الفصل الخامس

الجمهور: الأنماط السيكولوجية لروَّاد دُور العَرْض السينمائية

بعد أسابيع قليلة من بداية عرض فيلم «البجعة السوداء» (بلاك سوان)، شاهدتُه على شاشة عرض كبيرة مزوَّدة بأحدث تقنيات العرض وأنظمة الصوت في دار عرض في لويفيل، بولاية كنتاكي. لسنوات طويلة كانت هذه السينما دار العرض الوحيدة المخصَّصة لعرض الأفلام في البلدة، لكن عندما أَغلَق مجمَّعٌ سينمائي قريب أبوابه، عمدَتْ إلى تغيير شكلِها بهدف اجتذاب جمهور أكبر. ورغم أنها استمرت في عرض أفلام مستقلة، فقد مزجت بين تلك الأفلام الصغيرة وأخرى أكثر رواجًا. وكان فيلم «البجعة السوداء» الفيلم المثالي لمثل هذا الاتجاه؛ فقد تمتع هذا العمل، الذي أخرجه المبدع الشاب دارين أرنوفسكي، بمصداقية فنية، وكان في طريقه لتحقيق نجاح جماهيري كاسح.

ذهبتُ إلى حفلة مسائية مبكِّرة بدون سابق إعداد بعد أداء بعض المَهامِّ. وقد وقع اختياري على فيلم «البجعة السوداء» لأنه حظي بدعاية جيدة، وإعلاناتُه بَدَتْ مثيرة للاهتمام، وحظي ببعض المراجعات النقدية الجيدة. إنه فيلم لم تكن زوجتي لترغب في مشاهدته؛ فهي ليست مولَعة بدراما الرعب النفسي العنيفة، حتى تلك التي تدور أحداثها في عالَم الباليه.

fig11
شكل ٥-١: ناتالي بورتمان في دَوْر نينا ساير في فيلم «البجعة السوداء» ٢٠١٠ (حقوق النشر محفوظة لبكتوريال بريس (شركة ذات مسئولية محدودة)/آلمي).

حملتُ كيس الفِشَار، وعبوة من كوكاكولا الكرز، واتخذتُ مقعدًا في المَمْشَى الأوسط تجاه المؤخِّرة. وسرعان ما اكتظَّ المكان بالناس، ورحتُ أرقب الناس وهم يتوافدون. معظمهم كانت أعمارهم بين سِنِّ الجامعة والثلاثينيات. وكانوا خليطًا من النساء والرجال، وربما كانت نسبة النساء أعلى قليلًا. وبدا أن أغلبهم ينتمون إلى الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة؛ إذ كانوا يرتدون ملابس غير رسمية عادية على نمط وسط غرب الولايات المتحدة، مع مسحة من الذوق الحضري الأنيق. وكانوا في أغلبهم من البيض، مع وجود عدد من الهسبانيين، والآسيويين، والأمريكان الأفارقة. وقد جاء معظمهم في مجموعات من فردين إلى أربعة أفراد، إما في موعد غرامي أو مع أصدقاء، وكان الأصغر سنًّا منهم يجلسون في مجموعات أكثر عددًا.

جلستْ مجموعة من فتيات المدرسة الثانوية يقهقهْنَ في الصفِّ الأمامي (من الواضح أن تصنيف الفيلم على أنه «محظور» لم يكن رادعًا). وكان ثمة ثنائيٌّ حَسَنَا الهندام في العشرينيات من عمرهما يجلسان أمامي مباشرة. وبالنظر إلى تعليقات الشاب قبل بداية الفيلم، لم يكن فيلم «البجعة السوداء» اختياره. وبجوارهما، جلستْ فتاة في سِنِّ الجامعة بصحبة أمِّها؛ وحتى وسط ظلمة دار العرض، بدا عليهما التوتر الواضح، خاصةً أثناء مشهد ممارسة الجنس بين الفتاتين المثليَّتَيْن. وعلى بُعْد عِدَّة صفوف أمامي، رأيتُ رجلًا وامرأة متقدِّمين في السِّنِّ يغادران السينما مبكِّرًا، ما إنْ بدأتْ هلاوس راقصة الباليه المعرَّضة لإيذاء نفسها — نينا (ناتالي بورتمان) — عن التمثيل بجسدها. وبعيدًا في المقدمة، كنتُ أسمع امرأةً تكرِّر تهديداتها لطفلها الذي لم يبلغ سن المدرسة بعدُ بالعودة إلى المنزل لو لم يجلس ساكنًا (وهو وعدٌ لم تَفِ به حتى انقضاء ثلاثة أرباع الفيلم).

بعد أيام قليلة، دخلتُ في نقاش حول الفيلم مع مجموعة من طلاب الجامعة الذين شاهدوه جميعًا. وجاءت مواقفهم تجاه الفيلم شديدة التبايُن. فشابٌّ منهم — مولَع بالسينما ودَرَسَ جميع المقرَّرات السينمائية التي تقدِّمها الكلية — كان يتطلَّع لمشاهدة الفيلم منذ أن بدأ تسريب الفكرة إلى وسائل الأعلام. أما الفتاتان اللتان كانتا بجواره، فقد تذكَّرتا ناتالي بورتمان من سلسلة أفلام «حرب النجوم»، واختارتا فيلم «البجعة السوداء» لأنه «لم يكن هناك غيره في دور العرض.» واتفقتا على أنهما ما كانتا لتذهبا لمشاهدته قط لو أنهما عرفتا بمحتواه الجنسي البشع (وأقسمتا ألا تشاهدا أي فيلم لناتالي بورتمان بعد ذلك). وثمة فتاة ثالثة اختلفتْ معهما تمامًا؛ فهي لم تكن تعرف شيئًا عن الفيلم، واعترفتْ بأنها «لا تذهب عادةً لمشاهدة أفلام الرعب»، بَيْد أنها أضفَتْ مزيدًا من التوضيح على تفضيلاتها عندما أكَّدت أنها تحب الأفلام التي تختلف عن «القديم المعتاد».

