الإدمان والألم
إنَّ قدرة الدماغ على المرونة العصبية تتضمَّن قدرتنا على التعلم من الخبرة لتكوين ذكريات واكتساب مهارات جديدة، إضافةً إلى قدرتنا على التكيف والتعافي من إصابات الدماغ، أو تعويضها على الأقل وتخفيف أي تلف قد حدث. فالعلاقة بين الدماغ والسلوك ليست أحادية الجانب. ذلك أنَّ خبراتنا وسلوكياتنا تستحثُّ بعض تغيرات المرونة في الدماغ، ويمكن لهذه التغيرات أن تؤثر بدورها في سلوكياتنا المستقبلية وخبراتنا. والحق أنَّ نتائج المرونة العصبية غير مرغوبة على الدوام.
يُعَد الألم والإدمان هما المثالين الأكثرَ وضوحًا من بين أشكال المرونة العصبية المضرَّة. تنشِّط العقاقير المسبِّبة للإدمان نظامَ المكافأة في الدماغ وتستحوذ عليه، ويمكن للتغيرات الناتجة أن تستمر فترةً طويلة بعد خروج المادة الفعَّالة من الدماغ؛ مما يؤدي إلى الاشتهاء والسلوك القهري والسعي للحصول على هذه المادة المسببة للإدمان. ويمكن للألم الطويل الأمد أن يحفِّز إعادة تنظيم دوائر الحبل الشوكي التي تشترك في معالجة المحفِّزات المؤلمة ونقلها إلى الدماغ، ويمكن لهذه التغييرات أيضًا أن تستمر فترةً طويلة بعد زوال المحفِّز الذي سبَّب الألم في البداية؛ مما يؤدي إلى حالاتٍ مُزمِنة من الألم يمكن أن تستمر شهورًا أو سنوات.
تنشِّط العقاقير المسبِّبة للإدمان نظامَ المكافأة في الدماغ وتستحوذ عليه، ويمكن للتغيرات الناتجة أن تستمر فترةً طويلة بعد خروج المادة الفعالة من الدماغ؛ مما يؤدي إلى الاشتهاء والسلوك القهري والسعي للحصول على هذه المادة المسبِّبة للإدمان.
المكافأة والدافع والإدمان
إنَّ العقاقير المخدِّرة والدوائية المسبِّبة للإدمان تعمل على نطاق أنظمة الدماغ المعنية بالمكافأة والدافع. ويُعَد أهم هذه الأنظمة هو المسار الوسطي الطرفي الذي يبدأ في منطقةٍ صغيرة بالدماغ الأوسط تُسمى بالسقيفة البطنية. وتحتوي منطقة السقيفة البطنية في الدماغ البشري على ما يقرب من ٤٠٠ ألف خلية عصبية. تكوِّن هذه الخلايا الناقل العصبي، الدوبامين، وتُفرِزه، وتُرسِل أليافها المحورية الطويلة إلى النواة المتكئة، وهي جزء من مجموعة من البنى تحت القشرية التي تُسمى بالعُقد القاعدية، وهي مسئولة عن التعلم الإجرائي وتكوين العادات والتحكم في الحركات الإرادية. تتصل النواة المتكئة بدورها بالعديد من المناطق الأخرى في الدماغ، بما في ذلك بعض أجزاء القشرة المخية المعنية بالذاكرة واتخاذ القرار، واللوزة الدماغية، وهي بنيةٌ صغيرة تشبه اللوزة وتُعنى بالخوف والقلق وتعيين المشاعر لخبراتنا.
