الفصل الثالث عشر

الدير

١

ظل باني يبحث ويفكر، محاولًا اتخاذ قرار بشأن الصراع بين أصحاب رأس المال والعمال. لقد أصبح من الواضح له أن النظام الحالي لا يمكن أن يستمر إلى الأبد؛ فقد كان الوضع كما لو كانت موارد البلاد وثرواتها تُلقى في ساحة قتال ليتدافع إليها الأكثر جشعًا ويستولوا عليها. وعند التفكير فيمن يستطيع تغيير النظام، لم تكن هناك سوى إجابةٍ واحدةٍ محتملة؛ الغالبية العظمى من العمال، الذين لم يتمتعوا بروح المخاطرة، وتلخَّصَت معرفتهم في أن الثروة تأتي من الكد في العمل. وبحكم طبيعة وَضْعهم، لم يكن بوُسع العمال الانتصار إلا باتحادهم، وهكذا، سواء أرادوا ذلك أم لا، كان عليهم أن يعزِّزوا بداخلهم إحساسَهم بالتضامن، سعيًا إلى تحقيق الأخوة والتعاون.

كان هذا هو معتقد جميع «الراديكاليين» الأساسي، وقد قبل باني تعاليمه بسعادة، كوسيلة للهروب من التعقيدات المتعلقة بالتجارة والحرب. كان على العُمال أن ينظموا صفوفهم، ويسيطروا على الصناعة، ويعيدوا بناءها على أساس الخدمات التي تقدِّمها. كانت المعادلة بسيطة، وتستحق أن يُوثَق بها ثقة عمياء، ولكن للأسف، اعترف باني على مضض أن الواقع كان معقدًا. فمؤسِّسو المجتمع الجديد لم يستطيعوا الاتفاق على مخطَّطات هيكلته، ولا على كيفية التخلص من المخطَّطات القديمة. وأدَّى ذلك إلى انقسامهم إلى عدد من الفصائل، وإهدار جزءٍ كبير من طاقاتهم في الشجار فيما بينهم. كان باني يظن أنه هنا في جنوب كاليفورنيا على الأقل، كان للحركة العمالية ما يكفي من الأعداء في اتحادات أصحاب العمل، التي كانت تلجأ إلى وكالات فض الإضرابات والتجسُّس، ونظام القائمة السوداء والاضطهاد، والسياسيين المُعيَّنين لقلب القانون على العمال. ولكن للأسف، لم يبدُ الأمر كذلك بالنسبة للراديكاليين الشباب؛ حيث نشبَت بينهم العداوة!

كانوا يشعرون في الوقت الحاضر بحماسٍ شديد؛ بسبب الثورة الروسية التي كانت تُعتبَر حدثًا هائلًا هزَّ الحركة العمالية في العالم كله. فلأول مرة في التاريخ، استولى العمال على الحكومة، ولكن كيف استغلوا هذه الفرصة؟ بالطبع، كانت الصحافة الرأسمالية العالمية تصوِّر روسيا على أنها كابوس، لكن السوفييت استمرُّوا في البقاء، وكان كل يوم من بقائهم بمثابة هزيمةٍ جديدة لحَمْلة الصحف. واتضح للجميع التالي: بإمكان العمال إدارة حكومة! وبالفعل تولى العمال إدارة حكومة! لم يكن الأمر مستحيلًا!

لذلك، في كل بلد من بلدان العالم، أصبحَت الحركة العمالية منقسمةً إلى فصيلَين، أولئك الذين اعتقدوا أن العمال في بلادهم يمكن أن يحذوا حذو الروس، وعليهم تنظيم صفوفهم والاستعداد للقيام بذلك، وأولئك الذين ظنوا أنه لسبب أو لآخر لا يمكن القيام بذلك، ومجرد محاولة القيام به تُعَد جنونًا. وقد ظهر هذا الانقسام الكبير في كل فصيل ومدرسةٍ فكرية. وانقسم الاشتراكيون إلى قسمَين؛ أولئك الذين يريدون اتباع روسيا وأولئك الذين لا يريدون ذلك، وانقسم الفوضويون و«اتحاد العمال الصناعيين في العالم» على نفس المنوال؛ حتى القادة العماليون المحافظون انقسموا إلى أولئك الذين أرادوا ترك الحكومة السوفييتية وشأنها، وأولئك الذين أرادوا مساعدة الرأسماليين على إسقاطها!

بالنسبة لباني، كانت عائلة مينزيس تجسيدًا حيًّا لهذا النضال. فقد كان الأب مينزيس أجنبيًّا اشتراكيًّا ديمقراطيًّا تقليديًّا، وعضوًا نشطًا في اتحاد عمال الملابس. من بين أطفاله الستة، تبعَت ابنتان أمهما، وهي يهودية أرثوذكسية تقليدية ترتدي شعرًا مستعارًا قذرًا، وتحرص على الاحتفال بجميع الأعياد التي كانوا يحتفلون بها في الديار، وتبكي وتصلي من أجل أرواح أبنائها الضالين، الذين أبعدَتهم أمريكا عن دين آبائهم، وجعلَتْهم يعملون في أيام السبت، والذين حوَّلَتهم الحركة الراديكالية إلى ملحدين ومستهزئين. كانت رايتشل والصبي الأكبر، جيكوب، اشتراكيَّين مثل والدهما، بينما انتقل الاثنان الآخران، جو وأيكي، إلى «الجناح اليساري»، وكانا يدعوان إلى ديكتاتورية طبقة العمال.

٢

تلقى باني رسالةً من رايتشل. بدأت رسالتها ﺑ «عزيزي السيد روس»، لطالما كان هو الوحيد الذي كانت تخاطبه بهذه الطريقة من بين زملائه في الدراسة؛ فقد كانت هذه هي طريقتها في الحفاظ على كرامتها باعتبارها واحدةً من أبناء الطبقة العمالية، عند التعامل مع شخص لديه تطلعاتٌ اجتماعيةٌ كبيرة. «لقد عُدنا إلى الديار بعد قطف جميع أنواع البرقوق في كاليفورنيا، وسنبدأ في الأسبوع المقبل في قطف العنب. لقد أخبرتَني من قبلُ أنك تريد حضور اجتماع للاشتراكيين المحليين، سيُعقد اجتماعٌ مهم مساء الغد، في قاعة عمال الملابس. سيحضر والدي وإخوتي الاجتماع، وسيكون من دواعي سرورهم مقابلتك.»

ردَّ باني ببرقية دعا فيها خمسة من اليهود الاشتراكيين؛ أحدهم من كبار السن، والأربعة الآخرين من الشباب لتناول العشاء معه قبل الاجتماع. اصطحَبهم إلى مطعمٍ فاخر، معتقدًا أنه بذلك يكرمهم، ونسي أنهم قد يشعُرون بالضيق بسبب ملابسهم وآداب المائدة. لا ريب في أن ولوج الجمل من سَم الخِياط أيسر من أن يفهم الأغنياء مشاعر المحرومين.

لاحظ باني أن رايتشل قد تغيَّرَت تمامًا عن الفتاة الشاحبة المجتهدة التي كان يعرفها. فأصلُها الشرقي مكنها من قطف الفاكهة في الشمس لعدة أسابيع دون القلق على بشرتها، اكتسب خدَّاها سمرةً لطيفة وكانت روحها تشعُّ بالحيوية، وللمرة الأولى خطر لباني أنها كانت فتاةً ذات مظهرٍ مثير للاهتمام. تحدَّثَت عن مغامراتهم التي بدت له ساحرةً للغاية. عند الانغماس في أحلام اليقظة، قد يتصوَّر معظم الناس أنفسهم أنهم أبناء أحد أقطاب النفط العظام وورثته، الذين يمتلكون ملايين الدولارات، وسياراتٍ رياضية، وأراملَ ثرية وغيرها من الفاتنات اللاتي بإمكانهم ممارسة الحب معهن. لكن فكرة باني عن القصة الخيالية كانت تتمثَّل في الانطلاق مع مجموعةٍ من الشباب، في سيارةِ فورد قديمةٍ متهالكة تتعطل بين الحين والآخر، والنوم في خيمة تطيح بها الرياح، والعمل جنبًا إلى جنب مع المكسيكيين واليابانيين والهندوس في قطف الفاكهة، وإرسال حوالةٍ بريدية إلى الديار بقيمة عشرة أو اثنَي عشر دولارًا كل أسبوع!

كان الأب مينزيس رجلًا قصيرًا ممتلئ الجسم، قوي المظهر، ذا شعرٍ أصفرَ مجعَّد يغطي رأسه بالكامل، وعلى الرغم من أنه كان عريض المنكبَين، لم يكن هذا واضحًا بسبب انحناء ظهره الشديد من كدِّه في العمل. عندما كان يسخر من المناقشات المتعلقة بالثورة العالمية، لاحظ باني أن هناك بعض الحروف الإنجليزية التي لم يستطع نطقها قطُّ. أما جيكوب، الابن الاشتراكي، فقد انتبه باني إلى أن مظهره قد تحسَّن كثيرًا بفضل الحياة في الهواء الطلق، بعدما كان طالبًا شاحبَ اللون منحنيَ الكتفَين. كان الصبيَّان الآخران الصغيران «اليساريان» ثرثارَين ومغرورَين، وصدَّا باني الشديد الحساسية، الذي لم يكن لديه فراسةٌ كافية ليُخمِّن أن هذه كانت المرة الأولى في حياتهما التي يقابلان فيها شابًّا ثريًّا؛ ولهذا كانا يحاولان جاهدَين حماية نزاهة الطبقة العاملة التي ينتميان إليها. ولم يكن في نية أيٍّ منهما الاعتراف بانبهارهما بباني! بالإضافة إلى ذلك، لم يكونا على وفاقٍ مع بقية أفراد الأسرة؛ بسبب النزاع السياسي المرير الدائر بينهم.

توجَّهوا إلى القاعة التي كانت مكتظة بالناس، وكان معظم الحضور من العمال الذين بدَوا في غاية الحماسة. كانت هناك لجنةٌ معينةٌ للتعامل مع سياسة «المحليين»، وقدَّمَت هذه اللجنة تقريرًا ينصُّ على طَرْد «اليساريين»، كما كان هناك تقريرٌ آخر للأقلية ينصُّ على طرد أي شخصٍ آخر! كان الوضع محتدمًا، واستمع باني لما يُقال وحاول ببسالةٍ التحرُّر من أوهام الحركة الراديكالية. كانوا صاخبين للغاية، وكان باني يفضِّل المناقشات الهادئة! قال لنفسه إنه لم يكن يتوقَّع من العمال أن يتمتَّعوا بأخلاقٍ مثالية، أو يستخدموا لغةً إنجليزيةً سليمة، لكن هل كانوا بحاجة إلى الصراخ والتلويح بقبضاتهم؟ ألا يمكنهم مناقشة أفكارهم، دون أن يطلق بعضهم على بعض ألقابًا مثل «العمال المزيفين» و«البُغَضاء الحُقَراء» وما إلى ذلك؟ لقد اختار باني زيارة الحزب الاشتراكي المحلي بمدينة إنجِل سيتي في لحظةٍ حرجة من تاريخه، وبالتأكيد لم يحاول أعضاؤه التحلي بأي آداب سلوك تكريمًا لحضوره!

