الفصل الأول

حياة بلوخ ونواة تفكيره اليوتوبي

إرنست بلوخ Ernst Bloch فيلسوفٌ ألماني وناقدٌ أدبي وفني، يعد من أهم الماركسيين الجدد في القرن العشرين، قامت فلسفته على نزعةٍ إنسانية خالصة لتحرير البشرية من العبودية، ووصفها بأنها فلسفة الأمل. وبلوخ هو الفيلسوف الوحيد بين مفكري عصره الماركسيين الذي عرَّف نفسه بأنه فيلسوفٌ يوتوبي، ووصف اشتراكيته بأنها «يوتوبيا عينية» تمتد جذورها في الإمكانات التاريخية،١ كما أن عرضه وتحليله لصور الأمل المختلفة عبر التاريخ قد أعطاه اسم «فيلسوف الأمل»، كما جعل كتابه «مبدأ الأمل» واحدًا من أهم الكتب الأساسية في الفلسفة المعاصرة. ومع ذلك يمكن القول بأنه لم يكن فيلسوفًا بالمعنى التقليدي، بل بالمعنى العيني والثوري. لقد اتجه تفكيره على الدوام إلى التغيير، كما تركز اهتمامه على التأثير في الظروف السياسية وتوجيهها نحو تحقيق الأمل الذي يمثل محور فلسفته وغايتها. وللاقتراب من فكر هذا الفيلسوف لا بد من إلقاء الضوء على حياته ومؤلفاته ومصادر فكره وتحديد أهم المقولات والمعالم الأساسية في فلسفته.

أولًا: حياة بلوخ ومؤلفاته

(١) حياته

ولد بلوخ في اليوم الثامن من شهر يوليو عام ١٨٨٥م بمدينة لودفيجز هافن الصناعية الواقعة على نهر الراين في الجنوب الغربي لألمانيا. وهو ينحدر من أصلٍ يهودي، وكان أبوه ماكس بلوخ موظفًا بالسكك الحديدية في هذه المدينة الصناعية التي كانت معقلًا لعمال المصانع الفقراء. فتح بلوخ عينَيه على شقاء هؤلاء العمال وبؤسهم، وأدرك منذ طفولته التناقض الحاد بين قبح مدينته الصناعية وبؤسها وبين فخامة مدينة مانهايم وثرائها على الجانب الآخر من نهر الراين، ففي الأولى أكبر المصانع الألمانية وحولها العشش والأكواخ الفقيرة التي تعجُّ بالعمال الكادحين، وفي الثانية أكبر وأفخم المسارح الألمانية المحاطة بالأبنية الفخمة والحدائق الغنَّاء مما كان له أكبر الأثر في تكوين بلوخ الاشتراكي، وأحد أسباب انشغاله بالأفكار التقدمية والثورية منذ صباه ودفاعه عنها، كما كان أحد أسباب إعجابه بروزا لوكسمبورج.٢ (١٨٧١–١٩١٩م) وشخصيتها المتحررة. وكأن هذا الفيلسوف الذي سحره الجمال في اللغة والفكر فانجذب إليه بكل كيانه، قُدِّر عليه أن يحيا وسط القبح والتلوث والضباب المتصاعد من أدخنة المصانع على نهر الراين الذي طالما تغنى الشعراء الألمان بجلاله الملكي وصفائه العذري، والذي رآه بلوخ في طفولته وصباه وهو ينساب بطيئًا ملطخًا ببقع الزيت الكثيفة.٣
كان بلوخ متعدد الاهتمامات الثقافية، وقد أقبل في مطلع شبابه على قراءة الفلسفة أثناء زياراته المتكررة لمكتبة مدينة مانهايم الغنية — المقابلة لمدينة لود فيجزهافن — وكان شغفه بالكتب الفلسفية والسياسية أحد أسباب قراءته المبكرة لفشته وهيجل وشيلنج. وبدأ دراسة الفلسفة والموسيقى والفيزياء عام ١٩٠٥م في جامعتي ميونخ وفيرتسبورج التي حصل منها على درجة الدكتوراه عام ١٩٠٨م برسالة عن فيلسوف التاريخ هيزيش ريكرت (١٨٦٣–١٩٣٦م) تحت إشراف الفيلسوف وعالم النفس أوزفلد كولبه (١٨٦٢–١٩١٥م). ثم انتقل للإقامة في برلين التي عاش فيها من سنة ١٩٠٨ حتى عام ١٩١١م، وتعرف على فيلسوف الحياة والاجتماع جورج زيميل (١٨٥٨–١٩١٨م) وأخذ يتردد على محاضراته وندواته. وفي إحدى قاعات البحث التي كان يقيمها هذا الأخير تعرف على فيلسوف الجمال الماركسي جورج لوكاتش (١٨٨٥–١٩٧١م)، وتوثقت بينهما عرى صداقةٍ قوية كان لها تأثيرٌ عظيم على كلٍّ منهما، وكثرت أسفارهما معًا وفي صحبة جورج زيميل وبخاصة إلى إيطاليا. وفي عام ١٩١٢م أخذ بلوخ يتردد على مدينتي جارميش Garmisch وهايدلبرج حيث كان يقيم لوكاتش،٤ وحيث كان الاتفاق بينهما في الأفكار شبه كامل في تلك الفترة من حياتهما، ثم لم يلبث الخلاف الفكري العميق أن دبَّ بينهما بعد ذلك بسنواتٍ قليلة. وقد عكرت صفو هذه الصداقة خصومةٌ شديدة وصلت إلى حد المعارك الجدلية اللاذعة التي سيشار إليها في حينها، ولم تعد العلاقة لصفائها الأول إلا عندما أهدى بلوخ كتاب «المشكلة المادية» إلى صديق شبابه لوكاتش.

وفي هايدلبرج أصبح بلوخ أحد رواد حلقة فيلسوف الاجتماع ماكس فيبر (١٨٦٤–١٩٢٠م) ولكن هذا الأخير ابتعد عنه لزعمه أن بلوخ يعتبر نفسه من رواد مذهب الخلاص ولتشككه في أفكاره الصوفية. وفي عام ١٩١٣م اقترن بلوخ بزوجته الأولى إليزافون شترتسكي التي كانت تعمل بفن النحت وتوفِّيت سنة ١٩٢١م، وقد كتب إلى صديقه يواخيم شوماخر في سنة ١٩٤٣م رسالة يقول فيها إن إليزا قد أحبته وآمنت بفلسفته إيمانًا مطلقًا لا يقل عن إيمانها بالكتاب المقدس، حتى لقد راحت تفسره من خلال فلسفته، كما تفسر فلسفته من خلاله. ويبدو أنها صدقت كذلك تصديقًا مطلقًا بأن له رسالةً يبلغها للبشرية، وهي رسالة التبشير بالخلاص القادم والوعد باليوتوبيا العينية التي ستحقق الأمل الذي امتلأ به قلبه الشاب في ذلك الوقت.

أعفي بلوخ من الخدمة العسكرية لعدم صلاحيته، فعاش معظم سنوات الحرب العالمية الأولى في جرون فالد Grunwald قبل أن ينتقل إلى برن عام ١٩١٧م، وأعلن معارضته الشديدة للحرب وللتجنيد الإجباري. وفي عام ١٩٢١م ذاع صيت بلوخ كأديب وكاتبٍ منتظم في الصحف الرئيسية في برلين، وتعرف على الشاعر والكاتب المسرحي برشت (١٨٩٨–١٩٥٦م) وربطت بينهما صداقةٌ قوية. ويرجع انجذاب كل منهما للآخر إلى نزعتهما الماركسية الإنسانية وغير المتزمتة.٥ وفي ذلك العام نفسه — أي عام ١٩٢١م — توفِّيت زوجته الأولى إليزا كما سبق القول — وقد كان لنزعتها الصوفية أثرٌ كبير على أهم أعماله المبكرة وهو «روح اليوتوبيا» ١٩١٨م — بدأت سلسلة من الأسفار تنقَّل فيها بين سويسرا وإيطاليا وتونس التي زارها عام ١٩٢٦م، وكانت هذه الزيارة هي أول اتصال مباشر لبلوخ بالعالم الإسلامي، تعرف خلالها على الإسلام الذي تضمن في رأيه «صورًا مليئة بالأمنيات واللحظة الموعودة» التي أفرد لها فصلًا مستقلًّا في كتابه الأكبر «مبدأ الأمل» بجانب الفصول التي كتبها عن التراث اليهودي والمسيحي. ورجع بلوخ إلى برلين وبدأت تربطه صداقةٌ جديدة فى عشرينيات القرن مع مجموعة من الفلاسفة والأدباء والنقاد الألمان، الذين أصبحوا فيما بعدُ من أعلام مدرسة فرانكفورت، أمثال برشت وأدورنو (١٩٠٣–١٩٦٩م) — الذي كتب عن مؤلفات بلوخ بإعجابٍ شديد تحت عنوان «موسيقى بلوخ الكبرى» — وفالتر بنيامين (١٨٩٢–١٩٤٠م) الناقد الأدبي الماركسي الذي شارك بلوخ اهتمامه بالتراث الصوفي وبالقبالة٦ بوجهٍ خاص.
وعندما استولت النازية على السلطة في ألمانيا عام ١٩٣٣م، استأنف بلوخ أسفاره من جديد، ورحل إلى زيورخ في سويسرا ومنها إلى فيينا حيث تزوج عام ١٩٣٤م زوجته الثانية كارولا المعمارية البولندية. ورحلا إلى باريس ثم إلى براغ ومكثا بها من ١٩٣٦ إلى ١٩٣٨م حيث ولد ابنه جان عام ١٩٣٧م، حتى انتهى به المطاف هو وزوجته وابنه إلى الهجرة النهائية إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٣٨م حيث بقي هناك ما يقرب من عشر سنوات، عاش خلالها في حالة من الانطواء الشديد وخلت حياته من الأصدقاء — باستثناء صديقَين هما الموسيقي هانز آيزلر ويواخيم شوماخر — وبدأ في هذه الفترة من حياته في تأليف أهم كتبه على الإطلاق وهو «مبدأ الأمل» الذي أهداه إلى ابنه جان روبرت. وقد حاول أن ينشره في أمريكا تحت عنوان «أحلام حياة أفضل» ولكن خاب أمل فيلسوف الأمل، فلم يحظَ الكتاب بأي اهتمام أو تعاطف من الثقافة الأمريكية التي طالما أشار إليها بلوخ باشمئزاز في ذلك الكتاب. لم تكن حياة بلوخ سهلة ولا ميسورة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يستطع أن يتعاطف مع ثقافتها أو يحس بأدنى صلة تربطه بنظامها الرأسمالي؛ إذ رأى فيها استمرارًا للفاشية التي تركها وراءه في أوروبا. وزاد من إحساسه بالعزلة في الولايات المتحدة ابتعاده عن بقية الفلاسفة الألمان مثل أعضاء مدرسة فرانكفورت الذين اختاروا الولايات المتحدة منفًى لهم أثناء الحكم النازي. لقد التفَّ معظم هؤلاء الفلاسفة حول الروائي الكبير توماس مان وتجاهلوه، كما تجاهله هوركهيمر (١٨٩٥–١٩٧٣م) مؤسس مدرسة فرانكفورت،٧ وضنَّ عليه بالعمل في معهد الأبحاث الاجتماعية الذي انتقل في ذلك الحين إلى الولايات المتحدة، على الرغم من النفوذ الكبير لأدورنو — صديق بلوخ القديم — والمكانة التي كان يتمتع بها في المعهد. وربما كان سبب التجاهل هو فتور العلاقة بينهما في الثلاثينيات؛ فعاش بلوخ في الولايات المتحدة — معقل الرأسمالية — يعاني الحرمان والعوز حتى اضطرت زوجته كارولا إلى العمل نادلةً في البداية، ثم التحقت بمكتب للعمارة لتوفير الحاجات الأساسية للأسرة وإعانتها على المعيشة.٨ وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥م وجهت الدولة الاشتراكية الجديدة في ألمانيا الدعوة إلى بلوخ لتولي كرسي الفلسفة في جامعة ليبزج، وقبل الدعوة عام ١٩٤٨م لكي يحيا في البلد الذي شرع في بناء المجتمع الاشتراكي. وعاد بلوخ إلى ألمانيا وهو في الرابعة والستين من العمر، حالمًا بمجتمعٍ جديدٍ معادٍ للفاشية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية. وقد احتل في البداية مكانةً مرموقة كفيلسوفٍ رائد، وصدر الجزء الأول والثاني من «مبدأ الأمل» في عامي ١٩٥٤ و١٩٥٥م على التوالي، ومنح الجائزة القومية لجمهورية ألمانيا الديمقراطية. غير أن صدمته في تطبيق التجربة الشيوعية في ألمانيا الشرقية (سابقًا) واصطدامه باستبدادها وبيروقراطيتها جعلا موقفه الفلسفي والسياسي غير متوافق مع الحزب الحاكم؛ إذ كان لاتجاهه الماركسي اليوتوبي المتفرد أثرٌ كبير في غضب الماركسية الرسمية على الرغم من تعاطف اليسار الجديد في ألمانيا الغربية مع فلسفته. وبدأ صراعه مع بيروقراطية الحزب الشيوعي واعتراضه على إهدار الحقوق الإنسانية والديمقراطية. وأدان الأوضاع السيئة في ألمانيا الشرقية في خطبته في مؤتمر الأكاديمية الألمانية للعلوم عام ١٩٥٦م، كما وجَّه نقده الشديد لدعاية الحزب الشيوعي الألماني في ذلك الوقت، وقد كان يتبع سياسة موسكو الحرفية واتهمه — أي الحزب — بنسيان الفرد العيني الحي لحساب المجموع المجرد.٩ ويتضح من هذا النقد أنه أصبح من المستحيل على بلوخ التفاهم مع هذا الحزب أو الانضواء في صفوفه، حتى لقد اتهمه فالتر أولبرشت — رئيس الحزب آنذاك — بأنه لا يلتزم بالمبادئ الماركسية في تدريسه، وأن فلسفته اليوتوبية تتجاهل حقيقة الصراع الطبقي وتنساق وراء مثالية «الهدف البعيد» وهو ما ترفضه الماركسية الرسمية التي تعتبر نفسها قد حققت العالم الأفضل، ولذلك ترفض اليوتوبيا والتفكير اليوتوبي من أساسهما. ومنذ ذلك الحين بدأ الهجوم على بلوخ من قِبل الفلاسفة الرسميين وممثلي الأيديولوجيا السائدة، وأُوقف عن التدريس وأحيل بالقوة إلى المعاش عام ١٩٥٧م. واعتبر منذ ذلك الحين — مثل سقراط قديمًا — مفسدًا للشباب. ولولا تدخل أحد معارفه في المكتب السياسي لدخل السجن.١٠ ثم حيل بينه وبين المشاركة في الحياة الأكاديمية في ألمانيا الشرقية، ففرض عليه الصمت، وخضعت مؤلفاته لرقابة السلطة السياسية، واعتُقل عدد من تلاميذه، وعاش في عزلته لا يختلط إلا بالأصدقاء المقربين، وإن كان قد استمر — على الرغم من ذلك — في الكتابة، فظهر الجزء الثالث من «مبدأ الأمل» عام ١٩٥٩م.
وبينما كان بلوخ يزور ألمانيا الاتحادية في عام ١٩٦١م لإلقاء بعض المحاضرات في جامعاتها فوجئ ببدء بناء سور برلين الشهير الذي ظل يفصل بين شطرَي ألمانيا حتى عام ١٩٨٩م، فقرر البقاء في الغرب، واستجاب لدعوة من جامعة توبنجن للتدريس بها، واختار العيش في هذه المدينة لارتباطها بأسماء شيلنج وهيجل وهلدرلن، ولكنه عاش في هذه المدينة الألمانية الغربية الرأسمالية متمسكًا بنزعته الاشتراكية، حانقًا على الرأسمالية حتى النهاية. غير أن جو العداء الذي أحاط به، والافتراءات التي بدأت تتوالى عليه، وعدم ارتياحه للحياة في ظل الرأسمالية — على الرغم من تمتعه بالحرية الشخصية التي حُرم منها في البلد الذي كان يزعم أنه يبني الاشتراكية — كل هذا لم يمنعه من مواصلة الكفاح في ألمانيا الاتحادية ضد قوانين الطوارئ، وحرمان التقدميين من التعيين في وظائف الدولة، كما لم يمنعه من القيام بواجباته العلمية والأدبية، فكرس وقته لتلاميذه، وناصر الحركة الطلابية. وبقي موقفه من النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي موقفًا متحفظًا؛ إذ عارض النزعة الستالينية، وحذر على الدوام من أن روسيا لم تصل بعدُ إلى النضج السياسي وأنها ما زالت في مرحلةٍ انتقالية، كما أكد أنها بعيدة عن «المملكة النهائية» التي يقصد بها «مملكة الحرية» المتعلقة بفكرته اليوتوبية الأساسية. لم يزُر بلوخ الاتحاد السوفيتي رغم الدعوات التي وجهت إليه، واكتفى بالثناء على ما اعتبره الجانب الإيجابي في الثورة الروسية، وهي التطورات التي واكبت الثورة في فنون الباليه والرقص والفنون الشعبية وصناعة السينما. والمهم أن بلوخ لم يعتبر النظام الشيوعي الروسي نموذجًا رائدًا، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك عندما دعا — في أواخر حياته — النظم الشيوعية الأخرى إلى الابتعاد عن هذا النموذج ومقاومة السيطرة السوفيتية عليها، وذلك على أثر الأحداث التي وقعت في تشيكوسلوفاكيا ومناصرته للنظام الاشتراكي في براغ. ولكنه لم يتردد كذلك عن معارضة النظام الاستعماري الأمريكي وإدانة التدخل الأمريكي في فيتنام بكل قوة.١١ وساند — وهو في الثانية والتسعين من عمره — الدعوة إلى عقد جلسات محكمة «راسل».١٢ للمرة الثالثة، كما انضم هو وزوجته لمنظمةٍ تهدف لمساعدة ضحايا القهر والاضطهاد على مساعدة أنفسهم، وكتب نداءً قبل وفاته بأسبوعين يُحذِّر فيه من أخطار القنبلة النيوترونية.

حظي بلوخ في مدينة توبنجن بأسمى درجات التكريم. وعلى الرغم من أن صوته لم يكن مسموعًا خارج ألمانيا — إذ لم يترجم إلى العالم الناطق بالإنجليزية إلا متأخرًا، ولم تظهر الطبعة الإنجليزية ﻟ «مبدأ الأمل» الذي يعد خلاصة نسقه الفلسفي إلا عام ١٩٨٦م — إلا أنه كان يشغل في بلده مكانةً رفيعة، حتى أصبحت صورة «الفيلسوف ذي الغليون» علامة من علامات مدينة توبنجن التي توفي فيها في يوم ٤ أغسطس من صيف عام ١٩٧٧م بعد إصابته بالعمى في سنوات عمره الأخيرة، وبعد الانتهاء من إعداد الطبعة الكاملة لأعماله.

(٢) مؤلفاته

كان «روح اليوتوبيا» هو أول مؤلفات بلوخ الفلسفية، وقد صدر عالم ١٩١٨م، بعد العديد من المقالات الأدبية. وفي هذا الكتاب تظهر بوضوح الروح المشيحانية Messianism أو روح التبشير بالخلاص الأخير التي تطبع تفكيره وتحدد شخصيته ورسالته في الحياة. وتغلب على الكتاب النغمة الحماسية المتدفقة لشابٍّ تفيض مشاعره على قلمه أكثر مما يعنى بترتيب أفكاره وتنسيقها، كما يعبر الكتاب عن جيل كامل من الحالمين بالتغيير: «أن نعثر على ما هو حق وصواب يستحق أن نحيا من أجله، أن ننظم أنفسنا، أن نوفر الوقت الضروري لذلك، من أجل هذا الهدف نسير في طريقنا، ونشق الطرق الخيالية البناءة، وننادي ما ليس موجودًا، ونبني بيوتنا كما نبني أنفسنا في الأفق الأزرق، ونفتش هناك عما هو حق وحقيقي، حيث يختفي كل ما هو واقعي فحسب، لقد بدأت الحياة الجديدة.»١٣ بهذه العبارات يبدأ بلوخ كتابه وكأنه يعلن بشارة الرائد الذي يقدم على السفر إلى عالمٍ جديد. وأهم ما يميز هذا الكتاب أنه يضع كل الأفكار التي يتضمنها في سياقٍ تاريخي وفلسفي، وتظهر فيه التأملات الميتافيزيقية في صور واستعاراتٍ أدبيةٍ حية، كما تتبدى حقيقة المتعالي في لقاءٍ مباشر، وتصبح اللغة معبرة، كما تصبح كلماتها أفعالًا تشير إلى المستقبل. إن الذاتية هنا غالبةٌ متدفقة، كما أن اللانهاية هي التي تتجه إليها هذه الذاتية محققة العلو أو التجاوز نحو ذلك الذي لم يتحقق بعدُ، والذي يحرك التاريخ والعالم والإنسان في عملية صيرورةٍ متصلة نحو غاية التاريخ العالمي. وهذه الغاية التي لم تتحقق بعدُ هي المتعالي الحاضر في كل لحظة، وهو العنصر الجوهري في مسار العالم والمحرك له.

ظهرت في هذا الكتاب المبكر فكرة بلوخ عن حركة التاريخ نحو مملكة الحرية التي تتحقق فيها هوية الإنسان مع ذاته ومع العالم الذي يعيش فيه، بحيث تصبح ذاته هي كل إمكاناته، كما يصبح العالم وطنه. وهذه الفكرة نفسها هي التي جعلت فلسفته التاريخية في تلك الفترة ذات طابعٍ ديني؛ إذ أنه وضع الكل والغاية الممكنة على شكلٍ متعالٍ يتحرك التاريخ البشري نحوه متخطيًا الهنا والآن — بلغة هيجل في ظاهريات الروح التي يكثر بلوخ من استخدامها — فكأن فكرة الخلاص كانت تمتد عنده منذ البداية إلى العالم المادي والمادة غير العضوية، كما تمتد إلى تحرير الإنسان من كل أنواع القهر والحتمية المادية الطبيعية وغير الطبيعية، بحيث يتحقق الخلاص في «الجماعة الشيوعية الحرة» التي ظلت هي هدفه من البداية إلى النهاية، أي منذ أن كان ثوريًّا عاطفيًّا في شبابه إلى أن أصبح اشتراكيًّا علميًّا إلى حدٍّ كبيرٍ في رجولته، وإن كان يُتهم بأنه ظل اشتراكيًّا إنسانيًّا حالمًا ولم يصل أبدًا إلى الاشتراكية بالمعنى العلمي.

وتسري في هذا الكتاب الذي وضعه بلوخ أثناء الحرب العالمية الأولى روحٌ دينية وصوفية تمتزج فيها نزعته الاشتراكية مع التبشير بالخلاص في لحنٍ جياش عالي الصوت، وتهيب بالإنسان أن يجد نفسه، كما تدعو الأنا إلى الاتحاد الصوفي بالوجود الكلي. وقد استخلص بلوخ من النزعة الاشتراكية والتصور الديني ومن التراث الصوفي تصوفًا جديدًا يمكن وصفه بأنه تصوفٌ دنيوي أو علماني، يدعو إلى الخلاص الأخير، ويبحث عن نهاية التاريخ، ويصرخ بأن العالم لم يكتمل بعدُ. وتعود أهمية هذا الكتاب إلى أنه حارب اتجاهَين في الفكر الفلسفي والسياسي المعاصر، أحدهما هو جمود الفلسفة الأكاديمية واقتصارها على تدريس كانط، والآخر هو الاشتراكية الديمقراطية للطبقة الوسطى أو البرجوازية الألمانية الصغيرة التي اعتبرت أن الإنسان مجرد ملحق أو هامش للأساس الاقتصادي الذي يتحرك بقوته الذاتية. وقد امتدت جذور الاتجاهَين في شباب بلوخ المبكر،١٤ كما عكس الكتاب اهتمامه المبكر بالتفكير المستقبلي، وانطوى على بذور ميتافيزيقا جديدة. والواقع أن الكتاب متأثر بروح الحركة التعبيرية في أسلوبه ومضمونه وعاطفته ورؤيته العامة، غير أن هذه النغمة التعبيرية العالية تراجعت بالتدريج لتحلَّ محلها لغةٌ فلسفية أكثر دقة وتجريدًا في كتاباته التالية، وإن لم يستطع بلوخ أن يتخلص نهائيًّا من تأثير الحركة التعبيرية التي ظل متمسكًا بها، بل ومدافعًا عنها حتى النهاية. وإذا كانت الذات الفردية هي التي طغت على «روح اليوتوبيا» فإن الذات الجماعية هي التي ستحلُّ محلها وتؤكد نفسها بعد هذا الكتاب.

