقف الخاص، الذي ربما كان أكثرها جميعًا عزلةً وأشدها
سلبًا بشكلٍ لا يلين. يمكن مواجهته بحيوية في أعمال المؤرخ المعماري الفينيسي مانفريدو
تافوري
Manfredo Tafuri، الذي تشكِّل تحليلاتُه
الضافية
١٠ اتهامًا قويًّا لما سمَّيناه الدوافع «السياسية-النمطية»
Protopolitical في الحداثة العليا (الإحلال «الطوباوي»
للسياسة الثقافية محل السياسة بمعناها المحدَّد، ومهمة تغيير العالم عن طريق تغيير
أشكاله،
أو فضائه، أو لغته). إلا أن تافوري ليس أقل قسوة في تشريحه للمهمة السلبية، النازعة
للأوهام، و«النقدية» لمختلف الحداثات، التي يفسر وظيفتها على أنها نوعٌ من «خدعة التاريخ»
الهيجلية بها تتحقَّق في النهاية ميول رأس المال التي تُضفي الطابع الأداتي وتدنِّس
المقدسات من خلال عمل الهدم هذا نفسه الذي يقوم به مفكِّرو وفنانو الحركة الحديثة؛
ومن ثَم،
فإن «عداءهم للرأسمالية» ينتهي بأن يضع الأساس للتنظيم والسيطرة البيروقراطيَّين
«الشاملَين» للرأسمالية المتأخرة، ومن المنطقي تمامًا أن يختتم تافوري بطرح استحالة
أي
تغييرٍ جذري للثقافة قبل التغيير الجذري للعلاقات الاجتماعية نفسها.
إن تضارب المشاعر السياسي المبيَّن في الموقفَين الأسبقَين يبدو لي أنه ما زال قائمًا
هنا، لكن ضمن إطار مواقف كلٍّ من هذَين المفكِّرَين
البالغَي التعقيد؛ فعلى خلاف الكثير من المنظرَين المذكورَين آنفًا، نجد أن تافوري
وليوتار
شخصيتان سياسيتان بشكلٍ صريح لهما التزامٌ واضح بقيم تقاليدَ ثوريةٍ أقدم؛ فمن الواضح،
مثلًا، أن مساندة ليوتار النزالية للقيمة العليا للتجديد الجمالي يجب فهمها على أنها
مجاز
لنوعٍ معين من الموقف الثوري، بينما نجد أن مجمل الإطار المفهومي لدى تافوري يتمشَّى
إلى
حدٍّ كبيرٍ مع التقاليد الماركسية الكلاسيكية. لكن كلاهما أيضًا، ضمنيًّا، وعلى نحوٍ
أوضح
في لحظاتٍ استراتيجيةٍ معيَّنة، قابلان لإعادة كتابتهما منسوبَين إلى ما بعد-ماركسية
تصبح
على المدى البعيد غير قابلة للتمييز عن نزعة مناهضة الماركسية بالمعنى المحدَّد؛ فمثلًا،
سعى ليوتار بشكلٍ بالغ الاطراد إلى تمييز جمالياته «الثورية» عن المثل الأقدم للثورة
السياسية، التي يراها إما ستالينية أو عتيقة ولا تتمشَّى مع ظروف النظام الاجتماعي
ما بعد
الصناعي الجديد؛ بينما نجد أن تصوُّر تافوري المنذر بنهاية العالم والقائل بالثورة
الاجتماعية الشاملة يتضمن مفهومًا ﻟ «النظام الكلي» للرأسمالية، محكوم عليه بشكلٍ
قاتل، في
فترةٍ رجعية ونزعٍ للطابع السياسي، بأن ينتهي إلى نوع التثبيط الذي عادة ما كان يقود
الماركسيين إلى التخلي عن السياسي برُمته (يتبادر إلى الذهن هوركهايمر وميرلو-بونتي
Merleau-Ponty، مع العديد من التروتسكيين — السابقين
لأعوام الثلاثينيات والأربعينيات والماويين — السابقين لأعوام الستينيات
والسبعينيات).
