الفصل الرابع

كون الساعة الآلية

«لكن أكان على «السيد العقل المدبِّر» أن يترك الفضاء فارغًا؟ كلَّا على الإطلاق.»

يوهان تيتيوس في كتاب «تأمُّلات في الطبيعة» بقلم تشارلز بونيه

أرسى كتاب «الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية» الذي ألَّفه نيوتن، قيمة الرياضيات بوصفها أداة لفهم الكون. وأدى الكتاب إلى صكِّ مفهوم كون الساعة الآلي المثير للاهتمام، والذي يقضي بأنَّ الشمس والكواكب قد خُلِقت على هيئتها الحالية. وظلت الكواكب تدور حول الشمس في مدارات دائرية تقريبًا، بينما يبعُد بعضها عن بعض مسافات متساوية كي لا يصطدم أحدها بالآخر؛ بل إنها حتى لم تقترب من ذلك. وبالرغم من أنَّ كل شيء كان يتذبذب نوعًا ما بسبب جاذبية كل كوكب التي تشد جميع الكواكب الأخرى، فلم يتغير أيُّ شيء مهم. لقد تجسَّدت هذه الرؤية في آلة ظريفة تُعرف باسم المبيان؛ آلة مكتبية توجد بها كواكب ضئيلة موضوعة على عصي وتدور حول الشمس المركزية، وتسيِّرها عجلة مسنَّنة. كانت الطبيعة مبيانًا ضخمًا، والجاذبية هي العجلة التي تحرِّكه.

كان علماء الفلك الذين يتمتعون بعقلية رياضية يعرفون أنَّ الأمر ليس بتلك الدرجة من البساطة. فالمدارات لا تتخذ شكل دوائر دقيقة؛ بل إنها حتى لا تقع في المستوى نفسه، وبعض ذبذباتها بارزة إلى حد كبير. يتجلى ذلك تحديدًا في أكبر كوكبين في النظام الشمسي؛ المشتري وزحل، المنخرطين في صراع تجاذبي طويل المدى؛ إذ يشد أحدهما الآخر أمام موقعيهما المعتادين في مداراتهما أولًا، ثم يشدان بعضهما بعضًا خلفه، وهما يفعلان ذلك مرارًا وتكرارًا. فسَّر لابلاس هذا الأمر عام ١٧٨٥ تقريبًا. يتمثَّل تفسيره في وجود رنين مداري بين العملاقين تبلغ نسبته ٥ : ٢ ؛ إذ يدور المشتري حول الشمس خمس مرات، بينما يدور زحل حولها مرتين فقط. وعند قياس موقعيهما في المدار بالزوايا، يتضح أنَّ الفرق قريب من الصفر، لكنه ليس صفرًا بالضبط، مثلما شرح لابلاس. وإنما يتغير ببطء ليكمل دورة كاملة كل ٩٠٠ عام. وصار هذا التأثير معروفًا باسم «التباين العظيم».

٢ × زاوية للمشتري − ٥ × زاوية لزحل.

أثبت لابلاس أنَّ التفاعل لا ينتج تغييرات كبيرة في الانحراف المركزي لمدار أيٍّ من الكوكبين أو ميله. وأدَّت نتيجةٌ من هذا النوع إلى وجود شعور عام بأنَّ الترتيب الحالي للكواكب مستقر. أي أنه سيظل على الحالة نفسها تقريبًا في المستقبل، مثلما كان على هذه الحالة دائمًا في الماضي.

غير أنَّ الأمر ليس كذلك. فكلما عرفنا المزيد عن النظام الشمسي، قلَّ الشبه بينه وبين الساعة، وزاد الشبه بينه وبين تركيبٍ عجيبٍ يتصرَّف على نحوٍ جيد في «معظم» الأوقات، لكنه يُجن تمامًا في بعض الأحيان. من اللافت للنظر أنَّ هذه الالتفافات الغريبة لا تشكِّك في قانون نيوتن للجاذبية؛ بل هي «نتائجه». فالقانون نفسه أنيق ومنطقي من الجانب الرياضي، إنه البساطة نفسها. غير أنَّ نتائجه ليست كذلك.

•••

لفهم أصول النظام الشمسي، لا بد من تفسير كيفية ظهوره وكيفية ترتيب أجسامه المتعددة الأنواع. للوهلة الأولى، تبدو هذه الأجسام متمايزة للغاية؛ فكل عالَم منها فريد من نوعه، وتزيد الاختلافات فيها عن التشابهات. فعطارد صخرة ساخنة تدور ثلاث مرات من الدوران الذاتي مقابل كل مرتين من الدوران المداري، تبلغ نسبة الرنين بين الدوران الذاتي والدوران المداري ٣ : ٢. والزهرة جحيم حامضي عُدِّل سطحه بالكامل قبل بضع مئات من ملايين الأعوام. وتمتلك الأرض المحيطات والأكسجين والحياة. والمريخ صحراء باردة توجد بها فُوَّهات ووديان. أما المشتري فهو كرة عملاقة من الغازات الملوَّنة التي تشكِّل خطوطًا زخرفية. يُعد زحل مشابهًا له بدرجة أقل وضوحًا، لكنه يمتلك حلقات رائعة بدلًا من ذلك. أما أورانوس فهو عملاق جليدي هادئ، وهو يدور في الاتجاه الخاطئ. ثمَّة عملاق جليدي آخر هو نبتون الذي تحيط به رياح تزيد سرعتها عن ٢٠٠٠ كيلومتر في الساعة.

بالرغم من ذلك، توجد أيضًا إشارات محيرة تدل على النظام. فالمسافات المدارية للكواكب الستة الكلاسيكية هي كما يلي بالوحدات الفلكية:

عطارد ٠٫٣٩
الزهرة ٠٫٧٢
الأرض ١٫٠٠
المريخ ١٫٥٢
المشتري ٥٫٢٠
زحل ٩٫٥٤
صحيح أنَّ الأعداد غير منتظمة بعض الشيء، ومن الصعب أن تجد فيها نمطًا للوهلة الأولى حتى إن خطرَ لك البحث عنه. بالرغم من ذلك، فقد اكتشف يوهان تيتيوس في هذه الأعداد عام ١٧٦٦ شيئًا مثيرًا للاهتمام، ووصفه في ترجمته لكتاب تشارلز بونيه «تأملات في الطبيعة»:

إذا قسَّمت المسافة من الشمس إلى زحل إلى ١٠٠ جزء، فستجد أنَّ عطارد يبعد عن الشمس بمقدار أربعة من هذه الأجزاء، ويبعد الزهرة عن الشمس بمقدار ٤ + ٣ = ٧ أجزاء، ويبعد كوكب الأرض بمقدار ٤ + ٦ = ١٠، ويبعد المريخ بمقدار ٤ + ١٢ = ١٦. لكن لاحظ أنَّ المسافة من المريخ إلى المشتري تشهد انحرافًا عن ذلك التقدُّم الدقيق. تأتي بعد المريخ مساحة ٤ + ٢٤ = ٢٨ من هذه الأجزاء، لكننا لم نكتشف كوكبًا هناك حتى الآن … وبجوار هذا الفضاء الذي لم نستكشفه بعد، تظهر كرة المشتري على مسافة ٤ + ٤٨ = ٥٢ جزءًا، ثم يأتي زحل على مسافة ٤ + ٩٦ = ١٠٠ جزء.