وفي عام ١٩٢١م صدر كتاب «توماس مونتسر، لاهوتي الثورة» وهو عن زعيم الحركة الشعبية المتمردة في ألمانيا، الذي أعدم عام ١٥٢٥م بوصفه قائد الفلاحين الثائرين ضد الأمراء في منطقة التورنج. وتغلب على الكتاب فكرة الخلاص التي سيطرت على بلوخ طوال حياته، لقد صور شخصية مونتسر في هذا الكتاب وكأنه نبي من أنبياء العهد القديم. والحقيقة أن تصويره لمونتسر يمكن النظر إليه على أنه تصوير لشخصه هو نفسه، فقد استعمل بحرية لغة الكتاب المقدس، ونطق على لسانه بأسرار التراث الصوفي، وجعله ينادي بالخلاص وإن لم يكن هو الخلاص بالمعنى الديني المتعالي ولا المفارق لهذا العالم، وإنما هو «نبي الخلاص الأرضي» وهدفه هو الحرية وتحرير الإنسان.

ويعدُّ هذا الكتاب قراءةً ماركسيةً جديدة للتاريخ؛ إذ قدم فيه بلوخ تفسيرًا جديدًا لمونتسر وثورة الفلاحين الألمان في عهد الإصلاح الديني. ولا ترجع أهمية هذا التفسير فقط إلى وقوفه في وجه النقد اللوثري والكاثوليكي لمونتسر، بل إلى أنه يعد دفاعًا — له دلالة خاصة من ماركسيٍّ جديد — عن الأبعاد الدينية للتغير الاجتماعي، وعن الدور الأساسي الذي يؤديه الخيال الديني في الرؤية الثورية لمونتسر. لم يبدِ بلوخ اهتمامًا بسرد الحقائق التاريخية ولم يقدم تفاصيل لأحداثٍ تاريخية، بل استخدام دراسته لمونتسر كنموذجٍ مثالي لثورية الوعي الطبقي وامتزاج العامل الاقتصادي بالخيال الديني والواقع السياسي والأحلام وكيف يتفاعل كلٌّ منها مع الآخر. وقد أثارت معالجة بلوخ لأهمية بصيرة مونتسر الدينية في الإصلاح؛ أثارت مشكلة استخدام التاريخ واللاهوت لأهدافٍ سياسية، كما جذبت الانتباه إلى أهمية دور الدين في حركات التغير الاجتماعي.١٥
يضاف إلى ما سبق أن هذه المعالجة تكشف عن محاولة بلوخ إيجاد جذورٍ تاريخية لأفكاره الاشتراكية واليوتوبية، كما ترسم صورةً لرؤيته للتاريخ باعتباره محددًا من جهة المستقبل كما هو محدد من جهة الماضي. وليس توماس مونتسر مجرد شكلٍ بطولي أو نموذج من الماضي، ولكنه يُمثل نضال البشرية من أجل التحرير وخلق سماءٍ جديدة وأرضٍ جديدة وفي سبيل مستقبل مفتوح لم ينتهِ أبدًا. وقد استهل بلوخ كتابه بهذه العبارة ذات المغزى، «لا نريد أن ننظر إلى الوراء. ولكننا لا نملك إلا أن ننخرط فيه … الموتى ينهضون مرةً أخرى، وتعود أعمالهم لتحيا وسطنا.» ثم يضيف بلوخ: «إن مونتسر قبل كل شيء هو التاريخ بمعناه المثمر، فهو وعصره وكل ما يستحق الكتابة عنه إنما وجد لكي يتحدانا ويشعرنا بالحماس.»١٦
هذا بإيجاز هو الإطار العام لمنهج بلوخ التاريخي، وهو يعبر عن رفضه التفرقة بين «مملكة الروح» و«مملكة السياسة» وهو ما كان سائدًا بين اللاهوتيين والمؤرخين. فقد صاغ مونتسر وعيه الثوري من الكتاب المقدس، واستخدم في رسالته الشهيرة للأمراء صور الرؤية في العهد القديم من أجل إثارة قضيته: «كنت تنظر إلى أن قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدمَيه اللتين من حديد وخزف فسحقها، أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلًا كبيرًا وملأ الأرض كلها.» «ويقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبدًا.»١٧ فكما ينهار البناء بتدحرج الحجارة في سفر دانيال وتنشأ مملكةٌ جديدة، أعلن مونتسر انهيار مملكة الأمراء ومجيء نظامٍ جديد جوهره هو الطبقات الدنيا وليس لوثر أو الأمراء. وعلى الرغم من نمو الوعي السياسي لمونتسر الذي جعل الفقراء والمطحونين يلتفون حوله، فقد كان اللاهوت هو الخلفية الأساسية لهذا الوعي. لقد نمت رؤيته الدينية وسياسته الثورية وعزز كلٌّ منهما الآخر فازداد الغضب وتفجرت الثورة في كلٍّ من القائد والجماهير، وذهبوا جميعًا يدًا في يد مسلحين برؤيةٍ دينية وكونية وتحولت المعركة إلى ما يطلق عليه حرب الفلاحين، وهي الحرب التي بدأت بدفاعٍ درامي عن قضية الفلاح وانتهت بسحق الأمراء للفلاحين وإعدام مونتسر.١٨

وفي عام ١٩٣٠م نشر بلوخ كتابه «آثار» وهو من قبيل السيرة الذاتية، ويُعدُّ عملًا أدبيًّا هامًّا يتألف من مقطوعات من الشعر المنثور اقتبس بلوخ عباراتٍ عديدة منها، استهل بها افتتاحيات أقسام كتابه «مبدأ الأمل». وفي عام ١٩٣٥م ظهر في سويسرا كتابه «ميراث هذا الزمان» وهو تحليلاتٌ نقدية للوعي الزائف الذي اتسمت به البرجوازية الألمانية في فترة العشرينيات، وتتبع لنشأة النظام الفاشي الذي كمنت بذوره في الواقع المعيش بجانب نقدٍ مبكر لدعايات الحزب الشيوعي الألماني وللدعاية الفاشية، واستطاع فيه بلوخ — بحسه التاريخي المرهف ووعيه الحاد بالحاضر — أن يلمس إرهاصات العهد الآتي ويستشفَّ سماته المستقبلية، أي أنه استطاع — بنظرةٍ نقدية وعينية للحاضر — أن يكتشف الإمكانيات التي يحملها المستقبل في جوفه، وكيف مهدت حقبة العشرينيات لظهور الفاشية التي استولت على السلطة في أوائل الثلاثينيات، وكان من الطبيعي أن يصادر هذا الكتاب من قبل السلطة الحاكمة.

وفي عام ١٩٤٦م صدر كتاب «الحرية والنظام» وهو استعراض لليوتوبيات الاجتماعية منذ بداية التفكير البشري سواء أكانت في الماضي الذهبي أم في المستقبل المرجو، وقد تناول بلوخ هذه اليوتوبيات تناولًا خاصًّا؛ إذ تتبع فيها بذور الأمل في الفكر البشري، وضم هذا الكتاب فيما بعدُ إلى القسم الرابع من «مبدأ الأمل». وفي عام ١٩٥١م صدر كتابه «الذات-الموضوع شروح على هيجل» وقد ركز بلوخ في هذا الكتاب على بيان الأسس النظرية لفلسفته في التاريخ وتأكيد مدى الاختلاف بين نسقه المفتوح المندفع نحو المستقبل، وبين نسق هيجل المتكامل تكامل الدائرة المغلقة على نفسها، كما بين الطرق التي يستطيع جدل هيجل من خلالها أن ينطلق ويتسع ويخرج من نطاق الدائرة. وفي عام ١٩٥٢م صدر كتابه «ابن سينا واليسار الأرسطي» بمناسبة الذكرى الألفية لابن سينا. وقد قدم فيه تصورًا جديدًا للمادة بعد أن تتبعها منذ أرسطو وابن سينا، وابن رشد، وابن جبيرول حتى ممثلي «اليسار الأرسطي» في أواخر العصور الوسطى، ومن جوردانو برونو في عصر النهضة حتى اسبينوزا في القرن السابع عشر، إلى أن اكتملت في المادية الجدلية التاريخية عند ماركس وإنجلز.

وفي عامَي ١٩٥٤ و١٩٥٥م على التوالي صدر الجزء الأول والثاني من كتابه الأساسي «مبدأ الأمل»، ثم صدر في عام ١٩٥٩م الجزء الثالث من هذه الموسوعة الثقافية الكبرى التي لا يعادلها في الفكر الألماني سوى «ظاهريات الروح» لهيجل، ولا يناظرها في الأدب الألماني سوى «فاوست» جوته. وهذا العمل الضخم المكوَّن من ثلاثة أجزاء — والذي استغرقت كتابته أحد عشر عامًا — يحتوي على النسق الفلسفي الكامل لفكر بلوخ اليوتوبي ويقدم موسوعة للأمل البشري، حتى ليمكن القول بأن كل ما صدر قبل هذا الكتاب كان بمثابة إعداد وتمهيد له، وكل ما صدر بعده تنويعات أو شروح على كل تلك الأفكار الأساسية التي تضمَّنها، وهو صرحٌ فلسفيٌّ كبير سيطر فيه بلوخ على مادةٍ موسوعيةٍ هائلة ونظمها وأدارها حول فكرته الرئيسية، ألا وهي فكرة الأمل. والواقع أن البناء «السيمفوني» للكتاب يكشف عن فرط عشقه للموسيقى وولعه بها، فجاء «مبدأ الأمل» أشبه بسيمفونيةٍ كبيرة تتصاعد نغماتها تدريجيًّا في لحنٍ متدفقٍ جياش. كما يتضمن اكتشافاتٍ مشرفة لخيال البشر وآمالهم وفنونهم وثقافتهم التي يؤمن بلوخ بأنها مفاتيح لإمكاناتٍ بشرية من أجل بناء عالمٍ أفضل، وأن هذا الميراث الثقافي يتوجه نحو مجتمعٍ اشتراكي باعتبار أن هذا الأخير يحقق أحلام البشر وآمالهم.

لم يكن من قبيل المصادفة أن يبدأ بلوخ نسقه الفلسفي بعد بلوغه سن الخمسين، فعلى الرغم من أن القارئ ﻟ «مبدأ الأمل» يكاد يضيع في زحمة التفصيلات اللامتناهية التي استقاها المؤلف من التاريخ العقلي للبشرية، وعلى الرغم أيضًا من صعوبة أسلوبه التي اعترف بها المؤلف نفسه في مقدمته للكتاب: «إن قراءته ليست سهلة، بل تزداد صعوبة كلما توغلت فيه.»١٩ إلا أن القارئ يستطيع أن ينظر إلى هذا التاريخ كله من منظور الخلاص الممكن «ومبدأ الأمل» الذي تصور بلوخ أنه المحرك للوجود والإنسان، وأن الاغتراب الذي تستشعره الأنا ليس وضعًا نهائيًّا في واقع يبدو مغلقًا، وإنما يفتح الأمل الكامن في «الهنا والآن» على مستقبل الإنسان والعالم. ولذلك ليس غريبًا أن يستهل بلوخ كتابه بهذه التساؤلات: من نحن؟ من أين أتينا؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ ماذا ننتظر؟ وماذا ينتظرنا؟٢٠ وللإجابة عن هذه التساؤلات قدم بلوخ مشروعًا حضاريًّا نقديًّا مفعمًا بالأمل، مهاجمًا كل الأنظمة الفكرية الساكنة، ومنطلقًا من نقد الواقع العيني المعيش، مقتفيًا آثار الممكن الكامن فيه لتحقيق إنسانيةٍ حرة في ظل «مملكة الحرية».

ويعد «مبدأ الأمل» — في حد ذاته — من الأعمال الأدبية لفرط ازدحامه بالصور المجازية والرمزية والشعرية والتعبيرات ذات الدلالة اللونية، كاستخدام بلوخ المفرط لكلمات مثل الصباح، والأزرق البعيد، وساعة الزرقة … إلى آخر الكلمات التي تعكس الضوء والإشراق بحيث يمكن تسميته «فيلسوف النور». وقد امتزج هذا الأسلوب الأدبي بلغةٍ صوفيةٍ غامضة وتعبيراتٍ لاتينية ويونانيةٍ قديمة، وأقوالٍ شعبية ومأثورات جعلت صاحبه يستحق التسمية التي أُطلقت عليه بأنه ساحر المفاهيم والتصورات والكلمات. وامتزج كل هذا بلغةٍ ماركسيةٍ ماديةٍ جدلية لتصور حالات الوعي الفردي والجماعي وحالات الأمل والتحقق. وفي «مبدأ الأمل» اختار بلوخ أن يبحث في التراث السري والصوفي مما يعكس تفضيله للمفكرين والفلاسفة الذين ينظرون للعالم نظرةً صوفيةً غامضة أو من وراء حجاب، كما اختار أن يبحث في القبالة أكثر من التوراة، وفي السيمياء السحرية أكثر من الكيمياء بالمعنى العلمي الحديث، وأن يهتم بنظم الفكر المتقدمة والمنفتحة على المستقبل أكثر من النظم المطلقة. وربما لكل هذه الأسباب استُقبل الكاتب بالشك في الدوائر الماركسية الرسمية. كما أن كل هذه الأسباب أيضًا جعلت نغمات بلوخ في «مبدأ الأمل» في تصاعد مستمر، بحيث يختتم كل قسم بشكل فيه علو ونزعة تفاؤلية، ولذلك يعد الكتاب من أكثر المشروعات الفلسفية طموحًا، وفي الوقت نفسه من أكثر الكتب الفلسفية افتقارًا إلى الاتساق أو النسق الواضح؛ فقد عرض في ثلاثة أجزاءَ كبيرة لكل ما يتعلق بالحياة الإنسانية لينتهي إلى أن للأمل جذورًا في الوعي البشري وفي صيرورة العالم.

وفي عام ١٩٦١م صدر كتابه الهام «القانون الطبيعي والكرامة الإنسانية» ويعد ثمرة جهود بلوخ لفهم إخفاقات التراث الماركسي، وقد وضعه بعد تجربته المريرة مع النظام الشيوعي في ألمانيا الشرقية التي خرج منها مصطحبًا معه الكتاب وهو لا يزال مخطوطًا ونشر في ألمانيا الغربية وكان مؤلفه قد بلغ السادسة والسبعين من العمر. ويعد الكتاب قراءةً جديدة لتراث القانون أو الحق الطبيعي، ويعرض فيه لإمكان إعادة صياغة هذا التراث الذي حاول قراءته قراءةً جدلية ليكشف عما هو اشتراكي فيه. ذلك أن هذا الفيلسوف ذا الحس التاريخي الأصيل قد قاوم فكرة اعتبار الماضي شيئًا منتهيًا، فأخذ في استعادته أو استرجاعه كأنه كيانٌ حي، وراح ينقب فيه عن وعود الماضي غير المعلنة، وكأن وعود الماضي لها عيون تنظر للأمام. لقد فتش عن الأمل الكامن في لحظات الماضي، هذا الأمل الذي لم تُتح له الظروف الموضوعية ليشهد النور، وكان دافعه للبحث في التراث هو أن يظهر للنور ما قد خفي وكمن داخله حتى يومنا الحاضر. كما يمثل القانون الطبيعي مجالًا آخر للمضامين التي لم يتوصل إليها، فهو يرسم إطار العلاقات الاجتماعية التي يمكن أن تتحقق فيها الحرية البشرية.

وقد كانت مهمة بلوخ في هذا الكتاب هي بيان أهمية الحقوق الإنسانية بالنسبة للمجتمعات الاشتراكية. وليس الكتاب مجرد تأريخ لنظريات القانون الطبيعي، ولكنه إعادة تفكير في المبادئ الأساسية للفلسفة السياسية، وإظهار ما خفي من هذا التراث والبحث فيه عن الوعود المستقبلية غير المعلنة، وإبراز السمة اليوتوبية لنظريات القانون الطبيعي التي كانت هي السلف الحقيقي لليوتوبيات الاجتماعية ذات النزعة الاشتراكية العلمية.٢١ فالأحلام المتعلقة بحياةٍ اجتماعية أفضل في كل منها تتداخل في بعضها البعض. والواقع أن قضية الحقوق الإنسانية — التي غابت عن جدول أعمال النظم الاشتراكية — كانت هي الدافع الأساسي وراء بحث بلوخ عن مقاصد٢٢ الأسلاف، ولذلك استهل كتابه بسؤالَين هامَّين: «ما هو العدل؟ وما هو الحق؟»٢٣ سؤالان طرحهما شخص عرف وشهد على الأشكال الجديدة للظلم القديم، وكانت الإجابة عليهما. من خلال إعادة صياغة نظريات القانون الطبيعي في التراث الغربي بأكمله لينتهي إلى أسباب إخفاق النظم الاشتراكية التي تغافلت عن ضرورة ارتباط الثورة بالحق، وأهم هذه الأسباب في تقديره هو إهمال الجانب الإنساني، وغض الطرف عن الحقوق الإنسانية للفرد، وبالتالي ضياع الكرامة الإنسانية.

ويؤكد بلوخ في هذا الكتاب أن السعادة البشرية والكرامة الإنسانية اللتين تتعلقان باليوتوبيات الاجتماعية من جانب، وبنظريات القانون الطبيعي من جانبٍ آخر، قد سارا لفترةٍ طويلة من الزمن في طريقَين مفترقَين، وأنه آن الأوان ليرتبط كلٌّ منهما بالآخر، فكلاهما يتوقع شيئًا ما أفضل من ذلك الذي تم، وكلاهما ينطلق من الأمل. ومهمة النزعة الاشتراكية أن ترث بعضًا من تراث القانون الطبيعي بعد تطهيره من السمات البرجوازية، كما أن في الماركسية قانونًا طبيعيًّا غامضًا تتضمنه عبارة ماركس «علينا أن نتجاوز الظروف التي تجعل الإنسان محتقرًا ومستعبدًا.» إن التزاوج بين الحق الطبيعي والماركسية ضروري من أجل مجتمع غير مغترب ومتكافل اجتماعيًّا، ولكي يتحقق هذا لا بد أن تقدم العوامل الإنسانية على العوامل الاقتصادية لإيجاد مجتمع يستطيع الإنسان أن يسير فيه وهو «منتصب القامة».

توالت أعمال بلوخ بعد «القانون الطبيعي والكرامة الإنسانية» فكان «مدخل توبنجن إلى الفلسفة» عام ١٩٦٤م و«الإلحاد في المسيحية» عام ١٩٦٨م وفيه تمتد نظرة بلوخ النقدية من الواقع الاجتماعي والسياسي إلى المعتقدات الدينية الراسخة في الأذهان كمسلَّماتٍ بديهية، وهو يتناول بالنقد ما هو مألوف ومعتاد لينتهي إلى تفكيك الفكر الديني وبنيته النظرية، مع تبني المقولة الأساسية للفكر الماركسي في نقد الدين وتطويرها. وفي عام ١٩٧٢م صدر كتاب «محاضرات في عصر النهضة».٢٤ وجاء هذا الكتاب بمثابة إعلان للماركسية الرسمية بأن الإنسان هو الهدف والغاية المنشودة، وأن التضحية بالإنسان من أجل «أيديولوجيا» أو فكرةٍ معينة أمر لا يغتفر؛ لذلك ربط بلوخ — بوعيه التاريخي الناضج — الفكر بأسسه الإنسانية وانتزعه من الحاضر وضآلته، إيمانًا منه بأن الواقع الحاضر ليس سوى لحظة يحدد مسارها من خلال تيار الزمن الماضي بتراثه الثقافي من ناحية، والمستقبل بإمكاناته المفتوحة من ناحيةٍ أخرى. لذلك قام برحلة في التراث الثقافي الأوروبي في الماضي القريب — أي في القرن الخامس عشر والسادس عشر — لاستجلاء الحاضر واكتشاف إمكاناته. ويوضح فهمه للنهضة الأوروبية أن التطور الكمي والنوعي لهذا التراث الثقافي قد امتزج بالذات المكونة والفعالة في هذه النهضة، أي بالإنسان الذي كان هدف بلوخ على الدوام. فالنهضة ليست ولادةً جديدة لما هو قديم، وإنما هي ولادة لإنسانٍ جديد ومجتمع يحمل قيمًا جديدة كل الجدة. وهو في دراسته للنهضة الأوروبية يرى أن المجتمع الذي تمخض عنها كان جديدًا بالمقارنة مع المجتمع البرجوازي الذي سبقه، وأن الإنسان الفرد وإبداعاته الخلاقة هما الأساس في انبثاق النهضة في مجالاتٍ عدة تشكل في مجموعها الكل الحضاري. ففي الفلسفة كان هناك جوردانو برونو وكامبانيلا وبوهمه وبيكون. وفي العلوم والمعرفة العلمية نجد جاليلو ونيوتن. وفي فلسفة التاريخ والدولة والقانون يبرز بودان وجروسيوس وهوبز وفيكو. والخلاصة أن الحضارات والنهضات الموجهة من أجل الإنسان لا يخلقها سوى الإنسان ذاته.٢٥

وفي النهاية كان كتاب «تجربة العالم» هو آخر أعمال بلوخ وأصدره عام ١٩٧٥م قبل وفاته بسنتين. هذا بالإضافة إلى العديد من المحاضرات العامة والمقالات السياسية والأدبية التي ظهرت على صفحات الجرائد والمجلات الدورية، وهي حصيلة معاركه الفكرية مع العديد من فلاسفة عصره ونقاده وأدبائه. وما سبق ذكره ليس جل مؤلفات بلوخ بل أهمها، وقد صدرت الطبعة الكاملة لمؤلفاته في ستة عشر مجلدًا، وأشرف بنفسه على مراجعتها قبل إصابته بالعمى في سنواته الأخيرة، وقبل رحيله في ٤ أغسطس عام ١٩٧٧م بمدينة توبنجن، ثم أضيف المجلد السابع عشر بعد وفاته.

ثانيًا: المؤثرات الفكرية على فلسفة بلوخ

توقَّدت شعلة المخيلة الحية التي تميز بها بلوخ مع احتكاكها بالواقع البائس الحزين الذي عاشته المدينة الصناعية الكئيبة «لودفيجز هافن» التي فتح عينَيه عليها، فانطلقت شرارة الحلم والثورة، وتوهجت بروق الوعد والأمل. وكيف لا يثير هذا الواقع الظالم خيال الحالم، بل أكبر الحالمين وأهمهم في القرن العشرين؟ وكيف لا يفكر في ضرورة «رفع» هذا الظلم أو تجاوزه نحو «مستقبل واقعي» أو عيني «تحتمه الرغبة» أو الشوق والأمل المتجذر في الإنسان وفي المادة؟ ثم ماذا يفعل ليجعل من حلمه فلسفةً وعلمًا وثورة في آنٍ واحد؟ هذا الذي نذرته الأقدار ليقتفي آثار الحلم الأكبر الذي يتخلق منذ القدم في وعي البشرية وتراثها، وفي باطن الوجود المادي وأعماقه؟

لقد كان من الضروري أن يختمر الحلم بشواهده وتجلياته اللانهائية في الوعي البشري منذ أن وجد البشر، وأن يتحد بقلب المادة وبذورها وإمكاناتها التي ما زالت تتفتح منذ أن كان العالم ووجد الوجود. أجل كان لا بد من ذلك حتى لا يبقى حلمه حلمًا ذاتيًّا أشبه بنسيج عنكبوت لا يلبث أن يتحلل أو يتبدد مع أول صدمة أو هبة ريح. إن الفتى الحالم الذي يصوب بصره لأفق الحلم الممكن البعيد قد أدرك في هذه الفترة المبكرة من حياته أن الواقع لا يفتقر إلى الحلم وإنما يطويه في أحشائه، وأن ألوانه القديمة والحديثة تتخايل أمام عينيه في قصور القياصرة والنبلاء والأشراف في مدينة «شباير» ومدينة «مانهايم» القريبة، وفي مزارع الكروم الواسعة في المنطقة، وكأن كل شيء يدعوه ألَّا يستسلم للواقع البرجوازي والرأسمالي السائد حوله.