صعد الأب مينزيس إلى المنصة وصاح في أبنائه قائلًا إنهم مجموعة من الحمقى، ليتخيلوا أنهم قادرون على إحداث ثورةٍ جماهيريةٍ في أمريكا. وتساءل: «لماذا حدثَت الثورة في روسيا؟ لأن البلد بأكمله قد دمرته الحرب. لكن الأمر قد يستغرق عشر سنوات من الحرب حتى تنهار الطبقة الرأسمالية في أمريكا بهذا الشكل، وفي هذه الأثناء، ماذا تفعلون أيها الشباب الحمقى؟ أنتم تريدون تسليم الحزب الاشتراكي للشرطة! فلا شك أن لديهم جواسيس هنا، وهؤلاء الجواسيس هم المحرك الرئيسي لحركتكم اليسارية الحمقاء!»

بدا ذلك معقولًا بما فيه الكفاية لباني. فرجال الأعمال في إنجِل سيتي سيريدون أن تتجاوز الحركة الراديكالية أقصى الحدود، حتى يكون لديهم عذر لسحقها؛ فهم عندما يريدون حدوث شيءٍ ما، لا يتردَّدون في تحقيقه. لكن قول ذلك للمتطرفين الشباب كان أشبه بالتلويح بعلم أحمر أمام قطيع من الثيران. صاح أيكي مينزيس في وجه والده قائلًا: «ماذا؟ هل تتحدث عن الشرطة؟ ماذا يفعل الديمقراطيون الاشتراكيون المحبوبون لديكم الآن في ألمانيا؟ لقد فرضوا سيطرتهم على الشرطة، ويطلقون النار على العمال الشيوعيين من أجل الطبقة الرأسمالية!»

صاح الأخ الآخر: «هذا صحيح، وسيفعلون الشيء ذاته في كاليفورنيا! لكن هذا ليس مهمًّا بالنسبة لكم لأنكم مجموعة من معاوني الطبقة الرأسمالية!» كان هذا مصطلحًا جديدًا، ويبدو أنه كان ذا أثرٍ مروِّع. وكان السؤال هو ما إذا كان من الممكن دعم النظام الرأسمالي المترنِّح لمدة عشر سنواتٍ أخرى أو نحو ذلك، وهل سيتولى «اليمينيون» مناصبهم تحت رئاسة الرأسماليين ويساعدون في إنقاذهم. صرح جو مينزيس قائلًا: «أنت تنصِّب نفسك وكيلًا لهم لرشوة العمال بسنتَين إضافيتَين عن كل ساعة!»

وهكذا دار النزاع في الحزب المحلي بإنجِل سيتي، كما هو الحال في أي مكانٍ آخر في العالم، وانسحب «داعمو الجيش الأحمر» وانقسموا إلى ثلاثِ مجموعاتٍ شيوعية مختلفة، وغادر جو وأيكي مينزيس المنزل، وانتقلا إلى منزلٍ خاص بهما برفقة فتاتَين عاملتَين تتفقان معهما في التفكير. كان باني في حَيرة من أمره أكثر من أي وقتٍ مضى؛ حيث بدَت الحياة معقَّدة للغاية، وأصبحَت السعادة أمرًا صعب المنال!

٣

في أحد أيام السبت رن الهاتف، وكان فيرنون روسكو يتصل بالأب. وتصادف أن أجاب باني، وسمع الصوت المرح يقول: «مرحبًا، كيف حال صبيِّنا البلشفي؟ ألم تخبرني أنك ستأتي لزيارتي يا جيم الابن! لمَ لا تأتي الآن؟ إن آنابيل في فترة راحة من عرض «آلام الحب» وستسعد برؤيتك. وستكون هناك مجموعةٌ كبيرة من الناس يوم الأحد، مثل فِي تريسي وهارفي مانينج. وبالتأكيد، سأكون موجودًا! تعالَ على الفور، وسيدلُّك والدك على الطريق.»

أخبر باني الأب أنه قبل الدعوة، وقال الأب إن ظروف المعيشة داخل منزل السيد روسكو كانت من النوع الذي لا بد أن يكون باني على دراية بها مسبقًا. فآنابيل إيمز، ممثلة الأفلام السينمائية، كانت عشيقتَه كما يطلق عليها الناس، لكن الأمر لم يكن كذلك حقًّا، لأنها كانت مخلصةً له، وكان جميع أصدقائهما يعرفون بشأن علاقتهما، وكان الأمر تمامًا مثل الزواج، لكن، بالطبع، كانت هناك السيدة روسكو، التي كانت تعيش في المنزل بالمدينة برفقة أبنائها الأربعة. انخرطَت السيدة روسكو في المجتمع وكل ما يتعلق به، وحاولت جر فيرن إلى هذه الحياة، لكنها لم تكن مناسبة له. في بعض الأحيان، كانت السيدة روسكو تذهب إلى «الدير»، كما كان يُطلق على المنزل الريفي، ولكن بالطبع عندما لا تكون الآنسة إيمز هناك، قال الأب إنه كان لا بد من وجود نظامٍ ما حتى لا تصطدم إحداهما بالأخرى. كان لدى الآنسة إيمز منزلها الخاص، بالقرب من الاستوديو، وكان الدير ﮐ «مزار سياحي»؛ حيث كانا يصطحبان أصدقاءهما في عطلات نهاية الأسبوع.

عند تجاوز سلسلة الجبال التي تصطف على طول الساحل، ستجد نفسك على واحد من تلك الطرق الرائعة، التي تشبه شريطًا سحريًّا من الخرسانة مهَّدَته يدٌ عملاقة. أطلق المحرِّك صوتَ خرخرةٍ ناعمة، وسبقَت السيارة الرياح، متجهةً لأعلى وأسفل المنحدرات الشاهقة، ومنعطفةً عَبْر التلال المتداخلة، لاحت في الأفق منحدراتٌ حادة ومناظر لجبالٍ متداعية، ومساحات واسعة من الوديان، وشواطئ بها أكواخ للصيادين، وقواربهم، وشباكهم التي تُركَت لتجف في أشعة الشمس، ثم المزيد من التلال والمنحدرات الجبلية، كان بإمكانك الانطلاق لساعات بالسرعة التي تريدها؛ لأنك الآن في الحادية والعشرين من عمرك، ولم يعُد الأب يتوقع منك أن تلتزم بقوانين السرعة.

كان هناك طريقٌ متفرع باتجاه المحيط، وبعد السير مسافةَ عشرة أميال أو نحو ذلك، ستجد نفسك أمام سياجٍ عالٍ من الفولاذ، وبواباتٍ فولاذية، ولافتة تقول: «ملكية خاصة؛ ممنوع الدخول»، وكان بالطريق مكانٌ واسعٌ مُعَد خصوصًا لتتمكن من الرجوع بالسيارة! كانت البوابة مفتوحة؛ لذلك واصل باني القيادة، وتسلق تلةً أخرى، حتى وصل إلى القمة، حينئذٍ امتد أمامه لمسافة ميلَين أو ثلاثة أميالٍ منظرٌ رائعٌ من اللونَين الأصفر والأخضر، وكان أحد الجوانب يتجه نحو المحيط، وتمركزَت في الوسط أبراج الدير الحجرية الرمادية! كانت الجبال تحيط بالمكان من كل جانب، وكان قطب النفط يمتلك كل شيءٍ على مرمى البصر، الأرض والمناظر الطبيعية، وإذا أراد الناس رؤية ملاذه، فسيتعيَّن عليهم الوصول إليه بزورقِ تجديف أو عن طريقِ السباحة.

مضت السيارة في الطريق المتعرِّج، عَبْر أكوام من الصخور المتبعثرة وأجمات البلوط الحي التي تبلغ من العمر قرنًا أو قرنَين، حتى وصلَت إلى نقطة انقسم فيها الطريق إلى اثنَين، وكان في بداية أحدهما لافتةٌ عليها «التوصيل»، والآخر «الضيوف». إذا كنتَ من الضيوف المحظوظين، فطريقك سيمُر أسفل بوابةٍ كبيرة بما يكفي لمرور ست حافلاتٍ ذات طابقَين، ظهر أحد الحراس، واستدعى سائقًا لأخذ سيارتك إلى المرأب، واصطحابك إلى غرفة معيشة، حسنًا، كان الأمر أشبه بدخول كاتدرائية؛ فعيناك ستتبع القناطر العلوية، وقد تتعثر بجلد ثورٍ بري أو ظبيٍ أفريقي أو أيًّا كان نوع الحيوان المقتول. يا له من مهندسٍ معماريٍّ تهكميٍّ كئيب ذلك الذي جمع في مكانٍ واحد أبراجًا قوطية وأبراج كنيسة، وشرفاتِ حصون ذات فتحات وكوَّات إطلاق قذائف، وأطلق عليه هذا الاسم المثير للغاية، هنا وسط إمبراطوريةٍ مدنيةٍ حديثة! من المؤكد أن الدير كان لا بد أن يكون على طراز ما قبل الإصلاح، ليتناسب مع طريقة الراهب الذي كان يقطنه!

اكتشف باني أن هناك مصعدًا سريًّا في جناح الكاتدرائية، خرج منه فجأةً بخطًى رشيقة سيدةٌ صغيرة الحجم ترتدي ثوبًا من الشيفون بلون الليمون، وجوربَين وحذاءً بلون الليمون، وقبعةً كبيرة بلون الليمون، مثل تلك التي اعتادت راعيات الأغنام ارتداءها عند رسم اللوحات. كانت ملابسها أنيقة وفخمة بما يكفي لحضور حفلةٍ تنكرية، لم تكن بحاجة إلى تقديم نفسها؛ لأن باني كان واحدًا من التسعين بالمائة من جميع الذكور في العالم المتحضِّر، وربما سبعين بالمائة في مدغشقر وباراجواي ونوفا زيمبلا والتبت وغينيا الجديدة، الذين كان بإمكانهم معرفة عدد الرموش في جفنَي آنابيل إيمز، أو رسم شكلٍ توضيحي لغَمَّازتَيها، والمسار الدقيق الذي تسلكه دمعةٌ من دموعها لأسفل خدها. لقد رآها في دور الابنة «الجامحة» لأحد أقطاب الفولاذ في بيتسبرج؛ حيث تأدَّبَت على النحو الواجب وأُعيد بداخلها إحياء الإيمان بأهمية العائلة والوطن والدين، وفي دور عشيقة ملكٍ فرنسي، تتعرض لنهايةٍ مأساوية لتُكفِّر عن خطاياها، وفي دور الوريثة التي هربَت من قصر صاحب الضَّيعة المبني على الطراز الجورجي بعدما تعرَّضَت لمعاملةٍ سيئة، وفي دور «فتاةٍ جبلية» عارية الساقين تعيش في بلو ريدج، وتتحدث بلهجةٍ مميزة وتقول: «مرحبًا أيها الغريب، هل أنت واحدٌ من مأموري الضرائب؟» كان كل هذا في «الأفلام»، ولكن ها هي الآن بنفسها أمامه وكأنه يشاهدها في «عرضٍ مسرحي!»

