الفصل الثالث

وظائف اللغات

سنبدأ هذا الفصل بزيارة قصيرة إلى بلدة بوميرود في ولاية سانتا كاتارينا في البرازيل. في هذا المجتمع الذي يضم ٢٠ ألف شخص، والذي أسَّسه المهاجرون الألمان القادمون من منطقة بوميرانيا في ألمانيا، تتحدَّث الغالبية العظمى من السكان باللغتين الألمانية (البوميرانية، على وجه الدقة) والبرتغالية. الأمر المثير للاهتمام هو طريقة توزيع السكان للغاتهم في المجالات الحياتية المختلفة؛ فبعض المجالات تغطِّيها لغة واحدة، وتُستخدَم اللغة الأخرى في بعض المجالات الأخرى، وتُستخدَم اللغتان في مجالات ثالثة.1 فعلى سبيل المثال: تُستخدَم اللغة البرتغالية فقط في مواقف معينة (مع السلطات، وفي النوادي، وفي الرياضة، وفي الكتابة)، وفي مواقف أخرى لا تُستخدَم إلا اللغة الألمانية (في الكنيسة، على سبيل المثال)، وفي بعض المجالات تُستخدَم اللغتان (في العمل، والمتاجر، وفي المنازل، ومع الأصدقاء).

ينطبق حال الأشخاص الثنائيي اللغة في بوميرود الذين يتحدَّثون البرتغالية والبوميرانية على معظم الثنائيي اللغة في العالَم، سواء أكانوا يعيشون مع ثنائيي اللغة آخَرين أم وحدهم؛ فهم يوزعون لغاتهم على مجالات الحياة المختلفة، ويستخدمون لغات مختلفة مع أشخاص مختلفين. بعد مناقشة المبدأ الذي يعبِّر عن هذه الظاهرة، سنتعرَّف على تأثيرها على الطلاقة اللغوية لدى الأشخاص الثنائيي اللغة، وسيادة إحدى اللغات، وقدرات الترجمة، بالإضافة إلى تأثيرها غير المباشِر على الذاكرة.

(١) استخدامات اللغات

يمكن صياغة ما أُطلِق عليه اسم مبدأ التكامل على النحو التالي:

يكتسب عادةً الأشخاص الثنائيو اللغة لغاتهم ويستخدمونها لأغراض مختلفة، وفي مجالات مختلفة من الحياة، ومع أشخاص مختلفين. فتتطلَّب جوانبُ الحياة المختلفة دومًا استخدامَ لغات مختلفة.

يعرض الشكل ٣-١ مبدأ التكامل. في هذا الشكل أخذتُ مثال آنا من الفصل السابق، ونسبتُ لغاتها للمجالات التي تستخدمها فيها. ولتبسيط الأمور، قللتُ عدد المجالات الموجودة؛ ففي الحقيقة يوجد أكثر من ذلك بكثير. لا توجد لغة آنا الرابعة (الفرنسية) في هذا الشكل؛ إذ إنها لا تستخدمها. يُعرض كل مجال في شكل سداسي، ويمكن استخدام لغة أو لغتين أو ثلاث لغات للتعامل معه. نرى أن اللغة الإنجليزية (أفضل لغة تعرفها آنا وأكثر لغة تستخدمها وفقًا للشكل في الفصل الثاني) تُستخدَم وحدها في خمسة مجالات في الحياة؛ في الجامعة والتسوق والتنزه ومع الحبيب وفي الأمور الرسمية. أما اللغة الإسبانية (التي تستخدمها أيضًا كثيرًا لكنَّ مستوى طلاقتها فيها متوسط) فتستخدم وحدها في مجالين في الحياة؛ مع الوالدين والأقارب البعيدي الصلة. وتستخدم اللغتين الإنجليزية والإسبانية معًا في ثلاثة مجالات؛ مع الإخوة والأصدقاء وفي الطقوس الدينية. أخيرًا، نشير إلى أن اللغة الإيطالية، التي لا تستخدمها آنا كثيرًا ولا تعرفها جيدًا أيضًا، تشترك في مجال واحد مع اللغتين الإنجليزية والإسبانية (الأصدقاء غير المقربين).2

