الفصل الخامس

كيف تطوَّرت العواطف الاجتماعية؟

ثلاثة تفسيرات لتطور سلوك التبادلية الصارمة

للرئيسيات الاجتماعية مِثلنا، التجوُّل في قاعة مُمتلئة بأفرادٍ آخرين من نفس نوعنا يستلزم منَّا أن نُبحِر بسفينة نفسيتنا المُهتزَّة وسط مدٍّ هرموني غير متوقَّع. أين الأشخاص الذين نعرفهم؟ أثناء تفقُّدنا الأفق، يرتفع مستوى الكورتيزول لدينا، كما يرتفع ضغط الدم أيضًا. ثم تأتي دفقة من هرمون الأوكسيتوسين بمجرد أن يظهر صديقٌ في المشهد؛ كان قد أسدى لنا معروفًا مؤخرًا. ولكن حين لا ينتبه إلينا هذا الصديق، يعود إلينا الشعور بالتوتُّر من جديد. أكان هذا تجاهلًا مُتعمَّدًا؟ أم سيكون أسوأ من ذلك إن كان غير مُتعمَّد؟ الآن، يتدفَّق هرمون الأدرينالين حين نرصد منافسًا لم نكن نتوقَّع رؤيته؛ هل سيأتي إلينا من أجل تحدٍّ جديد؟ وما إن يَبتعِد حتى يَنخفِض مستوى الأدرينالين، ويرتفع مستوى الكورتيزول مرة أخرى ونحن نتساءل إن كان ذلك يعني أننا تافهون جدًّا لدرجة أننا لا نستحقُّ أن يَهابنا أحدُهم. ثم نرصد شخصًا آخر خذلنا الأسبوع الماضي، وحينئذٍ يزداد الشعور بالسخط؛ وينخفض مستوى الكورتيزول وينخفض ضغط الدم أيضًا بينما نخطط لكيفية الانتقام.1 وفي غضون دقائق معدودة، يتشتَّت ذهنُنا بعدَّة رسائل تذكيرية خاصة بالأحداث الأخيرة؛ الأشخاص الذين كانوا لطفاء معنا، والأشخاص الذين خذلُونا، والأشخاص الذين ربما يَتجاهلوننا عن عمد، والأشخاص الذين تحثُّنا أجهزة غُدَدنا الصماء أن نتفاعل معهم. أليس من الأسهل أن نُقيم المستقبل تقييمًا منطقيًّا وأن نُقرِّر ما كان من مصلحتنا أن نفعله بدلًا من التعلُّق بالماضي والعيش فيه؟ لا شكَّ في أنَّ إنسان الغابة المُنعزِل يَحظى بحياةٍ أيسر.
وليست الهرمونات الجنسية وحدَها هي التي تُعقِّد حياتنا وتدفعنا إلى فعل أشياء قد نندم عليها فيما بعد. وباعتبارنا رئيسيات تعيش في مجموعات، لدَينا حساسية شديدة تجاه التعامل باستخفاف، وللفوارِق البسيطة جدًّا في المكانة الاجتماعية، ولتَلقِّي الجمائل وردِّها، ولمواقف الإغفال والتجاهل. لا تتوقف استجاباتنا لهذه الأشياء على الحسابات الشخصية فحسْب، وإنما على شعور قوي، وأحيانًا تَستمدُّ أهميةً من النسبة والتناسُب مع أي شيء تستطيع عقولنا الآخذة في تقدير الأمور تبريره. فهي يُمكنها أن تجعلنا مرضى بالقلق بالمعنى الحرفي للكلمة؛ فقد أظهرت دراسات لموظِّفي الدولة البريطانيين على مدى سنواتٍ عديدة أن المكانة الاجتماعية المُتدنِّية نسبيًّا (وتاريخ مقترن بتلقي أوامر الآخرين بشكلٍ مُهين في مكان العمل) ترتبط بارتفاع خطر الإصابة بأمراضٍ مُتعلِّقة بالتوتُّر مثل أمراض القلب.2 كما تُشير دراسة أولية على القرود أن السمنة في الأفراد ذوي المكانة المتدنية ربما ترجع جزئيًّا إلى أن نوعيات مُعينة من الأطعمة العالية السعرات تعوق مُستقبلات هرمونات التوتُّر في أدمغتنا؛ ومن ثَمَّ قد تجعلنا استجاباتنا للتوتُّر أكثر عرضةً لإغراء الوجبات السريعة.3 ولكن حتى وإن لم تكن تُمرضنا، فهي تقودُنا عادةً إلى التصرُّف بطرُقٍ لا يبدو أنها تخدم مصالحنا. لماذا تطوَّرنا لنكون كذلك؟ هل هو عَيب في تصميم نفسية «الإنسان العاقل»؟
لا يزال الباحثون يشعرون بحيرةٍ شديدة بشأن هذا السؤال.4 ولكي نفهم حيرتهم، هيا نركز على تلك العواطف التي تدعم سلوك التبادلية الصارمة، رغم أنه من المُمكن صياغة حجج مُماثلة عن السلوكيات الأخرى (على سبيل المثال، تُشير أبحاث حديثة إلى أن الاستعداد الوراثي لاضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط ربما نشأ نتيجة لانتقاء السلوك الاستِكشافي في جماعات الرُّحَّل في عصور ما قبل التاريخ).5 إن حقيقة أن الأشخاص، في تجارب المُختبر، على استعداد لتحمُّل التكاليف الشخصية لمكافأة أولئك الذين أحسنوا معاملتهم ومعاقبة أولئك الذين أساءوا معاملتهم حتى وإن عرف هؤلاء الأشخاص مُسبقًا أنهم لن يرَوهم مُطلقًا، قادت بعض الباحثين إلى افتراض أن التبادلية الصارمة هي «غلطة» تطوُّرية.6 وكان من الممكن أن تكون أكثر قابليةً للتكيُّف، وفقًا لهذا الرأي، لتطوير نزعةٍ نحو التبادلية تجاه أولئك الذين من المُحتمَل أن نراهم مرةً أخرى فقط (يمكن أن نطلق على أصحاب هذه النزعة «الانتهازيين»).7 ومع ذلك، فإن التساؤل عن سبب تطوُّر سلوك التبادلية الصارمة ربما يُشبه قليلًا التساؤل عن سبب تطوُّر الرغبة لدى ذكور الجنس البشري لممارسة الجنس مع إناثٍ جميلات يستخدمن وسائل منع الحمل. من الواضح أنها غلطة تطوُّرية (وليت جميع الغلطات على هذا القدْر من المتعة). إلا أنها ليسَت غلطة مُستغربة، حيث إنَّ ما تطوَّر كانت رغبة في ممارسة الجنس مع الجميلات وحسْب. ظهرت وسائل منع الحمل الموثوق بها على ساحة التاريخ التطوُّري في وقتٍ مُتأخِّر جدًّا فلا يُمكن أن تكون قد شكلت أيَّ نوعٍ من الضغط التكيُّفي لرغبةٍ أكثر تمييزًا، موجهة فقط نحو اللواتي لا يَتناولن وسائل منع حمل في الوقت الحالي. ولعلَّ تطوُّر النزعة نحو التبادلية الصارمة ليس بمُعضلة كشأن ذلك الأمر.
