الفصل الثالث

تقنية النار

الطهي والعري والسهر

بروميثيوس … صعد إلى السماء، وأضاء شعلته من عربة الشمس، وهبط بالنار إلى الإنسان. وبهذه الهبة صار الإنسان أكثر من ند لكل الحيوانات الأخرى.

توماس بولفينش، «قصص الآلهة والأبطال»

في عصر يوم سبت في شهر نوفمبر من عام ١٩٢٤م، كان البروفيسور ريموند دارت يرتدي ملابسه من أجل حفل زفاف حين وصله صندوقان يحتويان على بعض الحفريات من مَحجر حجر جيري وهو في منزله في جوهانسبرج، في جنوب أفريقيا. حين فتح الصندوق الأول لم يرَ شيئًا أثار كثيرًا اهتمامه، لكن عندما فتح الصندوق الثاني «سرت في بدني رجفة الإثارة»، كما قال لاحقًا. دارت الذي لم يكن يتجاوز عمره حينذاك الثانية والثلاثين، كان أسترالي الأصل، درس التشريح في أستراليا وإنجلترا، ثم أُرسل إلى جامعة ويتووترزراند الناشئة في جوهانسبرج ليُنشئ قسمًا للتشريح ذا مصداقية هناك. وفي وقتٍ سابق من ذاك العام كان قد سمع عن العثور على حفريات جماجم لقردة البابون في محجر حجر جيري في قرية تونج النائية، وطلب أن تُرسَل إليه مباشرةً أي حفريات جديدة.

ضمَّت محتويات الصندوق الثاني قالبًا داخليًّا؛ نموذجًا طبق الأصل لتجويف جمجمة، تكوَّن حين حلَّ الحجر الجيري محلَّ أنسجة المخ الرقيقة تدريجيًّا، ما يُعَد شِبه استنساخ لشكل المخ الأصلي لكائن قديم. ويستأنف ريموند كلامه فيقول: «عرفتُ من أول وهلة أن ما في يدي ليس مخًّا عاديًّا لأحد أشباه الإنسان؛ فقد كان نسخة لمخٍّ يُعادل ثلاثة أضعاف مخ البابون وأكبر كثيرًا من مخ الشمبانزي البالغ.» لكن أين كان باقي الجمجة القديمة؟ أين كان الوجه الذي يُكمِل هذا المخ؟ بحث دارت بحماسة في الصندوقين، وسريعًا ما وجد كتلةً كبيرةً من الحجر ذات تجويف على شكل وعاء. وكان القالب الداخلي مُلائمًا تمامًا للتجويف. لا شك أن وجه هذا الكائن كان في مكانٍ ما في الحجر.

قال البروفسير دارت: «وقفتُ في الظل حاملًا المخ في حرص كما يحمل أي رجل شحيح كنزَه، وذهني يسبق الأحداث؛ فقد كنتُ متأكدًا أن ذلك كان أحد أهم الاكتشافات في تاريخ علم الإنسان.» لكن حينذاك شعر دارت بمَن يشدُّ كمَّه. كان العريس يرجوه أن ينتهي من ارتداء ملابسه؛ فقد كان يترقَّب وصول سيارة العُرس في أي لحظة. على مضضٍ أعاد دارت الصخور في الصندوقين، واضعًا القالب الداخلي والصخرة الكبيرة ذات التجويف الذي على شكل قصعة جانبًا، وأوصد الباب على كنزه النفيس في الخزانة.

ظلَّ دارت لأسابيع يكشط كتل الحجر الكبيرة بحرص، واثقًا أن وجه هذا الكائن الكبير المخ كان مطمورًا فيه. واستخدم إبر حياكة زوجته المشحوذة لانتزاع الحجر الجيري الطري من الجمجمة التي بداخله. وأخيرًا قبل الكريسماس بيومين، أمكن بوضوحٍ تمييز وجه طفل أحد أشباه البشر القدامى وهو يتجلَّى في الصخر شيئًا فشيئًا. وقد كتب دارت قائلًا: «أشك أن يكون أيُّ أب قد تملَّكه زهوٌ بابنه أكثر مما تملَّكني الزهو بطفل تونج في عيد الميلاد لعام ١٩٢٤م» (انظر شكل ٣-١).
fig8
شكل ٣-١: البروفيسور ريموند دارت معه «طفل تونج». أول حفرية يُعثر عليها للأوسترالوبيثيكوس على الإطلاق. (المصدر: ويكيميديا كومونز.)

أطلق دارت على اكتشافه اسم أوسترالوبيثيكوس أفريكانوس أو «قرد أفريقيا الجنوبي»، وقد ظلَّ اسمه دون أن يتغيَّر في دراسات الحفريات البشرية منذ ذلك الحين. ولم يكن «طفل تونج» أول أشباه البشر القدامى الذين حدَّد العلم هويتهم فحسب، لكنه كذلك أعطى أول دليل مادي على أن البشرية لم تنشأ في أوروبا أو آسيا — وهو ما كان نظريةً رائجة في الدوائر العلمية في ذلك الوقت — وإنما في أفريقيا، كما تكهَّن تشارلز داروين قبل ذلك بأكثر من خمسين عامًا في كتابه «أصل الإنسان».

نشر دارت اكتشافاته في مقال يُعَد الآن عملًا كلاسيكيًّا في الدورية العلمية البريطانية «نيتشر» في فبراير عام ١٩٢٥م، حيث ذكر ملاحظةً تشريحية مهمَّة؛ فقد أشار إلى أن الثقبة العظمى — نقطة اتصال الجمجمة بالعمود الفقري — موجودة أسفل جمجمة تونج، كما هو الحال في البشر الذين يسيرون على قدمين، لا خلفها، كما لدى القردة ذوات الأربع. اعتقد دارت أن وضع الثقبة العظمى أثبت أن طفل تونج كان يقف ويسير منتصبًا، لكن اعتقاد دارت بأن الأوسترالوبيثيكوس كان نوعًا قديمًا جدًّا من أشباه البشر الأوائل رفضته المراجع العلمية في أوروبا، التي استنتجت أن حفريات دارت كانت في الأرجح بقايا غريبة لقرد مُنقرض.

