الجزء الثالث

الأدوية والمطهرات والمراهم

(١) بهجة الكتب ذات قَطع الستة عشر

إن التباهي فرحًا بشراء كتابٍ ذي نصٍّ «وقور» كمثل الذي بين يديك لَضربٌ من الترف، والأنانية، وعدم اللياقة، بل الوقاحة. ومع ذلك، ما من إنكار لأن هذا النص مميَّز على نحو غير مألوف، وحماقة المبالَغة في الترف ليست مُستبعَدة عليه. إنَّ من بين أعظم متع جمع الكتب «صيد الكتب النادرة». وجامع الكتب المُخلِص سيكون باستمرار متيقظًا للفريسة ومستعدًّا للانقضاض عليها والتهامها في أيِّ لحظة مناسِبة. يعرض الشكل ٣-١ صفحة العنوان من الطبعة الأولى الحقيقية البالغة الندرة من النص المُهم الذي يعود إلى القرن السابع عشر الذي ألَّفه نيكولاس لوفيفر (والمُترجَم في الطبعات الإنجليزية إلى نيكاسيوس لو فِبور.) نُشِرَت الطبعة الفرنسية الأصلية في باريس في عام ١٦٦٠، لكن المصادر الخبيرة المعتادة لا تتحدَّث إلا عن طبعة إنجليزية أولى صدرت عام ١٦٦٤ وطبعة ثانية صدرت عام ١٦٧٠.1،2،3 وبينما يُدرِج المتحف البريطاني4 نسخة من طبعة عام ١٦٦٢5 (التي تُشكِّل فعليًّا النصف الأول من الطبعات اللاحقة)، يبدو أن هذه الطبعة شبه مجهولة. لقد اشتريتُ نسختي من موقع مزادات الذائع الصيت على شبكة الإنترنت، وقد تأخَّرت عن موعد نومي المعتاد ثلاث ساعات للفوز بهذا الكتاب. صدرت الطبعات الإنجليزية في كُتبٍ من قطْع الأربعة، بمعنى أن كل ورقة طباعة أصلية قد طُويَت مرتين لتُنتج أربع صفحات. أما الكتب من قطع الثمانية — وهو القطع الحديث الأشيع للكتب — فيتطلَّب طَوي ورقة الطباعة العادية ثلاث مرات، لتُخرج ثماني صفحات، في حين تنتج ورقة الطباعة الأصلية في حالة قطع الستة عشر ست عشرة صفحة.6
fig58
شكل ٣-١: صفحة العنوان من الطبعة الإنجليزية البالغة الندرة الصادرة عام ١٦٦٢ من كتاب لوفيفر الشهير، والتي يشاع أنها نُشِرت لأول مرة في عام ١٦٦٤. مثل هذه الاكتشافات لا تُقدَّر بثمن بالنسبة إلى جامعي الكتب النادرة الذين يَقتُلون عائلاتهم وأقاربهم وأصدقاءهم البؤساء مَلَلًا من رواياتهم التفصيلية عن رحلاتهم الناجحة لصيد الكتب.
ألقى لوفيفر عدة محاضَرات عامة قيِّمة عن الكيمياء في القرن السابع عشر في فرنسا، وعُيِّن محاضرًا للكيمياء في الحديقة الملَكية في عام ١٦٥٠.3 كان منتصَف القرن السابع عشر فترة أزمات في كل أنحاء أوروبا؛ حيث شاع ضعف المحاصيل، والمجاعات، وانتشر الفقر المُدقِع، وراحت رحى الحروب تدور بين الفينة والأخرى، وانقسَمَت الولاءات وتحوَّلت بين النبلاء والملوك، كل ذلك على خلفية الصراع السائد بين الكاثوليكيين والبروتستانت.

استفحل نفوذ حركة الإصلاح البروتستانتي في فرنسا في القرن السادس عشر، وبرَز ذلك واضحًا عبر الحروب الدينية التي اندلعَت في النصف الآخر من القرن نفسه. وُلِد أحد الآباء المؤسسين للفكر البروتستانتي، وهو جون كالفين، في فرنسا (عام ١٥٠٩) واعتنق البروتستانتية وهاجر في عام ١٥٣٤ إلى جنيف، حيث أسَّس كنيسة نموذجية وكتب عدة نصوص مقدَّسة مؤثِّرة. كان الملك الكاثوليكي هنري الثاني (١٥٤٧–١٥٥٩) يحكم بالحديد والنار، وقد كان لذلك أثر في صعود البروتستانتيين الأكثر صرامةً، مثل الكالفينيِّين أو الهوجونت الفرنسيين. لكن الأمر الغريب أنَّ الوصية على العرش كاترين دي ميديتشي — الملكة والدة تشارلز التاسع — حاولت أن تسلك نهجًا أكثر اعتدالًا، مما أثار ردود أفعال عنيفة من الكاثوليكيين أصحاب النفوذ، وردود أفعال مضادَّة من الهوجونت. وهكذا باتت فرنسا تواجه خطر الانقسام خلال النصف الأخير من القرن السادس عشر؛ فوقَّع الملك القوي هنري الرابع مرسوم نانت عام ١٥٩٨، والذي كفل الحرية الدينية للهوجونت في أجزاء محدَّدة من فرنسا، وأَعطَى لهم الحق في بناء القلاع (تحسُّبًا).

