الفصل السادس

تدريب الدماغ

عادةً ما يُشير مصطلح «تدريب الدماغ» إلى ألعاب الكمبيوتر المصمَّمة لتحسين الوظائف العقلية مثل الانتباه والذاكرة العاملة. يُدَّعى أنَّ هذه الألعاب تحسِّن تلك الوظائف، والصحة العامة للدماغ، من خلال تدريب العضو، مثلما أنَّ النشاط البدني يساعد في الحفاظ على صحة الجسم.

إنَّ تدريب الدماغ قد صار اليوم صناعةً تُقدَّر بالعديد من ملايين الدولارات، وتوجد عشرات الشركات التي تبيع ألعاب كمبيوتر وأدوات وتطبيقات للهاتف الذكي. يستهدف العديد من هذه المنتجات الآخذين في التقدم بالعمر والمسنين، ويُزعَم أنها تحسِّن الصحة العامة للدماغ وتقلل حتى من احتمالية الإصابة بمرض ألزهايمر، وغيره من أمراض الخرف. بالرغم من ذلك، فلا يوجد في الوقت الحالي سوى القليل من الأدلة على أنَّ منتجات تدريب الدماغ تؤدي إلى ما يسميه علماء النفس تأثيرات النقل: فهي تؤدي بالفعل إلى تحسُّن ملحوظ في القدرات الذهنية اللازمة لتحقيق أداء أفضل في اللعبة مثلما هو متوقَّع، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت تحسِّن الوظائف المعرفية الأخرى غير ذات الصلة.1

لا يوجد في الوقت الحالي سوى القليل من الأدلة على أنَّ منتجات تدريب الدماغ تؤدي إلى ما يُسميه علماء النفس تأثيرات النقل.

في أكتوبر عام ٢٠١٤، أصدر عددٌ كبير من الباحثين المرموقين بيانًا مشتركًا عن الموضوع. وكتبوا فيه: «إننا نحتجُّ على الزعم القائل بأنَّ الألعاب العقلية تقدِّم للمستهلكين نهجًا يستند إلى العلم يمكِّنهم من تقليل التدهور المعرفي أو عكسه، بينما لا يوجد دليل علمي حتى الآن على أنها تفعل ذلك. إنَّ الوعد بوصفةٍ سحرية ينتقص من أفضل الحجج الموجودة حتى اليوم، وهو أنَّ الصحة المعرفية في الكِبر تعكس الآثار الطويلة المدى لأنماط الحياة الصحية التي تتضمَّن ممارسة الأنشطة. [نحن] نرى أنَّ الدعاوى المضلِّلة المبالَغ فيها تستغل قلق المسنِّين بشأن التضاؤل الإدراكي الوشيك. ونحن نشجِّع على استمرار البحث الدقيق والتحقق في هذا المجال.»2 وبعد ذلك بعام، أصدرت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية أمرًا بأن تدفع شركة التدريب العقلي الكائنة في سان فرانسيسكو، «لوموسيتي»، مبلغَ مليونَي دولار أمريكي؛ تعويضًا عن خداع العملاء بمَزاعم واهية لا أساس لها بشأن فوائد منتجاتها.3

بالرغم من ذلك، فقد رأينا أنَّ الدماغ يتشكَّل باستمرار بفعل خبراتنا، ويوجد الآن الكثير من الأدلة على أنَّ أنواعًا أخرى من التدريب العقلي لها آثارها البارزة على العضو نفسِه. فقد قدَّمت أبحاثُ الحيوانات معلوماتٍ مهمة بشأن الآليات الخلوية للمرونة الناجمة عن التدريب. فعلى سبيل المثال، يؤدي تدريب الفئران على إصدارِ أحكامٍ دقيقةٍ بشأن الوقت إلى توسيع نطاق حساسية الخلايا العصبية السمعية، بينما يؤدي تدريب السعادين الليلية على مهمةٍ لتمييز الملمس، إلى تضاؤل الحقول الاستقبالية في الخلايا العصبية بالقشرة الحسية الجسدية الأساسية، وهو جزء الدماغ المسئول عن معالجة معلومات اللمس.