ذكر يوهان بوديه النمط العددي نفسه عام ١٧٧٢ في كتابه «دليل لمعرفة السماء المرصَّعة بالنجوم»، وفي النسخ التالية نسب الفضل فيه إلى تيتيوس. بالرغم من ذلك، فهو يُسمى غالبًا بقانون بوديه. ثمَّة مصطلح أفضل يُستخدم لوصف القانون في الاستخدام العام، وهو قانون تيتيوس-بوديه.

إنَّ هذا القانون التجريبي المحض، يربط المسافات بين الكواكب بتسلسل هندسي (على نحو تقريبي). بدأت الصيغة الأصلية منه بالتسلسل: ٠، ٣، ٦، ١٢، ٢٤، ٤٨، ٩٦، ١٩٢، والذي يكون فيه كل عدد بعد الثاني، ضعف العدد السابق عليه، وبعد إضافة ٤ لها جميعًا نحصل على: ٤، ٧، ١٠، ١٦، ٢٨، ٥٢، ١٠٠. بالرغم من ذلك، يظل من المفيد أن نصف هذه الأعداد بالوحدات الحالية للقياس، وهي الوحدة الفلكية، من خلال قسمتها جميعًا على ١٠؛ فنحصل على: ٠٫٤، ٠٫٧، ١٫٠، ١٫٦، ٢٫٨، ٥٫٢، ١٠٫٠. إنَّ هذه الأعداد تتلاءم على نحوٍ مذهل مع المسافات بين الكواكب، باستثناء الثغرة التي تناظر ٢٫٨. كان تيتيوس يعتقد أنه يعرف ما يوجد ولا بد في تلك الثغرة. فقد ورد في الجزء الذي استبدلت به علامة الحذف (…) من ملاحظته ما يلي:

لكن هل كان السيد المهندس ليترك الفضاء فارغًا؟ كلَّا على الإطلاق. لنفترض إذن أنَّ هذا المكان يعود من دون شك إلى أقمار المريخ التي لم تُكتشف بعد، ولنفترض أيضًا أنَّ المشتري ربما لا تزال تحيط به بعض الأقمار الأصغر التي لم ترصدها أية تلسكوبات بعد.

نحن ندرك الآن أنَّ أقمار المريخ ستوجد بالقرب من المريخ، وينطبق الأمر نفسه على المشتري، أخطأ تيتيوس في تحديد المكان قليلًا، لكنَّ اقتراح أنَّ «جسمًا» ما لا بد أن يشغل الفجوة كان صائبًا تمامًا. بالرغم من ذلك، فلم يتناوله أحد بجدية إلا بعد اكتشاف أورانوس عام ١٧٨١، وكان يلائم النمط أيضًا. فالمسافة التي تنبَّأ بها القانون هي ١٩٫٦، والمسافة الفعلية هي ١٩٫٢.

تشجَّع علماء الفلك جراء هذا النجاح وبدءوا يبحثون عن كوكبٍ غير مرصود يدور حول الشمس على مسافة تبلغ ٢٫٨ ضعف نصف قطر مدار الأرض. وفي عام ١٨٠١، اكتشف جيوسبه بياتسي واحدًا، ومن المفارقات أنه اكتشفه قبيل بدء مشروع البحث المنهجي للتو. أُطلِق على هذا الجِرم المكتشَف اسم سيريس، وسنتناول قصته في الفصل الخامس. كان أصغر من المريخ وأصغر كثيرًا من المشتري، لكنه كان «موجودًا».

وللتعويض عن حجمه الضئيل، لم يكن وحيدًا. فسرعان ما اكتُشِفت ثلاثة أجسام أخرى هي بالاس وجونو وفيستا، تقع على مسافات متشابهة. كانت هذه الأجسام هي الكويكبات الأربعة الأولى، أو الكواكب الثانوية الأولى، لكنها سرعان ما تُبِعت بالكثير. مائتان منها تقريبًا لا يزيد قطرها عن كيلومتر واحد، وثمَّة ما لا يقل عن ١٥٠ مليونًا قد اكتُشِفت لا يزيد قطرها عن ١٠٠ متر، ومن المتوقع أن يوجد منها الكثير جدًّا مما هو أصغر حجمًا. تشتهر هذه الأجسام بتكوينها لحزام الكويكبات، وهو منطقة حلقية مسطحة تقع بين مدارَي المريخ والمشتري.

ثمَّة أجسامٌ صغيرةٌ أخرى توجد في أرجاء النظام الشمسي، لكنَّ العدد القليل الذي اكتُشِف منها في البداية هو ما أضاف قيمةً لرأي بوديه بأنَّ الكواكب موزعةٌ على نحوٍ منتظم. صحيح أنَّ ما حفَّز الاكتشاف اللاحق لكوكب نبتون هو وجود تفاوتاتٍ في مدار أورانوس، لا قانون تيتيوس-بوديه. غير أنَّ القانون قد تنبَّأ بمسافةٍ تبلغ ٣٨٫٨، وهي قريبةٌ إلى حدٍّ كبير من المسافة الفعلية التي تتراوح بين ٢٩٫٨ و٣٠٫٣. وبالرغم من أنَّ درجة التلاؤم أضعف، فهي لا تزال مقبولة. أتى بعد ذلك بلوتو: المسافة النظرية هي ٧٧٫٢، بينما تتراوَح المسافة الفعلية بين ٢٩٫٧ و٤٨٫٩. وأخيرًا، انهار «قانون» «تيتيوس-بوديه».

انهارت أيضًا بعض السمات النمطية الأخرى لمدارات الكواكب. بلوتو على سبيل المثال غريب للغاية. ذلك أنَّ مداره على درجة عالية من الانحراف المركزي، ويميل بعيدًا عن مدار الشمس بمقدار كبير يبلغ ١٧ درجة. بل إنَّ بلوتو «يدخل» أحيانًا في مدار نبتون. أدت سمات غريبة مثل هذه إلى إعادة تصنيف بلوتو بصفته كوكبًا قزمًا. وكتعويضٍ جزئي، أصبح سيريس أيضًا كوكبًا قزمًا، لا محض كُوَيكب (أو كوكب ثانوي).

