الجزء الأول

الجذور الروحانية والميثولوجية

(١) رموز باطنية من الشرق والغرب

كيف نَفهم حيواتنا القصيرة للغاية، ومجالنا الدنيوي، والكون المحيط بنا؟ نحن البشر لدينا نزعة فطرية إلى الرمزية، تحثُّنا على تمثيل الأمور الملموسة وغير الملموسة بالأفكار والكلمات والصور والموسيقى؛ فالرسومات على جدران الكهوف تسبق عصرنا الحالي بعشرات الآلاف من السنين. وكان ابني ديفيد يطلق على الآيس كريم، ولم يكن قد جاوز عمره العامين، لفظة «أم-يام»، وكانت كلمة رمزية مناسِبة من طفل حديث المشي لا يزال يجهل أن هذا الشيء كريمة مُثلَّجة لكنه بالتأكيد يُميز الأشياء ذات المذاق الطيب. وكذلك خُلِقنا بغرائز جنسية لازمة لبقاء نوعنا، وندرك بالفطرة ازدواجية المتضادَّات، ونُصدِر ردود أفعال إزاء الرمزية الجنسية.1،2 وقد أدَّت هذه الغرائز إلى ظهور مجازات واستعارات لفهم الطبيعة وتحولات المادة قبل ٢٥٠٠ عام على الأقل في آسيا الوسطى، وشرقي آسيا، والأراضي التوراتية في الشرق الأوسط، وفي بلاد الإغريق.3
fig1
شكل ١-١: ماندالا تبتية ملوَّنة تعود إلى القرن الخامس عشر تُمثِّل فيها الآلهة من الذكور والإناث الثنائيات التي نشأت منها العناصر الأربعة القديمة (المربع)، أما الدائرة، فتُمثِّل الاكتمال (ودورة الحياة)، (بل) وبقاء المادة. انظر قائمة اللوحات الملوَّنة (بإذن من معرض من روسي آند روسي، لندن، وموقع Asianart.com).
يُظهر الشكل ١-١ رمزًا من رموز الماندالا رُسم في إقليم التبت الأوسط خلال القرن الخامس عشر.4 تعود أصول الماندالات إلى الهندوسية التنترية والبوذية، وهي تمثيلات لتأمُّل الكون. والرهبان البوذيون هم مَن يُشكِّلون الماندالات في الغالب من الرمال الملوَّنة على مدار أيام، ثم يتأمَّلونها، ليُعيدوها إلى البحر بعد ذلك، في فعل رمزي يُعبِّر عن إثراء حياة المرء الدنيوية بالفكر بدلًا من مراكمة الثروات المادية الخادعة والزائلة. تتمثَّل إحدى العناصر المِحورية للماندالا الشرقية في الدائرة التي تُمثِّل الوحدة والاكتمال. كذلك تفصل الدوائر مجالات مثل السماء والأرض. ويُمكن أيضًا تشبيه صور الدائرة بالأفكار البالغة القدم عن بقاء المادة. وفي موضع لاحق من هذا الكتاب، سنُقابل الأوروبوروس، وهي أفعى تُشكِّل دائرة بجسدها من خلال الْتِهام ذيلها، حتى وهي تُعيد توليد نفسها. وفِعلُ إلقاء الرمال التي تُشكَّل منها الماندالات إلى البحر مرة أخرى يشير ضمنًا إلى كلٍّ من بقاء المادة ودورة الحياة. وبطبيعة الحال، تَحمل دائرة الماندالا بداخلها مربعًا مُحاطًا بأربع بوابات تُمثِّل الاتجاهات الأصلية (الشمال — الذي يقع ناحية اليمين في هذه الصورة — والجنوب، والشرق، والغرب). وتقود هذه البوابات الأربع إلى دائرة داخلية تقطنها أربعة آلهة. على الجانب الخارجي لهذه الدائرة، توجد أربع إلهات مُنتظِمة في مصفوفة رباعية متكاملة (شمال شرق، جنوب شرق، جنوب غرب، وشمال غرب). وهذه الازدواجية الذكورية الأنثوية ممثلة كذلك بجسدَي ذكر وأنثى (أم وأب) خارج الدوائر الأكبر في أوضاع عناقٍ جنسي. أما العناصر الأربعة، التي يُرمَز إليها شيوعًا بمربع، فتُمثِّل في الواقع أزواج الخواص المتضادَّة؛ السخونة في مقابل البرودة، والجفاف في مقابل الرطوبة. وعليه فإن النار ساخنة وجافة، والمياه باردة ورطبة. ويُصوِّر مركز هذه الماندالا البوداسف (أي «الكائن المستنير») فاجراباني ممسكًا بالصاعقة في يدٍ وقابضًا على أفعى في اليد الأخرى.4 ويمكن تشبيه مركز الماندالا بالعنصر الخامس القديم، وهو الأثير.
fig2
شكل ١-٢: رسم بالقلم الرصاص، بأسلوب الماندالا، للفنانة السيدة ريتا إل شوميكر، يُصوِّر الثنائيات (تنانين مُتشابكة، وحمائم داكنة وفاتحة)، بالإضافة إلى العناصر الأربعة القديمة (الماء والهواء والنار التراب).
يملك آدم ماكلين رؤيةً مثيرة للاهتمام فيما يتعلق بالماندالات الخيميائية الغربية.5 يُحلِّل ماكلين ٣٠ صورة من الخيمياء الباطنية في نصوص أوروبية تعود في الأغلب إلى القرن السابع عشر. ورغم أن كثيرًا من هذه الرسومات تضمُّ الأشكال الدائرية والمربعة كما في الشكل ١-١، فإن ثَمَّةَ أشكالًا أخرى لا تشبه الماندالات الشرقية إلا في الجوهر، ولكنها لا تشبهها في الشكل. على سبيل المثال، يَعتبر ماكلين الشعار المدرج في كتاب ليبافيوس «الخيمياء» الذي يعود إلى عام ١٦٠٦ (انظر الشكل ١-٢٢ في مقال لاحق) ماندالا.6 وبناءً على ذلك، فإن الشكل ١-٢، للفنانة ريتا إل شوميكر،7 يحوي كذلك العناصر الجوهرية الأساسية المُميِّزة للماندالا. فنجد التراب والماء والهواء مصوَّرة بوضوح بمجالات دائرية بينما تخترق النار هذه المجالات. وأما الثنائيات، فمُصوَّرة بحمائم داكنة وفاتحة وتنانين أيضًا. وتشير البذور النامية في الأرض إلى تكاثُر المعادن. وفي المقال التالي، سنعرض لمزيد من الاستعارات الملموسة للعناصر الأربعة القديمة.

(٢) العناصر الأربعة القديمة

fig3
شكل ١-٣: لوحة تعود إلى القرن الثامن عشر بريشة يوهان فينكلر، تُبرز تأثيرات معتقدات أخوية الصليب الوردي، حيث يظهر في اللوحة أربعة رهبان يُمثِّلون الماء والهواء والنار والتراب، في مربع منظَّم تنظيمًا صحيحًا. وتُجسِّد الصبغة الحمراء (انظر الصور الملوَّنة) الموجودة بين يدي كلٍّ من الرهبان الأربعة حجر الفيلسوف؛ ذلك العامل الغامض الذي يسقط ويُحوِّل المعادن الرخيصة إلى ذهب.
تُوظِّف لوحة مرسومة بالألوان الزيتية على الخشب عام ١٧٤٧ موقعة باسم يوهان فينكلر8 (الشكل ١-٣)، بحسٍّ مبهج، رموزًا خيميائية وروحانية ودينية مميزة لعقائد جماعة الصليب الوردي. يتصدَّر اللوحة أربعة رؤساء لأديرة رهبان ترمز أنشطتهم إلى التراب والنار والهواء والماء. وهم مُنظَّمون بالترتيب المناسِب للخواص المتضادَّة؛ البرودة مقابل السخونة، والرطوبة مقابل الجفاف؛ ومن ثَمَّ فالماء رطب وبارد، والنار جافة وساخنة، والهواء (مع اعتبار البخار) ساخن ورطب، والتراب بارد وجاف:
أما صورة كيوبيد (أو ميركوريوس)، فيقول عنها عالم النفس كارل يونج إنها تُمثِّل «راميَ السهام الذي يُذيب الذهب كيميائيًّا، ويخترق الرُّوح بسهم الحب معنويًّا.»9 في كتاب «الاقتران الكيميائي»، يُصوَّر كريستيان روزنكروتس وقد أصابه سهم كيوبيد بعد تعثُّره في فينوس العارية.»9 ويحوز كلٌّ من فينوس ورؤساء الأديرة الأربعة وعاءً يحوي الصبغة الحمراء، التي تُمثِّل عامل التحويل، أو حجر الفلاسفة،10 أو مرحلة أولية من الحجر.11 وربما لا تُمثِّل القلاع شيئًا سوى القلاع، أو ربما ترمز إلى فرن التنور أو فرن الفلاسفة الذي يَحمل بيضة الفلاسفة المُحْكَمة الغلق.12 ويُمثِّل زوج الحمائم «البياض» أو اللون الأبيض الذي يَتبع مرحلة «السواد»، أو ذلك اللون الأسود الأوَّلي الناتج من العمل العظيم؛ فبدايةً تُسخَّن المعادن والمواد الأخرى لتكوين كتلة سوداء. وقد يُؤدي الاستمرار في التسخين عقب ذلك إلى تكليس هذه الكُتلة فتنتج كلسًا أبيض. والآن، إذا كان ذلك الطائر الطويل الذيل المربوط بحبل في يد أحد رؤساء الأديرة طاوسًا، فإننا نَعتقِد أنه يُمثِّل المرحلة الثالثة من تغيُّر لون العمل العظيم، ألوان قوس قزح. أما اللون الرابع والأخير، فهو اللون الأحمر الداكن للصبغة الحمراء، والذي تُمثِّله في هذه اللوحة الأنابيق الأربعة الممتلئة، والتي يساوي حجمها ملء قدح. كذلك يرمز طائر العقاب إلى هذا اللون الأحمر الداكن الأخير من العمل العظيم، إلا أننا لا نرى طائر عُقاب يَرتفع (أو نافق) في هذه اللوحة. كذلك لا يوجد أثر لأيِّ غربان، لذا دعونا نفترض أن الفحم أو الرماد المتصاعِد من فرن التنور يرمز إلى «السواد».
يَجمع أتباع أخوية الصليب الوردي بين المعتقدات الدينية والباطنية والخيميائية.13 وعلى الرغم من أن تاريخ أولى كتاباتهم يعود إلى بدايات القرن السابع عشر، فإن أصول عقيدة أخوية الصليب الوردي تُنسَب عمومًا إلى كريستيان روزِنكروتس (مشتق من كلمة «روزي كروس» أو الصليب الوردي)، الذي يُزعَم أنه وُلِد عام ١٣٧٨، فيما يَعتبر البعض الطبيب والخيميائي باراسيلسوس الذي عاش في أوائل القرن السادس عشر هو المؤسِّس الحقيقي لهذه الجماعة. ويبدو أن الخيميائي مايكل ماير كان أحد أعضاء أخوية الصليب الوردي.14
وقد تُترجم الإشارات الموجودة في أسفل يمين اللوحة السابقة كالتالي:
  • (١)

    إنني أبحث هنا في الماء.

  • (٢)

    لا بد للهواء أن يمنحني.

  • (٣)

    إنني أبحث في التراب.

  • (٤)

    لا بد للنار أن تُسخَّر لي.

  • (٥)

    شيء ما هنا أيها الحمقى، هنا في الماء والهواء والتراب. ألا بحثتم في النار بهمة؟

  • (٦)

    فيظهر كل ما هو كامن بداخلها فجأة.