ويمكن الآن تقديم تمثيلٍ تخطيطي للمخطط التوليفي المحدَّد أعلاه على النحو التالي،
وعلامات الزائد والناقص تشير إلى الوظائف التقدمية أو الرجعية سياسيًّا للمواقف موضع
البحث:
بهذه الملاحظات نكون قد قمنا بدورةٍ كاملة ويمكننا الآن العودة إلى المضمون السياسي
المحتمل الأكثر إيجابية للموقف الأول موضع البحث، وخصوصًا إلى مسألة دافعٍ
شعبوي معيَّن فيما بعد الحداثة كان فضل تشارلز جينكس (وكذلك
أيضًا فنتوري وآخرين) أنه شدد عليه — وهي مسألة ستُتيح لنا أيضًا أن نتعامل بشكلٍ
أكثر
ملاءمة مع التشاؤم المطلَق لماركسية تافوري ذاتها. إلا أن ما يجب ملاحظته أولًا، هو
أن معظم
المواقف السياسية التي وجدنا أنها تفسِّر ما يُدار على أنه غالبًا سجالٌ جمالي، هي
في
الحقيقة مواقفُ أخلاقية المنحى تسعى إلى تطوير أحكامٍ نهائية بشأن ظاهرة ما بعد الحداثة،
سواء وسمَت هذه الأخيرة بأنها فاسدة أو، بالمقابل، تمَّت تحيَّتُها على أنها شكلٌ
من أشكال
التجديد صحيٌّ وإيجابي ثقافيًّا وجماليًّا. لكن التحليل التاريخي والجدلي بشكلٍ أصيل
لتلك
الظواهر — خصوصًا حين يتعلق الأمر بحاضر الزمن وحاضر التاريخ الذي نُوجد ونناضل فيه
نحن —
لا يمكنه تحمُّل الترف المدقع لمثل تلك الأحكام الأخلاقية المطلقة؛ فالجدل هو «ما
وراء
الخير والشر» بمعنى انحيازٍ سهل، ومن هنا الروح الثلجية واللاإنسانية لرؤيته التاريخية
(وهو
شيءٌ أزعج بالفعل معاصري هيجل بشأن نسقه الأصلي). والمسألة هي أننا
ضمن إطار ثقافة ما بعد الحداثة إلى النقطة التي يكون فيها رفضُها السهل
مستحيلًا بقَدْر كون أي احتفاءٍ مماثل في سهولته متواطئًا وفاسدًا؛ فالحكم الأيديولوجي
على
ما بعد الحداثة اليوم يتضمَّن بالضرورة، كما يظن المرء، حُكمًا على أنفسنا بقَدْر
كونه
حكمًا على الأعمال الفنية موضع البحث؛ كذلك لا يمكن فهم مرحلةٍ تاريخية كاملة، مثل
مرحلتنا،
بأية طريقةٍ ملائمة عن طريق الأحكام الأخلاقية الكلية أو عن طريق معادلها المتدهور،
أعني
تشخيصات البوب السيكولوجية. في النظرة الماركسية الكلاسيكية، فإن بذور المستقبل تُوجد
بالفعل في داخل الحاضر ويجب فك اشتباكها معه مفهوميًّا، من خلال التحليل وكذلك من
خلال
الممارسة السياسية (وقد لاحظ ماركس ذات مرة في عبارةٍ مدهشة، أن عمال كوميونة باريس،
«ليست
لديهم مُثلٌ يحققونها»؛ فقد سعوا فقط إلى فك اشتباك الأشكال البازغة للعلاقات الاجتماعية
الجديدة عن العلاقات الاجتماعية الرأسمالية الأقدم التي بدأَت الأولى تُوقع فيها الاضطراب
بالفعل). وبدلًا من إغراء إما أن نشجب تواطؤات ما بعد الحداثة باعتبارها عرضًا نهائيًّا
للانحطاط أو أن نحيِّي الأشكال الجديدة باعتبارها رُسلَ يوتوبيا تكنولوجية وتكنوقراطية
جديدة، فإنه يبدو من الأنسب أن نقيم الإنتاج الثقافي الجديد ضمن إطار فرضية عمل تقول
بحدوث
تعديلٍ عام في الثقافة ذاتها مع إعادة الهيكلة الاجتماعية للرأسمالية المتأخرة
كنظام.
١١
أما عن البزوغ، فإن تأكيد جينكس أن العمارة ما بعد الحداثية تميِّز نفسها عن عمارة
الحداثة العليا من خلال أولوياتها الشعبوية
١٢ قد يصلح كنقطة بداية لمناقشةٍ أكثر عمومية. والمقصود، في السياق المعماري
النوعي، هو أنه حيثما كان الفراغ الحداثي-الأعلى الكلاسيكي لأمثال لوكوربوزييه أو
رايت يسعى
إلى تمييز نفسه جذريًّا عن نسيج المدينة المتهاوي الذي كان هذا الفراغ يظهر فيه —
وهكذا
تعتمد أشكاله على فعل فصلٍ جذري عن سياقه المكاني (بيلوتس
pilotis١٣⋆
العظيم يُضفي الدرامية على الانفصال عن الأرض
ويحمي جدة
novum الفراغ الجديد) — فإن المباني ما بعد
الحداثية، على النقيض، تحتفي بانغراسها في النسيج المتنافر للحي التجاري ومشهد الموتيل
والطعام السريع للمدينة الأمريكية التي تنتمي إلى ما بعد الطرق السريعة الضخمة. وفي
نفس
الوقت، فإن تفاعلًا من التلميحات والأصداء الشكلية (نزعة تاريخية) يحقِّق القرابة
بين هذه
المباني الفنية الجديدة وبين الأيقونات والفضاءات التجارية المحيطة، وبذلك تشجُب الزعم
الحداثي-الأعلى في الاختلاف والتجديد الجذريَّين.