وبالرغم من مزيج النجاح والفشل الذي واجه قانون تيتيوس-بوديه، فإنه يطرح سؤالًا مهمًّا. أيوجد تبرير رياضي للمسافات التي تتوزَّع عليها الكواكب؟ أم أنها يمكن أن تتوزَّع بصفة مبدئية بأي طريقة مرغوبة؟ هل القانون محض صدفة، أم أنه علامة على وجود نمط أساسي، أم هو مزيج من الاثنين؟

•••

تتمثَّل الخطوة الأولى في إعادة صياغة قانون تيتيوس-بوديه بطريقة عمومية ومعدَّلة بعض الشيء. فالصيغة الأصلية منه تنطوي على حالة من الشذوذ، وهي استخدام العدد ٠ في الحد الأول. ولكي يكون التسلسل الهندسي صحيحًا، لا بد أن يكون هذا الحد ١٫٥. وبالرغم من أنَّ هذا الاختيار يجعل مسافة عطارد ٠٫٥٥، وذلك أقل دقة، فإنَّ العملية كلها تجريبية وتقريبية؛ لذا فالأكثر منطقية هو الحفاظ على صحة الرياضيات واستخدام ١٫٥. والآن يمكننا التعبير عن القانون في صيغة بسيطة: المسافة من الشمس إلى أحد الكواكب أيًّا كان ترتيبه بالوحدات الفلكية هي:

والآن، علينا إجراء بعض العمليات الحسابية. في الصورة الكبرى للكون، لا يمثِّل مقدار ٠٫٤ وحدة فلكية فرقًا كبيرًا بالنسبة للكواكب الأبعد؛ لذا نحذفه لنحصل على . تُعد هذه الصيغة مثالًا على صيغة القانون الأسي الذي يأتي عمومًا على الصورة: ، حيث a وb ثابتان.

نحسب اللوغاريتمات:

باستخدام n ولو d كإحداثيات، نجد أنَّ هذه الصيغة تعبِّر عن خط مستقيم بمنحنى لو b، ويلتقي بالمحور الرأسي عند لو a. والطريقة التي يمكن بها تحديد قانون أسي هي إجراء «مخطط رسم لوغاريتمي/لوغاريتمي» للوغاريتم d مقابل n. إذا كانت النتيجة قريبة من خط مستقيم، يفلح الأمر. ويمكننا بالطبع تطبيق الأمر نفسه على كميات أخرى غير المسافة d، مثل فترة الدوران حول النجم أو الكتلة على سبيل المثال.

إذا طبقنا هذا على مسافات الكواكب بما في ذلك سيريس وبلوتو، فسنحصل على الشكل الموجود على اليسار. إنه لا يختلف كثيرًا عن الخط المستقيم مثلما نتوقَّع من قانون تيتيوس-بوديه. فماذا عن الكتل الموضحة في الشكل الموجود على اليمين؟ في هذه المرة، نجد أنَّ مخطط الرسم اللوغاريتمي/اللوغاريتمي مختلفٌ جدًّا. فما من أثر لأي خط مستقيم، أو حتى أي نمط واضح.

figure
على اليسار: مخطط الرسم اللوغاريتمي/اللوغاريتمي لمسافات الكواكب يشبه الخط المستقيم.

على اليمين: مخطط الرسم اللوغاريتمي/اللوغاريتمي لكتل الكواكب لا يشبه الخط المستقيم.

figure
على اليسار: مخطط الرسم اللوغاريتمي/اللوغاريتمي لفترات الكواكب يشبه الخط المستقيم.

على اليمين: مخطط الرسم اللوغاريتمي/اللوغاريتمي لمسافات أقمار أورانوس يشبه الخط المستقيم.

ماذا عن الفترات المدارية؟ خط مستقيم من جديد: انظر الشكل الموجود على اليسار. غير أنه لا عجب في ذلك؛ لأنَّ قانون كيبلر الثالث يربط الفترة بالمسافة على نحوٍ يحفظ علاقات القانون الأسي. نبحث على نطاق أكبر فنتجه إلى دراسة أقمار أورانوس الخمسة، ونحصل على الشكل الموجود على اليمين. القانون الأسي مجددًا.

•••

أهي المصادفة أم شيء أعمق؟ ينقسم علماء الفلك في الرأي بشأن ذلك. يبدو على الأرجح أنَّه توجد «نزعة» لتوزيعات المسافات وفقًا لقانون أسي. وهي ليست شاملة.

ربما يوجد تفسير عقلاني لذلك. ويبدأ التفسير الأرجح من الفكرة القائلة بأنَّ ديناميكيات نظام عشوائي من الكواكب تعتمد اعتمادًا أساسيًّا على حالات الرنين؛ أي تلك الحالات التي تُمثَّل فيها العلاقة بين الفترتين المداريتين لكوكبين بكسر بسيط. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تبلغ إحدى الفترتين مقدار ٥/٣ من الأخرى، فيكون الرنين بينهما ٥ : ٣.1 ومع إغفال جميع الأجرام الأخرى، سيظل هذان الكوكبان يصطفان أحدهما مع الآخر على خط نصف القطر المنبثق من النجم، على فترات زمنية منتظمة لأنَّ خمس دورات لأحدهما تتطابق تمامًا مع ثلاث دورات للآخر. على مدار فترات طويلة من الزمن، ستتراكم الاضطرابات الصغيرة؛ لذا غالبًا ما يغيِّر الكوكبان مداريهما. أما حين تكون النسب بين الفترات لا تُمثَّل بكسور صحيحة، فإنَّ تأثير الاضطرابات يُلغى في معظم الأحيان بسبب عدم وجود اتجاه سائد لقوة الجاذبية المؤثرة بين العالمين.

ليس ذلك اقتراحًا مبهمًا فحسب؛ بل تؤيده الحسابات المفصَّلة وجزء شاسع من النظرية الرياضية. للحصول على نتيجة تقريبية أولى، يكون مدار الجرم السماوي على شكل القطع الناقص. في المستوى التالي من التقريب، يتقدم القطع الناقص: يدور محوره الأساسي ببطء.

وللتقريب بدرجة أكبر من الدقة، تأتي الحدود المسيطرة في الصيغ المستخدمة لحساب حركة الأجرام السماوية من حالات الرنين الأزلية، وهي أنواع من حالات الرنين بين الفترات تتسم بقدرٍ أكبر من العمومية، والتي تتقدَّم فيها مدارات العديد من الأجرام.

تتوقَّف الكيفية الدقيقة التي تتحرك بها الأجسام التي توجد في حالة رنين على نسب فتراتها، وكذلك مواقعها وسرعاتها المتجهة، لكنَّ النتيجة غالبًا ما تتمثَّل في إخلاء تلك المدارات. تشير نماذج المحاكاة الحاسوبية إلى أنَّ الكواكب التي تتوزَّع مسافاتها بصورة عشوائية غالبًا ما تتجه إلى مواقع تتفق بشكل تقريبي مع العلاقات التي يقترحها قانون تيتيوس-بوديه، بينما تكتسح حالات الرنين الفجوات. غير أنَّ الأمر لا يزال مبهمًا بعض الشيء.

