رسم خريطة لما بعد الحداثي

أندرياس هويسن

(١) المشكلة

بينما استطاع الترويج الإعلامي القريب العهد لما بعد الحداثة في العمارة والفنون أن يدفع الظاهرة إلى دائرة الضوء، فإنه قد مال أيضًا إلى إخفاء تاريخها الطويل والمُعقَّد، وسوف يقوم جزءٌ كبير من نقاشي التالي على أساس فرضية أن ما يبدو على أحد المستويات أنه آخرُ بدعة، وحملةٌ إعلامية، واستعراضٌ أجوف، هو جزء من تحوُّل ثقافي يظهر ببطء في المجتمعات الغربية، تغيرٌ في الحساسية يكون مصطلح «ما بعد الحداثة»، بالفعل، دقيقًا تمامًا لوصفه، في الوقت الراهن على الأقل، وطبيعة وعمق ذلك التحول قابلان للجدال، لكنه تحول فعلًا، ولستُ أودُّ أن يُساء فهمي على أنني أزعم أن ثمَّة تحولًا شاملًا للنموذج Paradigm في النظم الثقافية، والاجتماعية والاقتصادية؛ فأي زعمٍ من هذا القبيل سيكون من الواضح أنه مبالَغ فيه، لكن ثمَّة، في قطاعٍ هام من ثقافتنا، تحوُّلٌ ملحوظ في الحساسية، والممارسات، وتكوينات الخِطاب يُميز منظومةً ما بعد حداثية من الافتراضات، والخبرات، والقضايا عن منظومة مرحلةٍ سابقة، وما يحتاج إلى المزيد من الاستكشاف هو ما إذا كان هذا التحول قد ولَّد أشكالًا جمالية جديدة أصيلة في الفنون المختلفة أم إنه يُعيد أساسًا تشغيل تقنيات واستراتيجيات الحداثة ذاتها، معيدًا إدراجها في سياقٍ ثقافي متبدِّل.
لن أحاول هنا تعريف ما هي ما بعد الحداثة ومصطلح «ما بعد الحداثة» نفسه يجب أن يباعد بيننا وبين مقاربة من هذا القبيل؛ حيث إنه يحدِّد موضع الظاهرة على أنها ارتباطية؛ فالحداثة، باعتبارها ما تنفصل عنه ما بعد الحداثة، تظل مندرجة في نفس الكلمة التي نَصِف بها بُعدنا عن الحداثة، ولو ظلِلْنا منتبهين للطبيعة الارتباطية لما بعد الحداثة، فسوف أبدأ ببساطة من الإدراك-الذاتي Selbstverständnis لدى ما بعد الحداثي، بينما كان يشكِّل خطاباتٍ متنوِّعة منذ الستينيات، وما آمل أن أقدِّمه في هذا الفصل هو شيءٌ من قبيل خريطةٍ مكبرة لما بعد الحداثي تقوم بمسح لمجالاتٍ عديدة، وعليها يمكن لمختلف الممارسات الفنية والنقدية ما بعد الحداثية أن تجد مكانها الجمالي والسياسي، وسوف أميِّز بين عدة مراحل واتجاهات ضمن مسار ما بعد الحداثي في الولايات المتحدة وهدفي الأول هو التأكيد على بعض الشروط والضغوط التاريخية التي شكَّلَت السجالات الجمالية والثقافية الأخيرة، لكنها إما تم تجاهُلها أو شطبُها على نحوٍ منهجي من النظرية النقدية على روح الطريقة الأمريكية L’Américaine وبينما سأعتمد على التطورات في العمارة، والأدب، والفنون البصرية، سوف يكون تركيزي أساسًا على الخطاب النقدي بصدَد ما بعد الحداثي؛ ما بعد الحداثة في علاقتها، على الترتيب، بالحداثة، والطليعة ونزعة المحافظة الجديدة، وما بعد البنيوية، وكل واحدة من هذه المنظومات constellations تمثِّل طبقة منفصلة نوعًا ما مما بعد الحداثي، وسوف تُقدَّم بوصفها كذلك، وأخيرًا فسوف تُناقش العناصر المحورية للتاريخ الفكري Begriffsgeschichte للمصطلح في علاقتها بمجموعةٍ أوسع من الأسئلة التي أُثيرَت في المناظرات الأخيرة عن مذهب الحداثة Modernism، والحداثة Modernity١ والطليعة التاريخية، وثمَّة سؤالٌ محوري بالنسبة لي يتعلَّق بالمدى الذي كانت به الحداثة والطليعة، بوصفهما شكلَين من أشكال ثقافةٍ مناوئة، مرتبطتَين مفهوميًّا وعمليًّا رغم ذلك بالتحديث Modernization الرأسمالي و/أو بالطليعية الشيوعية، تلك الأخت التوءم للتحديث، وكما أرجو أن يُبين هذا الفصل، فإن البُعد النقدي لما بعد الحداثة، يكمن على وجه الدِّقة في طرحها الجذري للأسئلة بصدد الافتراضات المسبقة التي ربطَت الحداثة والطليعة بالمنظومة العقلية للتحديث.