يمكننا رسم النمط نفسه لاستخدام اللغة لجميع الأشخاص الثنائيي اللغة ليغطي مجالات مثل: الوالدين، والأطفال، والإخوة، والأقارب البعيدي الصلة، والعمل، والرياضة، والدين، والمدرسة، والتسوُّق، والأصدقاء، والتنزُّه، والهوايات، وغيرها، ونخرج منه بتوزيع للغاتهم. ستغطي بعض اللغات الكثير من المجالات، وستغطي لغات أخرى مجالات أقل، وستغطي بعضها مجالات بجانب لغة (أو لغات) أخرى. ومن النادر أن يستخدم ثنائيو اللغة كل لغاتهم في كل مجالات حياتهم (اللغة الإنجليزية والإسبانية في العمل، وفي المنزل، ومع أفراد الأسرة). فإذا كانت جميع اللغات تُستخدَم في كل المجالات، فعلى الأرجح لن يوجد سبب لأن يصبح المرء ثنائيَّ اللغة؛ فستصبح لغة واحدة كافيةً بطبيعة الحال.

fig2
شكل ٣-١: توضيح لمبدأ التكامل. المجالات التي تغطيها اللغات الإنجليزية (اللغة الأولى)، والإسبانية (اللغة الثانية)، والإيطالية (اللغة الثالثة)؛ ممثَّلةً في صورة أشكال سداسية.

تجدر الإشارة إلى أنه في حالة الازدواجية اللغوية — وهي أحد أشكال الثنائية اللغوية المجتمعية؛ حيث تستخدم إحدى المجموعات لغتين أو شكلين من لغة واحدة — تُستخدَم كلُّ لغة في مجال معين؛ ومن ثَمَّ فإن المبدأ المذكور سابقًا لا ينطبق على الازدواجية اللغوية؛ إذ يوجد عدد قليل جدًّا، إنْ وُجِد، من المجالات التي يمكن أن تغطيها لغتان أو أكثر.

(٢) تأثير مبدأ التكامل

أول تأثير يوجد لهذا المبدأ يكون على الطلاقة اللغوية. بوجه عام، إذا كانت إحدى اللغات تُستخدم في عدد قليل من المجالات ومع عدد محدود من الأفراد، إذًا فإنها لن تتطوَّر مثل لغة تُستخدَم في مجالات أكثر ومع عدد أكبر من الأفراد. يرجع هذا إلى أن حاجة الأشخاص الثنائيي اللغة للغاتهم واستخداماتها تكون عادةً مختلفة بدرجة كبيرة، بحيث لا تكون اللغات لديهم متطورةً بالقدر نفسه، ولا يكون مستوى طلاقتهم فيها واحدًا. ينطبق هذا أيضًا على مهارات لغوية معينة، مثل القراءة والكتابة؛ فلا يضطر كثير من الأشخاص الثنائيي اللغة للقراءة أو الكتابة بواحدة أو أكثر من لغاتهم، ومن ثَمَّ لا تنمو لديهم هذه المهارات. وحتى إن كانت لديهم مهارات القراءة والكتابة بكل لغة، فإن مستويات الإجادة ستكون على الأرجح مختلفةً؛ لأن حاجتهم لهذه المهارات ليست واحدة في حياتهم اليومية.