يتضمن النظام الشمسي العديد من الأنظمة «المصغرة»، متمثلةً في أقمار الكواكب العملاقة. ونجد أنَّ النسب بين الفترات المدارية لأكبر ثلاثة أقمار للمشتري: آيو وأوروبا وجانيميد، هي ١ : ٢ : ٤ تقريبًا، وكل منها ضعف الفترة المدارية السابقة (انظر الفصل السابع). أما الفترة المدارية للقمر الرابع كاليستو فهي أقلُّ قليلًا من ضعف الفترة المدارية جانيميد. وفقًا لقانون كيبلر الثالث، فإنَّ أنصاف الأقطار المدارية تجمع بينها علاقات متشابهة، باستثناء أنَّه يجب أن نستبدل بالمضاعف ٢، أسه البالغ ٢/ ٣، والذي يساوي ١٫٥٨. أي أنَّ نصف القطر المداري لكل قمر من الأقمار، يبلغ ١٫٥٨ ضعف السابق عليه. تلك من الحالات التي يؤدي الرنين فيها إلى استقرار المدارات بدلًا من إخلائها، ثم إنَّ النسبة بين المسافات هي ١٫٥٨، وليست ٢، مثلما ينص على ذلك قانون تيتيوس-بوديه. غير أنَّ توزيع المسافات لا يزال يتبع قانونًا أسيًّا. ينطبق الأمر نفسه على أقمار زحل وأورانوس، مثلما أوضح ذلك ستانلي ديرموت في ستينيات القرن العشرين.2 يُعرف هذا التوزيع للمسافات باسم «قانون ديرموت».
يُعد توزيع المسافات بالقانون الأسي نمطًا أكثر عمومية يتضمن تقريبًا جيدًا لقانون تيتيوس-بوديه. في عام ١٩٩٤، استنتجت بيرونجير ديبرول وفرانسوا جرانر، توزيع المسافات بالقانون الأسي لعدد من السدم الشمسية3 النمطية قيد الانهيار، وذلك من خلال تطبيق مبدأين عامين. وكلاهما يعتمد على التناظر. فالغيمة تتسم بالتناظر المحوري، وتوزيع المادة هو نفسه تقريبًا على جميع مقاييس القياس؛ أي تناظر مقياسي. ويُعد التناظر المقياسي مألوفًا في العمليات المهمة التي يُعتقد أنها تؤثِّر في تشكيل الكواكب مثل التدفق الاضطرابي داخل السديم الشمسي.

يمكننا الآن أن نبحث فيما وراء النظام الشمسي. وحينها تصبح الأمور كلها فوضوية للغاية؛ إذ توجد مدارات الكواكب الخارجية المعروفة؛ أي الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى، على العديد من الأشكال المختلفة لتوزيع المسافات، ومعظمها مختلف تمامًا عمَّا نجده في النظام الشمسي. ومن ناحية أخرى، فإنَّ الكواكب الخارجية المعروفة ليست سوى عينة منقوصة لما هو موجود منها بالفعل؛ فنحن لا نعرف في معظم الأحيان سوى كوكب واحد لنجم معيَّن، بالرغم من وجود كواكب أخرى للنجم على الأرجح. ذلك أنَّ طرق الكشف تركِّز على إيجاد كواكب كبيرة تدور بالقرب من نجومها الرئيسة.

حتى نضع خريطة للأنظمة الكوكبية «الكاملة» للعديد من النجوم، لن نتمكَّن من معرفةِ ما تبدو عليه أنظمة الكواكب الخارجية فعليًّا. غير أنه في عام ٢٠١٣، درس تيموثي بوفاريد وتشارلز لاينويفر ٦٩ من أنظمة الكواكب الخارجية التي يُعرَف أنها تحتوي على أربعة كواكب على الأقل، ووجدا أنَّ ٦٦ منها تتبع القوانين الأسية. وقد استخدما أيضًا القوانين الأسية الناتجة للتنبؤ بصفة مبدئية بالكواكب «الناقصة»؛ أي اكتشاف كوكب مثل سيريس على نظام خارجي. ومن بين الكواكب التي تنبأ القانون بها على هذا النحو، والتي بلغ عددها ٩٧، لم يُرصد حتى الآن سوى خمسة فقط. وحتى مع مراعاة صعوبة الكشف عن الكواكب الصغيرة، فإنَّ هذا العدد لا يزال مثبطًا بعض الشيء.

ليس ذلك كله سوى معارف مبدئية فحسب؛ لذا تحوَّل الانتباه إلى مبادئ أخرى قد تفسِّر الكيفية التي تنظم بها الأنظمة الكوكبية. تعتمد هذه المبادئ على تفاصيل دقيقة في الديناميكا غير الخطية، وهي ليست تجريبية فحسب. غير أنَّ الأنماط العددية أقل وضوحًا فيها. فعلى وجه التحديد، أثبت مايكل ديلينيتس من الناحية الرياضية أنَّ مجال جاذبية المشتري يبدو أنه ما رتَّب الكواكب الأخرى بأكملها في نظام مترابط تصل بينه مجموعة طبيعية من «الأنابيب». وهذه الأنابيب التي لا يمكن الكشف عنها إلا من خلال سماتها الرياضية، توفِّر طرقًا طبيعية منخفضة الطاقة بين العوالم المختلفة. وسوف نناقش هذه الفكرة مع الأمور ذات الصلة في الفصل العاشر، حيث تتلاءم على نحوٍ أكثر تلقائية.

•••

سواء أكان الأمر صدفة أم غير ذلك، فقد كان قانون تيتيوس-بوديه سببًا في استلهام بعض الاكتشافات المهمة.

لا يبدو من الكواكب للعين المجردة سوى الكواكب الخمسة الكلاسيكية: عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل. إضافةً إلى الأرض إذا أردت أن تكون متحذلقًا، لكننا لا نرى سوى جزء صغير منها في المرة الواحدة. مع اختراع التلسكوب، تمكَّن علماء الفلك من رصد النجوم الخافتة بدرجةٍ لا تسمح برؤيتها بالعين المجردة وحدها، إضافة إلى بعض الأجسام الأخرى مثل المذنَّبات والسدم والأقمار. وفي ضوء حدود الإمكانيات التقنية في الماضي، كان علماء الفلك الأوائل يجدون أنَّ العثور على جسم جديد أسهل من تحديد ماهيته.

وهذه المشكلة تحديدًا، قد واجهت ويليام هيرشيل عام ١٧٨١ حين وجَّه التلسكوب الموجود في حديقة منزله الواقع في باث باتجاه كوكبة الثور، لاحظ وجود بقعة خافتة من الضوء بالقرب من النجم زيتا توري، وظنَّ في بادئ الأمر أنها «نجم ضبابي أو ربما مذنَّب». وبعد ذلك بأربع ليالٍ، كتب في مذكراته أنه «وجد أنها مذنَّب؛ لأنها غيَّرت مكانها.» وبعد ذلك بخمسة أسابيع، حين أخبر الجمعية الملكية باكتشافه، كان ما يزال يصفها بأنها مذنَّب. فعند رصد نجمٍ ما باستخدام عدسات تكبِّر بمقادير مختلفة، يظل النجم على شكل نقطة حتى مع أكبر درجة من التكبير، لكنَّ هذا الجسم الجديد كان يبدو أكبر مع زيادة درجة التكبير، «مثلما تفعل الكواكب،» كما أشار هيرشيل. غير أنَّ الأمر نفسه ينطبق على المذنَّبات، وقد اقتنع هيرشيل بأنه اكتشف مذنَّبًا جديدًا.

