الفصل الثاني

الحركة والقصور الذاتي

لِنَعُد بذهننا إلى القرن السابع عشر؛ مهدِ الفيزياء الحديثة التي أخرجها إلى النور رينيه ديكارت، وجوتفريد لايبنيتس، وجاليليو جاليلي، ويأتي مِن قبلهم إسحاق نيوتن بالطبع. لم يكن ثمَّة فرقٌ حقيقي آنذاك يفصِل بين الفلسفة والعلوم؛ إذ كانت الفلسفة الطبيعية تعني «العلوم» فحسب، على الرغم من ذلك، قد يندهش القارئ المعاصر حينما يدرك مدى هوس المفكِّرين بسؤالٍ فلسفيِّ الجوهر ألا وهو: «ما المقصود بحركة الجسم؟». في هذا الفصل، سنرى كيف أنه لا يمكن ممارسةُ الفيزياء من دون تقديم إجابةٍ عن هذا السؤال، وكيف أن محاولةَ الإجابة عنه تعرِّفنا بحقائقَ عميقةٍ عن طبيعة المكان والزمان. وفي الفصل الثالث، سنرى أن هذه الحقائق قد تغيَّرت بفعل فيزياء القرن العشرين، لكنها لم تتغيَّر تمامًا؛ ومن ثَم فإن العديد من أعمقِ المبادئ في فيزياء اليوم لا يزال يرتكز على رؤًى يمكن تعلُّمها من فيزياء القرن السابع عشر.

السكون والحركة

فيما يلي طرحٌ أساسي لفيزياء نيوتن التي يتعلَّمها كلُّ طالب:
قانون نيوتن الأول (الصيغة المبسَّطة): يبقى الجسم الساكن ساكنًا ما لم تؤثِّر فيه قوةٌ خارجية، ويبقى الجسم المتحرِّك متحركًا بالسرعة نفسها وبالاتجاه نفسه، ما لم تؤثِّر فيه قوة خارجية.

لكن ما المقصود فعليًّا بمصطلحَي «السكون» و«الحركة» في هذا السياق؟ الإجابة المباشرة هي «الحركة النسبية»: بمعنى أن الجسيم «أ» يكون في حالة سكون «بالنسبة إلى الجسيم «ب»» إذا كانت المسافة بين الجسيمَين «أ» و«ب» ثابتة. وسوف نفصِّل هذه المعلومةَ ونوضح أوجهَ الاستفادة منها؛ إذا كان هناك جسمٌ ممتد، مثل الأرض، فإن الحركات النسبية إلى ذلك الجسم تعطي وصفًا مفصلًا لحركةِ أحد الجسيمات. يمكننا القول مثلًا عن أحد الجسيمات إنه يوجد على ارتفاع ٣١٠٠ متر من سطح الأرض، ويقع عند دائرة عَرْض ٣٤٫٠٥٢٢ درجة شمالًا وخط طول ١١٨٫٢٤٣٧ درجة غربًا، وإذا عرفنا مدى السرعة التي تتغيَّر بها تلك الأرقام، فإننا سنعرف السرعةَ التي يتحرَّك بها الجسيم بالنسبة إلى الأرض في اتجاه الشمال/الجنوب، والغرب/الشرق، والأعلى/الأسفل. بهذه الطريقة، تحدِّد الأرض «إطارًا مرجعيًّا ماديًّا» يمكن استخدامه ليكون مقياسًا للحركة.

على الرغم من ذلك، فالحركة النسبية — حتى الحركة النسبية إلى إطار مرجعي مادي — لا يمكن أن تكون هي ما يُقصَد ﺑ «الحركة» في قانون نيوتن الأول. فربما يكون الجسم «أ» متحركًا بالنسبة إلى الجسم «ب»، لكنه ساكن بالنسبة إلى الجسم «ج»؛ ومن ثمَّ فإنَّ تحديدَ ما إذا كان الجسم في حالة سكونٍ نسبي أم في حالة حركةٍ نسبيةٍ؛ لا يجري لكل جسمٍ على حدة. لكن القانون الأول يتحدَّث عن الحركة فحسب، لا يتحدَّث عن «الحركة بالنسبة إلى هذا الجسم أو ذاك». (أطلق نيوتن نفسُه على هذه الحالة «الحركة المطلَقة» أو «الحركة الحقيقية»). وبالمثل، ينصُّ قانون نيوتن الثاني على أن تسارُع الجسم يتناسب مع القوة المؤثِّرة فيه، والتسارع — معدَّل التغيُّر في السرعة المتجهة — هو أيضًا مطلَق، لكن القانون لا يذكر شيئًا عن أيِّ جسم آخرَ يتناسب معه.

(تذكِرة سريعة: «السرعة المتجهة» هي السرعة زائد الاتجاه. إذا كنتَ تقود سيارة بسرعة ٣٠ ميلًا في الثانية، وانعطفت جهة اليسار من دون إبطاء السرعة، فهذا معناه أنَّ سرعتك المتجهة قد تغيَّرت وإن لم تتغيَّر السرعة نفسها.)

يمكننا النظرُ إلى المسألة بطريقةٍ أخرى، وذلك بالتساؤل عما إذا كانت قوانين نيوتن تنطبق على مقاييس أنواع الحركة في الإطار المرجعي المادي المتمثل في الأرض أم لا. وهذا سؤال تجريبي إجابته تجريبية وهي: كلَّا إلى حدٍّ كبير. لا تنطبق هذه القوانين في بعض الظروف لأن الأرض نفسَها غيرُ ساكنة؛ فهي تدور وتتعرَّض للزلازل وغيرها من الظواهر في بعض الأحيان. لكن حتى عند الحديث عن الأرض بصفتها جسمًا متحركًا، لا يمكننا استخدام الأرضِ نفسِها لتكون الجسم الذي تتحدَّد الحركة بالنسبة إليه.

ما الذي يمكن أن نستخدمه إذن؟ كثيرًا ما كان علماء الفلك يشيرون إلى «النجوم الثابتة»؛ فالنجوم تتحرَّك عَبْر سماء الليل بمرور الوقت، لكن الأرض هي ما يدور في حقيقة الأمر على خلفيةٍ ثابتة من النجوم. والحق أنَّ استخدام النجوم باعتبارها إطارًا مرجعيًّا ماديًّا أفضلُ كثيرًا من استخدام الأرض. على الرغم من ذلك، فهو لا يزال حلًّا غيرَ مثالي لسببٍ مماثل؛ وهو أن النجوم ليست ثابتةً في نهاية المطاف (وكان نيوتن ومعاصروه يعرفون ذلك). تتحرَّك النجوم فيما بينها، وهي تدور جميعًا حول مركز المجرَّة، والمجرَّة نفسها تميل نحو جارتها.