خلال النصف الأول من القرن السابع عشر، وتحديدًا في أوائل عهد الملك لويس الثالث عشر (١٦١٠–١٦٤٣)، كانت المَخاطر المُهدِّدة للاستقرار مستمرة. في أوائل هذا العهد، التفتت أنظار البيت الحاكم إلى إحدى الشخصيات العظيمة في التاريخ الفرنسي، وهو الكاردينال ريشيليو، وبحلول العام ١٦٢٤، كان ريشيليو كبير وزراء الملك. كرَّس ريشيليو القويُّ نفسه لترسيخ السلطة الملكية والدينية. وقد تُوفي في عام ١٦٤٢، وتوفي الملك لويس الثالث عشر في عام ١٦٤٣. لم يكن لويس الرابع عشر (الملقب ﺑ «الملك الشمس») قد أتم عامه الخامس عندما اعتلى العرش، وفي فترة وجيزة أصبح قائدٌ كاثوليكي آخر بالغَ التأثير، وهو الكاردينال مازارين، صاحب السلطة المُطلَقة في فرنسا. وفي عام ١٦٤٨، اندلعت سلسلة من حركات التمرد، وقُضي عليها جميعًا بحلول عام ١٦٥٣. ومع ازدياد حدة التعصُّب، انتقل لوفيفر إلى لندن في عام ١٦٦٠. وهاجر آخرون — من ضمنهم الجرَّاح مويس شاراس — كذلك خلال هذه الفترة. كان لويس الرابع عشر «يرى نفسه نائبًا للرب على الأرض واعتبر كل أعمال العصيان والتمرد آثمة.»7 وقد أعلن نفسه ملكًا صاحب سلطة مطلقة في العام ١٦٦١، وفي عام ١٦٨٥، ألغى مرسوم نانت، مما سبَّب تفكُّكًا كبيرًا ومآسيَ عظيمةً. أسس لويس الرابع عشر في حياته مبدأَ عظمة فرنسا التي ربما يكون قصر فرساي الذي بناه هو أفضل ما يرمز إليها، وقد قُدِّرت تكلفة بناء ذلك القصر بما يعادل تكلفة بناء مطار محلي حديث.7 ولربما كان أسلوبه المسرف وخيلاؤه إنذارًا بسقوط الملكية الفرنسية. مات الملك لويس في عام ١٧١٥، وحُمِل جثمانه في موكبٍ أثار سخرية العامة.7

دخل لوفيفر إنجلترا في عام ١٦٦٠ مع بداية عصر استرداد الملكية الإنجليزية. كانت حميَّة البروتستانت الدينية قد أطاحت بالملكية الإنجليزية التي كانت متمثلة آنذاك في شخص الملك تشارلز الأول عام ١٦٤٩. وكان ذلك ذروة الصراع الديني الذي بدأ مع انشقاق الملك هنري الثامن بكنيسة إنجلترا عن روما في عام ١٥٣٤. وازدادت قوة البروتستانتية في ظل حكم الملك إدوارد السادس؛ إلا أنه في عهد الملكة ماري (١٥٥٣–١٥٥٨)، صعد الكاثوليك إلى سدَّة الحكم، وقُتل كثيرٌ من البروتستانت وفرَّ آخرون، بعضهم إلى جنيف حيث تأثَّروا بأفكار كالفين. لكنَّ تتويج الملكة إليزابيث الأولى في عام ١٥٥٨ أعاد السلطة إلى البروتستانت مرةً أخرى، لكن تعاملها المعتدل أحبط الطوائف الأكثر تطرفًا، والذي أطلق على البعض منهم «البيوريتانيون» أو التطهيريون. سعى البيوريتانيون إلى «تطهير» البروتستانتية من آخر آثار الكاثوليكية، ومارسوا ضغوطًا متزايدة على حكام إنجلترا. هاجر بعض هذه الجماعات البيوريتانية إلى أمريكا، حيث أسسوا مجتمعات في فيرجينيا ونيو إنجلاند. زادت الضغوط خلال عهد تشارلز الأول (١٦٢٥–١٦٤٩) وبلغت منتهاها في انقلاب عسكري أطاح بالملَكية وسلَّم زمام الأمور إلى القائد العسكري أوليفر كرومويل. وقد وقعت أحداث الاضطهاد العظيم نحو نهاية هذه الحقبة التي طالت لعَقدٍ من الزمان، وساعد البيوريتانيون المعتدلون أخيرًا في استعادة الملكية، واعتلى تشارلز الثاني عرش إنجلترا.

بدءًا من حوالي عام ١٦٤٥، بدأ علماء من لندن وأكسفورد وكليات أخرى في عقد لقاءات فيما عُرِف ﺑ «الكلية الخفية». تطور هذا التنظيم المفكَّك إلى الجمعية الملَكية في لندن لتحسين المعرفة الطبيعية، والتي تأسست في عام ١٦٦٠ وأصدر لها الملك تشارلز الثاني ميثاق تأسيس عام ١٦٦٢. ليس واضحًا مدى حماس الملك تجاه جمعيته الملكية تلك، لكن هذه الجمعية أبقت البيوريتانيين الذين هيمنوا على الجامعات وكلياتها مشغولين. وفي عام ١٦٦٣، أصبح لوفيفر أحد الأعضاء الأوائل في الجمعية الملكية.3 وباتت إنجلترا منارة لرجال العلم.
من الممتع أن تقرأ مقدمة لوفيفر التي يستعرض فيها قِدَم المعرفة الكيميائية، على الرغم من أن المقدمة نفسها تتناول موضوعات دينية:8

إذن من المعروف لنا أن موسى أخذ العجلَ الذهبيَّ، الذي كان يَعبده بنو إسرائيل، وحرقه حتى فتَّته إلى مسحوق، وجعل مَن عبدوه يَشربون هذا المسحوق تأنيبًا وعقابًا لهم على خطيئتهم. لكن ما من أحد عمل في أسرار هذا الفن، مهما قلَّ شأنه، يمكن أن يُمكن أن يجهل أن الذهب لا يُمكن أن يتحوَّل إلى مسحوق بالتكلس (الحرق)، إلا إذا حدث ذلك بغمره في الماء الملَكي، أو بخلطه مع الزئبق أو إسقاطه، وكل عملية من هذه العمليات الثلاث ليست معروفة إلا لهؤلاء المتمرِّسين تمامًا في الجانبين العملي والنظري من الكيمياء.

فهل كلَّس موسى العجل الذهبيَّ فعلًا؟ يبدو ثابتًا بما يتجاوز الشك المعقول أن المياه الملَكية لم تكن معروفةً في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. ولم تنتشر عمليات الإسقاط الخيميائية إلا بعد ألفية أخرى تقريبًا من ذلك الوقت على الأقل. كان التملغم احتمالية كيميائية واردة، لكننا نفترض أن موسى أراد عقاب قومه، لا تسميمهم. كذلك ثَمَّةَ إلماح إلى احتمالية أن يكون العجل صُنع من الرخام (الحجر الجيري).9 ومن ثَمَّ، كان شراب من مسحوق العجل ليُصبح علاجًا ممتازًا للبطون المضطربة بعد احتفال تلذُّذي ممتد (انظر «في الجير حقيقة» [الجزء الرابع: علم وليد، القسم التاسع]).