إذا لم تُستخدَم إحدى اللغات للتعامل مع أحد المجالات، فلن يمتلك الثنائيو اللغة ببساطة المفردات اللغوية الخاصة بهذا المجال، ولا التنوع الأسلوبي، وأحيانًا حتى لا توجد لديهم القواعد النظرية والعملية الضرورية لهذا المجال. دَعْني أقدِّم لك مثالًا شخصيًّا: عندما عملتُ ضمن أعضاء هيئة التدريس في جامعة نورث إيسترن في بوسطن في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، درَّستُ مادة مبادئ الإحصاء، من بين مناهج أخرى؛ ومن ثَمَّ عرفتُ «لغة الإحصاء»، لكني كنت أعرفها بالإنجليزية فقط. عندما عدتُ إلى أوروبا وعرضتُ تدريس مادة الإحصاء بالفرنسية، وجدت نفسي فجأةً في مأزق؛ فلم تكن لديَّ ببساطة مفردات المادة بالفرنسية، ولم أكن أعرف كيف أعبِّر عن مفاهيم مثل «التوزيع المعياري» و«مخطط التشتت» و«اختبار الفرضية» وغيرها. كان هذا شعورًا غريبًا جدًّا؛ فأنا أجيد التحدث بالفرنسية، ومع ذلك لم أكن أعرف كيف أعبِّر عن تلك المفاهيم.

أعلم أن كثيرًا من الأشخاص الثنائيي اللغة تعرَّضوا لتجربة الاضطرار فجأةً إلى استخدام لغة لا يستخدمونها عادةً في مجال معين. يحدث عندها أمر مثير للاهتمام، لكنه يكون محبطًا في بعض الأحيان؛ فأنت تلجأ إلى تحسُّس طريقك في اللغة التي تكون جديدة في هذا المجال، وعندما لا تجد الكلمة أو التعبير المناسب، ينشأ لديك دافعٌ إلى الاقتباس من اللغة أو اللغات الأخرى التي تعرفها، وهي طريقة تنجح أحيانًا إذا كنتَ تتحدَّث مع آخَرين من الأشخاص الثنائيي اللغة الذين يشتركون معك في اللغات التي تعرفها، لكنه لا يكون مناسبًا عند الحديث مع أحاديي اللغة. لذا تستمر في المعاناة، وربما تلجأ في النهاية إلى إدخال بعض الكلمات من اللغة (أو اللغات) الأخرى على أية حال، مع ملاءمتها للسياق وشرحها، وأحيانًا تحاول ببساطة تقصيرَ الحوار. كتب أحد الأشخاص الثنائيي اللغة يقول:
عندما أضطر إلى أن أشرح بالفرنسية أي شيء عن أنشطتي المهنية أو خبرتي المدرسية السابقة في الولايات المتحدة، يصعب عليَّ للغاية عدم استخدام كلمات إنجليزية؛ لأن هذه التجارب تنتمي إلى «خلفيتي الإنجليزية»؛ فقد تعلَّمت لغة الأعمال التجارية في الولايات المتحدة، ويصعب عليَّ للغاية التعبير عن الأفكار نفسها بالفرنسية. لحسن الحظ يحدث هذا الأمر في أغلب الأوقات مع أصدقاء ثنائيي اللغة؛ ومن ثَمَّ لا يستاء أحد من التحوُّل من لغة لأخرى، أو من الخلط بين اللغتين في الحوار نفسه.3
أجرى ثلاثة من طلابي (كريستين جاسر، وروكسان جاكارد، وفانيسا سيفيدين) مقابلات مع أشخاص ثنائيي اللغة، البعض منهم في الإنجليزية والألمانية، والبعض الآخر في الفرنسية والإيطالية، بشأن المجالات التي ترتبط بلغات معينة (مثل العمل والأسرة والتسويق والهوايات).4 قبل هذه المقابلات تعلَّموا كيفية توزيع لغات المشاركين على المجالات المختلفة، وقسَّموا هذه المجالات إلى فئتين لكل لغة: مجال قوي (المجال الذي تُستخدَم فيه اللغة)، ومجال ضعيف (الذي لا تُستخدَم فيه اللغة). بعد ذلك لاحظوا طريقة حديث المشاركين عن هذه المجالات. (في هذه المقابلات، كان المشاركون يعرفون أنهم كانوا يتحدثون إلى ثنائيي اللغة مثلهم، ومن ثَمَّ كانوا يستخدمون لغتهم الأخرى عند الحاجة.) وجد الباحثون أن هؤلاء المشاركين استخدموا لغتهم الأخرى من مرتين إلى خمس مرات أكثر عند الحديث عن مجال ضعيف، مقارَنةً بمجال قوي. ففي المجال الضعيف لم يكن لديهم ببساطة المفردات التي يحتاجون إليها للحديث بهذه اللغة وحدها؛ ومن ثَمَّ كانوا يستخدمون اللغة الأخرى؛ الأقوى. يُظهِر هذا مدى صعوبة الحديث إلى شخصٍ ما باللغة «الخطأ»؛ تزداد الأمور سوءًا عندما يكون هذا الشخص أحاديَّ اللغة ولا يعرف اللغة المفضلة أكثر للمتحدث.
تُعتبَر السلوكيات المكتسبة حالات خاصة لمبدأ التكامل؛ نظرًا لسيطرة لغة واحدة على السلوك ذي الصلة على نحو شبه حصري؛ على سبيل المثال: يقوم الفرد بإجراء عمليات العد والعمليات الحسابية الأخرى عادةً باللغة التي تعلَّمَها بها. كتب لي ذات مرة شخصٌ ثلاثي اللغة في اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية قائلًا:
يوجد نوع واحد فقط من الأنشطة أستخدم فيه دومًا اللغة الفرنسية، وهو العمليات الحسابية الذهنية؛ فقد تعلمتُ علمَ الحساب بالفرنسية، وأجد أنني أتذكَّر جداول الضرب على أفضل نحوٍ بهذه اللغة، وأستمر في استخدامها لهذا الغرض.5
وقال شخص ثنائي اللغة في اللغتين الألزاسية والفرنسية:
أنا لا أعرف العد جيدًا باللغة الألزاسية؛ فيجب عليَّ التفكير في الأرقام فوق العشرين وخاصةً التواريخ.6