(٣) أعداد ذات دلالات باطنية ومقدسة

ثَمَّةَ أرقام معينة بسيطة ظلَّت لقرون يُنسب إليها دلالة15 رمزية عظيمة في الخيمياء؛16 فالرقم واحد يُشير إلى الرب أو الله في الديانات التوحيدية، وكذا إلى المادة الأساسية — أصل كل المواد. وأما العدد اثنان، فيدلُّ على جوهرَي الذكر والأنثى (الأضداد؛ الزئبق والكبريت) اللذَين يدخلان في تكوين كل الأشياء. أما العدد ثلاثة، فيَرمز إلى المواد الثلاث الأساسية (الزئبق، والكبريت، والملح؛ الروح، والنفس، والجسد)، والتي تُمثِّل بدورها الجوهر الثالث الذي زادَه باراسيلسوس (١٤٩٣–١٥٤١) على جوهرَي الذكورة والأنوثة، ويُمثِّل أيضًا الثالوث المقدَّس (الأب، والابن، والروح القدس). وأما الرقم أربعة، فكما ذكرنا في المقالين السابقين، فيشير إلى عدد العناصر القديمة (التراب، والماء، والهواء، والنار)، والتي يَنطوي كلٌّ منها على سمتَين أو خاصتين متضادتين؛ السخونة والبرودة، والجفاف والرطوبة. كذلك يرمز إلى الفصول الأربعة والاتجاهات الأصلية الأربعة وقد أدخل أرسطو عنصرًا «خامسًا»، وهو الأثير، ويُمثِّل السماوات أو الأثير السماوي. وتُوجَد المعادن السبعة التي عرفها القدماء (الفضة، والذهب، والحديد، والنحاس، والزئبق، والقصدير، والرصاص) يوافقها في العدد «الكواكب» المرئية (القمر، والشمس، والمريخ، والزهرة، وعُطارد، والمشتري، وزحل)، وكذا أيام الأسبوع. وثمة الأبراج الفلكية الاثنا عشر تُوافقُها عدة شهور السنة، والتي أَقْرن الخيميائي الإنجليزي جورج ريبلي، كاهن بريدلينجتون، كلًّا منها ﺑ «البوابات» أو العمليات الاثنتي عشرة القائمة على الطريق نحو تكوين حجر الفلاسفة.16 وقد كانت هذه المراحل كالتالي:16،17
(١) التكليس (تفاعُل النار مع المعادن في الهواء). برج الحمل.
(٢) التخثر (زيادة الكثافة بالتبريد). برج الثور.
(٣) التثبيت (تحويل مادة طيارة إلى الحالة الصلبة أو السائلة). برج الجوزاء.
(٤) الإذابة (تذويب المواد أو تفاعلها). برج السرطان.
(٥) التهضيم (تعريض المادة لحرارة مستمرة؛ دون غليان). برج الأسد.
(٦) التقطير (ارتقاء المادة السائلة وهبوطها). برج العذراء.
(٧) التسامي (ارتقاء المادة الصلبة وهبوطها). برج الميزان.
(٨) الفصل (عزل السوائل غير القابلة للذوبان). برج العقرب.
(٩) التشميع (تحويل مادة صلبة إلى حالة لينة). برج القوس.
(١٠) التخمير (تنشيط مادة ما بالهواء). برج الجدي.
(١١) المضاعفة (زيادة فاعلية حجر الفلاسفة). برج الدلو.
(١٢) الإسقاط (نشاط حجر الفلاسفة الغامض). برج الحوت.
يضرب بازيل فالانتاين (بمعنى «الملك الشجاع»)، والذي يُفترَض أنه وُلِد في عام ١٣٩٤، مثلًا مُحيِّرًا في التزييف الأدبي.18 فيبدو أن ثَمَّةَ اتفاقًا عامًّا إلى حدٍّ ما على أن الشخص الذي «حرر» أعمال بازيل فالانتاين هو في الحقيقة شخص يعمل في مجال النشر وفي إنتاج الملح مِن غلْي الماء المالح، ويُدعى يوهان ثولده، عاش بين القرنين السادس عشر والسابع عشر.18 وأيًّا من كان بازيل فالانتاين؛ فقد كان ضليعًا في كيمياء عصره،18 وقام بوصف اثني عشر مفتاحًا أو عملية تُحدد ملامح العمل العظيم. (انظر الشكلين ١-٤ و١-٥) المأخوذين من كتاب «مكتبة علم الكيمياء المثيرة»19 لماجنيت، الذي نُشِر عام ١٧٠٢.
fig4
شكل ١-٤: والعدد السِّحري هو ١٢! تلك هي المفاتيح الستة الأولى التي وضعها بازيل فالانتاين (الملك الشجاع)، تلك الشخصية المعروفة والخيالية على حدٍّ سواء. تُمثِّل المفاتيح الاثنا عشر ١٢ عملية خيميائية تؤدي إلى تكوين حجر الفلاسفة (بالإضافة إلى الأبراج الاثني عشر وشهور السنة). (هذا الشكل مأخوذ من كتاب «مكتبة علم الكيمياء المثيرة» لماجنيت المنشور عام ١٧٠٢ بإذن من مؤسسة التراث الكيميائي.)
fig5
شكل ١-٥: المفاتيح الستة الأخيرة لبازيل فالانتاين في كتاب ماجنيت «مكتبة علم الكيمياء المثيرة» (١٧٠٢) (بإذن من مؤسسة التراث الكيميائي). انظر النص أعلاه للاطِّلاع على مناقشةٍ للرمزية في المفاتيح الاثني عشر.
يُشير المفتاح الأول إلى الاقتران الكيميائي؛ إذ يرمز إلى إنتاج المواد الأولية لإعداد حجر الفلاسفة.20،21،22 يُمثِّل الذئب كبريتيد الأنتيمون، وهو مركب يفيد في فصل الذهب عن المعادن الأخرى. [ثَمَّةَ شكل متعلِّق بهذه العملية ورد في كتاب مايكل ماير المنشور عام ١٦١٨ «مقطوعات أتلانتا» (انظر الشكل ١-١٧) وسنتعرَّض له بالشرح لاحقًا.] وأما الرجل العجوز، فربما يُمثِّل كوكب زحل (معدن الرصاص)، والذي يساعد على فصل الكبريت. يُمثِّل المفتاح الثاني الفصل المائي، فيما يصور المفتاح الثالث التنين بوصفه «المادة الأولية»، ويشير إلى دورة تبخير وتثبيت دائرية.22 ويرمز المفتاح الرابع إلى الانحلال، وهو عملية تسخين بالنار، نعرفها الآن بأنها تحميص للمعادن الخام، ينتج عنه أكسدة مُختلطة وفوضوية للكبريتيد الخام ليتحول إلى كتلة سوداء. ويُعتبر المفتاح الخامس رمزًا لعملية الإذابة (لكن هذا بطبيعة الحالة يمكن أن يدلَّ على وجود تفاعلات كيميائية). ويُمثِّل المفتاح السادس الارتباط؛ ذلك الاقتران الكيميائي بين الكبريت الفلسفي (الملك) والزئبق الفلسفي (الملكة). ويُمثِّل المفتاح السابع نوعًا من الماندالا الكيميائية،23 وترمز إلى العناصر الأرضية الأربعة، والأثير، والمواد الجوهرية الثلاثة التي صنَّفها باراسيلسوس. وأما المفتاح الثامن فهو مشهد بعث يُرمز إليه بغرس بذرة. وحسبما أشار جون ريد،16 إذا كان الانحلال (المفتاح الرابع) يقترن بالأكسدة، فإن العملية العكسية لإعادة تخليق الفلزات أو بعثها تتطابَق مع عملية الاسترجاع (الإعادة، أو الاسترداد) وعودة أرواحها. يُشير المفتاح التاسع إلى المواد الجوهرية الثلاث، والعناصر الأربعة القديمة، والألوان الأربعة المتتالية في العمل العظيم بترتيب تصاعُدي؛ الغراب (اللون الأسود، عملية الانحلال)، البجعة (الأبيض، عمليات التكليس)، الطاوس (الأصفر أو ألوان قوس قزح)، والعنقاء الحمراء (وترمز إلى الصبغة الحمراء أو حجر الفلاسفة). ويُمثِّل المفتاح العاشر «المواد الثلاث الأساسية»، وقد تناوَلناها بالشرح فيما سبق.20–22 وقد تُمثِّل الكتابة العبرية آية في سفر المزامير، لكن ربما مع إحلال بعض حروف الكابالا محل الحروف الأصلية.24 ويَرمز المفتاح الحادي عشر إلى عملية المضاعَفة، وأما المفتاح الثاني عشر والأخير، فيُشير إلى عمليات التكليس، من خلال النيران الغامضة في برميل الخمر، فيما يُرمَز إلى عملية تثبيت المواد الطيارة بأسدٍ (الكبريت) يلتهم ثعبانًا (الزئبق).20–22

(٤) السحر الطبيعي: تحولات المستذئبين والفلزات

في دراسة إثنوجرافية أيرلندية تعود إلى القرن الثاني عشر من تأليف جيرالد الويلزي، نجد وصفًا لمحادثةٍ دارت بين كاهن وذئب متكلِّم في البرِّيَّة، يتوسَّل للكاهن أن يَمنح المناولة المقدَّسة لزوجته المحتضِّرة.25 فيستجيب الكاهن لتوسُّلات المُستذئب، ويعتمد النقاش حول ما إذا كان هذا الفعل تدنيسيًّا من عدمه على طبيعة الكائن — هل هو هجين بحقٍّ (مثل كائن الجريفين)، أم إنسان في هيئة ذئب، أم أنه متحوِّل الهوية تمامًا؟ كيف لبشر أن يتحوَّل ليُصبح ذئبًا؟ ما مقدار الإنسانية المتبقية لديه؟ هل كان الرجل «مذءوبًا» قبل أن يتعرَّض لأي تغيير؟26 تتناول المؤرِّخة كارولين ووكر باينوم مفهومَي «الهوية» و«التغير»، وتفترض أنه في العقود الأخيرة من القرن الثاني عشر، سيطر على الثقافة الأوروبية تصوُّرٌ مفاهيميٌّ مفادُه أن التحول الشكلي يحدث تدريجيًّا وليس فجائيًّا.25 على سبيل المثال، تُقارن باينوم بين رواية العهد الجديد عن تحوُّل شاول المفاجئ من مُضطهِدٍ للمسيحيين إلى القديس بولس الرسول — حواريِّ المسيح — بتلك الرواية التي تعود إلى القرن الثاني عشر والتي تُصوِّر تحوُّله التطوري البطيء والمُبرَّر وهو في طريقه إلى دمشق.25 ويُمثِّل التحول الشكلي عملية أكثر ديناميكية وتعقيدًا من ذلك التغيُّر الإعجازي المفاجئ، أو مجرد اتخاذ مظهر هجين ثابت. كذلك اتخذت قصص التحول القديمة، بما فيها القصص الفلكلورية عن المستذئبين، معاني جديدة نحو نهاية القرن الثاني عشر.25 فكانت حالات التحول الشكلي توجد في كل مكان في الطبيعة من حولنا؛ فالمادة الغذائية في البذرة تُصبح شجرة، والطعام «يتحوَّل» إلى دم وعصارة. ومن الثقافات الشرق أوسطية أتت عمليات معقَّدة، ذات طابع روحاني في الغالب، من أجل تغيير تدريجي للمادة، صارت فيما بعد تُشكل مجمل الخيمياء.
كان التلاقح الفكري ناتجًا ثانويًّا محمودًا لسلسلة من الحروب الصليبية المروِّعة بدأها البابا أوربان الثاني في عام ١٠٩٥ ميلاديًّا لتخليص كنيسة القبر المقدس في القدس من قبضة المسلمين.27 وسقطت القدس في أيدي الصليبيين في عام ١٠٩٩، الذين همُّوا بذبح سكانها من المسلمين واليهود. استمرت سيطرة الصليبيين على الأراضي المقدسة تتزايد حتى مجيء حاكم مسلم قوي، وهو عماد الدين بن زنكي، الذي استعاد مدينة إديسا (في مقدونيا). وانهزم الصليبيون في حملتهم الثانية في عام ١١٥٤ على يد نور الدين خليفة عماد الدين بن زنكي. ومع حلول عام ١١٨٧ وقعت القدس في قبضة صلاح الدين الأيوبي ابن أخي نور الدين، وسقطت معها كل معاقل المسيحيين في الأرض المقدسة تقريبًا. وشُنَّت حملة صليبية ثالثة في العام ١١٨٩، وحقَّقت نجاحات عسكرية كبيرة. وعلى الرغم من أن الملك ريتشارد الأول (ريتشارد قلب الأسد) فشلَ في بلوغ القدس، فقد وقَّع معاهَدة سلام في عام ١١٩٢ مع صلاح الدين الأيوبي. غير أن هذه الاتفاقية سُرعان ما انهارت وشُنَّ المزيد من الحملات الصليبية، بما فيها حملة الأطفال الصليبية المُحزنة التي شُنَّت في العام ١٢١٢، واستمرت هذه الحملات حتى حوالي عام ١٢٧٠ مع خسارة لويس ملك فرنسا للحملة الثامنة والأخيرة.
fig6
شكل ١-٦: صورة للطبيب والخيميائي جابر بن حيان الذي عاش في القرن الثامن عشر (جابر)، ووُلِد في الجزيرة العربية وتلقَّى تعليمه في العراق. الرسم من كتاب توفيه «حياة المشاهير» (١٥٨٤). نُسِبَ كثير من كتابات القرنين السادس عشر والسابع عشر في الكيمياء والطب خطأً إلى «جابر». وللحد من الالتباس، نسب المؤرخون المعاصرون هذه الأعمال إلى «جابر الزائف».
fig7
شكل ١-٧: لوحة من مخطوطة تعود إلى القرن الخامس عشر تُصوِّر الطبيب الفارسي ابن سينا (أبو عليٍّ الحسين بن عبد الله بن سينا ٩٨٠–١٠٣٧)، الذي عاش في القرن الحادي عشر، في صيدلية. انظر الصور الملونة (© Archivo iconografico, S. A./CORPIS).
ومن آثار العمل الإنساني التي جلبَتْها الحملات الصليبية إلى أوروبا الممارسات الطبية لجابر بن حيان، والرازي، وابن سينا، وتصديق الدوائر الثقافية في ظاهرة التحول الشكلي — أو تحوُّل الفلزات — الخيميائية. و«جابر» هو اسمٌ يعود إلى القرن الرابع عشر، ونُسِبَ إليه عدد من الأعمال، يُمكن نسْب أجزاء منها إلى عالِم الفيزياء والخيميائي جابر بن حيان الذي عاش في القرن الثامن الميلادي (٧٢١–٨١٥ تقريبًا)، والذي وُلِد في الجزيرة وتلقَّى تعليمه في العراق كما نعرفها اليوم. ويَنسِب البعض مبدأ أنَّ الفلزات كافة تتكوَّن من مزيج من الزئبق والكبريت إلى جابر بن حيان.28 ويُقال إنَّ كتاب «نهاية الإتقان»، الذي كان من الأعمال المؤثرة في القرن الثالث عشر، والذي يُنسَب إلى «جابر» (أو مَن يشير إليه مؤرِّخو علم الكيمياء ﺑ «جابر الزائف» تجنبًا للالتباس) قد وصَف إجراءات لتمييز الفلزات وتنقيتها.29 الشكل ١-٦ مأخوذ من أوائل الكتب المطبوعة التي استعانت بالأشكال المصنوعة من الصَّفائح النحاسية ويزعم أنه صورة جابر (جابر الزائف أم جابر بن حيان؟) في المعمل.30 أما ابن سينا (أبو عليٍّ الحسين بن عبد الله بن سينا، ٩٨٠–١٠٣٧)، فكان طبيبًا فارسيًّا عُرف بسعة المعرفة والتبحُّر في العلم. وقد نُسِبَ إليه أيضًا أعمالٌ تعود إلى أوائل عصر النهضة، ويُشير مؤرخو الكيمياء إلى مؤلِّف هذه الأعمال بابن سينا الزائف.29 الشكل ١-٧ مأخوذ من مخطوطة تعود إلى القرن الحادي عشر، ويُزعم أنه يُظهر ابن سينا وهو في خضمِّ تحضيراته الطبية.
يَنطوي التحول — بحسب الأستاذة باينوم — على التغيُّر من شكل إلى آخر، مع الإبقاء على سمة أو جانب مُشتركين.25 على سبيل المثال، تروي باينوم26 رواية الشاعر أوفيد عن عقاب الإله زيوس للملك لايكون، الذي كان يُمارس الاستبداد والظلم على رعاياه، وحاول أيضًا قتل زيوس. وعلى الرغم أن لايكون قد تحوَّل إلى ذئب شكلًا وموضوعًا26،31 (الكلمة اليونانية «لايكوس» تعني «ذئب»):

