الفصل الثاني

بنية المتفردات الزمكانية

آر بنروز

في المحاضرة الأولى، استعرض ستيفن هوكينج مبرهنات المتفردات. والمضمون الأساسي لهذه المبرهنات هو أنه في الظروف الفيزيائية المعقولة (العامة)، لا بد من توقُّع وجود متفردات. لكن لا تُخبرنا تلك المبرهنات أيَّ شيء عن طبيعة تلك المتفردات أو أماكن وجودها. ومن ناحيةٍ أخرى، تتسم المبرهنات بأنها عامة جدًّا. ولذلك فمن الطبيعي أن نتساءل عن الشكل الهندسي لمتفردة الزمكان. عادةً ما يُفترض أن السِّمة التي تميِّز المتفردات هي تباعُد الانحناء، لكن هذا ليس ما تعنيه بالضبط مبرهنات المتفردات بحدِّ ذاتها.

تحدُث المتفردات في الانفجار الكبير، وفي الثقوب السوداء، وفي الانسحاق العظيم (الذي يمكن النظر إليه باعتباره اتحادًّا للثقوب السوداء)، كما قد تظهر أيضًا على هيئة متفردات مجردة ظاهرة للعيان. وفي سياقٍ متصل مع هذا التساؤل، تأتي «الرقابة الكونية»؛ وهي الفرضية القائلة بأن هذه المتفردات المجردة ليس لها وجود.

ولشرح فكرة الرقابة الكونية، دعوني أسترجع معكم لمحةً من تاريخ هذا الموضوع. كان أول مثال واضح لحل معادلات أينشتاين لوصف الثقب الأسود هو سحابة الغبار المنهارة التي طرحها أوبنهايمر وسنايدر عام ١٩٣٩. توجد نقطةٌ متفردة داخل الثقب الأسود، لكن لا يمكن رؤيتها من الخارج؛ إذ يُحيط به أفق الحدث، وهذا الأفق هو السطح الذي لا يمكن للأحداث الموجودة داخله إرسال أي إشارات عبره للخارج إلى اللانهائية. كان من المُغْري الاعتقادُ بأن هذه الصورة شاملة؛ أي أنها تمثِّل الانهيار الجذبي العام. بيدَ أن نموذج أوبنهايمر وسنايدر يتميز بتناظرٍ خاص (وتحديدًا، تناظر كُروي)، وليس واضحًا إن كان بالفعل يمثِّل الانهيار الجذبي العام أم لا.

ولصعوبة حل معادلات أينشتاين بشكلٍ عام، يبحث المرء بدلًا من ذلك عن الخواص العامة التي تُشير إلى وجود المتفردات. على سبيل المثال، يتضمن نموذج أوبنهايمر-سنايدر سطحًا محصورًا، مساحته تقلُّ على طول أشعة الضوء المتعامدة عليه في الأصل (انظر الشكل ٢-١).
fig19
شكل ٢-١: نموذج أوبنهايمر-سنايدر لسحابة الغبار المنهارة، ويُظهِر سطحًا محصورًا.

قد يُحاول المرء إثبات أن وجود سطح محصور يدل على وجود متفردة (وكانت هذه أول مبرهنة للمتفردات تمكَّنت من إثباتها، على أساس افتراضات سببية معقولة، ولكن من دون افتراض وجود تناظر كروي. انظر بنروز ١٩٦٥). ويمكن للمرء أيضًا استنباط نتائج مُشابهة عن طريق افتراض وجود مخروط ضوئي تقاربي (هوكينج وبنروز ١٩٧٠؛ يحدث ذلك عندما تبدأ كلُّ أشعة الضوء، المنبعثة في اتجاهات مختلفة من نقطةٍ ما، في التقارب بعضها نحو بعض في زمنٍ لاحق).