ينقل هذا الفصل بؤرة الاهتمام إلى جمهور الأفلام. يقدِّم المثال السابق لمحة عن جمهور فيلم بعينه ويسلِّط الضوء على أسئلة الصورة العامة حول سلوكيات الذهاب إلى السينما: متى وأين يُشاهِد الناس الأفلام؟ ما نوعية الأفلام التي يذهب الناس لمشاهدتها؟ وما نوعية الناس التي تذهب لمشاهدة نوعيات معيَّنة من الأفلام؟

تلك الأسئلة هي صور مختلفة للظاهرة التي يُطلِق عليها علماء النفس اسم «التعرُّض الانتقائي».1 فعلى الناس اختيار البيئات والأحداث التي يرغبون في التعرض لها؛ سواء مكتبة، أو شارع في مدينة، أو مكتب، أو دار سينما، وهكذا. وهم يقومون بتلك الاختيارات بناءً على نوع ودرجة الحافز الذي سيكافئهم. وفي حالة الترفيه، فإن الأفلام التي نُعرِّض أنفسنا لها تختلف من شخص لآخر، لكن تظهر بعض الأنماط التي تعكس اتجاهات شخصية، وثقافية، وتاريخية.

(١) جمهور الأفلام عبر الزمن

لما يربو على قرن من الزمان، مثَّلت الأفلام حضورًا ثقافيًّا طاغيًا، بَيْد أن الكون السينمائي لا يزال يواصل تمدُّده. ففي السنوات الأخيرة، أصبَحَ الناس معتادين على مشاهدة الأفلام في الطائرات، والسيارات، وعيادات الأطباء، إلخ. وبفضل الأجهزة الرقمية مثل البلاك بيري والآي فون، غَدَتِ الأفلام حتى أسهل حملًا وأوسع انتشارًا. ومع الانتشار المتزايد السرعة لخيارات السينما الافتراضية مثل نيتفليكس أون لاين، أصبح الشعور السائد الآن هو أن كل الأفلام متاحة كل الوقت، وكل ما ينبغي على الجمهور القيام به هو تشغيلها.

ومع ذلك، فمَهمَا بلغتْ خيارات المشاهَدة من المرونة، فسيظل الناس يستمتعون دائمًا بمشاهدة الأفلام في وقت معيَّن في مكان معين. فثمة مزية مادية وتاريخية لمشاهدة الأفلام في دُور العرض، حتى لو كانت هذه المزية هي ببساطة «الشعور» بأن الصور تنعكس علينا.

بإمكان سياق مشاهدة الفيلم أن يلعب دورًا هامًّا في طريقة تلقِّيه. فبوسعك أن تشاهد فيلم «آفاتار» على جهاز الآي فون وتتابع حبكته، لكنك لن تستطيع الاستمتاع بخاصية تعدُّد الأبعاد الرائعة التي تميِّزه. كذلك يمكنك مشاهدة فيلم «الشبكة الاجتماعية» (ذا سوشيال نتورك) في دار عرض خاوية ذات تكلفة دخول زهيدة في كالامازو، لكنها لن تكون مثل مشاهدته وسط جمهور غفير في دار عرض في ميدان هارفرد. وفيلم «ذهب مع الريح» (جَن ويز ذا ويند) يمكن مشاهدته على شريط فيديو مهترئ تستعيره من المكتبة المحلية، لكن لا يمكن مقارنة ذلك بمشاهدة نسخة على شريط السيلولويد لأول مرة في قصر سينما فخم.

يوضِّح تاريخ عرض الأفلام كيف أن الابتكارات التكنولوجية والتمويلية غيَّرت وجه تجربة المشاهَدة.2 ففي مطلع القرن العشرين، كانت الصور المتحرِّكة إحدى صور الترفيه الشائعة. ومِثل عروض المسرح المتجوِّل أو الفرق الموسيقى الجوَّالة، كان عارضو الأفلام ينقلون معدَّاتهم من بلدة لأخرى، وبناءً على دعوة من الهيئات المحلية، كانوا يقيمون شاشات عرض في دار للأوبرا، أو كنيسة، أو غيرها من الأماكن العامة الأخرى. في بادئ الأمر، انصبَّ تركيز الأفلام على تقديم مَشاهد مثيرة وقصيرة (قاطرة تقترب) تُعرَض على جمهور منبهر بما يراه. ومع حلول العَقْد الثاني من القرن العشرين، بدأت دُور العرض ذات تكلفة الدُّخول الرخيصة تنتشر في المدن والبلدان. وبدأ محتوى الصور المتحركة يتَّجه إلى الأفلام المعتَمِدة على القصة والنجوم، التي تُميِّز نمط مشاهدة أفلام السينما السائدة. فالأفلام الأضخم، الأكثر تعقيدًا على المستوى التقني، مثل «مولد أُمَّة» (بيرث أوف آ نيشن) أو «التعصب» (إنتوليرنس) للمخرج دي دبليو جريفيث، تطلَّبت دُور عرض فسيحة تستطيع استيعاب جمهور بالآلاف. وقد بدأت تلك السينمات الظهور في المناطق الحضرية الرئيسية، لكن مع حلول العشرينيات، أصبحت دُور العرض منتشرة في جميع أنحاء البلاد.
ومع ظهور «الأفلام الناطقة» في أواخر العشرينيات، وحتى مطلع الستينيات، أضحتِ الأفلام الشكْلَ المهيمِن في عالَم الترفيه الأمريكي؛ ومن ثَمَّ أُطلِق على تلك الحقبة «العصر الذهبي لهوليوود». ثمة عناصر عديدة ميَّزت تلك الحقبة؛ مثل مجموعة من الأعراف الأسلوبية ونمط إنتاج هيمنت عليه الاستوديوهات العملاقة. تشبَّعت الثقافة الشعبية بالأفلام ونجوم السينما؛ ففي أثناء تلك الفترة، كان الأمريكان ينفقون ربع ميزانيتهم المخصَّصة للترفيه، على ارتياد السينما. ووصلت نسبة ارتياد السينما إلى ذروتها بين عامَيْ ١٩٤٦–١٩٤٨م عندما بلغ متوسط عدد الجماهير أسبوعيًّا ٩٠ مليونًا (في شَعْب بلغ تعدادُه نحو ١٤٠ مليون نسمة).3 وبالطبع، لم يكن جميع الأمريكيين بلا استثناء يرتادون السينما، بل وزعم البعض أنهم لا يحبونها حتى، بَيْد أنه لم يكن هناك شخص واحد يَجهَل أمرها.
دخل هذا العصر الذهبي طَوْر أُفولِه مع ظهور التليفزيون. مع حلول الستينيات، كان التليفزيون موجودًا في كل بيت أمريكي تقريبًا،4 وأصبح الناس يفضِّلون قضاء وقت أطول أمام التليفزيون مما يقضونه أمام شاشة السينما. ورغم أن التليفزيون لم يقضِ على جمهور الفيلم، فإنه وضع عليه عبئًا ثقيلًا؛ ففي عام ١٩٧٥م، كان ٤٪ فقط من نفقات الترفيه تذهب إلى ارتياد دُور العرض، وهبط عدد المرتادين إلى ٢٠ مليونًا.5 وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه «معهد جالوب» عام ١٩٩٧م أن ٣٠٪ من المشاركين يُفضِّلون قضاء أمسياتهم في مشاهدة التليفزيون، مقابل ٦٪ يفضِّلون الذهاب إلى السينما.6