إنَّ جميع العقاقير المسبِّبة للإدمان تستهدف السقيفة البطنية وتعمل عليها بطريقة أو بأخرى لتعزيز نقل الدوبامين؛ مما يؤدي إلى زيادة تركيز الناقل العصبي فيها وفي النواة المتكئة أيضًا، وغير ذلك من المناطق المتصلة بها. يزيد النيكوتين من معدل إطلاق عَصَبونات السقيفة البطنية المنتِجة للدوبامين، من خلال التأثير في مستقبلات النيكوتين الموجودة على أسطح العَصَبونات، أما أشباه الأفيونات والقنبيات والبنزوديازيبينات، فتزيد من معدل إطلاق العَصَبونات بطريقةٍ غير مباشرة من خلال تثبيط نشاط العَصَبونات البينية الموجودة في السقيفة البطنية والمنتِجة للناقل العصبي «جابا»، بينما تمنع المنبِّهات النفسية مثل الكوكايين والأمفيتامينات والإكستاسي (حبوب السعادة)، ناقل الدوبامين، وهو غشاء بروتيني يقوم في المعتاد بإعادة امتصاص الدوبامين فور أن تُفرزه العَصَبونات في الصدع المشبكي.
يمكن رؤيةُ الإدمان على أنه الانتقال من الاستخدام الترفيهي حين يُستخدم العقَّار إراديًّا للحصول على المتعة فحسب، إلى الاستخدام الإدماني حين يفقد المستخدِم القدرةَ على التحكم في التعاطي، ويصبح مجبَرًا على إيجاد العقَّار وتناوله رغم أنه قد يترك آثارًا عكسية. فور أن تصبح السيطرة للعقَّار، يدخل المدمِن دائرةً مفرَغة تتمثل في تناول العقَّار بشرهٍ للوصول إلى النشوة، ثم يبدأ في الشعور بأعراض الانسحاب التي تحفِّز الاشتهاء الذي يؤدي بالمستخدِم إلى البحث عن العقَّار وتناول المزيد منه.
ولأنَّ جميع الأنشطة الممتعة تعزِّز من إفراز الدوبامين في النواة المتكئة، فيمكن أن تصبح إدمانية هي أيضًا، وتوجد الآن بعض الأدلة التي تشير إلى أنَّ أنشطة كالمقامرة والجنس والتسوق يمكن أن تؤدي إلى تغيرات دماغية مماثلة؛ مما يؤدي بالأشخاص إلى ممارستها بطريقةٍ قهرية.
مسار الألم
يؤدي الألم الجسدي الوظيفةَ التطورية القديمة والمهمة المتمثلة في تنبيهنا إلى الإصابات التي يمكن أن تهدِّد الحياة. لكنه قد يؤدي أيضًا إلى إنتاجِ أساليبِ تكيُّفٍ طويلةِ الأمد في الجهاز العصبي؛ أي تغيرات قد تسهم في تشكيل صور متعددة من الألم المرضي الدائم.
حين تنشط هذه العَصَبونات المستشعرة للألم، تُنتِج نبضات عصبية تنتقل عبر الحبل الشوكي إلى العَصَبونات الثانوية الموجودة في الحبل الشوكي، والتي توصِّل الإشارات إلى القشرة الحسية الجسدية. وبعد أن تتم معالجة هذه الإشارات، نصبح واعين بالألم ونتصرَّف لإيقافه كي نمنع حدوث أي ضرر إضافي يمكن أن يحدث.
قد تحدث تغيراتُ المرونة على الطرف المحيطي للعَصَبونات المستشعرة للألم تحت الجلد، وكذلك على المشابك العصبية التي تكوِّنها مع العَصَبونات الحسية الثانوية. وسرعان ما يؤدي تنشيط مستشعرات البروتين إلى إعادة توزيعها في طرف العصب ويغيِّر من خواصها الوظيفية لتقليل الحد الأدنى الذي يتم تنشيطها عنده. يتسبَّب هذا في الحساسية المفرطة للنسيج التالف، فنشعر بالألم تجاه المحفِّزات التي تكون غير مؤذية في حالات أخرى؛ مما يساعد في الإصلاح من خلال تقليل التلامس مع النسيج التالف. ويؤدي أيضًا إلى زيادة معدل تنشيط العَصَبونات المستشعرة للألم، وزيادة احتمالية إفراز الناقل العصبي من أطرافها العصبية في الحبل الشوكي.