أمَّا ما إذا كان يجب توصيف هذا الملمح الدال بلا شك للعمارة الجديدة على أنه شعبوي
فأمرٌ
يجب أن يظل سؤالًا مفتوحًا. لكن يبدو أن من الجوهري تمييز الأشكال البازغة لثقافةٍ
تجارية
جديدة — تبدأ من الإعلانات وتنتشر إلى التغليف packaging الشكلي لكل الأنواع، من المنتجات وحتى المباني،
وبدون استبعاد السلع الفنية من قبيل عروض التليفزيون (اﻟ «لوجو»
logo) والكتب الأكثر مبيعًا والأفلام — عن الأنواع
الأقدم من الثقافة الفولكلورية و«الشعبية» الأصلية التي ازدهرَت عندما كانت الطبقات
الاجتماعية الأقدم من الفلاحين والحرفيين الحضريين ما
زالت موجودة والتي، مند منتصف القرن التاسع عشر فصاعدًا، جرى استعمارها والقضاء عليها
تدريجيًّا بواسطة إضفاء الطابع السلعي ونظام السوق.
لكن ما يمكن الإقرار به على الأقل هو ذلك الحضور الأشمل لهذا الملمح الخاص، الذي
يظهر على
نحوٍ أقلَّ التباسًا في الفنون الأخرى التفرقة القديمة بين الثقافة الرفيعة وما يطلق
عليه
اسم الثقافة المعممة، وهي تفرقة اعتمدَت عليها الحداثة من أجل تحدُّدها النوعي، وتمثَّلَت
وظيفتها الطوباوية، جزئيًّا على الأقل، في ضمان مجال من الخبرة الأصيلة في مواجهة
الوسط
المحيط المكون من ثقافةٍ تجارية متوسطة وهابطة. وفي الحقيقة، يمكن الجدال بأن بزوغ
الحداثة
العليا متزامن هو نفسه مع التوسع الضخم الأول لثقافة مُعمَّمة واضحة (يمكن اعتبار
زولا
Zola بمثابة المؤشر على التعايش الأخير لفن الرواية مع
الكتاب الأكثر مبيعًا داخل إطار نصٍّ واحد).
هذا التمييز التأسيسي هو ما يبدو الآن على وشك الاختفاء؛ وقد ذكرنا بالفعل الطريقة
التي
بدأ بها، في الموسيقى، بعد شونبرج Schönberg وحتى بعد كيج
Cage التقليدان النقيضان «الكلاسيكي» و«الشعبي» في
الاندماج من جديد. وفي الفنون البصرية، فإن تجدُّد الفوتوغرافيا باعتبارها وسيطًا
هامًّا
قائمًا بذاته وكذلك باعتبارها «مستوى الجوهر» في البوب آرت أو في الواقعية الفوتوغرافية
هو
عرضٌ حاسم لنفس العملية. وعلى أية حال، فإنه يصبح واضحًا في الحد الأدنى أن الفنانين
الجُدُد لم يعودوا «يُورِدون استشهادات» من مواد، ونُتف، وموتيفات ثقافة معمَّمة أو
شعبية،
مثلما بدأ فلوبير Flaubert يفعل، بل إنهم يدمجونها على نحوٍ
ما إلى الحد الذي لا تعود فيه الكثير من مقولاتنا النقدية والتقييمية الأقدم (القائمة
على
وجه الدقة على أساس التمييز الجذري بين الثقافة الحداثية والثقافة المعمَّمة) تبدو
صالحة.