«إذن أنت السيد روس!» كان صوتها عالي الطبقة بعض الشيء وغير مألوف. «لقد أخبرَني حبيبي الكثير عنك!» (كانت تشير إلى السيد روسكو بحبيبي.) «يسعدني قدومك إلى هنا، أرجو أن تعتبر نفسك في منزلك. افعل ما يحلو لك؛ فهذه هي قاعة الحرية.» تذكَّر باني هذه الجملة، لكن هل كانت من فيلم «قلوب من فولاذ» (هارتس أوف ستيل) أم «خادمة القصر» (ذا ميد أوف ذا مانور)؟

قالت سيدة القصر: «ها قد جاء هارف. هارف، تعالَ إلى هنا، دعني أعرِّفك على باني روس، هذا هارفي مانينج. هذه هي المرة الأولى التي يأتي فيها السيد روس إلى هنا، أرجو أن تكون لطيفًا معه حتى يكرِّر زيارته لنا. إنه يدرُس بالكلية، ويقرأ كثيرًا ويعرف كل شيء، وسنبدو أمامه في قمة الجهل والتفاهة!»

كان هارفي مانينج يدخل من إحدى النوافذ الطويلة التي تُفتح بمصراعَين، كالأبواب التي حلَّت محل مراحل درب الصليب في هذه الكاتدرائية. كان يمشي ببطء، دون أن يزيد من وتيرته، وكان يتحدث بلهجةٍ بطيئة وجافة أيضًا؛ إذ لم يُضطَر قطُّ إلى التعجُّل في حياته من قبل؛ لأنه كان ينتمي إلى إحدى العائلات العريقة في الولاية. كان وجهه غريبًا وقبيحًا، به الكثير من التجاعيد، ولم يتمكن باني قطُّ من تحديد ما إذا كان مسنًّا أم شابًّا. قال: «مرحبًا يا روس، سعيد بلقائك. لديَّ عمٌّ مستعد لدفع مائة ألف دولار ليزج بك في السجن.»

قال باني، بقليلٍ من الدهشة: «هل هذا صحيح؟»

«بالتأكيد! فهو مهووس بموضوع القبض على داعمي الجيش الأحمر، ويقول إن الراديكاليين المعتدلين أسوأ من البلاشفة. ولذلك كنتُ قلقًا عليك.»

قال باني: «لا داعي للقلق»، مدركًا أنه كان «يمزح»، فهذا يساعد في جعل الحياة محتملةً للرجال العاطلين، صغارًا وكبارًا. وأضاف: «سوف يدفع أبي مائتَي ألف ويخرجني من السجن.»

«بالتفكير في الأمر، أعتقد أن فيرن سيتدخَّل أيضًا، أليس كذلك يا آنابيل؟»

أجابت النجمة: «لا أحد من ضيوفي يبقى حبيسًا في السجن. فهم يتصلون بحبيبي، وهو يتصل برئيس الشرطة، الذي يسمح لهم بالخروج على الفور.»

قالت هذا دون أن تبتسم، وعلق هارفي مانينج قائلًا: «كما ترى يا روس، يتعامل عقلُ آنابيل مع الأمور بعملية.»

٤

بعد مراقبة نجمة الشاشة اللامعة، لاحظ باني أن هذه كانت حقيقتها؛ فقد كان عقلها يتعامل مع الأمور بعملية. أما كل الشاعرية والرومانسية التي تخيَّل الجمهور أنها تتمتع بها، فلم تكن إلا من نسج خيال الجمهور، إن جاز التعبير. فهي لم تشارك سوى بجسدها الشاب ووجهها المرن، وتولى المخرجون ذوو الأجور الكبيرة باقي الأمور. فإنتاج الأفلام كان بالنسبة لها نوعًا من أنواع التجارة، وكان كل حديثها عن تكاليف الإنتاج، والنسَب المئوية للمبيعات في الخارج، تمامًا كما لو كانت بئرًا للنفط. وكان هذا سببَ توافُقها مع فيرنون روسكو، الذي كان لديه أيضًا عقلٌ عملي. فزهرة الربيع على حافة النهر كانت بالنسبة له مجرَّد زهرةٍ صفراء، وكانت بالنسبة لآنابيل ديكورًا «داخليًّا» أو خلفية «لموقعِ تصويرٍ خارجي».

اكتشف باني أن هناك قدْرًا من الصدق المرير في هذا الأمر؛ فآنابيل كانت ترغب في أن تكون ممثلة وليست عشيقة. وكان فيرن يعلن لضيوفه قائلًا: «عجبًا، لقد تكلَّفتُ ثمانية ملايين دولار لأصنع من هذه الطفلة نجمةً سينمائية.» وكانت الطفلة البالغة من العمر ثلاثين عامًا تحلُم بأنها ستحقق يومًا ما تحفةً فنية ستكسب منها هذا المبلغ، وتُبرِّئ شرفها. في هذه الأثناء، كانت تقسِّط المبلغ عن طريق العناية بفيرن، وكانت تفعل ذلك علانيةً بطريقةٍ مؤثِّرة جدًّا ومحترمة، وفقًا للمعايير البرجوازية الصارمة. وإن كان قطب النفط قد تصوَّر يومًا أنه عندما يكون على علاقةٍ بنجمةٍ سينمائية، سيعيش حياةً جامحة وصاخبة؛ فقد أخطأ خطأً مؤسفًا حيث أصبح على النقيض؛ واحدًا من أكثر «الرجال الأثرياء» الذين كانت رفيقاتهم تُسيطِر على أفعالهم.

كان يمكن لآنابيل أن تقول: «حبيبي، لقد شربتَ ما يكفي من الخمر. ضع الكأس جانبًا.» كانت تقول ذلك أمام مجموعةٍ من الضيوف، مجتمعين بملابسهم الزاهية لحضور حفل عَشاء، وكان فيرن يحتج قائلًا: «يا إلهي، يا عزيزتي، أنا لم أبدأ بعدُ!»

«حسنًا، توقَّف قبل أن تبدأ الليلة. تذكَّر ما يقوله الدكتور ويلكنز عن كبدك.»

كان فيرن يتبجَّح قائلًا: «فلتذهب الكبد إلى الجحيم!» وكانت تردُّ عليه قائلة: «حسنًا يا حبيبي، لقد طلبتَ مني أن أجعلَكَ تُطيعني! هل يجب أن أجعلكَ تشعر بالخجل أمام كل هذه الصحبة؟»

ردَّ عليها متسائلًا: «تجعلينني أشعر بالخجل؟ لا أعتقد أن هناك مَن يستطيع أن يجعلني أشعر بالخجل!»

«حسنًا يا حبيبي، أنت تعلم أنك ستشعُر بالخجل إذا أخبرتُهم بما قلتَه لي في المرة الأخيرة التي كنت فيها ثملًا.»

صمت فيرن، حاملًا كأسه في الهواء، محاولًا التذكُّر، وانفجر الحضور في صخب: «أوه، أخبرينا! أخبرينا!»

«هل أخبرهم يا حبيبي؟» لقد كانت خدعة؛ لأن آنابيل كانت متشددة للغاية، ولم تنغمس قطُّ في مثل هذه الأفعال المبتذلة. انطلت عليه الخدعة، ووضع الرجل العظيم كأسه. وأعلن: «أنا أستسلم! خذي الشراب بعيدًا.» وهنا صفَّق الجميع، مما أضفى على الحفل بدايةً سعيدة.

من الغريب أن آنابيل كانت كاثوليكيةً تقية. لكن باني لم يعرف قَط كيف تمكَّنَت من توطيد علاقاتها مع الكهنة؛ فقد كانت تتبرع بسخاء للجمعيات الخيرية، وكانت تُوجد في حفلات جمع التبرعات من أجل ملاجئ الأيتام الكاثوليكية وما شابه ذلك. في الوقت ذاته، كان رأسها الصغير مليئًا بالخرافات وكأنها أمٌّ زنجيةٌ عجوز. فكانت ترفض بدء تصوير فيلم يوم الجمعة، حتى لو كانت ستأخذ في المقابل الثمانية ملايين دولار التي أعطاها لها فيرنون. وإذا سكبتَ الملح، فلن تكتفيَ بنصحكَ بإلقاء بعضٍ منه من فوق كتفك فحسب، بل ستفعل ذلك من أجلك، إذا لزم الأمر. ذات مرة، أثناء تناول الغداء، جعلَت إحدى صديقاتها تأكل على طاولةٍ جانبية، حتى لا يصبح عددهن ثلاث عشرة، وكانت هذه الفتاة ستقع ضحيةً للحظ السيئ لكونها الأصغر سنًّا.

في الوقت ذاته كانت آنابيل تتمتع بصفاتٍ جيدة جدًّا. فقد كانت صادقة في مشاعر إعجابها بك، وبصحبتك، وعندما كانت تتوسَّل إليك لتكرار الزيارة، كانت تعني ذلك حقًّا. كما أنها لن تُعلِّق عليك بملاحظاتٍ سيئة بعد رحيلك. وبالرغم من تمتُّعها بشطحات الطبع الفني فقد تمكَّنَت من النجاة من غيرته المزعجة؛ إذ اكتشف باني أنها كانت واحدةً من النجمات القلائل، اللاتي كان من المأمون الثناءُ على أعمال نجماتٍ أخريات أمامهن. كما أنها كانت تُكِن له احترامًا راسخًا؛ لأنه قرأ الكتب، وكانت لديه أفكار حول المسائل العامة. وساعدَت حقيقة نشر اسم باني على الصفحات الأولى للصحف باعتباره «راديكاليًّا معتدلًا» خطيرًا، في منحه هالة الغموض والرومانسية نفسها، التي منحها الجمهور لآنابيل باعتبارها نجمةً بارزة في عالم السينما، وسيدة الدير!

٥

قالت آنابيل: «هارف، هلا اصطحبتَ السيد روس في جولة لتفقُّد المكان؛ فموعد العشاء لم يَحِن بعدُ.» وهكذا تمكَّن باني من استكشاف المنزل الريفي، حتى يتمكَّن من إقناع والده بشراء واحد له. لكن هارفي مانينج لم يكن مرافقًا جيدًا. فلاستعراض مزارٍ ما، تحتاج إلى شخصٍ يميل إلى الإعجاب بهذه الأماكن، لكن «هارف» كان قد شهد العديد منها، وكان يميل إلى التحدُّث عنها جميعًا بازدراء.

كان هناك عددٌ كبير من المباني في هذه الملكية يوازي عدد الخزانات في معمل تكرير بارادايس، إلا أن هذه المباني كانت على الطراز القوطي، ذات أبراجٍ مصغَّرة وأبراج كنائس وشرفاتِ حصون ذات فتحاتٍ وكوَّاتٍ لإطلاق القذائف. لم تكن هناك كنيسةٌ صغيرة أو مكانٌ للعبادة، ولا مقابر لرؤساء الأديرة القدامى، ولكن كانت هناك صالةٌ للألعاب الرياضية، بالإضافة إلى مَسبَح من الرخام الأخضر، وصالة بولينج، وملاعب اسكواش وتنس، وملعب جولف من تسعِ حُفر، وملعب بولو، وكل ما يمكن أن تعثر عليه في أفخم النوادي الريفية. كان هناك إسطبلٌ به خيولٌ مسرجة يمتطيها السائسون في الغالب، ومكتبة لا يقرأ كتبها إلا مخرجو الأفلام الذين يبحثون عن التفاصيل المحلية، أو حسبما قال هارفي.