وتتجمع ذرات الحلم الكبير في رحاب نفسه، وتختمر وتنمو وتتشكل فتتكون نواة تفكيره الأساسية وتستمد غذاءها المتجدد مع مرور الزمن من تجاربه وقراءاته حتى تصبح نسقًا فلسفيًّا متكاملًا يكاد يحجب معالمه عن النظرة السطحية ثراء المعرفة الموسوعية بالتراث الإنساني بكل ألوانه وظلاله ولوحاته الثرية التي راح يتتبع فيها مسرى الحلم بواقع غدٍ أجمل وأعدل وأكمل من واقع اليوم (الحاضر) السائد، هذا الواقع الذي ظل يكافح — على مستوى الشعور — حتى يصبح وعيًا، وأخذ يندفع وينمو ويتفتح — على مستوى الوجود المادي — لكي يتحول من واقعٍ كامن «لم يتحقق بعدُ» إلى واقعٍ فعَّال متحقق. ويمتلئ وجدانه — منذ الثانية والعشرين من عمره — بعزم الرائد الذي يقف على مفترق الطرق، يحفزه الأمل المتوثب لاكتشاف «الأرض التي لم تطأها قدم إنسان»، بل الأرض التي لم توجد أبدًا من قبلُ، وهي الآن بحاجة للإنسان الذي يتحد في كيانه المكتشف، والبوصلة والعمق في وقتٍ واحد.٢٦
ويساعد الجو الليبرالي٢٧ المستنير مَن حوله على مواصلة الحلم والتفكير والعمل والشعور بإحساس المواطن الحر المنتمي لتراثه القومي من ناحية، والمتمسك من ناحيةٍ أخرى بتراثه اليهودي الغني بحكمته وأساطيره وحكاياته وكتاباته الصوفية السرية ونزعات الخلاص وأشواق مملكة الميعاد الكامنة فيه. وتتبلور كنوز التراثين في أسلوبٍ مزدحم بالصور والاستعارات والتشبيهات والأمثال والحكم الموجزة التي تكاد تغرق خيوط الفلسفة المتسقة والتفكير المنهجي الدقيق. وينطلق الملاح العنيد الحالم في هذا البحر بحثًا عن تلك الأرض التي لم توجد من قبلُ ولم تطأها قدم إنسان، تهديه منارة «ذاتيته» المتوهجة بأشعة الأمل الذي لم تلُحْ سفينته في الأفق فتكشف له أبعاد الواقع الموضوعي المنتظر في غد لن يتأخر إذا استطاع البشر بعلمهم وعملهم وجهدهم أن يصلوا «الكائن» بما «سوف يكون».

(١) مؤثرات فلسفية

يواصل الحالم الشاب رحلة كفاحه مع التراث البشري فتصبح نواة فكرته عن الأمل موسوعةً ضخمة. وعلى الرغم من أن جذور فلسفته ضاربة في التراث الألماني بوجهٍ خاص، إلا أن تكوينه العقلي قد تشكل من تياراتٍ عديدة تكاد أن تشمل الحضارة البشرية بأكملها: من الفلسفة الكلاسيكية القديمة والتراث الصوفي إلى الفلسفات الشرقية والغربية. وهكذا ارتبط الوجود الحاضر بالماضي الذي انقضى والمستقبل الذي لم يأت بعدُ. وتحققت دلالة العبارة الشهيرة التي قالها ليبنتز (فيلسوف الممكن الذي يتحقق في الواقع بحكم الضرورة المنطقية والعناية الإلهية): «إن الحالة الحاضرة لأي جوهرٍ بسيط هي بطبيعتها نتيجةٌ مترتبة على حالته السابقة، بحيث إن الحاضر يحمل المستقبل في أحشائه.»٢٨ بَيْد أن ليبنتز، الذي قامت فلسفته على استيعاب المستقبل في الحاضر، لم يستطيع أن يستخلص منها «أنطولوجيا» كاملة أو نظريةً واضحة عن الوجود كما فعل بلوخ في كتابه الأكبر «مبدأ الأمل». ولم يكن من المستطاع تصور ذلك قبل منطق هيجل الذي ربط في المقولة الأولى منه بين الوجود والعدم والصيرورة ربطًا محكمًا، ولا كان من الممكن أيضًا أن يتحول التفكير في الغد وما بعد الغد حتى نهاية الزمن إلى تجربةٍ حقيقية بغير الدفعة الثورية التي أطلقتها عاصفة التغيير الاجتماعي على يد ماركس.

لا جدال في أن أي فيلسوف يستحق هذا الاسم يتأثر بفلاسفة قبله ويؤثر على آخرين بعده. ولا يمكن مثلًا أن نتصور ماركس وفلسفته المادية التاريخية وتحليلاته لرأس المال بغير نظريات الاقتصاد السياسي الكلاسيكية ومنطق هيجل الجدلي، ولا بغير الفلسفات المادية السابقة ابتداءً من ديمقريطس الذي أعد عنه رسالته في الدكتوراه. والأمر كذلك بالنسبة لبلوخ، فلا شك أن تنوع ثقافته وثراءها قد امتد من التراث الفلسفي قديمه وحديثه. فقد التقى في مكتبة مدينة مانهايم المقابلة لمسقط رأسه لود فيجز هافن — والتي كان يتردد عليها دائمًا — بأهم الكنوز الفلسفية التي أثرت على حياته فيما بعدُ. هناك استطاع أن يقرأ لعدد من الفلاسفة من ليبنتز إلى هيجل وتلاميذه، كما استطاع أن يقرأ لفشته وشيلنج في سنٍّ مبكرة. ربما يكون قد أساء فهم الكثير من نصوصهم، ولكنه أساء فهمها على طريقته الخاصة، وربما كانت كلمة سوء الفهم علامةً دالة على طريقة فهمه لتاريخ الفلسفة، فهو لم يفهم العدد الكبير من الفلاسفة من أرسطو إلى ماركس بطريقةٍ تقليدية؛ إذ كان يتوقف عند الأفكار التي تصب في تيار عصره أو تتوجه إلى المستقبل، وكان يهتم بالكثير من الخيوط الفكرية التي لم يلتفت إليها المفسرون التقليديون. لقد نظر إلى التاريخ الفلسفي كله من جهة التطلع إلى المستقبل، ورأى فيه الوجه الآخر لتاريخ الفلسفة، أي فلسفة المستقبل التي لم ينتبه إليها المؤرخون. ومن الصعب تتبع كل الفلاسفة الذين أثروا على فلسفة بلوخ، كما أن من الصعب الدخول في المقارنات عن تأثير بعض الفلاسفة عليه لأن هذه مسألةٌ خلافية، خاصة إذا لم يكن التأثير قويًّا وواضحًا، وإذا لم يكن قد دخل في جدالٍ فكري وحوار مع الفلاسفة الذين تأثر بهم، ولذلك سنكتفي بذكر بعض الفلاسفة الذين ظهر تأثيرهم عليه بشكلٍ مباشر، أو الذين دخل معهم في حوارٍ صريح مثل أرسطو وهيجل وماركس. وسوف يتعرض البحث لفلاسفةٍ آخرين من خلال عرض نسق بلوخ الفكري، وفي المواضع التي يتضح فيها تأثيرهم عليه، مثل ليبنتز وتأثير فكرته عن الوعي المسبق عليه.

(أ) أرسطو (٣٨٤–٣٢٢ق.م.)

بهذا المعنى السابق فهم بلوخ أرسطو فهمًا غير تقليدي، اعتمد فيه على تفسير المعلم الأول للمادة أو بالأحرى على تفسير بلوخ الخاص لهذا التفسير. والواقع أن جذور فلسفته المادية تكمن في مفهوم أرسطو عن المادة بوصفها إمكانية وجود، كما ترتبط بفكرته المعروفة عن الموجود بالقوة والموجود بالفعل. أخذ بلوخ هذا المفهوم وأكد الطابع الحيوي الذي يميزه ثم طوَّره إلى مقولة الإمكان التي تعتبر أهم المقولات الأساسية في نسقه الفلسفي. وقد أفاض في شرح مفهوم أرسطو عن القوة والفعل وتابع تطور هذه الفكرة من بعض فلاسفة العصر الوسيط وعصر النهضة حتى العصر الحديث. ويكفي في هذا الموضوع أن نلخص المفهوم الجدلي للمادة عند بلوخ بالقول بأن الماهية الأساسية لكل موجود أنه في حركةٍ دائمة. ولكن أرسطو — كما هو معروف — هو مؤسس المنطق الصوري ونظرية المقولات، وقد يبدو هذا لأول وهلة أمرًا متناقضًا مع ما سبق قوله عن تأثر بلوخ بمفهوم المادة عنده من حيث هي إمكانٌ ذو طابعٍ حيوي، فالمنطق يدرك الموجود في حالة سكونه أو إحدى أحواله. ومن ثم فإن أي قولٍ ثابت عن موجودٍ متحرك لا يمكن أن يكون صحيحًا إلا إذا تغير هذا القول نفسه أيضًا، ومن هنا يمكن فهم نظرة بلوخ إلى المقولات التي فهمها كذلك فهمًا جدليًّا وأنطولوجيًّا في آنٍ واحدٍ كما سيتضح بعد ذلك بالتفصيل في الفصل الخاص بأنطولوجيا اﻟ «ليس-بعد».

(ب) ياكوب بوهمه Jakob Boehme (١٥٧٥–١٦٢٤م)

كان لياكوب بوهمه تأثيرٌ كبير على بلوخ. فقد عبر جدل الأول عن فلسفة الثاني، وكشف هذا الجدل عن أن النور كامن في الظلام، وأن الظلام هو أصل النور وعلَّته، وقد قام جدل بوهمه على الصراع بين النور والظلام، صراع الضدَّين وخرج ثالث ينتصر عليهما هو ما ينتج الجديد دائمًا، كما هو الحال عند بوهمه وعند بلوخ نفسه اللذين يؤكدان وجود الخير الذي ينتصر حتمًا على الشر، والنور الذي سيهزم الظلام. وقد نظر بلوخ إلى جدل بوهمه بإعجابٍ شديد واعتبره أعمق جدل منذ هيراقليطس،٢٩ والفارق الأساسي بينهما يقوم على أن الأضداد تُنتج على الدوام شيئًا جديدًا أفضل، على حين أن الأضداد عند هيراقليطس تظل قائمة بغير أن تنتج هذا الجديد، وقد كان بوهمه على اقتناعٍ تام بأن الشر سينهزم في النهاية وأن الخير هو الذي سينتصر. إن الضدَّين المتقابلَين سيظلان في حركة وصراع دائمين. ولكن الخاصية الخيرة في الطبيعة ستكون في النهاية هي الأقوى، وهي التي ستنتصر على الخاصية الشريرة. وهذه الفكرة هي نواة فلسفة بلوخ، فلولا الأمل في الجديد الذي سيولد من هذا الصراع الدائم ما أمكن تصور فلسفته بأكملها.

(ﺟ) شيلنج (١٧٧٥–١٨٥٤م)

كذلك كان لشيلنج تأثيرٌ كبير، وخصوصًا من خلال فلسفته المتأخرة أو فلسفة الشيخوخة التي عبرت عنها محاضراته في برلين التي نُشرت بعد وفاته تحت عنوان «فلسفة الأسطورة والوحي». وربما كانت أهم الأفكار التي استقاها بلوخ من هذه الفلسفة هي «أن للأساطير حقيقةً ومغزًى مذهبيًّا، وأن فيها حقيقةً مضمرة، على الأقل منذ البداية … فالأساطير تقول غير ما يبدو أنها تقوله، أي أنها رموز ومجازات وأمثال تخفي تحتها حكمًا وأقوالا.»٣٠ هذا المعنى المجازي هو ما حاول بلوخ الكشف عنه من خلال تفسيره لكل التاريخ البشري، أي أنه حاول أن يفضَّ قشرة المجاز الرمزي ليكشف عن الجوهر الحقيقي للأشياء والإمكانات الكامنة داخله، ومن شيلنج استعار بلوخ فكرته الأساسية التي أكدها خلال فلسفته كلها وهي أن الماهية، أي الوجود الحقيقي غير المغترب، لا تتحقق إلا بالتفاعل المستمر بين الإنسان والعالم، «فالفكرة الأساسية التي تقوم عليها فلسفة الطبيعة عند شيلنج هي القول بوحدة الطبيعة والروح (أو العقل) … وأن الطبيعة والروح ليستا جوهرَين مختلفَين، بل هما جوهر واحد: فالروح (أو العقل) تتطور وتحقق نفسها في الطبيعة، والطبيعة تحقق قوانين الروح أو العقل، ووحدة الطبيعة والعالم شاملة … إن مبدأ وحدة الطبيعة يقتضي رفع التقابل بين المتقابلات الظاهرة في الطبيعة واستخلاص الطبيعة العضوية والطبيعة٣١ اللاعضوية كلتيها من مبدأٍ واحد.» تعلم بلوخ من شيلنج إذن أنه لن يمكن التوصل إلى الوجود الحقيقي «غير المغترب» إلا عن طريق التفاعل بين الإنسان والعالم، وأخذ منه تفرقته الهامة بين الوجود الفعلي كما هو عليه existence وبين الماهية essence التي ينبغي أن تتحقق من خلال عملية الصيرورة التاريخية، والواقع أن فلسفة بلوخ بأكملها لا يمكن تصورها بغير هذه التفرقة الهامة التي تناولها البحث بالتفصيل في الفصل الخاص بالوعي الذي لم يتم بعدُ.

(د) هيجل (١٧٧٠–١٨٣١م)

لم يكتفِ بلوخ من منابع المثالية الألمانية بشيلنج فقط، بل وقف طويلًا عند هيجل، فهذا الأخير قد وصف تاريخ البشرية بأنه طريق «التخارج» والاغتراب أو الاستلاب، وطور فكرته عن «الروح» أو «العقل المطلق» ليكون أشبه بالمقر المتعالي الذي تتم في إطاره ظواهر الأحداث الواقعية وترفع فيه في النهاية لكي يتسنى وضع المضامين التجريبية داخل نسقٍ فلسفي ومنهجيٍّ محكم، ودمج الأحداث التاريخية العارضة في سياق التأمل العقلي الصارم أو في دائرة الحقيقة الكلية الشاملة. وقد كان على الأجيال التي جاءت بعد هيجل أن تقرأ فلسفته التأملية قراءةً تجريبية وتترجمها إلى لغة الواقع الاجتماعي. وجاء بلوخ على طريقته الخاصة في فهم وتفسير تاريخ الفلسفة، ليكشف التفكير المستقبلي عند هيجل الذي وصفه بأنه المعلم الجليل لمرحلة شبابه، وكتب عنه في كتابه الذي وضعه عن هيجل ودخل معه في حوار عن «الذات-الموضوع: شروح على هيجل»: «لا نكاد نجد في الفلسفات الماضية فلسفة غنية بالمشكلات مثل فلسفة هيجل التي لا تزال تواجهنا كأنها قادمة من المستقبل.»٣٢
وقد ظل بلوخ طوال حياته يؤكد أن الفلسفة الهيجيلية لم تُعرف بعد على حقيقتها، وأن الدوجماطيقيين الماركسيين قد تصورا أنه لم يعد بحاجة إلى دراسة. لهذا نجده يهتف في الاحتفال بمرور قرن وربع قرن على وفاة هيجل في أكاديمية العلوم في برلين (الشرقية سابقًا) «أنه قد آن الأوان لنتحاور مع هيجل وأن نوقف الطاحونة.»٣٣ إن تأثير هيجل على بلوخ لم يقف عند عنوان أحد كتبه التي خصصها لدراسة هيجل تحت هذا العنوان الدال «الذات-الموضوع» فهو يرى في هذا الكتاب أن هيجل لم يفصل الذات عن الموضوع في نظريته عن المعرفة: «إن نظرية التوسط الجدلي لم تسمح بأن تبتعد الذات عن الموضوع، ولا الموضوع عن الذات، أي لم تسمح بابتعاد الموضوع عن الوعي ولا الوعي عن الموضوع، إن مثل هذا التعارض في رأي هيجل يسد الطريق إلى الفلسفة؛ لذلك فإن عليها منذ البداية أن تتحرر منه.»٣٤ وقد حل هيجل هذه الثنائية بين الذات والموضوع ووحد بينهما وحدة ميتافيزيقية، وإن كان قد لف العنصر المشترك بينهما «وهو الذي سماه «الروح المطلق» (…) في ضباب الغموض والتصوف.»٣٥
وقد اكتشف بلوخ منذ شبابه ثلاثة موضوعاتٍ أساسية تجمعت في ظاهريات هيجل وكونت فيما بعد محور فلسفة بلوخ نفسه: (١) الذات، أو الأنا الثورية التي ظهرت في التاريخ العملي والسياسي لأول مرة مع الثورة الفرنسية. (٢) الموضوع أو إنتاج مضمون المعرفة تحت تأثير المعرفة العلمية في العلوم الطبيعية، أو بمعنًى آخر إنتاج العقل لمضمون المعرفة متأثرًا بطبيعة المعرفة العلمية. (٣) التاريخ، أي أخذ التاريخ مأخذًا جادًّا مع التأثر بالنزعة التاريخية٣٦ كما تمثلت عند أصحاب المدرسة التاريخية الذين أحالوا كل شيء إلى تاريخه. وقد رأي بلوخ أن هذه العناصر الثلاثة متمثلة بصورةٍ متوازنة في ظاهريات هيجل، وأنها تستحوذ على اهتمام المفكرين خصوصًا في فترات التحول التاريخي وهنا ينشأ هذا السؤال: كيف تفاعل الذات والموضوع في التاريخ بحيث تمخض عنهما التغير الثوري في مرحلةٍ تاريخيةٍ معينة؟ وكيف يمكن أن يتفاعلا في المستقبل لإحداث مثل هذا التغيير الثوري؟ وسوف يبين البحث كيف أن مشكلة الذات والموضوع، والوجود الفعلي والماهية، ظلت أهم المشكلات التي دارت حولها فلسفة بلوخ التي حاولت أن تزيل الاغتراب بين الذات والموضوع، وأن تصل بمبادئها اليوتوبية والمقولاتية إلى الماهية الحقيقية في وجودٍ مستقبلي أكمل وأفضل.

إن التوحيد بين هذه العناصر الفلسفية الثلاثة (الذات – الموضوع – التاريخ) بالإضافة إلى اكتشاف وتحليل النزعات والاتجاهات الكامنة في الواقع والتي تنتظر الإرادة الثورية والدراسة الواعية لدفعها نحو الوجود اليوتوبي أو نحو الأمل، هذه العوامل مجتمعة هي التي جعلت بلوخ الفيلسوف الفينومينولوجي أو الظاهراتي — بالمعنى الهيجلي — للمستقبل الإنساني والاشتراكي، كما جعلت كتابه «مبدأ الأمل» هو «ظاهريات الروح» الجديد في تاريخ الفلسفة المعاصرة. فليس هذا الكتاب في نهاية الأمر سوى رصدٍ دقيق وشامل لمراحل تطور المادة والوعي معًا — تبعًا لمقولة اﻟ «ليس-بعد» الأساسية — نحو الكل اليوتوبي الذي يتحقق فيه المجتمع الإنساني العادل، ولا حاجة للقول بأن هناك فرقًا كبيرًا بين ظاهريات ترصد التطور المعرفي نحو الوعي المطلق بالروح، وظاهريات ترصد التطور المادي والإنساني والمعرفي على السواء نحو الكل اليوتوبي أو الأمل اليوتوبي الممكن.

(ﻫ) كارل ماركس (١٨١٨–١٨٨٣م)

قال بلوخ في المجلد الثاني عشر من مجلدات الطبعة الكاملة لأعماله: «إن فلسفتي مدينة لأخي شيلنج، ولأبي هيجل ولماركس ابن هذا العالم.»٣٧ وقد سبق الحديث عن أهم نقطة أثرت عليه من فلسفة شيلنج، وهي التمييز بين الوجود الفعلي والماهية التي تتحقق خلال العملية التاريخية، وكذلك عن مشكلة الذات والموضوع عند هيجل — لا سيما في ظاهريات الروح — حيث رأي بلوخ أن هيجل لم يفصل بينهما من الناحية المعرفية، بل اشترط أن يكون تحرر الموضوع من الاغتراب عن الذات أو الوعي ووحدتهما الميتافيزيقية هي البداية الحقيقية للفلسفة. وإذا كان بلوخ قد أخذ على هيجل كما رأينا فيما سبق: أنه يصبغ العنصر المشترك بينهما بصبغةٍ صوفية ويسميه بالتسمية الغامضة (الروح أو العقل المطلق)، فإن هذه الصبغة الصوفية ربما كانت من أهم أسباب اتجاه بلوخ — العلماني أو الدنيوي — إلى ماركس الدنيوي مثله. فمن الطبيعي لبلوخ الذي لم يتقيد بالروح المطلق أن ترتبط فلسفته بفلسفة ماركس، إذ تحول الاغتراب الهيجلي على يد ماركس إلى برنامجٍ سياسي ثوري، وأصبحت «ظاهريات الروح» — التي أوقفت على قدمَيها — هي تاريخ الصراع الطبقي، وغدت «هوية الروح» مع ذاتها هي هوية الإنسان العامل المنتج، بل هوية العالم الطبيعي مع نفسه، والعلامة المميزة «للمجتمع الخالي من الطبقات». بذلك تصور ماركس أن الشيوعية في نهاية الصراع والشقاق بين الإنسان والطبيعة، وأن تحقيقها رهن بإرادة الطبقة العاملة التي تعي دورها الثوري ومسئوليتها التاريخية فتحول مسار التاريخ.

ومن الطبيعي أيضًا — باعتبار بلوخ فيلسوفًا ماركسيًّا — أن تكون الوقفة عند ماركس أطول، وأن يكون التأثير مباشرًا بشكل لا يدع مجالًا للشك. والحق أنه يصعب تحديد الجانب أو الجوانب التي أثرت على تفكير بلوخ من فلسفة ماركس، فإذا كان العامل المشترك الذي يجمعهما بوجهٍ خاص هو الفلسفة المادية الجدلية والتوجه الثوري نحو تغيير العالم ونحو المستقبل، فإن هنالك جوانبَ تفصيليةً متعددة تكشف عن الكثير من أبعاد هذا التأثر ويشير إليها هذا البحث في موضعها. وعلى الرغم من أن بعض الباحثين الماركسيين الحرفيين قد أنكروا أن يكون هناك أي شيءٍ مشترك بين ماركس وبلوخ، كما زعموا وزعم غيرهم أن ماركسية بلوخ هي ماركسية وجودية أو صوفية أو رومانسية ولم يبقَ فيها شيء من ماركس الحقيقي والعلمي … إلى آخر هذه الاتهامات التي استندت — فيما استندت إليه — إلى نقد بلوخ للماركسية السوفيتية، وإلى تأكيده للدور اليوتوبي للماركسية، على الرغم من هذا كله فإن وجوه التطابق بين الفيلسوفَين الماديَّين الجدليين أكثر من أن تحصى. ويمكن الاكتفاء في هذا الموضع بجانبٍ واحد لعله أن يكون من أهم الجوانب التي لا يمكن إنكارها بجانب إشارات بلوخ الكثيرة إلى اسم ماركس وأعماله وأفكاره الأساسية في مؤلفاته، ويتعلق هذا الجانب «بأصول» الاغتراب بين الذات والموضوع أو الوعي والطبيعة أو الوجود والماهية.