إنه يتحوَّل إلى ذئب، ولكنه يَحتفظ ببعض من آثار شكله السابق، فله نفس الشعر الرمادي، ونفس الوجه الحاد الملامح، ونفس العينين المتلألئتين، ونفس المظهر البربري المتوحش.

تَذكُر باينوم أن «التعطُّش للدماء والتلذُّذ بالقتل»26 — ما يُمكن القول بأنهما «جوهر شخصية الذئاب» — كانتا سمتين مشتركتين بين الملك لايكون والذئب.
إنَّ فكرة أن الفلزات يُمكن أن تتحوَّل فيأخذ بعضها أشكال بعضٍ فكرة غريبة علينا تمامًا في عَصرنا هذا. ومع ذلك، من المهم أن نتذكَّر أنه منذ مئات السنين، لم يكن يوجد مفهوم حقيقي للعناصر، وكانت الفلزات تُوجد بوجه عام في حالات مختلفة من النقاء. فكانت السبائك، كالبرونز (الذي يتكون من النحاس والقصدير)، ومركب البيوتر (الذي يتكون في إحدى تركيباته من الرصاص والقصدير) تَحتفِظ على نحو سَلِس بالخواص الفلزية؛ فيما يُعدُّ شكلًا من التحول أو التغيُّر بإيقاف الحركة. وقد دلَّلت الطبيعة الجوهرية للفلزات — اللَّمعان، وقابلية الطرق، والقدرة على التوصيل الحراري — على وجود جانب مشترك (أو مادة مشتركة)؛ ألا وهو «ماهية الفلزية». وعليه، فلدينا يوهان يواكيم بيشر — الذي عاش في القرن السابع عشر — الذي كان يعتقد أن كل الفلزات تحتوي على الزئبق،32 فيما ذكر كيميائي آخر مُهمٌّ من نفس الحقبة، وهو يوهان كونكل، أنه قد استخلص الزئبق من كل الفلزات.33 ويا لسحر ذلك الزئبق، بجوهره الفلزي المتطاير الخارق لأي معدن؛ فالزئبق يذيب الذهب وفلزات أخرى، بحيث تتغيَّر طبيعتها ومظهرها تمامًا عند التملغم. ويَعمل تسخين الملغمة على تقطير الزئبق وإعادة الفلز إلى حالته السليمة، إن لم يكن أكثر نقاءً. ولك أن تتخيَّل أن كثيرًا من عيِّنات الفلزات «النقية» تحتوي على بعض من شوائب الزئبق نتيجة لتاريخها؛ ومن ثَمَّ يكون استخراج بقايا زئبق من عيِّنة مختلَطة غير نقية من الذهب أمرًا معقولًا إلى حدٍّ ما.
fig8
شكل ١-٨: صفحة العنوان من الطبعة الإنجليزية الأولى (الصادرة عام ١٦٥٨) من رائعة جيامباتيستا ديلا بورتا «السحر الطبيعي» (الذي نُشر بداية في ٤ مجلدات في عام ١٥٥٨ ثم زادت إلى ٢٠ مجلدًا في عام ١٥٨٩). كان بورتا واسع المعرفة بالعمليات الكيميائية في القرن السادس عشر، وغالبًا ما كان يُنسب إليه الفضل في اختراع الكاميرا المُظلِمة، علاوةً على كونه كاتبًا مسرحيًّا معروفًا. تحوي الصورة إيحاءً بأن بورتا هو التجسيد الحقيقي للنظام والمنطق، المقابلين للفوضى (بإذن من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).
يُبيِّن الشكل ١-٨ الصورة الجميلة الرائعة التي زيَّنت صدر الطبعة الإنجليزية الأولى — التي نُشرت عام ١٦٥٨ — من كتاب «السحر الطبيعي» لجيامباتيستا ديلا بورتا.34 نُشر الكتاب بدايةً باللغة اللاتينية في أربعة «مجلدات» عام ١٥٥٨، زادت إلى عشرين مجلدًا عام ١٥٨٩، ونُشرت منه طبعات عديدة باللغات الإيطالية والفرنسية والهولندية، بالإضافة إلى الترجمة الإنجليزية. بل يزعم بورتا نفسه وجود ترجمتين بالإسبانية والعربية من الكتاب.35 أما كتابه «التقطير» (١٦٠٨)، فيبدأ بعبارات تقدير وعرفان له باللغات العبرية، واليونانية، ولغة الكلدو، والفارسية، والإيرلية، والأرمنية، بالإضافة إلى لوحة مرسومة رائعة للمؤلف.36 بالمثل، تُمجِّد الصورة الموضحة في الشكل ١-٨ في ذات بورتا؛ إذ تضعه، فيما يبدو، جنبًا إلى جنب مع العناصر الأربعة القديمة، وعلم الأكوان الفلكي، وروحَي الفن والطبيعة اللذَين يُشكِّلان أساس «السحر الطبيعي». في الواقع، كانت لبورتا (من ١٥٣٥–١٦١٥ تقريبًا) اهتماماتٌ عِلمية واسعة النطاق، لا سيما بالفيزياء. وغالبًا ما يُنسب إليه تصميم «الكاميرا المظلمة»، ووضع تصميم لمحرك بخاري. علاوة على ذلك، ألَّف بورتا «بعضًا من أفضل الأعمال الكوميدية الإيطالية في عصره.»36 ومع ذلك، فإن قدرًا كبيرًا من محتوى كتاب «السحر الطبيعي» مُستقًى من كتاب «التاريخ الطبيعي» للكاتب الروماني القديم بليني، الذي كان لديه إيمانٌ شبه تام هو الآخر ﺑ «السحر الطبيعي».35
وفيما يلي مقتطفان مقتضَبان من «المجلد الخامس من كتاب السحر الطبيعي»، الذي يتناول علم الخيمياء، موضحًا كيفية تبدُّل الفلزات فيما بينها وتحوُّل أحدها إلى الآخر»:37

عن الرصاص وكيفية تحويله إلى معدن آخر

اعتاد الكتَّاب القدماء المُلمُّون بطبيعة الفلزات تسمية القصدير بالرصاص الأبيض، وتسمية الرصاص بالقصدير الأسود، مما يشير ضمنًا إلى تآلف الخواص الطبيعية لهذَين المعدنين، وأنهما يَتشابهان كثيرًا؛ ومن ثَمَّ قد يسهل تحوُّل أحدهما إلى الآخر. ولذلك فليس من الصعب إطلاقًا أن تُغيِّر القصدير إلى الرصاص.

تحويل الرصاص إلى قصدير

يُمكن تحقيق ذلك فقط من خلال غسل الرصاص؛ فإنك إذا غسلت الرصاص بالماء عدة مرات؛ أي إنك إذا صهرته، بحيث تزول منه المادة الأرضية الغليظة، فإنه سيتحول إلى قصدير بكل سهولة؛ إذ إن نفس الزئبق الذي جُعِل منه الرصاص مادة نقية رقيقة أول مرة، قبل أن يلتقط هذه المادة الأرضية التي تجعله ثقيلًا للغاية، يظل موجودًا في الرصاص — حسبما لاحظ جيبروس؛ وهذا هو السبب وراء أصوات الصرير والطقطقة التي عادةً ما تَصدُر عن القصدير، والتي تُميِّزه على نحو خاص عن الرصاص؛ ومن ثَمَّ حين يفقد الرصاص تلك الغلظة الناتجة عن المادة الأرضية، التي غالبًا ما تزول بالانصهار، وحين يُصدِر الرصاص صوت القصدير، الذي يستطيع الزئبق أن يتفاعل معه بسهولة، لا يُمكن حينئذٍ التفرقة بين الرصاص والقصدير؛ إذ يتحوَّل الرصاص إلى قصدير.

لاحظ بعض النقاط المثيرة هنا؛ فالزئبق مشترك ما بين القصدير والرصاص، وإزالة الشوائب الأرضية من الرصاص هو سلسلة من العمليات المؤدية إلى التحوُّل؛ ومن ثَمَّ فإن عملية تحول الرصاص إلى قصدير تحوي الجوانب الأساسية لعملية التحول الشَّكلي ما بين المستذئبين والبشر، مع الاحتفاظ بسِمَةٍ مشتركة بينهما؛ ألا وهي «ماهية الفلزية» التي يُضفيها الزئبق على الفلز. والنقطة المثيرة هنا هي أن إثبات هوية المعدن ليس في الكثافة، أو نقطة الانصهار، أو التفاعلية الكيميائية، وإنما في الأصوات الصادرة عنها خلال عملها الميكانيكي!

(٥) ألبرت الكبير و«ألبرت الصالح»

