عام ١٥٠٠ وما بعده

عند تأمُّل خريطة المعرفة في عام ١٥٠٠، نجد الصورة قد تغيَّرَت تغيُّرًا جذريًّا؛ فقد نهضت مدن وسقطت أخرى، ونشأت مجتمعات جديدة في أنحاء منطقة البحر المتوسط. في عام ٥٠٠ كانت مراكز التعلم تُغلِق أبوابها، وكانت الحياة الفكرية تتراجع. بعد ذلك بألف عام، بات العكس صحيحًا؛ فصار التعليم في أوروبا متاحًا من جديد على نطاق واسع، ليس للجميع، ولكن كانت توجد مدارس ومعلِّمون وجامعات؛ تقليد معرفي ناشئ مُقدَّم للشُّبان الأثرياء المهتمين، ولقلة من النساء أيضًا. كانت لديهم فرصة لكي يُصبِحوا أعضاءً في «جمهورية الرسائل» المتنامية وأن يُسهِموا في تطوير المعرفة.

كانت أوروبا قد خرجت من قرن من التغير العميق. كانت عوالم جديدة، تعجُّ بنباتات وحيوانات غريبة قد اكتُشِفت، والقوادس المُحمَّلة بالذهب والفضة تشقُّ طريقها عائدة عبر المحيط الأطلنطي، جالبةً ثروة لا تُوصف لأوروبا. أُزيلَت الحدود القديمة وأُعيدَ رسم الخرائط من جديد، أحدثَت آلة الطباعة تحولًا في الاتصال؛ فبحلول عام ١٥٠٠، كانت توجد مطابع في ٢٨٠ مدينة في أوروبا، أنتجَت نحو «٢٠ مليون كتاب منفرد».1 وصارت المعرفة أرخص ثمنًا وأكثر تيسرًا وأوسع إتاحة من أي وقت مضى. وفي العقود التالية، ساعدت آلة الطباعة في تيسير ثورة دينية والتسارع في التقدم العلمي.١

بينما كانت أوروبا المسيحية مُزدهِرة، كانت الإمبراطورية الإسلامية تُعاني من التمزق والانكماش. وبحلول منتصف القرن السادس عشر، كانت قد انقسمت إلى ثلاثة كيانات سياسية مُنفصِلة. في أثناء الاضطرابات التي أعقبت ذلك، لم يكن يوجد وقت ولا مال لتمويل البرامج الطموحة للاستكشاف الرياضي أو الرصد الفلكي أو الأبحاث الطبية. كان لاكتشافَي القرن الخامس عشر العظيمَين، وهما العالم الجديد وآلة الطباعة، نتائجُ كارثية على الثروات الإسلامية. وفتحت رحلات الاستكشاف الأوروبية طُرق تجارة جديدة عن طريق البحر التفَّت حول الشرق الأوسط، فحرَمَته من فرصة تجارية. ازدادت طُرق الحرير القديمة، التي ظلت تنقل الثروات العظيمة عبر القرون، سكونًا وخرابًا. وفي الوقت الذي كانت فيه المطابع تُفتَح في مدن عبر ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإنجلترا، ظل الناس في العالم الإسلامي في ريبة من هذه التقنية الجديدة وبذلوا جهدًا كبيرًا في تصميم حروف طباعة قابلة للتحريك إلى اللغة العربية، بعلامات التشكيل المُلتفة والتنويعات التي لا تُعَد ولا تُحصى. لهذا، ولأسباب أخرى كثيرة، استغرق الأمر منهم قرونًا حتى يتمكنوا من تكييف آلة الطباعة؛ مما جعلهم في وضع غير مُؤاتٍ للغاية فيما يتعلق بنشر المعرفة. وهكذا انتقل تركيز المشروع العلمي، مُتحولًا شمالًا إلى إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإنجلترا. وبدأ العالم الإسلامي في استهلاك المعلومات العلمية، بدلًا من إنتاجها.