من الصعوبة بمكانٍ دراسة التغيُّرات الدائمة في الحيوانات، وكان ذلك ينطبق على الإنسان أيضًا حتى عهدٍ قريب نسبيًّا. غير أنه في العشرين عامًا الأخيرة، أصبح استخدامُ تقنيات التصوير العصبي واسعَ الانتشار، ويزداد عدد الدراسات التي تستخدم هذه الطرق لدراسة النتائج العصبية للتدريب الطويل المدى. من خلال هذه الوسائل، أثبت الباحثون أنَّ تعلُّم لغةٍ ثانية يرتبط بعددٍ من التغييرات التشريحية المختلفة في الدماغ. وينطبق الأمر نفسُه أيضًا على الأشخاص الذين يقضون سنوات أو عقودًا في تعلُّم غير ذلك من أنواع المعرفة أو المهارات أو الخبرات. فمثل هذا التدريب الصارم الطويل الأمد يؤدي هو أيضًا إلى تغييرات في الدماغ على المستوى البنيوي والوظيفي أيضًا. ولهذا، يُعَد المحترفون من الرياضيين والموسيقيين مختبرًا طبيعيًّا رائعًا لدراسة المرونة العصبية القائمة على الخبرة.4

تعلُّم اللغة

استخدمت دراسةٌ رائدة أُجريَت عام ٢٠٠٤، تقنيةَ قياس الأشكال المعتمد على الفوكسل (والفوكسل هو عنصر أو مكعب أو نقطة ذات لون معيَّن في مجسم ثلاثي الأبعاد كما البكسل هو عنصر في سطح ثنائي الأبعاد) لفحص أدمغة الأوروبيين الثنائيي اللغة، ومقارنتها بأدمغة الأوروبيين الأحاديي اللغة. أوضحت هذه الدراسة أنَّ ثنائية اللغة ترتبط بزيادة كثافة المادة الرمادية في الفصيص الجداري السفلي الأيسر، وهي منطقة من الدماغ تشترك في عددٍ من الوظائف المهمة المتعلقة باللغة، مثل الذاكرة العاملة الصوتية (أو ذاكرة أصوات اللغة)، وتعلم المفردات، ودمج معلوماتٍ من مصادر مختلفة؛ لذا فقد تعكس الزيادة تعلُّم مفردات لغة ثانية.

وجد الباحثون أنَّ التأثير كان أكبرَ في الأشخاص الذين تعلَّموا اللغة الثانية مبكرًا عنه فيمن تعلموها لاحقًا؛ فقد ظهر لدى المشاركين الذين بدءوا تعلُّم لغة ثانية قبل سن الخامسة زيادةٌ في الحجم بدرجةٍ أكبر مما كانت عليه فيمَن تعلموا بعد ذلك. كان مدى التغيير يرتبط أيضًا بقدرة الأفراد على تعلُّم اللغة؛ أي إنَّ المشاركين الذين كانوا أكثرَ براعة في تعلم اللغة الثانية، زادت المادة الرمادية لديهم بدرجةٍ أكبر ممن وجدوها أكثر صعوبة.5

أكَّدت الدراسات اللاحقة هذه النتائج الأولية، وأوضحت أيضًا أنَّ تعلم لغة ثانية يرتبط بأنواع أخرى من التغييرات التشريحية، ومنها تغيرات في سماكة القشرة في مناطق الدماغ المرتبطة باللغة، إضافةً إلى بنية المادة البيضاء في القنوات التي تربط بينها. وحتى التدريب اللغوي على المدى القصير يغيِّر من بنية الدماغ؛ إذ أثبتت الدراسات أنَّ طلاب الكليات والمترجمين العسكريين الذين التحقوا بدوراتٍ مكثفة للغات على مدار ثلاثة شهور، بدت لديهم اختلافات في الدماغ مقارنةً بمُمثلي عامل الضبط الذين لم يلتحقوا بمثل هذه الدورات.