ونظرًا لأنَّ بروفيسور إرنست فيهر وزملاءه الباحثين ظهروا على ساحة التاريخ التطوري في وقتٍ لاحق بعد ظهور حبوب منع الحمل، فمن الواضح أنه لا يُجدي وصف التبادلية الصارمة، بصرف النظر عن طبيعتها المُحتمَلة، على أنها نزعة للردِّ بالحسنة على سلوك الآخرين الذي أكَّد صاحب التجربة أنَّنا لن نراهم مرةً أخرى مُطلقًا. إنها فحسْب نزعة للرد بالحُسنى على سلوك الآخرين. إذن، أكان أجدادُنا يتعامَلُون، بصورةٍ متكرِّرة كثيرًا، مع أشخاص بينما كان لديهم أسباب تدعوهم إلى الاعتقاد بأنهم لن يرَوهم مرةً أخرى مُطلقًا بحيث كان يوجَد بعض الضغوط الانتقائية الحقيقية المناهِضة لسلوك التبادُلية الصارمة على مدار زمن التطوُّر؟ يظلُّ هذا السؤال محلَّ نقاشٍ مُحتدِم.8 ثمَّة احتمال أنهم لم يكونوا كذلك، وأن مُعظم الأشخاص الذين تعاملوا بكرم مع أجدادنا كانوا أشخاصًا لديهم سببٌ على الأقل يدعوهم إلى توقع رؤيتهم مرةً أخرى في المستقبل. ومع أن أجدادنا كانوا بالتأكيد مُتحفِّظين جدًّا تجاه الغرباء، الذين كان أغلبهم عُدوانيِّين إن لم يكونوا فتَّاكين، فإن الغرباء «الودودين» ربما كانوا نادرينَ جدًّا، بالتأكيد على نحوٍ غير معتاد لدرجةٍ تكفي لعدم وجود ضغطٍ تكيُّفي يدفع إلى خداعهم. بالتأكيد، يمكن النظر إلى الغرباء الودودين على أنهم مُحاكاة ناجحة لأصدقائنا المُخلصين، وهي ناجحة بسبب نُدرتهم النسبية حتى أزمنةٍ قريبة جدًّا. وهذا بدوره يُشير ضمنًا إلى أن الضغط الانتقائي في مواجهة سلوك التبادلية الصارمة ولصالح الانتهازية ظهر منذ فترةٍ قصيرة جدًّا لدرجة يستحيل معها أن يصبح سائدًا بين جموع البشر؛ وتُشير الأدلة التجريبية إلى أن نسبةً من المشاركين في التجربة تُظهِر معاملة بالمِثل، وليس أن جميعهم يفعل ذلك.9 باختصار، يتعايش أصحاب مبدأ التبادلية مع الأشخاص الانتهازيين، وكانوا كذلك حتى في عصور ما قبل التاريخ لأن السلوك الذي انخرطوا فيه لم يكن مختلفًا كثيرًا.
وثمَّة تفسير ثانٍ مُحتمَل لتطوُّر سلوك التبادلية الصارمة ألا وهو أنه كان يُوجد بالتأكيد ضغط انتقائي حقيقي في مواجهته على مستوى فردي، إلا أن هذا قُوبِل بمكاسب تكيُّفية لدى «المجموعات» التي تعاملَت بسُلوك التبادلية الصارمة. ولعلَّ هذه المجموعات أكثر استعدادًا للتبادُل التجاري مع الآخرين، مثلًا، أو لعلَّها أكثر تماسُكًا في الحروب بين الجماعات. ذهبت عالِمة الأنثروبولوجيا سارة بلفر هردي مؤخرًا إلى أن المكاسب الحقيقية جاءت من خلال قُدرتنا على المشاركة في التعاون في رعاية طفل، الأمر الذي يختلف اختلافًا صارخًا عن ممارسات القِرَدة العُليا الأخرى.10 لقد اجتذبت نظريات الانتقاء الجماعي دعمًا متجددًا من عِلم الأحياء والعلوم الإنسانية مؤخرًا، رغم أنها ولَّدت أيضًا مُعارَضة مُتأجِّجة. أيُمكن أن يكون هذا مثالًا على المجالات التي يُمكننا فيها تطبيق هذه النظريات على نحوٍ مفيد؟11
ونظرًا لوجود جدالٍ كثير حول مدى صحة نظرية الانتقاء الجماعي، دعوني أقترح طريقةً بسيطة للتفكير في الأمر، وهي طريقة تُؤكِّد أن هذه النظرية لم تَنسلِخ عن مبادئ الانتقاء الجيني كما يبدو أحيانًا. يُمكننا أن نقارن التأثيرات على سلوك نُسختَين مُتنافستَين من الجين («أَليلين»)، مع وضع البيئة العادية التي يظهَر فيها كلٌّ منها في الاعتبار (لعلَّهما بالتأكيد يحظيان بتأثيراتٍ مختلفة تمامًا في بيئة مختلفة؛ أو كما كتب ستيف جونز، لو كان الجميع يُدخنون، لأصبح سرطان الرئة مرضًا وراثيًّا).12 سيقع الاختيار على إحدى هاتين النُّسختين وتفضيلها على الأخرى، إذا أسفر السلوك الذي تُسببه عن وجود نسخ منها أكثر من نُسَخ الأليل المنافس. هذا هو المقصود من قول إنَّ الانتقاء الطبيعي كله هو انتقاء جيني؛ وأي حديث عن الانتقاء الفردي أو الانتقاء الجماعي يُشير فحسب إلى إحدى الآليات المُحتملة التي يحدُث بها الانتقاء الجيني. ومع ذلك، قد يؤدِّي السلوك إلى هذه النتيجة بطريقتَين؛ الأولى هي من خلال مساعَدة الفرد الذي يحمله في التكاثر، ومن ثَمَّ إنتاج المزيد من النُّسَخ من نفسه مباشرة. وعلى الرغم من أنه يُسمَّى عادةً بالانتقاء الفردي فلا ينبغي أن يُفهم ذلك على أنه بديل للانتقاء الجيني وإنما بالأحرى هو إحدى آليات الانتقاء الجيني؛ أي الانتقاء الجيني عبر تكاثر الأفراد الحاملين للجين. الطريقة الثانية هي بمساعَدة فردٍ آخر حامل لذلك الجين على التكاثر، ومن ثَمَّ خلق المزيد من النُّسَخ منه بشكل غير مباشر. وجميع النظريات الرامية إلى تفسير تطوُّر سِمات السلوك التعاوني (مثل التبادُلية الصارمة) تفعل الشيء نفسه من خلال تفسير السبب وراء أنَّ جينًا لا يساعد حامِلَه على التكاثر قد يتسبَّب مع ذلك في إنتاج المزيد من نُسَخه بطريقةٍ غير مباشرة من خلال مساعدة حاملٍ آخر للجين على التكاثُر. وتقترح كلُّ نظرية سببًا مُختلفًا يفسِّر السبب في احتمال أن يكون المُستفيدون من السلوك التعاوني أكثر عرضةً لحَمل الجين من الأفراد العاديين من السكان.