كذلك كانت هناك حديقةُ حيواناتٍ تحتوي على مجموعة من الحيوانات المحلية. فقد اكتشف الرجال المأجورون وأطفالهم أن مثل هذه الهدايا تُسعِد سيدهم؛ لذلك أحضروا كل ما تمكَّنوا من الحصول عليه. كانت هناك حديقةٌ مغلقة بها غزلان وأغنامٌ جبلية، وأوكارٌ منيعة بها دببةٌ رمادية تمشي متثاقلةً فوق الصخور، وقططٌ برية وذئاب القيوط وأسودٌ جبلية تغفو في الظل. وكانت هناك قبةٌ عملاقةٌ مغطَّاة بالشِّباك، وبداخلها شجرةٌ كبيرةٌ ميتة، تجلس عليها النسور. كان النسر في موطنه الأصلي، وهو يُحلق في عظمةٍ مطلقة عَبْر السماء الصافية، يمثل موضوعًا مثيرًا للشعراء؛ ولذا كان من المحزن رؤيتُه جالسًا هكذا في قفص. علَّق هارفي مانينج بشكلٍ عابر قائلًا: «ألا يشبه أصدقاءك البلاشفة المسجونين؟»

اكتشف باني أن هناك ما يثير اهتمام الرجل الذي يتمتع بأكبر قدْرٍ من اللامبالاة في العالم. فبعد وقتٍ قليل، أخرج مرشدُه ساعتَه وأشار إلى أن الساعة تقترب من السادسة والنصف، وعليهما العودة إلى المنزل. فقد كان «يمتنع عن شرب الكحول» حتى تلك الساعة من كل يوم، وكان يشعر بحماسٍ شديد عند اقتراب هذا الموعد. لذلك عادا إلى المنزل سيرًا على الأقدام، وكان بانتظارهما صبيٌّ صيني يرتدي سروالًا قطنيًّا أبيض اللون يحمل صينية، من الواضح أنه كان على علمٍ بموعد عودتهما. تناول هارفي مشروبَين للتعويض عن الوقت الضائع، ثم تنهَّد بارتياح، واتضح أنه يستطيع التحدُّث دون هذه اللهجة البطيئة.

عندما نزل باني لتناول العشاء، وجد مجموعةً كبيرة من الضيوف، بعضهم يرتدي ملابس السهرة، وبعضهم يرتدي ملابس الجولف، وبعضهم يرتدي سُتراتٍ عادية مثل المضيف؛ وذلك تماشيًا مع الاسم الذي تحمله القاعة «قاعة الحرية». كان روسكو يتحدث في السياسة مع فريد أوربان، وعن الهزيمة التي كانوا سيُلحِقونها بالحزب الديمقراطي. تولى روسكو دفة الحديث؛ حيث كان الشخص الآخر رجلًا صامتًا غريب الأطوار، كان طويل القامة ونحيفًا، وله وجهٌ طويل ونحيف، يشبه وجه الحصان. كانت له عينان غريبتان لونهما رماديٌّ مخضر، بدَتا بطريقةٍ ما خاليتَين تمامًا من أي مشاعر، وعندما تراه يستمع ولا يقول شيئًا لمدة ساعة، ستعتقد أن رأسه فارغٌ أيضًا من أي أفكار، لكن هذا غير صحيح؛ لأنه كان الرئيس المباشر لسلسلةٍ كبيرة من شركات النفط، وقد قال الأب إنه كان في غاية الذكاء.

كانت هناك أيضًا بيسي باري؛ حيث اقتضت آداب السلوك أن تُدعى أينما دُعي أوربان. فقد دعمَها في عدة أفلام، وكانت «تدفع الثمن» كما يُقال، لكن علاقتهما لم تكن بنفس الاحترام الذي كانت تتميز به العلاقة بين روسكو وآنابيل؛ فبيسي كانت تُحب مخرج أفلامها، وكان لا يزال يحبها، وكان التعامل بين الرجلَين غير ودي على الإطلاق. كان مَن شرَح هذا لباني هو هارفي مانينج، رئيس القيل والقال، الذي كان قد شرب الكثير من الخمر، وأصبح يتحدَّث بحرية دون حساب. لاحظ باني أن المضيفة قد وضعَت ببراعة الرجلَين المتنافسَين على طرفَي الطاولة.

انتقلوا بعد ذلك إلى كاتدرائيةٍ أصغر حجمًا، تُعرف باسم «قاعة الطعام»، جلس باني على مقعد ضيف الشرف، على يمين آنابيل الساحرة، التي تحوَّلَت من راعية أغنام ترتدي ثوبًا بلون الليمون إلى دوقة ترتدي الساتان الأبيض. على يسارها جلس مخرج أفلامها بيري دوشان، الذي كان يحكي عن تقطيع المشاهد في البكرتَين الأوليَين، اللتَين أحضَرهما معه لعرضهما. بجانبه كان هناك مقعدٌ شاغر؛ حيث تأخرَت إحدى السيدات، وكان باني صغيرًا جدًّا ليعي كيفية سير الأمور في العالم، وليعلم أن هذه هي الطريقة التي تؤمِّن بها الشخصياتُ العظيمةُ الأهميةَ لنفسها. فقد كان هذا أول لقاءٍ له مع ممثلات، ولم يكن يعرف أنهن يمثِّلن أحيانًا في الحياة العادية بعيدًا عن الكاميرات.

٦

هل تتذكَّر في فيلم «إمبراطور إتروريا» (ذا إمبرور أوف إتروريا) ذي الإنتاج الضخم، الجارية السكوثية التي أُحضِرَت من البَرية لخدمة ملذاتِ أحد المترَفين المدلَّلين، والمشهد الذي حاول فيه آغاوات الحرملك السمان الإمساك بها؟ وكيف استخدمَت أظافرها بغضب شديد لخدشهم وضربت رءوسهم ببعض! كان بالإمكان إلقاء نظراتٍ سريعة على جسدها الرشيق القوي بعدما تمزَّقَت ملابسها أثناء مقاومتها لهم، ومع ذلك يختلف هذا المشهد وفقًا لقوانين الرقابة في الولاية التي يُعرَض الفيلم فيها. لاقى المشهد رواجًا كبيرًا لدى الجمهور، وتنافَس العديد من المنتجين على فيولا تريسي، التي يُرجى التركيز على المقطع الأول من اسمها عند نطقه ليصبح كما يلي: فِي-أولا. وقد استعرضَت مهاراتها القتالية الرائعة بعد ذلك في فيلم «العذراء اللعوب» (ذا فيرجن فامب)، وبعد ذلك هربَت بأعجوبةٍ من الفضائح التي كانت تُلاحِقها بسبب العديد من المشاهد المثيرة. كانت قد بدأت أخيرًا تؤدي أدوارًا أكثر احترامًا، وكانت تظهر على جميع لوحات الإعلانات بمدينة إنجِل سيتي بزيٍّ ملكي في فيلم «عروس توت عنخ آمون» (ذا برايد أوف توت عنخ آمون)؛ حيث كانت تجسِّد شخصيةً جذابةً ذات عينَين سوداوَين غامضتَين عميقتَين، وابتسامةٍ مبهمة تحمل في طياتها أسرار أربعة آلاف عام من التاريخ.

ها هي ذي، تخرج من لوحات الإعلانات، إلى قاعة طعام الدير، وتغير زيها المصري لآخرَ جريءٍ من المخمل الأسود، قادمٍ لتوِّه من باريس، ومرصَّع باللآلئ السوداء التي تتناسب معه. سحب لها الخادم مقعدها، ووضعَت إحدى يدَيها عليه، لكنها لم تجلس، قالت مضيفتها: «آنسة تريسي، أقدم لكِ السيد روس»، ومع ذلك ظلت واقفة وتبادلَت هي وباني الابتسامات. كانت وقفتُها لافتة للنظر، وفجأةً قال تومي بالي، مخرج أفلامها، الذي علَّمها هذه الحركة، وكان يشاهدها من الطرف الآخر من الطاولة: «أحضروا الكاميرا!» ضحك الجميع، وكانت «فِي» أكثرهم طربًا على الإطلاق؛ حيث كشفَت عن صفَّين من اللآلئ البيضاء، التي تتسق مع بعضها أكثر من اللآلئ السوداء، وتحظى بقيمةٍ أكبر بكثير منها لدى نجمةٍ سينمائية.

كانت آنابيل إيمز تعيش حياتها دون أن تقول أي شيءٍ سيئ عن أي شخص، لكن هذا لم يكن أسلوب «فِي» تريسي؛ فقد كانت سليطة اللسان، وقد يتطور الأمر دون تردُّد إلى استخدام لكماتها، وتسبَّبَت محادثتُها في شعور باني بصدمة لشبابه البريء. لقد تصادف أنهم كانوا يتحدثون في البداية عن ممثلة إغراء، جاءت أخيرًا من الخارج حيث أعلنَت عن ذلك حملةٌ تسويقيةٌ واسعة النطاق. قالت آنابيل بلطف: «لديها ذوقٌ رفيع للغاية في انتقاء ملابسها.» قالت فِي: «أوه، رائع! رائع للغاية! حتى إنها اختارت كلبًا يتناسب مع وجهها!» بعد قليل تحدثوا عن ذلك الفيلم الذي كلف إنتاجه مليون دولار، «السطل البلوطي القديم» (ذا أولد أوكن باكيت)، والذي كان حينئذٍ يوقظ ذكريات الوطن ويُبكي عيون الملايين من الأوغاد قساة القلوب. وعلَّقَت آنابيل قائلة إن دوللي دين، التي لعبَت دور الفتاة الريفية البريئة التي أغراها بائعٌ متجول، كانت بسيطةً للغاية. أجابت فِي: «نعم بالتأكيد! لكن للحصول على فرصة لتكون بهذه البساطة، كان عليها أن تُضاجِع مُنتِجَها واثنَين من الممثلين والمخرج ومساعده، وقد أخبروها جميعًا كيف تتلو عذراءُ بريئة صلواتها!»

جلس باني، الذي كان يعتبر نفسه متمردًا، منتبهًا لما يُقال في هذه المحادثة، وبالتأكيد لاحظَت فِي أميرَ النفط الشاب، وهي تُغازِله بعينَيها السوداوَين المتلألئتَين. أحضَر لها الخادم طبقًا من الحَسَاء في وعاءٍ ذهبي، فألقت عليه نظرةً خاطفة وصرخَت: «يا إلهي، خذه بعيدًا، إنه يحتوي على النشا! آنابيل، هل تحاولين إخراجي من المهنة؟» ثم وجَّهَت كلامها لباني: «يقولون إنه لا يمكن لأحد أن يأكل السُّمَانى يوميًّا لمدة ثلاثين يومًا، ولكن ماذا ستقول، يا سيد روس، إذا أخبرتُك أنني أكلتُ قطعتَين من لحم الضأن وثلاثَ شرائح من الأناناس كل يوم لمدة سبع سنوات؟»

«سأطرح السؤال التالي: هل هذه طقوسٌ مصرية، أو ربما سكوثية؟»

«إنها وصفة طبيبٍ في هوليوود متخصصٍ في تقليص أجساد الممثلات. من المفترض أن نعيش نحن المشاهير في ترف، ولكن في الحقيقة لدينا حُلمٌ واحد فقط، وهو شراء ما يكفي من العقارات بهوليوود حتى نتمكن من التقاعُد وتناول وجبةٍ دسمة!»