بالرغم من ذلك، يبدو أنَّ التغيرات التشريحية المرتبطة بتعلُّم اللغات قابلةٌ للانعكاس أيضًا. فقد وجدت إحدى دراسات مسح الدماغ أنَّ متحدثي اليابانية البالغين الذين التحقوا بدورة تدريبية في اللغة الإنجليزية مدتها ستة أسابيع فقط، زادت كثافة المادة الرمادية لديهم في مناطق محدَّدة من الدماغ مرتبطة باللغة، مقارنةً بمُمثلي عامل الضبط. وأوضحت دراسات المسح التالية التي أُجريَت بعد عام زيادةً بدرجةٍ أكبرَ لدى مَن استمروا في ممارسة اللغة الإنجليزية. أما مَن توقَّفوا عن ممارستها، فقد عاد مستوى كثافة المادة الرمادية لديهم في المناطق المعنية إلى مستوياتِ ما قبل التمرين.6
بخلاف منتجات تدريب الدماغ المتوفرة تجاريًّا، يبدو أنَّ تعلُّم اللغات له تأثيراتُ نقل بالفعل، وثَمة أدلة آخذة في الظهور على أنَّ ثنائية اللغة على مدى الحياة تؤدي إلى ميزات محدَّدة. ذلك أنَّ ثنائية اللغة تستلزم الانتقال بين لغتين واختيار المفردات الصحيحة، بالإضافة إلى مهامَّ أخرى تستخدم ما يُدعى بالوظائف التنفيذية، مثل التفكير المنطقي، والتبديل بين المهام، وحل المشكلات. علاوةً على هذا، يبدو أنَّ تعلُّم لغة ثانية له آثارٌ وقائية عصبية؛ لذا فقد يقلِّل احتمالية الإصابة بمرض ألزهايمر وغيره من الأمراض التنكسية، وذلك حتى حين يحدث في مرحلة متقدمة من الحياة، وذلك من خلال زيادة «الانعكاس الإدراكي»، وهو مصطلح مبهَم بعض الشيء يشير إلى مقاومة العقل لما يتعرض له الدماغ من تلف.7

التدريب الموسيقي والرياضي

أوضحت دراسات التصوير العصبي المبكرة أنَّ أنظمةَ التدريب الطويلة المدى ترتبط باختلافات في المادة الرمادية والمادة البيضاء. فقد اتضح أنَّ عازفي الموسيقى الكلاسيكية الذين بدءوا التدريب قبل سن السابعة، كان حجم الجسم الثفني لديهم أكبرَ مما هو عليه لدى مَن بدءوا التدريب بعد ذلك، وأكبرَ من ممثلي عامل الضبط من غير الموسيقيين. تحتوي هذه الحزمة الضخمة من الألياف العصبية على أليافٍ تمتد من أحد جانبَي الدماغ إلى الآخر، وهي تنسِّق حركة الأطراف.8 وترتبط البراعة المطلوبة من عازفي الكمان المحترفين بإعادة تنظيم موسَّعة لتمثيل الأصابع في القشرة الحسية الجسدية الأولية. وجدت الدراسات أنَّ تمثيل أصابع اليد اليسرى في القشرة الحسية الجسدية، كان أكبرَ لدى الموسيقيين مما هو عليه لدى ممثلي عامل الضبط الأصحاء غير الموسيقيين، وكان هذا الفرق أوضحَ لدى من بدءوا تدريبهم على العزف في سنٍّ مبكرة. أما تمثيل أصابع اليد اليمنى في القشرة، وهي اليد التي يمسك العازفون الوتر بها، فقد ظل ثابتًا.9
توفِّر بعض الدراسات الحديثة نتائج مشابهة. فباستخدام تقنية للتصوير العصبي تُدعى قياس الأشكال المعتمد على الفوكسل، أوضح الباحثون أنَّ عازفي البيانو المحترفين يتمتعون بقدرٍ أكبرَ من المادة الرمادية في مناطق الدماغ الحركية والسمعية والمكانية البصرية، مقارنةً بالعازفين الهواة وممثلي عامل الضبط من غير العازفين، وقد ظل حجم التغير مرتبطًا بطول الفترة التي قضاها الشخص في العزف.10
استخدم باحثون آخرون تصوير الانتشار الموتر لتوضيح أنَّ ممارسة العزف على البيانو تغيِّر سبل المادة البيضاء، وأنَّ الآثار تتوقف على الفترة العمرية التي وقع التدريب خلالها. تظهر هذه التغيرات في الجسم الثفني وفي الألياف التي تنحدر من القشرتين الحسية والحركية، وكانت هذه الآثار أكثرَ وضوحًا لدى عازفي البيانو المحترفين الذين بدءوا التدريبَ قبل سن السابعة.11 وبالمثل يظهر لدى لاعبي الكاراتيه الحاصلين على الحزام الأسود زيادةٌ ملحوظة في حجم سبل المادة البيضاء في القشرة الحركية والمخيخ مقارنةً بالمبتدئين وممثلي عامل الضبط؛ مما يمنحهم تنسيقًا حركيًّا فائقًا، ويمكِّنهم من تركيزِ قدرٍ أكبرَ من القوة في لكماتهم وركلاتهم.12