وإحدى النظريات الأولى والشهيرة هي نظرية اصطِفاء الأقارب، التي وفقًا لها ثمة احتمال أن يساعد السلوك التعاوني الموجه نحو أقارب الفرد المُقربين على صنع نسخ من نفسِه؛ لأنه من المُرجَّح أن يكون هؤلاء الأفراد حاملين للجين مَحلَّ النقاش عبر سلسلة نسبِهم المشتركة. وتقترح نظرية الانتقاء الجماعي سببًا مُختلفًا لأن يكون من الأرجح أن يكون المُستفيدون من التعاون حامِلين للجين. فالسلوك التعاوني يساعد الأفراد الآخرين في المجموعة. لنَفترض وجود بعض العوامل العشوائية التي تُحدد توزيع الأفراد الحاملين لجين السلوك التعاوُني عبر مجموعاتٍ سكانية. لنفترض أن هذه العوامل تُؤدِّي إلى وجود «حشود» غالبًا من أولئك الأفراد؛ بمعنى أنه بدلًا من أن تحظَى كل مجموعةٍ بنفس نسبة المُتعاونين تقريبًا، تحظى بعض المجموعات بالكثير ومجموعات أخرى تَحظى بالقليل. ومن ثمَّ بسبب تكوين الاحتشاد، سيجد معظم المتعاونين أنفسهم في مجموعاتٍ مع متعاونين آخرين. وثمة عملية مشابهة تفسِّر السبب في مَيل معظم المسافرين بالطائرات إلى الإحساس بأن رحلاتهم أكثر ازدحامًا من المتوسط؛ فإذا كان بعض الرحلات مزدحمًا في حين أن البعض الآخر غير مزدحم، فإن عددًا أقلَّ من الأشخاص سيُلاحظ الرحلات غير المزدحمة وسيلاحِظ عددٌ أكبر الرحلات المزدحمة. في الواقع، إذا كان نصف الرحلات ممتلئًا والنصف الآخر فارغًا، فستكون الرحلات في المتوسط نصف مُمتلئة فقط، إلا أن كل مسافر يستقلُّ طائرةً كاملة العدد.