في ظل هذه الظروف، التي اقترنت بتصاعُد في النزعة المحافظة الدينية، لعله من غير المُستغرَب أن السعي في طلب المعرفة في العالم الإسلامي بدأ في الاضمحلال، إلا أنه لا يسهل فهم السبب وراء أن إرث العلوم الإسلامية قد أصبح نسيًا مَنسيًّا إلى حد بعيد؛ فبالنظر إلى الإسهام المُتميز الذي قاموا به، فإن باحثين مثل الخوارزمي والرازي ينبغي أن يكونوا أسماءً مألوفة، مثل ليوناردو دافنشي ونيوتن، ولكن حتى في يومنا هذا، لم يسمع بهم إلا قلة من الناس في العالم الغربي. كيف حدث هذا؟ لا بد أن يقع بعض اللوم على عاتق الإنسانيين، الذين قادهم تعظيمهم للعلوم اليونانية إلى تجاهُل علماء كثيرين من الحقبة المُنقضية. كذلك ارتكب مُترجمو العصور الوسطى جريمة «إضفاء الصبغة اللاتينية» على الكتب التي ترجموها ولم ينسبوا الفضل إلى المؤلفين المسلمين الأصليين. ومع ازدياد أوروبا ثراءً وقوة، وبدئها في إقامة إمبراطوريات، دانت لها السيطرة الثقافية أيضًا. نتيجة لذلك، وُضِعت رواية همَّشَت من المعرفة العربية وأبعدتها إلى غياهب الماضي.

تجسَّد هذا المنهج في تحطيم الأيقونات المُثير الذي حدث في عام ١٥٢٧؛ فقد أحرق الباحث الألماني المُتطرِّف براكلسوس نسخته من كتاب «القانون» لابن سينا بوصفه جزءًا من دعوته لطلاب الطب إلى الابتعاد عن «كتب البشر الصغيرة» والتحول عوضًا عن ذلك إلى «كتاب الطبيعة العظيم».2 احتل براكلسوس جانبًا مُتشددًا في حركة أكبر تُشجِّع اتباع اتجاهات جديدة للمعرفة، شملت ملاحظة عملية لعالم الطبيعة الذي «من شأنه أن يُحرِّر البشرية من الخضوع لسطوة الماضي البائد.»3 إلا أن الباحث الجيد يحتاج، بالطبع، إلى الأمرَين، والنقطة التي أغفلها براكلسوس هي أن المرء لا يُمكِنه إعادة تشكيل نظرية فكرية دون أن يتعمق فيها. أدرك هذه الحقيقة أندرياس فيزاليوس أثناء أعوام دراسته للتشريح الجالينوسي. استغرق الأمر منه وقتًا طويلًا ليقبل أن الطبيب الأسطوري كان على خطأ. واستوعب الأمر أخيرًا عندما لاحظ أن جالينوس وصف فقرة ظهرية إضافية، وهي فقرة كانت موجودة في القردة العليا وليس في البشر. من هذا، أدرك أن جالينوس لم يُشرِّح أجساد البشر أبدًا، وإنما فقط أجساد الخنازير والقردة العليا؛ ومِن ثَم كانت معرفته التشريحية، المُستنِدة إلى الفحص المُستفيض للجثث، أفضل. كانت الملاحظة الدقيقة لعالم الطبيعة قد انتصرت على الحكمة القديمة.
نشر فيزاليوس اكتشافاته في عام ١٥٤٣، في كتابٍ أسماه «بنية جسم الإنسان». وكانت تلك لحظة تحوُّل في دراسة التشريح؛ فقد تخلَّل هذا الكتابَ الفخمَ رسومٌ تخطيطية مُفصَّلة ورسومات توضيحية مُتغلغِلة في النص، استنادًا إلى القوالب الخشبية التي كانت قد صُنِعت خصوصًا في فينيسيا ونُقِلت بعناية عبر جبال الألب إلى بازل حيث طُبِع الكتاب. إن مثل هذا الكتاب حدثٌ مهم في الطباعة العلمية، ويُعَد تجسيدًا لرغبة فيزاليوس في الوضوح والدقة في التواصل، وهو أمرٌ كان قد تنامى لديه خلال الأعوام التي أمضاها يُحرِّر ويُعِد النصوص الجالينوسية للطباعة. فلكي تكون المعرفة العلمية مُفيدة، كان يتعين أن تكون دقيقة، وليس ثمةَ مجالٌ كان ينطبق عليه هذا أكثر من الطب. «كلمة خاطئة واحدة يُمكِن أن تقتل آلاف البشر»، هكذا أشار رابليه بتهيُّب وهو يُحرِّر نصوص أبقراط بغرض طباعتها في عام ١٥٣٢.4
fig34
شكل ١: صورة إيضاحية مطبوعة بقالب خشبي تُصوِّر جالينوس وهو يُجري تشريحًا لخنزير على الصفحة الأولى لإصدار سنة ١٥٦٥ من كتابه «الأعمال الكاملة».
في نفس العام الذي نشر فيه فيزاليوس كتابه «بنية جسم الإنسان»، عكف جورج يواكيم ريتيكوس، الذي كان أستاذًا شابًّا في التشريح، في مدينة نورنبرج المُزدحمة، على تحضير عمل علمي رائد للطبع. كان من شأن كتاب «حول دوران الأجرام السماوية»، الذي كتبه مُعلِّمه البولندي المُتوحِّد، نيكولاس كوبرنيكوس، أن يكون له أثر بالغ مُماثِل، وإن كان في فترة زمنية مختلفة. لاقى كتاب فيزاليوس «بنية جسم الإنسان» نجاحًا باهرًا على الفور، وبِيعَ بأعداد ضخمة وجعله من المشاهير في عالم الطب. حاز الكتاب جاذبية ورَواجًا كبيرًا، لدى الأطباء الممارسين وكذلك لدى الفنانين، وكان مُؤلِّفه شابًّا ومُتحمِّسًا يُجيد الترويج والدعاية لنفسه. كان الوضع مختلفًا جدًّا في حالة كوبرنيكوس؛ فلم يكُن كتابه «حول دوران الأجرام السماوية» ليُصبِح من أكثر الكتب مبيعًا أبدًا؛ فالكتاب «يخلو من الحيوية من ناحية الطباعة وشديد التخصص»، ولم تكُن محتوياته المعقَّدة والعويصة لتُثير اهتمام سوى عدد صغير من علماء الفلك الأكاديميين، وكان أقل ما يُمكِن قوله عن المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه، وهو أن الشمس في مركز الكون، أنه كان مَثار خلاف.5 كان كوبرنيكوس مُمانِعًا لنشر الكتاب، وشعر بقلق مُبرَّر بشأن ردود الأفعال عند تلقِّيه. كان شخصًا يميل جدًّا إلى الخصوصية، فبعد أن أنهى دراسته في جامعة بادوا، أمضى جُل البقية الباقية من حياته يعمل في عزلة في بولندا. وعند نشر كتاب «حول دوران الأجرام السماوية»، كان قد صار مُسنًّا، ومات في العام نفسه.
fig35
شكل ٢: صورتان إيضاحيتان مطبوعتان بقوالب خشبية ﻟ «الرجل العظمي» و«الرجل العضلي» من كتاب فيزاليوس «بنية جسم الإنسان». باعتبارهما مُخطَّطَين تشريحيَّين وكذلك عملَين فنيَّين، فقد علَّما وألهما أجيالًا من الفنانين والأطباء في أنحاء أوروبا.