ما من حلٍّ بسيطٍ لهذه المشكلة. إذا كنا نريد إطارًا مرجعيًّا ماديًّا يكفي لتحديد أنواع الحركة طبقًا لقوانين نيوتن، فلا بد من تحديده من منظور الأجسام التي لا تتحرَّك فيما بينها إطلاقًا؛ ربما ينبغي أن نسميه حينئذٍ «إطار السكون». غير أنه لا وجود لمثل هذه الأجسام.

نيوتن نفسه كان يعتقد — ويُحاجُّ بقوة — أن الطريقة الوحيدة لتعريف «الحركة» على النحو الملائم، هي إدخال شيءٍ آخر إلى صورتنا عن العالم؛ شيء إضافي إلى كل المادة المتحرِّكة، شيء سيبقى وإن تلاشت المادة وأسماه: «المكان المطلق». كان مفهوم نيوتن للمكان المطلق لاهوتيًّا إلى حدٍّ كبير، حتى إنه أشار إليه بأنه «مركز الإحساس لدى الإله»، لكن الحجة العلمية لهذا المفهوم يمكن أن تُطرح دون أي تطرُّق للاهوت على الإطلاق: إنه الشيء الذي يحدِّد إطار السكون، وهو المعيار المرجعي غير المتغير الذي يمكن تحديد أنواع الحركة بناءً عليه.

يطلِق الفلاسفة على فكرة اعتبار المكان شيئًا منفصلًا عن المادة نظريةَ الجوهرية، وهي تتناقض مع نظرية «العلائقية» التي ترى أن كلَّ ما يوجد في الكون هو المادة. يعتقد مؤيدو نظرية الجوهرية أن المكان عبارة عن جوهر، وهو في حد ذاته أسمَى من المكوِّنات المادية في العالم؛ أما أنصار مبدأ العلائقية، فيرون أنَّ «المكان» ليس سوى وسيلةٍ للتحدُّث عن العلاقات القائمة بين الأجسام. قد يبدو هذا الجدال من نوع الجدالات الباطنية الغامضة أو حتى الدلالية، لكنَّ حججَ نيوتن تبيِّن أهميته للفيزياء؛ ذلك أنه إذا كان كلُّ ما هو موجود عبارة عن مادة، فيبدو أنه لا توجد أيُّ طريقة لتحديد إطار السكون الذي نحتاجه للفيزياء.

يختلف الفلاسفة مع بعضهم البعض (يا للصدمة!) بشأنِ ما إذا كان المكان المطلق ضروريًّا؛ لكي تصبح فكرةُ وجود إطار سكونٍ مرجعي منطقية أم لا، لكن طبيعة إطار السكون ليست هي ما يهمنا حقًّا في هذا النقاش، وإنما حقيقة أن الفيزياء تبدو بحاجة إلى ذلك الإطار، وحقيقة أنه يوفِّر «مرجعًا» تتطوَّر الفيزياء على خلفيته. فليس للإطار في حد ذاته دور في ديناميكيات الفيزياء — إنه موجود فحسب — لكنه يوفِّر معاييرَ القياس التي يمكن أن تعرِّف ديناميكيات الأجسام المادية، التي تخضع لقوانين الفيزياء الموجودة في الصدارة. من منظورٍ فلسفيٍّ بحتٍ، لم يكن من الضروري للفيزياء أن تكون على هذا النحو؛ فيمكننا أن نتخيَّل الفيزياء وقد صيغَت بالكامل وفقًا للمسافات النسبية وتغيُّراتها؛ الواقع أنَّ مثل هذه الفيزياء قد وجدت بالفعل، لكنَّ المرجع يبدو ضروريًّا لوصف الفيزياء الفعلية للأنظمة — التي تمنَّى نيوتن أن يدرُسها — وصفًا صحيحًا.

مبدأ النسبية

على الرغم مما سبق، فثمَّة شيءٌ غريبٌ قليلًا في استخدام نسبية الحركة إلى إطار سكون مطلَق، باعتبارها أساسَ علم الميكانيكا بدلًا من استخدام نسبية الحركة إلى أجسام مادية أخرى. فنحن نستطيع رؤيةَ الأجسام المادية على الرغم من كل شيء؛ ومن ثمَّ يمكننا أن نرى ما إن كان يوجد شيءٌ يتحرَّك بالنسبة إليها أم لا. أما إطار السكون، فلا يمكننا أن نراه. (وفقًا لنيوتن، فإن نقاط المكان المطلَق غير مرئية). فيبدو أنَّ استخدام إطارٍ مرجعي غير متحرك وغير مادي ﻟ «تعريف» الحركة؛ لا يجدي نفعًا ما دمنا لا نستطيع «الكشف عن» الحركة.

كان نيوتن نفسه مدركًا لهذه المشكلة؛ فقد ورد في كتابه «المبادئ الرياضية»، ما يلي:

إنه لأمرٌ في غاية الصعوبة بالفعل أن يكتشف المرءُ الحركاتِ الحقيقيةَ لأجسامٍ معينة، ويميِّزها بفاعليةٍ عن الحركات الظاهرة [أي الحركات النسبية]؛ لأن أجزاء ذلك الفضاء الثابت — الذي تجري فيه تلك الحركات — لا ترصدها حواسُّنا بأي حالٍ من الأحوال. غير أنه ليس بالأمر المحال تمامًا …

يواصل نيوتن طَرْحه ويقترح تجربةً فكريةً عبقرية: كرتَين ثقيلتَين تربط بينهما سلسلة. لا تخبرنا الحركاتُ النسبية بما إذا كان التركيب بأكمله في حالة سكون، أم في حالة دوران بسرعة عالية؛ ففي الحالتَين كلتَيهما، لا تتغير المسافةُ بين الكرتَين. على الرغم من ذلك، فوفقًا لنظرية نيوتن نفسها، ستزداد درجة الشد في السلسلة إذا كانت الكرتان يدور كلٌّ منهما حول الأخرى. وبالفعل، إذا كانت السلسلة في حالةِ شد، يمكننا أن نرى ما إذا كان دَفْع الكرتَين بطرقٍ مختلفةٍ يزيد من الشد أم يقلِّل منه، وحينئذٍ سنتمكن من معرفةِ ما إذا كانت الكرتان في حالة دوران أم لا، ومعرفة سرعة الدوران، وسنتمكن علاوةً على ذلك من معرفة محور الدوران.

توضح هذه التجربةُ الفكرية إحدى الفِكَر العامة التي تناولناها في الفصل الأول؛ وهي أن الملاحظات الرصدية العلمية محمَّلة بالنظرية؛ ومن ثَم فإن تحديدَ ما يمكن رصدُه وقياسه في نظريةٍ ما، أو ما لا يمكن رصدُه وقياسه، ليس بالأمر السهل، بل يتوقَّف على تفاصيل النظرية نفسها. ففي ميكانيكا نيوتن، يمكن رصدُ الدوران المطلَق — وإن كانت الحواس لا تدركه مباشرةً — عَبْر علاقته الديناميكية بالأشياء التي تُقاس بشكل مباشر بدرجة أكبر.