أنا أعرف ثنائيي اللغة يُجرون العمليات الحسابية البسيطة بإحدى اللغات، وأكثر العمليات الرياضية تقدُّمًا بلغة أخرى؛ لأنهم غيَّروا لغة تعليمهم بين الاثنتين. الصلاة أيضًا أحد المجالات المميزة التي ينطبق عليها مبدأ التكامل؛ فيستطيع معظم الأشخاص الثنائيي اللغة الصلاةَ بإحدى اللغات، لكنهم يواجهون صعوبةً بالغة في فعل ذلك باستخدام لغة أخرى؛ لأنهم ببساطة لم يتعلَّموها بهذه اللغة. يمكن أن تمثِّل أرقام الهاتف أيضًا مشكلةً؛ فعندما كنتُ أعيش في الولايات المتحدة، كنتُ أعرف رقم هاتفي باللغة الإنجليزية فقط، وكنتُ أضطر إلى خوض عملية مضنية لتحويله إلى الفرنسية عندما كنتُ أريد إعطاءه بهذه اللغة (عند الحديث بالفرنسية مع ثنائيي اللغة في اللغتين الإنجليزية والفرنسية، كنتُ ببساطة أتحوَّل إلى الإنجليزية عند إعطاء رقم هاتفي حتى لا أضطر إلى خوض مثل هذه العملية). والآن بعد عودتي إلى أوروبا، أصبح رقم هاتفي الحالي بالفرنسية في ذاكرتي ونسخته الإنجليزية ليست حاضرةً في ذهني بالقدر نفسه.