سأل باني بتعاطُف: «ألا تتناولين خلسةً وجبةً دسمةً أبدًا؟»

فأجابت: «أجسادنا من النوع الذي لا يكذب أبدًا. يمكنك أن تسأل تومي بايلي عما سيحدُث إن رأوا أن وزني قد زاد عندما يمزِّق الرجل ملابسي! سيجعلونني أمثِّل أدوارًا كوميدية، وسأكسب رزقي من التدحرُج إلى أسفل التل في برميل!»

٧

كان الحديث في حفل العَشاء هذا، كما هو الحال في معظم حفلات العَشاء في أمريكا في ذلك الوقت، يشبه المشي على حافة حفرةٍ زلقة. عاجلًا أم آجلًا، كان لا بد من الانزلاق إلى داخل الحفرة، وبعد ذلك لن تتمكَّن من الخروج منها، بل ستُكمِل سيرك داخل الحفرة. قالت آنابيل، بوصفها المضيفة: «سيد روس، لقد لاحظتُ أنك لا تشرب نبيذك. يمكنك الوثوقُ بما نقدِّمه؛ فهو لدينا من فترة ما قبل الحرب.» وهكذا انزلقوا داخل الحفرة، وتحدثوا عن الحظر.

بالرغم من صدور القانون منذ عامَين ونصف، كانت الطبقات المرفَّهة قد أدركَت للتو الأبعاد الكاملة للإهانة التي لحقَت بها. لم يكن السبب هو ارتفاع الأسعار؛ فقد كان أفراد تلك الطبقات جميعًا يبحثون عن طرقٍ لإنفاق الأموال بسرعة، ولكن كان السبب هو المضايقات والصعوبات التي كانت تُواجِههم للتأكد مما سيحصُلون عليه. لقد نجا الناسُ من المشكلة عن طريق وضع ثقتهم بمهربٍ معين، ولاحظ باني أنها ظاهرةٌ عالميةٌ رائعة؛ حيث كان الأشخاص الأكثر تشاؤمًا، الذين جعلوا من عدم الثقة بأي شخص قاعدةً لحياتهم، يَرْوون أغرب القصص التي أخبرهم بها رجال عالم الإجرام، حول كيفية تهريب «صندوق السكوتش» هذا بالتحديد من المكسيك، أو ربما سرقته من المخزون الشخصي لدوق زائر في كندا.

ناقشوا آخر تطوُّرات المأساة التي حلَّت بكوسكي، أحد أباطرة عالم السينما الخاص بهم، الذي كان لديه مخزون لا يُقدَّر بثمَن في قبو منزله الريفي، واتخذ الاحتياطات اللازمة، وأحاطه بجدارٍ مبني من الطوب يصل سُمكُه إلى قدمَين، وأمَّنَه بأبوابٍ كتلك الموجودة في خزانة البنك، لكن اللصوص جاءوا أثناء غياب المالك، وقيَّدوا الحارس وكمَّموه، وحفَروا أرضيةَ قاعة الاستقبال، التي كانت تعلو القبو، واستَولَوا على كل شيءٍ بالحبال والبكرات، ونقلوه في الشاحنات. منذ ذلك الحين نشبَ خلاف بين كوسكي والسلطات، واتهمها بأنها متواطئة مع اللصوص، وتعاقد مع وكالةِ تحقيقٍ خارجية، وهدَّد بفضح قسم الشرطة وتشويه سمعته. وبهذه الطريقة استعاد الجزء الأكبر من براميله وزجاجاته، ولكن للأسف، اختفت محتوياتها الأصلية، حيث أُفرغَت جميعًا وأُعيد تعبئتُها بنبيذٍ زائف. وهكذا، بعد ذلك، أصبح لدى مهربك قصةٌ مقنعة يخبرك بها؛ وهي أنه كان يبيع لك بعضًا من نبيذ كوسكي الأصلي! شُربَت ملايين الجالونات من نبيذ كوسكي الأصلي في كاليفورنيا، وحتى في الولايات المجاورة.

فجأة صفَّقَت فِي تريسي بيدَيها. «أوه، أنصتوا لي! لديَّ ما أقوله عن كوسكي! هو وآخرين! هل سمع أحدكم عن «صلاة الفيلم»؟»

ساد الصمت. فلم يكن أحدٌ قد سمع عنها.

«هذا شيء يجب علينا جميعًا أن نُعلِّمه لأطفالنا ليُردِّدوه كل صباح ومساء. الأمر جدِّي، ولا يمكن المزاح بشأنه.»

قالت بيسي باري: «دعونا نصلِّ.»

وأمرتهم فِي قائلةً: «فلتضُموا أيديكم، مثل الأطفال الصغار الصالحين، ولتَحْنُوا رءوسكم.» ثم بدأَت تقول بنبرةٍ بطيئة ومهيبة:

«فيلمنا، الذي في السموات، ليتقدس اسمك بمجد هوليوود. ليأتِ كوسكي. لتكن مشيئتُه، كما في الفِراش كذلك في الاستوديو.»

تلا ذلك شهقة، ثم اجتاح هدير من الضحك الطاولة؛ لم تكن هناك حاجةٌ إلى أي تفسيرات؛ فقد كانوا جميعًا على دراية بإمبراطورهم، المتحكم في مصير المئات من ممثلات السينما. صاحت الأصوات: «تابعي!» واستمرَّت الفتاة في تلاوة صلاة، تشبه إلى حدٍّ كبير الصلاة الربانية في تركيبها وإيقاعها، وذكرَت أسماء أشخاصٍ آخرين ذوي نفوذ في عالم الظل الخاص بهم، ودائمًا ما كانت تضيف بعض التلميحات الفاحشة. لقد كان نوعًا من القُداس الأسود، الذي لعب دورًا سحريًّا في خروج المحادثة من حفرة الحظر. تحدثوا لفترة عن العادات الجنسية لملوك صناعة السينما، والممثلات اللاتي كانوا يعاشرونهن، والفضائح التي كانت تهدِّدهم، وحوادث إطلاق النار ومحاولات التسميم التي نتجَت عن ذلك. كانت هناك جرائمُ غامضةٌ مثيرة، من شأنها أن توفِّر موضوعًا للحديث لساعاتٍ في أي تجمُّعٍ هوليوودي، وقد تسمع العديد من الحلول المختلفة، التي تمتاز جميعُها بالإيجابية، ولا يشبه أحدها الآخر.

٨

انتقلوا إلى الكاتدرائية الأكبر حجمًا؛ حيث كانت الأضواء خافتة، وفي مكان المذبح كانت تُوجد شاشةٌ بيضاءُ كبيرة. في نهاية الغرفة كانت هناك آلةُ عرض، وجلس الضيوف على كراسيَّ مريحة، مستعدين لتحمُّل تكلفة ترفيههم بمشاهدة أول بكرتَين من فيلم آنابيل الجديد، وتقديم آرائهم المهنية بشأن «تقطيع المشاهد». قد تتذكَّر فيلم «آلام الحب» باعتباره قصةً تحرك المشاعر حول شابةٍ في مقتبل العمر من الطبقة العليا، أغوت امرأةٌ مطلقةٌ زوجَها الشاب الوسيم حتى ضل طريقه، ولتجعلَه يشعر بالغَيرة، بدأَت تغازل مهرب كحول، مما أدى إلى اختطافها في إحدى السفن التي تهرِّب الخمر، وأصبحت ضحيةَ مشهد تمزيق الملابس المعتاد. قالت فِي تريسي، في تعليقٍ جانبي لباني: «يا إلهي، إن آنابيل تلعب دور فتيات المجتمع هذه من قبل أن يولدْنَ، وطَوال ذلك الوقت لم تحظَ بقصةٍ تفوق ذكاء طفل في الثانية عشرة من عمره! قد تعتبر ما أقوله مزحة، لكنني أعلم يقينًا أن بيري دوشان يجمع مجموعةً من طلاب المدارس معًا ويخبرهم بالسيناريو، وإذا كان هناك أيُّ شيءٍ لا يعجبهم، يحذفه.»

ثم قالت لآنابيل: «الفيلم يرقى إلى المستوى المطلوب يا عزيزتي؛ سوف يحقِّق مكاسبَ جيدة.» ثم أكملَت كلامها وهي تنظر إلى باني: «هذا ما يميز آنابيل، يمكنك أن تقول لها ذلك فتصبح راضية؛ فهي لا تسألك ما إذا كان العمل تحفةً فنية. لكن هناك من يفعل ذلك، ومن هنا أصبح لديَّ أعداءٌ لدودون لأنني لن أكذب عليهم. فأنا أخبرهم: «فلندَع الفن جانبًا يا عزيزي؛ نعلم جميعًا أن أفلامنا لا قيمة لها».»

دارت مناقشةٌ فنية، وأُتيحَت الفرصة لباني للتعرُّف على حيل «تقطيع المشاهد». كما عرف أيضًا إجمالي إيرادات عددٍ من أفلام آنابيل إيمز، وأرقامٍ سرية عن أفلامٍ أخرى ناجحة. كان تومي بايلي قد انغمس أخيرًا في ترف صنع أفلامٍ فنيةٍ جميلة، وصفَتها الصحف بأنها «كلاسيكيات»، لكنه خسر فيها هو ومجموعة من الأصدقاء ما يزيد عن مائة ألف، لكنه برَّر ذلك بأنه تكلفة اكتساب الخبرة، وقال: «دع الألمان يقوموا بالأعمال الفنية بعد ذلك!»

طَوال هذا الوقت كان هناك طيفٌ صامت يحوم حول الكاتدرائية، مرتديًا معطفًا وسروالًا قطنيًّا أبيض اللون ونعلَين مبطنَين أرجوانيَّين؛ كان ذلك هو الصبي الصيني الذي كان يحمل صينيةً عليها أكوابٌ صغيرةٌ مليئة بمشروباتٍ وردية وصفراء وأرجوانية وخضراء اللون. كان ينتقل من ضيف إلى آخر، ويقدِّم له صينيَّتَه، فيضعون الأكواب الفارغة ويأخذون أخرى مملوءة، وطَوال المساء لم يُصدِر الطيف صوتًا واحدًا، ولم يُوجِّه له أحدٌ أي كلمة. منذ حوالي ثلاثمائة عام، طرح شاعرٌ إنجليزي، نَسِيَه عالم السينما منذ فترةٍ طويلة، السؤال التالي: لماذا يضع الرجل شيئًا ضارًّا في فمه يحجُب دماغه؟ ولكن هنا في الدير، بدا أن مصدر القلق هو أن ينسى أحدٌ تناول الشراب؛ ومن هنا جاء دور هذا الطيف الصيني لتذكرة الجميع.