مع ظهور المزيد من المعلومات، اختلف معه بعض علماء الفلك، ومنهم الفلكي الملكي نيفيل ماسكلاين وأندريس ليكسيل وبوديه. وبحلول العام ١٧٨٣، كان ثمَّة توافق في الآراء على أنَّ الجسم الجديد كوكب، وكان ينبغي تسميته. كان الملك جورج الثالث قد خصَّص لهيرشيل ٢٠٠ جنيه إسترليني في العام، شريطة أن ينتقل بمسكنه قريبًا من قلعة ويندسور كي تنظر العائلة الملكية من تلسكوباته. اعتزم هيرشيل على أن يرد له حسن صنيعه وأراد أن يسميه «جورجيوم سيدوس» (نجم جورج). واقترح بوديه اسم أورانوس من الكلمة اللاتينية «أورانوس»، إله السماء لدى الإغريق، وقد فاز هذا الاسم برضا الجميع، رغم أنه الاسم الكوكبي الوحيد المشتق من اسم إله إغريقي لا إله روماني.

نهض لابلاس للفرصة بسرعة وحسب مدار أورانوس عام ١٧٨٣. وكانت النتيجة أنَّ الفترة المدارية ٨٤ عامًا، ومتوسط المسافة من الشمس ١٩ وحدة فلكية تقريبًا أو ما يساوي ثلاثة مليارات من الكيلومترات. وبالرغم من أنَّ مدار أورانوس دائري تقريبًا، فهو ينحرف عن المركز بأكثر مما ينحرف أي كوكب معروف، ويتراوح نصف قطره من ١٨ وحدة فلكية إلى ٢٠. مع مرور الأعوام، مكَّنتنا التلسكوبات الأفضل من قياس فترة دوران الكواكب وتساوي ١٧ ساعة و١٤ دقيقة، وهي حركة ارتجاعية؛ أي أنَّ الكوكب يدور في الاتجاه المعاكس لجميع الكواكب الأخرى. يميل محور الكوكب بقيمة تزيد عن الزاوية القائمة قليلًا؛ فيقع في مستوى مدار الشمس بالنظام الشمسي، بدلًا من أن يكون متعامدًا عليه تقريبًا. ونتيجةً لذلك، يختبر أورانوس شكلًا متطرفًا من شمس منتصف الليل؛ إذ يتحمل كل قطب ٤٢ عامًا من ضوء النهار تتبعها ٤٢ عامًا من الظلام، ويكون أحد القطبين مظلمًا بينما يكون الآخر مضيئًا.

من الجلي أنَّ ثمَّة شيئًا غريبًا بشأن أورانوس. غير أنه من ناحية أخرى، يتفق مع قانون تيتيوس-بوديه تمامًا.

فور معرفة المدار، وربط المشاهدات السابقة بالعالم الجديد، صار من الواضح أنه قد رُصِد من قبل لكن هويته لم تُعرَّف على النحو الصحيح، وإنما كان يُعرَّف على أنه نجم أو مذنَّب. لا شك بأنه يُرى بالبصر الحاد، ومن المرجح أنه كان أحد «النجوم» التي ذُكِرت في فهرس هيبارخوس عام ١٢٨ قبل الميلاد، وذُكِرت بعد ذلك في «المجسطي» لبطليموس. وقد رصده أيضًا جون فلامستيد ست مرات عام ١٦٩٠، وظنَّ أنه نجم فسمَّاه ٣٤ توري. ورصده بيير لومونييه ١٢ مرة في الفترة ما بين ١٧٥٠ و١٧٦٩. إنَّ أورانوس يتحرك ببطء شديد بالرغم من أنه كوكب؛ لذا فليس من السهل ملاحظة أي تغير في موقعه.

•••

حتى ذلك الوقت، كان الدور الأساسي للرياضيات في فهم النظام الشمسي وصفيًّا في المقام الأول؛ إذ تُقلِّص سلسلة طويلة من الملاحظات إلى مدار بسيط على شكل القطع الناقص. كان التنبؤ الوحيد الذي يمكن اشتقاقه من الرياضيات هو التنبؤ بموقع الكوكب في السماء في تواريخ مستقبلية. غير أنه مع مرور الوقت وتراكم ما يكفي من الملاحظات، بدا على نحوٍ متزايد أنَّ أورانوس يقع في المكان الخاطئ. فقد أجرى ألكسيس بوفار، وهو أحد تلامذة لابلاس، العديد من الملاحظات العالية الدقة للمشتري وزحل وأورانوس، واكتشف أيضًا ثمانية مذنَّبات. وثبت أنَّ الجداول التي أعدها لحركة المشتري وزحل دقيقة للغاية، لكنَّ أورانوس كان ينجرف باستمرار بعيدًا عن الموقع المتنبأ به. اقترح بوفارد أنَّه قد يكون ثمَّة كوكب أبعد يؤدي إلى اضطراب مدار أورانوس.

والمقصود بعبارة «يؤدي إلى اضطراب» هنا، هو «التأثير على». وإذا تمكَّنا من التعبير عن ذلك التأثير رياضيًّا فيما يتعلق بمدار هذا الكوكب الافتراضي الجديد، فيمكننا أن نعمل عكسيًّا لاستنتاج ذلك المدار. وحينها، سيعرف علماء الفلك المكان الذي ينبغي عليهم أن يبحثوا فيه، وإذا كان التنبؤ يستند إلى حقيقة، فسيتمكنون من إيجاد الكوكب الجديد. غير أنَّ العقبة الكبيرة في هذه الطريقة هي أنَّ حركة أورانوس تتأثر تأثرًا كبيرًا بالشمس والمشتري وزحل. ربما يكون من الممكن تجاهل بقية أجسام النظام الشمسي، غير أنه لا يزال علينا التعامل مع خمسة أجسام منها. ما من صيغ دقيقة معروفة تتضمن ثلاثة أجسام، وسيكون الأمر أصعب كثيرًا لخمسة أجسام.

من حسن الحظ أنَّ علماء الرياضيات في ذلك العصر كانوا قد فكَّروا بالفعل في طريقةٍ للتغلب على تلك المشكلة. فاضطراب نظامٍ ما من الناحية الرياضية هو تأثير جديد يغيِّر حلول معادلاته. نجد على سبيل المثال أنَّ لحركة بندول «في الفراغ» بفعل الجاذبية حلًّا أنيقًا: يكرِّر البندول الذبذبات نفسها مرارًا وتكرارًا إلى الأبد. غير أنه عند وجود مقاومة الهواء، تتغير معادلة الحركة لتضمن القوة الإضافية المتمثلة في المقاومة. إنَّ هذا اضطراب لنظام البندول، وهو يدمِّر الذبذبة الدورية. فبدلًا من ذلك، تخفت هذه الذبذبات ويتوقَّف البندول في النهاية.

تؤدي الاضطرابات إلى معادلات أكثر تعقيدًا، وعادةً ما يكون حلها أصعب. بالرغم من ذلك، يمكن استخدام الاضطراب نفسه في بعض الأحيان لمعرفة الكيفية التي تتغير بها الحلول. وللقيام بهذا، نكتب المعادلات لإيجاد «الاختلاف» بين الحل بدون الاضطراب والحل في وجود الاضطراب. فإذا كان مقدار الاضطراب صغيرًا، فيمكننا اشتقاق معادلات تقرِّب هذا الاختلاف من خلال تجاهل حدود المعادلة التي تكون أصغر كثيرًا من الاضطراب. تؤدي هذه الحيلة إلى تبسيط المعادلات بالدرجة التي تكفي لحلها بطريقة مباشرة. لا يكون الحل الناتج دقيقًا، لكنه غالبًا ما يكون جيدًا بالدرجة الكافية للأغراض العملية.