نحو نهاية العصور الوسطى (حوالي ٥٠٠–١٤٥٠)، جمع المفكرون الأوروبيون مجموع المعارف التي كتبها القدماء، ودمجوها مع المعارف التي اكتسبوها من الحضارات الإسلامية إبان الحملات الصليبية، وبدءوا في تطوير طرقٍ للبحث كان من شأنها البدء في تحديد ملامح العلم الحديث. وكان أحد أبرز الشخصيات التي شاركَت في هذا الأمر ألبرتوس ماجنوس (حوالي ١٢٠٠–١٢٨٠ ميلاديًّا).38 وُلِد ماجنوس في شوابيا (الواقعة في جنوبي غرب ألمانيا)، وتلقَّى تعليمه في جامعة بادوا، وهناك تعرَّض لأول مرةٍ للمعتقدات الدومينيكية واعتَنَقها. وبعد ترسيمه أسقفًا، أُرسِل ألبرت إلى الدير الدومينيكاني في جامعة باريس في وقت ما قبل عام ١٢٤٥. وهناك تعمَّقَت قراءاته في النصوص العربية وكتابات أرسطو، وبدأ في شرح علم الفيزياء القديمة وغيرها من العلوم، وكتابة مُلخَّص للمعرفة الإنسانية. وكان معروفًا أيضًا بلقب «ألبرت الكبير» حتى في حياته.38 أُعلن ألبرتوس قديسًا في عام ١٩٣١، وأعلن قديسًا شفيعًا للعلوم الطبيعية بموجب مرسوم بابوي في عام ١٩٤١. وكان القديس توما الأكويني أحد طلاب ألبرت في جامعة باريس.38
fig9
شكل ١-٩: عالم كيمياء أمام جهاز التقطير من «كتاب المعادن لألبرتو ماجنوس»، وهو نص يعود إلى عام ١٥١٨ منسوب إلى ألبرت الكبير، لاحظ تلك القصيدة المبَيَّنة أعلى الرسم (بإذن من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).
fig10
شكل ١-١٠: لاحظ القصيدة المكونة من ستة أبيات أسفل هذا الرسم. هذا الرسم من «كتاب المعادن لألبرتوس ماجنوس»، أوبنهايم، ١٥١٨ (بإذن من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).
fig11
شكل ١-١١: (a) صفحة العنوان من نسخة أعيد طباعتها عام ١٦٦٨ من كتاب «الأسرار المذهلة» من تأليف «ألبرت الصغير» [«ألبرت الصالح»]، بالإضافة إلى الصور، (b) الإلهة فينوس (رمز النحاس)، و(c) جوبيتر (رمز القصدير) في عربتَي النصر خاصتهما.
fig12
شكل ١-١٢: عربات النصر الخاصة بالإله (a) ساتورن (الرصاص)، (b) ميركوري (الزئبق)، (c) لونا (الفضة)، (d) مارس (الحديد) من «ألبرت الصغير» (انظر الشكل ١-١١).
نُسِبَ العديد من الكتب خطأً إلى ألبرت الكبير، والقليل جدًّا من هذه الأعمال يبدو أنها مُستقاة فعليًّا من كتاباته الأصلية.39 الشكلان ١-٩ و١-١٠ من الطبعة المصورة الصادرة عام ١٥١٨ من أحد أعماله الأصلية القليلة عن الخيمياء وعلم الفلزات.40،41 يصور الشكل ١-٩ خيميائيًّا يُجري عملية تقطير. والشكل ١-١٠ من آخر صفحة في الكتاب — وهي مفقودة في أغلب النسخ — وتتضمَّن قصيدة عن الخيمياء من ستة أبيات.41
كان استدعاء اسم ألبرتوس ماجنوس أو حتى ذكر إشارات مثيرة للاهتمام تدل ضمنيًّا على وجود صلة بذلك العبقري المبجل الذي عاش في القرون الوسطى وسيلة فعالة لبيع الكتب. وفي الشكل ١-١١(a)، نرى صفحة عنوان من نسخة معادة طباعتها في القرن التاسع عشر من «كتاب السحر الطبيعي المذهل» الذي كتبه «ألبرت الصغير» أو «ألبرت بارفوس»، والذي نُشِر للمرة الأولى في عام ١٦٦٨.42،43 (لقد استخدمت اسم «ألبرت الصالح»؛ لتجنُّب أي خلط محتمل بألبرت الكبير، ولأن ذلك قد يكون أقل إهانةً من «ألبرت الصغير»). ورغم ما يقال عن أن هذا الكتاب «مجموعة معروفة من الغرائب والمستحيلات المتعلقة بالسحر»،43 فإن حقيقة أن الكتاب أعيدت طباعته على مدى قرنين ليسَت بالشيء المُنتقِد بالتأكيد. كم دار نشر سواء، كانت جامعية أو تجارية، يُمكنها أن تطالب بإصدار كتاب حقَّق أعلى مبيعات كهذا؟ الأشكال ١-١١(b١-١١(c١-١٢(a–d) تُصوِّر الآلهة في عربات النصر، ممثِّلين المعادن الستة القديمة إلى جانب الذهب: فينوس (النحاس)، جوبيتر (القصدير)، ساتورن (الرصاص)، ميركوري، لونا (الفضة)، ومارس (الحديد).
وفيما يلي وصفة ألبرت بارفوس لصناعة معجون الأسنان:44

خذ دم تنِّين وثلاث أونصات من القرفة، وأونصتين من الألومنيوم المكلسن؛ اسحق كل ذلك ليُصبح مسحوقًا ناعمًا للغاية، ونظِّف به أسنانك مرتين يوميًّا.

إنها لنصيحة سليمة وتركيبة جيدة؛ لكن من أين لك بذاك المكون الأول؟

(٦) من حكايات كانتربري عن الخيمياء

هل كان أعظم شعراء إنجلترا جهبذًا حقيقيًّا، أم أنه كان مجرد بارعٍ في كتابة الأبيات المقفَّاة؟ تتضمن «حكاية خادم القُمُّص» لجيفري تشوسر (١٣٤٠–١٤٠٠ تقريبًا) معرفة مفصَّلة بالعمليات الخيميائية،45 حتى إنَّ إلياس أشمول46 أدرج هذا العمل في كتابه «أدب الكيمياء الإنجليزي» — الذي نُشر عام ١٦٥٢ — بين أعمالٍ أخرى لآخرين من «أشهر الفلاسفة الإنجليز الذين كتبوا «طقوس الهرمسية» في لغتهم القديمة الخاصة.»47 ويُظهر كلٌّ من الشكلين ١-١٣ و١-١٤ رسومًا من كتاب «أدب الكيمياء الإنجليزي». في الشكل الأول، يناول الخبير الأعظم أسرارًا متعلقة بالخيمياء للخيميائيِّ الشاب قائلًا: «تناول منحة الرب مختومةً بالخاتم المقدس.»48 أما الشكل التالي، فيُظهر معملًا مُمَوَّلًا تمويلًا جيدًا يجري فيه العمل على قدم وساق، في إشارة إلى أن الخبير الشاب قد أَوْلى اهتمامه بالفعل للحصول على مشورة أكاديمية جيدة. وقد بات ناجحًا بعد سنوات في الحصول على المعونات والمنح، ويتقدم بخطًى وئيدة نحو الترقي واعتلاء المناصب.
fig13
شكل ١-١٣: يقول الخبير الأعظم للخيميائي الشاب «تناول منحة الرب مختومةً بالخاتم المقدس» (من كتاب أشمول، «أدب الكيمياء الإنجليزي»، ١٦٥٢، بإذن من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).
fig14
شكل ١-١٤: في هذه الصورة، يَظهر معملُ أبحاث مموَّلٌ تمويلًا جيدًا في عصر النهضة. تمر السنوات، ويُصبح ذلك الخيميائي الشاب الذي يظهر في الشكل ١-١٣ قادرًا على تعيين عالم أبحاث لبرنامج «اكتشاف الذهب من الرصاص» (جولد)، الذي تُموِّله الخزانة الوطنية (أشمول، «أدب الكيمياء الإنجليزي»، بإذن من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).
بحسب ما أشار خبير بحجم جون ريد، فقد «عاش تشوسر ذاته حياة مُكرَّسة لعمل لا جدوى منه بسرَّائها وضرَّائها.»49 ونُضيف إلى هذه الأدلة المفصَّلة ذلك الدليل القاطع، ألا وهو مجموعة من المخطوطات يرجع تاريخها إلى القرن السادس عشر في مكتبة كلية ترينيتي بجامعة دبلن بعنوان «جيفري تشوسر وأعماله»، والذي يصف إجراءين خيميائيين للحصول على حجر الفلاسفة متبوعَين بقصيدة في وصف الإكسير.45
ومع ذلك، تُشير أبحاث جاريث دونليفي الدقيقة إلى أن هذه المخطوطات منحولة نُسبت إلى تشوسر خطأً.45 فقد كانت الأعمال المنسوبة خطأً لجابر بن حيان، وألبرت الكبير، وأرنولد دي فيلانوفا، وهرمس نفسه أساليب شائعةً لجذب الانتباه خلال عصر النهضة. يُشير دونليفي إلى أنه في حين أن تشوسر ربما كان مُلمًّا بجوانب عامة من الخيمياء، فإن التفاصيل الواردة في «حكاية خادم القُمُّص» قريبة الشبه بكتابات أرنولد دي فيلانوفا.45؛ ومن ثَمَّ فإنه مُتشكِّك بشأن اشتغال تشوسر بالخيمياء، لكنه يُشير إلى أن المخطوطة نفسها ربما كانت مملوكة في فترة ما لمكتبة جون دي، الذي كان منجِّمًا، وعالم رياضيات، وخيميائيًّا خاصًّا للملكة إليزابيث الأولى.45

والآن، عودةً إلى «حكايات كانتربري». تُهيِّئ مقدمة «حكاية خادم القُمُّص» المشهد. القُمُّص، عالم دين، وفي هذه الحكاية يَشتغل كذلك بالخيمياء، يكون مسافرًا بصحبة خادمه أو مساعده حين يلتقيان جماعةً من المسافرين على الطريق. يقوم مُضيف مجموعة المسافرين بطرد القُمُّص، ويحكي الخادم المملوك ذو الوجه الرمادي الداكن من شدة الفقر، والذي يتعرَّض لأسوأ استغلال من سيده، قصةً مريرة وساخرة عن الخدع الخيميائية. ويبدو القُمُّص شبه «مدَّع» (فقد كان باحثًا جادًّا عن الحجر، لكنه ضل الطريق)، ونصف دجال.

عرض القُمُّص أن يُحوِّل مادة الزئبق الخاصة بأحد القساوسة إلى معدن الفضة الثمين باستخدام مسحوق إسقاط غامض. وكان القُمُّص، في الواقع، قد وضع أونصةً من الفضة الخالصة في ثقب في قلب كتلة من الفحم، وسدَّ الثقب بالشمع المسود. ويصف الخادمُ إغواءَ القُمُّص للقسيس كالتالي:
ستشهد الآن بعين رأسك
أنني سأحوِّل هذا الزئبق إلى فضة.
حقًّا لن تلبث أن ترى ذلك على مرأى عينك.
سأصنع منه فضةً نقيةً جيدة،
لا تختلف عما في كيس نقودك أو كيسي.
يُخرج القُمُّص مسحوقه الغامض:
لديَّ مسحوق كلَّفني كلَّ غالٍ ونفيس،
سوف يأتي بالخير كله، فهو أساس
حيلتي، التي سأريك إياها الآن.
يقف القسيس الجشع والساذج مراقبًا، بينما يُخرج القُمُّص بوتقته ويضعها في النار. فيصبُّ القسيس فيها الزئبق الذي يحمله ويُضيف القُمُّص بعضًا من مسحوقه، ويقول الخادم بكلمات مريرة:
نزولًا على مشيئة ذلك القُمُّص اللعين
وضع القسيس مادته تلك على النار،
ثم نفخ في اللهب، وجلس مُنتبهًا إليها كل الانتباه،
ليُلقي القسيس في هذه البوتقة
مسحوقًا، لا أعلم إن كان مصنوعًا من
الطباشير، أم التراب، أم الزجاج،
أو ربما من شيء آخر، لا قيمة له.
وها هي خدعة القُمُّص:
هذا القسيس المخادع؛ تخطَّفته الشياطين:
أخرج من جعبته قطعةً من فحم الزان،
كانت مثقوبة ببراعة شديدة،
وفي الثقب وضع أونصة من برادة الفضة،50
ثم سد الثقب بحِرفية
بالشمع، لئلَّا تنفرط منه برادة الفضة.

أخذ القسيس يُراقب النار بجدِّيَّة، فيما يصرف القُمُّص انتباهه إلى ما يحدث بالإشارة إلى أنَّ قِطع الفحم المحترقة بحاجة إلى إعادة ترتيب على الموقد، ثم قدَّم له قطعةً من القماش ليَمسح وجهه المبلَّل بالعرق. وما إن أُضيفَت كتلة الفحم المثقوبة الوسط، حتى توهَّجت النيران توهُّجًا شديدًا؛ لينضمَّ القُمُّص بعد ذلك إلى القسيس ليَجرعا شرابًا. وحين يعود إلى النيران، يجد القُمُّص قطعة الفضة قد تكوَّنت فيُخرجها ويُقدِّمها للقسيس الفرِح.

ثم تقع واقعةٌ أخرى؛ إذ يترك القُمُّص المحتال القسيس فعليًّا يُجري عملية التحويل بنفسه. فيُعطي للقسيس عصا تقليب مجوفة، ولك أن تُخمِّن أنها كانت محشوَّة بأونصة من الفضة المغلَّفة بالشمع المسودِّ. والآن، كان مسحوق الإسقاط يعمل تأثيره، دون أي تدخُّل من جانب القُمُّص، لصالح القسيس نفسه. ثم يأتي القُمُّص بعملية أخيرة؛ إذ يُحوِّل النحاس إلى فضة، تاركًا القسيس في نشوة من فرط الجشع المشوب بالفرح:
من كان أشد فرحًا من ذلك القسيس الأحمق؟
كان أكثر فَرِحًا من طائرٍ فرحٍ بطلوع النهار،
وأشد بهجةً من بلبل مُبتهج بموسم الربيع؛
لم يكن أحد أشد لهفة منه للغناء والطرب،
بل كان أكثر حماسًا من امرأة تُنشِد أناشيد الربيع.

دفع القسيس للقُمُّص أربعين جنيهًا، وهو مبلغ ضخم، مقابل أن يُعطيَه سرَّه (بما في ذلك المسحوق على حدِّ اعتقادي). لاحظ انعدام ثقة تشوسر في رجال الدين الذين كانوا يُعتبرون شيوعًا فاسدين خلال عصر النهضة؛ ففي هذه الحكاية، يوجد رجلَا دين، أحدهما فقير عديم الأمانة، والآخر ساذج فاحش الثراء.

يُمكننا أن نسمع القُمُّص وهو يقول للقسيس مودِّعًا إياه: «أعطيك ضمانًا باستعادة كل ما دفعت لي من مال! وإذا جئت إلى كانتربري في أي وقت … حاول أن تعثر عليَّ.»