لكن إذا كانت هذه هي الحالة، فإنه يبدو عندئذٍ ممكنًا على الأقل أن ما يرتدي القناع
ويقوم
بإيماءات «الشعبوية» في مختلف الدفاعات والبيانات ما بعد الحداثية هو في الحقيقة مجرد
انعكاسٍ وعرضٍ لتبدُّلٍ ثقافي (لحظي بالتأكيد)، يتم فيه الآن استقبال ما اعتدنا أن
نَسِمه
بأنه ثقافةٌ معمَّمة أو تجارية داخل تخوم مجالٍ ثقافي جديد ومتسع. وعلى أية حال، يتوقع
المرء من مصطلحٍ مستمد من دراسة رموز الأيديولوجيات السياسية أن يمُر بإعادة توافُق
سيمانطيقية أساسية حين يكون مرجعه الأوَّلي (تحالف الجبهة الشعبية الطبقي ذاك بين
العمال،
والفلاحين، والبورجوازيين الصغار الذي يسمَّى عادة «الشعب») قد اختفَى.
إلا أن هذه القصة ربما لم تكن جديدة تمامًا في نهاية المطاف، وفي الحقيقة، يتذكَّر
المرء
ابتهاج فرويد لدى اكتشافه لثقافةٍ قبلية غامضة، استطاعت وحدها من بين التقاليد المتعددة
لتحليل الأحلام أن تضرب على وتر تصور أن لكل الأحلام معاني جنسية خفية — فيما عدا
الأحلام
الجنسية، التي تعني شيئًا آخر! هكذا أيضًا يبدو الأمر بالنسبة للسجال ما بعد الحداثي،
وللمجتمع البيروقراطي المنزوع التسيُّس الذي يناظره؛ حيث يتضح أن كل المواقف التي
تبدو
ثقافية هي أشكالٌ رمزية للوعظ الأخلاقي السياسي، باستثناء النغمة الوحيدة السياسية
بصراحة،
التي تُوحي بانزلاقٍ من السياسة إلى الثقافة مرةً أخرى.
هنا نجد أن الاعتراض المألوف — أن الفئة تتضمن نفسها وأن التصنيف يخفق في أن يتضمَّن
أي
مكان (متميز بما يكفي) تراقب منه نفسها أو تقدِّم تنظيرها الخاص — يجب إدخاله في حسبان
النظرية كنوعٍ من الانعكاسية السيئة التي تأكل ذيلها دون أن تتمكَّن من تربيع الدائرة،
وفي
الحقيقة تبدو نظرية ما بعد الحداثة وكأنها عملية لا تتوقف من الطي الداخلي ينقلب فيها
وضع
المراقب رأسًا على عقب لكي تستمر الجدولة من جديد على نطاقٍ أكبر. هكذا يدعونا ما
بعد
الحداثي إلى إطلاق العِنان لسخريةٍ كئيبة من التاريخية عمومًا، يقوم فيها جهد التوصل
إلى
الوعي-الذاتي الذي يكمل به وضعنا فعل الفهم التاريخي، يقوم بتكرار نفسه بطريقةٍ موحشة
مثلما
في أسوأ أنواع الأحلام، ويضع في مقابل رفضه الفلسفي لنفس مفهوم الوعي-الذاتي، كرنفالًا
غريبًا من التكرارات المتنوعة لهذا الأخير. ثم إن ما يذكِّرنا بهذا اللاتناهي يظهر
عندئذٍ
على هيئةٍ حتمية علامتَي الزائد والناقص اللتَين تبرزان من شقوقهما الموضعية لتشوِّشا
المتفرج الخارجي ولتُصرَّا بلا توقفٍ على حكمٍ أخلاقي مستبعد سلفًا من النظرية ذاتها.
أما
فعل خفة اليد المؤقت الذي يُضاف به هذا الحكم الأخلاقي إلى قائمة السمات المتعلقة
بالموضوع،
من جانب نظرية تستطيع لحظيًّا أن تخرج خارج نفسها وأن تتضمَّن تخومها الخارجية، فلا
يكاد
يدوم إلا ريثما تعيد «النظرية» تشكيل نفسها وتصبح في هدوء مثالًا على ما يفترض أن
يبدو عليه
الانغلاق الذي تقترحه وتتنبأ به. هكذا تستطيع نظرية ما بعد الحداثة أخيرًا أن ترتفع
إلى
مستوى النسق نفسه، وكذلك إلى مستوى ألصق دعاياته، التي تحتفي بالحرية المتأصلة لإعادة
إنتاج
ذاتي مطلق باطراد.