وقد لاحظ ستيفن هوكينج مبكرًا جدًّا (١٩٦٥) أنه يمكن للمرء أيضًا أن يقلب طرحي الأصلي على مقياسٍ كوني؛ أي أن يطبِّقه على وضعٍ معكوس زمنيًّا. عندئذٍ يُشير السطح المعكوس المحصور إلى أنه كانت توجد متفردة في الماضي (ما يكوِّن افتراضاتٍ سببيةً مناسبة). والآن أصبح السطح المحصور (المعكوس زمنيًّا) كبيرًا جدًّا؛ كَوْنه بمقياسٍ كوني.

نحن مُهتمون هنا بالأساس بفهم وضع الثقب الأسود. نعرف أنه لا بد من وجود متفردة في مكانٍ ما، لكن لكي يصبح لدينا ثقبٌ أسود علينا أن نبيِّن أنه مُحاط بأفق حدث. وهذا هو بالضبط ما تؤكِّده فرضيةُ الرقابة الكونية؛ إذ تنصُّ بالأساس على أنه لا يمكننا رؤية المتفردة ذاتها من الخارج. وهي تُشير تحديدًا إلى أنه توجد منطقةٌ ما، لا يمكنها إرسال الإشارات إلى اللانهائية في الخارج. والحد المحيط بهذه المنطقة I هو أفق الحدث. يمكننا أيضًا تطبيقُ إحدى المبرهنات التي ذكرها ستيفن في محاضرته على هذا الحد، حيث إن أفق الحدث هو حدُّ ماضي اللانهائية الصفرية المستقبلية؛ ولذلك فإننا نعرف أن هذا الحد:

  • لا بد أن يكون سطحًا صفريًّا عندما يكون أملس، وتولِّده القِطع الجيوديسية الصفرية.

  • يتضمن قطعةً جيوديسية صفرية لا نهاية لها في المستقبل، تنشأ من كل نقطة لا تكون عندها ملساء.

وأن:

  • مساحة المقاطع العرضية المكانية لا يمكن أبدًا أن تقلَّ بمرور الزمن.

وقد ثبت أيضًا بالفعل أن الحدَّ المستقبلي التقاربي لهذا الزمكان هو زمكان على مترية «كير» (إزرائيل ١٩٦٧، وكارتر ١٩٧١، وروبنسون ١٩٧٥، وهوكينج ١٩٧٢). وهذه نتيجةٌ مهمة جدًّا؛ إذ إن مترية كير هي حلٌّ دقيق جدًّا ورائع لمعادلات أينشتاين للفراغ. ويرتبط ذلك أيضًا بمسألة إنتروبيا الثقوب السوداء. وسوف أرجع إلى ذلك في الواقع في محاضرتي القادمة (الفصل الرابع).

وعليه، فإن ما لدينا بالتأكيد هو تشابهٌ نوعي مع حل أوبنهايمر-سنايدر، مع بعض التعديلات، مِثل أننا ننتهي إلى حل كير بدلًا من حل شفارتسشيلد، لكنها اختلافاتٌ طفيفة. ويظل الأمر في جوهره مُتشابهًا.

لكن أساس الجدل هنا هو فرضية الرقابة الكونية. والرقابة الكونية في الواقع مهمة جدًّا؛ إذ تعتمد النظرية بالكامل عليها، ومن دونها قد نرى أشياءَ مريعة بدلًا من أن نرى ثقبًا أسود. لذلك علينا بالفعل أن نسأل أنفسنا عما إذا ما كانت صحيحة أم لا. منذ عهدٍ بعيد ظننتُ أن هذه الفرضية قد تكون خاطئة، وحاولتُ مرارًا إيجاد أمثلة مضادَّة تبيِّن عدم صحتها. (زعَم ستيفن هوكينج يومًا أن أحد أقوى إثباتات صحة فرضية الرقابة الكونية هو أنني قد فشلت في محاولة إثبات أنها خاطئة، لكنني أعتقد أن هذه حجةٌ ضعيفة!)