هل يمكن إذن الكشف عن كلِّ الحركات؟ كلا؛ لنتناول الفقرة التالية الشهيرة المقتبَسة من جاليليو:

احبس نفَسَك مع صديق في المقصورة الرئيسية السفلية في سفينة كبيرة، وخُذ معك بعضَ الذباب والفراشات وغيرها من الحشرات الطائرة. وخُذ معك أيضًا دلو ماء كبيرًا به بعض الأسماك، وعلِّق زجاجةً تفرغ محتوياتها قطرة بقطرة في وعاء واسع أسفل منها. وحينما تكون السفينة ساكنة، لاحظ بعناية كيف أنَّ الحشرات الصغيرة تطير بسرعة متساوية نحو جميع جوانب المقصورة. لاحظ أيضًا أنَّ السمك يسبح في كل الاتجاهات سواء، وأنَّ القطرات تسقط في الوعاء من تحتها؛ وحينما ترمي شيئًا إلى صديقك، فإنك لا تحتاج إلى أن ترميَه بقوةٍ تزيد شدتُها في أحد الاتجاهات دون الآخر؛ إذ المسافات متساوية؛ وحينما تقفز بكلتا قدميك، فإنك تقطع مسافاتٍ متساوية في كل اتجاه. بعد أن تكون لاحظت هذه الأشياء ورصدتها بعناية (لكن لا شكَّ أنه في حالة سكون السفينة، سيحدث كل شيء على هذا النحو)، اجعل السفينة تتقدَّم بأي سرعة ترغب فيها على أن تكون حركتها ثابتة، ولا تتأرجح في هذا الطريق أو ذاك. وستكتشف حينذاك أنه لم يحدُث أدنى تغيير في كل التأثيرات المذكورة، ولن تستطيع أن تعرف من أيٍّ منها ما إذا كانت السفينة تتحرك أم تقف ساكنة.

تتمثَّل وجهة نظر جاليليو في أنه لا يمكن الكشف عن السرعة المتَّجهة المطلَقة لنظامٍ من الأجسام، بأي وسيلةٍ متاحةٍ لعالِم يكون جزءًا من هذا النظام بعينه؛ لأن الحركات النسبية للأجسام لا تتأثَّر بسرعتها المتجهة الكلية. ولا يمكن الكشف عن الحركة إلا بربط الأجسام بنظام خارجي (ومن ثمَّ جاءت تعليمات جاليليو بأن يكون العالِم تحت سطح السفينة وليس فوق السطح، حتى لا يرى البحر المتحرك).

هل هذا صحيح؟ من المؤكَّد أن الأمر يبدو بديهيًّا (لا سيما في العصر الحديث: عصر السفر بالطائرات؛ أنا نفسي نسيتُ أكثرَ من مرة ما إذا كانت الطائرة التي أستقلُّها قد أقلعت أم لا؛ إذ إنَّ الفرق في السرعة المتجهة المطلقة يساوي ٣٠٠ متر في الثانية)، ولكن ألا يمكن أن يوجد تأثير خفي يمكن الكشف عنه بالقياسات ذات الدقة الكافية؟

طبقًا لميكانيكا نيوتن نفسها، فإنه لا يوجد. فحقيقة أنَّ الحركات النسبية بين مجموعة من الأجسام لا تتأثَّر، إذا أُعطيت جميع الأجسام السرعة المتجهة نفسها، هي نتيجة مشتقة من معادلات الميكانيكا. يُسمى ذلك بلغة الفيزياء «التناظر الديناميكي»، وهي عبارة عن تحوُّل في نظامٍ ما يخلُف الفيزياءَ التي تحكُم ذلك النظام من دون تغيير؛ ومن ثَم لا يمكن للعمليات الفيزيائية الموجودة داخل النظام الكشفُ عنه. ويتوقف ما إذا كان ثمَّة تحوُّل معيَّن يُعَد تناظرًا مع أحد الأنظمة على النظرية التي تصِف ذلك النظام وصفًا صحيحًا؛ ومن ثَم فإن المسألة في النهاية مرهونةٌ بالتجربة، لكن حين يتعلَّق الأمر بنظرية محدَّدة، فإنَّ حالات التناظر معها تكون من الحقائق الرياضية المعروفة. وفي حالة فيزياء نيوتن، فإن الزيادة في السرعة المتجهة — التحولات التي تزيد فيها سرعة كل الأجسام بالمقدار نفسه وفي الاتجاه نفسه — هي حالات تناظُر يمكن إثباتها. يتضح من هذا إذن أنَّ جاليليو محق: لا يمكن اكتشاف الزيادة في السرعة المتَّجهة في ميكانيكا نيوتن.

يُطلَق على الافتراض القائل بأن حالات الزيادة في السرعة المتجهة تمثِّل حالات تناظر اسم «مبدأ النسبية». وصحيحٌ أنَّ المصطلح يرتبط في الثقافة العامة بألبرت أينشتاين، لكن الفكرة الأساسية وُلدت من قَبْله بمئات السنين. وربما يمثِّل هذا المبدأ مشكلةً كبيرة لفيزياء نيوتن؛ إذ ينصُّ المبدأ على أنه من المستحيل تمامًا، ووفقًا لقوانين الفيزياء نفسها، أن نكتشف إن كان أحدُ الأجسام يتحرَّك أم لا بالنسبة إلى إطار السكون، ويأتي ذلك على خلافِ ما طرحه نيوتن.

الأُطر المرجعية القصورية

«يبدو» أننا قد اتفقنا حتى الآن على ما يلي:
  • (١)

    نحتاج إلى طرحِ فكرة المكان المطلَق لتوفير «إطار سكون» يمكن تعريف الحركات المستخدَمة في قوانين نيوتن بالنسبة إليه (أو نحن نحتاج إلى إطار السكون نفسه على أي حال، ولا يمكن الاستغناء عنه بأي إطار تحدِّده بعض الأجسام المادية).

  • (٢)

    يستحيل اكتشافُ ما إذا كان الجسم في حالة سكون أم في حالة حركة منتظمة.

تبدو العبارتان السابقتان متناقضتَين. ذلك أنه إذا لم يكن بإمكاننا اكتشافُ الحركة بالنسبة إلى المكان المطلَق، حتى ولو بطريقةٍ غير مباشرة، فكيف تكون هذه الفكرة ضرورية للفيزياء؟ لكي ندركَ أنه لا يوجد تناقض حقيقي، سنعرِّف الإطارَ المرجعي القصوري (أو لنسمِّه الإطار القصوري اختصارًا) بأنه أيُّ إطار مرجعي يتحرك بسرعةٍ متجهةٍ ثابتةٍ قياسًا بإطار السكون؛ أي بالمكان المطلَق وفقًا لنيوتن. أو الأجسام الساكنة بالنسبة إلى إطار قصوري تتحرَّك بالقصور الذاتي — بمعنى أنها تتحرك في خط مستقيم وبسرعة ثابتة — طبقًا لإطار السكون وطبقًا إلى أي إطار قصوري آخرَ بالطبع.