ربما كانت تحليلات ماركس — في رأس المال ونقد الاقتصاد السياسي — للقيمة وأشكالها المختلفة من أهم الأفكار في رأي «دتليف هورستر»، التي انطلق منها بلوخ وأصبحت من الأفكار المحورية في فلسفته. فمن المعروف عن التحليلات الماركسية أن الإنتاج الرأسمالي قد تطور عن طريق الدورة السلعية التي بدأت على حافة التجمع البشري الفطري أو الطبيعي. وقد بين ماركس — خصوصا في رأس المال، ومن خلال العرض التاريخي لتطور الأشكال المختلفة للقيمة — أن أبسط هذه الأشكال قد ظهر من الناحية العملية مع البدايات الأولى التي تحولت معها منتجات العمل إلى سلع من خلال التبادل العرضي والاتفاقي.٣٨
والواقع أن عملية تبادل السلع لا تظهر في الأصل في حضن التجمعات الطبيعية أو الفطرية، وإنما تظهر حيث تتوقف هذه التجمعات، أي على حدودها وعند النقاط القليلة التي يتم فيها اتصالها بتجمعاتٍ أخرى. «والعلاقة الحقيقية بين السلع هي عملية التبادل بينها، وهذه عمليةٌ اجتماعية يشترك فيها الأفراد المستقلون بعضهم مع بعض، ولكنهم لا يشتركون فيها إلا باعتبارهم مالكي سلع، ولا وجود لهم إزاء بعضهم بعضًا إلا عن طريق سلعهم، وبهذا يظهرون لنا كأنهم ممثلو أو «حملة» عملية التبادل.»٣٩ هنا تبدأ التجارة القائمة على التبادل، ثم تعود فتنفذ في صميم التجمع البشرى نفسه لتؤثر عليه تأثيرًا مدمرًا. وفي عملية التبادل البسيطة هذه تنطوي بذور الرأسمالية، وبقية تحليلات ماركس تبين كيف تطور عنها «المال» ومنه «رأس المال» وكيف ساهم الإنسان والوعي الإنساني في هذا التطور وتأثرا به بصورة غيرت علاقة الوعي بالعالم وعلاقة الذات بالموضوع.
ولم يتم التطور السابق بطريقةٍ مستقلة عن الإنسان ووعيه كما سبق القول، فنشاط الوعي قبله وفي بدايته قد يختلف اختلافًا كيفيًّا عنه بعد الوصول إليه أو الدخول فيه. ذلك أن نشاط الوعي قد اقتصر في البداية على خدمة الحياة العينية البسيطة المباشرة. ومع بداية تبادل منتجات العمل بين البشر حدث تغيرٌ حاسم في مفهوم المنتج والوعي معًا؛ إذ اكتسبت المنتجات «صفةً اجتماعية» لم تكن تملكها من قبلُ وصارت لها «قيمة».٤٠ وتقوم القيمة بدور «التوسط» في حركة المنتجات عندما تكف عملية التبادل عن كونها مجرد عمليةٍ اتفاقية أو عرضية تتم على هامش التجمع البشري، ومن ثم تتعرض للزوال بمجرد نشوئها، ومعنى هذا أنه عندما تصبح التجارة القائمة على التبادل فعلًا مستمرًّا ومتصلًا، تصبح القيمة هي اليد الخفية التي تنظم حركة السلع وتبادلها.٤١
وتستمر حركة هذا التطور فتبدو للبشر — في ذروة تطور السلعية٤٢ — وكأنما هي شيءٌ طبيعي ومستقل عنهم، ويقفون في مواجهتها كذواتٍ «عارفة». ويظل خافيًا عليهم أن القيمة ليست شيئًا «موضوعيًّا» — أي شيئًا متعلقًا بالموضوعات نفسها تعلقًا طبيعيًّا — وإنما نشأت نشأةً اجتماعية كما تطورت تطورًا طبيعيًّا، وهكذا تقف الذات والموضوع من بعضهما موقف طرفَين متقابلَين في عملية المعرفة الخالصة. بل إن وعي الذوات أو نشاطهم العقلي والفكري يمكن أن يستقل بنفسه بحيث تنقطع العلاقة المباشرة بين الذوات وبين الموضوعات، وبحيث يقتصر دورها على معرفة الموضوعات معرفةً نظرية بحتة دون تغييرها أو التأثير عليها.
ومعنى هذا أن الوعي يمكن أن يستقلَّ بنفسه عن الموضوعات الحية وعن الحياة المباشرة نفسها، وأن يتصور أن معرفته وحدها هي الهدف الأسمى والغاية الأخيرة من الحياة. ويمكن أن نجد البداية الفلسفية لهذا التحول في تحليلات أرسطو في الكتاب الأول من كتابه عن الميتافيزيقا، ففي رأيه أن العلم قد نشأ لأول مرة في مصر حيث وجد الناس الفراغ الكافي لممارسته. والعلم ينصرف إلى المعرفة لذاتها لا لأي غرض أو منفعةٍ عملية أو هدفٍ خارجي عنه. والسبب في ذلك بسيط في نظر أرسطو — وغيره من فلاسفة اليونان — فالمعرفة تحمل هدفها في ذاتها. والمهم في هذا السياق أن الانفصال بين الذات والموضوع (والعكس) قد بدأ مع بداية التطور المادي الاقتصادي الذي أدى إلى عملية التبادل عن طريق السلع والمال، بحيث وقفت «الأنا» الواعية بذاتها في مواجهة الموضوعات، وراحت تتعرف عليها مستعينة بأدواتها العقلانية وتؤثر عليها بفعلها وسلوكها العقلاني أيضًا، ومن هنا بدأ الانفصال بين الذات والموضوع، والباطن والظاهر، والفرد والعالم المحيط به (وهو الأمر الذي لم يعرفه مثلًا أبطال ملحمتي هوميروس — من حوالي القرن الثاني عشر إلى حوالي القرن التاسع والثامن قبل الميلاد — وذلك قبل القرن السابع ق.م. الذي عرفت فيه الجماعات الإغريقية تبادل السلع وظهور العملة النقدية).٤٣
إن تاريخ الانفصال بين الذات والموضوع في عملية المعرفة — أو بالأحرى انقطاع العلاقة والوحدة المباشرة بينهما مما أدى إلى ظهور التفكير المجرد — هو في الوقت نفسه تاريخ التطور من التبادل البسيط أو المقايضة إلى الرأسمالية. أضف إلى هذا أن التفكير المجرد قد تطور أيضًا مع التطور المتزايد في تجريد التبادل، بحيث أصبح ينظر إلى المنتجات المختلفة في علاقتها بالعنصر المجرد المشترك بينها، أي بحيث صارت قيمتها في عملية التبادل هي الشيء الوحيد المهم، وهو الأمر الذي تم في المرحلة السابقة على الرأسمالية، ثم تزايد وبلغ ذروته في ظل العلاقات الرأسمالية.٤٤
ولا بد من القول بأن الانفصال الذي تم بالتدريج بين الذات والموضوع لم يجعل التبادل والتفكير قطبَين متعارضَين أو متضادَّين، لأن المسألة في الواقع هي مسألة علاقة إنتاج متبادلة بين أشكال الوعي وأشكال الوجود. وتطور المال ودوره في التعامل والتبادل السلعي يوضح هذه المسألة. فقد استلزم التبادل عن طريق المال توحيد القيمة المادية والكمية للأشياء المختلفة في قيمتها الكيفية «ومن ثم تستطيع أشياء غير ذات قيمةٍ نسبية، منها الورق مثلًا، أن تعمل كرموز للعملة الذهبية.»٤٥ أي أن تلك القيمة الكمية تفترض تجريد المنتجات المختلفة. من صفات أو خصائصَ محددة هي في صميمها صفات أو خصائصُ كيفية. هذا التجريد والتوحيد قد تم قبل كل شيء في رأس الإنسان، ثم ترتب عليه بعد ذلك من الناحية الواقعية «موضعة» القيمة، أي تجريدها.
في شكل «مال» أو عملةٍ نقية؛ مما ساعد في نفس الوقت على زيادة قدرة الإنسان على التجريد أو التفكير المجرد بعد مساعدتها على نشوئها.٤٦
يتضح مما سبق أن نوعًا معينًا من الوعي أو التفكير (وهو التفكير المجرد أو التجريد) هو عنصرٌ أساسي ساهم في تكوين وتطور الرأسمالية التي تمثل في نظر الماركسية آخر مرحلة تاريخية ومنطقية لتطور عملية التبادل السلعي، كما أن هذا الوعي أو التفكير المجرد قد تكوَّن بدوره من خلال تطور عملية التبادل السلعي وبخاصة منذ تطور التبادل عن طريق المال الذي قام عليه تطور العلاقات الرأسمالية والذاتية البرجوازية في ظل هذه العلاقات.٤٧ والمهم في النهاية ألَّا نرجع هذا التطور الرأسمالي إلى عنصرٍ واحد (العنصر الذاتي، أي الوعي والتفكير المجرد من ناحية، والعنصر الموضوعي أي السلعة والمال والعلاقة الاجتماعية الإنتاجية من ناحيةٍ أخرى) لأن علاقة التأثير والتأثر متبادلة بين هذه العناصر جميعًا ولا يمكن إرجاع التطور الرأسمالي لواحد منها مستقلًّا عن الآخر، ولأن تطور الذات الإنسانية وتغيرها قد صاحبه تطور الموضوع وتغيره، وذلك في سياق عمليةٍ جدليةٍ شاملة تمخضت عنها أشكالٌ جديدة للفكر وأشكالٌ جديدة للموضوعات. والخلاصة أن الطابع المزدوج لمنتج العمل الذي تحول إلى سلعة، أي باعتباره في نفس الوقت شيئًا يستخدم وقيمة، وما ينطوي عليه ذلك من الأشكال المختلفة للقيمة،٤٨ قد كان هو السبب في ذلك التقابل المشهور في نظرية المعرفة بين الذات والموضوع، بين الفرد والبيئة المحيطة به، وبين الأنا والعالم. وهو تقابلٌ نظري مجرد لم يكن له وجود عندما كانت العلاقة مباشرة بين البشر والطبيعة، وعندما كان في إمكانهم تنظيم عملهم تنظيمًا اجتماعيًّا مباشرًا بدون توسط عملية التبادل السلعي.

نكتفي بهذا القدر من تحليلات ماركس لجانبٍ واحد من جوانب نظريته عن القيمة لنسأل عن تأثيره على تفكير بلوخ وعن العنصر المشترك الذي تم الإشارة إليه بين الفيلسوفَين. لقد اتضح من العرض السابق أن الانفصال بين الذات والموضوع أو الفكر والوجود هو في نظر ماركس مسألة تطورٍ تاريخي وليس حقيقةً ثابتة، وأن عملية التبادل السلعي هي المسئولية عن استقلال المنتجات عن منتجيها ومن ثم عن إمكان معرفة «الموضوع» معرفةً نظرية عن طريق الذات المقابلة له. هنا أيضًا يمكن أن نقول إن بداية تاريخ الفلسفة قد اقترنت بوجود التفكير في ناحية والوجود في ناحيةٍ أخرى. وقد تطور هذا التصور مع تطور الفلسفة فأصبح الفكر الخالص في جهة والمادة في جهةٍ أخرى، كما انقسمت الاتجاهات الفلسفية إلى اتجاهات تؤكد الذات على حساب الموضوع أو تؤكد الموضوع على حساب الذات، ومن ثم تكرس الاتجاهات والمذاهب العقلية أو الذاتية في جانب، والمادية أو الموضوعية أو الوضعية أو التجريبية في الجانب المقابل، مع وجود استثناءات تخرج عن هذا التعميم بطبيعة الحال.

وقد سبق القول إن بلوخ ينقد التراث الفلسفي القديم (الكلاسيكي) والحديث ويحاكمه من هذه النقطة بوجهٍ خاص، أي من جهة الفصل بين الفكر والوجود. ومع أن الفلسفة المثالية (التي يغلب فيها الفكر على الوجود) والفلسفة المادية (التي يغلب فيها الوجود على الفكر) قد حاولتا كلٌّ على طريقتها أن تقربا بين طرفَي الفكر والوجود وأن تقهرا هذه الثنائية العقيمة، فقد بين بلوخ في قراءته لتاريخ الفلسفة ولبعض الفلاسفة الذين اهتم بهم أن الانفصال بين الفكر والوجود ظل هو الطابع الغالب عليهم، كما حاول جهده أن يوحد بين العناصر الإيجابية في الاتجاهين الرئيسيين لتاريخ الفلسفة (أي المثالية والمادية) دون أن ينضم صراحة إلى أحدهما بصورةٍ مطلقة. وسوف يتضح من خلال البحث أن ماديته التي يصر عليها ليست مادية بالمعنى التقليدي الشائع لهذه الكلمة، وإنما هي ماديةٌ صوفية ودينية أو مثالية ورومانسية.

إن ماركس وبلوخ يتفقان على شيءٍ جوهري، وهو أن اغتراب الإنسان عن ذاته وعن الطبيعة لن يتوقف حتى يتوقف استقلال الذات والموضوع كلٌّ منهما عن الآخر، وحتى تتوقف كذلك إمكانية فكرٍ خالص في ناحية ووجودٍ خالص في ناحيةٍ أخرى، والهدف النهائي عند كلٍّ منهما هو التوصل إلى «وحدة الإنسان الذي عاد إلى نفسه مع عالمه الذي نجح في تغييره أو تشكيله.»٤٩ وهذا الهدف النهائي لا يمكن تحقيقه عن طريق التفكير وحده، وإنما يجب أن يرفع أو يلغي استقلال الموضوع عن طريق الممارسة العملية وأن يتم في الواقع. ومن الطبيعي أن يجد بلوخ أسس هذه الممارسة في المادية الجدلية التي يعتبر أنها هي الفلسفة الوحيدة التي يتم فيها التغلب على التضاد بين الفكر والوجود، والعقل والحس، والقبلية والبعدية (أو العقلية والتجريبية) والنزعة الإرادية والنزعة القدرية، وهكذا يتفق النسقان المفتوحان على المستقبل لكلٍّ من ماركس وبلوخ اتفاقًا جوهريًّا على أن الذات والموضوع اللذين تم الفصل بينهما يمكن أن يقتربا من بعضهما مع اقتراب كلٍّ منهما من نفسه أو عودته إلى نفسه.

ليس هذا العرض السابق — كما تمت الإشارة في البداية — سوى مجرد محاولة لتفسير جانبٍ هام من جوانب تأثر بلوخ بفلسفة ماركس أو على الأقل بجانبٍ واحد منها. أما عن تأثره بالفلسفة الماركسية في مجموعها فهو شيءٌ واضح يفصح عنه قبل كل شيء توجهه الثوري إلى المستقبل. ويمكن القول إن ماركس مهد الطريق أمام بلوخ — الذي تجاوز الماركسية بدوره بل وجعلها تنضوي تحت لواء نسقه الفلسفي — ليقيم «علم الأمل» الذي شيد بناءه على أساسٍ مادي وملأه بمضمونٍ فلسفي بحيث ارتفع هذا الأمل من مستوى العاطفة الذاتية أو الفضيلة الأخلاقية إلى شروطٍ موضوعيةٍ محددة، ويحركها وعيٌ ثوري يضمن تحقيق الخلاص في ظل «الجماعة الإنسانية» الحقة التي ستنعم في نهاية المطاف بالسعادة والعدالة والحرية والكرامة والإخاء.

(٢) مؤثرات فكرية وأدبية

لم تقتصر العوامل الثقافية التي أثرت على بلوخ على الفلاسفة الكلاسيكيين والمحدثين من أرسطو إلى ماركس، وإنما أثر عليه مجموعة من الأدباء والمفكرين المعاصرين الذين ربطته بهم عرى الصداقة، ومن هؤلاء الناقد الأدبي فالتر بنيامين، والفيلسوف أدورنو، والكاتب المسرحي برشت، والمؤلف الموسيقى كورت فايل وغيرهم. ولكن أهم هذه الصداقات — كما سبق القول — هي التي جمعته خصوصًا في سنوات شبابه بالفيلسوف المجري جورج لوكاتش (١٨٨٥–١٩٧١م) ولما كان المقام لا يتسع للحديث عن التفصيلات الدقيقة لهذه العلاقات بين بلوخ وبين هؤلاء الأدباء والمفكرين والفنانين — وغيرهم كثير — فسوف نكتفي بإلقاء الضوء على بعضها بالقدر الذي يسمح به سياق الكلام عن أبرز المؤثرات على حياته وتكوينه الفكري، بادئين بأقرب أصدقائه إلى قلبه — على الأقل في سنوات الشباب — وهو لوكاتش.

(أ) لوكاتش

تقابلا للمرة الأولى في إحدى قاعات البحث التي كان يقيمها فيلسوف الحياة جورج زيميل في برلين، ثم كانت إقامتهما ورحلاتهما معًا من عام ١٩١٢ حتى عام ١٩١٤م في هايدلبرج، واشتراكهما في الحلقات الدراسية التي أقامها ماكس فيبر في هذه المدينة الأخيرة. وقد روى بلوخ أنهما كانا على اتفاقٍ تام في ذلك الوقت، وأنهما حتى عندما كانا يلتقيان بعد أسابيعَ طويلة كانا يستأنفان الحوار وكأنه لم ينقطع، وكان لا بد في هذه المرحلة من أن يحددا — على حد تعبيره — منطقةً خضراء تبين الفروق بينهما حتى لا يتصور الناس أنهما يتكلمان بفمٍ واحد.

وقد جمعهما تأثرهما الشديد «بظاهريات الروح» لهيجل واتفاقهما في فهمها فهمًا ثوريًّا، وخاصة في تناولها للموضوعات الأساسية التي تم الإشارة إليها سلفًا وهي «الذات – الموضوع – التاريخ». كانت هذه المشكلات حاضرة في ذهن بلوخ عندما بدأ في كتابة مؤلفاته الأولى وهي «روح اليوتوبيا» عام ١٩١٨م، وكتابه توماس مونتسر عام ١٩٢١م، كما أن هذه الموضوعات نفسها شغلت لوكاتش في كتابه «التاريخ والوعي الطبقي» عام ١٩٢٣م؛ مما يدل على أنهما انطلقا من نفس المشكلات المعرفية والنظرية، وإن كان الاختلاف على البعد اليوتوبي قد فرق بينهما بعد ذلك. فقد ظل الصديقان على وفاق حتى اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى فتوجَّه لوكاتش إلى المجر والتحق بعد الحرب بالحزب الشيوعي المجري وعمل منظرًا للماركسية طوال العشرينيات، بينما توجه بلوخ إلى سويسرا، وعلى العكس من لوكاتش، لم يلتحق بالحزب الشيوعي الألماني، وقد كان لروسيا عشية الثورة فعل السحر على كل منهما، وعندما استولت النازية على السلطة رحل لوكاتش إلى روسيا، ورحل بلوخ إلى براغ، ومن هنا بدأ المسار الفلسفي للرجلين يزداد تباعدًا خاصة عندما قام لوكاتش بتبرير الرعب الذي يمارسه الحزب الشيوعي في بسط هيمنته، لقناعته أن الرعب والقهر إجراءان ضروريان لإقامة المجتمع الاشتراكي، بينما تمسك بلوخ — إلى حد الجنون أحيانًا! — بالحق والكرامة الإنسانية والحرية الفردية التي يجب ألا يقهرها أي فكرٍ عقائدي. واحتدمت الخلافات بينهما، وكان من رأي بلوخ أن صديقه لوكاتش لم يفهم فكرته عن اليوتوبيا، كما أنه — أي بلوخ — اختلف معه بشدة حول مفهوم الواقعية في الأدب الذي كان لوكاتش يدافع عنه بشدة لأن مثل هذه الواقعية تفتقر إلى البعد اليوتوبي. وتبلور خلافهما على صفحات الصحف والمجلات الثقافية في شكل معاركَ حادة حول الحركة التعبيرية التي هاجمها لوكاتش بقسوة ودافع عنها بلوخ حتى النهاية، وشكلت هذه المناظرة الفكرية بينهما في عام ١٩٣٨م أحد الأحداث الهامة في الفكر والأدب الألماني الحديث.

والتعبيرية حركةٌ أدبية ظهرت في ألمانيا حوالي عام ١٩٠٦م وامتدت حتى أوائل العشرينيات، وقد نشأت في مجال الرسم ثم امتدت إلى الشعر والقصة والمسرح (وقد كانت الأعمال المسرحية الأولى لبرشت من أهم إنجازاتها) وأطلقت صرختها وفزعها من رعب الحرب، وشوقها إلى عالمٍ إنسانيٍّ جديد يتحقق فيه العدل والكرامة الإنسانية. كانت التعبيرية حركةً فنيةً ثائرة، تجمعت تحت لواء الإيمان بإنسانيةٍ جديدة، وحاولت أن تمحو كل أشكال الواقع التي أثبتت الحرب فسادها، وأن تعصف بكل القيم الزائفة في الحياة البرجوازية والسياسية والفنية التي أدت إلى الحرب، أو على الأقل لم تحل دون وقوعها ولم تقف في وجهها. وكان هناك سخطٌ هائل على كارثة الحرب العالمية الأولى، وكانت التعبيرية هي التعبير الفني عن هذا السخط. أراد الفنان أن يشكل العالم من جديد بالرؤية والحماس المتوهج للقيم المطلقة، بالإبداع الحر، بالروح الطليق والكلمة الحية المتمردة على الواقع والمدنية والتقدم العلمي والتقني وكل القيم التي فضحت الحرب كذبها وخداعها.٥٠ لكن سرعان ما اختفت هذه الحركة ولاذ أصحابها بالصمت أو تشتتوا في المهجر أو سقطوا في الحرب العالمية الأولى أو انسحقوا تحت أقدام الطغيان النازي، واختنق صوتها في أوائل الثلاثينيات، خنقته الأزمة الاقتصادية العالمية، وزحف ذئاب الفاشية وقطعانها الهمجية، واندلاع نيران الحرب العالمية الثانية. وكانت النتيجة أن دفنت التعبيرية حية، وانطفأت شعلتها التي لم تكد تتوهج.٥١

أثرت الحركة التعبيرية تأثيرًا كبيرًا على بلوخ، وانعكس هذا التأثير على كل إنتاجه الفكري، الفلسفي منه والأدبي، فقد أخذ بلوخ من التعبيريين حماسهم وأسلوبهم المتوهج في الكتابة، والتعبير عن الأفكار بلغة الشعر والأسطورة والحكم والأمثال، والاستخدام المفرط للصور المجازية التي تصل إلى حد الغموض في أحيانٍ كثيرة، وهو ما تلمحه بسهولة عين القارئ لمبدأ الأمل؛ إذ كان للنزعة التعبيرية أكبر الأثر على عرض النص الفلسفي من حيث شكل التعبير والأسلوب الزاخر بالرموز والصور الشعرية؛ مما زاد من صعوبة قراءة بلوخ واستخلاص جوهر نسقه الفلسفي. ولعل النزعة الإنسانية للتعبيريين وحلمهم بمجتمعٍ إنساني جديد يتحقق فيه العدل والكرامة الإنسانية — الذي كان منذ البداية هو الهدف والغاية عند بلوخ — هو ما جذبه إليهم، فظل متمسكًا بأفكارهم ومدافعًا عنهم، وخاض من أجلهم أكبر معاركه الفكرية مع لوكاتش صديق عمره، حتى بعد أن قضى على هذه الحركة تمامًا ولزم أصحابها الصمت أو انزووا في المنفى أو السجن أو سكتوا إلى الأبد تحت التراب.