إذا كان أورانوس هو الكوكب الوحيد، فسوف يتخذ مداره شكل قطع ناقص مثالي. غير أنَّ المشتري وزحل وجميع أجسام النظام الشمسي الأخرى التي نعرفها، تؤدي إلى اضطراب هذا المدار النموذجي. ذلك أنَّ مجالات جاذبيتها مجتمعة تغيِّر مدار أورانوس، ويمكن وصف هذا التغير بأنه تنوع بطيء في العناصر المدارية للقطع الناقص لأورانوس. بدرجة تقريبية جيدة، يتحرك أورانوس دائمًا في مدار ما على شكل القطع الناقص، لكننا نعرف الآن أنَّ هذا القطع الناقص لا يتخذ الشكل «نفسه» على الدوام. ذلك أنَّ الاضطرابات تغيِّر ببطء من شكله وميله.

وعلى هذا النحو، يمكننا حساب الطريقة التي سيتحرك بها أورانوس مع أخذ جميع الأجسام المهمة التي تؤدي إلى الاضطراب في الاعتبار. توضح الملاحظات أنَّ أورانوس لا يتبع هذا المدار المتوقَّع في حقيقة الأمر. إنما ينحرف عنه تدريجيًّا بطرق يمكن قياسها. ولهذا، نضيف اضطرابًا افتراضيًّا بفعل كوكب مجهول نسميه X، ثم نحسب المدار الجديد الذي وقع عليه تأثير الاضطراب، ونساوي بينه وبين المدار المرصود، ثم نستنتج العناصر المدارية للكوكب X.

في عام ١٨٤٣، أجرى جون أدامز عملية حسابية بارعة، وحسب من خلالها العناصر المدارية للعالَم الافتراضي الجديد. وبحلول العام ١٨٤٥، كان أوربان لوفيرييه يعمل بصفة مستقلة على إجراء حسابات مشابهة. أرسل أدامز تنبؤاته إلى جورج أيري، الفلكي الملكي البريطاني في ذلك الوقت، يطلب منه البحث عن الكوكب الذي تشير إليه التنبؤات. كان أيري قلقًا بشأن بعض جوانب العملية الحسابية، وقد كان مخطئًا في ذلك مثلما اتضح، لكنَّ أدامز لم يستطِع طمأنته، فلم يُفعل شيء. في عام ١٨٤٦، نشر لوفيرييه تنبؤه الخاص به، والذي لم يُثر إلا قليلًا من الاهتمام مرة أخرى، إلى أن لاحظ أيري أنَّ كلا الرياضيين قد توصَّل إلى نتائج متشابهة للغاية. فأصدر تعليماته إلى جيمس تشاليز، مدير مرصد كامبريدج، بالبحث عن الكوكب الجديد، لكنَّ تشاليز لم يجد شيئًا.

بالرغم من ذلك، سرعان ما وجد يوهان جال نقطة خافتة من الضوء تبعد بمقدار درجة واحدة عن تنبؤ لوفيرييه، وتبعد بمقدار ١٢ درجة عن تنبؤ أدامز. بعد ذلك، اكتشف تشاليز أنه قد رصد الكوكب الجديد مرتين، لكنه لم يكن يمتلك أي خريطة محدَّثة للنجوم وكان مهملًا في العادة بعض الشيء؛ فغفل عنه. كانت بقعة الضوء التي رآها جال كوكبًا جديدًا سُمي لاحقًا بنبتون. كان اكتشافه انتصارًا كبيرًا للميكانيكا السماوية. فقد صارت الرياضيات آنذاك تكشف عن وجود عوالم غير معروفة، لا ترمِّز مدارات العوالم المعروفة فحسب.

•••

صار النظام الشمسي يزخر حينها بثمانية كواكب، وعددٍ سريعِ النمو من «الكواكب الثانوية» أو الكويكبات (انظر الفصل الخامس). بالرغم من ذلك، فحتى قبل اكتشاف نبتون، كان بعض علماء الفلك، ومن بينهم بوفار وبيتر هانسن، مقتنعين بأنَّ اكتشاف جسم واحد جديد لا يمكن أن يفسِّر الانحراف في حركة أورانوس. وبدلًا من ذلك، كانوا يرون أنَّ هذه التفاوتات دليل على وجود «كوكبين» جديدين. ظلت هذه الفكرة تتردَّد جيئة وذهابًا على مدار ٩٠ عامًا أخرى.

في عام ١٨٩٤، أسَّس برسيفال لويل مرصدًا في فلاجستاف بأريزونا، وبعد مرور ١٢ عامًا، قرَّر أن يصنف جميع أوجه الانحراف في مدار أورانوس على نحو حاسم، وبدأ مشروعًا سمَّاه الكوكب X. ويرمز X هنا إلى المجهول الرياضي لا العدد الروماني (وإن كان هذا هو المقصود لصار IX على أية حال). كان لويل قد دمَّر سمعته العلمية بعض الشيء بالترويج لفكرة وجود «قنوات» على المريخ، وأراد أن يصلحها؛ سيكون اكتشاف كوكب جديد مثالي لذلك. استخدم الطرق الرياضية للتنبؤ بالموقع الذي ينبغي أن يوجد فيه هذا العالَم الافتراضي، ثم قام ببحث منهجي، لكنه لم يتوصل إلى نتيجة. حاول مرة أخرى في الفترة ما بين عامي ١٩١٤ و١٩١٦، لكنه لم يجد شيئًا أيضًا.
في هذه الأثناء، توصَّل إدوارد بيكرينج، مدير مرصد كلية هارفارد، إلى التنبؤ الخاص به، وهو الكوكب O على مسافة ٥٢ وحدة فلكية. بحلول ذلك الوقت، كان عالِم الفلك البريطاني فيليب كويل، قد أعلن أنَّ أمر البحث برمَّته مسعًى لا طائل منه؛ إذ إنه يمكن تفسير الانحراف المفترض في حركة أورانوس، من خلال طرق أخرى.
مات لويل عام ١٩١٦. ونشب نزاع قانوني بين أرملته وبين المرصد أدَّى إلى إيقاف البحث عن الكوكب X حتى عام ١٩٢٥، حين دفع أخوه ثمنًا لتلسكوب جديد. أُوكل إلى كلايد تومباو مهمة تصوير مناطق سماء الليل مرتين، على فترة أسبوعين. كان ثمَّة جهاز بصري يقارن بين الصورتين، ويومض إن غيَّر أي شيء موقعه، مما يسترعي الانتباه إلى الحركة. أخذ صورة ثالثة لتسوية أي أمور ملتبسة. وفي بداية عام ١٩٣٠، كان يفحص منطقة في كوكبة الجوزاء وومض شيء. كان يقع في نطاق ست درجات من موقعٍ اقترحه لويل الذي بدا أنَّ اقتراحه صار مؤيدًا. وفور أن عُرِّف الجسم بأنه كوكب جديد، أوضح البحث في السجلات المحفوظة أنَّ صورًا قد التُقِطت له من قبل عام ١٩١٥، لكنه لم يُعرَف حينها بصفته كوكبًا.