هكذا، إذا كان سلوك المتعاوِنين يصنع فائدةً كبرى للمُتعاونين الآخرين الذين يَحتشدُون معهم، فمِن المُرجَّح أن يقود ذلك إلى مزيدٍ من نُسخ الجين الذي يُنتَج بصرف النظر عن تكلفته على الفرد. فالأشخاص الذين لا يَمتلكُون الجين التعاوني سيبلون بلاءً حسنًا على نحوٍ أفضل من المتعاونين في الموقف ذاته، إلا أنه من المُرجَّح أن يجدوا أنفسهم (بسبب الحشد) مع عددٍ أقل من المتعاونين في مجموعاتهم، لذا سيكون أداؤهم أسوأ في المُجمل.

التفسير المُحتمل الثالث لتطوُّر سلوك التبادلية الصارمة ينطبق أيضًا على تأثير الاحتشاد، إلا أنه يقترح أسبابًا وراء احتمال حدوث ذلك بخلاف مجرد عشوائية التوزيع عبر الجماعات. قد يحدُث احتشاد المُتعاونين لأن بعضهم ينجذِب إلى بعض.13 بعبارةٍ أخرى: ربما يُبلي الانتهازيون على نحوٍ أفضل من أصحاب مبدأ التبادلية حين تأتيهم فُرصة للغشِّ والخداع، ولكن إذا لم يكن بإمكانهم إخفاء حقيقة أنهم انتهازيون، فربما يحظَون في الأصل بفُرَص أقل للغش والخداع. وربما يواجهون الإقصاء الجماعي من أصحاب مبدأ التبادُلية داخل مجموعتهم.14 أو لعلَّهم يكونون أقلَّ جاذبية فحسب كأزواجٍ أو شركاء عمل أو أصدقاء. وهذا التفسير يُشبه قصة الانتقاء الجماعي، من ناحية أنه يجعل انتشار سلوك التبادلية الصارمة مُعتمِدًا على حقيقة أن أصحاب هذا المبدأ يَميلون إلى أن يجدوا أنفسهم في مجموعاتٍ مع آخرين من أصحاب المبدأ نفسه. ومع ذلك، فالأمر يعتمد على بعض السبل التي ربما يستطيع بها أصحاب هذا المبدأ تعرُّف بعضهم على بعض وتعزيز عملية الاحتشاد.

بوجهٍ عام، علينا لذلك أن نتذكَّر أن الانتقاء كله هو انتقاء للجينات. وما يُطلق عليه أحيانًا «الانتقاء الفردي» يُمكن أن يُطلق عليه «الانتقاء الجيني من خلال تأثير الجين على تكاثر الفرد الحامل له.» وما يُطلَق عليه أحيانًا «انتقاء الأقارب» يُمكن أن يُطلَق عليه «الانتقاء الجيني من خلال تأثير الجين على تكاثر أقارب حامل الجين الذين من المُرجَّح أن يحملوا نُسَخًا من الجين.» وما يُطلَق عليه أحيانًا «الانتقاء الجماعي» يُمكن أيضًا أن يُطلَق عليه «الانتقاء الجيني من خلال تأثير الجين على تكاثر الأفراد الآخرين في مجموعة الحامل الذين من المُرجَّح أن يحملوا نُسَخًا من الجين.»

كيف يُمكنُنا الاستعانة بالأدلة للاختيار بين هذه التفسيرات الثلاثة المُتنافِسة لقُدرة الجينات المُفضِّلة للسلوك التعاوني على الانتشار عبر السكان على حساب الجينات المنافسة المُفضِّلة للسلوك غير التعاوني؟ أشرتُ في الفصل الرابع إلى أنه بدا مُستبعدًا في عصور ما قبل التاريخ أن يتعامل أصحاب الحسابات الشخصية وأصحاب سلوك التبادُلية الصارمة بنفس الطريقة تمامًا. ببساطة، حتى في جماعة صغيرة من جماعات الصيد وجمع الثمار كانت تُوجَد فُرَص كثيرة جدًّا للغشِّ والخداع. ومن الصعب تصديق تفسير «الغلطة التطوُّرية» لسلوك التبادلية الصارمة. ومع ذلك، يذهب بعض العلماء إلى القول بأننا بحاجةٍ إلى أدلة دامغة للتفسيرات البديلة قبل أن نتمكَّن من رفضِ تلك التفسيرات المَبنية على الانتقاء الفردي فقط.