(٢) استنفاد الحركة الحداثية

فلأبدأ، إذن، ببعض الملاحظات الموجَزة حول مسار وهجرات مصطلح «ما بعد الحداثة»، يرجع المصطلح في النقد الأدبي إلى أواخر الخمسينيات حين استخدمه إيرفنج هاو Irving Howe وهاري ليفين Harry Levin للتأسي على تسطُّح الحركة الحداثية، كان هاو وليفين ينظران بحنين إلى الوراء إلى ما بدا فعلًا أنه ماضٍ أثري، وكان أول استخدام توكيدي لمصطلح «ما بعد الحداثة» في الستينيات من جانب نُقاد الأدب أمثال ليزلي فيدلر Leslie Fiedler وإيهاب حسن، اللذَين كانا يعتنقان آراءً شديدة التباعد بصدد ما يعنيه أدب ما بعد حداثي. ولم يكتسب المصطلح تداولًا أوسع إلا خلال أوائل وأواسط السبعينيات، وشمل العمارة أولًا، ثم الرقص، والمسرح، والتصوير، والسينما، والموسيقى … وبينما كان الانقطاع ما بعد الحداثي مع الحداثة الكلاسيكية واضحًا بدرجةٍ معقولة في العمارة والفنون البصرية؛ فقد كان من الأصعب تأكيد فكرة قطيعة ما بعد حداثية في الأدب، وعند نقطةٍ معيَّنة في أواخر السبعينيات، هاجرَت «ما بعد الحداثة»، ليس دون حثٍّ أمريكي، إلى أوروبا عن طريق باريس وفرنكفورت، وتلقَّفَتها كريستيفا Kristeva وليوتار Lyotard في فرنسا، وهابرماس Habermas في ألمانيا، وفي نفس الوقت، بدأ النقَّاد في الولايات المتحدة مناقشة الجانب المشترك بين ما بعد الحداثة، وما بعد البنيوية الفرنسية في تحويرها الأمريكي الخاص، وذلك عادةً على أساس مجرد الافتراض بأن الطليعة في النظرية عليها بطريقةٍ ما أن تكون مشاكلةً للطليعة في الأدب والفنون، وبينما كان الشك حول جدوى طليعةٍ فنية يتصاعد خلال السبعينيات لم يبدُ قط أن حيوية النظرية، رغم أعدائها الكثيرين، كانت موضع شكٍّ جدِّي، وفي الحقيقة، بدا للبعض كما لو أن الطاقات الثقافية التي كانت تغذِّي حركات الستينيات الفنية قد أخذت تتدفق خلال السبعينيات في جسد النظرية، تاركةً المشروع الفني في حالة يُرثى لها، ورغم أنه ليس لمثل هذه الملاحظة سوى قيمةٍ انطباعية في أحسن الحالات، كما أنها ليست منصفة تمامًا للفنون، فإنه يبدو من المعقول بأنه، مع منطق الانفجار-الكبير لما بعد الحداثة في التوسع الذي لا رجعة فيه، أصبحت متاهة ما بعد الحداثة أكثر استعصاءً على النفاذ منها، ومع حلول أوائل الثمانينيات، أصبحَت منظومة نزعة الحداثة/نزعة ما بعد الحداثة في الفنون ومنظومة الحداثة/ما بعد الحداثة في النظرية الاجتماعية أحد أكثر المجالات المُتنازَع عليها في الحياة الثقافية للمجتمعات الغربية، والمجال مُتنازَع عليه على وجه الدقة لأن موضوع الرهان أكبر بكثيرٍ من مجرد وجود أو عدم وجود أسلوبٍ فني جديد، وكذلك أكثر بكثير من مجرد الخط النظري «الصحيح» …
ولا يبدو الانقطاع مع الحداثة في أيِّ مكانٍ أكثر وضوحًا مما هو عليه في العمارة الأمريكية القريبة العهد؛ فلا شيء يمكن أن يكون أكثر بعدًا عن حوائط الستائر الزجاجية الوظيفية لدى ميس فان دير روهه Mies van der Rohe من إيماءة الاستشهاد التاريخي العشوائي التي تسود في عديد من الواجهات ما بعد الحداثية، خُذ، مثلًا، ناطحة سحابه إيه تي أند تي AT&T لفيليب جونسون Philip Johnson، والمنقسمة بصورةٍ مناسبة إلى قسمٍ أوسط كلاسيكي-جديد وأعمدةٍ رومانية عند مستوى الشارع، وقمة واجهةٍ إغريقية مثلَّثة من طراز تشيبينديل Chippendale في أعلاه، وفي الحقيقة، فإن حنينًا متزايدًا لأشكال حياةٍ متنوِّعة من الماضي يبدو أنه يشكِّل تيارًا تحتيًّا قويًّا في ثقافة السبعينيات والثمانينيات، ومن الأمور المُغرِية أن نُشيحَ عن هذه التوفيقية التاريخية التي لا تُوجد في العمارة فقط، بل في الفنون، وفي السينما، وفي الأدب، وفي الثقافة المُعمَّمة للسنوات الأخيرة، أن نُشيحَ عنها باعتبارها المعادل الثقافي للحنين المحافظ-الجديد للأيام الطيبة الخوالي، وكعلامةٍ واضحة على المكانة المتدهورة للإبداعية في الرأسمالية المتأخرة، لكن هل هذا الحنين للماضي، هذ البحث المسعور والجريء عادة عن تقاليدَ قابلةٍ للاستخدام، والانبهار المتزايد بالثقافات قبل الحديثة والبدائية — هل كل هذا يجد جذوره فقط في حاجة المؤسَّسات الثقافية الدائمة إلى الاستعراض والتكلُّف، وهكذا يتمشَّى تمامًا مع الوضع القائم؟ أم إنه ربما يعبِّر أيضًا عن نوعٍ من عدم الرضى الأصيل والمشروع إزاء الحداثة وإزاء الإيمان غير القابل للنقاش بالتحديث الدائم للفن؟ وإذا كانت الحالة هي هذه الأخيرة، وأنا أعتقد أنها كذلك، فكيف يمكن للبحث عن تقاليدَ بديلة، سواء بازغة أو مترسِّبة، أن يتحول إلى بحثٍ مثمر ثقافيًّا دون الخضوع لضغوط النزعة المحافظة التي، بقبضةٍ كُلَّابية، تزعم ملكيتها لنفس مفهوم التقاليد؟ وأنا لا أجادل هنا بأن كل تبدِّيات الاستعادة ما بعد الحداثية للماضي يجب الترحيبُ بها لأنها تتآلف على نحوٍ ما مع روح العصر Zeitgeist، كذلك لا أودُّ أن يُساء فهمي على أنني أجادل بأن رفض ما بعد الحداثة الشائع للجماليات الحداثية العليا وسأمها من أطروحات ماركس وفرويد، بيكاسو وبريخت، كافكا وجويس، شونبرج وسترافينسكي، يمثِّلان على نحوٍ ما علامتَين على تقدمٍ ثقافيٍّ هام؛ فحيث تكتفي ما بعد الحداثة بنبذ الحداثة، فإنها تخضع لمطالب الجهاز الثقافي بأن تكسب نفسها مشروعية باعتبارها جديدةً جذريًّا، كما أنها تبعث التعصُّبات المتزمِّتة التي واجهَتْها الحداثة في أيامها.
لكن حتى لو كانت الأطروحات الخاصة لما بعد الحداثة لا تبدو مُقنعة — كما تتجسَّد، مثلًا، في مباني فيليب جونسون، ومايكل جريفز Michael Graves، وغيرهما — فهذا لا يعني أن استمرار التمسك بمجموعةٍ أقدم من الأطروحات الحداثية سوف يضمن ظهور مبانٍ أو أعمالٍ فنية أكثر إقناعًا، والمحاولة المحافظة — الجديدة الأخيرة لإعادة إرساء نسخةٍ مدجَّنة من الحداثة باعتبارها الصدق الوحيد الذي يستحق العناء الثقافة القرن العشرين — كما تتبدى مثلًا في معرض بيكمان Beckmann لعام ١٩٨٤م في برلين، وفي المقالات العديدة في مجلة هيلتون كرامر Hilton Kramer، المعيار الجديد New Criterion — هي استراتيجية تستهدف دفن الانتقادات السياسية والجمالية لأشكالٍ معيَّنة من الحداثة اكتسبت أرضًا منذ الستينيات، لكن مشكلة الحداثة ليست مجرد حقيقة أنها يمكن أن تستوعب في إطار أيديولوجيةٍ محافظة عن الفن؛ ففي نهاية المطاف، حدث ذلك بالفعل مرةً على نطاقٍ واسع في الخمسينيات، أما المشكلة الأشمل التي نعترف بها اليوم، فيما أعتقد، فهي الارتباط الوثيق لأشكالٍ متعددة من الحداثة في زمنها بالتركيبة العقلية للتحديث، سواء في صيغته الرأسمالية أو الشيوعية، وبالطبع، لم تكن الحداثة قط ظاهرةً مصمتة، وقد ضمنَت كلًّا من نشوة التحديث لدى النزعة المستقبلية، والنزعة البنائية Constructivism وكذلك العيانية الجديدة Neue Sachlichkeit٢ وبعضًا من أعنف انتقادات التحديث في الأشكال المتنوعة الحديثة من «العداء الرومانسي للرأسمالية»، والمشكلة التي أتناولها في هذا الفصل ليست هي ماذا كانت الحداثة فعلًا، بل كيف جرى إدراكها استرجاعيًّا، ما القيم والمعرفة السائدة التي كانت تحملها، وكيف عملَت أيديولوجيًّا وثقافيًّا بعد الحرب العالمية الثانية، إن صورةً معيَّنة للحداثة هي التي أصبحَت لب النزاع بالنسبة لما بعد الحداثيين، ويجب إعادة بناء تلك الصورة إذا أردنا فهم علاقة ما بعد الحداثة الإشكالية بالتقاليد الحداثية وزعمها بأنها مختلفة.
تعطينا العمارة أكثر الأمثلة الملموسة للموضوعات موضوع الرهان؛ فاليوتوبيا الحداثية المتجسِّدة في برامج بناء مدرسة الباوهاوس Bauhaus، وميس Mies، وجروبيوس Gropius، ولوكوربوزييه Le Corbusier، كانت جزءًا من محاولة بطولية بعد الحرب العظمى والثورة الروسية لإعادة بناء أوروبا المحطَّمة على صورة الجديد، ولجعل البناء جزءًا حيويًّا من إعادة التجديد المتخيَّلة للمجتمع. كان تنويرٌ جديد يتطلب تصميمًا عقلانيًّا لمجتمعٍ عقلاني، لكن العقلانية الجديدة كانت مثقلة بحماسٍ طوباوي جعلها في النهاية تجنح من جديدٍ مرتدة إلى الأسطورة-أسطورة التحديث، وكان الإنكار الذي لا يلين للماضي عنصرًا جوهريًّا في الحركة الحديثة بقَدْر ما كانت دعوتُها للتحديث من خلال التوحيد القياسي والعقلنة، ومن المعروف جيدًا كيف تحطَّمَت سفينة اليوتوبيا الحداثية على صخرة تناقضاتها الداخلية الخاصة، والأهم من ذلك، على صخرة السياسة؛ فقد أُجبر جروبيوس، وميس، وغيرهم على الذهاب إلى المنفَى؛ وأخذ مكانهم ألبرت سبير Albert Speer في ألمانيا. وبعد عام ١٩٤٥م، كانت العمارة الحداثية مجردة لدرجةٍ كبيرة من رؤيتها الاجتماعية وصارت باطراد عمارة سلطة وتمثيل Representation، وبدل أن تقف مشروعات الإسكان الحداثية كرُسل ووعود للحياة الجديدة، أصبحَت رموزًا للاستلاب، ونزع الإنسانية، وهو مصيرٌ شاركَت فيه خط التجميع، ذلك الوسيط الآخر للجديد، الذي نال الترحيب بحماسٍ جيَّاش في العشرينيات من جانب اللينينيين والفورديين على السواء.
إن تشارلز جينكس Charles Jencks، أحد أشهر المؤرِّخين الشعبيين لاحتضار الحركة الحديثة والمتحدث باسم عمارة ما بعد حداثية، يرجع بتاريخ الوفاة الرمزية للعمارة الحديثة إلى ١٥ مايو عام ۱۹۷۲م، في الساعة ۳ و۳۲ دقيقة بعد الظهر؛ ففي ذلك الوقت نسفَت بالديناميت عدة مبانٍ ذات جوانبَ مسطَّحة من إسكان برويت-إيجو Pruitt-Igoe! في سانت لويس (بناها مينورو ياماسكي Minoru Yamasaki في الخمسينيات)، وعُرض الانهيار بشكلٍ درامي في أخبار المساء، إن الآلة الحديثة للحياة، كما سمَّاها لوكوربوزيه مع النشوة التكنولوجية المميزة للعشرينيات، قد أصبحَت غير قابلة للحياة فيها، كما بدا أن التجربة الحداثية عتيقة، ويتجشَّم جينكس العناء لكي يميِّز الرؤية الأصلية للحركة الحديثة عن الخطايا التي ارتُكبَت باسمها فيما بعدُ، لكنه، في الميزان، يتفق مع أولئك الذين جادلوا، منذ الستينيات، ضد اعتماد الحداثة الخفي على استعارة الآلة ونموذج الإنتاج، وضد أخذها للمصنع بوصفه النموذج الأول لكل المباني، وقد أصبح شائعًا في الدوائر ما بعد الحداثية تفضيل إعادة ادخال أبعادٍ رمزية متعدِّدة المعاني في العمارة، ومزج الشفرات وتملُّك الرطانات المحلية والتقاليد الإقليمية، وهكذا يوحي جينكس بأن المعماريين قد سلكوا طريقَين في نفس الوقت، «صوب الشفرات التقليدية البطيئة التغير والمعاني العرقية الخاصة للجوار، وصوب الشفرات السريعة التغير للموضة المعمارية والاحتراف»، ذلك الفصام، فيما يعتقد جينكس، مميز للحظة ما بعد الحداثية في العمارة؛ ويحق للمرء أن يتساءل عما إذا لم يكن ينطبق على الثقافة المعاصرة برُمَّتها، تلك الثقافة التي يبدو بشكلٍ متزايد أنها تفضِّل ما أسماه بلوخ Bloch باسم (اللاتزامنات) Ungleichzeitigkeit، بدل أن تفضِّل فقط ما وصفه أدورنو Adorno، مُنظر الحداثة بامتياز، بأنه Der fortgeschrittenste Materialstand der Kunst (الحالة الأكثر تقدمًا للمادة الفنية)، وسوف تظل موضع سجالٍ مسألة أين يكون ذلك الفصام ما بعد الحداثي توترًا خلاقًا تنتُج عنه مبانٍ طموحة وناجحة، وأين، على العكس، يجنح إلى اختلاطٍ غير متماسك وتعسُّفي للأساليب، كذلك لا يجب أن ننسى أن خلط الشفرات، وتملُّك التقاليد الإقليمية، واستخدام الأبعاد الرمزية خلاف الآلة لم تكن قط مجهولة تمامًا بالنسبة لمعماريي الأسلوب الدولي. بطريقةٍ تنطوي على مفارقة، كان على جينكس، لكي يصل إلى ما بعد حداثته، أن يبالغ في نفس نظرة العمارة الحداثية التي يهاجمها هو بإصرار.
وأحد أكثر الوثائق إيحاءً بصدد قطيعة ما بعد الحداثة الدوجما الحداثية كتابٌ اشترك في تأليفه روبرت فنتوري Robert Venturi، ودنيس سكوت-براون Denise Scott Brown وستيفن أيزنور Steven Izenour بعنوان التعلُّم من لاس فيجاس Learning From Las Vegas. واليوم عند قراءة هذا الكتاب والكتابات المبكِّرة لفنتوري منذ الستينيات، يدهش المرء قرب استراتيجيات وحلول فنتوري من حساسية البوب POP لتلك الأعوام، فمرةً تلو أخرى يستخدم المؤلفون قطيعة فن البوب مع المعيار المتقشِّف للتصوير الحداثي الأعلى وتزاوج البوب غير النقدي مع الرطانة التجارية للثقافة الاستهلاكية كإلهام لعملهم، فما كان يمثِّله شارع ماديسون أفينيو Madison Avenue بالنسبة لآندي وارهول Andy Warhol، وما كانت تمثِّله الحكايات بالصور وحكايات الغرب الأمريكي بالنسبة لليزلي فيدلر، كان يمثِّله المنظر العام للاس فيجاس بالنسبة لفنتوري وجماعته، وبلاغة التعلم من لاس فيجاس تقوم على أساس تمجيد قصاصة الإعلان والفن الهابط بلا رحمة لثقافة الكازينو، إنه، بتعبير كينيث فرامبتون Kenneth Frampton الساخر، يقدِّم قراءة للاس فيجاس باعتبارها «انفجارًا أصيلًا للفانتازيا الشعبية»، وأظن أنه سيكون من المجاني أن نسخر اليوم من تلك التصورات الغريبة للشعبوية الثقافية، فبينما نجد أن ثمَّة شيئًا واضح العبثية في تلك الأطروحات، يجب علينا الاعتراف بالقوة التي استجمعَتْها لكي تنسف الدوجمات المتشيئة للحداثة، ولكي تعيد طرح مجموعة من المسائل حجبها عن الأنظار بدرجةٍ كبيرة إنجيل الحداثة لسنوات الأربعينيات والخمسينيات؛ مسائل التزيين والاستعارة في العمارة، والتشخيص والواقعية في التصوير، والقصة والتمثيل في الأدب، والجسد في الموسيقى والمسرح. إن البوب بأوسع معانيه هو السياق الذي تشكَّلَت فيه للمرة الأولى فكرة عما بعد الحداثي، ومنذ البداية حتى اليوم، فإن أكثر الاتجاهات دلالةً ضمن ما بعد الحداثة، قد تحدَّت عداء الحداثة الذي لا يلين للثقافة المعممة …