تضمَّنت معظم هذه الدراسات الاستعانة بمجموعات صغيرة من الخبراء أو المحترفين، ومقارنة بنية أدمغتهم أو طريقة عملها بنظيرتها لدى الهواة أو المبتدئين في نقطة واحدة من الزمن. ولا يمكن لهذا التصميم الذي يستعين بالمقطع العرضي أن يثبت بحسمٍ ما إذا كانت أي اختلافات ملحوظة ناتجة عن التدريب، أم إنها اختلافات تشريحية ووراثية موجودة منذ الميلاد؛ فربما يكون الأمر أنَّ بعض الأشخاص يولدون بأدمغةٍ تجعلهم أكثرَ استعدادًا لتعلُّم مهارةٍ ما أو خبرة معينة بسهولةٍ أكبرَ من غيرهم. إنَّ التمييز بين هذين الاحتمالين سيستلزم دراساتٍ طولية تُفحَص فيها أدمغةُ أعضاء كل مجموعة مراتٍ متعددة على مدار شهور أو سنوات.

وبالفعل، تشير الدراسات الطولية القليلة التي أُجريَت بالتصوير بالرنين المغناطيسي حتى اليوم، إلى أنَّ بعض هذه الاختلافات الملحوظة على الأقل ناتج عن التدريب. فعلى سبيل المثال، يؤدي تعلُّم حركات الخفة البهلوانية على مدار عدة شهور إلى زيادة كثافة المادة الرمادية في القشرة القذالية الصدغية التي تحتوي على عَصَبونات حساسة للحركة.13 إضافةً إلى ذلك، فإنه يؤدي إلى تكبير سبل المادة البيضاء أسفل التلم داخل الفص الجداري الذي يتضمَّن مناطقَ الدماغ التي تدمج المعلومات الحسية الإدراكية والمعلومات الحركية، والضرورية للتنسيق بين حركات الذراعين والعينين.14

المعرفة

ثَمة دراسة أُجريَت على سائقي سيارات الأجرة في لندن على مدار الأعوام الخمسة عشر الماضية، تقدِّم المزيد من الأدلة على أنَّ التدريب العقلي يمكن أن يستحث تغييرات تشريحية في الدماغ. فمن أجل الحصول على رخصةٍ لقيادة سيارات الأجرة في لندن، يخضع المتدربون لسنوات من تدريب الذاكرة الشامل لتعلُّم تصميمٍ أشبهَ بالمتاهة لستة وعشرين ألفًا من الشوارع ضمن نطاق ستة أميال من محطة تشارينج كروس، إضافةً إلى تعلُّم مواقع آلاف المعالم البارزة، والطريق الأقصر للانتقال بين أي نقطتين في المدينة.

عادةً ما يقضي سائقو سيارات الأجرة المحتملون من ثلاث سنوات إلى أربع في دراسة الخرائط والقيادة في أنحاء المدينة؛ لكي يكتسبوا «المعرفة» بشوارع لندن. وخلال هذه الفترة، يخضعون أيضًا لمجموعة من الفحوصات الصارمة لاختبار حفظهم المكاني لكل حي من أحياء المدينة، ولا يُسمَح لهم إلا بعدد محدَّد من المحاولات في كل اختبار قبل الانتقال إلى الاختبار التالي. وبعد إكمال جميع هذه الاختبارات بنجاح، حينها فقط يمكنهم التأهل والحصول على رخصةٍ للعمل على إحدى سيارة الأجرة السوداء الشهيرة في لندن، والحق أنَّ النصف تقريبًا ممن يبدءون التدريب يخفقون في اختباراتهم أو يتوقفون عن التدريب في مرحلةٍ ما.