أمضى كوبرنيكوس عشرات السنين يدرس فلك بطليموس، وكانت القضية الرئيسية التي شغلَته هي فترة التأخر التي حدثت بين النموذج المُتوقَّع والحركات الفعلية للسماء. وصار هذا واضحًا أكثر فأكثر بمرور الوقت وكان مصدر إزعاج لعلماء الفلك لقرون، ولكن على الرغم من المحاولات العديدة، لم يتمكن أحد من التغلب على هذه المشكلة. كان التضارب بين الاثنَين يظهر على نحو أخص عندما كان الأمر يتعلق بالاعتدال الربيعي، وكان من المهم توقُّع هذا بدقة؛ لأن تاريخ الفِصح كان يقع في يوم الأحد الذي يأتي بعد أول بدر بعد الاعتدال. كان كوبرنيكوس مهتمًّا اهتمامًا خاصًّا بهذه المشكلة، باعتبارها قانونًا كنسيًّا. وكان نهجه ثوريًّا؛ إذ أخذ كون بطليموس وأعاد تصميمه بالكامل، واضعًا الشمس في المركز، والكواكب، التي تشمل الآن الأرض، تدور حولها. احتفظ كوبرنيكوس بمُخطَّط بطليموس الهندسي في نظامه الجديد للكون، مُوفرًا استمرارية مهمة مكَّنَت رفاقه من علماء الفلك وأولئك الذين سيأتون في الأجيال القادمة من تطوير أفكاره بفاعلية، وأشار إلى هذا الجانب من العمل باقتباسه للعبارة التي كانت مُعلَّقة على أبواب أكاديمية أفلاطون ووضع إياها على الصفحة الأولى للكتاب: «لا تدَعوا أي جاهل بالهندسة يدخل إلى هنا.» كان عالم الفلك اليوناني أرسطرخس الساموسي هو في الأصل من اقترح فكرة مركزية الشمس هذه قبل ذلك بثمانية عشر قرنًا، ولم يكُن مرور الوقت قد جعل من الأيسر قبول أن الأرض هي ببساطة واحد من كواكب عديدة، وليست الجِرم السماوي المُميز الذي يدور حوله الكون، والأسوأ من ذلك أنه كان يعني قبول فكرة أن الأرض التي تبدو ثابتة هي، في الواقع، تندفع خلال الفضاء في دورانها حول الشمس، والقول إن هذا أصاب الناس بصدمة هو تهوين من هول ما حدث بالفعل.