أودُّ مناقشة الرقابة الكونية في سياق أفكار معيَّنة متعلقة بنقاطٍ مثالية في الزمكان (وتعود هذه الأفكار إلى بحثَي: سيفرت ١٩٧١، وجيروش وكرونهيمر وبنروز ١٩٧٢). الفكرة الأساسية هي أنه علينا تضمين «نقاط متفردة» و«نقاط عند اللانهائية»، أي «النقاط المثالية»، في الزمكان. بدايةً، دعوني أشرح لكم مفهوم «مجموعة الماضي غير القابلة للتفريق»، وتُسمى اختصارًا IP. المقصود هنا ﺑ «مجموعة الماضي» هو المجموعة التي تتضمَّن ماضيها نفسه، والمقصود ﺑ «غير القابلة للتفريق» هو أنه لا يمكن فصلُها إلى مجموعتَي ماضٍ لا تحتوي أيٌّ منهما على الأخرى. توجد مبرهنة تُخبرنا بإمكانيةِ وصفِ أيٍّ من مجموعات الماضي غير القابلة للتفريق هذه بأنها ماضي منحنًى شِبه زمني ما (انظر الشكل ٢-٢).
fig20
شكل ٢-٢: مجموعات الماضي، ومجموعات الماضي «الأصلية» غير القابلة للتفريق (PIP)، ومجموعات الماضي «الأخيرة» غير القابلة للتفريق (TIP).
يوجد نوعان من مجموعات IP: مجموعة الماضي «الأصلية» غير القابلة للتفريق (وتُسمى proper IP، أو PIP اختصارًا)، وهي تمثِّل ماضي نقطة معينة في الزمكان. ومجموعة الماضي «الأخيرة» غير القابلة للتفريق، (وتُسمى terminal IP، أو TIP اختصارًا)، وهي لا تمثِّل ماضي نقطة فعلية في الزمكان، بل تمثِّل النقاط المثالية المستقبلية. علاوةً على ذلك، يمكننا تمييزُ هذا النوع الأخير (TIP) بناءً على ما إذا كانت هذه النقاط المثالية واقعة «عند اللانهائية» (حيث يوجد في هذه الحالة منحنًى شِبه زمني يولِّد مجموعة الماضي غير القابلة للتفريق ذات طول أصلي لا نهائي)، ومن ثَم تكون «TIP لا نهائية»؛ أو كانت «متفردة» (حيث يكون لكل منحنًى شِبه زمني مولِّد لها طولٌ أصلي محدود)، ومن ثَم تكون «TIP متفردة». وبالطبع يمكن تطبيق كل هذه المبادئ بالمثل على مجموعات المستقبل بدلًا من مجموعات الماضي. وفي هذه الحالة يُصبح لدينا «مجموعة المستقبل غير القابلة للتفريق» (وتُسمى اختصارًا IF)، مقسَّمة إلى مجموعة المستقبل «الأصلية» غير القابلة للتفريق (PIF)، ومجموعة المستقبل «الأخيرة» غير القابلة للتفريق (TIF)، التي تنقسم بدورها إلى «TIF لا نهائية»، و«TIF متفردة». دعوني ألفت انتباهكم أيضًا إلى أنه لكي يكون كلُّ ذلك ممكنًا، علينا افتراض أنه لا توجد منحنياتٌ شِبه زمنية مغلقة، وفي الواقع يوجد شرطٌ أضعف قليلًا: أنه لا يمكن لنقطتين أن يكون لهما نفس المستقبل ونفس الماضي.