والآن، يتمثَّل مبدأ النسبية في أنه يمكن ممارسة الفيزياء، باستخدام معيار الحركة الذي يحدِّده أيُّ إطارٍ قصوري، ولا يلزم أن يكون ذلك الإطار هو إطار السكون. ويمكننا بالفعل أن نرى هذا (بدرجةٍ كبيرة) بمجرد النظر في قوانين نيوتن؛ إذ ينص القانون الأول على أن الجسم الساكن يبقى ساكنًا ما لم تؤثِّر فيه قوةٌ ما، والجسم المتحرك يبقى متحركًا بسرعةٍ متجهة ثابتة ما لم تؤثِّر فيه قوةٌ ما، لكن إذا تحرك الجسم بالنسبة إلى إطار قصوري، فإنه يتحرك بالنسبة إلى جميع الأُطر القصورية. ويربط القانون الثاني بين التسارع والقوة، لكن لأن التسارع هو «معدَّل التغيير» في الحركة، فإن تسارع الجسم لا يتغيَّر في أي إطارٍ قصوري.

ما نحتاج إليه إذن لممارسة الفيزياء هو إطار قصوري بشكلٍ أو بآخر. وبناءً على أحد هذه الأُطر، يمكننا إنشاء عددٍ لا حصر له من هذه الأُطر، لكننا لا نحتاج إلى معرفة أي من هذه الأطر هو إطار السكون، ونحن لا نستطيع أن نعرف ذلك بالفعل؛ بسبب مبدأ النسبية.

لنرجعِ الآن إلى أحجيةِ كيفيةِ اكتشاف الحركة المطلَقة (بما أننا لا نستطيع رؤيةَ الأطر القصورية أكثرَ مما يمكننا رؤية المكان المطلق). يوضح المثال الذي ضربه نيوتن بالكُرَتَين أننا نستطيع تحديدَ ما إذا كان أحد الأجسام يدور أم لا، بالنظر إلى درجاتِ الشد الداخلي به. (لاحظ أن الدوران لا يتأثَّر بتغيُّرات السرعة المتَّجهة المطلَقة؛ ومن ثمَّ إذا كان الجسم يدور بالنسبة إلى إطارٍ قصوري، فإنه يدور بالنسبة إلى جميع الأطر القصورية). وهذه الطريقة لا تصلح إلا لأننا نفترض ميكانيكا نيوتن مسبقًا، بمعنى أننا لا نعرف أنه يوجد شدٌّ في السلسلة إلا لأن النظرية تخبرنا بأنه سيوجد شدٌّ في السلسلة. يتمثَّل المبدأ العام فيما يلي: سنتوصَّل إلى الحركات المطلَقة من خلال النظر إلى الحركات النسبية، ثم نسأل أنفسنا ما يلي: ما الذي يجب أن تكون عليه حركةُ إطارٍ قصوري بالنسبة إلى كل هذه الأجسام، بما يجعل حركاتها النسبية إلى ذلك الإطار تتطابق مع قوانين نيوتن؟ نعرف أن العملية لن تعطينا إطارًا قصوريًّا محددًا بسبب مبدأ النسبية، لكننا نرجو مع توفُّر نظامٍ معقَّد بما يكفي أن تعطينا العملية خيارًا محددًا يشمل «مجموعةً من حالات زيادة السرعة المتجهة المنتظمة»؛ أو بعبارةٍ أخرى تعطينا مجموعة الأطر القصورية بأكملها، وإن لم تحدِّد إطارًا واحدًا كما كنا سنفضِّل.

fig1
شكل ٢-١: الحركة في إطارَين قصوريَّين: (أ) الحركة في الإطار القصوري للجسيم «أ»؛ (ب) الحركة في الإطار القصوري للجسيم «ب».
يصوِّر الشكل ٢-١ هذه العملية. ففي الجزء (أ) من الشكل ٢-١، تظهر حركات الجسيمات الثلاثة «أ» و«ب» و«ﺟ» بالنسبة إلى إطار قصوري؛ حيث الجسيم «أ» في حالة سكون، بينما يتحرَّك الجسيم «ب» في خطٍّ مستقيم وبسرعة ثابتة، ويتأرجح الجسيم «ﺟ» من جانب إلى آخر، ولكنه لا ينتقل بشكل منهجي إلى أي مكان. وفي الجزء (ب) من الشكل ٢-١، نرى إعادة تصوير للموقف نفسه في إطار قصوري، حيث الجسيم «ب» في حالة سكون، والجسيم «أ» هو الذي يتحرك في خط مستقيم وبسرعة ثابتة، بينما يستمر الجسيم «ﺟ» في التأرجح، لكنه ينجرف الآن جهة اليسار. يختلف الإطاران القصوريان في أي الجسيمات هو الساكن وأيها المتحرك، لكنهما يتفقان أن الجسيم «أ» والجسيم «ب» يتحركان تحركًا قصوريًّا دون الجسيم «ﺟ».
ومن هذا المنطلق، يمكننا إعادةُ صياغة قانون نيوتن الأول على النحو التالي:
قانون نيوتن الأول (نسخة المكان المطلَق): يتحرك الجسم في خط مستقيم وبسرعة ثابتة بالنسبة إلى أي إطار مرجعي قصوري ما لم تؤثِّر عليه قوةٌ ما.

مفهوم الزمكان

لا تشير الصيغةُ الجديدة لقانون نيوتن إلى «المكان المطلَق» ولا إلى أي «إطار ساكن»، مما قد يغري بالاعتقاد بأننا نستطيع التوقُّف عن الحديث عن الفضاء المطلَق تمامًا. لكنَّ علينا أن نتوخى الحذر. لعلك تتذكَّر تعريف الإطار القصوري: إنه إطار يتحرَّك بسرعة ثابتة «بالنسبة إلى» المكان المطلق. وإذا اقتطعنا المكان المطلق من النظرية، فسيبدو أننا فقدنا القدرة على تحديد «ماهية» الإطار القصوري.

لا يسعنا سوى قبول أن المكان المطلق مفهومٌ ضروري للنظرية، على الرغم من أنه لا يمكن رصدُه (ولو بطريقةٍ غير مباشرة). وبلغة الفصل الأول، ستكون هذه المسألة حالةً من حالات نقص الإثبات (ليس للنظرية الصحيحة، بل لإحدى حقائق الكون). يرى معظم الفلاسفة أن هذه المسألة تمثِّل احتماليةً متماسكة، لكنهم لا يطمئنون إليها، أما علماء الفيزياء، فهم أكثرُ تشككًا فيها من الفلاسفة. ثمة ضغط قوي على الأقل لإيجاد طريقة للتفكير بشأن النظرية التي تزيل حالةَ نقص الإثبات.