بَيْد أن العلاقة بين التليفزيون والسينما لم تكن دائمًا علاقة تنافس مباشر؛ فسرعان ما نجحت هوليوود في استغلال التليفزيون كوسيلة بديلة لعرض الأفلام. فالمحطات المحلية تعرِض الأفلام القديمة خلال الساعات التي لا تُعرَض فيها برامج الشبكات الفرعية المشتركة في المحطات (أثناء النهار والساعات المتأخِّرة من الليل)، كما تعرض الشبكات التليفزيونية في أوقات الذروة إعلانات «أول عرض على الشاشة الصغيرة» لأحدث الأفلام التي تحقِّق أعلى الإيرادات. أضِف إلى ذلك أنَّ توافر نُسخ كاملة غير مقطوعة المشاهد من الأفلام على شبكات الكَبْل أدخل مزيدًا من التغييرات على المشهد، وما زال التليفزيون حتى اليوم وسيطًا هامًّا لمشاهدة الأفلام.

بَيْد أن التليفزيون كان فقط العنصر الأول في سلسلة من التكنولوجيات المرئية التي شكَّلت تحدِّيًا لدار العرض باعتبارها محرابَ الثقافة الجماهيرية. فقد لعبت وسائل العرض والأساليب التكنولوجية الأخرى دورًا كبيرًا في توسيع إمكانات مشاهدة الأفلام. ففي منتصف الستينيات، شكَّلت عائدات سينما السيارات ما يقرب من ربع العائدات الكلية للسينما. ولكونها زهيدة نسبيًّا، فقد اجتذبتِ المراهقين والعائلات ذات الدخل المتوسط والمنخفض. كذلك شجَّعت هوليوود على إنتاج عدد أكبر من نوعيات أفلام الدرجة الثانية؛ الكوميديا العائلية، الأفلام المصوَّرة على الشواطئ، أفلام الرعب المتواضعة المستوى، أفلام الخيال العلمي، إلخ. وكانت النتيجة أنْ تغيَّر المناخ الاجتماعي لمشاهدة الأفلام بعدَ أن أصبَحَ بمقدور الناس التمتُّع بتواصل حميم مع دائرة صغيرة من المقرَّبين (الأسرة، الأصدقاء، الأحباء، إلخ)، وفي الوقت نفسه يعزلون أنفسهم عن غيرهم من جمهور السينما. فقد وجدها الجمهور أكثر راحةً وخصوصيةً ومتعةً.7 إن تلك الخصائص — بحسب صحيفة «ساترداي إيفينينج بوست» — هي التي أتاحتْ لسينما السيارات أن تكون، في آنٍ واحد، «مغارة عواطف» لاجتذاب المراهقين، وملاذًا للعائلات؛ حيث يمكن للوالدَيْن الاستمتاع بوقتهما دون الاضطرار إلى تحمُّل نفقات جليسة أطفال.8
أما شرائط الفيديو، فقد أدخلتِ الأفلامَ إلى المنزل بطريقةٍ منحتِ الجمهورَ قدْرًا أكبر من التحكُّم مقارنةً بمشاهدتها في التليفزيون. فقد أتاحتِ الشرائط (وأقراص الدي في دي والبلو راي فيما بعد) الاختيار بين بدائل للمشاهدة. ونتيجة لذلك، اختلفت أنماط المشاهدة على الشرائط المسجَّلة عن تلك الخاصة بمشاهدة التليفزيون. فقد أظهرت إحدى الدراسات أنه عندما يُشاهِد الناس شريط فيديو، يقومون باستعدادات أكثر، وينخرطون في عدد أقلَّ من الأنشطة المنزلية (القيام بأعمال منزلية، التحدُّث، إلخ)، ويكونون أكثر انتباهًا وانهماكًا.9 فمشاهدة فيلم على شريط فيديو يُنظَر إليها بوصفها «حدثًا» جديرًا بأن يُخصَّص له حيِّزٌ واهتمامٌ خاصَّان.
ثمة منافسة الآن بين الوسائل التي تعتمد على الكمبيوتر؛ مثل ألعاب الفيديو، وبين المواقِع الإلكترونية، والشبكات الاجتماعية فضلًا عن تشكيلة متنوِّعة من الوسائل التكنولوجية الأخرى للاستحواذ على اهتمام المستهلِكين الإعلاميين. ومع ذلك، لا تزال الأفلام، نوعًا ما، مزدهرة. فبسبب ارتفاع أسعار التذاكر، شهد عاما ٢٠٠٩ و٢٠١٠م تحقيق أعلى الإيرادات في تاريخ السينما.10 لقد وجدت صناعة السينما طُرقًا للتعاون مع الوسائل الجديدة. فرغم أن ألعاب الفيديو تستهلك وقتًا يمكن قضاؤه في مشاهدة الأفلام، فإن هوليوود نجحت في الاستفادة من أُلْفة الجمهور بها، فراحت تصنع أفلامًا مأخوذة عن عروض تليفزيونية (مثل «المتحولون» (ترانسفورمرز)) وألعاب فيديو (مثل «لارا كروفت: نبَّاشة القبور»). وعندما تَظهَر وسيلة جديدة مثل فيسبوك، تُبادر صناعة السينما بالاستحواذ عليها من أجْل خلْق مزيد من الإثارة.

وهكذا، رغم أن الأفلام تعلَّمت أن تتقاسم اهتمام السوق الجماهيرية مع غيرها من الوسائل، فإنها لم تَخرُج تمامًا من بؤرة التركيز؛ فهي قد لا تكون الشكل «المهيمن» في مجال الترفيه في العقد الثاني من الألفية الثالثة، لكنها بحسب البعض لا تزال الشكل «البارز». فهي توفِّر مستوًى من المكانة والحضور والتأثير على نطاق واسع، لا يُقارَن بأي وسيلة جماهيرية أُخرى. ولا يزال نجوم التليفزيون وموسيقى البوب أكثر اهتمامًا بأن يصبحوا نجومًا سينمائيين مقارنةً باهتمام النجوم السينمائيين في أنْ يصبحوا نجوم تليفزيون وموسيقى. ولا تزال نسبة مشاهدة حفلات توزيع جوائز الأوسكار أعلى من جميع حفلات الجوائز الأخرى. ولا يزال الأكاديميون والنُّقَّاد يأخذون الجوانب الجماليَّة للفيلم بطريقة أكثر جديَّةً مما يفعلون مع ألعاب الفيديو. ونتيجة لذلك، ثمة خصائص ينفرد بها جمهور السينما وتجربة مشاهدة الأفلام، لا تزال تميِّزها عن غيرها.