(٣) ما بعد الحداثة في الستينيات

طليعة أمريكية؟!
سأقترح الآن تفرقةً تاريخية بين ما بعد حداثة الستينيات وما بعد حداثة السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وسوف تكون حُجتى تقريبًا هي التالية: رفضت ما بعد حداثة الستينيات والسبعينيات أو انتقدت طبعة معيَّنة من الحداثة. ضد الحداثة العليا المشفرة للعقود السابقة، حاولت ما بعد حداثة الستينيات إعادة تنشيط ميراث الطليعة الأوروبية وإعطائه شكلًا أمريكيًّا عبْر ما يمكن أن يسميه المرء اختزالًا باسم محور دوشامب-كيج-وارهول Duchamp-Cage-Warhol. وبحلول السبعينيات كانت ما بعد الحداثة الطليعية تلك لأعوام الستينيات قد استنفدَت إمكاناتها بدورها، رغم أن بعض تبدِّياتها قد استمرَّت خلال العقد الجديد، والجديد في السبعينيات كان، من جهة، ظهور ثقافةٍ توفيقية Eclecticism، ما بعد حداثةٍ توكيدية إلى حدٍّ كبير تخلَّت عن أي ادعاء بالنقد، أو التجاوز، أو النفي؛ ومن جهةٍ أخرى ظهور ما بعد حداثةٍ بديلة أُعيد فيها تعريفُ المقاومة، والنقد، ونفي الوضع القائم بتعبيراتٍ غير-حداثية وغير-طليعية، تناسب التطورات السياسية في الثقافة المعاصرة على نحوٍ أكثر فعالية من نظريات الحداثة القديمة، ولأسهب في ذلك.
ماذا كانت تداعيات مصطلح «ما بعد الحداثة» في الستينيات؟ منذ منتصف الخمسينيات على وجه التقريب، شهد الأدب والفنون تمرُّد جيلٍ جديد من الفنانين من أمثال راوشينبرج Rauchenberg وجاسبر جونز Jasper Johns، وكيرواك Kerouac، وجينسبرج Ginsberg، والبيتس Beats، وبوروز Burroughs، وبارتيلم barthelme ضد سيادة التعبيرية التجريدية، والموسيقى المتسلسلة، والحداثة الأدبية الكلاسيكية، وسرعان ما انضم إلى تمرُّد الفنانين نقادٌ من أمثال سوزان سونتاج Susan Sontag، وليزلي فيدلر Leslie Fiedler، وإيهاب حسن Ihab Hassan، كانوا جميعًا، بحماسٍ لكن بطرقٍ شديدة الاختلاف ولدرجةٍ مختلفة، يجادلون لصالح ما بعد الحداثي، فقد دافعَت سونتاج عن فن الكامب Camp وعن حساسيةٍ جديدة، ولهج فيدلر بالثناء على الأدب الشعبي وتنوير الأعضاء التناسلية، بينما دافع حسن — أقربهم إلى المحدَثين — عن أدب الصمت، محاولًا التوسط بين «تقاليد الجديد» والتطورات الأدبية بعد الحرب. بحلول ذلك الوقت، كانت الحداثة طبعًا قد تأسسَت بأمانٍ باعتبارها المعيار في الأكاديمية، والمتاحف، وشبكة قاعات العرض. في هذا المعيار لمدرسة نيويورك للتعبيرية التجريدية كانت تتمثَّل خلاصة ذلك المسار الطويل لما هو حديث، الذي كان قد بدأ في باريس في خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر، وأدى حتمًا إلى نيويورك-الانتصار الأمريكي في الثقافة في أعقاب الانتصار في ميادين المعارك في الحرب العالمية الثانية، مع حلول الستينيات كان الفنانون والنقاد على السواء يشتركون في الإحساس بوضعٍ جديد من الناحية الأساسية، كان يجري الإحساس بالقطيعة ما بعد الحداثية المفترَضة مع الماضي بوصفها خسارة، بدا ادِّعاء الفن والأدب للصدق والقيمة الإنسانية وكأنه قد استُنفد، وبدا أن الإيمان بالقوة التأسيسية للخيال الحديث هو مجرد وهمٍ آخر، أو كان يجري الإحساس بها على أنها تجاوز باتجاه تحررٍ نهائي للغريزة والوعي، إلى القرية العالمية لمذهب ماكلوهان، عدن الجديدة للانحراف المتعدِّد الأشكال، الفردوس الآن، كما أعلن المسرح الحي على خشبة المسرح، من هنا، حددَّ نقاد ما بعد الحداثة من أمثال جيرالد جراف Gerald Graff، عن حق، نوعَين من الثقافة ما بعد الحداثية في الستينيات؛ النوع اليائس المبشِّر بنهاية العالم والنوع الحالم الاحتفائي، وكلاهما، كما يزعم جراف كانا موجودَين بالفعل في إطار الحداثة، وبينما نجد أن هذا صحيحٌ بالتأكيد فإنه يخفق في رؤية نقطةٍ هامة، فلم يكن حنقُ ما بعد الحداثيين موجهًا ضد الحداثة في ذاتها، بل بالأحرى ضد صورة متقشِّفة معيَّنة من «الحداثة العليا»، كما قدَّمها النقاد الجدد New Critics وغيرهم من حراس الثقافة الحداثية. هذه النظرة، التي تتجنَّب الثنائية الزائفة في اختيار إما الاتصال أو الانقطاع، يؤيدها مقالٌ استرجاعي كتبه جون بارث؛ ففي مقال عام ۱۹۸۰م في ذي أتلانتيك The Atlantic بعنوان «أدب الامتلاء» The Literature of Replenishment»، ينتقد بارث مقاله هو عام ١٩٦٨م بعنوان «أدب الاستنفاد» The Literature of Exhaustion، الذي بدا في حينه أنه يقدِّم تلخيصًا دقيقًا للنوع المبشِّر بنهاية العالم. الآن يشير بارث إلى أن موضوع مقاله الأول «كان «الاستنفاد» الفعلي ليس للغة أو الأدب بل لجماليات الحداثة العليا»، ويمضي ليصف عمل بيكيت Beckettقصص ونصوص مقابل لا شيء Stories and Texts for Nothing وعمل نابوكوف Nabokovالنار الشاحبة Pale Fire بأنهما أعجوبتان حداثيتان متأخرتان، متميزتان عن كُتاب ما بعد حداثيين من أمثال إيطالو كالفينو Italo Calvino وجابرييل ماركث Gabriel Márquez. وعلى الناحية الأخرى، يكتفي نقاد الثقافة، مثل دانييل بل Daniel Bell، بالزعم بأن ما بعد حداثة الستينيات كانت «التتويج المنطقي لمقاصد الحداثة»، وهو رأيٌ يعيد، بكلماتٍ أخرى، تكرار ملاحظة ليونيل تريلينج Lionel Trilling اليائسة والقائلة بأن متظاهري الستينيات كانوا يمارسون الحداثة في الشوارع، لكن ملاحظتي هنا هي بالضبط أن الحداثة العليا لم تجد من المناسب قط أن تكون في الشوارع في المحل الأول، أن دورها الأسبق المناوئ على نحوٍ لا يمكن إنكاره قد حلَّت محلَّه في الستينيات ثقافةٌ مختلفة تمامًا للمواجهة في الشوارع وفي الأعمال الفنية، وأن ثقافة المواجهة هذه غيَّرت التصورات الأيديولوجية الموروثة عن الأسلوب، والشكل، والإبداعية، والاستقلال الفني، والخيال، التي كانت الحداثة قد خضعَت لها في ذلك الحين، رأَى النقاد أمثال بل وجراف تمرُّد أواخر الخمسينيات والستينيات على أنه استمرار للنوع العدمي والفوضوي الأسبق للحداثة؛ وبدل أن يرَوْا فيه تمردًا ما بعد حداثي ضد الحداثة الكلاسيكية، فسَّروه على أنه انتشارٌ للدوافع الحداثية في الحياة اليومية، وبمعنًى من المعاني كانوا على صوابٍ تمامًا، سوى أن «نجاح» الحداثة هذا قد بدَّل بشكلٍ أساسي الشروط التي يجب بها إدراك الثقافة الحداثية، مرةً أخرى، فإن حُجتي هنا هي أن تمرُّد الستينيات لم يكن قط رفضًا للحداثة في ذاتها، بل تمردًا ضد تلك الطبعة من الحداثة التي تم تدجينها في الخمسينيات، لكنها أصبحَت جزءًا من الإجماع الليبراني-المحافظ لذلك الوقت، وتحوَّلَت حتى إلى سلاحٍ دعائي في الترسانة الثقافية-السياسية لمناهضة الشيوعية في الحرب الباردة؛ فالحداثة التي تمرَّد ضدها الفنانون لم يعُد الناس يحسُّون أنها ثقافةٌ مناوئة؛ فلم تعُد تعارض طبقة مسيطرة ورؤيتها للعالم، ولا حافظَت على نقائها البرنامجي من أن تلوِّثه صناعة الثقافة. وبعبارةٍ أخرى، انبثق التمرد بالضبط من نجاح الحداثة، من حقيقة أن الحداثة في الولايات المتحدة، مثلما في ألمانيا الغربية وفرنسا، في هذا الصدد، قد انحرفَت لتصبح شكلًا من الثقافة التوكيدية.
وسوف أمضي لأجادل بأن النظرة الشاملة التي ترى في الستينيات جزءًا من الحركة الحديثة الممتدة من مانيه Manet وبودلير Baudelaire، إذا لم يكن من الرومانسية، إلى الوقت الحاضر ليست بقادرة على تفسير الطابع الأمريكي تحديدًا لما بعد الحداثة؛ ففي النهاية، اكتسب المصطلح تداعياته التأكيدية في الولايات المتحدة وليس في أوروبا. ويمكنني حتى أن أزعم أنه ما كان يمكن له أن يُخترع في أوروبا، في ذلك الحين؛ فلعددٍ من الأسباب، لم يكن ليكون له أي معنًى هناك؛ فألمانيا الغربية كانت لا تزال مشغولة بإعادة اكتشاف حداثييها الذين أُحرقوا وحُظروا خلال الرايخ الثالث. وإذا كان قد حدث شيء، فإن الستينيات في ألمانيا الغربية قد أنتجت تحولًا كبيرًا في التقييم والاهتمام من مجموعةٍ من المحدَثين إلى مجموعةٍ أخرى؛ من بن Benn، وكافكا Kafka، وتوماس مان Thomas Mann إلى بريخت Brecht، والتعبيريين اليساريين، والكتاب السياسيين لأعوام العشرينيات، من هايدجر Heidegger وياسبرز Jaspers إلى أدورنو Adorno وبنيامين Benjamin، من شونبرج Schönberg وفيبرن Webern إلى آيزلر Eisler، من كيرشنر Kirchner وبيكمان Beckmann إلى جروس Gros وهارتفيلد Heartfield. كان بحثًا عن تقاليدَ ثقافية بديلة ضمن إطار الحداثة وبكونه كذلك، كان موجهًا ضد سياسة طبعةٍ من الحداثة نُزع عنها الطابع السياسي وأصبحَت تقدم مشروعيةً ثقافية لإحياء أديناور كان هذا الإحياء في مسيس الحاجة إليها. خلال الخمسينيات، كانت أساطير «العشرينات الذهبية»، و«الثورة المحافظة»، والقلق Angst الوجودي الشامل تساعد جميعها على حجب وإخفاء حقائق الماضي الفاشي. من أعماق الهمجية وحطام مدنها، كانت ألمانيا الغربية تحاول استخلاص حداثةٍ متحضرة والعثور على هويةٍ ثقافية تتناغم مع الحداثة العالمية وتجعل الآخرين ينسَون ماضي ألمانيا كسفَّاح ومنبوذ العالم الحديث. في هذا السياق، فإنه لا تنويعات الحداثة لأعوام الخمسينيات ولا نضال الستينيات من أجل تقاليد ثقافية ديمقراطية واشتراكية بديلة، كان يمكن أن تفسَّر على أنها ما بعد حداثية. ونفس تصوُّر ما بعد الحداثة لم يظهر في ألمانيا إلا منذ أواخر السبعينيات، ولم يكن حينئذٍ مرتبطًا بثقافة الستينيات، بل مرتبطًا على نحوٍ ضيقٍ بالتطورات المعمارية الأخيرة، وربما على نحوٍ أكثر أهمية، في سياق الحركات الاجتماعية الجديدة ونقدها الجذري للحداثة.