غيَّر هذا الكون الجديد القائم على مركزية الشمس موقع الإنسانية من الكون تغييرًا جذريًّا؛ وتطلَّب قبول الأمر جهدًا نفسيًّا وعاطفيًّا ضخمًا، ولم يكُن هذا أمرًا يُمكِن أن يحدث بين عشية وضحاها؛ إذ تعارَض الأمر تعارضًا تامًّا مع التعاليم الدينية. «أصغى الناس إلى مُنجِّم مغرور سعى لإظهار أن الأرض، وليس السماء ولا القبة الزرقاء، تدور حول الشمس والقمر … يرغب هذا الأحمق في أن يعكس علم الفلك برُمته، ولكن الكتاب المقدس يُخبِرنا [سفر يُوشع، الإصحاح العاشر، الآية ١٣] بأن يُوشع أمر الشمس، وليس الأرض، بأن تقف ثابتة.» هكذا هَمهَم مارتن لوثر، عندما سمع شائعة عن نظرية كوبرنيكوس.6 كان لوثر نفسه صاحب فكر ثوري؛ لذا ليس مُفاجئًا أن الكنيسة الكاثوليكية، مَعقل التقاليد والامتثال، كانت أكثر منه جزعًا. غالبًا ما تتعرض الاكتشافات العلمية الثورية حقًّا، التي تبدأ بإحداث تغيير نموذجي، للرفض على الفور (وبخاصة من قِبَل السلطات الدينية)، قبل أن يجري تدريجيًّا اختبارها وتحسينها وقبولها على مَدى فترة زمنية طويلة. كان من الواضح أن هذا هو الحال مع الأعداد الهندية العربية، التي استغرقت قرونًا لتكون مقبولة عمومًا، في الإمبراطورية الإسلامية وأيضًا في أوروبا المسيحية بعد ذلك، حيث كان الناس قلِقين خصوصًا من امتلاك الصفر لخواص شيطانية خطرة.
fig36
شكل ٣: كون كوبرنيكوس وفيه الشمس في المركز، والكواكب تدور حولها في حلقات مُتحدة المركز. الأرض في الحلقة الثالثة، وقمرها البالغ الصِّغَر يحوم فوقها.

من المُؤكَّد أن الشيء نفسه انطبق على نظرية مركزية الشمس، التي لم تُدرَك عواقبها إدراكًا تامًّا حتى القرن التالي؛ فبينما كان كتاب «حول دوران الأجرام السماوية» بعيدًا كل البعد عن كونه أحد الكتب الأكثر مبيعًا، شاعت نُسَخ منه عبر شبكات العلماء والباحثين الأوروبيين أثناء عقود ما بعد ظهوره، ووصلت إلى أيدي أساتذة علم الفلك وطلابه. على النقيض من عمل فيزاليوس في التشريح، لم يحتوِ كتاب «حول دوران الأجرام السماوية» على كثير من بيانات الرصد الجديدة، ولكن في القرن التالي، أنشأ تيخو براهي، الذي كان نبيلًا دنماركيًّا، بنفسه مَرصدًا على جزيرة فين، في مضيق كاتيجات، بين ساحلَي الدنمارك والسويد، وملأه بأجهزة مُتطوِّرة، قادرة على القيام بعمليات رصد فلكي أكثر دقة بكثير عمَّا كان مُمكِنًا في السابق. وبتطبيق هذه الأجهزة على حالة كون كوبرنيكوس الجديد، قضى على نظام المجالات الدائرية لبطليموس، ففتح الباب أمام إمكانية وجود تمثيل للكون أكثر تعقيدًا ودقة بكثير. كان مَن خطا الخطوة التالية هو يوهان كيبلر، الذي رفض، مُستعينًا ببيانات براهي، نظرية بطليموس القائلة إن الكواكب تتحرك حركة مُنتظِمة في مدارات دائرية، مُؤيِّدًا الحركة البيضاوية؛ الأمر الذي مثَّل خطوة ضخمة أخرى إلى الأمام في فهمنا للنظام الشمسي.