يتعلَّق تأثيرٌ آخَر لمبدأ التكامل بسيادة إحدى اللغات؛ فيُلاحَظ في مجال الثنائية اللغوية سيادة أو هيمنة إحدى اللغات لدى الأشخاص الثنائيي اللغة، بدلًا من وجود «توازن» بين لغاتهم. على الرغم من أنه من الصعب تعريف مفهوم السيادة هذا (أيْ هل تعتمد على الطلاقة فقط، أم الطلاقة والاستخدام، أم على القدرة على القراءة والكتابة أيضًا بهذه اللغة؟)، فإن معظم المتخصصين يركِّزون على الطلاقة؛ سواء أكانت الطلاقة الذاتية (التي يعبِّر عنها الأشخاص الثنائيو اللغة بأنفسهم)، أم الطلاقة الموضوعية (التي تقيِّمها أدوات التقييم).7
من أجل تقييم الطلاقة الذاتية، يحصل الثنائيو اللغة على استفتاءات عن الخلفية اللغوية، تضم مقاييس لتقييم الذات في لغتَيْهم الاثنتين أو في أكثر، ولتقييم المهارات الأربع في كل لغة (التحدث والاستماع والقراءة والكتابة).8 نجد ضمن الأدوات المستخدمة في تقييم الطلاقة الموضوعية قياساتٍ لتقييم اللغة يطبِّقها حُكَّام خارجيون (بما في ذلك تقييم النطق)، بالإضافة إلى مهام سلوكية تقيس، من بين أشياء أخرى، الوقتَ الذي يحتاجه المرء لتنفيذ أحد الأوامر، أو ذِكْر اسم صورة أو عدد، أو قراءة أحد النصوص. تحتوي هذه الأدوات أيضًا على مهام ترجمة. وبناءً على القياسات المتنوعة التي يحصل عليها القائمون على التقييم في هذا الشأن، يحدِّدون مستوى سيادة أيٍّ من لغتَي الشخص الثنائي اللغة؛ هل اللغة «أ»، أم اللغة «ب»، هي اللغة السائدة لديه، أم أنه يستخدم اللغتين بتوازُن؟
تعرَّضَتْ هذه الأساليب المتنوعة للنقد لأنها تختزل السلوك اللغوي المعقد لدى الأشخاص الثنائيي اللغة في عدد من المهام البسيطة للغاية. لا يمكن إنكار أن بعض التقييمات قد تنتج مقياسًا عامًّا للسيادة؛ فتأكِّد — على سبيل المثال — أن اللغة السائدة لدى آنا (في مثالنا) هي بالفعل اللغة الإنجليزية. في الشكل ٢-١، رأينا أنها بوجه عام أكثر طلاقةً في اللغة الإنجليزية من اللغة الإسبانية، وبالطبع أكثر طلاقةً في الإنجليزية من الإيطالية أو الفرنسية. ولاحظنا في الشكل ٣-١ أنها تستخدم اللغة الإنجليزية في مجالات أكثر من مجالات اللغة الإسبانية أو الإيطالية؛ فتستخدم اللغة الإنجليزية في تسعة من إجمالي عدد المجالات، بما في ذلك المجالات المشتركة مع لغات أخرى، مقارَنةً بستة مجالات للغة الإسبانية، ومجال واحد فقط للإيطالية. لذا تبدو آنا للوهلة الأولى ثنائيةَ اللغة «تهيمن» على حياتها اللغةُ الإنجليزية أكثر من كونها ثنائيةَ اللغة لديها «توازُن» في استخدام لغاتها. لكن المشكلة فيما يتعلق بتقييمات السيادة العامة أنها لا تضع في اعتبارها كيفية توزيع اللغات على المجالات؛ فحتى إن كانت اللغة الإنجليزية هي اللغة السائدة بالنسبة إلى آنا بوجه عام، فإننا نرى أنها تستخدم اللغة الإسبانية وحدها فقط في مجالين. فعلى الأرجح اللغة الإسبانية هي السائدة بالنسبة إليها في هذين المجالين، كما يمكن أن يظهر باستخدام أدوات التقييم الصحيحة. في الواقع أظهر بالفعل روبرت كوبر في عام ١٩٧١ أدلة على هذا الأمر؛ فقد اكتشف أن الأشخاص الثنائيي اللغة في اللغتين الإسبانية والإنجليزية حقَّقوا نتائج مختلفة تمامًا في تسمية الأشياء بناءً على نوع المجال المقتَرح، سواء أكان الأسرة أم الجيران أم المدرسة أم الدين. في بعض المجالات يمكن اعتبار استخدام اللغتين متوازنًا، لكنَّ الأمر يختلف في مجالات أخرى.9 خلاصة القول، أنه يجب ألَّا يُفاجِئ الأشخاصَ الثنائيي اللغة أنه حتى إنْ كانت لديهم بوجه عام لغةٌ معينة سائدة، فإنهم قد يشعرون أن سيادة هذه اللغة تقل، أو تنعدم، في مجال معين؛ هذا ببساطة انعكاسٌ لعمل مبدأ التكامل.