وفي فرنسا أيضًا، شهدت الستينيات عودة إلى الحداثة وليس خطوة أبعد منها، لكن لأسبابٍ مختلفة عنها في ألمانيا، سأناقش بعضها في القسم اللاحق عمَّا بعد البنيوية. وفي سياق الحياة الثقافية الفرنسية، لم يكن مصطلح «ما بعد الحداثة» موجودًا ببساطة خلال الستينيات، وحتى اليوم لا يبدو أنه يتضمن قطيعةً كبرى مع الحداثة مثلما يفعل في الولايات المتحدة.

وأودُّ الآن أن أضع تخطيطًا أوليًّا لأربع خصائص رئيسية للمرحلة المبكرة مما بعد الحداثة تشير جميعها إلى اتصال ما بعد الحداثة مع التقاليد العالمية لما هو حديث، نعم، لكنها — وهذه هي النقطة التي أقصدها — تؤسس كذلك ما بعد الحداثة الأمريكية كحركة قائمة بذاتها Sui generis.
  • أولًا: تميزَت ما بعد حداثة الستينيات بخيالٍ زمني temporal imagination أظهر حسًّا قويًّا بالمستقبل وبالآفاق الجديدة، بالقطيعة والانقطاع، بالأزمة وصراع الأجيال، خيال يذكِّرنا بحركات الطليعة السابقة في القارة [الأوروبية-م] مثل الدادا والسوريالية وليس بالحداثة العليا. هكذا فإن إعادة إحياء مارسيل دوشامب كأبٍ روحي بعد حداثة الستينيات ليست مصادفةً تاريخية. ورغم ذلك فإن المنظومة التاريخية التي استنفدت فيها ما بعد حداثة الستينيات قواها (من خليج الخنازير وحركة الحقوق المدنية إلى التمردات الجامعية، والحركة المناهضة للحرب، والثقافة-المضادة) تجعل هذه الطليعة أمريكية تحديدًا، حتى حين لم يكن قاموسها من الأشكال والتقنيات الجمالية جديدًا على نحوٍ جذري.
  • ثانيًا: كانت المرحلة المبكرة لما بعد الحداثة تتضمن هجومًا محطِّمًا للأوثان على ما حاول بيتر بورجر Peter Bürger التقاطه نظريًّا على أنه «فن المؤسسة، وبهذا المصطلح يشير بورجر أولًا وقبل كل شيء إلى الطرق التي يتم بها إدراك وتعريف دور الفن في المجتمع، وثانيًا، إلى الطرق التي يتم بها إنتاج الفن، وتسويقه، وتوزيعه، واستهلاكه. وفي كتابه نظرية الطليعة Theory of the Avant-garde جادل بورجر بأن الهدف الرئيسي للطليعة الأوروبية التاريخية (الدادا، والسوريالية المبكرة والطليعة الروسية لما بعد الثورة) كان تدمير، ومهاجمة، وتحويل فن المؤسسة البورجوازي وأيديولوجيته في الاستقلال وليس مجرد تغيير أنماط التمثيل الفني والأدبي. وتمضي لمسألة الفن بوصفه مؤسسة في المجتمع البورجوازي إلى مدى بعيد باتجاه اقتراح تمييزاتٍ مفيدة بين الحداثة والطليعة، وهي تمييزاتٌ يمكِنها بدورها أن تساعدنا على تحديد مكان الطليعة الأمريكية لأعوام الستينات. في عرض بورجر كانت الطليعة الأوروبية أساسًا هجومًا على رفعة الفن الرفيع وعلى انفصال الفن عن الحياة اليومية كما تطور في النزعة الجمالية للقرن التاسع عشر وإنكارها للواقعية. ويجادل بورجر بأن الطليعة حاولَت إعادة تكامل الفن مع الحياة أو، إذا استخدمنا صيغته الهيجلية-الماركسية، حاولَت إدماج to sublate الفن في الحياة، وهو يرى محاولة إعادة التكامل هذه عن صوابٍ فيما أظن، باعتبارها قطيعةً كبرى مع التقاليد الجمالية النزعة لأواخر القرن التاسع عشر. وقيمة عرض بورجر بالنسبة للسجالات الأمريكية المعاصرة تكمُن في أنه يتيح لنا التمييز بين مراحلَ مختلفة ومشروعاتٍ مختلفة ضمن مسار ما هو حديث. وفي الحقيقة، لم يعُد من الممكن الحفاظ على التسوية المألوفة بين الطليعة والحداثة؛ فعلى عكس قصد الطليعة إلى دمج الفن والحياة، ظلت الحداثة دومًا مرتبطة بالتصور الأكثر تقليدية للعمل الفني المستقل، ببناء الشكل والمعنى (مهما كان هذا المعنى إغرابيًّا أو ملتبسًا، أو مزاحًا، أو لا يقبل التحديد)، وبالوضع التخصصي للجمال. والنقطة الهامة سياسيًّا في عرض بورجر بالنسبة لمناقشتي حول الستينيات هي هذه؛ أن هجوم الطليعة التاريخية المحطِّم للأوثان على المؤسسات الثقافية وعلى أنماط التمثيل التقليدية كان يفترض سلفًا مجتمعًا يلعب فيه الفن الرفيع دورًا أساسيًّا في إضفاء المشروعية على الهيمنة، أو، إذا وضعنا ذلك في ألفاظٍ أكثر حيادية، لدعم مؤسَّسة ثقافية ومزاعمها في امتلاك المعرفة الجمالية. وكان إنجاز الطليعة التاريخية أنها نسفَت ونزعَت الأوهام عن خطاب الفن الرفيع الذي يُضفي المشروعية في المجتمع الأوروبي. ومن جهةٍ أخرى، فإن مختلف اتجاهات الحداثة لهذا القرن لم تحافظ على، ولم تستعد طبعاتٍ من الثقافة الرفيعة، وهي مهمة سهَّلها بالتأكيد إخفاق الطليعة التاريخية النهائي الذي ربما كان لا مناص منه في إعادة تكامل الفن مع الحياة. إلا أنني سأشير إلى أن هذه الراديكالية المحددة للطليعة، والموجهة ضد إضفاء الطابع المؤسسي على الفن الرفيع بوصفه خطابًا للهيمنة وآلة للمعنى، هذه الراديكالية هي التي زكَّت نفسها كمصدر للطاقة والإلهام لما بعد الحداثيين الأمريكيين لأعوام الستينيات؛ فربما للمرة الأولى في الثقافة الأمريكية كان ثمَّة معنًى سياسي لتمرُّد طليعي ضد تقاليد للفنِّ الرفيع وما كان يجري إدراكه على أنه دورها المهيمن. كان الفن الرفيع قد أصبح في الحقيقة مصطبغًا بالطابع المؤسَّسي في المتحف، وقاعة العرض، والحفل الموسيقي، والتسجيل، وثقافة كُتب الجيب لأعوام الخمسينيات، وجميعها مزدهرة.
    والحداثة نفسها دخلَت إلى التيار الرئيسي عن طريق الاستنساخ بالجملة وصناعة الثقافة. وخلال عهد كنيدي، بدأَت الثقافة الرفيعة حتى في تولي وظائف التمثيل السياسي مع حضور روبرت فروست Robert Frost وبابلو كاسالس Pablo Casals، ومالرو Malraux وسترافينسكي Stravinsky إلى البيت الأبيض. والمفارقة في هذا كله هي أنه في أول مرة يكون فيها لدى الولايات المتحدة شيء يشبه «فن المؤسسة» بالمعنى التوكيدي الأوروبي، كان هذا الفن هو الحداثة نفسها، نوع الفن الذي كان هدفه دائمًا هو مقاومة اكتساب الطابع المؤسَّسي. في شكل مسرحيات الحدث happenings، ولكنه البوب، وفن المخدرات Psychedelic art، والروك الحمضي acid rock ومسرح الشارع والمسرح البديل، كانت ما بعد حداثة الستينيات تتلمس طريقها لتعيد التقاط الروح المناوئة التي غذت الفن الحديث في مراحله المبكرة، لكن التي بدا أنه لم يعد قادرًا على الحفاظ عليها. وبالطبع، فإن «نجاح» طليعة البوب، التي انبثقَت هي نفسها كاملة التفتُّح من الإعلان بالدرجة الأولى، جعلها مربحة على الفور، وبذلك شفطها داخل صناعة ثقافة أكثر تطورًا من تلك التي كان على الطليعة الأوروبية الأسبق أن تتنازع معها. لكن رغم ذلك الاصطفاء Cooption من خلال الاصطباغ بالطابع السلعي، فإن طليعة البوب احتفظَت بحدٍّ قاطعٍ معيَّن ملاصق لثقافة المواجهة في الستينيات. ومهما كان الهجوم مخدوعًا بشأن فعاليته المحتملة، فإن الهجوم على فن المؤسسة كان دائمًا كذلك هجومًا على المؤسسات الاجتماعية المهيمنة، والمعارك الصاخبة في الستينيات حول ما إذا كان البوب فنًّا مشروعًا أم لا تُثبت هذه النقطة.