هذه الظروف، التي تجهض مقدمًا أي نظرية لا تقبل الخداع لما بعد الحداثي يمكن تزكيتها
بلا
تحفظ كسلاح ناهيك عن كونها ورقة عباد شمس، تتطلب بعض الأفكار عن استخدامٍ مناسب تقريبي
لا
يؤدي بنا من جديدٍ إلى الانغماس-الذاتي لهذا النكوص اللامتناهي أو ذاك. لكن، في هذا
المجال
الجديد المسحور بعينه، ربما أصبحَت المشكلة الزائفة هي المكان الوحيد للصدق؛ بحيث
إن التأمل
في المسألة المستحيلة بشأن طبيعة فنٍّ سياسي في شروط تستبعده بالتعريف قد لا يكون
أسوأ
طريقة للمراوحة في المكان. وفي الحقيقة فإنني أتصور (وقد تؤكد الصفحات التالية أو
لا تؤكد
ذلك) أن «الفن السياسي ما بعد الحداثي» قد يتضح أنه ذلك بالضبط — ليس الفن بأيِّ معنًى
أقدم، بل تخمينًا لا ينقطع حول كيف يمكن له أن يكون ممكنًا بالدرجة الأولى.
أما بالنسبة لثنائيات الحداثي/ما بعد الحداثي، التي لا تُطاق أكثر من معظم الثنائيات
الشائعة، وبذلك ربما تكون محصَّنة مقدمًا ضد إساءات الاستخدام التي تكون تلك الثنائيات
على
نحوٍ لا يخطئ هي علامتها وكذلك أداتها؛ فربما كان ممكنًا أن إضافة مصطلحٍ ثالث — غائب
عن
العمل الحالي، لكنه مستنفَر في موضعٍ آخر في عملٍ متصل بالموضوع — يمكن أن تفيد في
قلب مخطط
تسجيل الاختلاف القابل للعكس هذا، إلى تخطيط schema تاريخي
أكثر فائدة وسهولة. هذا المصطلح الثالث — سمة «الواقعية» في الوقت الراهن نظرًا للافتقار
إلى شيءٍ أفضل — يُقر بانبثاق المرجع referent العلماني من
تطهير حركة التنوير للشفرات المقدسة، في نفس الوقت الذي يوجه فيه الاتهام إلى الإرساء
الأوَّلي للنظام الاقتصادي نفسه، قبل أن يمضي كلٌّ من اللغة والسوق ليمُرَّا بتصريفاتٍ
من
الدرجة الثانية في الحداثي وفي الإمبريالية. إذن، فهذا المصطلح الثالث الجديد، الأسبق
من
الآخرَين، يربطهما معًا مع أي مصطلحاتٍ رابعة مفترَضة لما قبل الرأسماليات المتنوعة
ويتيح
نموذجًا تطوريًّا أكثر تجريدًا يبدو أنه يستعيد كرونولوجياه (تسلسله الزمني) خارج
كل نظامٍ
كرونولوجي (زمني)، مثلما في السينما، أو موسيقى الروك، أو الأدب الزنجي، على سبيل
المثال.
إذن فإن ما ينقذ التخطيط الجديد من تشكُّكات الثنائيات التي عددناها هنا، يقدِّم أيضًا
نوعًا من التدريب الذهني على حذف التواريخ، نوعًا من الزهد
ascesis في الدياكروني (التتابعي) نتعلم فيه تأجيل
الإشباع النهائي لما هو زمني (كرونولوجي) كنوع من الفهم، وهو إشباع سيتضمَّن على أية
حال
الخروج من النسق نفسه، الذي يكون فيه المصطلحان أو الثلاثة المترددان هنا هما، رغم
ذلك،
العناصر الداخلية، القابلة للتبادل إلى ما لا نهاية.
وما دمنا لا نستطيع عمل ذلك — وفي وجه نفورٍ مبرر من جلب مصطلحٍ ثالث (متضارب هو نفسه
داخليًّا بقَدْر تضارب الاثنَين الآخرَين معًا) — فلا يمكن سوى اقتراح التوصية البسيطة
والصحية التالية: أقصد، أن تستخدم الثنائية ضد نفسها بمعنًى معيَّن، مثل مجال رؤية
عرضي
يتطلب منك تثبيتَ شيءٍ لستَ مهتمًّا به؛ فالأمر إذن هو أن استقصاءً منفذًا بصرامة،
لهذا
الملمح أو ذاك لما بعد الحداثي سينتهي به الأمر إلى أن يقول لنا شيئًا قليل القيمة
بصدد ما
بعد الحداثة نفسها، لكنه ضد رغبته الخاصة وبشكلٍ غير مقصود تمامًا، سيقول الشيء الكثير
بصدد
الحداثي عينه، وربما اتضح أن العكس صحيح أيضًا، رغم أن الاثنَين ما كان يمكن التفكير
فيهما
أبدًا على أنهما نقيضان متماثلان في المقام الأول، والتبادل المتسارع باطرادٍ بينهما
يمكن
على الأقل أن يعين الموقف الاحتفائي أو الإيماءة الأخلاقية المنحى الصاخبة القديمة
الطراز
على عدم التجمُّد في مكانهما.