أُطلِق على العالَم الجديد اسم بلوتو؛ إذ يمثِّل الحرفان الأول والثاني منه، أول حرفين من اسم لويل ولقبه.

اتضح أنَّ بلوتو أصغر كثيرًا مما كان متوقعًا؛ إذ لا تزيد كتلته عن عُشر كتلة الأرض. كان معنى هذا أنه لا يمكن في حقيقة الأمر أن يفسِّر أوجه الانحراف التي دفعت لويل وآخرين إلى التنبؤ بوجوده. حين تأكدت كتلته المنخفضة عام ١٩٧٨، واصل بضعة من علماء الفلك، البحث عن الكوكب X؛ اعتقادًا منهم بأنَّ بلوتو لم يكن سوى إشارة مضللة، ولا بد أنَّ ثمَّة كوكبًا آخرَ مجهولًا أضخمَ يقبع في مكانٍ ما. حين استخدم مايلز ستانديش البيانات المستمدة من تحليق المسبار «فوياجر» عام ١٩٨٩ بالقرب من نبتون، لتحسين الأرقام المتعلقة بكتلة نبتون، اختفى الانحراف في مدار أورانوس. لم يكن تنبؤ لويل سوى صدفة حالفه فيها الحظ.

غريب بلوتو. فمداره يميل بمقدار ١٧ درجة إلى مدار الشمس، وهو على درجة عالية من الانحراف المركزي، حتى إنه يكون لبعض الوقت أقرب إلى الشمس من نبتون. غير أنه ما من احتمال بتصادمهما معًا، ويعود ذلك لسببين. يتمثَّل السبب الأول في الزاوية بين مستوييهما المداريين؛ فمداراهما لا يتقاطعان إلا عند خط التقاء ذلكما المستويين. وحتى في هذه المرحلة، لا بد للعالَمين أن يمرَّا بالنقطة نفسها على هذا الخط في الوقت نفسه. وحينها يظهر السبب الثاني. ويتمثَّل في أنَّ بلوتو مقيد مع نبتون في رنين بنسبة ٢ : ٣. ومن ثمَّ، فإنَّ الجسمين يكرِّران الحركات نفسها بصفة أساسية؛ إذ يكرِّرها بلوتو كل دورتين، ويكرِّرها نبتون كل ثلاث دورات؛ أي كل ٤٩٥ عامًا. وبما أنهما لم يتصادما في الماضي، فلن يتصادما في المستقبل، وسيستمر ذلك على أقل تقديرٍ ما لم تحدث عملية ترتيب واسعة النطاق للأجسام الأخرى في النظام الشمسي، وتؤدي إلى اضطراب علاقتهما المريحة.

•••

استمر علماء الفلك في تفتيش النظام الشمسي الخارجي بحثًا عن أجرام جديدة. واكتشفوا أنَّ لبلوتو قمرًا كبيرًا نسبيًّا، لكنهم لم يجدوا شيئًا بعد مدار نبتون حتى عام ١٩٩٢، حين ظهر جسم صغير عُرِف حينها باسم (15760) 1992 QB1. لقد كان مبهمًا للغاية حتى إنه لا يزال يتخذ الاسم نفسه حتى الآن (وقد رُفِض اقتراح بتسميته «سمايلي»؛ لأنه مستخدَم لكويكب بالفعل)، لكن ثبت أنه أول مجموعة من الأجرام الوراء نبتونية، التي نعرف منها ما يزيد عن ١٥٠٠. توجد من بينها بضعة أجسام أكبر غير أنها لا تزال أصغر من بلوتو: أكبرها «إيريس» ويليه «ميكميك» ثم «هاوميا» ثم 2007 OR10.
كل هذه الأجسام خفيفة للغاية وبعيدة بما لا يسمح بالتنبؤ بها من خلال تأثيراتها المتعلقة بالجاذبية على الأجسام الأخرى، وقد اكتُشِفت من خلال البحث في الصور. بالرغم من ذلك، توجد بعض السمات الرياضية الجديرة بالملاحظة تتعلَّق بتأثيرات الأجسام الأخرى «عليها». بين الوحدة الفلكية ٣٠ والوحدة الفلكية ٥٥، يقع حزام كايبر الذي تدور غالبية أعضائه في مدارات دائرية تقريبًا بالقرب من مدار الشمس. يقع بعض هذه الأجسام الوراء نبتونية في مدارات رنينية مع نبتون. تُسمى تلك الأجسام التي توجد في علاقة رنين بنسبة ٢ : ٣، باسم بلوتينوس لأنها تتضمن بلوتو. وتُعرف الأجسام التي توجد في علاقة رنين بنسبة ١ : ٢؛ حيث تكون فترتها المدارية ضعف فترة نبتون، باسم توتينوس. أما البقية فتعرف باسم حزام كايبر التقليدية، أو كويبوانوس،4 تدور هي أيضًا في مدارات دائرية تقريبًا، لكنها لا تشهد أي اضطرابات مؤثرة من نبتون. وبعد ذلك بمسافة أبعد، يوجد القرص المبعثر. وفيه توجد أجسام شبيهة بالكويكبات تدور في مدارات تنحرف عن المركز، وتميل في معظم الأحيان بزاوية كبيرة على مدار الشمس. ومن بين هذه الأجسام «إيريس» و«سيدنا».
مع اكتشاف المزيد والمزيد من الأجسام الوراء نبتونية، بدأ بعض علماء الفلك يشعرون أنه من غير المنطقي أن يُسمى بلوتو كوكبًا دون إيريس، الذي كانوا يعتقدون أنه أكبر قليلًا. الأمر الغريب أنَّ الصور التي التقطها المسبار «نيو هواريزونز»، تظهر أنَّ إيريس أصغر قليلًا من بلوتو.5 غير أنه إذا صُنِّفت أجسام وراء نبتونية أخرى في فئة الكواكب، فسوف يكون بعضها أصغر من الكويكب (أو الكوكب الثانوي) سيريس. بعد الكثير من النقاشات الحامية، أنزل الاتحاد الفلكي الدولي بلوتو من مرتبة الكواكب إلى مرتبة الكواكب القزمة، وانضم إليه فيها سيريس وهاوميا وميكميك وإيريس. وبعناية، صِيغ تعريفان جديدان لمصطلحي «كوكب» و«كوكب قزم»، لتسهيل دخول الأجرام إلى هذين التصنيفين. بالرغم من ذلك، فلا يزال من غير الواضح حتى الآن ما إذا كان هاوميا وميكميك وإيريس تلائم التعريف بالفعل أم لا. يخمِّن العلماء أيضًا وجودَ بضع مئات أخرى من الكواكب القزمة في حزام كايبر، ووجودَ ما قد يصل إلى ١٠ آلاف منها في القرص المبعثر.