وعلى الرغم من أفول التعبيرية واعتبارها الآن جزءًا من تاريخ الأدب، إلا أنها تمثل المرجع الألماني الأول للفن المعاصر، كما أن المعركة الفكرية التي دارت رحاها بين لوكاش وبلوخ حول التعبيرية كانت خلافًا حول المعنى التاريخي للنزعة الحديثة أو الحداثة modernism بصفةٍ عامة.٥٢
تبنى لوكاتش المقولة الأساسية في النقد الأدبي الماركسي في هجومه على التعبيرية التي كان قد انجذب إليها في بداية حياته — وهي أن الأدب نتاج للأوضاع التاريخية — واتهمها بالاغتراب عن عامة الشعب وبعدها عن الواقع الاجتماعي حين صرح في مقال بعنوان «الواقعية في الميزان» بأن التعبيرية تنكر أي صلة لها بالواقع وتعلن الحرب عليه وعلى كل إنجازاته لأن العديد من التعبيريين يشتاقون لاكتشاف عالمٍ جديد عن طريق هجر الأرض، والقفز في الهواء والتعلق بالسحاب٥٣ … وعلى الرغم من تأكيد لوكاتش في بداية حياته على دور العامل الذاتي أو الفردي في الأدب، واقتناعه بأن مهمته هي التعبير عن مواجهة مجتمعٍ معادٍ ومغترب، إلا أنه تعلم أيضًا من الماركسية أن العلاقات الاجتماعية هي أساس الأدب والفن والجمال؛ ولذلك لم يتحول عن الثوابت المنهجية والنظرية الماركسية، وهي الوحدة الجدلية بين الذات والموضوع، والخلاص من الاغتراب عند وصول المجتمع إلى الوعي بالذات، وأن الحقيقة هي كلٌّ شامل يصارع الإنسان من أجل الوصول إليه، ولذلك كان من رأيه أن التعبيرية شوهت هذه الحقيقة لأن الوظيفة الكاملة للفن هي رسم صورة الواقع الموضوعي لا الهروب منه أو الاكتفاء بالصراخ في وجهه.
لن نستطرد طويلًا في تفاصيل هذه المناظرة التي يمكن أن تخرج بنا عن سياق البحث. ولكن يمكن القول بإيجاز إن المواجهة الفكرية بين بلوخ ولوكاتش كانت في حقيقة الأمر مواجهة بين الفن التعبيري والواقعية الاشتراكية. لقد دافع الأول عن التعبيرية وشجب اتهام لوكاتش لها بأنها حركة تواطأت مع البرجوازية الرأسمالية، مستشهدًا في دفاعه بعبارة للوكاتش نفسه يعترف فيها بأنها — أي التعبيرية — كانت من الناحية الأيديولوجية حركةً مناهضة للحرب. ويؤكد بلوخ أن اتجاهات الوعي في التعبيرية لم تكن فاشية، وأنها من الناحية الجمالية أو الاستطيقية تعتبر استجابة لأزمات مرحلةٍ انتقالية تحطم أثناءها الكل الثقافي للبرجوازية، بينما بقيت البروليتاريا الثورية في مرحلتها البدائية. ويتهم بلوخ واقعية لوكاتش بأنها مغلقة وتستبعد الذاتية المثالية، ولذلك لم يتحرر من النظم الكلاسيكية، كما أن مفهومه الضيق الأفق للواقعية جعله يرفض دور الفنان في تحطيم أية صورة للعالم، حتى الرأسمالية، متناسيًا أن الفن يناضل ليستثمر صدوع الواقع ويكشف الجديد في شقوقه.٥٤ كما أن اتهام لوكاتش للتعبيريين بأنهم اغتربوا عن عامة الشعب، هو اتهام لا يستند إلى أساسٍ حقيقي؛ إذ كانوا على العكس من ذلك أول من فتح عين الشعب على فن الفولكلور، وركزوا انتباههم على رسوم الأطفال والمساجين والمرضى العقليين، كما اهتموا اهتمامًا خاصًّا بالفن البدائي بحيث كان الفن الشعبي هو الانطلاقة الحقيقية للحركة التعبيرية.٥٥ والمهم أن الخلاف الحاد الذي احتدم بين الصديقَين في هذه المناظرة النقدية الهامة قد تسبب في القطيعة بينهما — وإن لم يمنع من استمرار التقدير والاحترام المتبادل بينهما — كما كشف عن تحرر بلوخ منذ شبابه المبكر من الأيديولوجية الماركسية الحرفية المتزمتة، وإن بقي مع ذلك مخلصًا للماركسية في روحها العامة ومنهجها الجدلي والنقدي.

(ب) برشت (١٨٩٨–١٩٥٦م)

ربطت بلوخ ببرشت صداقةٌ قويةٌ قائمة على التقارب الفكري والعقائدي. فقد جمعهما الاهتمام بالتعبير عن تناقضات المجتمع الرأسمالي والتمسك بالحلم الشيوعي حتى النهاية، بحيث يمكن القول إن ما عبَّر عنه بلوخ بالفلسفة عبَّر عنه برشت بالدراما. وقد جمعهما كذلك اهتمامهما بالفلسفة الهيجيلية والماركسية؛ إذ عكف برشت على دراسة هذين الفيلسوفَين وانتهى إلى الإيمان بضرورة الثورة الماركسية، بل ذهب إلى أبعد من الإيمان بالنظرية، فالتزم التزامًا مطلقًا بالأيديولوجية الماركسية في شبابه، وآمن إيمانًا لا حيدة عنه بضرورة التغيير الاجتماعي المصاحب للثورة. وقد ربطت بينهما كذلك سنوات الغربة في الولايات المتحدة الأمريكية التي انتهى إليها مطاف برشت بعد سنوات تجوال طويلة في البلدان الأوروبية هروبًا من الحكم النازي ثم عودتهما إلى ألمانيا الديمقراطية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مدفوعين بالشوق والأمل للمساهمة في توطيد أركان الدولة التي زعمت أنها تبني الاشتراكية فعادا عام ١٩٤٨م إلى برلين (الشرقية سابقًا) حيث أسس برشت فرقته المسرحية، وبدأ في تطبيق نظريته عن المسرح الملحمي أو الجدلي الذي يوقظ ملكة الحكم عند المتفرج ويثير فيه الإحساس بالغرابة والدهشة لما يراه، ويبعث فيه إرادة التغيير الثوري للقيم والظروف الاجتماعية التي يعيش فيها ويراها أمامه منعكسة على خشبة المسرح.٥٦
كان برشت خير من عبر عن الفلسفة الماركسية سواء في أشعاره أو في أعماله المسرحية، ورأى أن مهمة الكاتب المسرحي هي ألا يخاطب الشعور بل يخاطب العقل، وأن من واجبه أن يعلم هذا العقل ويدفعه إلى الحركة والتغيير بدلًا من أن يثير الشعور. وكما قال ماركس إن على الفلسفة أن تغير العالم لا أن تفسره، فقد أصبح على الفن والمسرح أيضًا أن يغيرا الإنسان تمهيدًا لتغيير العالم.٥٧ غير أن برشت تراجع عن نظرته المذهبية المتزمِّتة في أعماله الأخيرة عندما أدرك — مثلما أدرك بلوخ أيضًا كما سبق القول — الأخطاء والتناقضات التي وقع فيها التطبيق الماركسي في ممارسته العملية. بل وذهب إلى أبعد من هذا الحد فراح يدعو إلى توحيد ألمانيا والحيلولة بينها وبين التسلح من جديد، وكتب خطابه المفتوح المشهور إلى فالتر أو لبرشت على أثر إخماد ثورة العمال الألمان في القطاع الشرقي من برلين في شهر يونيو عام ١٩٥٣م ضد الحزب الشيوعي الحاكم، ووجه إليه فيه أعنف اللوم حين قال عبارته المشهورة: «إذا كان هذا الشعب لا يعجبكم فابحثوا لكم عن شعب آخر.»٥٨
كذلك ربط بلوخ وبرشت اهتمامهما بالحركة التعبيرية، فقد دافع عنها بلوخ وتمسك بها حتى النهاية وانعكست أيضًا على أسلوبه المتدفق الجياش في الكتابة. أما عن برشت فقد أخذ يطبق برنامج الحركة التعبيرية التي لم تهتم بالدراما في ذاتها بقدر اهتمامها بأن تكون أداة للعرض والبيان، فالتعبيري كان يعرض عواطفه الجياشة المنطلقة، وبرشت يعرض نزعته العدمية في مسرحياته المبكرة أولًا، ثم يعرض نزعته الماركسية الثورية في مسرحياته التعليمية، ثم يجمع بين النقيضَين في مسرحياته الأخيرة التي تخلو من التزمَّت العقائدي، وتهيب بالجمهور أن يفكر ويبحث عن حل بدلًا من أن تفرض عليه الحل الوحيد.٥٩ وإذا كان بلوخ لم يتخلَّ عن التعبيرية بل تمسك بها حتى النهاية، فإن برشت استطاع أن يتجاوزها في أعماله المتأخرة. وإذا كان ما جمعهما هو توجههما الاشتراكي، فإن بلوخ لم يكن منذ البداية متزمتًا في نزعته الماركسية بل اتسم تفكيره بالأقق المفتوح بلا حدود على المستقبل، كما أن برشت عُرف في مرحلة شبابه بتزمُّته العقائدي ودعوته إلى التغيير بالعنف إذا دعت الضرورة لذلك، ولكنه تراجع كما سبق القول في سنواته الأخيرة عن هذه النظرة المحدودة الأفق. وعلى الرغم من هذا ظل إعجاب بلوخ بأعمال برشت الشعرية والمسرحية كبيرًا حتى إنه استشهد بالعديد منها في شرح نسقه الفلسفي.

(٣) مؤثرات الحركة النقدية

لم يكن بلوخ فيلسوفًا أكاديميًّا فحسب؛ إذ لم تبدأ مرحلته الأكاديمية إلا بعد أن تجاوز الستين من عمره، بل كان مفكرًا لا يمكن فصله عن الجو الثقافي والعلمي المحيط به، كما لا يمكن الفصل بين الفكر أو الفلسفة من ناحية وبين الروح الثقافية للعصر من أدب وشعر وعمارة وموسيقى وفنون مختلفة من ناحيةٍ أخرى، وقد استوعب بلوخ كل هذه العناصر الثقافية في عصره وعبر عنها في نسقٍ متكامل، كما جاء هذا النسق معبرًا عن عصر مخاض وحلم وثوراتٍ اشتراكية وأحزابٍ فاشية، واتسم بالديناميكية كما اتسم بالاضطراب والقلق. إنه عصر شهد فيه الفكر الفلسفي الألماني تغيراتٍ كثيرةً وحاسمة، وبداية بحث فلسفي على أسسٍ منهجيةٍ جديدة، وإعادة إحياء التراث الماركسي باعتباره فهمًا نقديًّا تحليليًّا للواقع، وقد اجتاحت فيه الفكر الألماني حركةٌ نقديةٌ واسعة النطاق ذاع صيتها باسم «مدرسة فرانكفورت»، نظم أعضاؤها حلقات بحث حول الماركسية، وركزوا على أفكار ومؤلفات ماركس الشاب وليس الاقتصادي، وأثاروا عاصفةً نقدية على كثير من القيم السائدة والنظم المستقرة.

ومع أن النسق الفلسفي لبلوخ قد اتسم بعمق النظرة النقدية للواقع، فقد اختلفت النظرة النقدية عنده عن النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، على الرغم من انطلاقهما من منبعٍ واحد وهو المنهج التحليلي النقدي المعروف في التراث الماركسي، ويعود الاختلاف إلى النظرة أو النزعة الأكثر عمقًا عند بلوخ والتي تمتد جذورها في التراث الفلسفي الهيجلي والماركسي. لقد استخلص من المنهج الهيجلى عمقه النقدي للثورة على الواقع وتجاوزه، وتعلم من الماركسية الحلم بالمستقبل والرغبة في تغيير العالم وحتمية الثورة، وأحسن استخدام منهجهما وأدواتهما التحليلية في التعامل مع الواقع الاجتماعي العيني. لم يحصر الحلم الماركسي في أطرٍ سياسية واقتصاديةٍ محددة، بل انطلق إلى آفاق لا محدودة، وطبق هذه النظرة النقدية على الماركسية نفسها، فنقد الماركسية المادية لحساب الماركسية الإنسانية، وجعل الماركسية مبدأً لأملٍ إنسانيٍّ شامل، ولذلك رأى وجوب إعادة اكتشاف الماركسية كسلاحٍ نقدي لمقاومة كل واقعيةٍ اجتماعيةٍ تعسفية كالرأسمالية الجديدة والنمط الاشتراكي السوفيتي٦٠ (قبل انهياره بطبيعة الحال).

لم يكن بلوخ أحد أعضاء مدرسة فرانكفورت، ولا يمكن القول إن لهذه المدرسة تأثيرًا واضح المعالم على فكره، بل يمكن القول إن تأثيره كان كبيرًا وهامًّا على أعضائها فيما اكتسبوه من حدة الوعي الثاقب في تفتيت بنية الواقع، وحسن استخدامهم للمنهج الهيجلي والماركسي في تحليلهم النقدي للأوضاع الاجتماعية. وليس من المبالغة أن نقول إن تعامله النقدي مع التراث الماركسي على وجه التحديد كان مقدمة لخلق نظريةٍ نقدية أكثر اتساعًا وشمولًا عند أصحاب هذه المدرسة.

وعلى الرغم من انطلاق النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من نظرة بلوخ النقية للواقع العيني، إلا أنها لم تتميز بالنزعة التفاؤلية التي اتسم بها تفكيره، بل كان لأكثر أعضائها نزعةٌ تشاؤمية دفعتهم إلى اليأس من أية ثورة، واتسم الفكر عند القليل منهم بالتفاؤل. لقد ميز التيارَ الفكري النقدي للمدرسة اتجاهان متباينان من ناحية الرؤية ومتحدان من ناحية المنطق التحليلي النقدي لكونهما نتاج فكرٍ جدليٍّ واحد. التيار الأول هو التشاؤم الذي شكل النزعة الغالبة لمفكري المدرسة، والتيار الثاني هو التفاؤل. ولعل هذا الجانب التفاؤلي كان ثمرةً للتأثير الذي مارسه بلوخ عليهم باعتباره تيارًا فكريًّا أساسيًّا زامن الفترة السياسية-الثقافية المكونة للعناصر الشابة التي قامت بإنشاء المعهد بعد ذلك. وارتباط بلوخ والناقد الأدبي الماركسي فالتر بنيامين بعلاقة صداقةٍ شخصية كان يمثل الصورة التكميلية المؤكدة للتيارَين النقيضَين اللذين تقاسما المسارات الفكرية للمدرسة. كان بلوخ يكنُّ احترامًا كبيرًا لفالتر بنيامين على الرغم من عدم اتفاقه مع نظرته التشاؤمية للواقع، فالتشاؤم عند بنيامين هو الواقع أو الضرورة الأولى لفهم الواقع موضوعيًّا بمحتواه الدرامي ومأساويته.٦١
نظر أصحاب مدرسة فرانكفورت إلى الواقع بوصفه حافلًا بالصراعات والتناقضات، وأسسوا فلسفةً اجتماعية تركز موضوع بحثها على البشر المغتربين عن أشكال حياتهم التاريخية في المجتمعات الرأسمالية والصناعية الشمولية التي أنتجوها كما كانوا نتاجًا لها، واغتربوا عنها كما كانت السبب في اغترابهم.٦٢ أما عن بلوخ فقد شارك مفكري عصره همومهم واشترك معهم في الحلم بالتغيير، ولكنه لم ينتهِ إلى نظرةٍ مأسوية للتاريخ كما فعل معظم أصحاب المدرسة، وكان تيودور أدورنو من أكثر أعضاء المدرسة قربًا من بلوخ وربطت بينهما صداقةٌ حميمة قبل هجرة أعضاء المدرسة إلى الولايات المتحدة في فترة الحكم النازي. أعجب أدورنو بفلسفة بلوخ وشبهها بالعمل الموسيقي الكبير الذي تتصاعد نغماته تدريجيًّا، وكان هذا قبل أن تصاب العلاقة بينهما بالفتور في فترة المهجر.

(أ) أدورنو (١٩٠٣–١٩٦٩م)

فهم بلوخ الفلاسفة التقليديين — كما سبق القول — فهمًا غير تقليدي، وأهم ما جذب انتباهه من كل هؤلاء الفلاسفة هي العناصر الحية أو الشابة التي تكمن في تفكيرهم وتتوجَّه نحو التغيير، لأن فلسفته كلها توجهت نحو تغيير العالم. لذلك كان من أهم العناصر التي جمعته بأعضاء مدرسة فرانكفورت — ولا سيما أدورنو — هو تأكيد هذا العنصر وهو شباب الفلسفة أو حيويتها الدائمة، ومقاومتها للآراء والقيم السائدة، وتجاوزها الدائم للواقع القائم. وعلى الرغم من أن بلوخ كان ينتمي إلى جيلٍ سابق على جيل أدورنو وزملائه الذين اعتبروه بمثابة معلم بالنسبة لهم — وإن أخذوا عليه افتقاره إلى الموضوعية والمنهجية وانسياقه وراء الأحلام والتعبيرات الشعرية والمجازية — فإن أهم ما يربطه بأدورنو بوجهٍ خاص هو الإيمان بشباب الفلسفة، بالمعنى السابق الذكر. أدرك بلوخ منذ شبابه مدى الحيوية والشباب في «ظاهريات الروح»، كما كان أدورنو يقول لتلاميذه دائمًا إن الفلسفة هي في الحقيقة مسألة تهم الشباب قبل كل شيء، وإن على الفيلسوف أن يحافظ على القدرة على التساؤل والاندهاش الذي يطبع مرحلة الشباب.٦٣
آمن بلوخ وأدورنو بموضوع شباب الفلسفة وحيويتها وقدرتها على التجدد المستمر: «لا يزال هذا الوجود في كل لحظة لغزًا لم يُحل، وسؤالًا غامضًا ومتجددًا يفرض نفسه أو يفرضه الموجود المباشر ذاته: لمَ وجد أي شيء على الإطلاق؟ وهو يعبر عن نفسه بالخلق المتجدد في كل لحظة ومن خلال كل لحظة، لأن العالم كله تجربة لحل السؤال الدائم عن الأصل، السؤال المطوي في كل موجود مباشر — هناك.»٦٤ وكما كان أدورنو يناشد تلاميذه الاحتفاظ بالقدرة على التساؤل والاندهاش، فإن بلوخ لم يتخلَّ عن إيمانه بقدرة الفيلسوف على الاندهاش الإيجابي «إن الاندهاش الإيجابي الأصيل لا يتولد عنه السؤال القديم: لم كان وجود على الإطلاق ولم يكن بالأولى عدم؟ بل ينشأ عنه هذا السؤال الذي تحدق عيناه — كعيني الفتاة التي صورها «دورر» في لوحته المعروفة «الكآبة» — في أفق «الكل» الغائب: لم كان وجود كالعدم؟ ومتى يكتمل ويخرج من حالة عجزه ونقصه وافتقاره إلى الكل اليوتوبي؟»٦٥
ومثل هذا التساؤل الشاب الذي يؤدي إلى إجاباتٍ جديدة شيء لا يقدر عليه الفلاسفة التقليديون أو الحرفيون؛ لأن شباب الفلسفة ضد كل ما هو جامد ومتحجر سواء في الفكر أو في المجتمع، وضد ما يسمى بالحس السليم أو الفهم المشترك. لذلك لم يخضع أدورنو وبلوخ للغة الشائعة في المجتمع لأنها لا تلائم أفق تفكيرهما ولا مصطلح تعبيرهما. كانت هذه اللغة السائدة سواء في المجتمع أو عند الفلاسفة التقليدين لغةً بالية وعاجزة عن طرح أسئلةٍ جديدة ولم تتسع لأسئلتهما، ولذلك كانت إجابتهما مثل إجابات هيجل في عصره؛ غريبة على معاصريهما. ولعل هذه اللغة الجديدة التي صيغت فيها الأسئلة الجديدة أن تكون أهم ما جذب إليهما الشباب الثائر في الجامعات الأوروبية عام ١٩٦٨م بحيث كان شعار هؤلاء الشباب الذي كتب على الجدران في باريس من وحي فلسفاتهما، وهذا الشعار هو «كونوا واقعيين وافعلوا المستحيل.»٦٦

(٤) مؤثرات دينية

كانت المؤثرات الدينية والصوفية هي أحد المصادر الهامة التي زادت أفكار بلوخ غنًى وثراءً، والواقع أنه يصعب تحديد أسماء المفكرين الدينيين الذين قد يكون لهم تأثيرٌ مباشر عليه، وإذا كان تفكيره الديني يقترب من أنثروبولوجيا الدين عند فويرباخ، إلا أنه — أي بلوخ — يتجاوز هذه الحدود ويتمثل كل التراث الديني والصوفي وبخاصة التراث اليهودي-المسيحي، وقد تمثل تأثير هذا التراث الديني في إحدى الأفكار الهامة التي تشكل فلسفة بلوخ وهي «فكرة الخلاص» التي جعلت فلسفته تحلق في أفق النهاية المفتوحة بأسلوبٍ صوفيٍّ غامض، صحيح أن التفكير «الأخروي» أو التفكير في النجاة أو الخلاص الذي سيتحقق آخر «الزمان» في مملكة السعادة والخير — التي ستنتهي معها كل الشرور وتمتلئ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا — قد وجد على الدوام في كل العصور والأديان والحضارات. ولكن بلوخ جمع كل الشواهد التاريخية والحضارية الممكنة على هذا التفكير مع ما يتصل بها من تصورات للخلاص والمجتمع اليوتوبي الأمثل، وهي التصورات الحالمة التي تفنن الخيال البشري في رسمها ليملأ ثغرات الواقع المعيش ويعوضه عن فقره ونقصه. ثم تعلم ماركس كيف يشد هذه التصورات من فضاء الأوهام الغيبية والمثالية، الذي كانت ترفرف فيه، إلى أرض الواقع الصلب والممارسة العملية والثورية، بحيث لا يعود الواقع أو المجتمع الذي تختفي منه اللاإنسانية مجرد حدث ينتظر أن يتم في آخر الزمان ونهاية التاريخ، بل يصبح محور التاريخ نفسه ومحركه الحقيقي في مساره الحر واتجاهه الصحيح. وكان من الضروري «لتاريخية» الخلاص، أو لوضعه في التاريخ، من وجود منهجٍ علمي لتفسير العملية التاريخية وتحديد قوانينها والقوى المحركة لها، بالإضافة إلى الممارسة الثورية التي لا تكتفي بنقض الأوضاع القائمة، بل تسعى لبناء مجتمعٍ إنساني جديد، يزول منه القهر والقمع والاستغلال والاغتراب.٦٧

ولم يكن من المستغرب أن يلجأ بلوخ للتعبيرات الدينية أو شبه الدينية التي امتلأ بها «مبدأ الأمل» خلال حديثه المجازي عن الهدف النهائي أو بالأحرى «اليوتوبي» لعالم المادة وعالم الإنسان. ذلك أن الغاية النهائية أو الخير الأقصى والأسمى، قد وصفا منذ القدم باسم الجلالة «الله». وإذا كان بلوخ — شأنه في هذا شأن الماديين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم — قد تحاشى هذه التسمية، وآثر شيئًا يمكن أن يوصف بالقدر أو المشيئة العارضة التي تحدث الجديد وغير المنتظر وتظهرهما في «الهُنا والآن»، فقد تسرب هذان المفهومان إلى فلسفته من الموروث الديني، وأجرى عليهما نوعًا من التجريد من الروح الأسطورية أو التخلص من سحر الأسطورة الذي يميز كل ألوان الحداثة في عصرنا، وبذلك شدهما إلى عجلة الصيرورة الدائرة في عالمنا ودنيانا «هنا والآن». ولكن نزعة التجرد من التفكير الأسطوري — التي اتجهت منذ عهد فويرباخ وماركس إلى نقد الأيديولوجيات وكشف القناع عن المضامين الدينية بوصفها من خلق البشر وافتراضهم وصنع خيالهم — لم تستطع القضاء على الإشكالات الدينية، فبقيت عالقة بفكر بلوخ المادي والدنيوي، وظلت ماثلة في الأسلوب المجازي الذي يميز لغته التعبيرية، وفي الثنائية الجدلية التي نجدها واضحةً عنده في تأكيد الضرورة والعرضية في حياة البشر وتاريخهم، وافتراض «الكل» الكوني اللانهائي مع القول بعدم تحقيقه لهويته أو ذاتيته تحقيقًا نهائيًّا.

وهنا يمكن أن نضيف أن التراث اليهودي كان له تأثيرٌ كبير على فلسفة بلوخ، فهذا التراث الذي ظل طويلًا في حالة اشتياق للخلاص من أجل مستقبل أكثر أمنًا وإشراقًا هو الذي صاغه في فلسفةٍ حقيقية للأمل واليوتوبيا، وربما جاز القول بأنه كتب فلسفة للتاريخ من روح «الخروج»، أي الخروج من تاريخ الظلم والاضطهاد والاغتراب إلى «مملكة الحرية»، كما أن التراث اليهودي الصوفي الطويل — الذي شكَّل جزءًا كبيرًا من حياة بلوخ وفكره — قد أثر أيضًا في توهج الصور المجازية والشعرية والرمزية التي ميزت كل كتاباته، ولكن يمكن القول أيضًا إنه تجاوز الحلم اليهودي بمفهومه الضيق وحلَّق به في آفاقٍ أكثر اتساعًا حتى وصل الحلم إلى قمته في اليوتوبيا التي يجب أن تحرر الإنسان من الاغتراب، وهذه اليوتوبيا التي حلم بها بلوخ هي ما أطلق عليه اسم «الوطن»، أو الجماعة الإنسانية الحرة العادلة.