وفي عام ٢٠٠٠، نشر باحثون من جامعة كلية لندن دراسةً تؤكد أنَّ كثافة المادة الرمادية في الحُصَين الخلفي أكبرُ بدرجة ملحوظة لدى سائقي لندن المؤهلين مما هي عليه في ممثلي عامل الضبط. تُعرَف هذه البنية الدماغية بأن لها صلةً وثيقة بالانتقال المكاني، وأوضحت الدراسة أيضًا أنَّ حجمها كان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بطول الفترة التي قضاها الشخص في العمل سائقًا لسيارة أجرة؛ فكلما كان السائق أكثر خبرةً زاد حجم الحُصَين الخلفي لديه.15

كانت هذه الدراسة تعتمد على المقطع العرضي أيضًا؛ لذا لم يستطِع الباحثون استبعادَ احتمالية أن يكون السبب في الاختلافات المرصودة هو اختلافات تشريحية موجودة سلفًا، لكنهم استمروا في إجراء عدد من دراسات المتابعة التي أكَّدت أنَّ التغيرات نبعت بالفعل من نظام التدريب المستمر الصارم. ففي البداية، فحصوا أدمغة عدد من سائقي الحافلات في لندن الذين يجوبون شوارع لندن عبر طرق محددة مسبقًا وأبسط كثيرًا، واتضح أنَّ كثافة المادة الرمادية لديهم لا تختلف بدرجة ملحوظة عن كثافتها لدى ممثلي عامل الضبط.

بعد ذلك، أجرى الباحثون دراسةً تعتمد على المقطع الطولي، فحصوا فيها أدمغةَ المتدربين للتأهُّل لقيادة سيارات الأجرة مراتٍ عديدة خلال فترة التدريب. ومن بين المتدربين التسعة والسبعين المشتركين في الدراسة، تأهَّل تسعة وثلاثون للحصول على رخصة قيادة سيارات الأجرة، ولم ينجح عشرون في الاختبارات لكنهم وافقوا على العودة وإجراء الفحص الدماغي. ظهرت لدى المتأهلين الزيادةُ نفسها في كثافة المادة الرمادية، لكن منطقة الحُصَين لدى الراسبين، لم تكن مختلفة عما بدت عليه لدى ممثلي عامل الضبط.16

إنَّ هاتين الدراستين معًا توضحان أنَّ التدريب الشامل على الذاكرة والمطلوب لإكمال «المعرفة» بنجاح، يحفِّز تغييرات محدَّدة في تشريح الدماغ. فمثلما أنَّ رفع الأثقال يؤدي إلى تضخُّم النسيج العضلي، يمكن للتدريب العقلي أيضًا أن يزيد من حجم الأجزاء الممثلة له في الدماغ. غير أنَّ ذلك لا يأتي دون مقابل؛ إذ يبدو أنَّ سائقي سيارات الأجرة المؤهلين في لندن أسوأ من غيرهم في اكتساب المعلومات البصرية المكانية الجديدة، ويعتقد بعض الباحثين أنَّ استخدامهم المتزايد لأجهزة الملاحة بالأقمار الصناعية قد يؤدي إلى تدهورٍ تدريجي لمنطقة الحُصَين.

إذَن، فالدماغ عضوٌ ديناميكي للغاية يتكيَّف مع متطلبات مستخدمه. إنَّ التدريب المكثَّف يغيِّر الدماغ كي يبدأ في تنفيذ المهام الملائمة بكفاءةٍ أكبر. يحسِّن التدريب الموسيقي والرياضي من تنفيذ تسلسلاتٍ معقَّدة من الحركات المطلوبة، ويتعلَّم المتدربون الذين اكتسبوا «المعرفة» تنظيمَ كمياتٍ هائلة من المعلومات المكانية، ثم استخدامها بفعالية. وبهذه الطريقة، يحسِّن التدريب مناطقَ الدماغ والمسارات العصبية التي تشترك في أداء مهمَّة محدَّدة؛ ونتيجةً لهذا يتحسَّن أداء الفرد في هذه المهمة، وتصبح المهمة سهلة في نهاية المطاف وتلقائية.

تشير البياناتُ المتوفرة إلى أنَّ اكتسابَ الخبرة في أي مجال يستلزم على الأقل التدريبَ أربعَ ساعات كلَّ يوم على مدار عشر سنوات تقريبًا. ومن الجدير بالملاحظة أنه توجد أيضًا بعض الأدلة المقنِعة على أنَّ التخيُّل الحركي، أي تصوُّر حركات معينة بعين العقل، يمكن أن يحسِّن أيضًا القدرةَ على تعلُّم مهارات محددة وتنفيذها. يتَّضح من هذا إذَن أنَّ الحركات المتخيَّلة تبدو مكافئة للحركات التي تُنفَّذ فعلًا، ويمكن ﻟ «تخيُّل» الحركات في الدماغ فحسب أن يؤدي إلى حدوث النوع نفسِه من تغيرات المرونة في الدماغ.17

يحسِّن الدماغ مناطقَ الدماغ والمسارات العصبية التي تشترك في أداء مهمةٍ محددة؛ ونتيجة لهذا يتحسَّن أداء الفرد في هذه المهمة، وتصبح المهمة سهلةً في نهاية المطاف وتلقائية.