•••

حين تنجح حيلة علمية جديدة، من المنطقي أن يحاول العلماء تجربتها على مشكلات مشابهة. وقد نجحت حيلة الاضطراب على نحوٍ بارع في التنبؤ لوجود نبتون وموقعه. وحين جرَّبها العلماء في حالة بلوتو، بدا أنها نجحت على نحوٍ بارع أيضًا، إلى أن أدرك علماء الفلك أنَّ بلوتو صغير جدًّا بدرجةٍ لا تسمح له بأن يؤدي إلى أوجه الانحراف التي استُخدِمت في التنبؤ به.

فشلت الحيلة فشلًا ذريعًا مع كوكب يُدعى فولكان. وليس ذلك بالكوكب الخيالي المذكور في مسلسل «ستار تريك»، الذي كان موطن مستر سبوك، والذي يدور، وفقًا لكاتب الخيال العلمي جيمس بليش، بالنجم ٤٠ إريداني إيه. إنما هو الكوكب الخيالي الذي يدور بنجم باهت واعتيادي بعض الشيء يُعرف لدى كتَّاب الخيال العلمي باسم سول. أو يُعرف بالاسم الأكثر شهرة له، وهو الشمس. يعلِّمنا فولكان دروسًا عديدة بشأن العلم، لا الدرس الواضح المتمثل في إمكانية ارتكاب الأخطاء فحسب؛ بل النقطة الأعم المتمثلة في أنَّ إدراك أخطاء الماضي يمكن أن يمنعنا من تكرارها. ويرتبط التنبؤ به بظهور نظرية النسبية بوصفها تحسينًا على الفيزياء النيوتونية. غير أننا سنحكي المزيدَ من هذه القصة لاحقًا.

لقد اكتُشِف نبتون بسبب الانحراف في مدار أورانوس. واقتُرِح فولكان لتفسير الانحراف في مدار عطارد، ولم يكن صاحب الاقتراح سوى لوفيرييه في عمل يسبق عمله المتعلق بنبتون. ففي عام ١٨٤٠، أراد مدير مرصد باريس، فرانسوا أراجو، أن يطبِّق جاذبية نيوتن على مدار عطارد، وطلب من لوفيرييه أن يجري الحسابات اللازمة. حين يمر عطارد أمام الشمس في حدثٍ يُعرف بالعبور، يمكن اختبار النظرية برصد وقت بدء العبور ونهايته. حدث عبورٌ في عام ١٨٤٣، وكان لوفيرييه قد أكمل حساباته قبلها بوقت قليل؛ مما كان يتيح له التنبؤ بالتوقيت. مُني بالخيبة؛ إذ جاءت الملاحظات معارضة للنظرية. لذا، عاد لوفيرييه مرة أخرى إلى لوح الكتابة، وأعدَّ نموذجًا أكثر دقة يستند إلى ملاحظات عديدة و١٤ حالة من حالات العبور. وبحلول العام ١٨٥٩، كان قد لاحظ جانبًا صغيرًا ومحيرًا من حركة عطارد يفسِّر السبب في خطئه الأصلي، ونشر نتائجه.

تُعرف النقطة التي يقترب فيها مدار عطارد الإهليلجي من الشمس بأكبر درجةٍ باسم الحضيض الشمسي (بالإنجليزية: perihelion، peri = قريب، helios = الشمس)، وهي سمة محدَّدة جيدًا. مع مرور الوقت، تدور نقطة الحضيض الشمسي لعطارد ببطء مقارنةً بخلفية النجوم البعيدة (الثابتة). حقيقة الأمر أنَّ المدار بأكمله يتمحور مع الشمس في بؤرتها، ويُطلق على هذه الظاهرة مصطلح التقدم المداري. ثمَّة نتيجة رياضية تُعرف باسم مبرهنة نيوتن للمدارات الدوَّارة،6 تتنبأ بهذا التأثير بصفته نتيجةً للاضطرابات التي تحدث بفعل كواكب أخرى. بالرغم من ذلك، حين حاول لوفيرييه تطبيق المبرهنة على الملاحظات، كانت الأعداد الناتجة خاطئة بدرجة طفيفة. كانت مبرهنة نيوتن تتنبأ بأنَّ الحضيض الشمسي لعطارد ينبغي أن يتقدم بزاوية تبلغ ٥٣٢ ثانية قوسية كل ١٠٠ عام، وكان العدد المرصود ٥٧٥ ثانية قوسية. ثمَّة شيء كان يتسبَّب في التقدم بمقدار ٤٣ ثانية قوسية إضافية كل قرن. اقترح لوفيرييه أنَّ كوكبًا غير مكتشف أقرب إلى الشمس من عطارد هو المسئول عن ذلك، وسمَّاه فولكان، على اسم إله النار الروماني.

إنَّ وهج الشمس سيغطي على أي ضوء منعكس من كوكبٍ يدور على مثل تلك الدرجة من القرب؛ لذا فإنَّ الطريقة العملية الوحيدة لرصد فولكان ستكون في أثناء إحدى مرات العبور. حينها ينبغي أن يظهر على صورة نقطة ضئيلة قاتمة. وسرعان ما أعلن الفلكي الهاوي إدموند ليسكاربولت أنه وجد نقطة شبيهة لم تكن بقعة شمسية لأنها كانت تتحرك بالسرعة الخاطئة. أعلن لوفيرييه اكتشاف فولكان عام ١٨٦٠، وبناءً على هذا، مُنِح وسام جوقة الشرف.

من سوء حظ لوفيرييه وليسكاربولت أنَّ فلكيًّا آخر يمتلك معدات أفضل هو إيمانويل ليا، كان هو أيضًا يرصد الشمس بناءً على طلب الحكومة البرازيلية، ولم يرَ شيئًا من هذا. كانت سمعته على المحك، وأنكر حدوث مثل ذلك العبور. صارت النقاشات حامية وملتبسة. حين مات لوفيرييه عام ١٨٧٧، كان لا يزال يعتقد أنه قد اكتشف كوكبًا جديدًا. دون تأييد لوفيرييه، فقدت نظرية كوكب فولكان زخمها، وسرعان ما صار الاتفاق في الآراء واضحًا: كان ليسكاربولت مخطئًا. ظل تنبؤ لوفيرييه غير مؤكد، وكان التشكك واسع الانتشار. اختفى الاهتمام بالأمر بشكل كلي تمامًا عام ١٩١٥، حين استخدم أينشتاين نظريته الجديدة للنسبية العامة في استنتاج تقدم مداري تبلغ قيمته ٤٢٫٩٨ ثانية قوسية دون الحاجة إلى افتراض كوكب جديد. بُرِّئت النسبية، وطُرِح فولكان في كومة المخلفات.

إننا لا نعرف يقينًا حتى الآن ما إذا كانت توجد أجسام أخرى بين عطارد والشمس أم لا، وإن كان لأحدها وجود فلا بد أنه سيكون صغيرًا للغاية. لقد أعاد هنري كورتن تحليل صور الكسوف الشمسي لعام ١٩٧٠، وذكر أنه كشف عن سبعة أجسام على الأقل. لم يمكن تحديد مداراتها، ولم تتأكد المزاعم. غير أنَّ البحث عن كواكب الفلكانويد، مثلما تُسمى، لا يزال مستمرًّا.7

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