إذن، ماذا عن الانتقاء الجماعي؟ لقد برهن علماء عديدون مؤخرًا على أن الظروف في مجتمعات الصيد وجمع الثمار كانت مواتيةً تمامًا لظهور السلوك التعاوني بمُوجَب الانتقاء الجماعي.15 فعلى سبيل المثال، أدَّى تكرار وقوع الحروب — قدر صامويل باولز متوسِّط خطر الوفاة بسبب العنف بنسبة ١٤٪ بين أفراد مجتمَع الصيد وجمع الثمار — إلى جعل الفارق بين التعاون الفعَّال والافتقار إليه مسألة حياة أو موت.16 بالإضافة إلى الأدلة على تنوُّع مُتوسِّط الأنماط الجينية عبر الجماعات السكانية (بعبارة أخرى: «الاحتشاد»)، يقترح بولز أنَّ هذا يُوضِّح أنه حتى الأشكال المُتكلَّفة من السلوك التعاوني كان من المُمكن أن يُفضِّلها الانتقاء الجماعي. ومن الصعب أن نعرِف بالضبط إلى أيِّ مدًى ساهمت نوعية التبادلية الصارمة، المُوثَّقة في التجارب الاقتصادية، في احتمال بقاء الجماعة على قيد الحياة في ظلِّ ظروف الحرب في مجتمعات الصيد وجمع الثمار. ولكن حتى الآن على الأقل، تبدو الأدلة مُتوافِقة مع دور الانتقاء الجماعي، مع أخذ الظروف العنيفة التي وُجدَ فيها أفراد مجتمع الصيد وجمع الثمار في الاعتبار، ولا شكَّ في أنه سيكون ثمة المزيد من الأبحاث التي تستكشف هذا الاحتمال في المستقبَل القريب.
بالتأكيد، أي شيء كان إلى جانب الاحتِشاد، من خلال تمكين أصحاب سلوك التبادُلية الصارمة من أن يتعرَّف بعضهم على بعض وأن يختاروا التعاون معًا، كان من شأنه أن يكون أيضًا إلى جانب تطوُّر هذا السلوك من خلال الانتقاء الطبيعي. وهنا تزداد صعوبة العثور على أدلةٍ دامغة، إلا أنه من المعقول قطعًا أن يكون الأفراد الجديرون بالثقة بطبيعتهم قد حاول بعضهم البحث عن بعض، كما أشرتُ عند مناقشة تطوُّر الابتسام والضحك. ومن الأصعب أن نعرف عدد الخيارات التي كانت أمام الأفراد لاختيار أولئك الذين تعاوَنوا معهم، ومن ثَمَّ تجنُّب الاشتراك في أنشطةٍ تعاونية مع أولئك الذين كانوا يَشكُّون في أنهم انتهازيون. وربما تكون سمات أخرى أيضًا (مثل القوة أو الذكاء) قد أحدثَت فارقًا في جاذبية الأشخاص كشركاء في الأنشطة التعاونية أكثر مما إذا كانوا من مُتَّبعي سلوك التبادُلية الصارمة أو انتهازيين. على سبيل المثال، وثَّق اختصاصي علم الرئيسيات فرانس دي فال17 سلاسة التحالُفات في مجتمعات الشمبانزي بتفصيلٍ مُدهِش؛ إلا أن التبادلية الصارمة لا تبدو السمة الأولى في سلسلةٍ طويلة من السمات التي يتعيَّن على الشمبانزي إجادتها.
ثمة بديل مُحتمَل هو أنَّ موهبة السلوك التعاوني الواضِحة كانت ذات أهمية للجَماعات التي تَبحث عن أزواجٍ لبناتها؛ حيث إن في الجماعات البشرية في عصور ما قبل التاريخ (كما هي الحال في جماعات الشمبانزي) كان مُعتادًا أن تترُك المُراهَقات بيت الآباء بحثًا عن أزواج. ومع ذلك فإن الفكرة القائلة بأنَّ هذا ربما قدَّم مصدرًا مهمًّا للضَّغط الانتقائي لصالح التبادُلية الصارمة — رغم أنه مُمكن من الناحية النظرية — تظلُّ في الواقع تخمينًا مَحضًا.18 وبوسعنا أن نقول إنَّ هذه المسألة ستَشغل بال علماء الاقتصاد وعلماء الأنثروبولوجيا والمُختصِّين في علم الرئيسيات لوقتٍ طويل. وبوسعنا أن نُقرَّ بأننا نَدين بالتعقيد المُذهل للمجتمع المعاصر إلى وجود — على الأقل — بعض من أصحاب مبدأ التبادُلية وسط أجدادنا، وكذلك إلى أبطال عصور ما قبل التاريخ، الذين لم يَرِد ذكرهم، والذين واجهوا خطر الذبح على أيدي الغرباء من أجل استكشاف فُرَص التبادُل التجاري المُفيد للطرفين.
وأيًّا كان التفسير، فلن يدلَّ بالضرورة على أن أيِّ شكل معيَّن من التبادلية الصارمة مُتأصِّل في الدماغ البشري. لطالما كان ثمة جدال كثير في السنوات الأخيرة حول دعاوى بعض المُختصين في علم النفس التطوري التي مفادها أن الانتقاء الطبيعي قد منَح الدماغ البشريَّ عددًا كبيرًا من النماذج المعرفية الدقيقة جدًّا، التي كانت تلعب دورًا تكيُّفيًّا في عصور ما قبل التاريخ؛ ولكنَّها ربما لم تعُد كذلك في المجتمَعات المعاصِرة. وأحد الأمثلة المُحتمَلة لمثل هذه النماذج هي مهارة «اكتشاف المُخادِع» المُوضَّحة في لغز الكروت الأربعة أو مسألة الاختيار لِواسون التي ناقشناها في الفصل الرابع. وثمة جدال دائر حول تفسير هذه النتائج،19 ولكن أيًّا كانت طريقة تسوية ذلك الجدال، سيظلُّ السؤال مفتوحًا لمناقشة إلى أي مدًى نُمِّيَت مواهبنا لاكتشاف المخادع من تجارب في مرحلة الطفولة مقارنة بكونها موجودة بالفعل في أدمغتنا منذ الولادة. لا تُخبرنا مسألة الاختيار لِواسون المُطبَّقة على البالِغين بشيءٍ عن ذلك.