(٢) الأفلام التي يشاهدها الناس

لماذا يتوافد الناس على أفلام الأبطال الخارقين ويتجاهلون أفلام الغرب؟ ماذا حدث لشعبية الدراما؟ تلك الأسئلة مثيرة للاهتمام من منظور سيكولوجي ثقافي؛ لأنها تسعى لتحديد أنماط السلوك التي تعكس مواقف وقِيَمَ مجموعة معيَّنة من الناس في وقت معين، وتُشبِه كثيرًا الإجابات التفسيرية على «اختبار بقعة حبر رورشاخ» على الصعيد الثقافي.11 فتلك التفسيرات يصعب إثباتها أو دحضها، بَيْد أنها تقدِّم انطباعًا قويًّا عن النشاط الثقافي.
إن أرقام شباك التذاكر وأعداد المشاهدين هي إحدى وسائل إضفاء الطابع الكمِّي على أنواع الأفلام التي يشاهدها الناس. ويشتمل الملحق «ب» على قائمة بأعلى ٥٠ فيلمًا من حيث الإيرادات في تاريخ السينما (تمَّ تعديلُها وفْق معدل التضخم).12 فتقدِّم تلك القائمة صورة جيدة للأفلام التي تغلغلت في الحياة الأمريكية أكثر من غيرها. ورغم أن تلك الأفلام لم يشاهدها جميع الناس، فإن جميع الأمريكان البالغين يعرفونها بصورة جيدة؛13 ما جعلها تشكِّل ثروة من المرجعيات الثقافية المشتركة. فالصور وعناصر القصة في أفلام «الفك المفترس» (جُوز) و«بامبي» و«الوصايا العشر» (تِن كوماندمنتس) معروفة على نطاق شديد الاتساع؛ بحيث أصبحت توفِّر مادة خصبة للتلميحات والنكات (على سبيل المثال: السباحة بأجساد عارية، الأمهات الموتى، والبحار التي تنشق).

ما الذي يجعل فيلمًا ما يحقِّق نجاحًا تجاريًّا؟ حتى الآن لم تستطع هوليوود التوصل إلى وصفة كاملة لذلك، بَيْد أننا نستطيع رؤية أنماط معينة في قوائم الأفلام التي حقَّقت أعلى الإيرادات. فهي، بادئ ذي بدء، أفلام «ديمقراطية»؛ حيث إنها تجتذب مجموعة واسعة من الفئات السكانية. ففي حين أن بعض أفلام الرسوم المتحركة مصنوعة صراحةً من أجْل الأطفال، فإن بعضها الآخر «الصديق للأطفال» (أو على الأقل «الصديق للمراهقين») يجتذب البالغين أيضًا («شريك ٢»). قليل من تلك الأفلام أثار جدلًا لدى ظهوره (الاستثناءات البارزة تشمل «الخرِّيج» و«العرَّاب» (ذا جَد فاذر) و«طارد الأرواح الشريرة» (ذا إكزورسيست)). ولكن من الواضح أن تلك الأفلام تجسِّد أفكارًا ومشاعر سائدة، وتسكن مناطق مألوفة ومريحة بالنسبة إلى أغلب المجتمع الأمريكي.

للحصول على صورة أكثر دقَّةً عن الأفلام التي يشاهدها الناس، يمكننا الاستعانة بطُرق إحصائية لقياس النجاح التجاري بالإضافة إلى سمات أخرى للفيلم أو لجمهوره.14 في العقود الأخيرة، كان أكثر العوامل قدْرةً على التنبُّؤ هو الميزانية؛ فالأفلام ذات الميزانيات الضخمة تَمِيل إلى تحقيق نجاح أكبر. والآليات النفسية الفاعلة هنا ليست واضحة تمامًا. ففي حين أن الميزانيات الضخمة قد تسمح لصُنَّاع الأفلام بإعطاء الجماهير ما يرغبون به، من الممكن أيضًا أن يكون هذا الوضع مثالًا على قيام شركات الإنتاج والتوزيع بإملاء ما يرغب فيه الناس على صنَّاع الفيلم. فعبر الحملات الإعلانية المكثَّفة والتحكُّم في التوزيع على دُور العرض، يمكن إنجاح أفلام بعينها عبر تقليص الخيارات المتاحة للجمهور.15 ومع ذلك، هناك دائمًا استثناءات لقاعدة «ميزانية ضخمة = إيرادات ضخمة»؛ ففيلم مثل «نشاط خارق» (بارانورمال أكتيفيتي)، الذي لم يتكلَّف شيئًا تقريبًا، حقَّق ما يَزِيد على ١٠٠ مليون دولار، في حين فشل فيلم باهظ التكلفة مثل «ساكر بنش» فشلًا ذريعًا.
ثمة عوامل تنبُّئية أخرى للنجاح التجاري، رغم أنه لا يوجد بينها عامل واحد شديد القوة. فالأفلام التي تفوز بجوائز أوسكار في الفئات الرئيسية (أفضل فيلم، أفضل ممثل، إلخ) والفئات التقنية (أفضل مؤثِّرات بصرية)، تميل نوعًا ما إلى تحقيق نتائج أفضل. وفي السنوات الأخيرة، أصبحت نوعية الأفلام تلعب دورًا هامًّا؛ فأفلام الكوميديا والخيال العلمي والفانتازيا تميل إلى تحقيق إيرادات أفضل من الأنواع الأخرى.16 ومن العوامل التي توفِّر حدًّا أدنى من القدْرة على التنبُّؤ كَوْن الفيلم جزءًا من سلسلة أو إعادة إنتاج لفيلم سابق، ومدَّة عرضِه أطول، أو مصنَّفًا ضمن فئة «بعض المواد قد تكون غير مناسبة للأطفال دون الثالثة عشرة» (رغم أن الأفلام المصنَّفة ضمن فئتَيْ «جميع الأعمار مقبولة» و«بعض المواد قد تكون غير مناسبة للأطفال» يمكن أن تحقِّق إيرادات جيدة هي أيضًا)، ويتضمَّن عنفًا خاليًا من الدماء. أما الأفلام التي تحقِّق إيرادات منخفضة فيمكن إرجاع فشلِها لعوامل مثل: أنها تتناول سيرة ذاتية، أو مأخوذة عن عمل أدبي، أو مصنَّفة ضمن فئة «محظور»، أو تتضمَّن مشاهد جنسية فجَّة. تتَّفِق تلك النتائج مع النظرية القائلة بأن الأفلام التي تحقِّق نجاحًا كبيرًا ينبغي أن تستهدف الشريحة الوسطى الأوسع من السكان؛ أفلام تحتوي على بعض الجنس والعنف (لكن ليس أكثر مما ينبغي)؛ أفلام حميمية وجيدة الصنع لكن ليستْ رفيعة أكثر مما ينبغي؛ أفلام تجسِّد الدعابة والابتعاد عن الواقعِ والإبهارَ تجسيدًا.17