(٢) الصيدلاني المحنك

كان كتاب لوفيفر «الدليل الشامل في الكيمياء» (انظر المقال السابق) بارزًا؛ نظرًا لوضوحه فيما يتعلَّق بصناعة المُعدات وتنفيذ العمليات الكيميائية. في الشكل ٣-٢(a)، نرى فرن فلاسفة أو تنورًا «بالغ الفخامة» بكل مُلحَقاته. من الواضح أن تشارلز الثاني قد قدَّم دعمه الملكيَّ إلى «أستاذه الملكي في الكيمياء» والذي كان «يَمتهِن الصيدلة» أمام العائلة المالكة.10 (يمكنني تخيل المفاوضات للحصول على «أموال للبدء»، ونفقات الانتقال لإحضار هذا الأستاذ الشاب من باريس. هل كان التعيين الفوري في الوظيفة جزءًا من الاتفاق؟ هل كانت هيئة التدريس مشاركة في الأمر، أم أن التعيين تمَّ بمرسوم ملكي؟)
fig59
شكل ٣-٢: أجهزة تقطير متعدِّدة الأغراض كما صورها كتاب «الدليل الشامل في الكيمياء» للوفيفر (١٦٦٢).
كانت الحرارة المُنبعثة من التنور يتمُّ توصيلها حسب الحاجة إلى حمام الماء الساخن المُلحَق به على اليمين وكذلك إلى حمام الرمال المُلحَق به على اليسار في الشكل ٣-٢(a). وكان لكلٍّ من حمام الماء الساخن وحمام الشمس أفرانهما الخاصة لإجراء العمليات المتخصِّصة. وكان التنور نفسه يُستخدم بوجه عام لإجراء العمليات التي يُستخدم فيها وعاء مُحكَم الغلق أو بيضة الفيلسوف.
أما الشكل ٣-٢(b)، فيُصور جهازًا لتقطير الكحول، والأرواح (الزيوت) الطيارة الأخرى. ينزل ذلك الأنبوب الطويل المستقيم «الدودة» h من القارورة الشبيهة بالمخ c من خلال برميل مملوء بالماء البارد لتكثيف المَحلول المقطَّر. وعند إضافة الماء، كمادة مذيبة للأعشاب، أو الأزهار، أو أعضاء الحيوانات المسحوقة، تتشكل مادة زيتية، أحيانًا ما تُقطر بالبخار، لتشكيل طبقة تعلو سطح الماء المُتجمِّع في وعاء الاستقبال i. كان الزيت يُجمع بالخاصية الشعرية من خلال غمس قطعة من القطن في طبقة الزيت وتركها لتَصرِف ما بها من زيت في القنينة الزجاجية الصغيرة ٥.
أما الفرن ذو المصباح (المصوَّر في الشكل ٣-٣(a)) «الذي يستخدمه الفنانون محبو الاستطلاع في إجراء كثيرٍ من العمليات الكيميائية»، فكان يُصنَع من الطمي، ومصمَّم بحيث يتحكم بدقة في درجات الحرارة الأكثر انخفاضًا. وكان التحكم يحدث عن طريق المقبض الملحق بالمصباح b، بالإضافة إلى عدد الفتائل المحترقة في الوقت نفسه في المصباح. أما الجانب الأروع في هذا الشكل فهو الأداة n؛ فهو «مقياس الضغط الجوي، أو ميزان الحرارة، أو المحرك الذي يُستخدم لقياس شدة الحرارة أو درجاتها.» كانت فكرة قياس الحرارة لا تزال في مهدها في ذلك الوقت؛ إذ لم تكن طبيعة الحرارة مفهومة. وقد أوضح بويل أن تيار الهواء يكون أكثر برودة من الهواء الساكن؛ لأنه «يسحب «التيارات الدافئة من الجسم»، التي تحمي الجلد بطبيعة الحال من البرودة المحيطة.» ويبدو كذلك أنه يَخترق مسام الجسم أكثر من الهواء الساكن.11 كان ميزان الحرارة الخاص بلوفيفر يحتوي على بعض الماء في البصيلة السُّفلى (على اليمين)، وشريط من الماء المصبوغ في الحلقة السفلى، وثقب في البصيلة العليا. كانت البصيلة السفلى تُركَّب داخل الجزء المخصَّص لها لتُستشعَر، فتنتقل حرارة الماء في البصيلة إلى الهواء الذي يُحرك عمود الماء المصبوغ. وكان الغرض من ذلك هو تحسين تناتجية أو إمكانية تكرار العمليات الكيميائية. وبعد نحو ٦٠ عامًا من ذلك، جعل هيرمان بورهافا ميزان الحرارة جزءًا لا غنى عنه في العمليات الكيميائية.11،12 وكان فرن التسامي (المبين في الشكل ٣-٣(b)) يَحتوي على عدد من أوعية التكثيف التي تُبرَّد بفعل الهواء المحيط؛ وعلى هذا النحو تُجمَّع المواد الكيميائية المُتسامية الأقل تطايرًا جميعًا في الوعاء f، والمواد المتسامية الأكثر تطايرًا في الوعاء k.
fig60
شكل ٣-٣: كان يُستعان بترمومتر بدائي (n) في الفرن ذي المصباح في يسار الصورة لزيادة إنتاجية العمليات الكيميائية التي يُستخدم فيها. وفي الصورة اليُمنى، كانت المواد المتسامية التي يتم الحصول عليها في الوعاء تتكثَّف من خلال التبريد الهوائي (من كتاب لوفيفر «الدليل الشامل في الكيمياء»).
fig61
شكل ٣-٤: على يسار الصورة، فرن الرياح المستخدم للحصول على أنقى صورة من معادن مختلفة؛ أما الإنبيق في الصورة اليُمنى، فيستعين بالماء البارد وليس الهواء لتكثيف «الأرواح» المقطرة (من كتاب لوفيفر «الدليل الشامل في الكيمياء»).
كان فرن الرياح (المُوَضَّح في الشكل ٣-٤(a)) يُستخدم لعمليات صهر المعادن والفلزات وتزجيجها، وكان ذا فاعلية استثنائية في الحصول على شكل نقيٍّ من أي معدن. في الشكل ٣-٤(b)، يُبرَّد الإنبيق في حمام ماء بارد لا في الهواء كما في الشكل ٣-٢(a). ويُظهِر الشكل ٣-٥(a) رفًّا تتراصُّ عليه أوانٍ زجاجية، وفيها قِطعتي المفضَّلة، الإنبيق المزدوَج، وهو الإنبيق رقم ٥، والذي رمز إليه بورتا رمزًا إيحائيًّا في عام ١٦٠٨ كرجل وامرأة يتبادَلان سوائلهما الجسدية.13 أما العنصر ٣ في الشكل ٣-٥(a)، فقد أُطلِق عليه اصطلاحًا «كأس العذاب» أو «الجحيم»؛ وذلك لأنه ما من شيء يُوضَع فيه يمكنه التسرب، وتلك أيضًا وظيفة بيضة الفيلسوف. في الواقع، يُمثِّل العنصر ٩ جهاز «بيضة داخل بيضة»، وهو أداة خاصة بلوفيفر لها نفس وظيفة الإنبيق ٣. ونُطلِق على هذا الإنبيق على مضض «جحيم لوفيفر الصغير الخاص».
أما الأداة الموضَّحة في الشكل ٣-٥(b)، فتَنطوي على فاعلية متأصِّلة مُتمثلة في احتوائها على وعائَي تجميع. يمكن أن يكون هذا الإنبيق المزدوج أو رأس التقطير مصنوعًا من الحديد في حالة تقطير النباتاتات أو في حالة تقطيرها بالبخار، لكن في حالة تقطير حمض الكبريتيك والمواد الحمضية الأخرى (انظر الشكل ٣-٦14 يتطلب الأمر أوعية من القصدير أو مبطَّنة بالقصدير. أما في حالة تقطير الزئبق، بحسب ما يَذكر لوفيفر، فلا يُمكن استخدام أيِّ أوعية معدنية فيه؛ نظرًا لحدوث التملغم. وقد زار كاتب اليوميات صمويل بيبس معمل لوفيفر في الخامس عشر من يناير من عام ١٦٦٩، «وهناك رأى عددًا مهولًا من الزجاجات وغيرها من الأدوات الكيميائية، لكنه لم يدرك وظيفة أي منها.»10
fig62
شكل ٣-٥: رفٌّ جميلٌ رُصَّت عليه أوانٍ زجاجية تعود إلى القرن السابع عشر، وإنبيق تقطير مزدوج (رأس التقطير) يسمح برفع الأداة بالكامل عن الفرن إذا اقتضى الحال مثل هذا التدبير (من كتاب لوفيفر «الدليل الشامل في الكيمياء»).
fig63
شكل ٣-٦: تقطير حمض الكبريتيك في أوعية مبطَّنة بالقصدير (من طبعة عام ١٦٧٠ من كتاب لوفيفر «الدليل الشامل في الكيمياء»).