ولكي تعرف السبب، تأمَّل تجربةً أُجريها كلَّ عام على مجموعاتٍ من الطلاب؛ حيث أعرض عليهم صورةً التُقطَت في منطقةٍ ريفية بأفريقيا ويظهر فيها مجموعة أشخاص واقفين حول طاولة ذات ركائز يُوجَد عليها بعض الملابس. ثم أسألهم عمَّا يحدُث في الصورة. يُدرك الطلاب جميعهم أن هذا سوق، ومن ثم أطرح عليهم السؤال التالي: مَن المُشترون ومن البائع. يُحدِّد الطلاب جميعهم المُشترين والبائع بلا تردُّد؛ ولكن عندما أُلِحُّ عليهم لمعرفة كيف عرفوا ذلك، يواجهون بعض الصعوبة في الإجابة. وأخيرًا يُدركون أن هذا يرجع إلى وضعية أعين الأشخاص الموجودين في الصورة؛ فالمُشترون ينظرون إلى الملابس؛ بينما ينظر البائع إلى المُشترِين. المُثير للاهتمام في هذه التجربة أنها تُبيِّن أنَّ لدَينا جميعًا قُدرة متطورة للغاية على تقييم المواقف الاجتماعية (بالاستعانة بوضعية أعين الأشخاص مثلًا لتحديد العلاقات الاقتصادية بينهم)؛ متطورة للغاية حقًّا لدرجة أنَّنا نعرف ماهية العلاقات الاجتماعية قبل أن نعرف حتى كيف عرفنا ذلك. ولكن يبدو من المُستبعَد أن تكون «آلية اكتشاف العلاقات في الأسواق» مُتأصِّلة لدَينا في أدمغتنا. كان أفراد مجتمع الصيد وجمع الثمار يتعرَّفون على المخادعين؛ إلا أنهم عادةً لم يكونوا يفضلون أن يكونوا في أسواق. عوضًا عن ذلك، من المنطقي أن نستنتج أننا نتمتَّع بموهبةٍ مُتطورة في تقييم العلاقات الاجتماعية، وأننا نطبق هذه الموهبة لنتعلَّم أي العلاقات الاجتماعية تُمثل أهميةً اقتصادية لنا. وعلى نحو مُماثل، احتمال أن يكون الانتقاء الطبيعي قد منحنا، أو على الأقل بعضًا منا، نزعة للتصرُّف بطرُقٍ تتَّسم بالتبادلية الصارمة لا ينبئنا بشيءٍ عن نصيب الوراثة والتعلُّم في تطوُّر ذلك السلوك. لعلنا، أو لعل بعضنا، مُبرمَجون على التبادلية على نحوٍ مُنفصِل تقريبًا عما نتعلَّمه في مرحلة الطفولة. أو لعلنا مبرمَجون على أن نتعلم الاستجابة للآخرين بطرُقٍ يُعلِّمنا الكبار من حولنا اتِّباعها؛ فالتبادلية بمثابة سِمة مفهومة لدى الراغبين في غرسها فينا.

التبادلية والانتقام

بالطبع، قد تكون التبادلية الصارمة خطيرة، وليس فقط عندما يُتلاعَب بها. فلا شكَّ أنها تساعد في ترسيخ التعاون والتبادل. ويرجع هذا من ناحيةٍ إلى الميل إلى ردِّ الحسنة بالحسنة، ويرجع من ناحيةٍ أخرى إلى أن المَيل لردِّ الإساءة بالانتقام يجعل الناس على الأرجح يلتزِمون بوعودهم. إلا أنَّ هذه السِّمة الثانية تَعني أيضًا أنه ما إن تُنقض الوعود، يمكن أن تصير الأطراف المشاركة حبيسة دائرة انتقام. والشواهد على هذا كثيرة من التاريخ والأنثروبولوجيا والإبداعات الأدبية. عادةً ما وجدت التراجيديا المعاصرة الإلزام الدرامي داخل إطار خضوع البشَر الصارم لقوانين الانتقام، الأمر الذي يُضفي صبغةَ الحتمية على تصرفات أبطال أعمالٍ أدبية مثل مسرحية «روميو وجولييت» لشكسبير ورواية «وقائع موت معلن» لجابرييل جارسيا ماركيز. أصبحت قواعد الشرَف لدى ثقافة المافيا بصقلية تبدو مُختلَّة على نحوٍ غريب في العالم المُعاصِر، إلا أنَّ لها أساسًا مَنطقيًّا مفهومًا، كما أوضحت لنا أعمال عالِم الاجتماع دييجو جامبيتا.20 يُبرز جامبيتا الطريقة التي أخذت بها عائلات المافيا في الأصل على عاتقها دَور ترسيخ بعض أسُس الثقة في مجتمعٍ مُعاصِر مُعقَّد؛ وذلك لأنه ثبَتَ عجز الدولة الإيطالية عن القيام بذلك في صقلية أثناء فترة توحيد إيطاليا في منتصَف القرن التاسع عشر. إلا أن هذا الدور كان باهظ التكلفة؛ فنفس الدوافع البشرية التي يمكن أن تُعزز ثقافة الثقة يمكن أيضًا أن ترسِّخ ثقافة الشك والارتياب. وفي حالة صقلية، عزَّزت الثقة في أهل الإقليم الشكَّ في الدُّخلاء والغرباء عنهم، وهو عائق ثقافي كلَّف الإقليم تكلفةً غالية أثناء سعيه إلى الاندماج مع إيطاليا الحديثة والعالِم المُعاصر.

ولِحُسن الحظ، لطالَما كان النزوع إلى الثقة في أفراد جماعة مُعينة أكثر من غيرهم عونًا، لا عائقًا، على توسيع شبكة الأشخاص الذين يُمكننا الاعتماد عليهم. وربما يُعاني تاجِر مجهول قادم إلى قريتنا من كونه دخيلًا على جماعتنا، إلا أنه قد يستفيد من انتمائه إلى جماعةٍ أخرى أو قبيلة أخرى سبق لنا التعامُل مع بعض أفرادها، أو من انتمائه إلى فرعٍ بعيد من قبيلتنا؛ وربما حتى يأتي حاملًا هدايا تذكارية أو خطابات توصية. وإلى يومنا هذا، عادةً ما يبحث المُهاجرون إلى أمريكا الشمالية عن أفرادٍ من طائفتهم العرقية؛ وعادةً ما يتواصَل المُهاجِرُون من الريف إلى المدن الهندية مع أفرادٍ من طبقتهم؛ ويحظى الغريب الواقف عند باب منزلي بفُرصة أفضل للدخول إذا كان يرتدي الزيَّ الرسمي لشركةٍ حسَنة السُّمعة.