مع مُضِيِّ السنين، بدأتْ جاذبية الدراما تتراجع، بينما زادت شعبية الملاحم الفانتازية. وفي حين أن بعض الأفلام الدرامية لا تزال تحقِّق نجاحًا تجاريًّا وتفوز بجوائز الأوسكار («خطاب الملك» (ذا كينجز سبيتش))، فإن نجاحها التجاري لا يمكن أن يُقارَن بأفلام الصيف ذات الإيرادات الضخمة. ثمة تفسير تكنولوجي لهذه الظاهرة؛ فلكي تتمكَّن من منافسة أشكال ترفيه مرئية أكثر حميميةً مثل التليفزيون، ينبغي على الأفلام أن تبذل كلَّ ما في وسعها عن طريق مضاعفة مؤثِّراتها البصرية إلى الحدِّ الأقصى. وثمة تفسيرٌ آخَر سياسي-اجتماعي، مفادُه أن الترفيهَ الهُرُوبي في يومنا هذا هو تعبير عن نزعة الاستهلاك النرجسي التي ترسَّختْ في الثمانينيات وواصلت منذئذٍ هيمنتها في أمريكا وغيرها من دول العالم الأول.

هناك أنماط أخرى تمَّتْ ملاحظتها فيما يتعلَّق بارتياد دُور السينما والظروف الثقافية والاقتصادية الأخرى. فقد وَجَدَت إحدى الدراسات أنه بين عامَيْ ١٩٥١ و٢٠٠٠م، كانت هناك نسبة متزايدة من مَشاهِد العنف الهزلي في الأفلام الكوميدية التي حقَّقت أعلى الإيرادات (مثل «السروج المشتعلة» (بلازينج سادلز)، و«وحدي في المنزل» (هوم ألون)، و«أوستن باورز: الجاسوس الذي غاظني» (أوستن باورز: ذا سباي هُو شاجد مي))، والتي أُنتجت في فترات اتَّسَمَتْ بارتفاع معدلات البطالة، ومؤشِّر أسعار المستهلك، والقتل/الانتحار.18 وبينما يبدو من غير المحتمل أن «السروج المشتعلة» كان مسئولًا عن الظروف الاجتماعية في السبعينيات، من الممكن أن يكون الفيلم (الذي يتضمَّن فسادًا، وحاكمًا أخْرَقَ، وأهلَ مُدُن عنصريين، ورُعاة بقر مُدَّعِين) قد جسَّد تجسيدًا مرئيًّا الإحباطات السائدة في تلك الحقبة.
ماذا يشاهد الأطفال؟ تميل عادات المشاهدة لدى الأطفال والمراهقين إلى إثارة القلق حول الكَمِّ الملائم من التعرُّض. فالمراهقون والشباب الصغار يمثِّلون سوقًا رئيسية لأفلام الصيف التي تحقق أعلى الإيرادات؛ ذلك لأنهم على الأرجح مشاهِدون مواظبون. أما الأطفال الصغار وأفراد العائلة الذين يصحبونهم إلى دُور العرض، فهم القوة المحرِّكة للأفلام المصنَّفة ضمن فئتَيْ «جميع الأعمار مقبولة» و«بعض المواد قد تكون غير مناسبة للأطفال»، لا سيما أفلام الرسوم المتحركة (وأحد الأسباب في أن تلك الأفلام تحقِّق نجاحًا أكبر من الأفلام التي تصنَّف تحت فئة «محظور» هو ببساطة أنها متاحة لعدد أكبر من الجمهور).19
ومع ذلك، لا تعكس أعداد مرتادي دُور العرض بدقة ما يشاهده الأطفال؛ ذلك لأن معظم الأطفال، خاصةً مَن هم دُون سنِّ الثامنة، يشاهدون عددًا أكبر من أفلام الفيديو المسجَّلة. ومن الصعب رصْد عملية مشاهدة أفلام الفيديو؛ لأنه بمجرَّد أن يتم شراء شريط فيديو أو تأجيره، يَغْدُو من الصعب معرفة مَن يشاهده؛ والشريط نفسه يمكن مشاهدته عدة مرات. كذلك نُواجِه تلك المشاكل نفسَها عند رصد عملية بثِّ الأفلام على قنوات الكَبْل أو عبر الإنترنت. ومع ذلك، أظهرتِ استطلاعات الرأي التي أُجريَتْ على نطاق واسع أنه عندما يتعلَّق الأمر بالاستخدام الكلي لوسائل الإعلام، فإن الأطفال والمراهقين يقضون وقتًا أقل في مشاهدة الأفلام/الفيديوهات من الوقت الذي يقضونه أمام التليفزيون أو ألعاب الفيديو أو الكمبيوتر. ومع ذلك، لا يزال المراهق العادي، في مطلع القرن الحادي والعشرين، يشاهد فيلمَيْن/فيديوهين أسبوعيًّا في المتوسط.20
بإمكاننا أن نفترض أن الأطفال يشاهدون على أجهزة الفيديو الكثيرَ من الأفلام المصنَّفة ضمن فئة «جميع الأعمار مقبولة»/«بعض المواد قد تكون غير مناسبة للأطفال»، لكن هذا لا يعني أن الأفلام ذات المحتوى الملائم لأعمارهم هي الأشياء الوحيدة التي يشاهدونها. ففي استطلاع للرأي أُجري عام ٢٠٠٣م، سُئل أطفال تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشرة عن عدد ما شاهدوه من أفلام ذات محتوًى بالغ العنف، بما في ذلك سفْك الدماء والسادية والعنف الجنسي.21 وقد صرَّح أكثر من ثُلُثِهم (بمَن في ذلك ٢٠٪ ممن هم في سِنِّ العاشرة) أنهم شاهدوا أفلام الرعب التالية المصنَّفة تحت فئة «محظور»: «فيلم رعب» (سكيري موفي) (٤٨٪)، و«ما زلتُ أعرف ماذا فعلتَ الصيفَ الماضي» (آي ستيل نو وات يو ديد لاست سامر) (٤٤٪)، و«نصل» (بليد) (٣٧٪)، و«عروس تشاكي» (برايد أوف تشاكي) (٣٧٪). تستحوذ قضية تعرُّض الأطفال لمحتوًى سينمائي مُثِير للجَدَل على الاهتمام؛ نظرًا لارتباطها بهموم اجتماعية؛ مثل القِيَم الثقافية، واختيارات الوالدين، وتأثيرات الإعلام.22
بَيْد أن الاهتمام بدراسة الأفلام التي يُشاهِدها الناس ليس حكرًا على الباحثين المهتمين بالاتجاهات السيكولوجية الاجتماعية. فهوليوود، على سبيل المثال، تموِّل أبحاثًا مماثِلة بهدف استخدام نتائجها في تطوير الأفلام وتسويقها والدعاية لها. ورغم أن بعض تلك الأبحاث متاح للجمهور من خلال المطبوعات الأكاديمية،23 فإن أغلبها يَظَلُّ محفوظًا طيَّ الكتمان بهدف الحصول على أفضلية في المنافسة. وتَستخدم أبحاث التسويق طرقًا أكثر تنوُّعًا حتى من تلك التي تناولناها؛ مثل استجابات الجمهور أثناء عروض اختبارية، ومقابلات مع مجموعة النقاش، واستطلاعات رأي تُجرَى لدى الخروج من دار العرض.24 وتهتم الأبحاث ذات الطابع التجاري، خلافًا للأبحاث الأكاديمية، بالطبيعة الإنسانية والظروف الثقافية فقط من حيث علاقتها بمربط الفرس؛ هامش الربح. تلك البيانات قد تكون بمثابة منجم ذهب للتحليلات العلمية الاجتماعية، غير أنها تظلُّ حبيسة الأدراج بعيدًا عن المتناوَل، وتُستخدم فقط لتحديد أيُّ الأفلام تُعطَى الضوءَ الأخضر، وأيُّ نهايات بديلة تُترَك ملقاةً على أرضية غرفة المونتاج.