(٧) سفينة الحمقى

في عام ١٤٩٤؛ أي قبل حوالي ٢٠ عامًا من الإصلاح البروتستانتي، نشر سيباستيان برانت،51،52 الشاعر الألماني وعالم الإنسانيات، كتاب هجاء شعري طويلًا بعنوان «سفينة الحمقى». وقد وصف بأنه «رجل ذو قناعات دينية راسخة وأخلاقيات صارمة، تصل إلى حد الاحتشام.»53 يتخيَّل الكتاب مجموعة من «الحمقى» يُظهرون أعرافًا وتجاوزات ترُوق لقرَّاء ذلك العصر من خلال التقليل من شأن أنماط شخصيات يَسهُل تمييزها. كانت السفينة المُحمَّلة بهؤلاء الحمقى متَّجهة إلى «ناراجونيا»، أرض الحمقى. كانت لغة الكتاب سهلة الفهم، وكانت الرسوم المطبوعة بالقوالب الخشبية (بعضها يَحتمل أن يكون لألبريخت دورر)54 مُمتِعة وجذابة. وقد نُشر من الكتاب ستُّ طبعات في حياة برانت (وكانت أول طبعة باللغة الإنجليزية في عام ١٥٠٩)، مع ظهور عديد من الطبعات الإضافية منها الأصلي ومنها المزيَّف خلال عام ١٦٢٩.55 وقد «أعيد اكتشاف» الكتاب مرةً أخرى بعد قرنين ونُشِرت منه طبعة في عام ١٨٣٩، وتوالت الطبعات على مدار القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين.
لم يكن برانت الذي اتَّسم بالتشدُّد يحمل تقديرًا كبيرًا للمُتع الحسية التي كانت يسيرة المنال في شوارع بازل، وقد عبَّرت مقدِّمته لقصيدته الخمسين «عن المتعة الحسية» عن احتقاره الذي يَعكِس استقامته:56
فالأغبياء بالشهوات نفوسهم ممتلئة،
ولا يَملكون قدرةً على الإبداع ولا مهارة،
وبالنسبة لكثيرٍ منهم، فإن نهايتهم باتت محتومة.
وكانت «الموسيقى الليلية» الرومانسية ممنوعة كذلك — بحسب مقدمة القصيدة رقم ٦٢ «عن الغناء للمحبوب في الليل»:57
وذاك الرجل الذي يُغازل محبوبته،
ويغنِّي أغنية في الليل،
يستدعي بذلك قضم الصقيع ولسعاته.
fig15
شكل ١-١٥: «الخيميائي المخادع» من «سفينة الحمقى». (هذا الشكل من طبعة عام ١٥٠٦ البازلية، بإذن من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء.)
هكذا، لا متع حسية ولا أغانٍ في الليل في شوارع بازل! وليس من المتوقَّع أن يكون برانت مُتفتِّح العقل، أو يتمتَّع بحسِّ الفكاهة حين يتعلق الأمر بممارسة الخيمياء كذلك، وهو كذلك بالفعل. ومن ثَمَّ، نجد في الشكل ١-١٥58 الخيميائيين يرتدون قبَّعات الأغبياء (يا للعار!) ومقتطفًا من القصيدة ١٠٢:59 «عن الزيف والخداع» (ها هو مكنون صدر برانت يتكشف!):
وليتنا لا ننسى الحديث
عن خيميائنا الخادعة،
تغدق بثمار من الذهب والفضة الخالصَين،
لكنهما في المغارف مختبئين.

ها هي حيلة قُمُّص كانتربيري العتيدة المتمثِّلة في «إخفاء الذهب في المغرفة أو عصا التقليب». وإني لأتساءل عما إذا كان برانت يتحدث عن خبرة ودراية، أم أنه شهِد فقط الاحتيال على القساوسة الأثرياء وهؤلاء الآخرين ممَّن يَسهُل خداعهم.

(٨) أول موسوعة حديثة

ظهر ذلك الرسم التوضيحي المتَّسم ببساطة لا تخلو من التأنُّق، والذي يُظهر خيميائيًّا يقوم على أتونه، فيما يظهر وراءه جهاز التقطير، والذي يظهر في الشكل ١-١٦، في الطبعة الأولى من كتاب «اللؤلؤة الفلسفية» الذي نُشِر عام ١٥٠٣.60،61 يُمثِّل هذا الكتاب «أول موسوعة حديثة ذات أهمية»،62 وقد طُبِعَ بعد أقل من خمسة عشر عامًا من طباعة يوهان جوتنبرج أول كتبه في عام ١٤٥٥. يعكس كتاب «اللؤلؤة الفلسفية» المنهج الجامعي في نهاية القرن الخامس عشر. ويُغطي الكتاب القواعد اللغوية، والمنطق، والبلاغة، والموضوعات الرياضية، والفلك، والموسيقى، والولادة، والتنجيم، والجحيم.63 فيما يُغطي المجلدان ٨ و٩ موضوعات كيميائية، من ضِمنها عملية التحويل.62 كان جريجوريوس رايش — مؤلف ذلك الكتاب — رئيسًا لدير الرهبان الكرتوزيين في فرايبرج وكاهن اعتراف لماكسيمليان الأول،63 الإمبراطور الروماني المقدَّس (١٤٩٣–١٥١٩)، الذي رسخ هيمنة أسرة هابسبرج الحاكمة في أوروبا.64
fig16
شكل ١-١٦: صورة لخيميائي يَرجع إلى أوائل القرن السادس عشر من «أول موسوعة حديثة ذات أهمية» (رايش، كتاب «اللؤلؤة الفلسفية»، ١٥٠٣، بإذن من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).

(٩) دلالات الحيوانات في الخيمياء

تُتيح لنا الرموز والاستعارات تَمثيل الظواهر التي لا نفهمها فهمًا كاملًا والأفكار التي لا نجد لها ترجمات عقلانية. قبل أربعة قرون مضَت، كان الذئب يُمثِّل السلوك «الأكَّال» للأنتيمون (أو كبريتيد الأنتيمون) على الفلزات «الخسيسة». وبالانتقال إلى مستوًى أعمق، حيث العقل الباطن، قد نُوظِّف اللغة المجازية الجنسية لتوصيل المفاهيم المُتعلِّقة بالطبيعة المذكَّرة والمؤنَّثة للأشياء. ولآلاف السنين، كانت هذه الثنائيات تشرح خواص المادة التي لا يُمكن فهمها إلا من خلال الرموز. ولا عجب في أن عالم النفس كارل يونج قد أسهب في كتاباته عن الرمزية في الخيمياء.65

(٩-١) الذئب والملك الميت

في العام ١٦١٧، ألَّف مايكل ماير كتابًا مصوَّرًا برسومٍ رائعة بعنوان «مقطوعات أتلانتا»، والذي ألَّف له ٥٠ مقطوعة فوغا موسيقية لتُصاحِب ٥٠ رسمًا (رمزًا) يوضح كلٌّ منها عملية خيميائية.66 وقد ألَّف ماير كل مقطوعة فوغا على شكل قصيدة قصيرة في ثلاثة أبيات لثلاثةِ أصوات، حيث يشير كلُّ صوت إلى العناصر الخيميائية الثلاثة الأساسية؛ الكبريت والزئبق والملح (في بروكلين، يُترجم ذلك إلى «ثلاثة أصوات لثلاثة أبيات»).
fig17
شكل ١-١٧: إليك سؤالًا جيدًا لاختبار نهاية العام في مادة مبادئ الكيمياء: اكتب وصفًا للتفاعلَين الكيميائيَّين البسيطين اللذَين يُجسِّدهما هذا الشكل (إشارة: فكر في تنقية الذهب.) هل ما زلت «في حيرة»؟ إذن انظر النص المصاحب (الشكل من كتاب «مقطوعات أتلانتا» لماير (١٦١٧) بإذن من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).
في الشكل ١-١٧، الذي يُصور الرمز ٢٤ في كتاب «مقطوعات أتلانتا»، يَظهر رسم كيميائي بارعٌ لعملية تنقية الذهب.67 يَرمز الملك الميت إلى الذهب غير النقي — لنقُل الذهب المُختلط بالنحاس والفلزات الخسيسة الأخرى. ويَرمز الذئب — الذي غالبًا ما يُمثِّل الأنتيمون الفلزي — هنا إلى خام الأنتيمون أو كبريتيد الأنتيمون. يوجد الأنتيمون على نحوٍ شبه دائم في حالة مُختلطة (أي «لا يكون منفردًا») — ونادرًا ما يكون «ذئبًا منفردًا». يَلتهم الذئب الملك الميت؛ وهذا يَعني أنه باستخدام الحرارة، يفقد الأنتيمون الكبريت الذي يدخل في رابطة مع النحاس والفلزات الخسيسة الأخرى، فيما يتَّحد الأنتيمون مع الذهب مُكوِّنين سبيكة مُنصهِرة. أما كبريتيدات النحاس والفلزات الخسيسة الأخرى، فتُكوِّن زبدًا يسهل فصله من السبيكة المُنصهِرة. بعد ذلك، توضع السبيكة في النار، حيث يُشكِّل الأنتيمون المتفاعل كيميائيًّا أكسيدًا يتصاعَد، تاركًا عنصر الذهب المُنصهِر والخامل كيميائيًّا (الملك المبعوث). وقد أثبت بيير لازلو أن اليابسة والنهر في هذه الصورة (وصور أخرى في كتاب «مقطوعات أتلانتا») تُشير ضمنًا إلى الاختلاف بين الطرق الجافة والرطبة لإجراء العمليات الكيميائية.68 لا أعرف كيف لهذه الصورة أن تكون سؤالًا في امتحانات نهاية العام الدراسي في مادة مبادئ الكيمياء؟

(٩-٢) الأُسُود والتنانين والثعابين، يا إلهي!

fig18
شكل ١-١٨: الصراع المتَّقد بين الأسد الأخضر المجنَّح (عنصر الأنوثة المتطايرة؛ الزئبق «الفلسفي») والأسد الأحمر (عنصر الذكورة الثابتة؛ «الكبريت الفلسفي») (من كتاب «مقطوعات أتلانتا». بإذن من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).
تُمثِّل الكيانات المترابطة، سواء كان ذلك الترابط في شكل صراع أو عناق حار (أو كليهما) ترابط العناصر المُتقابِلة [الذكورة والأنوثة؛ الكبريت الفلسفي والزئبق الفلسفي] التي يُعتَقَد أنها تُشكِّل كل المادة. فيجسد الشكل ١-١٨، (الرمز ١٦ من كتاب «مقطوعات أتلانتا») شجارًا بين أسدين. الكائن المجنَّح على اليسار هو الأسد الأخضر، الذي يُمثِّل الزئبق الفلسفي المتطاير (لذلك فهو مجنَّح): وهو العنصر الأنثوي. أما الذكر فهو الأسد الأحمر، ويرمز إلى الكبريت الفلسفي، وهو نفسه رمز للثبات وقابلية الاحتراق.67

(٩-٣) دم التنين

fig19
شكل ١-١٩: صفحة العنوان من كتاب «دليل المسافر» لماير (الطبعة الثانية، ١٦٥١؛ صدرت الطبعة الأولى عام ١٦١٨) التي تُمثَّل فيها المعادن السبعة القديمة (من القمة إلى اليمين في اتجاه عقارب الساعة): الذهب، الفضة، الحديد، النحاس، القصدير، الرصاص، الزئبق. الشخص المصوَّر في مُنتصَف أعلى الشكل هو المؤلف الكونت مايكل ماير، الذي لقَّبه المؤرخ الكيميائي جون ريد ﺑ «الخيميائي الموسيقي».
fig20
شكل ١-٢٠: وصفة «دم التنِّين» (حجر الفلاسفة): (١) يُتخم الفيل نفسه بالماء. (٢) تتربَّص بالفيل المُتخم أفعى تنقضُّ عليه وتُحكم الالتفاف حوله وتشرب دماء فريستها. (٣) ينهار الفيل خائر القوى و«يسحق» الأفعى تمامًا؛ هكذا يسير الأمر. (٤) يُفيد «دم التنين» في عملية الإسقاط الخيميائية (من كتاب «دليل المسافر» لماير، الطبعة الثانية، ١٦٥١).
في كتاب ماير «دليل المسافر» الصادر عام ١٦١٨، (الشكل ١-١٩69 يَشرح ماير كيفية تكوين دم التنين، وهو رمز آخر لحجر الفلاسفة. يُتخم فيلٌ نفسه بالماء، فيما تقبع حيَّةٌ تُشبِه التنين متربصةً له، فتنقضُّ عليه وتُحكم الالتفاف حول جسدِه وتَشرب دماءه (كما في الشكل ١-٢٠). لكن الفيل الذي خارت قواه يَنقلِب على الأفعى ويسحقها محوِّلًا إياها إلى قطعة لحم دامية. إن دماء التنين هذه، المُشبعة بالمادة الجوهرية للفيل، هي في الواقع صبغة حمراء أو حجر الفلاسفة. ولا يُمكن للصورة المجازية الجنسية الكامنة وراء هذه القصة الرمزية أن تَخفى عن إدراك أي ذي عقل.

(٩-٤) السلمندر روح النار

يُستخدم السلمندر لتصوير «بذرة الذكورة المتَّقدة» التي تَبقى مشتعلة وتتغذَّى على النار.70 كثيرًا ما يُشبَّه حجر الفلاسفة بالبذرة التي قد تُضاعف المعادن. وأحيانًا ما يُمثِّل السلمندر النار أو رُوح النار.71 ويفيد الرمز ٢٩ من «مقطوعات أتلانتا» (الشكل ١-٢١) وقصيدته القصيرة في شرح هذه العلاقة الغامضة (وغير الواضحة لي على الإطلاق): «يطفئ السلمندر اللهب ثم يمضي.»66
fig21
شكل ١-٢١: السلمندر (من كتاب «مقطوعات أتلانتا»، بإذن من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء)، الذي يُمثِّل خاصية مقاومة النار التي يتميَّز بها حجر الفلاسفة. حين زار بنجامين سيليمان أستاذ الكيمياء في جامعة ييل معمل جيمس وودهاوس قائظ الحرارة (١١٥ درجة فهرنهايت) في فيلادلفيا في صيف عام ١٨٠٢، أشار إلى المكان بأنه «بيت السلمندر» (انظر صفحة ٢٢٢).