  • ثالثًا: شارك كثير من المدافعين الأوائل عما بعد الحداثة في التفاؤل التكنولوجي الذي تبنَّته شرائح من طليعة العشرينات. وما كانت تمثِّله الفوتوغرافيا والسينما بالنسبة لفرتوف Vertov وترتيياكوف Tretyakov، وبريخت Brecht، وهارتفيلد Heartfield وبنيامين Benjamin في تلك الفترة، أصبح يمثِّله التليفزيون والفيديو، والكومبيوتر بالنسبة لأنبياء الجماليات التكنولوجية في الستينيات. أخرويات ماكلوهان السيبرنطيقية والتكنوقراطية وامتداح حسن ﻟ «التكنولوجيا المطلقة العنان»، و«التبعثر بلا حدود بواسطة وسائل الإعلام»، و«الكومبيوتر بوصفه وعيًا بديلًا» — (ارتبطَت جميعها بسهولة بالرؤى المنتشية لمجتمع ما بعد صناعي). وحتى إذا قارنَّا ذلك بالتفاؤل التكنولوجي المماثل في تدفقه لدى العشرينيات فمن المدهش أن نرى استرجاعيًّا كيف احتضن المحافظون، والليبراليون، واليساريون على السواء في الستينيات تكنولوجيا وسائل الإعلام والنموذج السيبرنطيقي بطريقةٍ لا نقدية.
ويقودني الحماس لوسائل الإعلام الجديدة إلى الاتجاه الرابع ضمن ما بعد الحداثة المبكرة؛ فقد ظهرَت محاولةٌ نشطة، لكنها كذلك لانقدية إلى حدٍّ كبير، لإعطاء قيمة للثقافة الشعبية كتحدٍّ لمعيار الفن الرفيع، حداثيًّا كان أم تقليديًّا. هذا الاتجاه «الشعبوي» لأعوام الستينيات، باحتفائه بموسيقى الروك آندرول والموسيقى الفولكلورية، بخيال الحياة اليومية وبالأشكال المتعددة للأدب الشعبي، اكتسب الكثير من طاقته في سياق الثقافة-المضادة وبتخلٍّ شبه كامل عن تقليدٍ أمريكي أسبق يقضي بنقد الثقافة المعمَّمة الحديثة. وقد كان لسعادة ليزلي فيدلر بسابقة «ما بعد» في مقاله «المتحولون الجدد» The New Mutants، كان لها تأثيرٌ منعش في حينها؛ فقد كان ما بعد الحداثي منطويًا على وعدٍ بعالم «ما بعد أبيض»، «ما بعد ذكوري»، «ما بعد-إنساني»، ما بعد-بيوريتاني». ومن السهل أن نرى كيف أن كل نعوت فيدلر تُصوَّب إلى الدوجما الحداثية وإلى تصوُّر المؤسسة الثقافية لمغزى كل الحضارة الغربية. وفعلَت جماليات الكامب Camp لدى سوزان سونتاج نفس الشيء تقريبًا. ورغم أنها كانت أقلَّ شعبوية، فقد كانت مماثلة في عدائها للحداثة العليا. وثمَّة تناقضٌ غريب في هذا كله؛ فشعبوية فيدلر تردِّد بالضبط علاقة المناوأة تلك بين الفن الرفيع والثقافة الشعبية، التي، في تقارير كليمنت جرينبرج Clement Greenberg وتيودور أدورنو Theodor W. Adorno، كانت أحد أعمدة الدوجما الحداثية التي شرع فيدلر في هدمها. إلا أن فيدلر يتخذ موقعه على الضفة الأخرى، في مواجهة جرينبرج وأدورنو، كما هي الحال، بإضفائه القيمة على ما هو شعبي وتوجيهه الضربات ﻟ «النخبوية». إلا أن دعوة فيدلر لعبور وردم الهوَّة بين الفن الرفيع والثقافة المعمَّمة وكذلك نقده السياسي الضمني لما أصبح يُعرف فيما بعدُ بأنه «المركزية الأوروبية»، «ومركزية الكلمة» Logocentrism يمكن أن تفيد كعلامةٍ هامة على التطورات التالية ضمن ما بعد الحداثة. والعلاقة الإبداعية الجديدة بين الفن الرفيع وبين أشكالٍ معيَّنة من الثقافة المعمَّمة تُعد، في رأيي، حقًّا إحدى العلامات الرئيسية للاختلاف بين الحداثة العليا وبين الفن والأدب الذي تلاها في السبعينيات والثمانينيات في كلٍّ من أوروبا والولايات المتحدة. وعلى وجه الدقة، فإن إثبات الذات الذي أظهَرتْه مؤخرًا ثقافات جماعات الأقلية وبروزها في الوعي العام هو ما نسف الاعتقاد الحداثي بأن الثقافة الرفيعة والهابطة يجب الفصل بينهما تصنيفيًّا، فذلك الفصل الصارم لا يعني الكثير ببساطة ضمن نطاق ثقافة أقلية معيَّنة وُجدَت دائمًا في الخارج في ظل الثقافة الرفيعة السائدة.
وختامًا، أقول إنه من منظورٍ أمريكي كان لما بعد حداثة الستينيات بعض سمات حركةٍ طليعة أصيلة، حتى ولو كان الوضع السياسي العام لأمريكا الستينيات لا يقبل المقارنة بأي حال بوضع برلين أو موسكو في أوائل العشرينيات حين تمت صياغة التحالف الهش والقصير الأمد بين النزعة الطليعية والسياسة الطليعية؛ فبسبب عددٍ من الأسباب التاريخية، لم تكن روح الطليعية الفنية بوصفها تحطيمًا للأوثان، بوصفها تأملًا متمعنًا في الوضع الأنطولوجي للفن في المجتمع الحديث، بوصفها محاولة لصياغة حياةٍ أخرى، لم تكن بعدُ قد استُنفدَت ثقافيًّا في الولايات المتحدة في الستينيات كما كانت في أوروبا في نفس الوقت … ومن ثَم، من منظورٍ أوروبي، بدا الأمر كله بمثابة لعبة النهاية للطليعة التاريخية أكثر من كونه تجاوزًا إلى آفاقٍ جديدة كما كانت تزعم عن نفسها. والنقطة التي أودُّ التأكيد عليها هنا هي أن ما بعد الحداثة الأمريكية لأعوام الستينيات كانت كلا الأمرَين؛ طليعة أمريكية ولعبة النهاية للطليعية الدولية. وسأمضي لأجادل بأن من المهم حقًّا بالنسبة للمؤرخ الثقافي أن يحلِّل تلك اللا-تزامنات Ungleichzeitigkeit ضمن إطار الحداثة وأن يربطها بنفس المنظومات constellations والسياقات المحددة للثقافات والتواريخ القومية والإقليمية. والرأي القائل بأن ثقافة الحداثة جوَّانية internalist أساسًا — بحدها القاطع الذي يتحرك في المكان والزمان من باريس في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى موسكو وبرلين في العشرينيات ثم إلى نيويورك في الأربعينيات — هو رأيٌ مرتبط بغائية teleology للفن الحديث نصها الثانوي غير المنطوق هو أيديولوجيا التحديث. وهذه الغائية وأيديولوجيا التحديث على وجه الدقة هي ما أصبحَت إشكالية باطِّرادٍ في عصرنا ما بعد الحداثي، ربما لم تكن إشكاليةً لدرجةٍ كبيرة في قدراتها الوصفية المتصلة بالأحداث الماضية، لكنها إشكالية بالتأكيد في مزاعمها المعيارية.

(٤) ما بعد الحداثة في السبعينيات والثمانينيات

بمعنًى معيَّن، يمكنني الجدال بأن ما رسمت خريطته حتى الآن هو في الحقيقة ما قبل تاريخ ما بعد الحداثي؛ ففي نهاية المطاف، لم يكتسب المصطلح «ما بعد الحداثة» تداولًا واسعًا إلا في السبعينيات، بينما كان جزءٌ كبير من اللغة المستخدمة لوصف فن، وعمارة، وأدب الستينيات ما زال مشتقًا — وهذا أمرٌ معقول من بلاغة النزعة الطليعية ومما سميتُه «أيديولوجيا التحديث». أما التطورات الثقافية لأعوام السبعينيات، فإنها مختلفة بما يكفي لأن نُعطيها وصفًا منفصلًا. وفي الحقيقة، فإن أحد الاختلافات الرئيسية يبدو أنه يتمثل في أن بلاغة الطليعية قد خبت بسرعة في السبعينات؛ بحيث إن المرء ربما استطاع الآن فقط أن يتحدث عن ثقافة ما بعد حداثية وما بعد طليعية أصيلة. وحتى إذا اختار مؤرخو الثقافة في المستقبل، مع تمتعهم بميزة النظر إلى الوراء، أن ينحازوا لمثل هذا الاستخدام للمصطلح، فسوف أظل أجادل بأن العنصر المناوئ والنقدي في مفهوم ما بعد الحداثة لا يمكن للمرء أن يدركه إلا إذا أخذ أواخر الخمسينيات كنقطة انطلاق لرسم خريطة لما بعد الحداثي وإذا ركزنا على السبعينيات فقط، فإن اللحظة المناوئة فيما بعد الحداثي سيكون من الأصعب كثيرًا إبرازها على نحوٍ دقيق بسبب التحول في مسار ما بعد الحداثة الذي يكمُن في مكان ما عند الخطوط الفاصلة بين «الستينيات» و«السبعينيات».