(٣) الأفلام التي تُعجب الناس

رغم أن أرقام شباك التذاكر وأعداد مرتادي دُور العرض لا تكذب بالمعنى الصحيح للكذب، فإنها يمكن أن تكون مضلِّلة فيما يتعلَّق بقياس تفضيلات الناس الحقيقية. فحملات الدعاية العملاقة والتوزيع المُتحكَّم به بإمكانهما جلب الناس إلى دُور العرض، لكنهما لا يستطيعان أن يضمنا أن ما يشاهدونه سيعجبهم بالفعل. فأفلام مثل «هانكوك» من بطولة ويل سميث، قد تحقِّق نجاحًا تجاريًّا، لكن ما تحقِّقه من إثارة ضئيل للغاية، لدرجة أن عددًا قليلًا فقط من الناس يظل يتذكَّرها بعد انتهاء عرضها. ومن ناحية أخرى، فإن فيلمًا مثل «نادي القتال» (فايت كلَب) قد يفشل تجاريًّا، لكنه يحظى بمتابعة تبلغ من الحماس حدَّ أن يصبح مادة للعديد من الإحالات الثقافية.

تنعكس تفضيلات الجمهور في معايير مثل التقييمات النقدية والجوائز. ويحتوي الملحق «ب» على قائمة بأفضل ٥٠ فيلمًا أمريكيًّا أصدرها «المعهد الأمريكي للفيلم» عام ٢٠٠٧م.25 وتمثِّل قائمة «المعهد الأمريكي للفيلم»، إضافة إلى جوائز الأوسكار والنقاد، آراء مجموعة من الناس تَحظَى بمكانة متميزة في مجال صناعة السينما؛ فهي تضم أفلامًا يعتقد المطَّلِعون على بواطن الأمور أنها تمثِّل أفضل ما في الوسائل السينمائية؛ ومن ثَمَّ جديرة بالثناء.
الموقع الإلكتروني ذو الشعبية الواسعة «قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت» IMDB.com لديه نظام لتقييم الأفلام يمكن لأي مستخدم أن يشارك فيه، موفِّرًا بذلك مقياسًا أكثر ديمقراطيَّةً لقياس تفضيلات الأفلام. والأفلام الخمسون التي حظيت بأعلى التقييمات من جانب المستخدمين مُدرَجة هي الأخرى في الملحق «ب».26 والمصوِّتون على IMDB هم أشخاص مُولَعون بالأفلام؛ أناس لا يعملون في صناعة السينما، لكن لديهم أكثر من مجرد اهتمام عابر بالأفلام.
ثمة أنماط مثيرة للاهتمام تظهر من خلال مقارنة تلك المقاييس الثلاثة لتقييم الأفلام بعضها ببعض (شباك التذاكر، و«المعهد الأمريكي للفيلم»، وموقع IMDB). فهناك، أولًا، تداخل نسبي (سبعة أفلام) بين الحصيلة الكلية للإيرادات واختيارات «المعهد الأمريكي للفيلم». فالنجاح التجاري الفوري تربطه فيما يبدو علاقة واهية بالنجاح طويل الأمد. والتاريخ لم يكن رحيمًا مع العديد من الأفلام التي تصدَّرت قوائم الإيرادات؛ فملاحم مثل «كليوباترا»، و«المطار» (إيربورت)، و«يوم الاستقلال» (إنديبندنس داي) قد تجد مشقَّة بالغة في العثور على مشاهدين يعتبرونها أفلامًا عالية الجودة (وأقل من ذلك كثيرًا مَن يعتبرونها من أفضل الأفلام في تاريخ السينما). ومن ناحية أخرى، ثمة عدد من الكلاسيكيات («المواطن كين» (سيتيزن كين)، «ساحر أوز»، و«كازابلانكا») التي حقَّقت نتائج متواضعة أو حتى فشلت لدى عرضها للمرة الأولى. وبوجه عام، الأفلام التي تحقِّق أعلى الإيرادات هي على الأرجح أفلام بمقدور الجميع الاستمتاع بها (فلْنَنظر إلى العدد الكبير من أفلام الأطفال والرسوم المتحركة)، بينما تركِّز قائمة «المعهد الأمريكي للفيلم» على خصائص فنية وتاريخية مميزة.
عند مقارنة اختيارات مستخدمي IMDB مع حصيلة شباك التذاكر، وُجد أن ستة أفلام فقط موجودة في القائمتين معًا (وهي أفلام من كلاسيكيات عصر المؤثرات الخاصة، وتتضمَّن بصفة أساسية جزأين من «حرب النجوم»، و«غزاة السفينة المفقودة» (رادرز أوف ذا لوست آرك)، و«فارس الظلام» (ذا دارك نايت). وقد وُجد، بوجه عام، أن معظم أفلام الحركة الخفيفة والأفلام الموسيقية والكوميدية والعاطفية المريحة للأعصاب التي هيمنت على قوائم الإيرادات، لم تَحظَ بأيِّ تقدير خاص من جانب المولَعين بالأفلام. فقد جاءت اختياراتهم أكثر قتامةً، وشملت أفلام رعب («سايكو»، و«صمت الحملان»)، وأفلام جريمة/تشويق تحبس الأنفاس («المشتبه بهم المعتادون» (ذا يوجوال سَسبكتس)، و«خيال رخيص»)، ودراما عنيفة («التاريخ الأمريكي إكس» (ذا أمريكان هيستوري إكس)، و«سائق التاكسي»). وحتى اختياراتهم الكوميدية كان يغلب عليها مسحة من السخرية اللاذعة («الدكتور سترانجلوف» (دكتور سترانجلوف)، و«الجمال الأمريكي» (أمريكان بيوتي)). فإن اعتبرنا أن مستخدِم IMDB يمثِّل عاشق السينما النموذجي في يومنا هذا، خاصة من الرجال، فلعلَّ أذواقهم الأكثر قتامةً تعكس التحولات الثقافية في الستينيات وما بعدها («أميلي» و«حكاية لعبة ٣» (توي ستوري ٣)) استثناءان بارزان يؤكِّدان القاعدة).