•••

امتلكت كل مدينة من المدن التي زرناها في هذا الكتاب طبوغرافيتها الخاصة وطابعها المُتفرِّد، ولكن اشتركت كلها في الظروف التي أتاحت الازدهار للبحث العلمي؛ من استقرار سياسي وإمدادات مُنتظِمة من التمويل والنصوص ومجموعة من الأفراد الموهوبين الشغوفين بالعلم، والسمة الأبرز، مناخ من التسامح وعدم التمييز تجاه الجنسيات والديانات المختلفة. وهذا التضافر أحد أهم عوامل تطور العلم؛ فبدونه لن يكون ثمةَ ترجمة، ولا انتقال للمعرفة عبر الحدود الثقافية ولا فرصة لصهر الأفكار من تقليدٍ ما مع أفكار تقليد آخر. والباحثون الذين جعلوا هذا التعاون مُمكِنًا هم نجوم الحكاية؛ هم الرجال الذين شدوا الرحال لخوض غمار المجهول، الذين كرَّسوا حياتهم للعثور على كل تلك الأفكار والنظريات المُدهِشة واستيعابها، والحفاظ عليها وتبادلها. وقدرتهم على التساؤل وتصميمهم على إضفاء النظام والوضوح على فوضى الابتكار البديعة، هو ما قاد الاكتشاف العلمي وأبقاه حيًّا خلال الألف عام بين عامَي ٥٠٠ و١٥٠٠.

طوال هذه الرحلة، حاوَلنا أن نُلقي نظرة داخل «دار الحكمة» المُحيرة من الماضي البعيد، حيث جرى ذلك النشاط الفكري. لم يكُن أمرًا سهلًا؛ فلا أثر باقيًا لبيت الحكمة في بغداد، ولا لمدرسة الطب في ساليرنو، ولا وجود إلا لأطلالٍ يكسوها التراب أو لحرم كاتدرائيات غير واضح المعالم، لا يزال باقيًا في المدن الأخرى، وحتى في فينيسيا، التي هي أقرب ما يكون زمنيًّا إلى وقتنا الحاضر، فإن الطريقة الوحيدة للتعرف على دار طباعة ألدوس مانوتيوس هي لوحة مُعلَّقة على الجدار. وبتنحية الأدلة الأثرية جانبًا، نعلَم أن الكتب التي تتبَّعناها لا بد أن تكون قد وُضِعت على الأرفف وقُرِئت في أماكن شتى، كالمكتبات الملكية والكنائس الصغيرة بداخل الكاتدرائيات وقاعات الدرس والحدائق والمراصد. بحلول عام ١٥٠٠، كانت هذه الأماكن قد أصبحت أكثر عددًا وتنوعًا ووضوحًا من أي وقت مضى، وإبَّان القرن التالي، أُقيمَت مَسارح تشريحية ومَراصد، وزُرِعت حدائق نباتية، وأُنشئت قاعات محاضرات ومكتبات عبر أرجاء المشهد الفكري، وكان باستطاعة الباحثين أن يعملوا معًا ويُحقِّقوا أقصى استفادة من المُعَدات الآخذة في التطور لدراسة عالم الطبيعة. لعبَت الجامعات دورًا حيويًّا في التعليم، ولكنها لم تكُن في العادة موقع البحث العلمي الأكثر تطورًا.٢ فعادةً ما كان الدخول إلى مكتباتها مُتعذرًا، شأنها في ذلك شأن المكتبات الملكية، كما كان نهج التعلم فيها محافظًا. لهذا السبب، أقام الباحثون مراكزهم البحثية الخاصة بهم؛ ولذلك جرى كثير من الإنجازات العلمية العظيمة بمنأًى عن الأنظار في أماكن خاصة، وليس في أماكن رسمية. ومع اكتساب الثورة العلمية زخمًا في أواخر القرن السابع عشر، أُنشئت المؤسسات والجمعيات لتسهيل التعاون، وأصبحت المقرات الرسمية للتخصصات العلمية الناشئة.