(٣) الآثار النادرة للنيران السماوية الساحرة

يتحرَّر الأنتيمون بسهولة من الستيبنيت الخام Sb2S3 بتسخينه مع الحديد، وهو معروف منذ قرون. كذلك يُمكن حرقه ثم يُسَخَّن الأكسيد المتكون على هذا النحو مع الفحم للحصول على المعدن.15 لكنه ظلَّ أيضًا «لغزًا» طوال قرون؛ ففي حين يُعدُّ الأنتيمون معدنًا هشًّا ذا لون أبيض مائل إلى الفضيِّ، فإن له عددًا من المتآصِلات (أشكال بِنيوية مختلفة للذرات كما في الألماس والجرافيت — متآصلات الكربون) والتي تختلف في خواصها. يُنتج التكثُّف السريع لبخار الأنتيمون مادة صلبة لا فلزية ذات لون أصفر فاتح تتحول تلقائيًّا إلى فلز ما إن تتعرض إلى أشعة الشمس. علاوةً على ذلك، تُظهر أكاسيد (تكلسات) الأنتيمون خواصَّ مثيرة. فحين يَحترق الأنتيمون يُصدر لهبًا أزرق براقًا، يتصاعَد منه بخار سرعان ما يتكثَّف إلى مسحوق أبيض Sb2O3. يتحلَّل هذا الأكسيد في كلٍّ من الأحماض والقواعد؛ تذكَّر أن أكاسيد اللافلزات مثل الفوسفور والكبريت حمضية، بينما أكاسيد الفلزات قاعدية بطبيعة الحال.16 والأكاسيد الفلزية، مثل «الصدأ»، ليست متطايرة، في حين أن أكسيد الأنتيمون الثلاثي Sb2O3 متطاير. هل تَذكُر الذئب في كتاب ماير «مقطوعات أتلانتا» (انظر الشكل ١-١٧)؟ إنه يرمز إلى الستيبنيت (والأنتيمون نفسه أحيانًا). تحدث التنقية الأخيرة للملك (الذهب) في النار؛ لأن الأنتيمون المختلط بالذهب يحترق ليشكل أكسيد الأنتيمون الثلاثي المُتطاير، الذي يتسامى. ومما لا يحتمل الشك أن معدنًا كهذا «لا بد» وأن له خواصَّ علاجية فعالة. في الواقع، يعمل الدردي المقيئ (ملح طرطرات البوتاسيوم الأنتيمونية) كَمُليِّن قوي المفعول (وكذلك الأنتيمون نفسه)، رغم ما لهذه المواد من سُمِّية أيضًا. وقد أشاد بازيل فالانتاين في كتابه «موكب الأنتيمون» بالقيمة الدوائية للأنتيمون.17
وقد أجرى نيكولاس لوفيفر تجارب كمية متأنية، واكتشف أن التكلسات التي تدخل فيها أشعة الشمس قد زادت كتلة الأنتيمون بدرجة مذهلة:18

لكن هؤلاء الذين يَجهلون الأعمال النبيلة والآثار النادرة للنار السحرية السماوية، المستمَدة من أشعة الشمس، بالاستعانة بكاسر للأشعة أو عدسة حارقة، لن يُصدقوا على الأغلب ما سأقوله وأوضحه عن هذا الموضوع.