(٩-٥) العنقاء الوحيدة المعروفة والرائعة

لا يُمكن أن يوجد في عالَمنا هذا سوى طائر عنقاء72 واحد. هذا الطائر الرائع ينشأ من رماد طائر العنقاء الذي سبقه، الذي يُضحي بنفسه بعد ٥٠٠ عام من عيشه وحيدًا محرومًا من ممارسة الجنس. ونظرًا للارتباط الوثيق لِذَكر العنقاء بالأساطير المصرية القديمة، يَبدو أن هذا الطائر ذو أصول شرقية قديمة. أما على المستوى الثقافي، فالعنقاء رمز للميلاد مرة أخرى والحياة بعد الموت. وفي اللغة المجازية الخيميائية، يُمثِّل العنقاء الأخير بين أربعة طيور تُمثِّل التغيرات اللونية المتتابعة خلال العمل العظيم (انظر الشكل ١-٢٢):
  • (١)

    الغراب، الأسود، الانحلال.

  • (٢)

    البجعة، الأبيض، التكلس.

  • (٣)

    الطاوس، اللون الأصفر، أو ألوان قوس قزح الدالة على التغير.

  • (٤)

    العنقاء، اللون الأحمر، الصبغة الحمراء، أو حجر الفلاسفة.

fig22
شكل ١-٢٢: هل ترى العنقاء جاثمةً أعلى «مزهرية هرمس» (والتي شبهها آدم ماكلين — الخبير بتفسير النصوص والرموز الخيميائية — بنوع من الماندالا الغربية)؟ (من كتاب ليبافيوس «الخيمياء» ١٦٠٦.) تُمثِّل العنقاء المرحلة الأخيرة من التغيرات اللونية الأربعة التي تحدث خلال العمل العظيم. يبدأ العمل العظيم من مرحلةٍ دنيا مظلمة (يُرمز إليها بالغراب الأسود)؛ ثم تبيضُّ الكتلة الكيميائية خلال عملية التكليس (التي يُرمَز إليها بالبجعة)؛ ثم تمر بتغيرات لونية مبهجة (الطاوس)، لتنتهي بنشوء العنقاء الحمراء.
fig23
شكل ١-٢٣: رسم ياباني يعود إلى القرن التاسع عشر بالألوان المائية على ورق الأرز يُصوِّر طائر العنقاء. هل كان الأيقونة السينمائية في خمسينيات القرن العشرين «رودان» عنقاء نشأت من رماد القنبلة النووية؟
fig24
شكل ١-٢٤: شعار الجمعية الكيميائية الأمريكية، الذي يتضمَّن طائر العنقاء وجهاز تحليل الكربون الذي ابتكره يوستوس ليبيج في أوائل القرن العشرين، والذي أحدث ثورةً في تحليل المركبات العضوية. وفي هذا الشعار استحضار رائع لكلٍّ من الجذور الغامضة والعقلانية لعلم الكيمياء (بإذن من الجمعية الكيميائية الأمريكية).
fig25
شكل ١-٢٥: «احذر الطيور الجارحة المتحابَّة …» تُمثِّل الطيور الجارحة المتحابة تزاوج الذكر والأنثى (سول ولونا؛ الكبريت والزئبق). (هذه الصورة من كتاب «جوهر الحكمة في الطب والكيمياء والخيمياء» (١٧٥٥).)
fig26
شكل ١-٢٦: «واجتنب الباسيليسك الغاضب.» الباسيليسك (أو الأفعى الديك) هي رمز لعملية «الإسقاط»، تلك القوة الغامضة لحجر الفلاسفة لتحويل المعادن عن بُعد. أحيانًا ما تُصوَّر في شكل سحلية، وفي بعض الأحيان، تُصوَّر كمزيجٍ ما بين السحلية والديك، وأحيانًا كأفعى (كوبرا باصقة). إنَّ نظرة الباسيليسك وحدها قاتلة. (من «كتاب السموم» لجريفان ١٥٦٨، ١٥٦٧.) (بإذن من أكاديمية نيويورك للطب وبي آند إس جفنتر: «للنشر» — فكلٌّ منهما قدَّم نسخًا من هذه الصورة.) هل كان جودزيلا الأيقونة السينمائية اليابانية باسيليسك؟
يُبيِّن الشكل ١-٢٣ مروحةَ يد يابانية تعود إلى القرن التاسع عشر (بالأبيض والأسود وليس بلونها الفعلي) مزينةً برسم بالألوان المائية لطائر العنقاء. يحمل هذا الرسم شبهًا مثيرًا للدهشة بذلك الرمز الثقافي الذي يعود إلى القرن العشرين؛ الوحش رودان، الذي تدور حوله أحداث مجموعة من الأفلام اليابانية التي أُطلق عليها اسم Plastique Monstresque73 (والذي يعني بالعربية «الوحوش الاصطناعية»). في الواقع، ينشأ «رودان» من رماد الاختبارات النووية ليُهدد الأرض، ويُعلِّمنا جميعًا درسًا جيدًا. إنه طائر عنقاء وُلِد على محرقة جثث القنبلة الذرية.
تتَّخذ الجمعية الكيميائية الأمريكية (انظر الشكل ١-٢٤) — ذلك الكيان العلمي المهيب — لنفسها شعارًا يظهر فيه طائر عنقاء يعلو جهاز تحليل الكربون في المركبات، والتي اخترعها يوستوس ليبيج في القرن التاسع عشر.74 ما فائدة «ذلك» الجهاز؟ كان هذا الجهاز يقوم بقياس ثاني أكسيد الكربون (CO2) المُنبعث من احتراق المركبات العضوية على نحو دقيق، مما أفاد في وضع صيغ دقيقة، وفهم الآلية العلمية وراء «غابة» الكيمياء العضوية البدائية الشاسعة.75 على النقيض التام، يُمثِّل طائر العنقاء ذروة العملية الخيميائية. يبدو لي أن زملائي الكيميائيِّين يحاولون تأمين أنفسهم من الفشل — بحيث يلجئون أولًا إلى الكيمياء المنطقية، فإن لم تُفلح فهناك السحر.

(٩-٦) احذر الطيور الجارحة المتحابة76

يُمثِّل التزاوج موضوعًا رئيسيًّا في اللغة المجازية الخيميائية؛ فالثعبانان المتشابكان كجديلة حول قضيب الزئبق يشكلان عصا هرمس، شعار مهنة الطب (انظر الشكل ١-٢٥).77 تُشكِّل هاتان الأفعيان المُتحابتان ثلاث دوائر تُمثِّل ثلاث دورات انفصال وارتباط بين جوهرَي الذكورة والأنوثة.78 يعلو الأفعيان طائران جارحان مُتحابان79 مُتلاصِقان كذلك، يلتهم كلٌّ منهما الآخر في خضمِّ تزاوجهما، ما يُمثِّل عملية الانحلال/الارتباط الكيميائية وفقدان الهوية الفردية. واللياقة العامة تمنع تجسيد التزاوج الكيميائي بين الرجل والمرأة (سول ولونا أو الشمس والقمر).80

(٩-٧) واجتنب الباسيليسك الغاضبة76

إن تحوُّل «الفلزات الخسيسة» إلى فضة أو ذهب يتحقَّق في النهاية من خلال عملية «الإسقاط» — وهي عملية غير قابلة للشرح يُمكِن أن تحدث عن بُعد — حيث «تسقط الصبغة الحمراء من قلب «الملك الأحمر» (الحجر الأحمر) لتَغمُر رعاياه، الذين يُمثِّلون المعادن الخسيسة.»81 والباسيليسك أو (الأفعى الديك) (الشكل ١-٢٦)82 هي أفعى تَنتمي إلى عالم الأساطير الرومانية.83 تقول بعض الروايات إن الباسيليسك تخرج من بيضة ديك بعد رقود أفعى عليها. فيما ترى روايات أخرى أنها «هجين سام بين ديك وعلجوم».84 ومجرد النظر إلى الباسيليسك (أو التعرُّض لانبعاثاتها من بعيد) كفيل بأن يؤدِّي إلى الوفاة.85

ما من موت أسرع من موت إنسان بسُمِّ الأفعى الديك؛ فإنها تقتله بالنظر إليه؛ إذ إنَّ الأشعة المنبعثة من عينَي الأفعى الديك تُفسد الروح الظاهرة للإنسان، وحين تفسد هذه الرُّوح الظاهرة، تفسد معها كل الأرواح الأخرى التي تأتي من المخ وحياة القلب، وبفساد هذه الأرواح، يموت الإنسان.

بل يَزداد الأمر رعبًا:85

ولا تَقتل الأفعى الديك فقط عن طريق فحيحها ونظراتها، (كما قيل في الجورجونات)، وإنما تَقتُل أيضًا باللمس، سواء اللمس المباشر أو عن طريق وسيط؛ وهذا يعني أنها لا تَقتل فقط حين يمسُّ إنسان جسدها نفسه، ولكن كذلك عند لمسِ السلاح الذي قُتِل به الجسد نفسه، أو الذي قَصد قتل أيِّ حيوان آخر، وثمة قصة شهيرة عن الأفعى الديك تحكي أن فارسًا تلقَّى حربةً في يده، سُدِّدت له عبر الأفعى الديك، فإذا بجسده يَمتصُّ السم فيموت، ويُقتل معه فرسه كذلك.

من الواضح أنها رمز للإسقاط الخيميائي عن بعد. فكر في الأمر، يُقدِّم لنا اللون السينمائي الجديد الذي يُسمى الوحوش الاصطناعية بازيليسك73 يبلغ طولها ٤٠٠ قدم وتُسمَّى جودزيلا، تُدمِّر أنفاسُها طائرات القوات الجوية النفاثة والدبابات الحربية التي تقع على بُعدِ مئات الأمتار.
في الواقع، من السهل أن نتوقَّع أن تكون الكوبرا هي الأساس الذي قامت عليه أسطورة الباسيليسك؛ فهي من أكثر الثعابين سمِّيَّةً في العالم؛ فالكوبرا الباصقة يُمكِن أن تُسبِّب العمى عن بُعد، والحجم الهائل لملك الكوبرا (الذي ذُكر أنَّ أحدها يبلغ طوله ١٨ قدمًا)،86 مقترنًا بوضعية هذه الأفعى الرأسية المُرتفعة ومظهرها المُقنَّع، هما «جوهر» الأسطورة.

(٩-٨) الأوروبورس (أم حلم كيكوله الذي تحقق؟)

الأوروبوروس هي أفعى لا تنفكُّ عن التهام نفسها بينما تنشأ من جديد. ولا شك أن هذا المبدأ ينبع من فكرة السقوط الدوري لجلد الثعبان كي يُكوِّن جلدًا جديدًا تمامًا. تُمثِّل الدائرة الوحدة والاستمرار. تستحضر الأوروبوروس إلى الأذهان عملية التقطير المرتد الدائرية باستخدام تقنية إعادة السريان التي تحدث في جهاز قديم كان يُستخدم في التقطير (أو حتى في أجهزة إعادة السريان الحديثة). هل حلمَ أوجست كيكوله بالأوروبوروس فيما كان يتخيَّل حلقة البنزين؟87،88 يُظهر الشكل ١-٢٧، وهو للشعار ١٤ من «مقطوعات أتلانتا»،66 نسخةً أخرى من فكرة الأوروبوروس. وتقول القصيدة القصيرة المرتبطة بهذا الشعار:66
تقرض هذه السلائل الجائعة أذيالها،
وقد علَّم الجوع الإنسان أكل أخيه،
يعضُّ التنِّين ذيله ويبتلعه
آكلًا جزءًا كبيرًا من جسده؛
غلَبَه الجوع والحبس والحديد حتى
أكل نفسه، ولفظها، ومات لينشأ من جديد.
fig27
شكل ١-٢٧: الأوروبوروس — شعار الاكتمال، ودورة الحياة، بل وبقاء المادة. لا ينفكُّ الأوروبوروس عن التهام نفسه، بينما ينشأ من جديد. هل حلم أوجست كيكوله بالفعل بالأوروبوروس حين افترض أن البنزين مركَّب ذو بناء حلقي؟ (من كتاب «مقطوعات أتلانتا»، بإذن من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء.)
fig28
شكل ١-٢٨: الوحدة الفلكية بين الكون الأصغر والكون الأكبر في كتاب أثانسيوس كيرشر «الكون الخفي» (١٦٦٥). تُمثِّل الشمس قلب الإنسان، بينما المخ البشري يُمثِّله القمر (بإذن من دار جيه إف بوتاك ساينس بوكس للنشر).
fig29
شكل ١-٢٩: رسم لأتون مذهل خاص بالوصفات العشبية الخيميائية من كتاب كيرشر «الكون الخفيِّ». فماذا كان الغرض الحقيقي من هذا الأتون الذي يُقال إنه موجود في كلية اليسوعيين في روما؟ (بإذن من دار جيه إف بوتاك ساينس بوكس للنشر).
fig30
شكل ١-٣٠: يبدو أن معمل كلية اليسوعيين في روما كان مجهَّزًا لإجراء كل أنواع التقطير. يستدعي الجهاز E إلى الأذهان ذلك الذئب المذكور في أسطورة رومولوس وريموس، وذلك الجهاز الطويل ذو الشكل البجعي M (العمود الأيسر، الشكل الثاني من الأسفل) أشبه برجل دين صارم يقف على منصة ويعظُ جموعه (من كتاب كيرشر «الكون الخفي»، بإذن من دار جيه إف بوتاك ساينس بوكس للنشر).