إن الاندماج التدريجي لثقافات الثقة المحلية مع ثقافات الثقة الإقليمية أو القومية الأكبر، أو حتى العالَمية — وإن تخلَّلتْه وقائع انتكاس كثيرة — هو جوهر تاريخ الحياة المعاصِرة. مِن المُهم ألا نُضفيَ طابعًا حالمًا على هذه العملية؛ فعندما أقول إن بإمكاني الوثوق بشخصٍ غريب، فإنني لا أقصد أنني مُعجَب به، أو أن لديَّ فضولًا لكي أتعرَّف عليه كشخص، أو أنني مُهتم بشكلٍ عميق لما يحدُث له. المَغزى هو أنني لستُ مُضطرًّا للإعجاب به أو الاهتمام به لكي أثِقَ في التعامُل معه والاعتماد عليه. رأى البعض في هذه الحقيقة سمةً مُخيفة من سمات المُجتمعات المُعاصرة؛ بل سِمة مُجرَّدة من الإنسانية، واشتاقوا إلى أزمنةٍ كنَّا نهتمُّ فيها بالأشخاص الذين نعرفهم، أشخاصٌ قد نكرههم أو نُحبهم ولكن لم نكن نستطيع أن نشعُر حيالهم بلامبالاة. وصف عالِم الاقتصاد جيمس بوتشان كيفية إجراء عملية شراء فاكهة من كُشكٍ على جانب الطريق رغم أنَّ كل طرفٍ من الطرفَين المَعنيَّين لا يهتمُّ بمصلحة الطرف الآخر؛ فهما «قادران … على تبادُل المُعاملات بفعالية لأن كِلا الطرفَين مُتَّفقان على حقوق الملكية التي تخصُّهما.» وردًّا على ذلك، يصفُ عالِم الاقتصاد صامويل باولز هذا الموقف باعتباره خلْق «بيئة نفسية قائمة على عدَم معرفة الهوية، والشعور باللامبالاة تجاه الآخرين، والتنقُّل، وغياب الالتزام، والاستقلالية.» ويَخْلُص إلى «أننا تعلَّمنا العيش في هذه البيئات، وأثناء قِيامنا بذلك نصير شخصياتٍ بعيدةً تمامًا عمَّا قد نصير إليه في بيئةٍ مختلفة.»21 ويتباين الأشخاص في مدى انزعاجهم من هذا الأمر (يُشير باولز إلى أنَّ الأسواق التي لا يَعرف بعض المُتعامِلين فيها بعضًا ذات تأثيرٍ مُهم، رغم أنه، إجمالًا، ليس بالضرورة تأثيرًا سيئًا). ولكن من الواضح تمامًا أن وجود طابع أكثر ودِّيةً في التفاعُل البشري في جميع لقاءاتنا إلى حدٍّ ما لا يَتوافَق مع درجة التفاعل المُعقَّد الذي يعتمد عليه مُعظمنا حاليًّا.
ولا شكَّ أن صِلاتنا، الأكثر هشاشةً وغموضًا، بالعالم الخارجي هي تحديدًا التي تُتيح لنا القسط الأكبر من الوصول إلى الفُرَص الجديدة. لفت عالِم الاجتماع مارك جرانوفيتر الانتباه إلى الآثار القوية لهذه الحقيقة البسيطة في مقالة شهيرة له بعنوان «قوة الروابط الضعيفة». استهلَّ جرانوفيتر مقالته بدراسة عن الشبكات الاجتماعية التي ساعدَت العاطلين عن العمل في العثور على وظائف. عادةً ما تكون جهات الاتصال الشخصية وسيلةً أهمَّ من المؤسَّسات الرسمية، مثل شركات التوظيف، لإيجاد فرصة عمل. ومع ذلك وجد جرانوفيتر أن احتمال أن يجد الأفراد وظائف من خلال الأصدقاء المُقرَّبين (روابطهم القوية) أقل بكثيرٍ من احتمال أن يجدوها من خلال المعارف العابرين (روابطهم الضعيفة)، مع أنه يَنبغي، من حيث المبدأ، أن يكون لدى الأصدقاء المُقربين سبب أدعى لمساعدتهم. السبب في ذلك هو أن أصدقاءك المُقرَّبين يَعرفون على الأرجح الكثير من نفس الأشخاص الذين تعرفُهم أنت؛ ومن ثَمَّ يقلُّ احتمال قُدرتهم على أن يُقدِّموا لك معلوماتٍ وفُرَصًا جديدة حقًّا.22 وعلى العكس، من الأرجح أن يكون المعارف الذين تعرفهم معرفةً عابرة بمثابة جسر يَربط بين المجموعات التي تكون فيما عدا ذلك مُغلَقة والعالَم الخارجي. قدمت مقالة جرانوفيتر، وغيرها من الأعمال المُستلهَمة منها، توازنًا مُستحبًّا لمواجهة النزعة الحزينة في عِلم الاجتماع،23 التي تحدثت عن الشعور بالاغتراب الناتج عن الحياة العصرية دون الإشارة إلى مدى ارتباط هذا بالظروف نفسها التي تمدُّه بالطاقة وتمنحُه سمة الابتكار.