fig64
شكل ٣-٧: تكليس الأنتيمون باستخدام «النار السماوية» (من كتاب لوفيفر (١٦٧٠) «الدليل الشامل في الكيمياء»)، كان لوفيفر من أوائل الكيميائيين الذين اكتشفوا أن الكلس يكون أثقلَ مِن المعدن النظير.
تُصمم «العدسة الحارقة» بقُطر يتراوح بين ثلاثة وأربعة أقدام (على الرغم من أن العدسة الحارقة المبينة في الشكل ٣-٧ أقل كثيرًا)، ومصنوعة من قطعتين من الزجاج المقعَّر مملوءتين بالماء ومغطاتين بغراء السمك.18 كان لوفيفر واعيًا بأن كلس الأنتيمون يمكن أن يُصنع أيضًا باستخدام النتر (على سبيل المثال، من خلال إضافة المعدن إلى حمض النيتريك والتسخين).18 وبذلك كان لوفيفر يَستشرف الاكتشاف الذي توصَّل إليه مايو بعد عِقد (انظر المقال التالي). ومع ذلك، فإنَّ عدم اكتمال التفاعل الكيميائي، والذي يُشكل الخلائط في النهاية على أي حال، والخسائر التي تحدث عند الاسترجاع كانت أقل كثيرًا بالمقارنة بالنتائج التي تتحقَّق من أشعة الشمس المقدسة. فقد وُجِد أن الحرق الأوليَّ ١٢ ذرة (ما يعادل ٠٫٧٧٧ جرام) من الأنتيمون ينتج دخانًا أبيض اللون (يقول عنه لوفيفر إنه ليس سوى أنتيمون «مُتسام») وكلسًا لا يزن أكثر من ٦ إلى ٧ ذرات (ما يُعادل ٠٫٣٨٨ إلى ٠٫٤٥٣ جرام). والكلس المتكون على هذا النحو يظلُّ له نفس الخواص المُقيِّئة لمسحوق الأنتيمون، لكنها أقل نوعًا ما. على الجانب الآخر، يصدر امتصاص «النار السحرية السماوية» ١٥ ذرة (ما يعادل ٠٫٩٧١ جرام) من الكلس و١٢ ذرة (ما يعادل ٠٫٧٧٧ جرام) من الأنتيمون.18 ونعرف فعليًّا أن تحويل ١٢ ذرة (ما يعادل ٠٫٧٧٧ جرام) ينبغي أن ينتج حوالي ١٤٫٥ ذرة (ما يُعادل ٠٫٩٣٩ جرام) من أكسيد الأنتيمون الثلاثي.

لكن الأمر الأكثر إثارةً للإعجاب، والأقل معقولية، هو أن الاثنتي عشرة ذرة تلك من المسحوق الأبيض ليست مقيِّئة ولا مليِّنة، ولكنها على العكس مسبِّبة للتعرُّق ومنبِّهة، والأمر الذي يستحق الإعجاب — لأسباب واضحة — هم الباحثون الأذكياء المُحبُّون للاطلاع على أسرار الطبيعة، والأطباء بالغو الحكمة.

والمواد المسببة للتعرُّق تسبب العرق، الذي يُعدُّ مطهرًا أخف من القيء.

لم يكن لوفيفر أول من اكتشف أن الكلسات أثقل من المعادن؛ فقد لاحظ بيرينجوتشو ذلك في عام ١٥٤٠ ([انظر الجزء الثاني: المقطرات، وبوتقات فصل المعادة والأسحلة، القسم الثاني: كيمياء المعادن العملية])، وتوصَّل جون ري لهذا الاكتشاف بعد حوالي قرن. وعلى غرار بويل، الذي توصَّل إلى هذا الاكتشاف، افترض لوفيفر أن هذه النار (والتي كانت في لغة بويل تُسمى «جسيمات النار») تدخل بشكل ما في هذا التفاعُل لزيادة وزن المعدن.19

(٤) أسرار سيدة خيميائية

رغم أن ما وصلنا عن حياة ماري موردراك،20،21 قليلٌ جدًّا، فقد كانت أول امرأة تؤلف كتابًا مطبوعًا عن الكيمياء. وقد نُشِر كتابها «الكيمياء سهلة وميسرة للنساء» لأول مرة في عام ١٦٥٦، أعقبه طبعات عام ١٦٧٤ وعام ١٦٨٧.22 الشكلان ٣-٨ و٣-٩23 يُظهران صفحة العنوان وصورة صدر الكتاب من الطبعة الفرنسية الثالثة. كما صدر من الكتاب ست طبعات على الأقل بالألمانية وطبعة واحدة بالإيطالية.22،24
fig65
شكل ٣-٨: الطبعة الثالثة (١٦٨٧) لأول كتاب كيمياء تَنشره امرأة، وهي ماري موردراك. وقد نُشِرَت الطبعة الأولى في عام ١٦٥٦. هذا الكتاب الصادر في حجم الجيب أُهدي إلى السيدة الكونتيسة دو جيش ويضمُّ سوناتا مُهداة إلى كتاب الآنسة موردراك كتبتها الآنسة دي آي.
fig66
شكل ٣-٩: صورة صدر الكتاب الخلابة من كتاب ماري موردراك (انظر الشكل ٣-٨) الذي يَعدُ بإفشاء أسرار عن الكيمياء كانت خفية حتى تلك اللحظة.
يشير آل راينر كانهام إلى أن عملها كان مبنيًّا على المواد الخيميائية الجوهرية الثلاث: الكبريت والزئبق والملح، لكنه قدَّم مناقشات واضحة للعمليات الكيميائية المفيدة.20 ويتألف الكتاب من ستة أجزاء:20،21
  • الجزء ١: المبادئ والعمليات.

  • الجزء ٢: «الأدوية العشبية» — طرق التحضير والمعالجة.

  • الجزء ٣: الحيوانات.

  • الجزء ٤: المعادن.

  • الجزء ٥: تحضير الأدوية المركبة.

  • الجزء ٦: العناية بجمال السيدات وزيادته.

وقد لخصت موردراك شكوكها بشأن نشر عملها في توطئة الكتاب:20،21

حين شرعت في كتابة هذه الأطروحة، لم يكن الهدف منها سوى إرضاء نفسي والحفاظ على المعرفة التي اكتسبتها عبر وقت طويل من العمل، والتجارب المتكرِّرة. لا أستطيع أن أخفي أنني لدى رؤيتِه مكتملًا بأحسن مما كنتُ أتمنى، أغرَتْني فكرة نشره؛ لكن إذا كنت أملك الأسباب لإخراجه للنور، فقد كان لديَّ كذلك أسباب لإخفائه وعدم تعريضه للنقد العام.

إذا أخذنا واجهة صورة صدر الكتاب (الشكل ٣-٩) دلالةً، يبدو واضحًا أن مودراك أيضًا كانت تحتفظ بأدوات الكيمياء مَخفية وراء ستائرها الفاخرة. ولكن جاء في موضع لاحِق من التوطئة:20،21

على الجانب الآخر، شجعت نفسي بأنني لست أول امرأة تنشر شيئًا، وأن العقول لا جنس لها، وأن عقول النساء إذا تلقَّت من الرعاية والعناية مثل ما تتلقاه عقول الرجال، وإذا استُثمِر في تعليم عقول النساء نفس القدر من الوقت والطاقة المبذولَين في تعليم عقول الرجال، فإنهن سيكنَّ على قدمِ المساواة معهم.