امتنع عددٌ قليل من الحضور عن تناول الشراب؛ منهم آنابيل وفِي تريسي. يبدو أن الطيف قد تلقَّى تعليمات بعدم الاقتراب من فيرنون روسكو، وإذا حاول فيرنون الاقتراب من الطيف، فسيكون هناك تحذيرٌ حاد: «توقَّف يا فيرن!» لكنَّ الآخرين شربوا، وتحدَّثوا بحرية، وأفصحوا عما في قلوبهم مع مرور المساء. حتى فريد أوربان دبَّت فيه الحياة، وبدأ يتحدَّث! عادةً ما كان فيرنون روسكو «يمازح» الجميع، والآن حان موعد السداد؛ حيث اعتدل صاحب وجه الحصان الطويل، الذي كان يعمل سابقًا في مزرعةِ ماشيةٍ في تكساس، في جلسته وسأل بصوتٍ مصطنع بدا كما لو أنه صدر من شخصٍ يتكلم من بطنه: «هل يعرف أحدٌ هنا كيف بدأ هذا العجوز المخادع حياته؟»

يبدو أنه لم يكن هناك من يعرف، فطرح أوربان سؤالًا آخر: «هل سبق لأحدٍ أن رآه وهو يسبح؟ أُراهِن أنكم لم تَرَوه قَط يفعل ذلك! عندما يكون بالخارج، سيخبرك أن الماء بارد جدًّا، وعندما يكون بالداخل، سيُخبرك أن الماء متسخ أو شيء من هذا القبيل. والسبب هو أن إحدى أصابع قدمَيه مفقودة، ويخشى أن يُكشف ذلك الأمر. فعندما كان يحفر بئره الأولى، نفدَ ماله وكان في حالةٍ مزرية؛ لذا ذهب وأخرج بوليصة تأمين ضد الحوادث، ثم ذهب لصيد الأرانب وأطلق النار على إحدى إصبعَي قدمَيه الكبيرتَين. وبهذا حصل على المال لإنهاء حفر البئر! أليست هذه هي الحقيقة يا صديقي؟»

ضحك الحضور بابتهاج وطالبوه بالإجابة، وضحك فيرنون مثل أي شخصٍ آخر. لم يرَ بأسًا من القصة، لكن لم يكن بإمكانك أن تجعله يحكيها. وبدلًا من ذلك، ردَّ على مهاجمه قائلًا: «يجب أن تسمعوا قصة هذا المحتال العجوز، وكيف أصبح ثريًّا بتأجير أراضي النفط من الهنود. لقد سمعتُ هذه القصة عن عشرات من رجال النفط، لكن فريد كان صاحب القصة الحقيقي، وأعرف ذلك لأنني شهدتُ ما حدث بنفسي. عرض فريد على زعيم قبيلة شاوني العجوز ثُمن الأرباح، لكن العجوز الخرِف أغلق عينَيه وقال: «لا أريد الثُّمن، أريد أن أحصل على جزء من ستة عشر!» قال فريد إنه لا يستطيع تحمُّل ذلك، وتوسَّل إليه أن يأخذ جزءًا من اثنَي عشر، لكنه قال: «جزء من ستة عشر وإلا فلن يكون هناك عقد إيجار.» لذا اتفقا على جزء من ستة عشر، والآن أصبحَت تُعرَف باسم «قبة الجحيم»! أليس كذلك، أيها المحتال العجوز؟»

قال فريد أوربان: «يمكنك إكمال القصة بإخبارهم بما كان يفعله الزعيم العجوز بأرباحه. كان لديه سبعُ سياراتٍ مختلفة الألوان لكل يوم من أيام الأسبوع، وكان يثمل ثلاثَ مراتٍ كل يوم.»

صاح صوت هارفي مانينج: «يا إلهي، خذوني إلى قبة الجحيم! فهم لا يسمحون لي أن أثمل إلا مرةً واحدة في الليل، ويمنعون عني الشراب طَوال النهار!»

٩

كان هناك أرغن كبير في هذه الكاتدرائية، أرغن سحري على الطراز الحديث، تصدر منه الموسيقى عندما تضع فيه لفافةً من الورق وتضغط على مفتاحٍ كهربائي. عزف أحدث نغمات الجاز من برودواي، ورقص الحضور، وجاءت فِي تريسي إلى باني وقالت: «طبيبي يسمح لي بمشروبٍ واحد فقط في المساء؛ ولذا أريد شريكًا رصينًا.» سعد باني بهذا الإلزام، وهكذا مرَّ الوقت ممتعًا. رقص مع مضيفته ومع الحورية الشقراء بيسي باري. تجاذبوا أطراف الحديث بين الرقصات، واستمر الطيف الصيني في الطواف، وانكشفَت أعماق الروح الإنسانية أكثر فأكثر.

أمام باني وقف تومي بالي، المخرج العبقري، الوسيم، متورِّد الوجه، جميل المظهر، وإن كان غير مُهندَم بعض الشيء، ويبدو عليه الهدوء رغم اضطراب أفكاره. قال: «روس، أريدك أن تخبرني بشيء.»

«ما هو؟»

«أريد أن أعرف عما يدور الأمر كله.»

«أي أمر، يا سيد بالي؟»

«الحياة! لماذا نحن هنا بحق الجحيم، وأين سينتهي بنا المطاف؟»

قال باني: «لو كنتُ أعرف، لَكنتُ بالتأكيد سأخبرك.»

«لكنك ذهبتَ إلى الكلية يا رجل! أما أنا فلم أحصل على أي تعليم قَط، كنتُ بائع جرائدَ وما إلى ذلك. وظننتُ أنه عندما يقرأ المرء عددًا كبيرًا من الكتب ويذهب إلى الكلية …»

قال باني: «لم نصل إلى ذلك الموضوع بعدُ. ربما سيأتي في السنتَين الأخيرتَين.»

«حسنًا، بحق الرب، إذا أخبروك الإجابة، فتعالَ وأخبِرني. واكتشِف يا بني ماذا سنفعل بشأن العلاقات الجنسية بحق الجحيم؟ فلا يمكنك العيش بها ولا يمكنك العيش بدونها، أي نوعٍ من الفوضى هذا؟»

اعترف باني: «إنه أمرٌ محيِّر للغاية.»

قال الآخر: «إنه أمرٌ لعين! سأدفع لأي شخص راتب عشر سنوات إذا جعلَني أنسى ذلك الأمر اللعين بأكمله.»

قال باني: «ولكن حينئذٍ، ماذا ستُخرِج؟»

نظر إليه المخرج العبقري، في حَيرة من أمره، وفجأة انفجر ضاحكًا. «يا إلهي، هذا صحيح! يا لها من مزحةٍ جيدة! ها ها ها!» وانطلق، على الأرجح، ليخبر الجميع بالمزحة الجيدة.

حل مكانه هارفي مانينج، الذي لم يعُد قادرًا على الوقوف؛ ولذا تمدَّد على أحد المقاعد، وأعلن بصوت يحمل في طياته ألمًا شديدًا: «أريد أن أعرف من كان يتحدث عني!»

سأله باني: «يتحدث بشأن ماذا؟».

«هذا ما أريد أن أعرفه. ماذا كانوا يقولون؟»

«لا أعرف ما تقصد يا هارفي.»

«هذا هو بيت القصيد! لماذا لا تعرف؟ لماذا لا تخبرني؟ هل تعني أن تقول إنني لا أسأل سؤالًا مباشرًا؟ هل تظن أنني ثمل؟ أقول إنني أريد أن أعرف من كان يتحدث عني وماذا كان يقول. يجب أن أعتني بسمعتي. أريد أن أعرف لماذا لا تريد أن تخبرني. سأعرف حتى ولو تعيَّن عليَّ أن أستمر في السؤال طَوال الليل.» ومن ثَمَّ عاد يقول: «أرجوك يا رفيقي أخبِرني ماذا قالوا لك.»

ولكن عندئذٍ مر عليه الطيف الصيني، ونهض هارفي وحاول الإمساك به، لكنه فشل، وأمسك بدلًا من ذلك بمصباح يتدلى من حامل أطول منه قليلًا. لم يكن قويًّا مثل أعمدة الإنارة التي اعتاد أن يتشبَّث بها في زوايا الشوارع؛ ولذلك بدأ الحامل في السقوط، وهبَّ باني وأمسك به، وصرخ هارفي في ذعر، «انتبه، ستُوقِعه!»

ثم حدث شيءٌ مضحك. لاحظ باني على مائدة العشاء وجود رجلٍ حسن الهندام يتمتع بالصفات النمطية للغرب الأمريكي، مهذب ومتوارٍ عن الأنظار؛ كان هو المشرف على المنزل وأحد القلائل الذين لم يثملوا. بدا أن من بين مهام المشرف في الدير مهمةَ «الحارس» التقليديةَ في حانات شارع باوري. ولذلك اقترب من هارفي مانينج ولفَّ ذراعه حوله بهدوء، من الواضح أن الأخير كان معتادًا على هذا الموقف من قبلُ؛ ولذا بدأ ينتحب في ألم: «لا أريد أن أذهب إلى الفِراش! لن أذهب إلى الفِراش! اللعنة، أندرسون، دعني وشأني! إذا ذهبت إلى الفراش الآن فسأستيقظ في الصباح، ولن أستطيع تناوُل أي شرابٍ حتى المساء وسأُصاب بالجنون!»

قاوم هارفي المسكين باهتياج هذا المصير الرهيب، لكن من الواضح أن المادة التي كانت تُبطِّن كتفَي معطف السيد أندرسون لم تكن مصنوعة من حشوة الخياط العادية؛ ولذا عجزَت الضحية الباكية عن الإفلات من قبضة أندرسون كما لو أنها وقعَت فريسة لأفعَى عاصرة. سار معه، حتى وهو يعلن بصوتٍ عالٍ أنه لن يفعل ذلك قائلًا: «اعلم أنني سأستيقظ مرةً أخرى! لا أقبل بمعاملتي كطفلٍ رضيع! لن آتي إلى هذا المكان اللعين مرةً أخرى! هذه إهانة! أنا رجلٌ بالغ، ولديَّ الحق في أن أثمل إذا أردتُ ذلك …» وهكذا تلاشى صوتُه الباكي في المصعد!

قالت فِي تريسي: «سيد روس، هناك صرختان يسمعهما المرء في حفلات هوليوود. الأولى هي «لا أريد الذهاب إلى الفراش»؛ والثانية «أودُّ الذهاب إلى الفراش».»

١٠

في صباح يوم الأحد، وجد باني نفسه وحيدًا في الدير. تناول إفطاره، وقرأ الصحف التي وصلَته من أقرب محطة سكة حديد، ثم انطلق للتنزه، وكرَّر زيارته لقفص النسور. سار نحو المحيط، واكتشف طريقًا كان كحاجز لمنع انتشار الحريق، وممرًّا لراكبي الخيول، يصعد التلال التي على امتداد الساحل. سلك هذا الطريق لبضعة أميال، حتى وصل إلى شاطئٍ كبير. أقام صاحب الدير حاجزًا هناك عليه لافتاتٌ تحذِّر الناس من الاقتراب، كانت هناك بوابةٌ ذات قفلٍ زنبركي، وفي الداخل لوح خشب معلَّق عليه مفاتيح، وتعليمات بأخذ واحدٍ معك، حتى تتمكن من العودة. تَبِع باني التعليمات، وواصل طريقه إلى الشاطئ.