يتعلَّق آخِر تأثير لمبدأ التكامل بالترجمة، إليك المعتقد التالي الراسخ منذ وقت طويل:

خرافة: الأشخاص الثنائيو اللغة مترجمون بالفطرة

كم مرة طُرِح عليك كثنائي اللغة هذا السؤال: «حسنًا، نظرًا لأنك ثنائي اللغة في اللغتين «س» و«ص»، فهل يمكنك أن تترجم لي هذا؟» وشعرتَ بعدم القدرة على تقديم ترجمة؟ بالطبع نحاول نحن الأشخاص الثنائيي اللغة إرضاءَ مَن نتحدَّث معه (إلى أن تصبح الطلبات كثيرة أو صعبة أكثر مما ينبغي)، لكننا نضطر كثيرًا إلى شرح سبب عدم قدرتنا على إجادة هذا الأمر؛ لأننا لا نعرف كثيرًا من المفردات والتعبيرات المقابلة الخاصة بالترجمة، على سبيل المثال، أو لا نفهم جزءًا متخصِّصًا خاصًّا بمجال معين من النص. يكون دومًا الرد الذي نحصل عليه: «حسنًا، لكني كنتُ أظنك ثنائيَّ اللغة!»

يمكن تفسير افتقار ثنائيي اللغة لمهارات الترجمة من خلال مبدأ التكامل؛ فإن لم تكن لدى ثنائيي اللغة مجالاتٌ تغطِّيها لغتاهم، أو إن لم يكونوا قد اكتسبوا اللغة التي يترجمون إليها (اللغة المستهدفة) بطريقةٍ تركِّز على المفردات والتعبيرات المقابلة الخاصة بالترجمة، ومن ثَمَّ على بناء جسر بين اللغتين الأولى والثانية، فإنهم قد يجدون أنفسهم دون مصادر تمكِّنهم من إنتاج ترجمة جيدة؛ فقد يفتقرون في مجالات معينة إلى المفردات أو مجموعة التعبيرات المطلوبة. هذا بالضبط ما حدث معي عندما اضطررتُ إلى ترجمة مصطلحات إحصائية من الإنجليزية إلى الفرنسية؛ فببساطة لم أكن أعرفها. بالإضافة إلى ذلك، قد يفتقر الأشخاص الثنائيو اللغة إلى التنوع الأسلوبي في اللغة المستهدفة، أو إلى المعرفة الثقافية أو الفنية المطلوبة لفهم ما يُقال في اللغة المراد الترجمة منها. ومن ثَمَّ، على الرغم من أن الأشخاص الثنائيي اللغة يستطيعون عادةً ترجمةَ أشياء بسيطة من لغة إلى أخرى، فإنهم عادةً ما يواجهون صعوبات مع أكثر المجالات تخصُّصًا. هذا لا ينتقص أبدًا من كونهم ثنائيي اللغة، وإنما يعكس ببساطة حقيقةَ أن لغاتهم المختلفة موزَّعة على مجالات حياتهم المختلفة، وتتداخل فقط في بعضٍ منها.