لمعرفة الكيفية التي قد تؤدي إلى تحقيقِ ذلك، ينبغي أن نتذكَّر فكرةَ المكان المطلَق باعتبارها أساسًا للفيزياء؛ شيء لا يخضع للقوانين الديناميكية نفسها وإنما يحدِّد المفاهيم التي تتطلبها تلك القوانين. يوفِّر المكان المطلَق فكرتَين منفصلتَين من «البنية الأساسية» اللازمة للفيزياء:
  • (١) «الهندسة المكانية»: يوفِّر المكان المطلَق المقياسَ الذي يحدِّد المسافة بين جسمَين (ويسميه علماء الرياضيات «القياس»). يطلَق على هذه البنية «الهندسة الإقليدية» كما يسمِّيها المختصون في الهندسة؛ وحتى زمن أينشتاين على الأقل، ظلَّت الهندسة المكانية تُطرَح دون أي إشارةٍ إلى ضرورة أن يكون لها أي ديناميكياتٍ خاصَّةٍ بها.
  • (٢) «بنية إطار السكون»: يوفِّر المكان المطلَق تعريفًا للسكون والحركة، مما يكفي لتحديد السرعة المتجهة المطلَقة لأي جسم.

    ثمَّة بنية ثالثة ضرورية يوفِّرها الزمان المطلق، وهو أيضًا أحدُ المفاهيم الأساسية (وفقًا لنيوتن):

  • (٣) «المقياس الزمني»: يحدِّد الزمان المطلق الزمن المنقضي بين أي حدثَين.

ما يخبرنا به مبدأ النسبية أننا لا نحتاج إلى «كل» هذا القَدْر من البنى. يخبرنا أننا نحتاج إلى الهندسة المكانية، وإلى المقياس الزمني، وإلى «بعض» من بنيةِ إطار السكون، لكننا لا نحتاج من هذا إلا ما يكفينا لأنْ نعرف مقدار تسارُع الأجسام (ومعرفة الأجسام التي لا تتسارع)؛ أي إننا لا نحتاج إلى معرفة الفرق الكامل بين السكون والحركة.

لدى علماء الفيزياء طريقةٌ أنيقة للتفكير بشأن هذه البنى المتنوِّعة، متمثلة في مصطلح «الزمكان». (لم يُصَك مصطلح «الزمكان» حتى القرن العشرين، وقد ورد في شرح عالِم الرياضيات هيرمان منكوفسكي لفيزياء أينشتاين، لكن المفهوم نفسَه ينطبق تمامًا على ميكانيكا نيوتن). من المنظور الرياضي، ليس الزمكان سوى دمجٍ للمكان والزمان في شيء واحد؛ فإذا تطابقت كل نقطة في المكان مع «الموقع» الذي قد يوجد فيه شيءٌ ما، وتطابقت كل نقطة في الزمان مع «الوقت» الذي قد يحدُث فيه شيءٌ ما، فإن ثمَّة نقطة في الزمكان تتطابق مع كلَيهما في آنٍ واحد. وبناءً على هذا، فإنَّ الزمكان رباعي الأبعاد؛ فنحن نحتاج إلى ثلاثة أرقام لمعرفة موقع شيءٍ ما في المكان (المسافة التي يبعُدها عن نقطة مرجعية في كل اتجاه من الاتجاهات الثلاثة) ورقمٍ واحد لمعرفة وقت الشيء في الزمان (أي وقت حدوث الشيء بالنسبة إلى لحظةٍ مرجعية مثل السنة «صفر» بالتقويم الميلادي)؛ ومن ثمَّ نحتاج إلى أربعة أرقامٍ لمعرفة المكان والزمان كلَيهما، وما يعنيه جميع علماء الرياضيات بمصطلح «مكان رباعي الأبعاد» هو مجموعة من الأشياء المعنونة (بطريقة سلسة مناسبة) بأربعة أرقام.

لست مضطرًّا إلى تخيُّل الأشياء «في أربعة أبعاد» لاستخدام مفهوم الزمكان. حقيقةُ الأمر — وذلك أحد أسرار المهنة — أنه ما من أحدٍ تقريبًا، ولا حتى المحترفين من علماء الفيزياء والرياضيات، يضع في اعتباره الأبعادَ الأربعة، بل يفترضون أنَّ المكان ثنائي أو ثلاثي الأبعاد، ويثقون بأن تُعرِّفهم الرياضيات حين لا يعود هذا الافتراض صالحًا. لِنجرب هذه الخدعة الآن؛ افترض أنَّ الفضاء لا يتكون إلا من بُعدَين فحسب، تخيَّله وكأنه ورقة عريضة. ولأنك لا تستطيع أن ترى الفضاء في الحقيقة، فلنتصوره وكأنه رُقاقة من مادة الأكريليك عريضة ورقيقة. وللوصول إلى تصوُّر الزمكان، تخيَّل أنك تكدِّس العديد (عدد لا نهائي بالمعنى الحرفي) من الرقاقات فوق بعضها؛ هذه الكومة اللانهائية من رقاقات المكان هي الزمكان. وتخيَّل أنك تأخذ إبرة رفيعة وتغرزها في الكومة من الأسفل إلى الأعلى، حتى تثقب كل رقاقة تلو الأخرى، ويمكن اعتبار المسار الذي اتخذته الإبرة بمثابة مسار أحد الجسيمات، وفي كل مرة، فإن الثقب في الرقاقة في ذلك الزمن يمثل مكان وجود الجسيم في ذلك الزمن.

يمكننا الآن تخيُّل الأجزاء المختلفة من البنية الأساسية التي ناقشناها للتو، على أنها أجزاءٌ مختلفةٌ من بنية الزمكان. تخبرنا الهندسة المكانية بهندسة كل نسخة من نسخ المكان؛ أي كل من رقاقات الأكريليك في نموذجنا التخيُّلي. وعند تحديد نقطتَين على الرقاقة نفسها، تعرِّفنا الهندسة المكانية بالمسافة التي تفصل بينهما. ويعرفنا المقياس الزمني بالفاصل في الزمن بين أي نسختَين مختلفتَين من المكان.