وكان قد سبَق هذا الاعتذار الزائف الواثق، الأبعد ما يكون عن الاعتذار، عن التجرُّؤ على تأليف كتاب بحوالي ١٤٠ عامًا اعتذارٌ زائف آخر بقلم العبقرية إليزابيث فولهام25 خلال تقديمها كتابها «مقال عن الاحتراق» في عام ١٧٩٤.26

(٥) «الدعاء مع العمل»

fig67
شكل ٣-١٠: «العمل مع الدعاء»؛ نصيحة مُفيدة للكيميائيين غير المُلحِدين واللاأدريين (من كتاب «الوحي الإلهي في الطب والكيمياء والخيمياء» المنشور عام ١٧٥٥).
fig68
شكل ٣-١١: لغة هيروغليفية خاصة بالكيمياء من كتاب «الوحي الإلهي في الطب والكيمياء والخيمياء» الصادر عام ١٧٥٥ (انظر الشكل ٣-١٠).
يدرك أي كيميائي سبق له أن «جازف» المقولة الشاعرية المأثورة للقديس بينديكت النيرسي:27،28 «الدعاء مع العمل». قد تفشَل سلسلة من التجارب جيدة التخطيط والعقلانية في الوصول إلى النتيجة المتوقَّعة، فيما تَنجَح «مجازفة»29 مدروسة (مجازفة بكل شيء — كإجراء عملية تسامٍ فراغي … في خطوة واحدة دون حسابات منطقية، على سبيل المثال). ربما يكون ذلك الكيميائي المجسَّد في الشكل ٣-١٠ يُحاول «المجازفة» بينما يُمجِّد الرب الذي تتجمَّع كل حكمته الشاملة في وعاء التفاعُل — بيضة الفيلسوف القابعة في التنور (فرن الفيلسوف). بل إنه يَجمع ضوء الشمس، الذي يُشكِّل «النار الفلسفية» عبر عدسات مُكبرة. أما الكلمات التي تمرُّ ما بين الشمس والكيميائي، فمفادُها «أنت عاجز من دوني» (ربما يكون هذا تفسيرًا لكلمات الرب):27 ومن يد الرب إلى القنينة مباشرةً، نتعلم أن «جوهر الحكمة هو مخافة الله.»27 هذه الصورة المطبوعة بقالب خشبي على صفحة كاملة مأخوذة من كتيب ألماني منشور في عام ١٧٥٥.30
يتشكَّل هذا الكتيب «الوحي الإلهي في الطب والكيمياء والخيمياء» من جزأين. يقال إن الجزء الثاني هو مخطوطة لم تُنشَر ترجع إلى القرن الرابع عشر.31 فيما يضم الجزء الأول جدولًا أُفرِدَت له ٣٣ صفحة عن الرموز الكيميائية (لا أدرى إن كانت حروفًا هيروغليفية)،32 مع تعريفات باللغتين اللاتينية والألمانية (انظر الشكلين ٣-١١ و٣-١٢). على سبيل المثال، ثَمَّةَ تسعة رموز جُملةً للماء الملَكي، ذلك المحلول المكوَّن من ١:٣ من حمض الهيدروكلوريك وحمض النيتريك الذي «يُذيب» الذهب (في الواقع إنه يُؤكسِد الذهب أو «يُكلِّسه» ليصبح علمًا بأن التفاعُل لا يتضمَّن الأكسجين). ومعظم هذه الرموز تُعدُّ تمثيلات للماء (سواء كان مثلثًا مقلوبًا أو موجات) مقرونة بحرف R. أما ماء النار (حمض النيتريك)، فله على الأقل ٢٠ رمزًا ربما تعكس اختلافات في الخواص الكيميائية (فهو حمض إلى جانب كونه مادة مؤكسِدة)، والتكوين، والاستخدامات. يُصوِّر الشكل ٣-١١ سبعةَ عشر رمزًا للفضَّة، بينما يضمُّ الكتيب نفسه ٣٤ رمزًا مُتمايزًا للذهب، و٣٥ رمزًا للزرنيخ، و٤٠ للزئبق، وحوالي ٥٤ رمزًا أو أكثر للإعدادات المختلفة للأنتيمون الرائع!
fig69
شكل ٣-١٢: رموز هيروغليفية كيميائية إضافية من كتاب «الوحي الإلهي في الطب والكيمياء والخيمياء» (١٧٥٥) (انظر الشكل ٣-١٠). يمكن تعريف «البازهر» بأنه «كتل صلبة تترسب حول المواد الغريبة والتي توجد في جدران معدة أو أمعاء» الحيوانات، وبخاصةٍ الحيوانات المُجترَّة.
fig70
شكل ٣-١٣: رسم توضيحي لاستخدامات فلزات الأنتيمون، والزئبق، والحديد (المريخ)، والنحاس (الزهرة). من الواضح أن كلًّا من مركبات الأنتيمون والزئبق مُقيِّئات فعالة، لكن نظرة إلى الصورة عن كثب من شأنها أن تشير إلى أن بعض المركبات الأنتيمونية تعمل كمُليِّنات (مطهرات) فعَّالة كذلك (من كتاب «المسار المنهجي والصحيح للفيزياء» لبارليه (١٦٥٧)، بإذنٍ من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).
fig71
شكل ٣-١٤: استخدامات للرصاص (زحل)، والقصدير (المشتري)، والفضة (القمر)، والذهب (الشمس) (من كتاب «المسار المنهجي والصحيح للفيزياء» لبارليه (١٦٥٧)، بإذنٍ من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).
fig72
شكل ٣-١٥: معمل لمعالجة المواد المستخلَصة من الحيوانات في القرن السابع عشر (من كتاب «المسار المنهجي والصحيح للفيزياء» لبارليه (١٦٥٧)، بإذنٍ من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).
fig73
شكل ٣-١٦: معمل لمعالجة المواد المُستخلَصة من النباتات في القرن السابع عشر (من كتاب «المسار المنهجي والصحيح للفيزياء» لبارليه (١٦٥٧)، بإذنٍ من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).
fig74
شكل ٣-١٧: معمل لمعالجة المعادن في القرن السابع عشر (من كتاب «المسار المنهجي والصحيح للفيزياء» لبارليه (١٦٥٧)، بإذنٍ من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).
fig75
شكل ٣-١٨: معمل لمعالجة الفلزات في القرن السابع عشر (من كتاب «المسار المنهجي والصحيح للفيزياء» لبارليه (١٦٥٧)، بإذنٍ من مكتبة روي جي نيفل لتاريخ الكيمياء).
يُوضِّح الشكل ٣-١٢ رموزًا للمعادن السبعة القديمة في «أشكالها البازهرية». وقد يُعرَّف «البازهر» بأنه «كتلة صلبة تترسَّب حول مادة غريبة، وتوجد في معدة أو أمعاء بعض الحيوانات، وكان يُعتَقَد قديمًا أنها علاج للتسمم.»33 من البادي أن الحيوانات المجترَّة كانت قيمة إلى حدٍّ استثنائي؛ بسبب عمليات الهضم المعقَّدة في معداتها المجوَّفة. أظنُّني لو كنت أُصِبت بالتسمم، كنت سأُحبِّذ إنقاذ حياة عنزة، وأتخلى عن تلك الجرعة من الذهب البازهري — على قيمتها الثمينة — وأجرب حظي مع مُطهِّر جيد قديم.