بحلول أواسط السبعينيات، فإن افتراضات أساسية معينة للعقد المنصرم كانت إما قد اختفت أو تحولَت. كان الحس ﺑ «تمرد مستقبلي» (فيدلر) قد ولَّى. وبدت إيماءات تحطيم الأوثان لدى طلائع البوب، والروك، والجنس مستنفدة حيث إن انتشارها المصطبغ بالصبغة التجارية باطرادٍ قد حرمها من وضعها الطليعي. وأفسح التفاؤل السابق بالتكنولوجيا، ووسائل الإعلام، والثقافة الشعبية، المجال لتقييماتٍ نقدية وأكثر تعقلًا؛ التليفزيون بوصفه تلوثًا وليس دواءً لكل داء Panacea في سنوات ووترجيت والعذاب المتطاول لحرب فيتنام، سنوات صدمة البترول والتنبؤات القاتمة لنادي روما، كان من الصعب حقًّا المحافظة على ثقة وحيوية الستينيات. كان يجري شجب اليسار الجديد، وحركات مناهضة الحرب بوتيرة أعلى باعتبارها جوانب شذوذ طفولي في التاريخ الأمريكي. كان من السهل رؤية أن الستينيات قد انقضت. لكن من الأصعب وصف المشهد الثقافي البازغ الذي بدا أكثر هلامية وتبعثرًا من مشهد الستينيات. وقد يبدأ المرء بالقول بأن المعركة ضد الضغوط المعيارية للحداثة العليا، التي جرى شنها خلال الستينيات كانت ناجحة-مفرطة النجاح، كما قد يجادل البعض. وبينما كان لا يزال ممكنًا مناقشة الستينيات على أساس تتابعٍ منطقي للأساليب (فن البوب، والفن البصري، والفن الحركي، وفن الحد الأدنى، وفن المفهوم). أو على أساس حدودٍ حداثية مماثلة للفن مقابل الفن-المضاد أو اللا-فن، فإن تلك التمييزات قد فقدَت أرضيَّتها باطِّرادٍ في السبعينيات.

يبدو الوضع في السبعينيات متميزًا بالأحرى بتبعثر وتشتُّت متزايدَين على الدوام للممارسات الفنية التي تعمل كلها من حُطام الصرح الحداثي، مغيرة عليه بحثًا عن أفكار، وناهبةً قاموسه، وملحقة به صورًا وموتيفات منتقاة عشوائيًّا من الثقافات قبل-الحديثة وغير-الحديثة وكذلك من الثقافة المعمَّمة المعاصرة. لم يجرِ فعلًا إلغاء الأساليب الحداثية، لكنها، كما لاحظ أحد نقاد الفن مؤخرًا، تظل «تتمتع بنوعٍ من نصف الحياة في الثقافة المعمَّمة»، وذلك مثلًا في الإعلان عن غِلاف التسجيلات، وقطع الأثاث والأدوات المنزلية، والرسوم التوضيحية لقصص الخيال العلمي، وواجهات العرض، إلى آخره لكن ثمَّة طريقة أخرى لطرح المسألة قد تتمثل في القول بأن كل التقنيات والأشكال، والصور الحداثية والطليعية، مختزنة الآن رهن الاستعادة الفورية في بنوك الذاكرة المبرمجة لثقافتنا. لكن نفس الذاكرة تختزن أيضًا كل الفن ما قبل الحداثي وكذلك الأنواع، والشفرات وعوالم الصور للثقافات الشعبية والثقافة الحديثة المعمَّمة. ويبقى أمامنا أن نحلِّل كيف أن هذه القدرات الهائلة الاتساع على تخزين، وتجهيز، واستدعاء المعلومات قد أثَّرت على الفنانين وعلى عملهم. لكن شيئًا واحدًا يبدو واضحًا؛ أن الفاصل الضخم الذي كان يفصل الحداثة العليا عن الثقافة الشعبية، والذي جرى تقنينُه في مختلف التقارير الكلاسيكية عن الحداثة، لم يعُد يبدو صالحًا للحساسيات الفنية أو النقدية ما بعد الحداثية.

وحيث إن المطلب الحاسم بالفصل الذي لا يلين بين الرفيع والوضيع قد فقد الكثير من قوة إقناعه، فربما كنا الآن في وضعٍ أفضل لفهم الضغوط السياسية والشروط التاريخية التي شكلَت تلك التقارير في المقام الأول. وسوف أشير إلى أن المكان الأولى لما أسمِّيه الفاصل الضخم كان عصر ستالين وهتلر حين صاغ خطر السيطرة الشمولية على كل الثقافة تنويعة من الاستراتيجيات الدفاعية التي تستهدف حماية الثقافة الرفيعة عمومًا، وليس الحداثة فحسب. وقد جادل نقاد الثقافة المحافظون مثل أورتيجا إي جاسيت Ortega y Gasset بأن الثقافة الرفيعة بحاجة إلى حمايتها من «تمرُّد الجماهير»، بينما أصرَّ النقاد اليساريون مثل أدورنو على أن الفن الأصيل يقاوم استيعابه في داخل صناعة الثقافة الرأسمالية، التي عرَّفها بأنها الإدارة الشاملة للثقافة من أعلى. وحتى لوكاتش، الناقد اليساري للحداثة بامتياز، فقد طوَّر نظريته في الواقعية البورجوازية العليا ليس في اتفاق مع، بل في تناحر مع الدوجما الزدانوفية حول الواقعية الاشتراكية وممارستها القاتلة للرقابة.
من المؤكد أنه ليس من قبيل المصادفة أن التقنين الغربي للحداثة كمعيار للقرن العشرين قد حدث خلال الأربعينيات والخمسينيات، قبل وخلال الحرب الباردة. ولستُ أختزل الأعمال الحداثية العظيمة، عن طريق نقدٍ أيديولوجي بسيط لوظيفتها، إلى ألعوبة في يد الاستراتيجيات الثقافية للحرب الباردة. إلا أن ما أوحي به، هو أن عصر هتلر، وستالين، والحرب الباردة قد أنتج تقارير محدَّدة عن الحداثة، مثل تقارير كليمنت جرينبرج وأدورنو اللذَين لا يمكن الفصل تمامًا بين مقولاتهما الجمالية وبين ضغوط تلك الحقبة وبهذا المعني، كما سأجادل، فإن منطق الحداثة الذي يدافع عنه أولئك النقاد قد أصبح طريقًا جماليًّا مسدودًا إلى المدى الذي جعله مرفوعا كتوجيهٍ صارم لما سيتلوه من إنتاجٍ فني وتقييمٍ نقدي. وضد تلك الدوجما، فتح ما بعد الحداثي بالفعل اتجاهاتٍ جديدة ورؤًى جديدة؛ فبينما بدأَت المواجهة بين الواقعية الاشتراكية «السيئة» والفن «الجيد» للعالم الحر تفقد قوة دفعها الأيديولوجية في عصر الانفراج (detente)، أصبح بالإمكان إعادة تقييم مجمل العلاقة بين الحداثة والثقافة المعمَّمة وكذلك مشكلة الواقعية على أسسٍ أقل تشيؤًا، وبينما كان الموضوع مطروحًا بالفعل في الستينيات، في فن البوب ومختلف أشكال الأدب الوثائقي على سبيل المثال، فإن الفنانين أخذوا في السبعينيات فقط في الاعتماد بشكلٍ متزايد على أشكال وأجناس الثقافة الشعبية أو المعمَّمة، مكسبيها استراتيجياتٍ حداثية و/أو طليعية. وإحدى المجموعات الكبرى من الأعمال التي تمثل هذا الميل هي السينما الألمانية الجديدة، وبالأخص هنا أفلام رانير فيرنر فاسبيندر Rainer Werner Fassbinder، الذي يمكن تفسير نجاحه في الولايات المتحدة على هذا الأساس بالضبط. كذلك ليس من قبيل الصدفة أن تنوُّع الثقافة المعمَّمة قد أصبح الآن موضوع اعتراف وتحليل أولئك النقاد الذين بدَءوا يتخلصون باطرادٍ من الدوجما الحداثية القائلة بأن كل الثقافة المعمَّمة هابطة Kitsch جملة واحدة، ومعوقة نفسيًّا، ومدمرة للعقل. وبدت إمكانات المزج والتضافر التجريبيَّين بين الثقافة المعمَّمة والحداثة إمكانات واعدة وأنتجَت بعضًا من أنجح وأكثر فن وأدب السبعينيات طموحًا. وغني عن القول أنها أنتجَت أيضًا إخفاقاتٍ جمالية، لكن الحداثة نفسها لم تُنتج الروائع فقط.
وعلى وجه الخصوص، فإن فن، وكتابة، وسينما، ونقد فناني النساء والأقليات، باستعادتهم لتقاليد مدفونة ومشوهة، وبتأكيدهم على استكشاف أشكال الذاتية القائمة على أساس الجنس والعرق في الإنتاجات والتجارب الجمالية، وبرفضهم أن يظلوا محدودين بحدود التقنينات المعيارية القياسية، كانت هي الأشياء التي أضافت بُعدًا جديدًا تمامًا لنقد الحداثة العليا، ولظهور أشكال بديلة من الثقافة. وهكذا توصلنا إلى أن نرى أن العلاقة الخيالية للحداثة بالفن الأفريقي والشرقي إشكالية على نحوٍ عميق، وسوف نتناول، مثلًا، الكُتاب الأمريكيين اللاتين المعاصرين، بطريقة تختلف عن امتداحهم لكونهم حداثيين جيدين تعلَّموا حرفتهم، بالطبع، في باريس. وقد ألقى نقد النساء ضوءًا جديدًا على المعيار الحداثي نفسه انطلاقًا من تنويعه من المنظورات النسوية المختلفة. ودون الخضوع لنوع النزعة الجوهرية الأنثوية التي تُعد أحد أكثر الجوانب إشكالية في المشروع النسوي essentialist feminism؛ فإنه يبدو واضحًا أنه لولا النظرة النقدية الفاحصة للنقد النسوي، فربما ظلت التحديدات القاطعة والهواجس الذكورية للمستقبلية الإيطالية، أو لمذهب الدوامة Vorticism، أو مذهب البنائية الروسي Constructivism، أو العيانية-الجديدة Neue Sachlichkeit، أو السوريالية محجوبة عن أنظارنا؛ ولكانت كتابات ماري لويز فليسر Marieluise Fliesser وإنجبورج باخمان Ingeborg Bachmann. ولوحات فريدا كالو Frida Kahlo، ما تزال مجهولة إلا لحفنة من الاختصاصيين. وبالطبع، يمكن تفسير مثل هذه الاستبصارات الجديدة بطرقٍ متعددة، والسجال حول جنس الجنسَين وحول النشاط الجنسي Sexuality وحق المؤلف الذكر والأنثى، وكذلك حق القارئ/المشاهد في الأدب والفنون هو سجال لم يُحسم بعدُ، ولم يجرِ بشكلٍ كامل تطوير مضامينه بالنسبة لصورةٍ جديدة للحداثة.
في ضوء هذه التطورات فإن من المحيِّر بعض الشيء أن يكون النقد النسوي قد ظل حتى الآن بعيدًا في معظمه عن سجال ما بعد الحداثة الذي يُعد غير متصل بالهموم النسوية. إلا أن حقيقة أن النقاد الذكور فقط الذين تناولوا حتى الآن مشكلة الحداثة/ما بعد الحداثة، لا تعني أنها لا تهم النساء. وسوف أجادل — وأنا هنا أتفق تمامًا مع كريج أوينز Craig Owens — بأن فن، وأدب، ونقد النساء، هي جزءٌ هام من الثقافة ما بعد الحداثية لأعوام السبعينيات والثمانينيات وهي في الحقيقة مقياس لحيوية وطاقة تلك الثقافة. والشك، في الحقيقة، هو من نوع أن الانعطاف المحافظ للسنوات الأخيرة له علاقة حقًّا بالظهور الملحوظ سوسيولوجيًّا لأشكالٍ عديدة من «الآخرية» Otherness في المجال الثقافي، وكلها تُدرك على أنها تهديد لاستقرار وقداسة المعيار والتقاليد. والمحاولات الراهنة لاستعادة طبعة تنتمي إلى الخمسينيات من الحداثة العليا من أجل الثمانينيات، تشير بالتأكيد إلى هذا الاتجاه. وفي هذا السياق تصبح مشكلة النزعة المحافظة-الجديدة محورية سياسيًّا بالنسبة للسجال حول ما بعد الحداثي.