ماذا عن بنية إطار السكون؟ يمكن اعتبار أنه يخبرنا بكيفية تطوُّر نقاط المكان المطلَق نفسها في الزمن. عند تحديد نقطتَين في الزمكان — نقطتَين في نسختَين مختلفتَين من المكان — فهما إما تمثِّلان «النقطة نفسها» في المكان المطلَق، أو تمثلان نقطتَين مختلفتَين. وهذا يتيح لنا تحديدَ أي مسارات الجسيم — المسارات المتَّخذة عَبْر الزمكان — يمثِّل حركة قصورية، وأيها يمثل حركة متسارعة. يمكنك أن تتخيَّل هذه المسارات باعتبارها مجموعةً خاصةً مفضَّلة من المسارات عَبْر الزمكان، وكلٌّ منها يمثِّل جسيمًا في حالة السكون. وهذه البنية بكاملها — الزمكان والهندسة المكانية والمقياس الزمني وبنية إطار السكون — تُسمى في الاصطلاح الدارج لفلسفة الفيزياء «زمكانَ نيوتن».

على الرغم من ذلك، فممارسة الفيزياء لا تستلزم بنيةَ إطار السكون، بل البنية «القصورية» فحسب، ونحن نستطيع تمثيلها على الزمكان بعائلةٍ كاملةٍ من المجموعات الخاصَّة المفضَّلة من المسارات، بدلًا من مجموعة المسارات الواحدة التي حدَّدت بنيةَ إطار السكون. كلُّ فرد من أفراد العائلة يختار إطارًا قصوريًّا واحدًا: أي مجموعة من الجسيمات التي تتحرك جميعها بسرعةٍ ثابتةٍ واحدة، لكننا لا نعتبر أيَّ إطارٍ من هذه الإطارات مفضلًا على البقية. ذلك أننا إن فعلنا ذلك يصبح الزمكان أقلَّ منهجيةً وتنظيمًا بعض الشيء؛ ويسمَّى الجسم الناتج ﺑ «زمكان جاليليو»، تكريمًا لاكتشاف جاليليو لمبدأ النسبية.

هل يوفِّر الزمكان تفسيرًا؟

كانت الحجة العلمية التي طرحها نيوتن بشأن المكان المطلَق هي أنه ضروري لتعريف الحركة. ومن هذا المنطلق، قد يبدو الزمكان تعديلًا لطيفًا على الرؤية الجوهرية التي طرحها نيوتن؛ فعند إعادة النظر، يبدو أنَّ طرح فكرة وجود «مكان» فيزيائي دائم ينطوي على الإفراط؛ لأنه يعطينا فكرةً غير ضرورية تسمَّى السكون المطلَق، لكنَّ طَرْح الزمكان (بمفهوم جاليليو) هو المطلوب تمامًا كي تتسلح الفيزياء بالأساس الذي تحتاج إليه. ووفقًا لرؤية «جوهرية الزمكان»، لا يُعَد الزمكان محضَ بنية رياضية أو صورة مجردة، بل خلفية «مادية» تحل محلَّ مفهومَي المكان والزمان المنفصلين. وصحيحٌ أننا لا نستطيع الكشفَ عن الزمكان مباشرةً، لكنه مفهوم ضروري لفهم الفيزياء.

وعلى الرغم من أنَّ لهذا النهج مميزاتٍ كثيرة، فثمة شيء محيِّر بشأنه أيضًا. ففي الصورة التي يطرحها نيوتن، يُعَد مفهوم الحركة واضحًا بدرجةٍ ما على الأقل؛ فيكون الجسم متحركًا إذا كان يشغل نقاطًا مختلِفة من المكان في أزمنة مختلفة، ويكون ساكنًا إذا بقي في النقطة نفسها من المكان مع مرور الزمن. أما الصورة البديلة المتمثِّلة في الزمكان، فقد تخلَّصت من الفرق بين الحركة والسكون، وأبدلته بالفرق بين الحركة القصورية وغير القصورية؛ ثم نَصَّت على أنَّ الجسم يتحرك حركةً قصورية إذا اتضح من البنية القصورية للزمكان أنه يتخذ هذه الحركة.

لكن هذا الطرح يبدو دائريًّا «لا تكون الحركة قصورية إلا إذا كانت من الحركات المفضَّلة في البنية القصورية». فكيف لنا أن نفهم «ماهية» البنية القصورية إذا لم تكن — وفقًا للتعريف — القائمة التي تضم الحركات القصورية وغير القصورية؟ وإذا لم نستطِع فَهْمها إلا بهذا التعريف، أفلا يعني هذا أننا لا نزال غير متأكدين مما تعنيه «الحركة القصورية» فعليًّا؟

توجد طريقتان لمعالجة هذه الإشكالية. الطريقة الأولى هي التمسُّك بفكرة جوهرية الزمكان. سنأخذ باقةَ البنى التي يضمها الزمكان — الهندسة المكانية والمقياس الزمني والبنية القصورية — ونسميها «هندسة الزمكان». وسوف نتعامل مع هندسة الزمكان على أنها سِمة أولية من سمات العالم؛ ومن ثَم لا يمكن اختزالها إلى أيِّ حقائق عن الديناميكيات. وصحيحٌ أنَّ «البنية القصورية» تحدِّد بالفعل مجموعةً من المسارات في الزمكان، لكن تلك ليست سوى حقيقة أساسية وغير مفسَّرة عن العالم. وحينئذٍ نقول إنه «قانون جوهري في الفيزياء»، إنَّ الأجسام التي لا تؤثِّر فيها قوةٌ ما تتحرَّك بالفعل في تلك المسارات. (وقد يُحتمل — من الناحية المفاهيمية — وجودُ عالَم تتحرك فيه الأجسام التي لا تؤثِّر عليها قوةٌ ما بطريقةٍ مختلِفة، لكن قوانين الفيزياء تخبرنا بأن عالمنا ليس كذلك). وفي هذا النهج الذي يتَّخذ «الهندسة أولًا» في بنية الزمكان، من الحقائق الجوهرية عن العالم أنه يضم هندسة الزمكان التي يضمها، وثمَّة حقيقة جوهرية منفصلة أخرى مُفادها أن الهندسة تتداخل مع الديناميكا مثلما يحدث بالفعل.

الأرجح أنَّ النَّهج الأول هو الموقف الذي يتبناه معظم الفلاسفة. على الرغم من ذلك، فنظرًا لما ينطوي عليه من فصلٍ منطقي بين الهندسة والديناميكا، فإنه يتركنا في حَيرة من أمرنا بشأنِ ما «نعنيه» حقًّا حينما نقول: «يضم الزمكان مثل هذه الهندسةِ أو تلك». سيكون علينا في نهاية المطاف أن نتعامل مع بعض المفاهيم على أنها مفاهيمُ أولية دون تحليل لها، وربما كان مفهوم هندسة الزمكان واحدًا من هذه المفاهيم. غير أنَّ لدينا نهجًا بديلًا يمكن أن نسميه «الديناميكا أولًا».