بعد قليل وصل إلى قلعةٍ مبنية على طراز قلاع نهر الراين، واقعة على أحد هذه التلال المنعزلة، وأمامها كانت تتجه نحو الماء مجموعةٌ من درجات السلالم والحدائق. وكانت هناك ممرَّات، ومجارٍ مائية، وشلالاتٌ يشبه ماؤها «وشاح العروس»، ونوافيرُ بها ضفادعُ وطيور لقلق وسلاحف وتماثيل الإله تريتون منحوتة جميعًا من الحجر، وكانت كلها تعاني من الجفاف؛ حيث كانت المياه مقفولة. يمكنك أن تخمِّن أن المالك لم يكن موجودًا حيث أُسدلَت ستائر النوافذ في قلعة الراين، وانتشر في جميع أنحاء الحدائق عددٌ كبير من الأغطية البيضاء، على ما يبدو كانت ملفوفةً حول التماثيل. كان بعضٌ من هذه التماثيل يرتكز على قواعد، والبعض الآخر كان موضوعًا على الجدران الحجرية، وكان مصباح كهربائي يتدلى مباشرةً فوق رأس كلٍّ منها.

لقد كانت ظاهرةً غريبة لدرجة أن باني تحمَّل عناء التسلق إلى الحديقة، ورفع طرف واحدة من تلك الملاءات، وشعَر بالخجل عندما وجد تمثالًا رخاميًّا كبيرًا لسيدةٍ عارية الساقين، من المفترض أنه كان تمثال لوريلاي، أو سيدةٍ ألمانيةٍ أخرى؛ لأنه من شكل القماش كان بالإمكان معرفة أنها كانت ترفع كأسًا بإحدى يدَيها، وخلف رأسها حبلٌ رخاميٌّ سميك، مصنوع من شعرها المضفَّر. حينئذٍ تتذكر أنها كانت تمشِّط شعرَها بمشطٍ ذهبي، وهي تغني أغنية لها لحنٌ قوي ورائع، وكان باني هو صياد السمك الصغير الذي تمكَّنَت من السيطرة عليه بحزنٍ شديد. ألقى نظرةً تحت ست ملاءات، وأحصى الباقي، وتأكَّد من حقيقة أن الحدائق كانت تحتوي على ما لا يقلُّ عن اثنَين وثلاثين تمثالًا رخاميًّا كبيرًا لسيداتٍ ممتلئات، ذوات شعرٍ مضفَّر يتدلَّى على ظهورهن. لا بد أنها كانت تمثِّل مشهدًا مذهلًا بالليل عند إضاءة جميع المصابيح، لكن لم يكن هناك مَن يراه سوى الفُقمات! وبالفعل نظر باني إلى البحر، لم يكن هناك شراعٌ في الأفق، ولكن بالقرب من الشاطئ كانت هناك مجموعاتٌ من الصخور، جلسَت عليها فُقماتٌ في انتظار معرفة ما إذا كان سيُزيح الملاءات عن التماثيل، ويُعيد الأيام السعيدة قبل أن يدمِّر الحظر أمريكا!

عاد إلى الشاطئ، وأكمل سيره. كانت الشمس ساطعةً الآن، والمياه مغرية، وكانت الأمواج ذات اللون الأخضر والأبيض تتناثر فوق الفُقمات التي كانت تستلقي فوق الصخور، لم تكن الأمواج عالية لدرجةٍ خطيرة، ولكنها كانت كافيةً لإغواء باني بالنزول فيها. تأكَّد باني من أنه بمفرده، ثم خلَع ملابسه وخاض في الماء.

ثبَّتَت الفُقمات أنظارها عليه، ومع كل خطوة يخطوها كانت إحداها تدفع جسدها ليقترب من حافة الماء. كان بعضها أصفر اللون، والبعض الآخر بنيًّا داكنًا، وبالرغم من اختلاف أحجامها إلا أنها كانت جميعًا سمينةً للغاية، بعد أن استهلكَت قرابة وزنها من الأسماك على مدار اليوم. بينما كان باني يسبح بالقرب منها، كانت تنزلق بصمتٍ من فوق الصخور، وتُفسِح له المجال بتأدب، وعندما كان يتسلق الصخور، كانت تظهر على سطح الماء وتشكِّل دائرةً على بُعد بضع ياردات؛ حيث تبرُز من الماء برءوسها الصفراء والبنية، وشواربها الشعثاء، وعيونها اللطيفة المحدِّقة. كانت تتصرَّف بطريقةٍ بشريةٍ غريبة، وكأنها مجموعةٌ من الأطفال الأجانب، يراقبون زائرًا لا يعرفون لغته، ولا يعرفون ما إذا كان من الآمن التعامل معه.

مياه كاليفورنيا باردةٌ دائمًا، لكن أشعة الشمس بها دافئة؛ لذلك كان باني يسبح لفترة من الوقت، ثم يقترب من مجموعة من الصخور، ويشاهد المجموعة الصامتة وهي تنزلق في الماء. أيًّا كان ما يريده، فستتنازل عنه من أجله؛ فهي الكائنة الأسمى؛ ولذا سترضى بالأماكن التي سيتركها لها. كانت مياه البحر البيضاء والخضراء تتناثر فوقه، وتحت سطحها كانت هناك حديقةٌ من النباتات الغريبة؛ حيث كانت تتشبَّث قواقع أذن البحر بشقائق النعمان بقوةٍ يصعب معها انتزاعها بالأصابع. انجرفَت السحب البيضاء مشكِّلةً ظلالًا سريعة فوق الماء، وبعيدًا في البحر أظهر خطٌّ من الدخان مكانَ مرورِ باخرة.

كان العالم جميلًا جدًّا، وفي الوقت ذاته غريبًا، ومن الممتع العيش فيه! كيف سيكون الأمر عندما تكون فُقْمة؟ وما رأيها في هذا المتكبِّر الذي استولى على أماكن راحتها؟ هل رأَتْ قلعة الراين على الشاطئ، أم أنها لم ترَ سوى السمك الذي يمكنُها أن تأكله، وكيف فهمَت بوضوحٍ أنه لا ينبغي لها أن تأكل إنسانًا؟ من المحرج أن «تثور» إحداها وتتمرد على عادات الفُقمات اللطيفة! وهكذا كان باني في سن الحادية والعشرين تمامًا كما التقينا به لأول مرة في السيارة التي كانت تنطلق على منحدر جوادالوبي، وهو يفكِّر في مشاعر سناجب الأرض وطيور النُّهَس. كان في الوقت الراهن قد أكمل دراستَه في مدرسة بيتش سيتي الثانوية، وتبقَّى له عامان في جامعة جنوب المحيط الهادي، ومع ذلك لم تُمِدَّه أيٌّ من المؤسستَين بما أراد معرفته!

١١

شعر الفيلسوف الشاب أنه قد أمضى ما يكفي من الوقت في السباحة، وبدأ يسبح باتجاه الشاطئ، لكنه لاحظ حينئذٍ شخصًا يمتطي حصانًا، يركض نحوه على الشاطئ. كان هذا الشخص حاسر الرأس ويرتدي سروالًا قصيرًا يصل إلى الركبة، ويبدو أنه رجل، لكن لا يمكنك التأكُّد أبدًا هذه الأيام؛ لذلك سبح وانتظر، وتأكَّد على الفور أن ذلك الشخص كان فِي تريسي. رأَته ولوَّحَت بيدها، وعندما أصبحَت في الجهة المقابلة له، كبحَت حصانها. وقالت: «صباح الخير سيد روس.»

صاح قائلًا: «صباح الخير. هل هذا جزءٌ من وصفة الطبيب؟».

«نعم، ويتضمَّن السباحة أيضًا.» علَت وجهَها ضحكة، كما لو أنها خمَّنَت وضعه الحرج. وقالت: «لماذا لا تدعوني للانضمام إليك؟»

«أعتقد أن هذا سيُحرِج الفُقمات.» سبَح ببطء، ووقف وسط الأمواج التي كانت تتدفَّق حول كتفَيه.

قالت في: «إنه صباح عالمٍ جديد. اخرج، ودَعْنا نستمتع به.»

أوضح قائلًا: «اسمعي يا آنسة تريسي، لم أكن أتوقَّع صحبة. ولذلك فأنا كما ولدَتني أمي.»

رنَّمت قائلة: «يا بَنِي البشر، حتى متى يكون مجدي عارًا؟» وأوضحَت قائلة: «لقد مثلت ذات مرةٍ في عرض ديني اسمه «الملك سليمان». كان عندنا ثلاثة جمالٍ حقيقية، وكنتُ ألعب دور أبيشج الشونمية، الفتاة الشابة التي كانت ترعى الملك وتخدمه، وغنَّى لي: «قُومي يا حبيبتي، يا جميلتي وتعالَي. لأن الشتاء قد مضى، والمطر مرَّ وزال، الزهور ظهرَت في الأرض، بلغ أوان القَضْب، وصوت اليمامة سُمع في أرضنا. التينة أخرجت فِجَّها، وقُعَال الكُرُوم تفيح رائحتها. قومي يا حبيبتي، يا جميلتي وتعالَي. يا حمامتي في محاجئ الصخر …»»

لقد كان قريبًا بما يكفي ليرى في عينَيها السوداوَين نيتها للتصرف بشقاوة. قال: «أيتها الشابة، أودُّ أن أخطركِ بشيء. لقد قضيتُ ساعةً في هذا الماء، وأشعر بالبرد الآن. وكنت في طريقي للخروج.»

تابعت: «عنقك كبرج داود المبني للأسلحة، ألف مِجَنٍّ عُلِّق عليه، كلها أَتْرَاس الجبابرة.»

مشى بضع خطواتٍ حتى صارَت الأمواج تصل بالكاد إلى خصره. وقال: «أنا في طريقي للخروج.»

«مَن هذا الذي يخرج من الماء؟ حبيبي أبيض وأحمر، مُعْلَم بين رَبْوة. رأسه ذهب إبريز، قُصَصه مُسترسِلة …»

قال بصوتٍ عالٍ: «أحذِّركِ للمرة الأخيرة! واحد، اثنان، ثلاثة!» وعندما لم تُبدِ أي علامةٍ على الإذعان، خرج دون تردُّد من بين الأمواج.

«ساقاه عمودَا رخام، مُؤسَّستان على قاعدتَين من إبْرِيز، طَلْعتُه كلُبْنان، فتًى كالأَرْز.»

وقف أمامها، والماء يداعب قدمَيه.

«أنتِ جميلةٌ يا حبيبتي كَتِرْصَة، حَسَنةٌ كأورشليم، مُرهِبةٌ كجيش بأَلْوِيَة. حَوِّلي عني عينَيكِ فإنهما قد غَلَبَتاني!»

قال باني: «إذا كان هذا موجودًا في الكتاب المقدَّس، فأظن أنه لا بأس به.»

قالت السيدة التي كانت تمتطي الحصان: «لم يحقِّق «الملك سليمان» أيَّ أرباح؛ لذلك لم أشارك في أي عروضٍ من ذلك النوع بعد ذلك، وهو الشعر الوحيد الذي يمكنني إلقاؤه. أعتقد أنني لو كنتُ قد شاركتُ في عرضٍ إغريقيٍّ لَتمكَّنتُ من اقتباس شيءٍ مناسب؛ فقد قرأتُ أنهم كانوا يركضون عُراةً في المسابقات، ولم يُسبِّب لهم ذلك أي إحراج. هل هذا صحيح؟»

قال باني: «هكذا تقول الكتب.»

«حسنًا، لنُحيِ رُوحَ الإغريق بداخلنا! لقد سمعتُ أنك عدَّاء. هل تتدرَّب؟»

«إلى حدٍّ ما.»