(٦) مطهر جيد قديم

أحدث باراسيلسوس ثورة في طب عصر النهضة من خلال استخدامه الأدوية الاصطناعية المستخرَجة من المعادن. فقد استخدم الكالومل Hg2Cl2،34 على سبيل المثال، كمُطهِّر، ومن السهل تخيُّل تحرير الروح35 بإخلاء الجسد من كل «الأمزجة الضارة» والديدان المعوية. وقد أدرج كتاب «دستور أدوية لندن»36 — الذي أُجيز ونُشر لأول مرة من قبل الكلية الملكية للأطباء البشريين في لندن في عام ١٦١٨ — تركيبة من الكالومل، يُذاب فيها الزئبق في ماء النار (حمض النيتريك)، مع إضافة ملح البحر، ثم يُجمَع الراسب ويُغسَل بالماء. وقد كان التطهير القوي للأمعاء وسيلة من وسائل تطهير الجسم. فيما تتمثَّل وسيلة أخرى من وسائل تطهير الجسم في المقيئات، تلك المواد التي تسبِّب القيء المتكرر. وأكرر مرة أخرى، من السهل تخيُّل قدر الفائدة الطبية التي سيُحققها هذا الأمر في تنظيف المعدة من الأطعمة الملوثة أو السموم. ولعل أشهر تلك الأدوية كان الدردي أو الطرطير المقيئ، أو طرطرات البوتاسيوم الأنتيمونية. وقد قدم هادريان مينسيشت تركيبة من هذه المادة تضمَّنت غَلْيَ كريمة الدردي (تُستخلص طرطرات البوتاسيوم الهيدروجينية من رواسب النبيذ) مع كربونات الأنتيمون مع إتاحة عملية البلورة في مكان بارد.37 وقد أثار استخدام الأنتيمون في الأغراض الطبية عاصفةً من الجدل في منتصف القرن السابع عشر؛ إذ كان معروفًا أن مركَّبات الأنتيمون سامة للغاية.38 ومع ذلك، فقد حقق كتاب «موكب الأنتيمون» نجاحًا كبيرًا، واستُخدِمَت مُركَّبات الأنتيمون كمُطهِّرات، ومقيئات، ومسبِّبات للتعرُّق.38 كذلك أشار بعض الكتب على مدار القرنين السادس عشر والسابع عشر إلى «الذهب الصالح للشرب».39 وكان هذا المركب يُعتَبَر دواءً لكل شيء، وهو عبارة عن صبغة الذهب، وكان مناسبًا لمعالجة الحيوانات والنباتات و«المعادن» (وتحسينها). ومنطقيًّا، ربما كان ذلك محلولًا مخفَّفًا من الذهب مذابًا في ماء ملكي (حمض الهيدروكلوريد إلى حمض النيتريك، بنسبة ١:٣).
الشكلان ٣-١٣ و٣-١٤ من كتاب أنيبال بارليه المنشور في عام ١٦٥٧ «المسار المنهجي والصحيح للفيزياء».40 لم يُترك الكثير للخيال فيما يتعلَّق بفاعلية المركبات الأنتيمونية كمُقيِّئات قوية (علاوة على كونها مطهرات فعَّالة). كذلك يُشير الشكل ٣-١٣ إلى أن أملاح الزئبق تُعَد مطهرات لجميع الأغراض. أما الصور الست الأخرى في الشكلَين ٣-١٣ و٣-١٤، فتُصوِّر عمليات استخلاص وتصنيع الحديد (كوكب المريخ)، والنحاس (كوكب الزهرة)، والرصاص (كوكب زُحَل) والقصدير (كوكب المشتري)، والفضة (لونا، أو القمر)، والذهب (سول، أو الشمس). يبدو أن بارليه كان يُدرِّس الكيمياء دون أن تكون له إسهامات فيها.41 ورغم أن المعاصرين لبارليه قالوا عن الكتاب إنه محدود القيمة، فإن ما جاء فيه من رسوم للمعامل تتعامَل مع مُستخلَصات الحيوانات (الشكل ٣-١٥)، ومُستخلَصات النباتات (الشكل ٣-١٦)، والكيمياء المعدنية (الشكل ٣-١٧)، والكيمياء التعدينية (الشكل ٣-١٨) تُمِدُّنا برؤًى كاشفة عن العمليات الكيميائية في القرن السابع عشر.