فالتعريف الذي يتبنَّاه نهج الديناميكا أولًا (وأعترف أنه أكثرُ ملائمة لأفكاري) أن «الأُطر القصورية» هي أُطر تتحرك فيها الأجسامُ التي لا تؤثِّر عليها قوةٌ ما حركةً قصورية. ومن هذا المنظور، فلا يوجد بالفعل أيُّ تحليل إضافي للإطارات يمكن تقديمه؛ فكلُّ ما في الأمر أنَّ قوانين الفيزياء تزعم أن الأجسام الحرة تتحرك في خطوطٍ مستقيمة، وبسرعةٍ ثابتةٍ بالنسبة إلى «بعض» الأطر، وهي تعرِّف تلك الأُطر بأنها الأطر القصورية.

يتبيَّن الفرق بين هذَين النهجَين جليًّا عندما نفكر في دور هندسة الزمكان. ففي نهج «الهندسة أولًا»، تفسِّر هندسة الزمكان العديدَ من الحقائق عن الديناميكا؛ لأن قوانين الفيزياء دائمًا ما تُصاغ بالنسبة إلى خلفيةٍ من الزمكان، وهندسة ذلك الزمكان تقيِّد ما قد تكون عليه تلك القوانين. أما في نهج «الديناميكا أولًا»، فإنَّ دور هندسة الزمكان يقتصر على «ترميز» تلك الحقائق الخاصة بالديناميكا؛ فالزمكان يضم تلك الهندسة التي يضمها بسبب قوانين الفيزياء، وليس العكس. ونتيجة لذلك، فمن المهم جدًّا لنهج الهندسة أولًا أن يكون الزمكان شيئًا ماديًّا؛ أما في نهج الديناميكا أولًا، فمن الطبيعي أن يُتخذ الزمكان باعتباره أداةً رياضية صورية (على الرغم من أنَّ مدى ضرورة ذلك للنهج أو حتى مدى منطقيته، مسألة خلافية).

أثمَّة شيء على المحكِّ في هذا الجدال؟ أرجو أن تكون الأسئلة محفِّزة للفكر في حد ذاتها؛ إذ إنها تتعلَّق بمسائلَ عميقةٍ عن بنية العالم، على الرغم من ذلك، فعلى مستوًى عمليٍّ بدرجة أكبر، تتضح أهميةُ تلك الأسئلة عندما نبدأ في دراسة الأدلة على أن البنية القصورية للعالم ليست خلفيةً ثابتةً رغم كل شيء، بل إنها تتأثر — وتتحدَّد كذلك — بالمادة وديناميكياتها. وستكون تلك الأدلة وتداعياتها محورَ تركيزنا في الجزء الأخير من هذا الفصل.

القصور الذاتي والجاذبية

الفضاء الخارجي بيئةٌ «منعدمة الجاذبية»؛ فرواد الفضاء في المَركبات الفضائية لا يُسحبون نحو الأرضية، والأجسام التي يسقطونها أو يرمونها تتحرك في خطوط مستقيمة حتى تصطدم بشيء آخر، والحياة في الفضاء الخارجي غريبةٌ ومبهجة (إذا كنت تصدِّق مقاطع الفيديو التي تنشرها وكالة ناسا) أو غير مريحة على الإطلاق (إذا كنت تصدِّق ما يقوله رواد الفضاء عنها بعد أن يختبروها).

فلماذا تتسم هذه البيئةُ بانعدام الجاذبية؟ كثيرًا ما نسمع أن السبب في ذلك أنه لا توجد جاذبيةٌ في الفضاء (لأنه بعيد عن قوة جاذبية الأرض). لكنَّ هذا التفسير غير منطقي تمامًا. ذلك أنَّ نصف قطر الأرض يبلغ حوالي ٦٤٠٠ كيلومتر، وتدور محطة الفضاء الدولية على ارتفاع ٥٠٠ كيلومتر؛ وقوة جاذبية الأرض على مسافة ٦٩٠٠ كيلومتر ليست بأقل مما تكون عليه على مسافة ٦٤٠٠ كيلومتر إلا قليلًا للغاية. ثمَّة طريقة أفضلُ نستطيع أن نفهم بها السبب في أنَّ رواد الفضاء لا يشعرون بالجاذبية؛ وهو أن كل شيء في المَركبة الفضائية يتحرَّك بحرية في ظل وجود الجاذبية وبالسرعة نفسها: رواد الفضاء ومتعلقاتهم وجدران المَركبة الفضائية نفسها. ونتيجةً لهذا؛ فإنَّ الجاذبية تسحب رائد الفضاء بالفعل تجاه جدران المَركبة الفضائية فحسب، لكنها تسحب جدار المَركبة الفضائية بعيدًا عن رائد الفضاء أيضًا وبالدرجة نفسها. ولذا فإن الاسم الأفضل لانعدام الجاذبية هو: «السقوط الحر».

يُعَد هذا الاسم ملائمًا لأنَّ الجاذبية هي ما يسميه علماء الفيزياء بالقوة «الكونية»؛ ودرجة تسارع الأجسام التي تحفزها هذه القوة واحدة، بالنسبة إلى الأجسام الصغيرة والأجسام الكبيرة. (على خلاف القوة الكهربية على سبيل المثال؛ فالإلكترونات سالبة الشحنة ومن ثمَّ تجذبها القوة الكهربية التي تصدرها أجسامٌ كبيرة موجبة الشحنة، أما البروتونات فهي تتنافر بسبب شحنتها الموجبة. غير أننا لا نجد نظيرًا لهذه الحالة في الجاذبية، حيث إنه لا توجد مادة «مضادة للجاذبية» تنفر بفعل المجال المغناطيسي للأرض، ولا حتى مادة تتأثَّر به بدرجةٍ أقل قليلًا.)

على الرغم من ذلك، تشكِّل القوى الكونية لغزًا في فَهْمنا للقصور الذاتي. لنفترض أنك رائد فضاء في أول مهمة فضائية بين النجوم، لكنك تنام على الرغم من كلِّ هذه الأحداث المثيرة. وعندما تستيقظ، تجد نفسك معدومَ الوزن، إذن فقد غادرت المَركبة الفضائية سطحَ الأرض على الأقل، والمحرِّكات لا تعمل حاليًّا؛ ولكنك لا تعرف ما إذا كانت المَركبة (أ) ما تزال داخل مدار الأرض وجاهزة لإجراء محادثةٍ مع برج المراقبة؛ أم إنها (ب) في طريقها إلى قاعدة كوكب المشتري حيث سيمكنك التزوُّد بالوقود من جديد؛ أم إنها (ﺟ) في الفضاء بين النجوم. من دون النظر إلى الخارج من النافذة أو سؤال شخص آخر، فلا توجد أمامك طريقة ممكنة لمعرفة ذلك؛ لأنك ستكون في سقوط حرٍّ في كلٍّ من هذه الحالات؛ ومن ثمَّ لا يمكنك إجراءُ أي تجربةٍ للكشف عن مجال الجاذبية.