كيف يمكننا إذن أن نَصف المتفردات المجردة وفرضية الرقابة الكونية في هذا الإطار؟ أولًا: لا ينبغي لفرضية الرقابة الكونية أن تستبعد الانفجار الكبير (وإلا سيشكِّل ذلك مشكلةً كبيرة للمتخصصين في دراسة علم الكونيات). حسنًا، الأشياء دومًا ما تخرج من الانفجار الكبير ولا تسقط نحوه أبدًا. لذلك، قد نُحاول تعريف المتفردة المجردة باعتبارها شيئًا يمكن للمنحنى شِبه الزمني الدخولُ فيه وكذلك الخروج منه؛ ومن ثَم تُحَل مشكلة الانفجار الكبير تلقائيًّا؛ إذ لا يُعتبر متفردةً مجردة ظاهرة للعيان. في هذا الإطار يمكننا تعريفُ مجموعة ماضٍ أخيرة «مجردة» غير قابلة للتفريق باعتبارها مجموعةً متضمَّنة داخل مجموعة ماضٍ أصلية غير قابلة للتفريق. وهذا بالأساس تعريفٌ منحصر في المستوى المحلي، أي إنه لا يتطلب أن يكون الراصد عند اللانهائية. ويتَّضح أن استبعاد مجموعة الماضي الأخيرة المجردة (بنروز ١٩٧٩) سيؤدي إلى نفس الوضع في الزمكان لو استبدلنا «الماضي» ﺑ «المستقبل» في هذا التعريف (أي استبعاد مجموعة المستقبل الأخيرة المجردة غير القابلة للتفريق). والفرضية القائلة بأن مجموعة الماضي الأخيرة المجردة هذه (أو على نحوٍ مُكافئ، مجموعة المستقبل) لا تظهر في الزمكان العام تُسمى فرضية «الرقابة الكونية القوية». ومعناها البديهي هو أن النقطة المتفردة (أو نقطة اللانهائية) — وهي مجموعة الماضي الأخيرة غير القابلة للتفريق التي نتحدث عنها — لا يمكن ببساطةٍ أن «تظهر» فحسب وسط زمان مكاني بحيث تكون «مرئية» من نقطة محدودة ما، التي هي ذروة مجموعة الماضي الأصلية غير القابلة للتفريق والتي نبحث عنها. من المنطقي أنه ليس على الراصد أن يكون عند اللانهائية؛ لأنه في زمانٍ مكاني معيَّن قد لا نعرف ما إذا كان يوجد لا نهائية فعليًّا أم لا. بالإضافة إلى ذلك، إذا حدث خرقٌ لفرضية الرقابة الكونية القوية، يمكننا، في زمنٍ محدود، أن نرصد جُسيمًا يسقط بالفعل في متفردة، حيث لا تكون قوانين الفيزياء قائمةً (أو بدلًا من ذلك يصل إلى اللانهائية، وهو أمرٌ يكاد يكون بنفس الدرجة من السوء). يمكننا أيضًا التعبير عن فرضية «الرقابة الكونية الضعيفة» بهذا الأسلوب: كلُّ ما علينا فعله هو أن نستبدل مجموعة الماضي الأصلية غير القابلة للتفريق PIP بمجموعة الماضي الأخيرة غير القابلة للتفريق «TIP اللانهائية».