من بين النُّظم النزيهة التي أتاحت هذا الاندماج التدريجي لثقافات الثقة المحلية مع ثقافةٍ أشمل تُنظِّم العلاقات بين الغرباء، لم يكن أي نظام أكثرَ مِحورية لهذه العمَلية من نظام حقوق الملكية. حقوق الملكية هي مجموعة من القواعد التي تُنظِّم أحقيَّة إدارة الموارد القيِّمة المُتنوِّعة في بيئتنا، وأحقية الاستمتاع بثمارها، وطرحها على الآخرين. وبدون ضمانة أنَّ الموارد، التي تمتلكها الآن نظريًّا، ستَحظى بالحماية من المُغِيرين عليها إلى أن يحين الوقت لترُدَّ لي الجميل، ربما لن يَدفعني أي قدْرٍ من الثقة في نواياك الطيبة لأن أكون سخيًّا معك اليوم. وثمة طريقة أخرى للتعبير عن هذا؛ ألا وهي أن الثقة لا يمكن أن تكون ثنائية الأطراف فحسْب؛ فالثقة بين أي شخصَين تَعتمِد على شبكةٍ من الثقة بين أيٍّ منهما والآخرِين الذين يتعاملون معهم أيضًا. ولهذا السبب، كما سنرى في فصولٍ لاحقة، كانت جميع المجتمعات بحاجةٍ إلى تعهُّد خطوط دفاع، ونظام مدني، ودرجة من الإجماع حول ما تُقرِّره القواعد الاجتماعية. ولقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن القدرة على ترسيخ حقوق الملكية هذه، والإجماع الاجتماعي الذي يُتيح فرضها، هما التفسير الوحيد الأكثر إقناعًا؛ لأنَّ بعض الدول (مثل بريطانيا وهولندا) كانت قادرةً على التصنيع والنمو أسرع من الدول الأخرى في مرحلةٍ حرجة مُبكِّرة من التاريخ الحديث.24 وكما هي الحال مع النُّظم الأخرى، تَعتمِد حقوق المِلكية على وجود توازُنٍ دقيق بين التبادلية والمصلحة الشخصية، ولقد ركَّزت مجتمعاتٌ مختلفة بدرجاتٍ مُتباينة على المكوِّنات الرسمية وغير الرسمية (أو المُتَّفق عليها) لذلك التوازُن. ويبحث عدد متزايد من المؤلَّفات حول ما يُطلَق عليه رأس المال الاجتماعي في العوامل الخفية الكثيرة التي تفسِّر الأسباب وراء أن الثقة، فيما يبدو، قد ترسَّخت بإحكامٍ في بعض المُجتمَعات أكثر من غيرها.25 ومع ذلك فالسِّمة المُشتركة بين جميع المجتمَعات المُستقرَّة هي أن التوازُن بين التبادلية والمصلحة الشخصية يظلُّ قائمًا حتى حين يَختبِر أفرادٌ معدومو الضمير مدى صموده.
حان الوقت لكي نُمعن النظر أكثر في بعض النُّظم الاجتماعية المسئولة عن هذا الانتشار غير العادي لاستعدادِنا لأن نثقَ في الغرباء. إنَّ السمة المُميزة لأنجح هذه النُّظم هي قدرتها على ترسيخ ثقافة الثقة بأقلِّ قدرٍ من الإلزام الصريح. على سبيل المثال، ما الذي يُميِّز المُدن الآمنة عن المدن الخطيرة الحافلة بالجرائم؟ كتبت جاين جاكوبز تقول: «إنَّ السِّلْم العام — أن يعمَّ السلام الشوارع والطرُقات — في المدن لا تحافظ عليه الشرطة وحدَها، رغم ضرورة وجود شُرطة بالطبع. وإنما تحافظ عليه بالأساس شبكة مُعقَّدة، غير واعية تقريبًا، من ضوابط ومعايير طوعية بين المواطنين أنفسهم، ويقوم على تنفيذها المواطنون أنفسهم.» وقالت إنَّ، ممَّا لا شكَّ فيه، أنه «بمجرَّد أن يكون الشارع مؤهلًا جيدًا للتعامُل مع الغرباء، وبمجرَّد أن يكون لديه قدرة جيدة وفعَّالة على الفصل بين الأماكن الخاصة والعامة، وبمجرد أن يتمتَّع بإمداداتٍ أساسية من الأنشطة والجهات الرقابية، عندئذ كلَّما كان عدد الغرباء أكبر، كان ذلك أفضل.»26 بعبارة أخرى، تحتاج المدن إلى منظومة لحفظ السلام، تدعمها بلا شكٍّ عقوبات رسمية ولكن غير رسمية بقدْرٍ كبير في الأنشطة اليومية. ولا بدَّ أن تكون تلك المنظومة مُستقرة، بمعنى أن الناس يتفاعلون مع وجودها بالتصرُّف بتعاونٍ أكثر، وليس أقل.

سنُلقي نظرةً أكثر تفصيلًا على المدن في الفصل العاشر. ولكن أولًا دعونا نُلقي نظرةً على أحد أهمِّ المنظومات المولِّدة للثقة على الإطلاق، وهي منظومة ما كان لعاقلٍ أن يأخذها على محمل الجد للحظة لولا أنَّ كلَّ أفراد المجتمَع على استعداد، على نحوٍ فِطري تمامًا، للقيام بذلك. إنها منظومة المال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