وكان هناك تداخل أكبر ملحوظ (في ١٥ فيلمًا) بين المؤسسة النقدية («المعهد الأمريكي للفيلم»)، ومستخدمي IMDB. فكلتا المجموعتين أكثر تدقيقًا في اختياراتهما من مرتادي السينما العاديين، الذين يزعمون أنهم ببساطة يبحثون عن التسلية. وكان أحد الفروق اللافتة بين المجموعتين، الحضور القوي للأفلام الحديثة ضمن اختيارات عشَّاق الأفلام.27 فقد ضمَّت قائمةُ IMDB ٢٦ فيلمًا أُنتجت بعد التسعينيات، مقارنةً بفيلمين فقط في قائمة «المعهد الأمريكي للفيلم». فمن الواضح أن أعضاء المعهد يعلِّقون أهمية أكبر على الكلاسيكيات التي صمدت على مرِّ الزمن. وبينما لم يتجاهل مستخدمو IMDB الأفلام القديمة (إذ ضمَّت قائمتهم فيلمَيِ «المواطن كين» و«كازابلانكا») فكان ذلك غالبًا على سبيل الاستثناء. ففي حين أن مستخدمي IMDB قد يبالغون في تقدير الجديد (على سبيل المثال: يحتل فيلم «بداية» (إنسيبشن) المرتبة الثامنة في القائمة) ويفتقرون إلى المنظور التاريخي، فإن تفضيل الأفلام الحديثة يعكس أيضًا التأثير العميق للتجربة الفورية التي تضمحل عندما تُنتزع الأفلام من سياقها التاريخي والثقافي الأصلي.

فيلمان اثنان فقط نجحا في الوصول إلى القوائم الثلاث: «العرَّاب» و«حرب النجوم». إن جاذبيتهما على الصعيد العالمي تبدو أمرًا نادرًا في مجتمع ما بعد حداثي، يتسم بالتعددية. فالفيلمان اللذان ظهرا في السبعينيات، بفارق زمني بينهما قَدْره ٥ سنوات، يعبِّران عن قطبين مختلفين من «هوليوود الجديدة» التي ظهرت بعد العصر الذهبي. ورغم أن كليهما، من الناحية التقنية، من إنتاج شركات كبيرة، فإن الفيلمين أبدعهما أفراد ذوو رؤية شخصية قوية كانوا يتلاعبون بالقواعد عن قصد. وفي حين أن «العرَّاب» عمل فني جادٌّ، فإن «حرب النجوم» عمل فني يعبِّر عن أعاجيب فن صناعة السينما ذي الخيال الجامح. بَيْد أن كِلَا الفيلمين تربطهما أواصر وثيقة مع تاريخ السينما، وكليهما حظي بشعبية هائلة. أضِف إلى ذلك أن الفيلمين، بالترتيب، وضعا معايير صناعة الأفلام الدرامية المستقلة وفانتازيا رفيعة المستوى لا تزال أصداؤها تتردد في وجدان الجماهير حتى يومنا هذا.

لا توجد قائمة واحدة من القوائم المدرَجة في الملحق «ب» تم إنشاؤها بطرق علمية.28 فمن أجْل رؤية أكثر تركيزًا لأنماط تفضيلات الجمهور، يستخدم علماء الاجتماع استطلاعات رأي تتناول عينة مُمثَّلة من السكان. فقد قامت إحدى الدراسات باستطلاع آراء ما يزيد على ١٠٠٠ شخص حول تفضيلاتهم فيما يتعلَّق بمسوخ الأفلام (أو الشخصيات الشريرة).29 لقد كانت أفلام الرعب نوعًا سينمائيًّا راسخًا على مدار تاريخ السينما، والمسوخ هي ما يروق للمخيِّلة العامة. فقد برهنت شخصيات دراكولا ومصاصي الدماء على أنها أكثر تلك الشخصيات شعبيَّةً، لأسباب متنوعة؛ مثل ما تتمتع به من خلود وذكاء وقوة خارقة للطبيعة، وحتى الحس بالأناقة والجاذبية الجنسية.30 والشخصيات المفضَّلة الأخرى تشمل: جودزيلا، وفريدي كروجر، وفرانكنشتاين، وتشاكي، ومايكل مايرز، وكينج كونج، وهانيبال ليكتر. والأسباب التي أكسبت تلك المسوخ شعبيتها تُماثِل تلك التي تقف وراء شعبية مصاصي الدماء: الذكاء، والقُوَى التي تفوق قدرات البشر، والقدرة على الكشف عن الجانب المظلم من الطبيعة الإنسانية.