ولأن الهدف الأخير أو «اليوتوبيا» النهائية، التي تسعى إليها فلسفة بلوخ يستحيل التعبير عنها بغير الأسلوب المجازي والميتافيزيقي، فقد بقي أسلوبه وفكره شديد القرب من لغة التفكير الديني ومنهجه وأسلوبه، سواء أكان هذا التفكير صوفيًّا وجدانيًّا أو لاهوتيًّا عقليًّا، ولذلك لا نعجب إذا وجدنا بعض الكتاب والنقاد يصفون فلسفته بأنها في حقيقتها فلسفةٌ دينية. والواقع أن هذا الوصف فيه شيء من الحقيقة لا الحقيقة كلها، لأن الفكر الفلسفي كله قد نشأ في الأصل عن الأسئلة والمشكلات الدينية، وإن كان بلوخ مثل غيره من الماديين قد أنزلوا هذه الأسئلة والمشكلات من السماء إلى الأرض، ولم يكتفوا «بعلمنتها» (نسبة إلى العالَم) «وعقلنتها» كما فعلت الفلسفة طوال تاريخها، وإنما قلبوا المتعالي وأسكنوه العالم والأرض، ولا تزال الفلسفة قريبة من الدين كلما لمست «الأسئلة الحدية» التي تطرحها الميتافيزيقا وسليلتها الأنطولوجيا، أو عرضوا لمشكلات القيم والموت والمصير … إلخ. ومع أن الفلسفة تطرح الأسئلة والمشكلات الدينية طرحًا مختلفًا، وتستخدم المفاهيم الدينية بطريقةٍ مغايرة، فهي لا تستغني أبدًا عن الاقتراب من الدين والتحليق في أفقه، وبخاصة حين تبتعد عن اللغة العلمية وتلجا إلى اللغة المجازية. والدليل على هذا أن اللاهوتيين قد انجذبوا إلى فلسفة بلوخ وإلى الفكرة المحورية التي تعالجها لغته التبشيرية الجياشة بالصدق بتنويعاتٍ مختلفة،٦٨ وهي فكرة الخلاص التي ترتبط أوثق ارتباط بالأمل في «اليوتوبيا» المحتومة والموعودة، وإن لم يغب عنهم بطبيعة الحال أنه لم يتخلَّ عن «دنيويته» وماديته التي بقيت مفعمةً بالنبض الصوفي والحنين الروحي.
ولا شك أن أحد الإشكالات الأساسية في فكر بلوخ اليوتوبي تتمثل في استحالة تحقيق «الهدف اليوتوبي» داخل العالم نفسه. فطالما وجدت في هذا العالم (أي في مادته الطبيعية أو في التاريخ البشري الذي يدور فيه) إمكانات لم تتحقق بعدُ ولم تتحول إلى واقع، فسوف يبقى ناقصًا أو غير واقعي بصورةٍ تامة. ولو افترضنا تحقيقه للواقع الكامل أو لهويته الذاتية لكان معنى هذا أن نلغي وجوده بوصفه عالمًا دائب الحركة. ومعنى هذا أيضًا أن «الموجود الذي يبلغ أقصى درجات الواقعية» سيصبح في هذه الحالة هو «الموجود الذي بلغ أقصى درجات الكمال»٦٩ وكلاهما — بحكم الضرورة الجدلية نفسها — لا يمكن أن يوجد في «العالم» بل في «متعالٍ» يقع فوقه أو وراءه، وترتفع عنده الصيرورة وتتم النهاية الأخيرة٧٠ أما عن طبيعة هذا «المتعالي» فلا ننتظر من بلوخ بطبيعة الحال أن يخوض في شأنه بطريقةٍ مباشرة، وإن كنا نشعر بأنه يصفه وصفًا يوحي بتبرُّئه منه وهو بصدد الحديث عن هيجل، وكيف ترفع كل العلاقات والإمكانات والظواهر في «الروح» أو «العقل» المطلق الذي رجع إلى ذاته وبلغ العلم المطلق، وحقق هويته: «إن المرحلة الأخيرة، وهي الرابعة عشرة لظهور الروح، هي بالتالي تلك المرحلة التي يقف فيها على عتبة تحقيقه لذاته، أي مرحلة العلم المطلق. وفي هذه المرحلة يتمثل شكل من أشكال العلاقة والظهور الذي لم يعد في الحقيقة كذلك. فهو يظهر — كما يحدث للعمر المتقدم — أثناء تخلصه من كل ظهور، بحيث ترجع المباشرة (أي الوحدة البسيطة المباشرة التي بدأ بها الروح المطلق) بعد انتهاء جميع التوسطات. هنا تنتهي علاقة الذات بالموضوع التي ظلت مستمرة حتى الآن، وينتهي معها هدفها المثالي ألا وهو رفع الموضوع أو إلغاؤه.»٧١

هذا التحديد الأنطولوجي للغاية النهائية عند هيجل لا يخلو كما نرى من مضمونٍ ديني، وبغض النظر عن التفسيرات المختلفة للنسق الهيجلي (دينية كانت أو منطقية أو أنطولوجية واحدية … إلخ) التي تخرج عن موضوع هذا الحديث، فإن كلام بلوخ السابق يمكن أن ينطبق على «نسقه المفتوح» نفسه. فاليوتوبيا عنده لا تقتصر على تحقيق المجتمع «الإنساني» الخالي من الطبقات وابتداء حقبةٍ جديدة كل الجدة في التاريخ البشري، وإنما تضع في حسابها كذلك «الشكل النهائي» الذي ستتمخض عنه صيرورة المادة أو مسيرتها الجدلية، أي أنها تنتهي بصورة من الصور إلى «نهاية» ربما لا تختلف كثيرًا عن النهاية التي يصفها النص السابق في كلامه عن الروح الهيجلي المطلق. صحيح أن تفكير بلوخ اليوتوبي يحرص على أن يبقى دنيويًّا وداخل إطار العالمين الطبيعي والتاريخي، ولكنه مضطر للاتجاه إلى أفقٍ «متعالٍ» يمكن أن يحدد تحديدات دينية في جوهرها مهما حاول أن يبتعد صراحة عن كل تحديد أو تعريفٍ نهائي لهذا الأفق المتعالي أو لهدفه اليوتوبي النهائي والأخير. ولعل «النزعة الأخروية» — بالمعنى الدنيوي أو العالمي بطبيعة الحال — التي نجدها واضحة عنده ولا يمكن تجريدها من مضمونٍ ديني، لعلها هي التي تشجع على هذا التفسير «الديني» لفلسفته، على الرغم من حرصه على إنكار أمثال هذا التفسير وحرصه على السخرية اللاذعة منه، بيد أن الفجوة واسعة بين النية والعمل، وبين ظاهر الكلام ومضمونه.

ولا بد في النهاية من الاعتراف بأهمية «النواة الأنطولوجية» لتفكير هذا الفيلسوف والإشادة باكتشافه لمقولات الوعي الذي يأمل ويتوقع، ومعادلاتها الموضوعية في تاريخ البشر وسعيهم المتصل لبلوغ «اليوتوبي» بأشكاله التاريخية المتعددة، وتأكيد دور «الذات» الإنسانية في تحقيق الأمل على المستوى الطبيعي والبشري على السواء. وإذا كنا قد أشرنا إلى المضامين الدينية والتفسيرات الدينية الممكنة لتفكيره، فإن هذا لا يجعل فلسفته نوعًا من ظاهريات الدين أو الحنين الديني، وإلا كان هذا تبسيطًا مخلًّا وتحريفًا شديدًا لها، لأنها ستبقى فلسفة الوعي الثائر والثوري، مهما احتفظ هذا «الدنيوي» بشيء من الحنين الديني والأشواق الصوفية والمثالية الشعرية. وإذا كان بلوخ قد صور لنا التاريخ الطبيعي والتاريخ البشري في صورةٍ يوتوبية، فلم يكن اهتمامه بالأنطولوجيا المادية والفلسفة الطبيعية تشتيتًا للأنظار عن التاريخ الإنساني الذي لا يزال في حاجة إلى التشكيل، لأن الأول يقدم الأساس أو المعدل الموضوعي الذي يقوم عليه الثاني ولا ينفصل عنه في غمرة الصراع المستمر بين الإنسان والطبيعة، كما لا ينفصل عن الصراع من أجل السيطرة على الطبيعة لكي نكون في النهاية — كما تقول عبارة ديكارت الشهيرة — سادةً عليها ومالكين لها.

أخيرًا فعلى الرغم من تعدد المصادر وتنوع المؤثرات التي ترددت أصداؤها في فلسفة بلوخ فقد امتزجت وشكلت نسقًا فلسفيًّا مستقلًّا له بناؤه الأنثروبولوجي والأنطولوجي. وعلينا الآن أن نمهد لهذا النسق ونبين أهم معالمه ومقولاته قبل أن نتناول كلًّا منها بالشرح والتفصيل.

ثالثًا: مدخل إلى فلسفة بلوخ ومفاهيمها الأساسية

قبل البدء في عرض فلسفة بلوخ يتعين طرح الأفكار والمقولات الأساسية التي تعد مفتاح فلسفته اليوتوبية ونسقها المفتوح، والتي يصعب فهمها قبل إلقاء الضوء عليها وتناولها بالشرح بالقدر الذي يجعلها واضحةً وميسورة الفهم حين يرد ذكرها في موضعها من هذا البحث. وينبغي التنويه في البداية أن مقولات بلوخ تختلف اختلافًا أساسيًّا عن المقولات التقليدية في التراث الفلسفي. إنها ترتبط بالأفكار الرئيسية في فلسفته الجدلية المتفتحة على الجديد، وبالوجود الذي لم يكتمل بعدُ، وبالنزوع الموضوعي — الكامن في الموضوع والذات على السواء — الذي تحاول الإمساك به وبلورته بطريقةٍ تصورية. وقد أدرك بلوخ أن المقولات التقليدية عاجزة عن أن تقول شيئًا عن عملية الصيرورة الشاملة، وأن المقولات التي تلائم فلسفته لا يمكن أن تكون سكونية ولا معتمدة على التجربة، ولا مجرد قوالب توضع فيها مادة هذه التجربة، وإنما يجب أن تكون مطابقة لتدفق الصيرورة الواقعية. ولذلك لا يُستغرب منه أن يؤكد باستمرار أن مقولات الصيرورة لا بد أن تكون هي نفسها في صيرورة، وأن الثابت الوحيد هو أنها تعبر عن العلاقات التي تربط الموجود بالماهية، وأنها تقوم في مجموعها على المقولة الأصيلة المعبرة عن العلاقة السابقة بين الوجود وبين الماهية في داخل الوجود الواقعي وفي داخل هذا العالم.

وأول ما نلاحظه عن المقولات هو أنها تحاول أن تدل على العلاقة بين «الموجود» الكائن بالفعل وبين «الممكن» الذي يسعى إليه هذا الموجود، أو بعبارةٍ أوضح أنها تشير إلى «النزوع» الكامن فيه نحو الوجود الذي لم يتحقق بعدُ، أو الوجود الذي ما يزال في طريقه إلى التحقق. ومع ذلك فإن انفتاح هذه المقولات على «ما سوف يصير» لا يعني أنها تنصب على الصيرورة المتدفقة فحسب، وإنما يعني أنها تنصب كذلك على الأشكال التي تبدعها هذه الصيرورة، أي أن نهر الصيرورة الجياش لا يصح — على حد تعبير بلوخ نفسه — أن يتجاهل «موانئ» المقولات التي ينبغي أن تحتويه عندما يرسو فيها.٧٢
والملاحظة الثانية التي ينبغي تأكيدها كذلك منذ البداية هي أن المقولات في فلسفة بلوخ لا تقتصر وظيفتها على التصور والمعرفة، وإنما تشارك بطريقةٍ خلاقة في تكوين أشكالٍ جديدة ومتجددة للوجود. فهي تبلور العناصر المادية البارزة من أحداث الصيرورة، ثم تقوم بعملية التوسط الجدلي بتحديد النزوع الموضوعي الكامن في هذه العناصر والهدف الذي تتجه إلى تحقيقه وتردها مرةً أخرى إلى عملية الصيرورة، وبذلك تتدخل بطريقةٍ تصورية في هذه العملية المتدفقة بحيث ترفع التضاد القائم بين الذات والموضوع وبين النظرية والتطبيق. ومعنى هذا أن المفهوم (أو التصور) ليس مجرد تصورٍ تأملي بعيد عن الموضوع، إذ يتقرر مضمون الصدق المحتوى فيه طبقًا للصلة التي تلائم بين الذات والموضوع وتربط بينهما كما يربط الجسر بين ضفتَي النهر. ﻓ «اللا» الكامنة في الموضوع والتي تعبر عن افتقاره إلى التحقيق وتدفعه إليه باستمرار، تؤدي إلى المواءمة بين مقاصد الذات ونوازع الموضوع، وبين الوظيفة اليوتوبية في الإنسان والنزوع الموضوعي في العالم، مع العلم بأن هذا التواؤم بينهما ليس أمرًا بسيطًا وبديهيًّا، لأنه يحتاج باستمرار إلى تدخل العامل الذاتي وتوجيهه، لأن تطور العالم وصيرورته محكومان بالوضع الطليعي للإنسان وقدرته على المعرفة الموضوعية الواقعية وعلى التدخل بطريقةٍ تصورية في توجيه تلك الصيرورة، وبعبارةٍ أخرى فإن «تجربة العالم» لا تستغني عن الإنسان الواعي والعارف الذي يقف موقف «الطليعة» من مسيرة العملية الكونية. وإذا كانت المقولات تتحدد في رأي بلوخ بالشروط التاريخية والاجتماعية فإنها لا ترد إليها تمامًا، لأنها لا تخرج في النهاية عن أن تكون محاولاتٍ مفتوحة ومستمرة لاستخلاص أشكال الوجود وأساليبه بصورةٍ موضوعية وواقعية.٧٣
هكذا تكوِّن المقولات عند بلوخ أحكامًا عامة عن العملية الكونية المفتوحة وعن اتجاهات نزوعها نحو المستقبل. وإذا كان الحديث هنا عن العام والعمومية، فليس ذلك بالمعنى المفهوم في نماذج التفكير الاستنباطي التقليدية التي تتحدث عن المفاهيم العقلية العامة والجزئيات الواقعية الخاصة التي تندرج تحتها أو تستبعد منها إذا كانت لا تدخل في قوالبها. ذلك لأن فلسفة بلوخ لا تتجاهل التغيرات التي تلحق بالخاص أو بالجزئيات الخاصة. ويلجأ بلوخ إلى فلسفة ليبنتز التي يرى أنها توضح العلاقة بين العام والخاص. فالعام عند هذا الأخير لا يقع «قبل» الجزئي أو الفردي الخاص ولا «خارجه» وإنما يكمن في داخله. ولا يوجد عند ليبنتز شيئان متشابهان ومختلفان من جهة العدد وحده، لأن الفردي عنده هو كذلك العام من الناحية المنطقية، أي أن كل الجزئيات الفردية أو المونادات مترابطة من حيث إنها تعكس الكون وتعبر عنه تعبيراتٍ مختلفة وغير متناهية، على نحو ما ينعكس الوجه الواحد انعكاساتٍ لا آخر لها في مرايا مختلفة، وكان التغيرات التي تطرأ على المونادات الفردية في جملتها ليست إلا لحظات من المجموع الكلي المتغير على الدوام.٧٤

إن المقولة هي حكم عام على الخاص، أو هي حكم على الخاص المتكثر كثرة لا نهائية من خلال العام المشترك، وهي — أي المقولات — تعبر على المستوى الفكري عن أعم التصورات العلاقية. وبذلك تعكس أعم أشكال الوجود المتحرك وأنحائه. وإذا كان من الممكن قيام علاقة بين الوجود والماهية، فإن هذه العلاقة نفسها هي المقولة الأساسية وسائر المقولات تفريعات لها. والمهم في هذا كله أن المقولة الأساسية هي التي تعبر عن العلاقة بين الوجود القائم الذي لم يكتمل، وبين الماهية أو الجوهر الذي سيتحقق أو في طريقه إلى التحقق في المستقبل. فما هي إذن طبيعة هذه المقولة؟ وماذا يعني بها بلوخ؟

(١) اﻟ «ليس-بعد» Not-yet

إن اﻟ «ليس-بعد» من أهم المقولات المحورية في فلسفة بلوخ. وإن كانت تنطوي على إشكالاتٍ أنطولوجية تصدم الفكر العادي وتحيره. وتتلخص هذه المقولة على المستوى الإنساني في هذه الصيغة: إننا لم نكن أو «لم نوجد بعدُ»، ولذلك «فسوف نكون أو نوجد». كما تتمثل على المستوى الطبيعي في أن العالم المادي «لم يكتمل بعدُ».

لقد تصور بلوخ أن مقولة اﻟ «ليس-بعد» لا تحتاج إلى برهان أو دليل لأننا جميعًا نشعر بهذا الذي لم يوجد بعدُ «شعورًا مباشرًا»، وكل ما يحتاج إليه هو أن نصفه، وإنه — كمبدأٍ فلسفي — يقيني يقين الكوجيتو الديكارتي، بحيث يمكن تسميته — على طريقة ديكارت — «بداهة ما ليس-بعدُ»، بل إن اﻟ «ليس-بعد» متضمن في الكوجيتو «الديكارتي» نفسه (أي الأنا موجود)، لأنه بداهةٌ إنسانية خالصة يضاف إليها الفكر والمعرفة فيما بعدُ.

هذه اﻟ «أنا موجود» تظل خرساء معتمة كالحجر حتى تتعلق بشيءٍ خارجي تملكه فتملك نفسها، وهذا الشيء الخارجي ليس إلا العالم الذي لا يزال معلقًا بين الوجود والملك، عندما أملكه أوجد، وعندما أوجد أملكه. (أي تتحقق عندئذٍ وحدة الذات والموضوع، ويزول الاغتراب الذي سبق أن ذكرناه بين الوجود والماهية) وقد عبر بلوخ عن هذا كله في هذه العبارة التي وضعها شعارًا لخواطره الأدبية والفلسفية التي جعل عنوانها «آثار»: «ما الأمر إذن؟ إنني كائن أو موجود، ولكني لا أملك نفسي بعدُ، ولهذا سوف نكون.» فالإنسان إذن كائن، وماهية العالم لن تتفتح إلا فيه ومن خلاله.٧٥

والواقع أن مشكلة هذه المقولة تكمن في هذه الكلمة الصغيرة «ليس-بعد»، إذ كيف يستطيع الفكر العادي أن يقبل وجود شيء لم يوجد بعدُ — أي لا وجود له من الناحية الأنطولوجية الدقيقة — في باطن الموجود نفسه حتى لو كان ذلك على سبيل الإمكان، غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في هذا السؤال البسيط: هل نفكر في الوجود من خلال المنطق التقليدي أم من خلال المنطق الجدلي؟ إننا لو فكرنا تفكيرًا جدليًّا لوجدنا أن المسألة أقدم مما نظن، فهي ترجع إلى فلسفة أفلاطون المتأخرة، وبخاصة في محاورتيه بروتاجوراس وبارمنيدس، حيث ناقش مشكلة احتواء الواحد على الكثير وخروج اللاوجود عن الوجود، كما يمكن أن نجد لها تأثيرًا على ميتافيزيقا ليبنتز وآرائه شبه الجدلية عن تحقيق إمكانٍ معين من إمكاناتٍ بديلة عديدة، ثم إنها ماثلة في شروح هيجل على مثلثه الجدلي الأول بمقولاته الثلاث عن الوجود والعدم والصيرورة.

ولكن هل حلت المشكلة بجعل المقولات جدلية؟ إن بلوخ يضيف ملمحًا جدليًّا جديدًا يضع فلسفته في إشكالاتٍ غير هينة. فهو يزعم أن ذلك الذي لم تتحقق شروط وجوده بصورةٍ كافية، موجود بالفعل على نحوٍ «ما». وفي كل معرفةٍ واعية إشارات أو دلالات على معرفةٍ أخرى لم يستوعبها الوعي بعدُ، ولكن يمكنها في المستقبل أن ترتفع إلى مستوى الوعي، وكأننا نملك هذه المعرفة الأخيرة بالفعل وإن لم يتم استيعابها بصورةٍ واعية. ويتمثل الإشكال هنا في أن ثمة — من ناحية الموضوع — وجودًا لم يوجد بعدُ تتجه إليه هذه المعرفة الأخيرة أو تستشعره، وإن لم يتسنَّ لها في الحقيقة أن تعرف عنه شيئًا بعدُ.

ويمكن على سبيل المحاولة توضيح هذا الإشكال بالقول إن الموجود القريب منا قربًا مباشرًا — سواء على مستوى العالم المادي الواقعي أو على المستوى الباطني والوجداني — يتصف بأنه معتم ومستعصٍ على المعرفة و«اللا» الكامنة فيه لا تصبر على حالة الافتقار والنقص، ولذلك نجد فيه الدافع الذي يحفزه على التعلق بشيءٍ ما والوصول بهذا الشيء إلى ماهيته، وبهذا يمكن التفكير فيه والحمل عليه، أي وصفه بمحمولٍ معين، والعلاقة بين «اللا-موجود» و«الموجود-هناك» هي نوع من التوسط بين الموجود القائم وبين ماهيته الممكنة، بمعنى أن هذه العلاقة تقوم على حضورٍ متميز للماهية.٧٦

مهما يكن من شيء فسوف نتعرض لشرح المقولات بالتفصيل فيما بعدُ، ويكفي الآن القول بأن كتاب «مبدأ الأمل» منجمٌ زاخر بمحاولات بلوخ وتجاربه التي لا تنتهي لإثبات الوجود الفعلي لأحلام وأفكار واستشعارات تموج بها أشكال الوعي ومضامينه التي لا نهاية لها أيضا. ولذلك نراه ينطلق كالنحلة الدءوب ليلتقط أشكال الرغبة والشوق والحلم والتوقع والخيال والدوافع التي حركت وعي البشر في شتى الظروف والعصور والديانات والحضارات، محاولًا أن يجد لها تفسيرًا أنطولوجيا تقوم على أساسه، وأن يشرحها على ضوء العالم الأفضل الذي وجه تلك الأحلام والأشواق للتعبير عنه والسعي إلى بيان معالمه. وقد كان هدفه من كل هذه المحاولات هو أن يثبت وجود تلك المعرفة التي لم تصل إلى درجة الوعي، وأن يبحث عن أمثلتها ونماذجها التاريخية مؤكدًا بذلك أن للتفكير «اليوتوبي» مضامينه الواقعية، وأن توقع ما لم يوجد بعدُ كان عاملًا أنطولوجيًّا وأنثروبولوجيًّا حاسمًا في توجيه مسيرة المادة والإنسان على السواء نحو الهوية المبتغاة على مستوى العقل والخيال. وعلى مستوى الوجود والماهية.

وينبغي أن تُفهم الهوية هنا بطريقةٍ مختلفة عن طريقة فهم مبدأ الهوية في المنطق التقليدي أو الصوري. فليس المقصود بالهوية أن يصبح الذات والموضوع في هوية مع نفسهما من نفس الجهة، وعلى النحو الذي يوجدان عليه، وإنما المقصود أنهما يتغيران تغيرًا مستمرًّا، وكل ما يمكن فعله والتفكير فيه هو محاولة تحقيق الهوية بينهما والتوحيد بين الوجود والماهية. وبعبارةٍ أوضح فإن مبدأ الهوية يجب أن يفهم جدليًّا على أنه يحيل إلى هوية ستتحقق في المستقبل، أي إلى الأفق الذي يصبح فيه تحقيق الهوية في آخر المطاف أمرًا ممكنًا، وتتم فيه — بصورة يوتوبية واقعية — علاقة الوجود بالماهية.

لقد قدم بلوخ فينومينولوجيا ﻟ «ليس-بعد» تماثل فينومينولوجيا الروح لهيجل. وإذا كانت هذه الأخيرة تدور في الحاضر الأبدي، فإن فينومينولوجيا بلوخ تدور في الواقع الفعلي، أي في اﻟ «ليس-بعد» الموجود في جذور الواقع الفعلي الممتد إلى المستقبل.