(٥) ما بعد الحداثة … إلى أين؟

ما زال أمام التاريخ الثقافي للسبعينيات أن يكتب، وسوف يتوجب علينا مناقشة ما بعد الحداثات المتعددة في الفن، والأدب، والرقص، والمسرح، والعمارة، والسينما، والفيديو، والموسيقى، بشكلٍ منفصل وبالتفصيل. وكل ما أودُّ أن أفعلَه الآن هو أن أقدِّم إطارًا لربط بعض التغيُّرات الثقافية والسياسية الأخيرة بما بعد الحداثة وهي تغيُّرات تقع فعلًا خارج الشبكة المفهومية ﻟ «الحداثة/الطليعية»، ولم تتضمنها بعدُ سجالاتُ ما بعد الحداثة إلا نادرًا.

سوف أجادل بأن الفنون المعاصرة — بأوسع المعاني الممكنة، سواء كانت تسمِّي نفسها ما بعد حداثية أو ترفض هذا التصنيف — لم يعُد من الممكن النظر إليها كمجرد مرحلةٍ أخرى في تتابع الحركات الحداثية والطليعية التي بدأَت في باريس في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، والتي حافظَت على روح تقدُّم ثقافي وطليعية خلال ستينيات هذا القرن. على هذا المستوى، لا يمكن النظر إلى ما بعد الحداثة كمجرد مرحلةٍ تالية للحداثة، كآخر خطوة في التمرد الذي لا ينتهي للحداثة ضد نفسها؛ فالحساسية ما بعد الحداثية لعصرنا تختلف عن كلٍّ من الحداثة والطليعية بالضبط في أنها تُثير مشكلة التقاليد الثقافية والمحافظة بأكثر الطرق جوهرية كموضوعٍ جمالي وسياسي. وهي لا تفعل ذلك بنجاح دائمًا، وعادة ما تفعله بطريقة استغلالية إلا أن النقطة الرئيسية التي أودُّ تأكيدها بصدد ما بعد الحداثة المعاصرة هي أنها تعمل في مجال توتر بين التقاليد والتجديد، بين المحافظة والتجدُّد، بين الثقافة المعمَّمة والفن الرفيع، وهو مجال لم تعُد فيه المصطلحات الثانية في الترتيب متميزة بصورةٍ آلية عن الأولى في الترتيب؛ إنه مجال توتر لم يعُد من الممكن إدراكه بمقولاتٍ من قبيل التقدم ضد الرجعية، اليسار ضد اليمين، الحاضر ضد الماضي الحداثة ضد الواقعية، التجريد ضد التشخيص، الطليعة ضد الفن الهابط Kitsch. وحقيقة أن تلك الثنائيات، المحورية في نهاية الأمر بالنسبة للتقارير الكلاسيكية عن الحداثة، قد انهارت هي جزء من التحول الذي كنتُ أحاول وصفه. كذلك يمكنني أن أقرر التحول على النحو التالي: كانت الحداثة والطليعة وثيقتَي الصلة دائمًا بالتحديث الاجتماعي والصناعي. كانتا مرتبطتَين به كثقافةٍ مناوئة، حقًّا، لكنهما استمدتا طاقاتهما، على غرار رجل الزحام The Man of the Crowd عند بو Poe، من قربهما من الأزمات التي جلبها التحديث والتقدم. التحديث — كانت هذه هي العقيدة الواسعة الانتشار، حتى حين لا تكون الكلمة موجودة — يجب عبوره. وكان ثمَّة رؤيا للانبثاق على الجانب الآخر. كان الحديث دراما باتساع العالم تُمثل على المسرح الأوروبي والأمريكي، بطلها إنسانٌ حديث أسطوري والفن الحديث قوة دافعة، تمامًا كما ارتسم بالفعل في رؤيا سان-سيمون Saint-Simon في عام ۱۹۲٥م. هذه الرؤى البطولية للحداثة وللفن كقوة للتغيير الاجتماعي (أو، بالأحرى، كمقاومة للتغير غير المرغوب) هي أمرٌ من أمور الماضي، يبعث الإعجاب بالتأكيد، لكنه لم يعُد متناغمًا مع الحساسيات الجارية، ربما باستثناء تناغمه مع حساسيةٍ صاعدة منذرة بيوم القيامة تُعد الوجه الآخر للبطولية الحداثية.
وإذا نُظر إلى ما بعد الحداثة في هذا الضوء، فإنها عند أعمق مستوياتها لا تمثل أزمةً أخرى ضمن إطار الدورة الدائمة من الرواج والإخفاق، من الاستنفاد والتجدُّد التي ميَّزت مسار الثقافة الحداثية، بل إنها تمثِّل نمطًا جديدًا من الأزمة في تلك الثقافة الحداثية ذاتها، وبالطبع، قيل هذا الزعم من قبلُ، وكانت الفاشية في الحقيقة أزمةً ضخمة في الثقافة الحداثية. لكن الفاشية لم تكن أبدًا البديل الذي تتظاهر بكونه للحداثة، ووضعنا اليوم شديد الاختلاف عن وضع جمهورية فايمار في احتضارها؛ فلم تظهر بوضوحٍ قاطع الحدود التاريخية لنزعة الحداثة، والحداثة والتحديث إلا في السبعينيات. والإحساس المتزايد بأننا لسنا مقيدين بأن نكمل «مشروع الحداثة» (عبارة هابرماس) كذلك ليس علينا بالضرورة أن ننزلق إلى اللاعقلانية أو إلى جنون نهاية العالم، الإحساس بأن الفن لا يتبع فقط غايةً ما في التجريد، وعدم التمثيل والتسامي — كل هذا فتح كوكبة جديدة من الإمكانات أمام الجهود الإبداعية اليوم، وغيَّر آراءنا في الحداثة نفسها من نواحٍ معيَّنة. وبدَل أن نكون مقيَّدين بتاريخٍ ذي اتجاهٍ واحد للحداثة يفسِّرها على أنها تفتُّح منطقي صوب هدفٍ خيالي ما، وبذلك يكون قائمًا على أساس سلسلةٍ كاملة من الاستبعادات، فإننا نبدأ في استكشاف تناقضاتها وشروطها، توتراتها ومقاوماتها الداخلية لنفس حركتها «إلى الأمام». استراتيجياتها أن ما بعد الحداثة أبعد ما تكون عن جعل الحداثة عتيقة. فإنها على النقيض، تسلِّط ضوءًا جديدًا عليها وتتملك الكثير من استراتيجياتها وتقنياتها الجمالية، غارسةً إياها لتجعلها تعمل في منظومات constellations جديدة. أما ما أصبح عتيقًا، فهي تقنينات الحداثة في الخطاب النقدي التي تقوم، رغم أن ذلك دون وعي منها، على أساس نظرةٍ غائية للتقدم والتحديث. والمفارقة هي أن هذه التقنينات المعيارية والاختزالية عادةً قد مهَّدَت الأرض لذلك النبذ للحداثة الذي يحمل اسم ما بعد الحديث. في مواجهة الناقد الذي يجادل بأن هذه الرواية أو تلك لا ترقى إلى مستوًى آخر صيحة في التقنية السردية، أنها تقَهقُرية regressive متخلفة عن العصر، وبذلك فإنها غير ملفتة، يكون ما بعد الحداثي على حق في رفضه للحداثة. لكن الرفض لا يسري إلا على ذلك الاتجاه ضمن الحداثة الذي تقنَّن في دوجما ضيقة ولا يسري على الحداثة بما هي كذلك. ومن بعض الزوايا فإن قصة الحداثة وما بعد الحداثة تشبه قصة القنفذ والأرنب؛ لم يكن بإمكان الأرنب أن يفوز لأن ثمَّة دائمًا أكثر من قنفذٍ واحد. لكن الأرنب ما زال هو العداء الأفضل.

إن أزمة الحداثة أكثر من مجرد أزمة في تلك الاتجاهات داخلها التي تربطها بأيديولوجيا التحديث، وفي عصر الرأسمالية المتأخرة، فإنها أيضًا أزمة جديدة في علاقة الفن بالمجتمع؛ ففي أشد حالاتها تشديدًا، نسبت الحداثة والطليعية للفن منزلةً متميِّزة في عمليات التغيير الاجتماعي، وحتى الانسحاب الجمالي النزعة من هموم التغيير الاجتماعي ما زال مربوطًا به بفضل إنكاره لذلك الوضع القائم وإنشاء فردوسٍ اصطناعي ذي جمالٍ فاتن. حين كان التغيير الاجتماعي يبدو بعيدًا عن المتناول أو يتخذ منعطفًا غير مرغوب، كان الفن ما زال متميزًا باعتباره الصوت الأصيل الوحيد للنقد والاحتجاج، حتى حين بدا أنه ينسحب إلى داخل نفسه، وتشهد على ذلك التقارير الكلاسيكية عن الحداثة العليا. والإقرار بأن هذه كانت أوهامًا بطولية — ربما حتى أوهامًا ضرورية في صراع الفن من أجل البقاء بكرامة في مجتمعٍ رأسمالي - لا يعني إنكار أهمية الفن في الحياة الاجتماعية.