ثمة فروق واضحة بين الأجيال فيما يتعلَّق بتفضيلات المسوخ؛ فأبطال أفلام سلاشر (أي الكائنات البشرية المتعطِّشة للدماء) في سلسلة أفلام «عيد الهلع» و«الجمعة ١٣» (فرايداي ذا ثيرتينث)، و«كابوس في شارع إلم» (أ نايتمير أون إلم ستريت) حظيت بشعبية كبيرة بين صغار الشباب (تحت ٢٥ سنة)، لكنها لم تَحظَ بتقدير المشاركين الأكبر سِنًّا (فوق الخمسين). ويبدو أن هذا يعود، جزئيًّا، إلى تأثير التعرُّض (فالقَتَلَة المتعطِّشون للدماء في الأفلام كان لهم حضور متزايد في العقود الأخيرة). هناك أيضًا فروق في العقلية خلف تلك التفضيلات؛ فعشَّاق جيسون، ومايكل، وفريدي كانوا يميلون إلى تركيز إعجابهم على الخصائص السلبية والمَرَضية («الشر الخالص» و«المشاكل النفسية الخطيرة») والبراعة في القتل. إنَّ تفضيل المسوخ بسبب ما يتمتعون به من قدرات إجرامية قد يكون له تضمينات أخلاقية تثير القلق، لكنها يمكن أن تعكس قدرة صادقة على تقدير واحترام الخصائص التي تشكِّل جوهر المسخ الحقيقي.

ركَّزت أبحاث أخرى على تفضيلات مجموعات فرعية من مشاهدي الأفلام. فالبحث عن الإثارة، على سبيل المثال، سمة شخصية تشير إلى السعي وراء تجارب تتسم بالخطورة والجدة، تجارب قادرة على توليد إثارة حسية (القيادة السريعة، المقامرة، القفز بالمظلات). والأفراد الذين يتمتعون بدرجة عالية من البحث عن الإثارة يميلون إلى الإعجاب بالأفلام التي تحتوي على قدْر كبير من العنف والرعب والمغامرة والمونتاج السريع. وبالنظر إلى أن الرجال أكثر ميلًا للبحث عن الإثارة مقارنةً بالنساء، فإن هذا العامل قد يفسِّر جزئيًّا كون الرجال أكثر تفضيلًا لأفلام الحركة، والرعب، والخيال العلمي.31
شعبية نجوم السينما هي انعكاس آخر لمواقف وتفضيلات الجمهور. فقد لاحظ العديد من المراقبين أن الممثِّلين الذكور يتمتعون بحياة فنية أطول وأكثر نجاحًا (من حيث عدد الأدوار) مقارنةً بالممثلات. وقد أَجْرَتْ إحدى الدراسات تقييمًا منهجيًّا لمسيرة المئات من نجوم هوليوود ما بين عامَي ١٩٢٦ و١٩٩٩م،32 وقد أظهرتْ نتائجُها أن النساء، مع تقدُّمهن في العمر، يحصُلْن على أدوار بطولة وأدوار عادية أقل مما يحصل عليه الرجال من الفئة العمرية نفسها. وفي السنوات الأخيرة، ارتفع عدد الأدوار المخصَّصة للممثِّلات المتقدِّمات في السِّنِّ، بَيْد أن المتاح لهنَّ من أدوارِ بطولةٍ يظل أقل ممَّا هو متاح للرجال المتقدِّمين في السِّنِّ. بالإمكان تفسير تلك النتائج باعتبارها انعكاسًا للصورة الذهنية الثقافية التي مَفادُها أن النساء المتقدِّمات في السِّنِّ أقلُّ جاذبيَّةً. كذلك فإنها تثير القلق من أن هذا النمط قد يساعد على إدامة النظرة الدونية للنساء المتقدِّمات في السنِّ من خلال استبعادهن عمليًّا من دائرة أضواء الإعلام.

(٤) لقطات ختامية: المشاهدون بعيدًا عن الأرقام

خلف أرقام شباك التذاكر، والاتجاهات الديموغرافية، والتحليلات الإحصائية الشاملة، تكمن خبرات الناس الحقيقيين. فجون عاشق السينما يقضي ساعات على الإنترنت في متابعة أخبار أحدث الأفلام التي حقَّقت نجاحًا مدوِّيًا، ويُساهِم بنصيب ضئيل في إيرادات الفيلم التي حقَّقت أرقامًا قياسية عندما يحضر العرض الافتتاحي للفيلم في حفلة منتصف الليل. وجين عاشقة الأفلام، المراهِقة التي تنتظر مواعدةً مع أحد الشباب بخوف/ترقُّب لمشاهدة أحدث فيلم رعب، هي جزء من صيحة منتشرة بين المراهقات لمشاهدة أفلام الرعب بمعدَّل أعلى من المعتاد. أما جو عاشق الأفلام، وهو رجل في منتصف العمر مستغرق في حلم يقظة، يتخيَّل فيه أنه يقود سيارته بأقصى سرعة في الحارة الوسطى من الشارع فيما هو عالق وسط اختناق مروري في ساعة الذروة، فيجسِّد حقيقة أن الرجال يعشقون مطاردات السيارات في الأفلام.

لقد تفحَّصنا «أين» و«متى» تُشاهَد الأفلام، وأخذنا في الاعتبار سماتٍ (السِّنِّ، والنوع، والشخصية) تساعد في التنبُّؤ بمعرفة أيُّ الأشخاص يُحتمل أن يشاهدوا أيَّ الأفلام. لكنْ ماذا يحدث عندما يشاهد الناس الأفلام بالفعل؟ وماذا يحدث بعد أن يشاهدوها؟33 لا تستطيع أرقام شباك التذاكر وإحصاءات السكان الإجابة عن تلك الأسئلة بنفسها، لكنها تُعِدُّ لنا المشهد لمواصلة اهتمامنا بجماهير الأفلام.

(٥) قراءات إضافية

  • Austin, B. A. (1989) Immediate Seating: A Look at Movie Audiences. Wadsworth, Belmont, CA.
  • Pritzker, S. R. (2009) Marketing movies: An introduction to the special issue. Psychology & Marketing, 26 (5), 397–399.
  • Roberts, D. F. and Foehr, U.G. (2004) Kids and Media in America. Cambridge University Press, Cambridge.
  • Simonton, D. K. (2011) Great Flicks: Scientific Studies of Cinematic Creativity and Aesthetics. Oxford University Press, New York, NY.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