يبدو هذا مألوفًا. فتلك هي البنية نفسها التي تتخذُها تجربة جاليليو الفكرية الخاصة بالسفينة؛ وكما أنه لا يمكن الكشف عن السرعة المتَّجهة الثابتة، لا يمكن أيضًا الكشف عن «قوى الجاذبية الخارجية» الموحَّدة. لكن لعلك تذكُر الدرسَ المستفادَ من تلك التجربة الفكرية: لما كنا لا نستطيع الكشفَ عن حالات الزيادة في السرعة المتَّجهة المطلَقة، فليس السكون المطلق بمفهوم ضروري لصياغة الفيزياء. وتتمثَّل الحجة المناظِرة في هذه الحالة فيما يلي: إذا كنا لا نستطيع اكتشافَ إن كان نظامٌ ما يتسارع على نحوٍ موحَّد أم لا، في ظل وجود مجال جاذبيةٍ خارجي أم لا، فلا حاجة إلى صياغة فيزياء ذلك النظام بما يسمح بالتمييز بين غياب مجال جاذبية خارجيٍّ وبين وجوده.

ما البديل إذن؟ يتمثَّل البديل فيما يلي: كما أن قوانين نيوتن لا تنطبِق على «إطار السكون» فحسب، وإنما على أي «إطار قصوري»، فإنها تنطبق أيضًا على أي إطار «يسقط سقوطًا حرًّا بفعل الجاذبية».

يُعدُّ هذا البديل تغييرًا جذريًّا بشأن كيفية عمل الحركة القصورية في الفيزياء. فهو يعني أولًا أن القوة الكونية — مثل الجاذبية — ليست قوةً على الإطلاق؛ فطبقًا لقوانين نيوتن، تتسبَّب القوى في الانحراف عن الحركة القصورية، لكن الحركة الحرة بفعل الجاذبية ليست سوى حركة قصورية. ما يحدث بدلًا من ذلك أنَّ الجاذبية هي التي تحدِّد الأطر القصورية؛ ومن ثمَّ تخبرنا القوى الأخرى في الكون — التفاعلات غير المتعلِّقة بالجاذبية — بمدى تسارُع الأجسام بالنسبة إلى تلك الأطر القصورية.

وثانيًا: يخلُّ هذا البديل بفكرة أن البنية القصورية عبارةٌ عن بنية «أساسية». إذا كانت الأطر القصورية تحدِّدها تفاعلات الجاذبية؛ ومن ثَم توزيع الكتل، فلن تعود البنية القصورية أساسًا ثابتًا تُصاغ الفيزياء بناءً عليه.

وأخيرًا: إنه يعرِّفنا أن البنية القصورية بنيةٌ «محلية». لقد عرفنا قبل ذلك أن الإطار المرجعي القصوري شيءٌ يمكن تحديده للكون بأكمله مرة واحدة، لكن إذا كانت البنية القصورية تُحدَّد وفقًا لتأثيرات الجاذبية للمادة، وإذا كانت هذه التأثيرات تتفاوت من مكان إلى آخرَ، فلا بد أن البنية القصورية تتفاوت بالمثل من مكان إلى آخرَ. يؤدي هذا إلى الاستعاضة عن فكرة وجود مجموعة واحدة من الأطر القصورية بفكرة وجود مجموعاتٍ متنوِّعةٍ متشابكة؛ مجموعة لكل منطقة في نسيج الزمكان. وسيستلزم هذا بدوره وَضْع قواعد لكيفية ارتباط المجموعات المتجاورة من الأطر إحداها بالأخرى، وهذه القواعد هي التي أطلَق عليها علماء الفيزياء «انحناء الزمكان».

(يُنسب الفضل بوجه عام إلى أينشتاين في التوصُّل إلى هذه الفكرة البارزة بشأن الجاذبية؛ فقد تخيَّل ما سيكون عليه الأمر إن كنت في مصعدٍ يسقط سقوطًا حرًّا في عموده، واستنتج أنَّ الأمر سيكون كما لو أنه لا توجد جاذبية على الإطلاق. وقد اشتُهِر عنه أنه قال عن لحظة وصوله إلى هذا الاكتشاف، إنها «أسعد لحظة في حياتي». على الرغم من ذلك، فلا بد أن نيوتن قد فهِم هذه النقطة بدرجةٍ ما؛ ذلك أنَّ نظام الأرض والقمر على سبيل المثال يتسارع بوتيرةٍ ثابتة في دورانه حول الشمس، لكن نيوتن كان يدرك أنه يستطيع تطبيقَ قوانين الفيزياء التي وضعها على الأرض والقمر، كما لو كانت الشمس غير موجودة.)

هل هذا التغيير في مفهومنا عن القصور الذاتي «ضروري»؟ كلَّا، لا يمكن الجزم بذلك. يمكننا الاستمرار في زعمِ أن البنية القصورية مطلَقة ولا تتأثر بالجاذبية، لكن النتيجة ستكون أن البنية «القصورية» لا يمكن الكشفُ عنها، مثلما أننا لا نستطيع اكتشافَ إطار السكون المطلق بناءً على مبدأ النسبية. وهذا احتمالٌ واقعيٌّ بناءً على نهج «الهندسة أولًا» فيما يتعلَّق بالزمكان؛ إذ لا توجد علاقة مفاهيمية بين بنية الزمكان وحركات الأجسام. ومن هذا المنظور، فإنَّ هذه الأفكارَ المتعلِّقة بالسقوط الحر تشير على الأكثر إلى أنه ينبغي البحث عن بنيةٍ مختلفة للزمكان (تمامًا مثلما أنَّ عدم إمكانية رصد السكون المطلَق كان سببًا وجيهًا للتخلص من فكرة المكان المطلَق، لكنه لم يضطرنا إلى ذلك في الحقيقة). وعلى النقيض من ذلك، في نهج «الديناميكا أولًا»، فإن إدراك أن الحركات القصورية تُحدد الجاذبية هو اكتشاف مباشِر بشأن بنية الزمكان. لا شكَّ أن الفرق دقيقٌ للغاية، مما يسمح بمجال كبير للخلاف، ولكن حالة الجاذبية تدفع بقوة إلى فَهْم هندسة الزمكان، باعتبارها تقنينًا لمفاهيمِ القصور الذاتي المستخدَمة في قوانين الفيزياء، لا باعتبارها حالةً مستقلة منطقيًّا عنها.

لقد وُضع الجزءُ الأكبر من الفلسفة التي ناقشناها في هذا الفصل خلال العقود القليلة الماضية، وبعضه من الأعمال الحديثة للغاية، أما الفيزياء التي ناقشناها فتعود إلى قرون مضت. وفي الفصل الثالث، سننتقل إلى تناول الفيزياء الحديثة وندرُس الأسئلة المفاهيمية التي تثيرها نظرية النسبية، لكننا سنرى أن معظم الرؤى التي توصَّلنا إليها في هذا الفصل ستنطبق أيضًا على تلك النظرية الأحدث والأغرب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