عن الفئران والبشر

قدَّمت دراسات التصوير العصبي ثروةً من المعلومات بشأنِ الكيفية التي يغيِّر بها التدريب العقلي المكثَّف من الدماغ، لكنها جميعًا لا تخبرنا بشيء عن الآليات الجزيئية والخلوية التي تقوم عليها التغييرات المرصودة. توضِّح الدراسات التي أُجريَت على القوارض أنَّ التدريب المكثَّف على المهام الحركية يؤدي إلى تغيراتٍ خلوية متعددة، مثل ظهور أشواك جديدة على الزوائد الشجيرية وكذلك تفرُّعات محورية جديدة، وكذلك تقليم بعضها الآخر. لكن من المحال أن نلاحظ عمليات مكافئة في البشر؛ لأنَّ تقنيات التصوير العصبي الحالية أضعف كثيرًا من اللازم لتصويرها، ولأنَّ التقنيات المستخدمة على الفئران لا يمكن تطبيقها على دراسة الدماغ البشري.

يمكن تفسير الزيادة في كثافة المادة الرمادية وحجمها بتكوين الخلايا العصبية في مرحلة البلوغ. ويُعَد هذا التفسير جذابًا على وجه التحديد في حالةِ سائقي سيارات الأجرة في لندن؛ إذ إنَّ الحُصَين هو المنطقة الوحيدة المعروفة حتى الآن بأنها تستمر في توليد خلايا عصبية جديدة على مدار الحياة (انظر الفصل الخامس). بالرغم من ذلك، يمكن تفسيرُ هذا أيضًا بتكوين مشابك عصبية جديدة وأشواك جديدة على الزوائد الشجيرية، وتبرعم تفرُّعات محورية جديدة. ويمكن لزيادة عدد الخلايا الدبقية أو تكوُّن أوعيةٍ دموية جديدة لإمداد البنى الجديدة بالدم أن يزيدا كثافةَ المادة الرمادية.

وبالطريقة نفسِها، يمكن أن تحدث التغيرات في المادة البيضاء بسبب آلياتٍ مختلفة، مثل إضافة المايلين إلى المحاور العصبية أو إزالته منها، أو بسبب التغيرات في كثافة المايلين، أو تغيُّر المسافات بين عُقَد رانفير؛ إذ إنَّ ذلك كلَّه سيغير من الخواص التوصيلية للخلية العصبية. وبالرغم من أنَّ تصوير الانتشار الموتر حساسٌ لتغيرات المايلين، فإنه لا يزال غير حساس بالدرجة الكافية للتفريق بين هذه الآليات.18
يمكن لبيانات التصوير العصبي أن تكون مناقضةً للبديهة في بعض الأحيان، وكثيرًا ما يصعب تفسيرها. ثَمة دراسة حديثة قارنت بين نشاط الدماغ لدى لاعبي كرة القدم المحترفين والسباحين في أثناء تأديتهم للحركات نفسِها بالقدم، وكشفت الدراسة أنَّ لاعبي كرة القدم ظهر لديهم قدرٌ أقل من النشاط في منطقة القشرة الحركية الممثلة لحركة القدم، مقارنةً بالسبَّاحين. وفسَّر الباحثون هذا بأنَّ سنوات التدريب تمكِّن لاعبي كرة القدم من التحكُّم في حركات أقدامهم بكفاءة مع الحفاظ على مواردهم العصبية في الوقت ذاته.19

من الجلي أنَّ الدماغ يتسم بقدرٍ كبير من المرونة، لكننا لا نزال في المراحل الأولى من فهمنا للطرق العديدة التي يستطيع التكيُّف بها مع المتطلبات التي تُفرَض عليه. سيُتيح التطور التكنولوجي وجودَ طرقٍ أكثر تعقيدًا لتصوير الدماغ، ولا شك بأنه سيعمِّق فهمنا للكيفية التي تؤثِّر بها الأنواع المختلفة من التدريب في بنية الدماغ وعمله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