تنطوي فرضية الرقابة الكونية القوية على أن الزمكان العام الذي يحتوي على المادة، ويخضع لمعادلات الحالة المنطقية (الفراغ، على سبيل المثال)، يمكن أن يتضمن أيضًا زمكانًا خاليًا من المتفردات المجردة (مجموعات الماضي الأخيرة غير القابلة للتفريق، المتفردة المجردة). يتضح أن استبعاد مجموعات الماضي الأخيرة المجردة تلك يُكافئ الزائدية العامة (بنروز ١٩٧٩)، أو أن الزمكان هو كامل مجال اعتمادية سطح «كوشي» (جيروش ١٩٧٠). وتجدر الإشارة هنا إلى أن صياغة الرقابة الكونية القوية بهذا الشكل مُتناظرة بوضوح في الزمن: يمكننا التبديل ما بين المستقبل والماضي لو بدَّلنا ما بين مجموعات الماضي غير القابلة للتفريق ومجموعات المستقبل.

عمومًا، نحتاج إلى شروطٍ إضافية لاستبعاد «الصواعق»؛ وما نعنيه بالصواعق هو متفردات تصل إلى اللانهائية الصفرية مُدمِّرةً الزمكان في طريقها (قارِن بشكل ٧، بنروز ١٩٧٨). ولا ينتهك ذلك الرقابة الكونية كما ذُكِر؛ إذ توجد أشكالٌ أقوى من الرقابة الكونية تتولى ذلك (بنروز ١٩٧٨، الشرط CC4).

دعونا إذن نرجع إلى السؤال حول ما إذا كانت الرقابة الكونية حقيقيةً أم لا. بدايةً، دعونا نُشِرْ إلى أنها في الغالب ليست حقيقيةً في الجاذبية الكمية. تحديدًا، تؤدي الثقوب السوداء المتفجِّرة (التي سيشرحها ستيفن هوكينج باستفاضة لاحقًا) إلى أوضاع فيها — على ما يبدو — خرقٌ للرقابة الكونية.

في النسبية العامة الكلاسيكية، ثَمة نتائج متنوعة في الاتجاهين. في إحدى محاولاتي لدحض الرقابة الكونية، استنبطتُ بعض التباينات التي يمكن أن تتحقق إذا ما كانت الرقابة الكونية حقيقيةً (بنروز ١٩٧٣). وقد ظهر أنها بالفعل حقيقية (جيبونز ١٩٧٢). ويبدو أن هذا يدعم الفكرة القائلة بأن شيئًا مِثل الرقابة الكونية ينبغي أن يتحقق. على الجانب السلبي توجد بعضُ الأمثلة الخاصة (التي تخرق شرطَ العمومية)، وبعض البراهين الرقمية السطحية التي تُواجَه بالعديد من الانتقادات. إلى جانب ذلك، توجد بعض المؤشرات التي وصلت إلى علمي مؤخرًا — في الواقع ذكرها لي جاري هورُويتز بالأمس فقط — على أن بعض التباينات التي ذكرتها للتوِّ لا تتحقق إذا كانت قيمة الثابت الكوني موجبةً. ودائمًا ما اعتقدتُ أنا شخصيًّا أن قيمة الثابت الكوني ينبغي أن تكون صفرًا، لكن سيكون من المُثير للاهتمام جدًّا لو وجدنا أن الرقابة الكونية تعتمد على كَوْنه، مثلًا، غير موجب. تحديدًا، قد تكون ثَمة علاقةٌ مُثيرة بين طبيعة المتفردات وطبيعة اللانهائية. تكون اللانهائية شِبه مكانية إذا كانت قيمة الثابت الكوني موجبة، وصفرية إذا كانت قيمته صفرًا. في المقابل نجد أحيانًا أن المتفردات شِبه زمنية (وهو ما يعني أنها مجردة؛ أي أنها تخرق شرط الرقابة الكونية)، إذا كانت قيمة الثابت الكوني موجبة، لكن ربما لا يمكن للمتفردات أن تكون شِبه زمنية (أي تحقق شرط الرقابة الكونية) إذا كانت قيمة الثابت صفرًا.