هل يُمكن أن يكون الأوروبوروس كذلك رمزًا لقانون بقاء المادة، قبل وقت طويل من مجيء لافوازييه؟ لعل كيكوله وحده هو من كان سيعرف الإجابة عن هذا السؤال بالتأكيد.

(١٠) من هو أثانسيوس كيرشر؟ وما السبب وراء تلك الفظائع التي تقال عنه؟

الأشكال من ١-٢٨ إلى ١-٣٠ من كتاب «الكون الخفي»89 (١٦٦٥) من تأليف أثانسيوس كيرشر (١٦٠٢–١٦٨٠)، الراهب اليسوعي الذي بدأ حياته المهنية في فورتسبورج لتنتهي في كلية اليسوعيين في روما.90 لقد كان شخصًا على درجة عظيمة من العلم ودرجة مُذهِلة من السذاجة في الوقت ذاته. ويجدر بنا أن نذكِّر القارئ بأن العالِمَين البارزَين بويل ونيوتن، اللذين عاشا في القرن السابع عشر، كانا يصدقان في الخيمياء إلى حد السذاجة. كما يروق لي أن أرى في شخصية يوهان بابتيست فان هيلمونت الذي وُلِد في منتصف القرن السابع عشر نصف عالِمٍ ونصف عالِمٍ زائف.91 وقد ألَّف كيرشر مجلدات؛ إلا أن المؤرخ العلمي جون فيرجسون يقول عنه:92

كان كيرشر رجلًا واسع — بل غزير — المعرفة، وغزير السذاجة والمعتقدات الخرافية والثِّقة في آرائه أيضًا. وما من أحد في هذا المجال المعرفي بأسره قد تفوَّق عليه في عدد الأعمال وضخامتها، وانعدام الفائدة منها.

يضم كتاب «الكون الخفي» مجموعة ضخمة من المعلومات التي تصف كيمياء التعدين، وكيمياء الفلزات، والكيمياء الدوائية، بالإضافة إلى الكيمياء المفيدة للفنانين والحرفيين.90 أما الشيء الأبرز — من وجهة النظر التاريخية — فهو عدم إيمانه بالخيمياء المشروحة في كتاب «الكون الخفي». ربما لا عجب في أن بويل قد «اعترض على دفع ٤٠ شلنًا مقابله.»90،93
يبين الشكل ١-٢٨ تصويرًا فلكيًّا صرفًا لوصف الجسم البشري من منظور الكون الأكبر (الماكروكوزم) والكون الأصغر (المايكروكوزم)، وعملياته التي تُمثِّل الكون الأكبر. وفيما يَلي العلاقات94 التي يَطرحها في الكتاب: الشمس تعني القلب، والقمر يعني المخ، والمشتري يعني الكبد، وزحل يعني الطحال، والزهرة يعني الكُليَتَين، وعُطارد يعني الرئتين، والأرض تعني البطن، والأوردة تعني الأنهار، والمثانة تعني البحر، فيما تُمثِّل الأطراف السبعة الرئيسية المعادن السبعة القديمة.
أما الشكل ١-٢٩، فيقال إنه ﻟ «أتون لصناعة الأدوية» في كلية اليسوعيين في روما، رغم أن بارتينجتون يؤكد أنه قد «أُطلِق عليه هذا الاسم كذبًا لإخفاء وظيفته الحقيقية.»90 وإن المرء ليتساءل ما إذا كان ذلك الجهاز، الأشبه بكائنٍ فضائي محمَّل بصغاره التي تخرج من بيضها للتوِّ، له وجود حقيقي من الأساس أم لا. وأعترف أن أحد أجهزة التقطير المبيَّنة في الشكل ١-٣٠ تذكرني بالذئب الذي أرضع رومولوس وريموس؛ جزء من أساطير روما القديمة.

(١١) سحر غير طبيعي: الساحرات وعصي التقليب العظمية

تعود أساطير الساحرات إلى آلاف السنين، وهي حاضرة في جميع الحضارات تقريبًا في أشكال مختلفة اختلافًا بالغًا.95 وقد ازدادت أساطير الحضارة الغربية المتعلِّقة بالسحر تطورًا مع انتهاء الحملات الصليبية واستجلاب كل الأمور المتعلقة بالكيمياء، والفلك، وكل المعتقدات الباطنية الأخرى من بلاد المسلمين. وفي السنوات الأولى من أوروبا النهضة، كانت الساحرة على الأرجح شخصًا لم يتواءم داخل النظام الراسخ في قرية صغيرة؛ ومن ثَمَّ كانت يُعتقد أنها تسبب حالة من عدم التناغم.95 قد ترفض عائلة من عائلات القرية ذلك الشخص المنبوذ، الذي كان في بعض الأحيان رجلًا أو امرأة عجوزًا في حاجة إلى المساعدة في جمع الحطب على سبيل المثال؛ ذلك النوع من المساعَدة المُتوقَّع الحصول عليه في أي مجتمَع ذي نسيج مترابط. وبعد أسبوع، قد يَمرض أكبر أبناء هذه العائلة فجأة وتولد ساحرة. ويُمكن أن يكون انتقام الساحرة أكثر هولًا؛ كأن يتدفَّق فيضان طبيعي يستمر «خمسين عامًا». غير أنه في وقتٍ ما خلال القرن الخامس عشر، كانت الساحِرات يُتهمْن بأنهنَّ قرينات الشيطان،95 وأن مُمارساتهنَّ ما هي إلا مظاهر للشر الصرف؛ ولذا كانت المُحاكمات والإعدامات هي العلاج الوحيد. انتقلَت هذه المعتقَدات إلى العالم الجديد مع أتباع المذهب البيوريتاني وكان لها أبلغ الأثر في مدينة سالم في ماساتشوستس، حيث أقنعت حكايات السحر الأسود، التي كانت ترويها جارية من الهند الغربية تدعى تيتوبا، ثلاث فتيات يافعات بأن بهنَّ مسًّا من الشيطان.96 وقد أسفرت حالة الهستيريا التي تسبَّبت بها هذه الواقعة عن إقامة «محاكمات الساحرات» التي عُقِدت لنحو ٣٠ امرأة بين شهرَي مايو وأكتوبر من عام ١٦٩٢. وكان التعذيب أسلوبًا منطقيًّا خلال «حالة الطوارئ» تلك، فيما حُكم بالإعدام شنقًا على تسع عشرة امرأة اتُّهِمن ﺑ «ممارسة السحر».
كان «سبت الساحرات»97 طقسًا ليليًّا صاخبًا حافلًا بالسلوكيات الماجنة المحرَّمة. ويدور حول هذا الطقس مشهد «ليلة فالبورج» في مسرحية «فاوست»، ومقطوعة «ليلة على سفح الجبل الأجرد» لموسورسكي. ويُوضِّح الشكل ١-٣١ مقطعًا صغيرًا من منحوتة جاك دو غين الثاني بعنوان «سبت الساحرات» والتي تعود إلى أوائل القرن السابع عشر. ورغم أن النسخ الحديثة من صور الساحرات التي تظهر في عيد القديسين (الهالويين) تكون في المعتاد لسيدات عجائز نحيلات، فإن الجسد الأنثوي القوي الذي تبدو عليه الصحة في تلك المنحوتة لا يبدو أنه احتاج إلى مساعدة في جمع الحطب. وهي تستخدم عظمة بشرية ضخمة، ربما لتقليب مكونات دهان «للطيران إلى القمر»؛ فقد كان من الشائع أن الساحرات كنَّ يُجهزن زيوتًا للجسم تمنحهنَّ القدرة على الطيران (فعلى كل حال، لم تكن المكنسة القشية هي التي تُساعدهن على الطيران). ولكن كيف أساءت ساحِرة دي غين إلى قريتها؟ لربما كانت ببساطة أكثر براعةً في الكيمياء من عطَّار القرية، الذي تصادَفَ أيضًا أن كان شقيقًا لعمدة القرية.
fig31
شكل ١-٣١: مقطعٌ صغير من منحوتة «سبت الساحرات» لجاك دو غين الثاني. تستخدم الساحرةُ ذاتُ الجسدِ القوي الموفورِ الصحة التي في المقدمة ملاطًا ومِدَقَّة لطحن المكونات اللازمة لصنع زيت الجسم الذي يُمكِّنها من الطيران. (الصورة بتصريحٍ من مكتبة كراون وسبيلمان، كولفر سيتي، كاليفورنيا.)
من المُذهِل أن تُدرك أن جوزيف جلانفيل (١٦٣٦–١٦٨٠)،98 الذي لعب دورًا حيويًّا في الدفاع عن المناهج التجريبية الحديثة في العلوم، كان يؤمن بالساحرات؛ فقد كان يذهب، وهو الكاهن المُرسَّم، إلى أن العلم لا يتعارَض مع الدين، وأنَّ الدراسات التجريبية للعالم الطبيعي من شأنها إضفاء مزيد من التمجيد على أعمال الرب. وقد كان زميلًا منتخَبًا لجمعية لندن الملكية في عام ١٦٦٤، لكنه كان يؤمن بأن أرواحًا شريرة تَسكُن العالم، ودافع عن هذه الآراء في أعماله «تأملات فلسفية في شأن السحر والساحرات» (١٦٦٦)، وكتاب «الأدلة الكاملة والقاطعة عن الساحرات والعفاريت»، وقد نُشر هذا الكتاب الأخير بعد وفاته.
على النقيض، كان جون ويبستر (١٦١٠–١٦٨٢)،99 وهو كاهن مُرسَّم آخر، وداعم للجمعية الملكية، أكثر عملية وأقل سذاجة من جلانفيل. وقد انتقد ويبستر آراء جلانفيل في كتابه «مظاهر السحر المزعوم» (١٦٧٧). مارس ويبستر الطب والكيمياء، وفي كتابه «تاريخ المعادن» (١٦٧١)، وجَّه ويبستر النقد اللاذع الموضَّح أدناه لمؤلفين آخرين لأعمال عن علم الفلزات:100

لو كان المؤلفون الذين كتبوا عن مملكة المعادن سيُقدَّرون وفقًا لأعدادهم ووفرتهم، لظن المرء أن هذا النوع من العلم قد بلغ بالفعل قمَّته وذروته. غير أننا إذا ما وزنَّاهم بجوهر ما كتبوا وثقله، لوجدنا أن معظم عملهم لا ثقلَ له، وأن كتاباتهم لا تحمل الكثير من القيمة.