«شفتا حبيبي زرقاء وجسده يرتعش؛ لذا دعنا نجرِ سباقًا بينكما أنت وحصاني، سيكون الأمر وكأنه عرضٌ إغريقي.»

«سأفعل أي شيء لإرضائكِ.»

صرخَت بحدَّة: «مستعد! انطلق!» وبعد ذلك، أدهشه كثيرًا أنها سحبَت مسدسًا صغيرًا من تحت سترتها، وأطلقَت النار في الهواء. وتحوَّل الأمر إلى سباقٍ حقيقي!

انطلق بسرعة عشرين ميلًا في الساعة، أو أسرع من هذا بقليل، وسمع وَقْع خطوات الحصان الذي كان يركُض على الرمال خلفه. لم يكن يعرف لِكَم من الوقت سيستمر السباق؛ لذلك استقر على معدل سرعةِ سباقاتِ المسافات الطويلة؛ حيث كان يركض بخطًى واسعة. شعَر بالدفء من جديد، وأصبح مستعدًّا للتحقُّق من كونه إغريقيًّا. كانت السماء زرقاء، والسحب بيضاء، والبحر أخضر، والرمال باردة متلألئة؛ حقًّا، كان صباح عالمٍ جديد، كما قالت الفتاة!

وصلا إلى مكانٍ تظهر فيه آثار عرباتٍ متجهة إلى الشاطئ، وكان هناك ثلاثة رجال يدفعون قواربهم عَبْر الأمواج. توقفوا عن التجديف، ليُحدِّقوا في هذا المشهد المذهل، شاب عارٍ تمامًا يتسابق على الشاطئ مع امرأة تمتطي حصانًا. علَت وجوهَهم الإيطالية أو البرتغالية الداكنة ابتساماتٌ عريضة، حتى ظهرَت أسنانهم البيضاء. فقد كانوا يعلمون بأمر الدير، وكانت هذه آخر نزوات الأثرياء العاطلين!

ولكن بعد ذلك وصلا إلى بقعةٍ يقترب فيها الطريق السريع من الشاطئ. كانت هناك خيام أمامهما، وسياراتٌ متوقفة مغطَّاة بأغطيةٍ من القماش لحمايتها من الشمس. وكان هناك أناسٌ على الشاطئ، وعلم باني أن هؤلاء لن يكونوا أجانبَ بسطاء، بل أصحاب مزارع من داخل البلاد، أحضَروا عائلاتهم لقضاء يوم الأحد بعيدًا عن الحرارة الشديدة. ولذلك فهم لن يتسامحوا مع نزوات الأثرياء العاطلين، ولن يعرفوا عادات الإغريق القدماء، لقد كانوا أناسًا رصينين، يرتادون الكنيسة، من النوع الذي شكل جماعة كو كلوكس كلان، ويعاقب مرتكبي الفسق والزنا بتلطيخهم بالقير وتغطيتهم بالريش ورَبْطهم إلى قضيب والتجوُّل بهم في الشوارع. لكن فِي كانت تتحدَّى باني؛ ولذلك قال لنفسه إن الأمر متروك لها. فهل أرادت حقًّا أن تكون غير تقليدية وتتحمل العواقب؟

واصل الركض. واقتربَت الخيام، ورأى نساءً يحدِّقن فيهما ثم يُهرَعن إلى الداخل، ورأى رجالًا لا يهربون ولا يديرون رءوسهم، بل تتقد وجوههم بنظرات الوعيد. ماذا سيفعلون؟ هل سيقبضون على الدخيل الفاسق ويلفُّونه بالقوة ببطانية ويسلِّمونه إلى الشرطة؟ قفز عقل باني بسرعةٍ إلى النتيجة وتخيَّل عنوانًا رئيسيًّا يغطِّي الصفحة الأولى لصحيفة إنجِل سيتي «إيفينينج هاولر»:
نجمة تسابق بلشفيًّا عاريًا يعمل في مجال النفط!

وفجأةً سمع صوتًا من خلفه: «أنا أستسلم! سأعود!» لذلك دار إلى الخلف، وكذلك فعل الحصان، وانطلقا مبتعدَين أسرع مما جاءا، وكلاهما يرتجف من الضحك في صباح عالمٍ جديد!

١٢

لم يكن الإغريق يرتدون قطُّ السراويل أو القمصان، ولم تكن عملية ارتداء هذه الملابس تحمل أي معانٍ رومانسية أو جمالية. لذلك اتجهَت فِي تريسي إلى الشاطئ حتى انتهاء باني من ارتداء ملابسه، وعندما انضم إليها مرةً أخرى، كانت قد تخلَّت عن رُوحها الإغريقية، وأصبحت شابةً أمريكيةً محترمة؛ ولذا كان من غير اللائق الإشارة إلى مزحتها المجنونة.

كانت تُوجِّه الحصان باللجام الموضوع فوق رأسه، وكان باني يسير بجانبها. قالت، أثناء مرورهما بالاثنَين والثلاثين تمثالًا للوريلاي المكفَّنة بالملاءات البيضاء: «هل لاحظتَ هذا الكابوس؟ كان ذلك أحد أحلام هانك ثاتشر العجوز. هل سمعتَ عن «هانك السعيد»، ملك العنب في كاليفورنيا؟».

صاح باني: «إذن هذا منزله!».

«كان يحلم بإقامة حفلات عربدة، وكان لديه عددٌ من الحريم، ورفضَت زوجته الطلاق عقابًا له، وعندما مات غطَّت حُلمه كنوع من الكفَّارة العلنية.»

«يبدو أنْ لا أحد يراه سوى الفُقْمات.»

«ذَخرَت الصحف بهذا الخبر؛ فهي لن تفوِّت أبدًا أي أخبار عن آل ثاتشر. ولذلك تُرسِل مراسلًا من حين لآخر. في إحدى المرات نشرَت قصةً مروِّعة عن مراسلٍ كان يرتدي درعًا واقيًا تحت بنطاله، ورغم ذلك مزَّقَته الكلاب!»

«هل تُطلق الكلاب عليهم؟»

«لهذا السبب لا يجرؤ أحدٌ على الصعود إلى هناك لإلقاء نظرةٍ خاطفةٍ على التماثيل.»

صاح باني: «يا إلهي! لقد ألقيتُ نظرة خاطفة على ستة منها.»

«حسنًا، لقد كنتَ محظوظًا. ولهذا السبب حملتُ هذا المسدس معي؛ فأحيانًا تأتي إلى الشاطئ، ويَهجُم الجيران عليها.»

«لماذا لا تُقيم سياجًا؟»

«إنها في نزاعٍ مع المقاطعة. فهي تدَّعي أنها تمتلك الشاطئ، وبين الحين والآخر تضع حاجزًا عَبْره، وترسل المقاطعة ليلًا رجالًا لهدمه. لقد بدأ هذا النزاع منذ عشر سنوات. وتحاول الولاية أيضًا إنشاء طريقٍ سريعٍ عَبْر هذه الأرض — حيث سيوفِّر هذا عدة أميال من الطريق الساحلي — لكنها أنفقَت أموالًا طائلة لعرقلتهم؛ فهي تعيش في تلك القلعة وكأنها أميرةٌ محاصرة في الأيام الخوالي؛ تُسدِل جميع الستائر وتتحرك خلسةً من غرفة إلى أخرى، وهي تحمل بيدها بندقيةً بحثًا عن اللصوص والجواسيس. اسأل هارفي عن هذا الأمر؛ فهو يعرفها.»

«هل هي مجنونة؟»

«إنه رد فعل لحياتها مع زوجها؛ فقد كان مسرفًا، ولذلك أصبحَت بخيلة. هناك قصة عنه تقول إنه كان يدفع أجور موظفيه نقدًا، وكان يتجوَّل في البلاد بعربة بها أكياسٌ صغيرة من القماش يحتوي كلٌّ منها على ألف دولار من الذهب. في إحدى المرات أسقط كيسًا واحدًا ولم يُلاحِظ ذلك، أحضره له واحدٌ من موظفيه، نظر هانك العجوز إلى الرجل بازدراء، ووضع يده في جيبه وأخرج نصف دولار. وقال: «خُذ، ها هو ثمن الحبل، اذهب واشترِ واحدًا واشنق نفسك!»»

«ولهذا تعتني هي الآن بالمال!»

«بالضبط. فهي تدفع جميع فواتيرها بالبريد المسجَّل، وتحتفظ بالإيصالات، وتُصِر على الحصول على إيصال بالاستلام من مكتب البريد، وعندما يأتي إليها تحتفظ بالاثنَين معًا، وعندما تعود إليها الفاتورة المسدَّدة، تصنِّفها وتُجدوِلها. لن تسمح لمحاسب أن يفعل ذلك؛ لأنه لا يمكنكَ العثور على أي موظف يمكن الوثوق به للاهتمام بالأمور بشكلٍ صحيح. ولذلك تقضي ساعاتٍ في دراسة أوراق عملها، واكتشاف إهمال الآخرين وعدم كفاءتهم. فهي توظِّف محامين، ثم توظِّف محامين آخرين للتحقُّق من عملهم، ثم وكالة تحقيق لمعرفة كيف يخدعها المحامون. إنها مقتنعة بأن سلطات المقاطعة تضطهدها، وأنهم جميعًا محتالون، وقد لا تكون مخطئة في ذلك. لقد أنهكَت نفسها وأصبحَت نحيفةً وهزيلة مثل هيكلٍ عظمي يتجول في أرجاء المنزل، وينفُض الغبار عن الأثاث، ويُزعِج الخدم لعدم اعتنائهم بالأشياء.»

مشى الاثنان على الشاطئ. قالت في: «فوق ذلك التل، تعيش أخت هانك العجوز، لقد ترك لها جزءًا من المنزل، وتشاجرَت المرأتان حول الحدود وحقوق المياه. إن تيسي ثاتشر فاسقةٌ عجوز، تستأجر رجالًا للعمل لديها، وتجعلهم عشَّاقها، وتكتب لهم رسائلَ عاطفية، ثم يحاولون ابتزازها، حينئذٍ تطردهم، فيرفعون عليها دعوى لعدم سداد رواتبهم، ويبيعون الرسائل إلى الصحف التي تنشُرها كلها، لكن تيسي لا تهتم؛ فهي تعلم أنه لا يُوجد شيء يمكن أن يضرَّ بمكانتها الاجتماعية؛ فهي غنيةٌ جدًّا، وعلاوةً على ذلك، قد اعتادَت نسيانَ مشاكلها بالإسراف في شرب الخمر.»

صاح باني: «يا إلهي! ماذا تفعل الثروة بالناس؟!»

قالت فِي: «بالنساء على وجه الخصوص. إنه أمرٌ يفوق احتمالهن. فأنا أنظر إلى العجائز اللاتي أقابلهن، وأفكِّر، يا تُرى هل سأشبههن عندما أكبر؟ ثم أقول يا إلهي! وأقفز إلى سيارتي وأقودها بسرعة خمسين ميلًا في الساعة لأهرب من مشاكلي، ومن الأشخاص الذين يريدون إخباري بمشاكلهم!»

قال باني ضاحكًا: «هل هذا ما كنتِ تفعلينه عندما أرسلكِ القاضي إلى السجن لمدة أسبوع؟».

أجابت: «لا، كانت تلك حيلةً دعائية، فكرةً ذكية من مسئول الدعاية الخاص بي.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