ومع ذلك، غالبًا ما كانت هذه الأماكن تقوم دومًا على مجموعة من الكتب، وكان بعضها ذائع الصيت بحيث كان يعمل باعتباره مؤسسات بحثية غير رسمية. كانت كوكبة من الباحثين وأعضاء من النخبة الإليزابيثية، وفي ذلك الملكة إليزابيث الأولى نفسها، يأتون لزيارة منزل جون دي على نهر التيمز في مورتليك، مقر أروع مجموعة من النصوص العلمية في إنجلترا في أواخر القرن السادس عشر. لم تكُن الكتب وحدها هي ما يجتذبهم، وإنما أيضًا المجموعة الضخمة من الخرائط والأدوات والأغراض النادرة أو الغريبة التي امتلكها جون دي، وبالطبع كان يجتذبهم جون دي نفسه. كانوا يأتون لوضع مُخطَّطات لرحلات استكشافية ومن أجل مناقشة الفلسفة ودراسة السجلات التاريخية واكتشاف أسرار الخيمياء ومحاولة مناجاة الملائكة.

أثناء القرنَين السادس عشر والسابع عشر، كانت جوانب كثيرة من الطب الجالينوسي وفلك بطليموس قد فقدت مصداقيتها واستُعيض عنها بأخرى، ولكن هذا لم يحدث أبدًا لإقليدس. فقد احتفظت أطروحة «العناصر» بمكانتها باعتبارها النص الرياضي الأساسي، وتُرجِم وطُبِع بكل اللغات المحلية الأوروبية الرئيسية وبِيعَ في محال بيع الكتب في أنحاء القارة. وفي عام ١٥٧٠، نُشِرت أول ترجمة إنجليزية كاملة، وكانت طبعة مُذهِلة تحتوي على رسوم بيانية مُنبثِقة، وحرَّره جون دي، كما أشرنا في المقدمة. في التمهيد، أدرج دي كل فروع المعرفة التي يُمكِن تطبيق الرياضيات فيها تطبيقًا مُفيدًا، وشدَّد على أهمية جعلها متاحة لأكبر قدر مُمكِن من الناس، وكانت هذه سمة بارزة للعصر الأول للطباعة. تُرجِمت آلاف الكتب إلى اللغات المحلية لخدمة عدد متزايِد من القراء المهتمين، وكذلك أصبح شائعًا على نحو متزايِد أن يكتب الكُتَّاب بلُغتهم الأم؛ وهو أمر كان قد بدأه الإنسانيون الإيطاليون الأوائل وانتشر تدريجيًّا إلى بقية أوروبا.

لم يُغيِّر تزايُد استخدام اللغات المحلية من حقيقةِ أن اللغة العالمية للعالم الفكري كانت لا تزال هي اللغة اللاتينية. لم تنَل الطباعة باللغة اليونانية رواجًا على النحو الذي كان ألدوس يرجوه؛ فببساطة لم يكُن يوجد ما يكفي من الناس الذين يعرفونها لجعلها خيارًا مُجديًا لمعظم المطابع. كان أعضاء جمهورية الرسائل يراسل بعضهم بعضًا باللغة اللاتينية، ويتبادلون الكتب والرسائل، ويتجادلون ويتعاونون عن طريق شبكة مُتنامية من الأنظمة البريدية. ومع تطوُّر مقوِّمات بيع الكتب، أصبح أمر الحصول على النصوص أيسر؛ مما ساعَد على تبادل الأفكار. ومع حلول الورقة المطبوعة الثابتة (نسبيًّا) تدريجيًّا محل المخطوطة الهشة، أصبحت المعرفة مُوحَّدة وأكثر دقة. كذلك أصبحت أيسر في الوصول إليها والتشاور بشأنها؛ إذ أضاف المُحرِّرون والكُتَّاب فهارس أبجدية، وصفحات محتويات، ورسومًا بيانية، ورسومًا إيضاحية ومَسارد؛ وهي الأدوات النصية التي نعتبرها الآن من المسلمات.