هوامش

(1) N. Schwartz-Salant, Encountering Jung on Alchemy, Princeton University Press, Princeton, 1995.
(2) I. MacPhail, Alchemy and the Occult; Yale University Library, New Haven, 1968, pp. xv–xxxii (essay by A. Jaffe).
(3) B. Pullman, The Atom in the History of Human Thought, Oxford University Press, New York, 1998.
(4) A. M. Rossi, F. Rossi, and J. C. Singer, Selections 1994, Rossi & Rossi, Ltd., London, 1994. I am grateful to Ms. Anna Maria Rossi, Rossi & Rossi, London, and Ian Alsop, Editor, Asianart.com, Santa Fe, New Mexico for permission to employ the Vajrapani mandala image.
(5) A. McLean, The Alchemical Mandala, Phanes Press, Grand Rapids, 1989.
(6) McLean, op. cit., pp. 62–69.
(7) The author thanks Ms. Rita L. Schumaker, Charlotte, North Carolina, for this original drawing and for discussion of its themes.
(8) I am not certain about the identity of the artist. One possibility is Johann Heinrich Winckler (1703–1770).
(9) L. Abraham, A Dictionary of Alchemical Imagery, Cambridge University Press, Cambridge, UK, 1998, p. 51.
(10) J. Read, Prelude To Chemistry, The Macmillan Co., New York, 1937, p. 12; p. 148.
(11) Abraham, op. cit., p. 169.
(12) Abraham, op. cit., pp. 31-32.
(13) The New Encyclopedia Britannica, Encyclopedia Britannica, Inc., Chicago, 1986, Vol. 10, p. 188.
(14) Read, op. cit., pp. 230–232.
(15) Many faiths and philosophies include their own mystical numerological systems. For example, the Hebrew Kabbala, first appearing in the twelfth century, had its roots more than a millennium earlier. The Creation was a process involving 10 divine numbers and the 22 letters of the Hebrew alphabet. Together these two numbers provided the 32 paths to wisdom (see The New Encyclopedia Britannica, Encyclopedia Britannica, Inc., Chicago, 1986, Vol. 6, p. 671). A truly religious fan likewise intrinsically understands the Kabbala of Baseball: 3 (strikes for an out; outs for a half inning); 4 (balls for a walk); 7 (games in the World Series); 9 (innings; field positions); 13 (uniform number to avoid); 44 (the all-time home-run champ Hank Aaron’s uniform number—a uniform number to seek); 60, 61, 70, 73 (home-run records established in tum by Babe Ruth, Roger Maris, Mark McGwire, and Barry Bonds); and 1955 (only year in the Modern Era in which Brooklyn won the World Series).
(16) J. Read, From Alchemy to Chemistry, Dover Publications, Inc., New York, 1995, pp. 32–35.
(17) J. Read, Prelude To Chemistry, The Macmillan Co., New York, 1937, pp. 139–142.
(18) J. R. Partington, A History of Chemistry, Macmillan and Co., Ltd., London, 1961, pp. 183–203.
(19) J. J. Manget, Bibliotheca Chemica Curiosa, seu Rerum ad Alchemicum pertinentium Thesaurus Instructissimus …, Sumpt. Chouet, G. de Tournes, Cramer, Perachon, Ritter, &. S. de Tournes, Geneva, 1702. I am grateful to Ms. Elizabeth Swan, Chemical Heritage Foundation, for supplying images of these plates.
(20) Read (1937), op. cit., pp. 196–208.
(21) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley and Sons, New York, 2000, pp. 26–31.
(22) S. K. De Rola, The Golden Game—Alchemical Engravings of the Seventeenth Century, Thames and Hudson Ltd., London, 1988, pp. 120–126.
(23) A. McLean, The Alchemical Mandala, Phanes Press, Grand Rapids, MI, 1989.
(24) Personal communication from Professor Laura Duhan Kaplan to the author.
(25) C. W. Bynum, Metamorphosis and Identity, Zone Books, New York, 2001, pp. 15–36.
(26) Bynum, op. cit., pp. 166–176.
(27) The New Encyclopedia Britannica, Encyclopedia Britannica, Inc. Chicago, 1986, Vol. 16, pp. 880–892.
(28) The New Encyclopedia Britannica, op. cit., Vol. 6, p. 451.
(29) F. L. Holmes and T. H. Levere (eds.), Instrumentation and Experimentation in the History of Chemistry, The MIT Press, Cambridge, MA, 2000, pp. 44–49.
(30) A. Thevet, Vrais Portraits et Vies Des Hommes Illustres, Paris, 1584, p. 73.
(31) This is definitely not the two-legged Lon Chaney, Jr. Wolfman, B-movie fans.
(32) J. R. Partington, A History of Chemistry, Vol. 2, Macmillan & Co., Ltd., London, p. 666.
(33) Partington, op. cit., p. 362.
(34) J. Baptista Porta, Natural Magick, Thomas Young and Samuel Speed, London, 1658. I am grateful to The Roy G. Neville Historical Chemical Library (California) for supplying an image of the frontispiece of this book.
(35) J. Baptista Porta, Natural Magick (reprint edited by Derek J. Price), Basic Books, Inc., New York, 1957.
(36) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley & Sons, New York, 2000, pp. 37–40.
(37) Porta, op. cit., p. 163.
(38) The New Encyclopedia Britannica, Encyclopedia Britannica Inc., Chicago, 1986, Vol. 1, pp. 218-219.
(39) J. Ferguson, Bibliotheca Chemica, Derek Verschoyle, London, 1954, pp. 15–17.
(40) Albertus Magnus, Liber Mineralium Alberti Magni … Sequitur tractatus de lapidum et gemmarum material accidentibus … virtutibus ymaginibus, sigillis. De alchimicis speciebus, operationibus et utilitattibus. De metallorum origine et inventione, generatione … colore … virtute, transmutatione. Ad Emtores Thilonius, Jacob Koebel, Oppenheim, 1518. I am grateful to The Roy G. Neville Historical Chemical Library for furnishing these images.
(41) The Roy G. Neville Historical Chemical Library (California), catalog in preparation. I am grateful to Dr. Neville for helpful discussions.
(42) A. Parvus, Les Secrets Merveilleux de la Magie Naturelle du Petit Albert, Tirés de l’ouvrage latin intitulé: Alberti Parvi Lucii Libellus de mirabilibus naturæ Arcanis Et d’autres écrivains philosophes …, Chez les Héritiers de Beringos fraters, Lyon, 1668 (The copy employed here is a nineteenthcentury reprint.)
(43) Ferguson, op. cit., p. 17.
(44) Parvus, op. cit., p. 154.
(45) G. W. Dunleavy, Ambix, Volume XIII, No. 1, pp. 2–21 (1965). I thank Professor Dunleavy for helpful discussions.
(46) Elias Ashmole (1617–1692) was a gentleman of incredibly wide-ranging interests whose collection formed the basis for the first public Museum in England, the Ashmolean Museum of Oxford University. A book published in 1650, titled Fasiculus Chemicus: Or Chymical Collections … was authored by a James Hasolle [an interesting, perchance smutty(?), anagram of Eljas Ashmole].
(47) E. Ashmole, Theatrum Chemicum Britannicum. Containing Severall Poeticall Pieces of our Famous English Philosophers, who have written the Hermetique Mysteries in their owne Ancient Language. Faithfully Collected into one Volume, with Annotations thereon., J. Grismond for Nath: Brooke, at the Angel in Cornhill, 1652. The images were supplied by The Roy G. Neville Historical Chemical Library (California). See also the facsimile reprint with a preface by C. H. Josten, Georg Olms Verlagsbuchhandlung, Hildesheim, 1968.
(48) S. Klossowski De Rola, The Golden Game. Alchemical Engravings of the Seventeenth Century, Thames and Hudson, London, 1988, pp. 214–221.
(49) J. Read, The Alchemist in Life, Literature and Art, Thomas Nelson and Sons Ltd., London, 1947, p. 29.
(50) Powder or filings—“lymayle” rhymes better with “fayle.”
(51) The Catholic Encyclopedia, Vol. II, 1907, Robert Appleton Co.
(52) S. Brant, The Ship of Fools, translated into rhyming couplets with introduction and commentary by Edwin H. Zeydel, Dover Publications, New York, 1962 (reprint of 1944 edition).
(53) Brant, op. cit., p. 7.
(54) Brant, op. cit., p. 20.
(55) Brant, op. cit., pp. 21–24.
(56) Brant, op. cit., pp. 178–180.
(57) Brant, op. cit., pp. 206–208.
(58) This figure is from the 1506 Basel edition translated by J. Locher into Latin and reinterpreted by Badius Ascensius, courtesy of The Roy G. Neville Historical Chemical Library (California), catalog in preparation. I am grateful to Dr. Neville for helpful discussions.
(59) Brant, op. cit., pp. 327–330.
(60) G. Reisch, Margarita Philosophica (totius philosophiae rationalis, naturalis et moralis principia dialogice duodecim libris complectens), Joannem Schott, Freiburg, 1503. The author is grateful to The Roy G. Neville Historical Chemical Library (California) for supplying a copy of the woodcut in Figure 1-16 and to Dr. Neville for helpful discussions.
(61) J. R. Partington, A History of Chemistry, Macmillan & Co., Ltd., London, 1962, Vol. 2, p. 94.
(62) D. I. Duveen, Bibliotheca Alchemica et Chemica, facsimile reprint, HES Publishers, Utrecht, 1986, p. 501.
(63) The Roy G. Neville Historical Chemical Library (California), catalog in preparation. I am grateful to Dr. Neville for helpful discussions.
(64) The New Encyclopedia Britannica, Encyclopedia Britannica, Inc., Chicago, 1986, Vol. 7, p. 965.
(65) N. Schwartz-Salant, Encountering Jung On Alchemy, Princeton University Press, Princeton, 1995.
(66) M. Maier, Atalanta Fugiens, hoc est, Emblemata Nova De Secretis Chymica, Accomodata partim oculis & intellectui, figures cupro incises, adjestisque sententiis, Epigrammatis & notis, partim auribus & recreatoni animi plus minus 50 Fugis Musicalibus trium Vocum, … Oppenheimii Ex typographia Hieronymi Galleri, Sumptibus Joh. Theodori Bry, 1617. (I am grateful to The Roy G. Neville Historical Chemical Library, California, for supplying this image.) Second edition, 1618. A more recent translation of this book with English translation and commentary and a cassette audiotape of the fugues were published by Phanes Press, Grand Rapids in 1989.
(67) J. Read, Prelude to Chemistry, The Macmillan Company, New York, 1937, pp. 236–254.
(68) P. Laszlo, Aspects “de la tradition alchimique au XVIIe siecle,” F. Greiner (ed.), Chrysopoeia, Vol. 4, pp. 278–285 (1998).
(69) M. Maier, Viatorium, hoc est, De Montibus Planetarum septem seu Metallorum …, Oppenheimii, Ex typographia Hieronymi Galleri, sumptibus Joh. Theodori Bry, 1618. A second edition was published in Rouen in 1651.
(70) L. Abraham, A Dictionary of Alchemical Imagery, Cambridge University Press, Cambridge, UK, 1998, p. 176.
(71) Read, op. cit., pp. 128, 168, 244-245.
(72) The New Encyclopedia Britannica, Vol. 9, Encyclopedia Britannica, Inc., Chicago, 1986, p. 393.
(73) Plastique Monstresque: homage to the French who host the Caens Film Festival but also venerate Jerry Lewis, and of course to the Japanese who have given us this film genre.
(74) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley and Sons, New York, 2000, pp. 196–198.
(75) Greenberg, op. cit., pp. 205–207.
(76) With apologies to Lewis Carroll and his poem Jabberwocky. See also Read, op. cit., pp. 199-200. Apparently, Read actually knew what slithy toves and mimsy borogroves looked like.
(77) Medicinisch-Chymisch-Und Alchemistisches Oraculum, darinnen man nicht nur alle Zeichen und Abkürzungen, welche sowohl in den Recepten und Büchern der Aerzte und Apotheker, als auch in den Schriften der Chemisten und Alchemisten verkommen, findet, sondern dem auch ein sehr rares Chymisches Manuscript eines gewissen Reichs***beygefüget. Ulm und Memmingen, in der Gaumischen Handlung, 1755.
(78) Abraham, op. cit., pp. 30-31.
(79) Abraham, op. cit., pp. 23–25.
(80) However, for a good time call ISBN 3-8228-8653-X. This is the Library of Congress call number for A. Roob, The Hermetic Museum: Alchemy & Mysticism, Taschen, Cologne, 1997. Pages 442–455 have lots of great pictures in color and black and white of the Conjunctio. This is soberly followed by pictures of the Rebis in which fusion seems to be permanent. See also, Greenberg, op. cit., pp. 39, 54.
(81) Abraham, op. cit., pp. 157-158.
(82) J. Grévin, Deux Livres des Venins, Ausquels il est amplement discouru des bestes venimeuses, thériaques, poisons & contrpoisons. Ensemble, Les oeuvres de Nicandre, Medecin & Poete Grec, traduictes en vers François. Christopher Plantin, Antwerp, 1568, 1567. Both Bruce Gventer and The New York Academy of Medicine Library are gratefully acknowledged for providing images of this figure. I gratefully acknowledge helpful conversations with Miriam Mandelbaum of the Academy Library on images of the basilisk and other “fantastical” creatures.
(83) The New Encyclopedia Britannica, op. cit., Vol. 3, pp. 420-421.
(84) Roob, op. cit., pp. 354, 369.
(85) E. Topsell, The History of Four-Footed Beasts and Serpents, Volume 2. The History of Serpents Taken Principally from the Historiœ Animalium of Conrad Gesner (reprint of 1658 London edition), Da Capo Press (Plenum), New York, 1967, pp. 677–681.
(86) The New Encyclopedia Britannica, Encyclopedia Britannica, Inc., Chicago, 1986, Vol. 3, p. 415.
(87) Read, op. cit., pp. 108, 117.
(88) Greenberg, op. cit., pp. 207–211.
(89) A. Kircher, Mundus Subterraneus, in XII. Libros digestus … Joannem Janssonium & Elizeum Weyerstraten, Amsterdam, 1665. I thank John Ptak, J. F. Ptak Science Books, Washington, DC, for providing these three figures.
(90) J. R. Partington, A History of Chemistry, Vol. 2, Macmillan & Co., Ltd., London, 1961, pp. 328–333.
(91) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley & Sons, New York, 2000, pp. 80–83.
(92) J. Ferguson, Bibliotheca Chemica, Vol. 1, Derek Verschoyle, London, 1954, pp. 466–468.
(93) The book is probably worth about $25,000 today.
(94) A. Roos, The Hermetic Museum: Alchemy & Mysticism, Taschen, Cologne, 1997, p. 565.
(95) The New Encyclopedia Britannica, Encyclopedia Britannica, Inc., Chicago, 1986, Vol. 25, pp. 92–97.
(96) The New Encyclopedia Britannica, op. cit., Vol. 10, p. 351.
(97) The New Encyclopedia Britannica, op. cit., Vol. 12, p. 715.
(98) C. C. Gillespie, The Dictionary of Scientific Biography, Charles Scribner & Sons, New York, 1972, Vol. V, pp. 414–417.
(99) Gillespie, op. cit., 1976, Vol. XIV, pp. 209-210.
(100) J. Webster, Metallographia, Walter Kettilby, London, 1671, p. 25.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