(٢) الإمكان Possibility

سبق القول إن فلسفة بلوخ نسقٌ مفتوح على المستقبل، ومع ذلك فإنه لم يتجاهل الماضي ولم يهمل الحاضر، بل رأى أن الماضي يحتوي على إرثٍ ثقافي من الممكن الأخذ ببعض جوانبه. هذا الإرث الآتي من الماضي ينطوي على أمل لا تفتر طاقته، كما أن الفكر الماضي الذي نتصور عادة أنه قد مضى وذهب إلى غير عودة، هو في الحقيقة فكر لم يكتمل، وعلى كل عصر أن يكتشف ويطور ما فيه من إمكانات لم تتحقق بعدُ. وقد أخذ بلوخ من الموروث الثقافي مفهوم أرسطو عن الأنتيليخيا٧٧ وأسس عليه نظرية عن مقولة الإمكان، وهي إحدى مقولاته الهامة، بل هي ركيزةٌ أساسية في فلسفته اليوتوبية.
وينتقد بلوخ النظريات التقليدية في المعرفة كنظرية التصور (عند الواقعيين) التي تقول بأن الحكم صورةٌ مطابقة للواقع، أو نظرية الإنتاج التي تقول بأن الحكم إنتاجٌ خالص للعقل البشري، ويرى أن النظريتين تتداخلان وتتفاعل كلٌّ منهما مع الأخرى بحيث تتمخض عن تفاعلهما نظريةٌ مادية وتاريخية يمكن وصفها بأنها نظرية التقدم المتصل، هذا التقدم هو الذي يستعين به الإنسان الذي يقف في طليعة المستقبل أو المتجه إلى الأمام، ويتعرف على الشروط الضرورية لإمكان هذا التوجه، ويوائم بين الفكر الجدلي المتقدم للأمام وبين النزوع الكامن في العالم نحو إنتاج أشكالٍ جديدة وأنحاءٍ متجددة للوجود.٧٨
ومن الطبيعي أن تكون تصورات هذا الفكر الجدلي (أو مفاهيمه) مختلفة عن تصورات المنطق التقليدي وألا تخضع في تكوينها لقواعده وقوانينه. وما دام الوجود في حركةٍ مستمرة فلا بد أن تكون الأحكام العامة عن أسلوب الوجود متحركة كذلك، ولا بد من البحث عن التصورات (أو المفاهيم) وهي في حالة النشوء والتكون. بذلك يتغير التسلسل التقليدي الذي يسير من التصور إلى الحكم إلى النتيجة، إلى تسلسلٍ آخرَ مرن يبدأ من الشيء في حالة الإمساك به بغير تحديد (وهو ما يسميه بالكلمة الألمانية Ergriff) ليسير إلى الحكم فالتصور — أو المفهوم Begriff — فالنتيجة، ومن ثم يكون ذلك الشيء غير المحدد سابقًا للحكم، أي يكون مرحلةً سابقة وممهدة للموضوع الذي نتصوره ونحدده بإسناد المحمول إليه، أي أن الشيء غير المحدد الذي نبدأ منه يفترض أنه متضمن في الموضوع، ثم يأتي الحكم فيحدده ويجعل منه تصورًا (أو مفهومًا) عن طريق الحمل، وهذا التحديد حكم يربط الموضوع الذي نسعى لتحديده بالمحمول الذي يحدده.٧٩
ومقولة الإمكان كمقولةٍ معرفية لها طبقات أو مستوياتٌ متعددة تعكس درجات المعرفة. فالعالم الطبيعي ينطوي على إمكاناتٍ هائلة ما زالت في حالة كمون، وعلى الإنسان أن يفجر هذه الإمكانات. ويفرق بلوخ هنا بين الممكن الواقعي والممكن الموضوعي، فالممكن الواقعي هو الممكن الذي لم تكتمل شروطه لكي يصبح ممكنًا موضوعيًّا. أما الممكن الموضوعي فهو الذي تتوافر معرفة شروطه، وهو الممكن المتوقع بشكلٍ علمي، وكلاهما لا يكتمل بدون الآخر، لأن الواقع لم يتحدد بعدُ بشكل كامل، بل يتضمن إمكانياتٍ مفتوحة في شكل صيرورةٍ متجددة دائمًا؛ مما يدل على أن الواقع الفعلي لا يرفض اليوتوبيا.٨٠

(٣) ما قبل الظهور pre-appearance

يرى بلوخ أن الخيال، أو المخيلة الخلاقة، وسيلةٌ معرفية لرسم المستقبل. لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يتناول الأعمال الفنية على اختلاف ألوانها وأشكالها، وإن يفتش عن نماذجه الحية بين الأساطير والحكايات والأشعار وغيرها من صور المخيلة التي تجسد ما لم يوجد بعدُ أو توحي به. بذلك جعل للفن وكل أشكال الرموز والاستعارة والتشبيه والأسطورة … إلخ مرتبةً أنطولوجيةً رفيعة، فهي تضيف إلى العالم الواقعي معاني ودلالات تشارك في تكوينه وتوجيهه، بقدر ما تعبر عنه وتعكس مضامينه بطريقتها التصورية والموضوعية.٨١

هكذا نجد أن المقولة «الأنطولوجية» المتعلقة بما لم يوجد بعدُ، تناظرها مقولةٌ «وجدانية» في الوعي والشعور. وقد أطلق بلوخ على هذه المقولة تسمية تصعب ترجمتها وإن كان يمكن أن نطلق عليها اسم «ما قبل-الظهور» فكل الأعمال الفنية الكبيرة (كالهرم الأكبر أو لحن الهاليلويا لهيندل …) تدل بوجودها نفسه في عالمنا الأرضي دلالةً مسبقة على وجودٍ آخر لم يتم ولم يستوعبه الوعي بعدُ (على الخلود وراء الموت في الحالة الأولى وعلى مملكة الرب في الحالة الثانية، وكلاهما في الحقيقة «شفرة» لها دلالتها على النعيم المأمول والسعادة المرتقبة). وفي هذا دليل على أن الفن والدين يتخطيان الحاجز الذي يفصل الإنسان عما لم يتحقق في الوعي، فهما (أي الدين والفن) مظهران سابقان للمتحقق أو هما بمثابة الفجر الذي يبشر ببزوغ الصباح.

ومن الواضح أن كلمة «الظهور» أو المظهر في تسمية هذه المقولة لا توحي بالمعنى الجمالي أو الأخلاقي الذي انحدر إلينا من التراث الأفلاطوني، وجعل المظهر الحسي هو الوجه الفاسد والزائف المقابل للحقيقة الخالدة الصادقة، كما أنها بعيدة عن المعنى الذي جعل بعض الحسيين والظاهريين يؤكدون أن الموجود ليس إلا مجموع مظاهره، أو الذي أغرى بعض علماء النفس الاجتماعي والحضاري وفلاسفة الوجود بالتفرقة بين أن «نكون» وأن «نظهر» أي بين الوجود الذاتي الأصيل والوجود الزائف مثل إريك فروم وهيدجر.٨٢
فالواقع أن «الظهور» — من جهة الفعل اليوناني الأصلي المرتبط بالنور وما يظهره phaino — لا يعني أكثر من التجلي بعد الخفاء، بحيث يخرج الموجود من ظلام اللامعروف وغير المدرك ويبدو أمام العين فنقول إنه «ظهر»، وليس هناك ما يدعو لوضع المظهر في مقابل الحقيقة، ما دام أن الحق نفسه (ومن لفظه اليوناني الأصلي وهي أليثيا Aletheia) يعني المتجلي في النور بعد الاحتجاب والتخفي (أو هذا على الأقل هو تفسير هيدجر لهذه الكلمة) وليس المهم أن نقول إن الكائن أو الموجود هو ما يظهر، وإنما المهم أن نعرف كيف يظهر. بذلك لا يكون المظهر سلبًا لحقيقته، بل كيفية ظهوره لنا، سواء تبين بعد ذلك أنه ظهر في حقيقته أو في مظهرٍ خداع، لأن الحق والخداع هما أنفسهما من أساليب الظهور أمام الوعي المدرك.٨٣
وينطوي تعبير «ما قبل الظهور» على معنى الظهور أمام الوعي، ولكن الأهم من ذلك هو الوظيفة الزمنية التي تتضمنها كلمة «قبل». وبيان هذا أن ظهور الشيء يفترض الذات التي ينعكس عليها، كما يفترض المسافة الزمنية التي تفرق الظهور الحقيقي (الذي يقابله واقعٌ فعلي أو ممكن) عن الظهور الزائف (الذي هو مجرد وهمٍ خادع أو سراب)، وربما عجزنا في البداية عن التحديد والقطع برأيٍ أكيد، ولكن ربما استطعنا أن نعمل على أن يكتسب «المظهر» في المستقبل حقيقة ويتحول إلى واقع. فالذي يظهر لنا كعملٍ فني أو أسطورة أو حكاية … إلخ له واقعيته من حيث دلالته على معاني نختبرها في أنفسنا، أو يمكن أن نختبرها، والذي يظهر لنا من أعمال الفن يوقظ جوانبَ شعورية وجمالية ومعرفية لم يتم لنا الوعي بها، كما يؤكد لنا وجود إمكانٍ معين — داخل عالم الممكنات اللانهائي — يمكن أن يصبح وجودًا فعليًّا في المستقبل. وهكذا يعمل المغزل الأبدي الذي ينسج ثوب العالم — على حد التعبير المشهور لجوته في «فاوست» — متأرجحًا بين واقعٍ ناقص ووعيٍ خلاق حتى يتحقق ما لم يوجد بعدُ.٨٤

ولولا العامل الذاتي لاستحال تغيير العالم أو تغيير الواقع على أساس الخطط والأهداف والمحاولة والخطأ، ولولاه لسقط العالم أو الواقع صريع الصدفة والعرضية. والفن هو الشاهد الحي على هذه الوحدة التي تؤلف بين الذات والموضوع؛ إذ «تموضع» الذات نفسها في مواقف وأشكال وأفعال، كما يصبح الموضوع ذاتيًّا بفضل الخيال الخلاق (سواء في الحزن أو الفرح أو التعبير عنهما)، وفي هذه الوحدة التي يتلاحمان فيها يتجلى لنا العمل الفني الكامل أو المتكامل الذي «يظهرنا» على الأفق الجدلي الشاسع لعملية الإبداع الفني التي يكتسي فيها ثوبه الجمالي الذي يظهر به أمامنا، كما يدل على إمكاناتٍ أخرى كامنة يمكن أن تظهر في المستقبل (بصورةٍ مختلفة كل الاختلاف عن ظهور المعطى الحسي المباشر أو الحدث التاريخي أو الموجود الطبيعي) وهو بهذا لا يحدد المستقبل بقدر ما يدل على الأفق اليوتوبي الذي يمكن — بإرادة البشر وتصميمهم ورغبتهم وإبداعهم — أن يتحقق فيه على مستوى الوجود والوعي على السواء.

بهذا المعنى يمكننا أن نبرر وصفنا للعمل الفني بأنه عالمٌ كليٌّ متكامل، ارتفع فيه الواقعي العارض إلى صعيد الضرورة، ودلَّ فيه الخاص على العام، ولو تأملنا بعض الأعمال الخالدة في الفنون المختلفة والعصور المتتابعة (مثل الأهرام في مصر، ومعابد البانثيون في روما، والأكربوليس الأثيني، أو كوميديا دانتي الإلهية، أو هاملت شكسبير، وموناليزا دافنشي، أو عذراء جوتو … إلخ) لاقتنعنا بأن الجمال وجودٌ كامل في ذاته، وأن العمل الفني الذي يتحقق فيه الكمال يقف وسط الموجودات الأخرى وقفة «الموجود الكامل»، كما يدلنا دلالةً مسبقة على الوجود الإنساني الذي يمكن أن يحقق وحدته أو هويته مع ذاته. وبهذا المعنى أيضًا تصدق عليه الكلمة التي تعذر علينا إيجاد المقابل العربي الواضح لها، وهي «ما قبل-الظهور» التي نرجو أن يكون الشرح السابق قد بين دلالتها «اليوتوبية» على إمكان تحول الواقع المعيش — بكل شروره ونواقصه واغترابه — إلى يوتوبيا تجسد الأمل الدائم في تحقيق الهوية والكمال والحرية.

(٤) الأمل Hope

ينطلق بلوخ من السمة الجوهرية للحاضر وهي عدم الاكتمال والقلق الذي يميزه ويطلق على كل ما هو مدفوع للأمام وكامن في كل لحظة اسم «الأمل». ولكنه ليس بالأمل الذي يقتصر على مجرد التمني والرجاء، بل الأمل الذي يؤكد وجود الإنسان الذي «لم يتحقق بعدُ» ويثبت افتقاره المستمر إلى أن يملك ذاته وهويته ويتغلب على اغترابه، وهو ينبع من خطةٍ مدروسة ترتبط بالمعرفة الدقيقة بالواقع وتستهدف الممكن الأفضل الوشيك التحقق. هذا الأمل المدرك بشكلٍ عيني وعملي هو عماد هذه الفلسفة الطموحة المتفائلة. وهو يقف في «الطليعة» من تقدم العالم بوصفه مادةً مفتوحة على وجودٍ يوتوبيٍّ ممكن. ثم إنه هو المبدأ النسقي اليوتوبي الذي يقصده بلوخ للكشف عن حقيقة التاريخ الذي يتجه نحو المستقبل وإطلاق ما فيه من إمكاناتٍ كامنة لم تظهر بعدُ.

وعلى الرغم من معرفة بلوخ بأن الأمل في مجتمعٍ إنسانيٍّ أفضلَ يمكن دائمًا أن يصدم ويصاب بالإحباط، إلا أنه لم يفقد الأمل أبدًا ولم يعتبر أن خيبة الأمل مرادفة لليأس: «إن الغد يحيا في اليوم، والناس تتطلع إليه على الدوام. لقد اختلفت الوجوه التي اتجهت ناحية اليوتوبيا من عصر إلى عصر، كما اختلفت آراء أصحابها في تفاصيل هذه اليوتوبيا. ولكن الاتجاه نفسه والغاية منه لم يتغيرا. إنهما الثابت الوحيد الذي لم يتغير خلال التاريخ وإن اختلفت الصور المعبرة عنه. فالسعادة والحرية وعدم الاغتراب، والعصر الذهبي والأرض التي يسيل منها اللبن والعسل، والأنثى الخالدة في فاوست، وصوت البوق الذي يعلن عن بعثٍ جديد في نهاية أوبرا «فيديليو» Fidelio لبتهوفن … إلخ؛ كل هذه شواهد وصورٌ مختلفة تدور حول شيءٍ واحد ينطق وإن كان لا يزال صامتًا.»٨٥

أخيرًا يمكن القول إن الأمل عند بلوخ هو اليوتوبيا، وإن مبدأ الأمل هو مبدأٌ يوتوبي، وهو المبدأ الوحيد الذي يعتقد بلوخ أنه يتحكم في كل التغيرات. ومع اختلاف صور التعبير عنه من مرحلةٍ تاريخية إلى أخرى، فإنه يظل في رأيه مبدأً واحدًا يسميه بلوخ بأسماء عديدة مثل الجديد، الأقصى، الكل اليوتوبي، الماهية، وهو في النهاية الوطن. وإذا كان الأمل عنده يدور في فلك الماركسية، فإنها ماركسية يجب النظر إليها نظرةً خاصة مختلفة عن الفلسفة الماركسية الرسمية، أو تلك التي تحولت أثناء تطبيقها في التاريخ والواقع إلى فلسفةٍ رسمية. وهذه الماركسية التي يدور الأمل في فلكها متحركة وليست ثابتة ولا تنتهي عند هدفٍ محدد. إنها مفتوحة على آفاق الممكن اللانهائي؛ لذلك نجد مقولاتٍ أخرى مثل الأمام والأقصى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمقولة الأمل وتندفع معه نحو مستقبلٍ مفتوح.

(٥) الأمام Front

يسير العالم في عمليةٍ جدلية يضع لها بلوخ ثلاث مقولات: الأمام والجديد والأقصى. وهذه المقولات مرتبطة ﺑ «اللا» واﻟ «ليس-بعد» ارتباطها بأساس العملية الجدلية (الصيرورة) وقوامها وهي المادة. فاللا — التي تمثل الاحتياج والافتقار والقوة الدافعة في داخل الآن — هي التي تمثل «الأمام». واﻟ «ليس-بعد» — وهي زمانية بطبيعتها وتعبر عن المستقبل الذي ينمو ويتبرعم ثم يزدهر في التاريخ — تتمثل دائمًا في «الجديد» الذي يمكن أن يتفتح في المستقبل ويتجه إلى «الأقصى» الذي هو غاية العملية الجدلية.

والأمام هو ذلك الجزء المتقدم من الزمان الذي سيحسم فيه المستقبل، والذي نحيا فيه ونعمل. ولهذا فإن الأمام يقع دائمًا في الآن، وبتعبيرٍ أدق في «آن-اللا» التي تتميز دائمًا بالخروج من نفسها والاندفاع إلى الأمام، بحكم ما فيها من نقص أو افتقار واحتياج وجوع. ومع أن «اللا» المتعلقة «بالأمام» تكمن دائمًا في اللحظة المعيشة المباشرة، أي في اللحظة المعتمة أو المظلمة التي لم تبلغ مستوى اللحظة المجربة، ومع أن هذه «اللا» لا تملك ذاتها بعدُ، وأن الوجود أو الكينونة التي تنطوي عليها ونعبر عنها بفعل «أكون» أو «يكون» لم يملك ذاته أو أساس وجوده بعدُ، فإن هذه اللحظة المعيشة تظل على علاقة بالجديد، لأنها هي الموضع الوحيد الذي يمكن أن نجد فيه «اللحظة المواتية» التي تفرض علينا أن نغتنمها ونحسم فيها موقفنا واختيارنا، ولا ندعها تفلت منا لأنها قد تفلت إلى الأبد فنتحسر عليها إلى الأبد. وكل لحظة يعيشها الإنسان تحت الشعار المعروف «استمتع بيومك Carpe diem» هي في الواقع لحظة أو «آن» يتسم ﺑ «اللاتملك»، ويمكن أن تكون هي موضع التوسط «الجدلي» نحو «الأمام» وبخاصة في فترات التحول الحاسمة، هذه الفترات التي نشعر فيها بأن الأمور لا يمكن أن تستمر على الصورة المعتادة، كما نحس أن الحالة الحاضرة تؤذن بحالةٍ أخرى قادمة، وأن الوجود الآني هو المعبر إلى هذه الحالة التي تنقلنا إلى الأمام.٨٦

(٦) الجديد Novum

أما «الجديد» فهو المضمون المتجدد على الدوام للمستقبل من خلال الإمكان الواقعي، وهو ما يوجد في الوعي ثم ينتزعه الإنسان من المستقبل بإرادته وبما يريد أن يكون، أي «من خلال اتحاد الشجاعة والمعرفة، فالمستقبل لا يأتي بنفسه للإنسان ولا يهبط عليه هبوط القدر.»٨٧ هذا الجديد هو الذي يتأسس على الإمكان الواقعي لما لم يتم الوعي به بعدُ، وما لم يصر بعدُ، وهو الذي يعد بمستقبلٍ حقيقي لم يسبق وجوده من قبلُ، بشرط أن يلقي الضوء الكافي على شروطه النظرية والعملية، وتتوارى شروطه غير الكافية أو المظلمة. والجديد الواعد بالخير لا يكون جديدًا جدةً مطلقة، إذ سبقته تشكلاتٌ تاريخية وأحلام، فلا بد أن يكون قد تمثل في الماضي على هيئة حلم أو تكون أشكاله المثمرة قد تفتحت خلال التاريخ السابق، وليس المقصود بالماضي هنا تقديس القديم أو «تصنيم» التاريخ بالمعنى الذي يقصده المروجون لأسطورة الأصول والمنابع الأولى وأصحاب النزعة التاريخية الذين يتعبدون أصنام التاريخ. وإنما المقصود هو الماضي بمعناه المستقبلي الحي، كما يتمثل في الأعمال المبدعة التي تتخطى زمانها وتبدو في كل عصرٍ لاحق في صورةٍ جديدة تكملها وتلقي المزيد من الضوء على روعتها. والواقع أن هذا هو المعيار الحقيقي والعنصر الأساسي المكون لكل ما يستحق أن يسمى بالميراث الحضاري، ففيه يولد القديم من روح الجديد الكامن فيه، وتكون العودة إليه دائمًا عودةً منتجة وواعدة بشيءٍ جديد في مستقبلٍ جديد، وكأن الماضي الحقيقي سفينة تندفع بكل ما عليها من أحمالٍ أصيلة نحو الشاطئ الذهبي لأرض اليوتوبيا. وبمقولتَيْ «الأمام» و«الجديد» السابقتَين يعارض بلوخ كل الفلسفات التي لا تأتي بجديد، والفلسفات التي تضع التقدم في شكلٍ دائري، كما يعارض بهما أيضًا النزعة الحيوية عند برجسون والمعرفة التي تقوم على التذكر من أفلاطون إلى هيجل، لأن كل هذه الفلسفات تخلو في رأيه من الجديد.٨٨

(٧) الأقصى Ultimum

وينطوي مفهوم «الجديد» على مفهوم «الأقصى» أو النهائي الأخير، وإن جرد بلوخ هذا الأخير من معانيه الأخروية المتعالية٨٩ وجعله جزءًا لا يتجزأ من المنظور المستقبلي الذي تتجه إليه عملية الصيرورة الجدلية الهائلة التي تجرف الوجود والموجود على السواء ولا تتوقف أبدًا عند الماضي، بل تفهمه فهمًا مستقبليًّا، وتتجه نحوه مدفوعة بالقصد «الذاتي» والنزوع «الموضوعي» اللذين يمثلان جناحَي الإمكان الكامن في الصيرورة نفسها. هذه الصيرورة التي يمكن أن تنتهي إلى العدم أو إلى الجحيم كما حدث مرارًا في الكوارث التاريخية، أو إلى «الكل» أو النعيم في صورها الدينية والفنية المختلفة. والمهم هو أن تؤدي هذه الصيرورة «للجديد» التاريخي، أي للبعد الذي يجد فيه «الأمل الفعال» مجاله وتربته الخصبة، وأن يمتلئ عالم الصيرورة بالاستعداد والنزوع لإظهار شيء يمكن أن نسميه «الجديد» الحاسم الذي سبقه أكثر من جديد على الطريق إلى ما يمكن أن نسميه «الكل اليوتوبي» أو ماهية الوجود وأساسه.

لقد كاد الحدث اليوتوبي الهائل — الذي لا يزال يتم في العالم — أن يبقى بلا ضوء يسلط عليه. وها هو ذا الرحالة الحالم يندفع بكل ما لديه من طاقة وما ادخر من زاد المعرفة ليجوب أرجاء الأرض المجهولة من أقصاها إلى أقصاها، لا ليحدد خطوط العرض والطول، بل ليتحسس أبرز المعالم ويرسم لها لوحاتٍ غنية بالألوان والدلالات التي تدخل في إطار النسق المرن المفتوح، وتسري فيها الأفكار المحورية التي تلخصها كلماتٌ مثل التوقع، والأمل، والقصد والإمكان الذي لم يتحقق بعدُ.

لا بد في نهاية هذا الفصل من التنويه بأن هذه المقولات لم يعرفها بلوخ بشكلٍ مستقل وتفصيلي، باستثناء مقولتي اﻟ «ليس-بعد» و«الإمكان». وقد تناول الأولى في إطار البناء الأنثروبولوجي لفلسفة الأمل الذي يقوم على مقولة اﻟ «ليس-بعد»، وتتبعها منذ نشأتها الأولى في الوعي الذاتي حتى تطورها واشتقاق البناء الأنطولوجي منها، وهو البناء الذي يقوم على مقولة الإمكان. وقد خصص بلوخ لهذه الأخيرة فصلًا مستقلًّا في «مبدأ الأمل» وشرحها شرحًا مستفيضًا، وتناول أبعادها القديمة والحديثة، وقسمها تقسيماتٍ دقيقة. أما باقي المقولات فلم يتناولها بمثل هذا التفصيل، على الرغم من استخدامه لها في كل صفحات «مبدأ الأمل» بطريقة تكشف عن أن هذه المقولات ما هي إلا توابع للمقولتَين الأساسيتَين، أو بمعنًى آخر أنها — أي المقولات — هي الهدف الذي تتجه إليه هاتان المقولتان، لأن ما لم يوجد في الوعي أو الذات البشرية، وما لم يتحقق بعدُ من إمكاناتٍ كامنة وقابلة للتطور في الواقع المادي لا بد أن يسكن في «الأمام» — بالمعنى الآني الذي تم التعريف به — وأن يتجسد في «الجديد» المقبل والقابع في المستقبل، وأن تكون المادة في الوعاء الذي يحوي كل هذه الإمكانات ويضمن تحقيقها، وأن يتجه كل هذا ناحية الأقصى أو الهدف النهائي للأمل وهو «الكل اليوتوبي».