هوامش

(1) J. Ferguson, Bibliotheca Chemica, Vol. II, Derek Verschoyle, London, 1954 (reprint of original edition of 1906), pp. 17-18.
(2) D. Duveen, Bibliotheca Alchemica et Chemica, H&S Publishers, Utrecht, 1987 (reprint of original 1949 edition), pp. 345-346.
(3) J. Read, Humour and Humanism in Chemistry, G. Bell and Sons Ltd., 1947, pp. 101–114.
(4) British Museum Dept. of Printed Books. General catalogue of printed books. London Trustees, 1959–1966.
(5) N. le Febure, A Compendious Body of Chymistry Which will serve as a Guide and Introduction both for understanding the Authors which have treated of the Theory of this Science in general; And for making the way Plain and Easie to perform, according to Art and Method, all Operations, which teach the Practice of this ART, upon Animals, Vegetables, and Minerals, without losing any of the Essential Venues contained in them, Thos. Davies and Theo. Sadler, London, 1662.
(6) J. Carter, ABC for Book Collectors, fifth edition, revised, Alfred A. Knopf, New York, 1987, pp. 100-101.
(7) The New Encyclopedia Brittanica, Vol. 7, Encyclopedia Brittanica, Inc., Chicago, 1986, pp. 500-501.
(8) le Febure, op. cit., p. 2.
(9) The New Encyclopedia Brittanica, Vol. 24, Encyclopedia Brittanica, Inc., Chicago, 1986, p. 374.
(10) J. Read, Humour and Humanism in Chemistry, G. Bell and Sons Ltd., London, 1947, pp. 101–114.
(11) J. Golinski, In Instruments and Experimentation in the History of Chemistry, F. L. Holmes and T. H. Levere (eds.), The MIT Press, Cambridge, MA, 2000, pp. 185–210.
(12) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley & Sons, New York, 2000, p 117.
(13) Greenberg, op. cit., p. 39.
(14) Figures 3-3 to 3-5 are common to all three of the English editions of Le Fèvre’s book (1662, 1664, and 1670) while Figure 3-6 is not in the 1662 edition that is in reality the first half only of the latter two editions.
(15) F. A. Cotton and G. Wilkinson, Advanced Inorganic Chemistry, fifth edition, John Wiley and Sons, New York, 1988, pp. 387-388, 401.
(16) T. L. Brown, H. E, LeMay, Jr., and B. E. Bursten, Chemistry—the Central Science, seventh edition, Prentice-Hall, Upper Saddle River, NJ, 1997, pp. 841–843, 847-848.
(17) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley and Sons, New York, 2000, pp. 94-95.
(18) N. le Febure, A Compleat Body of Chymistry: Wherein is contained whatsoever is necessary for the attaining of the Curious Knowledge of this Art; Comprehending in General the whole Practice thereof; and Teaching the most exact preparation of Animals, Vegetables and Minerals, so as to preserve their Essential Vertues. Laid open in two Books, and Dedicated to the Use of all APOTHECARIES, & c., O. Pulleyn Junior, London, 1670, pp. 212–217.
(19) Greenberg, op. cit., pp. 109–111.
(20) M. Rayner-Canham and G. Rayner-Canham, Women in Chemistry—Their Changing Roles from Alchemical Times to the Mid-Twentieth Century, American Chemical Society and Chemical Heritage Foundation, Washington, DC and Philadelphia, 1998, pp. 9-10.
(21) L. O. Bishop and W. S. DeLoach, Journal of Chemical Education, Vol. 47, pp. 448-449 (1970).
(22) D. I. Duveen, Bibliochemica Alchemica et Chemica, facsimile edition, HES Publishers, Utrecht, 1986, p. 401.
(23) I am grateful to Ms. Elizabeth Swan, Chemical Heritage Foundation, for supplying these images.
(24) J. Ferguson, Bibliotheca Chemica, facsimile edition, Vol. 2, Derek Verschoyle, London, 1954, pp. 92-93.
(25) Rayner-Canham, op. cit., pp. 28–31.
(26) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley & Sons, New York, 2000, pp. 156–159.
(27) I thank Professors Heinz D. Roth and Pierre Laszlo for help in the interpretation of Figure 3-10.
(28) The New Encyclopedia Britannica, Vol. 2, Encyclopedia Britannica, Inc., Chicago, 1986, p. 97.
(29) It is painful to confess, but over 20 years ago I found that rational, well-precedented syntheses failed to produce an exciting and previously unknown lactam. In desperation, I tried a thermal dehydration of the precursor amino acid under vacuum. Crystals of apparent product were obtained, and they were … the starting material only. Drat! Almost simultaneously, and completely independently, a research group at another university also found that the precedented reactions failed and these scientists also “punted” with a thermal dehydration under vacuum. They employed slightly different conditions than mine and were rewarded with a tiny yield of the desired compound (see H. K. Hall, Jr. and A. El-Shekeil, Chemical Reviews, Vol. 83, p. 549, 1983, which reviews this synthesis and their other outstanding work in this field). Perhaps I should have employed “philosophical” apparatus rather than simple glassware.
(30) Medicinisch-Chymisch-Und Alchemistisches Oraculum, darinnen man nicht nur alle Zeichen und Abkürzungen, welche sowohl in den Recepten und Büchern der Aerzte und Apotheker, als auch in den Schriften der Chemisten und Alchemisten vorkommen, findet, sondern dem auch ein sehr rares Chymisches Manuscript eines gewissen Reichs***beygefüget, Ulm und Memmingen, in der Gaumischen Handlung, 1755.
(31) Bibliotheca Alchemica Et Chemica, H&S Publishers, Utrecht, 1986, p. 440. This is a reprint of the book published in 1949 by E. Weil, London and supplemented by Catalogue 62, H. P. Kraus, originally printed in 1953 by H. P. Kraus, New York.
(32) A. Roob, The Hermetic Museum: Alchemy and Mysticism, Taschen, Cologne, 1997, p. 600.
(33) Webster’s New World Dictionary of the American Language—College Edition, The World Publishing Co., Cleveland and New York, 1964, p. 143.
(34) J. R. Partington, A History of Chemistry, Macmillan & Co., Ltd., London, Vol. 2, 1961, p. 145.
(35) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley and Sons, New York, 2000, pp. 98-99.
(36) Partington, op. cit., p. 165.
(37) Partington, op. cit., pp. 178-179.
(38) Greenberg, op. cit., pp. 94-95.
(39) J. R. Glauber, The Works of the Highly Experienced and Famous Chymist, John Rudolph Glauber: Containing, Great Variety of Choice Secrets in Medicine and Alchymy in the Working of Metallick Mines, and the Separation of Metals: Also, Various Cheap and Easie Ways of making Salt-petre, and Improving of Barren-Land, and the Fruits of the Earth. Together with many other things very profitable for all the Lovers of Art and Industry, London, printed by Thomas Milbourn, 1689, pp. 206–220.
(40) (A.) Barlet, Le Vray et Méthodique Cours de la Physique résolutive, uulgairement dite Chymie. Réprésenté par Figures générales & particulières. Pour connoistre la Théotechnie Ergocosmique. C’est à dire, l’Art de Diev, en l’ouvrage de l’univers. Seconde Édition. Avec l’indice des Matières de ce Volume, & quelques Additions. Paris, Chez N. Charles, 1657. I am grateful to The Roy G. Neville Historical Chemical Library (California) for supplying these images.
(41) J. Ferguson, Bibliotheca Chemica, Vol. 1, reprint edition, Derek Verschoyle, London, 1954, pp. 72-73.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