في عام ١٥٠٠، كانت أوروبا على وشك الدخول في الثورة العلمية، الاكتشافات المُزلزِلة التي هيَّأت الظروف التي يزدهر فيها العلم في يومنا هذا. وما كانت تلك الاكتشافات لتتيسر لولا قرون الأفكار والبحث والكتابة التي سبقتها، والتي شكَّلَت خيوطًا متصلة من المعرفة. سافرت الأفكار، المُدرَجة في الورق، في أرجاء منطقة البحر المتوسط، تنشر النور في أماكن مختلفة في أوقات مختلفة في التاريخ. وإذ ننظر إلى الماضي من وجهة نظرنا بصفتنا أشخاصًا نعيش في القرن الحادي والعشرين، يُمكِننا أن نرى موجات انحسار وارتفاع هذه المعرفة وفترات التسارع وفترات الركود والأفكار التي رُفِضت وفُقِدت، وتلك التي أُعيدَ اكتشافها وإحياؤها من جديد بعد قرون. لم يكن طريقًا مُستقيمًا، وإنما مر بمُنعطَفات وانحرافات، ودار في دوائر واختفى عند طُرق مسدودة، قبل أن يعود من جديد ويُتابِع المُضي قدمًا.

في القرون الأخيرة، أحدثَت الابتكارات التكنولوجية تحولًا في المعرفة العلمية؛ ففي الفترة التي تلت عام ١٥٠٠، ظهر ابتكاران، أحدث كلٌّ منهما تغييرًا في قدرتنا على رصد العجائب التي تحيط بنا، فقُرب نهاية القرن السادس عشر، ابتكر صانع نظارات هولندي وابنه ميكروسكوبات بدائية بوضع عدسات مُكبِّرة في أنبوب دائري، وبعد ذلك بمائة سنة، استخدم هولندي آخر يُدعى أنطون فان ليفينهوك، فكرتهما وأنشأ أول ميكروسكوب صالح للاستخدام؛ فقد شحذ وصقل ٥٥٠ عدسة مُنفرِدة ووضعها داخل أنبوب؛ فأعطى هذا قوة تكبير بلغت ٢٧٠ مرة، مما أتاح، للمرة الأولى، رؤية ميكروبات تنمو في الخميرة وكريات دم تتسابق عبر الشعيرات الدموية. من هذه اللحظة فصاعدًا، بدأت تنكشف عوالم لم تكُن متخيَّلة من التفاصيل الدقيقة؛ مما أحدث تبدلًا هائلًا في المشهد الفكري وثورة كبيرة في مجال الطب.

في أوائل القرن السابع عشر، أخذ عالم الفلك جاليليو جاليلي التليكسوب الذي كان قد اختُرِع منذ عهد قريب، وعدَّله ووجَّهه نحو سماء الليل. وللمرة الأولى في التاريخ الطويل للتحديق في النجوم، أمكن رؤية ما يقع وراء حدود العين البشرية، وكشف الكون عن نفسه بتفصيل أكبر وأعجب من أي وقت مضى. ومنذئذٍ، أتاحت لنا الآلات المتزايدة القوة أن نرى أبعد وأبعد في أعماق الكون الباردة وأن نرى سطح القمر والكواكب نفسها. يمنحنا الاختراع البشري قدرات رصد مُتزايِدة باستمرار، ولكن كلما زاد نطاق رؤيتنا، ظهر المزيد. إن عالمنا هو عالم يبدو لا متناهيًا في تعقيداته وعجائبه، التي يكشفها لنا العلم.

هوامش

  • (١)

    ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن كثيرًا من الأعمال العلمية كان لا يزال متداوَلًا على هيئة مخطوطات أثناء هذه الفترة.

  • (٢)

    كانت جامعة بادوا استثناءً؛ ففي عام ١٥٩٥ أصبحت مقر أول مسرح تشريحي دائم، بُنِي ليحل محل البناء الخشبي الذي كان فيزاليوس قد استخدمه خلال الفترة التي قضاها هناك، وكذلك كانت مكتبة توماس بودلي في جامعة أكسفورد مفتوحة للباحثين، وفي غضون عقود قليلة من افتتاحها في عام ١٦٠٥، كانت قد استقبلت القُراء من مختلف أنحاء أوروبا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