ولكي نُناقش طبيعة المتفردات شِبه الزمنية وشِبه المكانية، دعوني أشرح لكم العلاقات السببية بين مجموعات الماضي غير القابلة للتفريق. بتعميم السببية بين النقاط، يمكننا القول إن مجموعة الماضي غير القابلة للتفريق تسبق المجموعة سببيًّا، إذا كانت ، و تسبق في التسلسل الزمني إذا كانت توجد نقطةٌ ما من نوع مجموعات الماضي الأصلية غير القابلة للتفريق، بحيث إن . ونقول إن و منفصلتان على نحوٍ شِبه مكاني إذا لم تكن إحداهما تسبق الأخرى سببيًّا (انظر الشكل ٢-٣).
fig21
شكل ٢-٣: العلاقات السببية بين مجموعات الماضي غير القابلة للتفريق: (أ) يسبق سببيًّا. (ب) يسبق في التسلسل الزمني. (ﺟ) و منفصلان على نحوٍ شِبه مكاني.
ومن ثَم يمكن التعبير عن الرقابة الكونية القوية بالقول إن المتفردات العامة لا تكون شِبه زمنية أبدًا. يمكن للمتفردات شبه الزمنية (أو الصفرية) أن تكون من النوع الماضي أو المستقبلي؛ ولذلك فإنه لو تحقَّق شرط الرقابة الكونية القوية، فتُصنَّف حينها المتفردات إلى فئتَين:
  • (P) النوع الماضي، وتحدِّده مجموعات المستقبل الأخيرة غير القابلة للتفريق.
  • (F) النوع المستقبلي، وتحدِّده مجموعات الماضي الأخيرة غير القابلة للتفريق.
وبإمكان المتفردات المجردة الظاهرة للعيان دمجُ الاحتمالين معًا في احتمالٍ واحد؛ إذ إن المتفردة المجردة يمكن أن تكون مجموعة ماضٍ أخيرة غير قابلة للتفريق ومجموعة مستقبل أيضًا في آنٍ واحد؛ لذلك فإن انفصال هاتين الفئتين هو في الحقيقة نتاج الرقابة الكونية. ومن الأمثلة النمطية على الفئة F المتفردات في الثقوب السوداء والانسحاق العظيم (إن وُجد) وعلى الفئة P الانفجار الكبير، وربما الثقوب البيضاء (إن كان لها وجود). وفي الواقع، لا أعتقد أن الانسحاق سيحدث (وذلك لأسبابٍ فكرية سأتطرَّق إليها في محاضرتي الأخيرة)، كما أن وجود الثقوب البيضاء أبعد احتمالًا بكثير بسبب عدم خضوعها للقانون الثاني للديناميكا الحرارية.
ربما أن كلا نوعَي المتفردات يحقِّقان قوانينَ مختلفة تمامًا. وربما لا بد لقوانين الجاذبية الكمية لكلٍّ منهما أن تكون مختلفة تمامًا. أظن أن ستيفن هوكينج يختلف معي في تلك النقطة (ستيفن: «نعم!»)، لكنني أرى أن ما يأتي يُثبت صحة هذا الطرح:
  • (١)

    القانون الثاني للديناميكا الحرارية.

  • (٢)
    مشاهدات المراحل الأولى من عمر الكون (ومثال على ذلك مشاهدات «مستكشف الخلفية الكونية» COBE)، التي تُشير إلى أنه كان منتظمًا تمامًا.
  • (٣)

    وجود الثقوب السوداء (المرصودة افتراضيًّا).

fig22
شكل ٢-٤: التأثير التسارعي لانحناء الزمكان: (أ) التشوه المدِّي بفعل انحناء فايل. (ب) انخفاض الحجم بفعل انحناء ريتشي.
استنادًا إلى النقطتين (١) و(٢)، يمكن القول بأن متفردة الانفجار الكبير كانت منتظمة للغاية، ومن النقطة (١) يمكننا القول بأنها خالية من الثقوب البيضاء (حيث إن الثقوب البيضاء تخرق بشدةٍ القانون الثاني للديناميكا الحرارية)؛ ومن ثَم فإنه لا بد أن تخضع متفردات الثقوب السوداء (٣) لقوانين مختلفة جدًّا. ولوصف هذا الاختلاف على نحوٍ أكثر دقة، تذكَّر أن انحناء الزمكان يصفه موتِّر ريمان ، الذي هو مجموع موتِّر فايل (الذي يصف التشوه المدِّي، وهو يحفظ الحجم ويُبقيه في الرتبة الأولى)، وجزء مُكافئ لموتِّر ريتشي (مضروبًا في العنصر المتري ، وأسسه مشفرة على نحوٍ مناسب)، وهو يصف التشوهات التي تقلِّل الحجم (انظر الشكل ٢-٤).
في النماذج الكونية القياسية (التي أتى بها فريدمان، ولومِتر، وروبرتسون، ووكَر. انظر على سبيل المثال بحث ريندلر ١٩٧٧)، يظهر أن الانفجار الكبير به موتِّر فايل المندثر. (وتوجد أيضًا فكرة مضادَّة لذلك، أثبتها آر بي إيه سي نيومان، تقول إن الكون الذي يحتوي على متفردةٍ أولية من نوعٍ منتظم تمامًا، وموتِّر فايل المندثر، لا بد أن يكون كونًا خاضعًا لمترية فريدمان-لومِتر-روبرتسون-ووكر، في حال تحققِ معادلات الحالة المُلائمة. انظر نيومان ١٩٩٣.) على الجانب الآخر، لمتفردات الثقوب السوداء والبيضاء (في الحالة العامة) موتِّر فايل متباعد. ويشير هذا إلى الآتي:

فرضية انحناء فايل

  • المتفردات من النوع الأوَّلي (P) مقيَّدة بأن يكون لها موتِّر فايل المندثر.
  • المتفردات من النوع النهائي (F) ليست مقيَّدة.
fig23
شكل ٢-٥: فرضية انحناء فايل: المتفردات الأولية (الانفجار الكبير) مقيَّدة بأن يكون لها انحناء فايل المندثر، بينما في المتفردات النهائية فمن المتوقَّع لانحناء فايل أن يكون متباعدًا.
ويتفق ذلك كثيرًا مع ما يمكننا ملاحظته؛ فلو كان الكون مغلقًا لكان موتِّر فايل للمتفردة النهائية (الانسحاق العظيم) متباعدًا، وفي الكون المفتوح يكون للثقوب السوداء المتكوِّنة موتِّر فايل متباعدًا أيضًا (انظر الشكل ٢-٥).

وما يدعم هذه الفرضية أكثر هو حقيقة أن شرط الكون الأولي كان أملسَ بدرجةٍ كبيرة وخاليًا من الثقوب البيضاء يُقلل فضاء الطور في المراحل الأولى من عمر الكون بمُعامل يُقدَّر على الأقل بما يأتي:

(هذا الرقم هو حجم فضاء الطور المسموح لثقبٍ أسود مكوَّن من باريون، بناءً على صيغة بيكينشتاين-هوكينج لإنتروبيا الثقوب السوداء — بيكينشتاين ١٩٧٢، هوكينج ١٩٧٥ — ويحتوي الكون على نفس القدر من المادة، على الأقل.)

إذن، لا بد من وجود قانون يفرض حدوثَ هذه النتيجة غير المرجَّحة! وعلى فرضية انحناء فايل أن تقدِّم لنا قانونًا من هذا القبيل.

أسئلة وأجوبة

  • سؤال: هل تعتقد أن الجاذبية الكمية تستبعد المتفردات؟
  • جواب: لا أعتقد أن الأمر هكذا بالضبط؛ فلو كان كذلك لكان الانفجار الكبير قد أتى نتيجة مرحلة انهيار سابقة. وعلينا حينها أن نتساءل كيف لهذه المرحلة السابقة أن يكون لها مستوى إنتروبيا منخفض إلى هذا الحد. من شأن هذه الصورة أن تمحوَ فرصتنا الفُضْلى لتفسير القانون الثاني. إضافةً لذلك، لا بد في هذه الحالة أن تكون متفردات الأكوان المنهارة والمتمددة مرتبطةً بعضها ببعض بشكلٍ ما، لكن يبدو أن لها أشكالًا هندسية مختلفة تمامًا. إن وجود نظرية حقيقية للجاذبية الكمية ينبغي أن يستبدل مفهومنا الحالي حول الزمكان عند المتفردة، ومن شأنه أن يمنحنا طريقةً واضحة ونهائية للتحدث عما نسمِّيه المتفردة في النظرية الكلاسيكية. لا يُفترض أن يكون ببساطة زمكانًا غير متفرد، بل شيئًا مختلفًا كليًّا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١