يوجد تأثير آخَر أقل مباشَرةً إلى حدٍّ ما لمبدأ التكامل يتعلق بالذاكرة؛ فيبدو أن الأشخاص الثنائيي اللغة يتذكرون الأشياء على نحوٍ أفضل عندما تكون اللغة المستخدَمة في التذكُّر هي نفسها اللغة التي استخدموها في وقت وقوع هذا الحدث في مجال معين. يذكر الباحثان أولريك نايسر وفيوريكا ماريان قصتين قصيرتين كدليل على هذا عند تقديمهما دراسةً تؤكِّد هذه النقطة. قدَّمت القصة الأولى الباحثة المتعددة اللغات أنيتا بافلينكو؛ فعندما سُئلت، بالروسية، عن رقم شقتها في الولايات المتحدة، قدَّمَتْ خطأً رقمَ شقتها القديمة في وطنها الأصلي، الذي كانت تعرفه بالروسية. أما القصة الثانية فقدَّمتها إليزابيث سبلكي، التي حكَتْ أن أحد الأطفال الثنائيي اللغة تعلَّمَ أغنيةً بالفرنسية في أثناء قضائه إحدى الإجازات في فرنسا، لكنه لم يستطع تذكُّرها عند عودته إلى الولايات المتحدة. مع ذلك، عندما عاد مرةً أخرى إلى بيئةٍ تتحدَّث بالفرنسية، تذكَّرَ الأغنية دون أي عناء.10

أجرى نايسر وماريان لأجل هذه الدراسة مقابلات بالإنجليزية والروسية مع عدد من ثنائيي اللغة في هاتين اللغتين، فأعطيا المشاركين كلمات إنجليزية محفزة في الجزء الإنجليزي من الدراسة، وكلمات روسية محفزة (مقابلاتها المترجمة) في الجزء الروسي. تضمَّنَتِ الكلمات الإنجليزية، مثلًا، كلمات «صيف» و«جيران» و«عيد ميلاد» و«قطة» و«طبيب». تمثَّلت مهمة الأشخاص الثنائيي اللغة في وصف حدث من حياتهم جعلَتْه هذه الكلمةُ المحفزة يَرِدُ على أذهانهم. طلب الباحثان أيضًا من المشاركين، عقب انتهاء المقابلة، تحديدَ اللغة التي تحدَّثَ الناس إليهم بها، أو تحدثوا بها، أو أحاطت بهم في أثناء وقوع الحدث الذي تذكَّروه. إذا وقع الحدث الذي استحضرته كلمة «قطة» بالروسية، فإن الباحثَيْن كانا يعتبرانه ذكرى روسية، وإن كان بالإنجليزية، فإنهما كانا يعتبرانه ذكرى إنجليزية. اكتشف الباحثان أن المشاركين تذكروا عند الحديث معهم بالروسية ذكرياتٍ روسيةً أكثر من التي تذكَّروها عند الحديث معهم بالإنجليزية، وتذكَّروا عند الحديث معهم بالإنجليزية ذكرياتٍ إنجليزيةً أكثر من التي تذكَّروها عند الحديث معهم بالروسية. استنتج نايسر وماريان أن الأشخاص الثنائيي اللغة يزيد احتمال استرجاعهم لأحداث (ذكريات) حدثت بلغة معينة، إذا استُخدِمت هذه اللغة نفسها أيضًا في سياق الاسترجاع؛ وأطلقا على هذا «التذكُّر القائم على اللغة». من ثَمَّ، يظهر مبدأ التكامل أيضًا في عملية تذكُّر الأحداث التي تقع باللغات المختلفة للأشخاص الثنائيي اللغة، التي ترتبط عادةً — كما رأينا — بمجالات مختلفة.

إن مبدأ التكامل بالتأكيد هو أحد أكثر الجوانب انتشارًا في الثنائية اللغوية للفرد، ويشعر الأشخاص الثنائيو اللغة الذين يتحدثون لغتين أو أكثر بوجوده المستمر في حياتهم اليومية. ويمكنهم حتى التعليق بصراحة على مظاهره المختلفة، دون العثور على الكلمات الدقيقة التي تعبِّر عنها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