لكن نزاع الحداثة المستمر مع المجتمع الجماهيري والثقافات الجماهيرية، وكذلك هجوم الطليعة على الفن الرفيع باعتباره نظام دعم للهيمنة الثقافية كان يجري دائمًا على قاعدة تمثال الفن الرفيع نفسه. وهذا بالتأكيد هو الموضع الذي وضعت فيه الطليعة بعد إخفاقها في العشرينيات، في خلق مكانٍ أشمل للفن في الحياة الاجتماعية. والاستمرار في المطالبة اليوم بأن يغادر الفن الرفيع قاعدة التمثال ويعيد وضع نفسه في موضعٍ آخر (أينما كان ذلك) هو طرح للمشكلة على أسسٍ عتيقة؛ فلم تعُد قاعدة تمثال الفن الرفيع والثقافة الرفيعة تحتل المكان المتميز الذي تعوَّدَت احتلاله، بالضبط بقَدْر ما أصبح تماسك الطبقة التي أقامت تماثيلها فوق تلك القاعد أمرًا من أمور الماضي؛ والمحاولات المحافظة الأخيرة في عدد من البلدان الغربية لاستعادة كبرياء كلاسيكيات الحضارة الغربية، من أفلاطون عبْر آدم سميث Adam Smith وحتى أنصار الحداثة العليا، ولإعادة الطلاب إلى الأساسيات، تُثبت هذه النقطة، وأنا لا أقول الآن إن قاعدة تمثال الفن الرفيع لم تعُد موجودة؛ فهي موجودة بالطبع، لكنها ليست ما تعودت أن تكون. ومنذ الستينيات، صارت النشاطات الفنية أكثر تشتتًا بكثير وأصعب في احتوائها في إطار مقولاتٍ مأمونة أو مؤسساتٍ مستقرة مثل الأكاديمية، والمتحف، أو حتى شبكة قاعات العرض الراسخة. بالنسبة للبعض سيتضمن هذا التبعثر للممارسات والنشاطات الثقافية والفنية نوعًا من الخسارة، وفقدان الاتجاه؛ بينما سيعيشه البعض الآخر كحريةٍ جديدة، كتحرُّر ثقافي وليس أيٌّ من الجانبَين مخطئًا تمامًا، لكن يجب أن نُقر بأن النظرية أو النقد الأخيرَين لم يكونا وحدهما ما جرد تقارير الحداثة الأحادية التكافؤ، الحصرية، والشمولية من دورها المهيمن؛ فنشاطات الفنانين، والكُتاب، وصانعي الأفلام، والمعماريين، والمؤدِّين هي التي دفعَت بنا إلى ما وراء رؤيةٍ ضيقة للحداثة ومنحَتنا فرصةً جديدة للتعامل مع الحداثة ذاتها.
في عباراتٍ سياسية، يمكن سياقيًّا ربط تآكل الدوجما الثلاثية مذهب الحداثة/الحداثة/الطليعية بظهور إشكالية «الآخرية» otherness، التي فرَضت نفسها في المجال الاجتماعي السياسي.
بقَدْر ما فرضَت نفسها في المجال الثقافي، ولا يمكنني هنا أن أناقش الأشكال المختلفة والمتعددة للآخرية وهي تنشأ من الاختلافات في الذاتية، وجنس الجنسين والجنسية، في العِرق والطبقة، في عدم التزامن الزمني Ungleichzeitigkeit والمواضع والإزاحات المكانية الجغرافية. لكنني أودُّ أن أذكُر على الأقل أربع ظواهر أخيرة هي، في رأيي، وستظل مؤسِّسة للثقافة ما بعد الحداثية لبعض الوقت.
رغم كل طموحاتها وإنجازاتها النبيلة، أصبحنا نعترف بأن ثقافة الحداثة المستنيرة كانت كذلِك دائمًا (لكن ليس على سبيل الحصر) ثقافة إمبريالية داخلية وخارجية، وهذه قراءة قدمها بالفعل أدورنو وهوكهايمر Horkheimer في الأربعينيات واستبصار ليس غريبًا على البعض من أسلافنا الذين انخرطوا في خضم النضالات ضد التحديث المطلَق العنان. هذه الإمبريالية، التي تعمل في الداخل وفي الخارج، على المستويَين المتناهي الصغر micro والمتناهي الكبر macro، لم تعُد تمُر دون تحدٍّ سواء سياسيًّا، أو اقتصاديًّا، أو ثقافيًّا، ويبقى أن ننظر ما إذا كانت هذه التحديات ستبشِّر بقرب عالمٍ أكثر قابلية للسكنى، وأقل عنفًا، وأكثر ديمقراطية، ومن السهل أن يتشكَّك المرء. لكن التزمُّت المستنير هو إجابة غير كافية تمامًا مثل الحماس الأزرق-العينين للسلام والطبيعة.
لقد أدت حركة النساء إلى بعض التغيُّرات الدالة في البنية الاجتماعية والمواقف الثقافية يجب الحفاظ عليها حتى في وجه الإحياء البشع مؤخرًا للنزعة الذكورية machismo الأمريكية. بطرق مباشرة وغير مباشرة، غذت الحركة النسائية ظهور النساء كقوة مبدعة وواثقة من نفسها في الفنون، وفي الأدب والسينما، والنقد. والطرق التي نثير بها الآن أسئلة جنس الجنسَين gender والجنسية sexuality والقراءة والكتابة، والذاتية والمنطوق enunciation وصيغة الفعل voice والأداء، لا يمكن التفكير فيها بدون تأثير النسوية feminism، حتى ولو كان العديد من هذه النشاطات يجري على الهامش أو حتى خارج الحركة نفسها. كذلك أسهمَت الناقدات النسويات بقَدْرٍ أساسي في عمليات مراجعة تاريخ الحداثة، ليس فقط بنفضِ التراب عن الفنانين المنسيين، بل كذلك بتناول الحداثيين الذكور بطرقٍ مبتكرة، ويصدُق هذا أيضًا على «النسويات الفرنسيات الجدد» وتنظيرهن للأنثوي في الكتابة الحداثية، رغم أنهن يصمِّمن على الاحتفاظ بمسافةٍ جدالية عن الحركة النسوية من الطراز الأمريكي.
خلال السبعينيات، تعمقَت مسائل الأيكولوجيا والبيئة لتنتقل من سياسة تقوم على موضوعٍ واحد إلى نقدٍ واسع للحداثة والتحديث وهو اتجاه أقوى سياسيًّا وثقافيًّا في ألمانيا الغربية منه في الولايات المتحدة، ولا تتبدى الحساسية الأيكولوجية فحسب في الثقافات الثانوية السياسية والإقليمية، في أنماط الحياة البديلة، وفي الحركات الاجتماعية الجديدة في أوروبا، بل إنها تؤثِّر كذلك على الفن والأدب بطرق متعددة: عمل جوزيف بيوز Joseph Beuys، ومشروعات معيَّنة لفن الأرض، وسور عدو كريستو Christo’s بكاليفورنيا، وشعر الطبيعة الجديد، والعودة إلى التقاليد، واللهجات المحلية، إلى آخره. ونتيجة للحساسية الأيكولوجية المتنامية على وجه الخصوص تعرضَت للتمحيص النقدي تلك الصلة بين أشكال معيَّنة للحداثة وبين التحديث التكنولوجي.
وثمَّة وعيٌ متزايد بأن الثقافات الأخرى، الثقافات غير-الأوروبية، وغير الغربية، يجب أن تُقابل بطرقٍ أخرى غير الغزو أو الإخضاع، كما قال بول ريكور Paul Ricœur منذ أكثر من عشرين عامًا، وبأن الانبهار الشبقي والجمالي ﺑ «الشرق» و«البدائي» — وهو شديد البروز في الثقافة الغربية، بما في ذلك الحداثة — ينطوي على إشكالية عميقة. هذا الوعي سيكون عليه أن يترجم نفسه إلى نمطٍ جديد من العمل الثقافي مختلف عن عمل المثقف الحداثي الذي كان يتحدث بشكلٍ نمطي بثقة من يقف على حافة الزمن القاطعة وباستطاعته التحدث باسم الآخرين. وفكرة فوكوه Foucault عن المثقف المحلي والنوعي مقابل المثقف «الكوني» للحداثة، قد تقدم مخرجًا من مأزق الانحباس في ثقافتنا وتقاليدنا الخاصة رغم إقرارنا في نفس الوقت بحدودهما.
وختامًا، فإن من السهل رؤية أن ثقافة ما بعد حداثية تنبعث من هذه المنظومات constellations السياسية، والاجتماعية، والثقافية سيتوجب عليها أن تكون ما بعد حداثة مقاومة، بما في ذلك مقاومة ما بعد حداثة «كل شيء يصلح» السهلة تلك. وسيكون على المقاومة دائمًا أن تكون نوعية ومتوقفة على المجال الثقافي الذي تعمل داخله. ولا يمكن تعريفها ببساطة بمفردات السلبية أو اللاهوية على طريقة أدورنو، كذلك لن تكفي التراتيل عن مشروعٍ جماعي ذي طابعٍ كلي. وفي نفس الوقت، قد تكون نفس فكرة المقاومة هي نفسها إشكالية في تعارضها البسيط مع الإثبات affirmation؛ ففي نهاية الأمر، ثمَّة أشكال إثباتية من المقاومة وأشكال مقاومة من الإثبات لكن قد تكون هذه مشكلة سيمانطيقية أكثر من كونها مشكلة ممارسة، ولا يجب أن تحول بيننا وبين إصدار الأحكام. أما كيف يمكن تطوير تلك المقاومة في الأعمال الفنية بطرقٍ يمكن أن تلبي احتياجات السياسي واحتياجات الجمالي، احتياجات المنتجين والمتلقين، فأمر لا يمكن وضع وصفة له، وسوف يظل مفتوحًا للمحاولة والخطأ والسجال. لكن آن الأوان للتخلي عن تلك الثنائية المسدودة بين السياسة والجماليات التي سادت التقارير عن الحداثة لوقتٍ أطول. مما ينبغي، بما في ذلك الاتجاه الجمالي النزعة ضمن ما بعد البنيوية، وليس المقصود هو تصفية التوتر المثمر بين السياسي والجمالي، بين التاريخ والنص، بين الالتزام ومهمة الفن؛ فالمقصود هو تكثيف ذلك التوتر، وحتى إعادة اكتشافه وإعادته إلى البؤرة في الفنون، وكذلك في النقد. مهما كان الأمر مزعجًا، فإن مشهد ما بعد الحداثي يُحيط بنا، وهو في آنٍ واحد يضيِّق ويفتح الآفاق أمامنا. إنه مشكلتنا وأملنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