ولا يمكن أيضًا حصر عدد المقولات التي تضمنها نسق بلوخ الفلسفي على النحو الدقيق الذي نجده عند فلاسفة مثل أرسطو أو كانط أو هيجل أو غيرهم. فباستثناء مقولتي اﻟ «ليس-بعد» و«الإمكان» لم يقدم دراسةً منهجية دقيقة عن باقي المقولات، ولم يحصر عددها، ولذلك توجد اختلافات كثيرة بين الباحثين حول هذه المقولات سواء في عددها أو أسمائها.

وأخيرًا لا بد من التنويه إلى أنه لا يمكننا أن نتفهم مقولات بلوخ إلا إذا تصورناها متعلقة بالوجود في حالة الصيرورة، وفي هذه الحالة وحدها — أي في حالة تعلقها بالوجود الواقعي المتحول — يمكن أن تعبر عن نماذجَ موضوعية، وذلك بانخراطها في خضم العملية الجدلية التي تتكون فيها أشكال الوجود، وبتقدمها عليها. وهي لا تكتفي في بحثها عن هذه الأشكال الموضوعية بأن تعبر عن شيء أو تعكسه، وإنما تقوم كذلك بتكوين أو تشكيل نفسها بصفةٍ مستمرة كأشكالٍ موضوعية لعالم الصيرورة التاريخية في مجموعها المتكامل. بهذا المعنى وحده يمكن أن نتلافى سوء الفهم الذي يمكن أن نقع فيه عندما نتصور أن المقولات أشكالٌ ثابتة أو ساكنة، فكلما فهمناها فهمًا جدليًّا أمكننا كذلك أن نتصور غناها بالمضمون وقدرتها على أن تقول لنا الشيء الكثير عن نفسها وعن الوجود المتحرك نحو الجديد اليوتوبي.

١  Kellner, Dougals, in: Thinkers of the Twentieth century London, Macmillan, (1983. p. 71) (Article: Bloch).
٢  Rosa luxemberg: عرفت باسم شهيدة الاشتراكية — إذ اغتيلت في الخامس عشر من شهر يناير سنة ١٩١٩م — ولم تتخلَّ طوال حياتها القصيرة عن إيمانها بإمكان قيام الثورة الاشتراكية وضرورتها، ولا عن اقتناعها بأن النشاط العلمي — وقد تمثل عندها في نقد الاقتصاد الرأسمالي — هو الشرط الأساسي لممارسة النشاط السياسي. ولدت سنة ١٨٧١م في زاموش في بولندا في عائلةٍ يهوديةٍ ثرية من تجار الأخشاب، وقتلت سنة ١٩١٩م في برلين، ولذلك بقي نشاطها السياسي والعلمي مزدوجًا باللغتين البولندية والألمانية. درست القانون في زيوريخ وحصلت على الدكتوراه برسالة عن التطور الصناعي في بولندا عام ١٨٩٧م. ثم استقرت في ألمانيا وشاركت في الصحافة الاشتراكية بمناقشتها الحادة لآراء إدوارد بيرنشتين الذي اتهمته بالرجعية لمطالبته بالإصلاح الاجتماعي بدلًا من الثورة الحاسمة التي لم تتوقف عن دعوة الطبقة العمالية الكادحة للوعي العلمي بها قبل الكفاح الثوري لتحقيقها، مستفيدة في ذلك من مشاركتها في الثورة الروسية الأولى (١٩٠٦م). ولما شعرت بنذر الحرب العالمية الأولى أخذت تدعو الجماهير وتحشد صفوف اليساريين لمقاومتها؛ مما جعل العسكرية الألمانية تعتقلها عدة سنوات (من ١٩١٥ إلى ١٩١٨م). رحبت بقيام ثورة أكتوبر الروسية بكتاب بهذا العنوان — لم ينشر إلا عام ١٩٢٢م بعد وفاتها — ووجهت فيه الانتقادات إليها بسبب الحجر على حرية الرأي، لأن الحرية — على حد قولها في هذا الكتاب (أي الثورة الروسية) — «هي على الدوام حرية التفكير الآخر.» ولأن تحقيق الاشتراكية والدفاع عنها يحتاج إلى إطلاق كل القوى والطاقات والتعبير عن كل المواقف، حتى مواقف المخالفين والمنشقين التي يمكن مواجهتها وتجاوزها عن طريق الحوار الحر. شاركت في أواخر سنة ١٩١٨م وأوائل سنة ١٩١٩م في تأسيس الحزب الشيوعي الألماني، واغتيلت في الخامس عشر من شهر يناير بعد سحق الثورة التي اشتعلت في نفس الشهر. من أهم مؤلفاتها: «المشاكل التنظيمية للديمقراطية الاشتراكية الروسية» وقد ضمنته نقدها لنظرية الحزب أو التنظيم عند لينين، «الإضراب الجماهيري والحزب والنقابات»، «تراكم رأس المال، مساهمة في التفسير الاقتصادي للاستعمار» ويعد كتابها الأساسي (Metzler Philosophen-Lexikon. Stuttgart, 1989. S. 106-107).
٣  Markun, Silvia: Ernst Bloch in Selbtzeugnissen und Bilddkumenten Dargestellt von. S. M. Hamburg, Rowohlt, 1977 S. 12-13.
٤  Neville and Stephen Plaice, Paul Knight: in principle of Hope, Translators introduction. Oxford Basil Blackwell. 1986 p. XX.
٥  Neville plaice and Others: Ibid: p. XXI.
٦  القبالة Cabbala: هي علم التأويلات الباطنية والصوفية عند اليهود، والاسم مشتق من كلمةٍ عبرية تعني «قبول» أو «التقبل» أو ما تلقَّاه المرء عن السلف. وكان يقصد بالكلمة التراث الشفوي لليهودية فيما يعرف باسم الشريعة الشفوية، ثم أصبحت من أواخر القرن الثاني عشر الميلادي تعني الأشكال المتطورة للتصوف و«العلم الحاخامي» في اليهودية. وقد أطلق العارفون بأسرار القبالة على أنفسهم لقب «العارفين بالفيض الرباني» لاستنادهم إلى تفسيرٍ أفلاطونيٍّ محدث وغنوصي يفترض أنه يفضي إلى معرفةٍ غنوصية؛ أي معرفةٍ باطنية بأسرار الكون وبنصوص العهد القديم، فضلًا عن ادعائهم فهم الجزء الباطن من التوراة الشفوية التي كان يشار إليها هي ذاتها بالقبالة. وقد استوعبت القبالة عناصرَ كثيرة من التراث الشعبي والتفكير الأسطوري في اليهودية. ويُعرِّف جرشوم سولم — أحد علماء التصوف اليهود — القبالة بأنها صوفية بمقدار محاولتها فهم طبيعة الله من خلال التأمل والمعرفة الإشراقية، التي تأخذ شكل معرفةٍ كونية، وأنها لا تفهم الصوفية بمعنى ذوبان الذات الإنسانية في الذات الإلهية ولكن بالمعنى الثيوصوفي أي بمعرفة الله عن طريق الكشف الصوفي أو التأمل الفلسفي أو كليهما (د. عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تصنيفي وتفسيري جديد. مادة القبالة. تحت الطبع).
٧  تتألف «مدرسة فرانكفورت» من مجموعة من الفلاسفة وعلماء الاجتماع اليساريين. بدأت نشاطها في أوائل الثلاثينيات من هذا القرن، وأسسها ماكس هوركهيمر (١٨٩٥–١٩٧٣م) وقد اكتسبت اسمها من مدينة فرانكفورت (على نهر الماين) التي أقاموا فيها معهدهم الشهير «معهد البحوث الاجتماعية» قبل هجرتهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية في فترة الحكم النازي ثم عودتهم إلى نفس المدينة الألمانية مرةً أخرى عام ١٩٥١م (انظر: عبد الغفار مكاوي: النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، تمهيد وتعقيب نقدي. الكويت، جامعة الكويت، حوليات كلية الآداب. الحولية الثالثة عشرة، الرسالة الثامنة والثمانون، ١٩٩٣م).
٨  Neville and Others: Ibid: p. XXIV.
٩  Horster Detlef: Bloch Zur Einführung. Hamburg, Junius Verlag, 1987. S. 22–24.
١٠  Ibid: S. 24.
١١  Neville and others: Ibid: p. XXVI.
١٢  عرف الفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل (١٨٧٢–١٩٧٠م) طوال حياته بمواقفه الشجاعة ضد الحرب والتسليح وفي سبيل الحرية والسلام العالمي. وقد افتتح في سنة ١٩٦٦م بمدينة ستوكهولم بالسويد محكمة فيتنام — التي عُرفت بعد ذلك باسم محكمة رسل وسارتر — وأدانت فظائع الحرب الفيتنامية ودور الولايات المتحدة الأمريكية فيها ومسئوليتها عن الجرائم التي اقترفت فيها.
١٣  Markun, Silvia: Ernst Bloch. S. 26.
١٤  Horster, Detlef: Ibid: S. 9.
١٥  Reimer, A. James: Bloch’s interpretation of Muenzer: History, theology and Social change. U.S.A. CLIO, 1980. V. 9. p. 253-254.
١٦  Bloch, Ernst: Thomas Munzer, als Theologe der Revolution. Frankfurt am Main, Suhrkamp, 1969 S. 9.
١٧  دانيال، ٢: ٣٤، ٣٥، ٤٤ على التوالي، الكتاب المقدس، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، ١٩٩٠م.
١٨  Reiner, A. James: Ibid: p. 259.
١٩  Bloch, Ernst: The Principle of Hope. Trans. by Neville and Stephen Plaiceand Paul Knight. oxford. Basil Blackwell, 1986. V. I. p. 11.
٢٠  Ibid: p. 3.
٢١  Bloch, Ernst: Natural Law and Human Dignity. Trans. by Dennis J. Schmidt. Cambridge. the MIT press, 1986. p. 204.
٢٢  القصد عند بلوخ يعني القصد اليوتوبي الذي هو جدلٌ منفتح على المستقبل يتجاوز الماضي والحاضر بعد أن يأخذ منهما نزعاتهما الثورية ليتجه بهما إلى المستقبل.
٢٣  Bloch: Ibid: p. XXVII.
٢٤  صدر في بيروت ترجمة عربية لهذا الكتاب قام بها الأستاذ إلياس مرقص تحت عنوان: «فلسفة عصر النهضة»، وأصدرتها دار الحقيقة عام ١٩٨٠م.
٢٥  علاء طاهر: مدرسة فرانكفورت. بيروت، منشورات مركز الإنماء القومي. د.ت، ص٤٢.
٢٦  عن مذكرات بلوخ التي سجلها في النشرة التي تصدرها دار النشر «زور كامب» التي أصدرت الطبعة الكاملة لأعماله، العدد رقم ١٤، بتاريخ ٢ نوفمبر ١٩٥٩م (C. F. Bloch: über Eigenes. Morgenblatt des Suhrkamp Verlages. Nr. 14, Sondernummer Ernst Bloch, 2 Nov. 1959. S. 2).
٢٧  يلاحظ أن الجو الليبرالي العام الذي نشأ فيه بلوخ من أسرةٍ يهودية الأصل، قد أتاح لأبناء جيله والجيل اللاحق أن يتخلصوا من التعصب التقليدي الموروث ضد اليهود؛ ففي سنة ١٨٨٥م التي وُلِد فيها كانت الأحياء المغلقة على اليهود (الجيتو) قد اختفت، واكتسب اليهود حقوق بقية المواطنين وواجباتهم بقراراتٍ متتابعة أصدر أحدها الدوق الأعظم فريدريش في ولاية بادن سنة ١٨٦٢م، وتبعه قانون تحرير المواطنين في الولايات الألمانية والاعتراف بحقوقهم المتساوية بغض النظر عن عقيدتهم الدينية. C. F. HOLZ, Hans Heinz: Ernst Bloch, Auswahl aus seinen Schriften, Frankfurt, Fischer 1967. S. 8. وظل اليهود يتمتعون بحرية المواطنين الألمان حتى جاء النازيون فبعثوا الاضطهاد والتعصب من قبرهما الوسيط، وتسببوا بعد نهاية طغيانهم في خلق مشكلة دولة إسرائيل التي حوَّلت شعبها إلى مضطهدين عنصريين متعصبين ضد العرب.
٢٨  ليبنتر: المونادولوجيا، ترجمة وتقديم وتعليق د. عبد الغفار مکاوي، القاهرة، دار الثقافة للطباعة والنشر ١٩٧٨م، الفقرة ٢٢، ص١٣٨.
٢٩  Bloch: p. of H. p. 858.
٣٠  عبد الرحمن بدوي: المثالية الألمانية، شيلنج. القاهرة، دار النهضة العربية، ١٩٦٥م. ص٢٧٦.
٣١  المرجع السابق، ص٢٣٣.
٣٢  Bloch Ernst: Subjekt-Objekt: Erläuterungen Zu Hegel. Frankfurt am Main. Suhrkamp, 1962. S. 12.
٣٣  Bloch: Werke GA Bd 10. S. 483.
٣٤  Bloch: Subjekt-Objekt. S. 194–196.
٣٥  Ibid: S. 198-199.
٣٦  Horster, Detlef: Bloch S. 13-14.
٣٧  Bloch: Werke G. A Bd. 12. S. 316.
٣٨  Horster, Detlef: Bloch. S. 31.
٣٩  ماركس، كارل: نقد الاقتصاد السياسي، ترجمة د. راشد البراوي، القاهرة، دار النهضة العربية. ط١. ١٩٦٩م. ص٣١.
٤٠  Marx, Karl: capital. Translated from the third German edition by Samuel Moore and Edward Aveling and edited by Frederick Engels.
Moscow, progress publishers, 1965. Vol. I. p. 71-72.
٤١  Horster, Detlef: Ibid: S. 31.
٤٢  انتبه ماركس في فترةٍ مبكرة من حياته (أي مع تأليفه للمخطوطات عام ١٨٤٤م) إلى اغتراب ناتج العمل عن العامل المنتج وتحول ذلك الناتج إلى موضوعٍ مغترب عنه: «إن الشيء الذي ينتجه العمل — ناتج العمل — يواجهه كشيءٍ غريبٍ، كقوةٍ مستقلة عن المنتج، فناتج العمل هو عمل تجمد في موضوع وأصبح ماديًّا، إنه تموضع العمل (…) إن العامل يرتبط بناتج عمله كما يرتبط. بموضوع غريب، ولا يعني اغتراب العامل عن ناتجه أن عمله قد أصبح موضوعًا — وجودًا خارجيًّا — فحسب وإنما يعني أنه يوجد خارجه، مستقلًّا عنه، كشيءٍ غريب عنه، وأنه يصبح قوة في ذاته تواجهه، إنه يعني أن الحياة التي منحها للموضوع تواجهه كأمرٍ معادٍ غريب» (ماركس، كارل: مخطوطات كارل ماركس لعام ١٨٤٤م، ترجمة محمد مستجير مصطفى. القاهرة، دار الثقافة الجديدة ١٩٧٤م، ص٦٩) وذلك قبل أن يوضح ماركس تفصيلات الدورة السلعية ويضع نظريته في القيمة في «نقد الاقتصاد السياسي» و«رأس المال».
٤٣  Horster. Detlef: Ibid: S. 32-33.
٤٤  Ibid: S. 33-34.
٤٥  ماركس، كارل: نقد الاقتصاد السياسي، الترجمة العربية ص١١٧.
٤٦  Horster, Detlef, Ibid: S. 34.
٤٧  انظر تفاصيل هذا التطور في الفصل ٢٤ من رأس المال لماركس. الجزء الأول. Marx, Karl: Capital. 24.
٤٨  طبقًا لتحليلات كارل ماركس: و«السلعة ليست فقط قيمةً استعمالية، بمعنى أن تكون وسيلةً مباشرة تسمح لمالكها بإشباع حاجاته … وإنما هي الدعامة المادية للقيمة التبادلية، ومن ثم وسيلة تبادل، وإذن تكون القيمة الاستعمالية حاملة بالفعل لقيمة تبادلية» (كارل ماركس، نقد للاقتصاد السياسي، الترجمة العربية، ص٣١).
٤٩  Bloch: J: of H. V. I. p. 444.
٥٠  عبد الغفار مكاوي، التعبيرية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ١٩٧١م، ص١٦.
٥١  المرجع السابق، ص١–١٢.
٥٢  Taylor. Ronald (Editor): Aesthetics and politics.London Verso, The Imprint of New Left Books. 1986. p. 12.
٥٣  Lukacs, Georg: Realism in the Balance in Aesthetics and politics p. 40-41.
٥٤  Bloch, Ernst: Discussing Expressionism. Ibid: p. 22.
٥٥  Ibid: p. 24.
٥٦  برشت، برتولد: الاستثناء والقاعدة، ترجمة وتقديم د. عبد الغفار مكاوي، القاهرة، الدار القومية للطباعة والنشر والمسرح العالمي، ١٥ مايو ١٩٦٥م، من مقدمة المترجم، ص٢٣.
٥٧  المرجع السابق، ص٢٩-٣٠.
٥٨  المرجع السابق، ص٢٢.
٥٩  المرجع السابق، ص٣٢.
٦٠  علاء طاهر، مدرسة فرانكفورت، ص٣٩.
٦١  المرجع السابق، ص٧٨.
٦٢  عبد الغفار مكاوي، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، ص١٥.
٦٣  Horster, Detlef: Ibid: S. 14-15.
٦٤  Bloch: p. of H. V. I. p. 307.
٦٥  Ibid: p. 312.
٦٦  Horster, Detlef: Ibid: S. 15.
٦٧  Holz, Hans Heinz: Ernst Bloch, S. 29.
٦٨  يتجلى هذا في مشاركة عدد منهم في الكتاب التذكاري الذي صدر عام ١٩٦٥م تكريمًا لبلوخ بمناسبة بلوغه الثمانين من عمره Holz, Hans Heinz: Ernst Bloch. S. 30.
٦٩  والتعبير اللاتيني المشهور لهما منذ فلسفة العصر الوسيط هو على الترتيب: Ens perfectissmum, Ens realissimum.
٧٠  Holz, Hans Heinz: Ibid: S. 98.
٧١  Bloch, Ernst: Subjekt-Objekt: Erlaüterungen Zu Hegel. Frank Furt am Main Suhrkamp. 1962. S. 98.
٧٢  Horster. Detlef: Ibid: S. 63.
٧٣  Ibid: S. 64.
٧٤  Ibid: S. 65.
٧٥  Markum. Silvia: Ernst Bloch. S. 8.
٧٦  Horster, Detlef: Ibid: S. 66.
٧٧  Entelecheia: مصطلح أرسطي ترجمه العرب ﺑ «الكمال» ومعناه الانتقال من حالة القوة إلى حالة الفعل، فهو يدل على الكمال الناتج عن تحقيق فعلٍ ما، وفي أحيانٍ أخرى يقصد بالأنتيليخيا الصورة التي هي مقابل الهيولى أي المادة (انظر عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، ١٩٨٤م، ج١، ص٢٣٢).
٧٨  Horster, Detlef: S. 67.
٧٩  Ibid: S. 67.
٨٠  Bloch: p. of H. V. I. p. 196.
٨١  ذلك أن المخيلة الخلاقة والموهبة الشاعرية مرتبطان بزمان وعالم واقعيَّين ولا يعملان في فراغٍ متعالٍ مجرد يحتكر التحليق في سمائه أصحاب العقول والمواهب الخارقة، ولذلك فهما (أي المخيلة الخلاقة والموهبة) يصوران مضامينهما الواقعية بطريقةٍ ذاتية، كما يحولان الذاتي فيهما إلى تجسيداتٍ موضوعية (راجع كتاب بلوخ: مقالات في النقد الأدبي، فرانكفورت (على الماين)، ١٩٦٥م، ص١١٨) (C. F. Bloch: Literarische Aufsätze. Frankfurt am Main. 1965. S. 118).
٨٢  عندما كشف الأول عن معنى الكينونة بمقابلتها بالمظهرية، فإذا ظهرت للآخرين بمظهر العطف، ولم يكن عطفي إلا قناعًا أخفى به استغلاليتي، أو إذا ظهرت بمظهر الشجاعة بينما لست إلا شخصًا شديد الغرور، أو إذا ظهرت بمظهر المحب لبلدي بينما أسعى لتحقيق مصالح شخصية؛ فإن هذا المظهر، أي هذا السلوك المعلن، يتعارض تعارضًا تامًّا مع حقيقة الدوافع التي تحركني، وسلوكي يختلف عن شخصيتي. ولكن بناء الشخصية، أي الدوافع الحقيقية للسلوك، هي التي تُشكل الكينونة الحقيقية للإنسان. صحيح أن السلوك قد يعبر عن الكينونة على نحوٍ جزئي، ولكنه غالبًا ما يكون قناعًا ألبسه لإخفاء أهدافي الخاصة، وتعني المدرسة السلوكية بدراسة هذا القناع المظهري وتعتبره مادةً علمية يُعتدُّ بها (انظر، إريك فروم: الإنسان بين الجوهر والمظهر، ترجمة سعد زهران، مراجعة وتقديم د. لطفي فطيم، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، عدد ١٤٠، أغسطس ١٩٨٩م، ص١٠٢). كذلك يفرق هيدجر بين الوجود الأصيل وبين الوجود الزائف، وإن «الآنية» تفهم ذاتها من خلال تواجدها، أي من خلال إمكانياتها الذاتية في أن تكون هي ذاتها أو لا تكون هذه الإمكانية إما أن تكون «الآنية» قد اختارتها بنفسها أو تكون قد أقحمت عليها أو نشأت في ظلها؛ ولهذا فإن «الآنية» نفسها هي التي تقرر أسلوب تواجدها، سواء في تلك أكانت قد اختارته أو تقاعست عنه وضيَّعته من يدها، فقد يتم الاختيار على نحو يمكن للآنية من بلوغ ذاتها، وتحقيق إمكانياتها، وقد يتم على نحوٍ آخر بحيث يُملى الاختيار عليها وتحيا كما يحيا الناس حياةً زائفة غير أصيلة (انظر مارتن هيدجر: نداء الحقيقة، ترجمة وتقديم ودراسة د. عبد الغفار مكاوي، القاهرة، دار الثقافة للطباعة والنشر، ١٩٧٧م، من دراسة بقلم المترجم، ص٥١-٥٢).
٨٣  Holz. Hans Heinz: Ernst Bloch. S. 20.
٨٤  انظر، جوته: فاوست، القسم الأول، مشهد الليل، حديث روح الأرض مع فاوست ص٢٧ من الترجمة العربية التي قام بها د. عبد الرحمن بدوي، وصدرت في الكويت، وزارة الإعلام، ١٩٨٩م.
٨٥  Bloch: p. of H. V. III p. 1374-1375.
٨٦  وصف الإغريق هذه اللحظة المواتية (الكايروس Kairos) بأنها صلعاء الرأس وتتدلى من جبهتها خصلة شعر، وأنها كالفرس العابر يمكن أن تفلت من الإنسان إلى الأبد إذا لم يبادر بالإمساك بها من شعرها (C. F. H ommond, N. G. and scullard, H. H. (Editors). he Oxford Classical Dictionnary Oxford, Clarendon press 1970 p. 573).
٨٧  Bloch: p. of H. V. I. p. 198.
٨٨  Ibid: p. 201-202.
٨٩  ارتبط مفهوم الأقصى — في الفلسفة اليهودية والمسيحية منذ فيلون وأوغسطين وحتى هيجل — بمفهوم الأول primum وليس بمفهوم الجديد؛ مما نتج عنه أن الأقصى أو الشيء الأخير يبدو بوصفه عودة للشيء الأول المكتمل والذي قد تم التخلي عنه أو هجره، فكانت الدائرة هي الشكل الذي يجب اتباعه في طريق العودة لكي يصل الأقصى بالأول. وهذا هو ما عبر عنه هيجل في موسوعة العلوم الفلسفية بقوله: «إن كل جزء من أجزاء الفلسفة هو بدوره كلٌّ فلسفي فهو يشكل دائرةً مغلقة على نفسها مكتملة بذاتها» (هيجل: موسوعة العلوم الفلسفية، ترجمة وتقديم وتعليق د. إمام عبد الفتاح إمام، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، ط١، ١٩٨٣م، المجلد الأول، فقرة ١٥، ص٧١).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١