كان لدى علماء الحفريات في ذلك الوقت اعتقادٌ راسخ أن أسلاف بشر ما قبل التاريخ صار لديهم أدمغة كبيرة أولًا، ولم يفقدوا سماتهم المشابهة للقردة إلا لاحقًا، ربما بسبب ذكائهم المتزايد. وقد تعزَّزت هذه النظرية بدرجةٍ كبيرة عام ١٩١٢م، حين أعلن تشارلز داوسون، عالم آثار هاوٍ، عن عثور عامل في مقلع في بيلتداون في إنجلترا على بقايا فرد بوجهٍ شبيه بالقردة ودماغ كبير. وسرعان ما أشاد الكثيرون في المجتمع العلمي ﺑ «إنسان بيلتداون»، بوجهه الشبيه بوجه القرد ودماغه الشبيه بدماغ الإنسان، باعتباره «الحلقة المفقودة» بين البشر والقِرَدة، في حين لم يُناسب توقعات العلماء اكتشاف دارت لطفل تونج بوجهه الشبيه بوجه الإنسان ودماغه الشبيه بدماغ القردة.

لكن مما أحرج كثيرًا العلماء الذين اقتنعوا باكتشاف داوسون باعتباره الحلقة المفقودة الحقيقية، افتضاح إنسان بيلتداون في النهاية واكتشاف أنه خدعة، لكن ليس قبل عام ١٩٤٣م؛ أي بعد أربعين عامًا من «اكتشافه»؛ فقد تبيَّن أن إنسان بيلتداون كان تلفيقًا متعمدًا تكوَّن من جمجمة بشرية من العصور الوسطى، وفك إنسان غاب قديم، وبعض من أسنان الشمبانزي. كلها صُبغت عن قصد لتبدو أثرية. وقد مات تشارلز داوسون عام ١٩١٦م، وحتى هذا اليوم لم تُحدد هوية مدبِّر خدعة بيلتداون عن يقين.

عندما أصاب الإحباط البروفيسور دارت من الاستقبال الفاتر الذي لاقاه اكتشافه من علماء الحفريات الأوروبيين، أعرض عن أبحاثه عن عصور ما قبل التاريخ للبشر طوال العشرين سنةً التالية، وركَّز اهتمامه على مهمَّته الأصلية، وهي إنشاء قسم تشريح في جامعة ويتووترزراند، لكنه ظلَّ يتمتَّع بدعم علماء الحفريات في وطنه، وظل طلابه وزملاؤه يستخرجون مجموعة متزايدة من البقايا الحفرية القديمة من عدد من المواقع التي تعود لما قبل التاريخ في جنوب أفريقيا.

خلال الوقت الذي نشر فيه دارت دراسة «طفل تونج»، أرسل له معلمٌ مدرسي محلي موادَّ حفرية اكتُشفت في ماكابانسجات، وهو موقع محجر حجر جيري آخر في جنوب أفريقيا. هذا المحجر، الواقع في منطقة تكثُر فيها الكهوف القديمة، اكتُشفت فيه على مدار السنوات كميةٌ وفيرة من الحفريات البشرية التي تعود لعصر ما قبل التاريخ. وأخيرًا، في نهاية الحرب العالمية الثانية، تشجَّع دارت بفضل تزايد الاقتناع بالأوسترالوبيثيكوس أفريكانوس وتنامي كم الأدلة الداعمة التي كان زملاؤه يستخرجونها من الأرض، وعاد إلى المجال عام ١٩٤٧م ليبدأ سلسلةً طويلة من عمليات التنقيب في كهوف ماكابانسجات. وقادته العظام المُسودَّة العديدة التي وجدها هناك إلى استنتاجٍ مفاده أن أشباه البشر الأوائل الذين كانوا يعيشون في ماكابانسجات كانوا يُشعلون النيران ويشوون لحم فرائسهم من أكثر من مليونَي عام. وسمَّى حفريات أشباه البشر القديمة في ماكابانسجات أوسترالوبيثيكوس بروميثيوس (القرد الجنوبي الذي روَّض النار).

لكن مُنِي دارت بخيبة أمل أخرى؛ فقد كشف التحليل الكيميائي أن عظام ماكابانسجات لم تسودَّ بالنار، وإنما بالأثر الكيميائي لثاني أكسيد المنجنيز الذي تسرَّب للرواسب. كذلك أُثبت أن حفرية دارت، أوسترالوبيثيكوس بروميثيوس، ليست نوعًا جديدًا على الإطلاق، وإنما بقايا حفرية لأفراد من نوع أوسترالوبيثيكوس أفريكانوس؛ أي أعضاء من النوع نفسه الذي ينتمي إليه طفل تونج. مع هذا التطور في الأحداث، ألقى الشك بظلاله على القِدم الحقيقي لأول استخدام لأشباه البشر للنار، وظلَّت مسألة كيف ومتى استخدم أشباه البشر النار لأول مرة — أحد أقدم المسائل المُثيرة للخلاف في علم حفريات البشر — بلا حل لعقود.

بيد أنه ثبت في النهاية أن استنتاج دارت أقرب إلى الحقيقة مما بدا في البداية؛ ففي عام ١٩٨٩م نشر تشارلز كيه برين وأندرو سيلَن، اختصاصيَّا علم حفريات من جنوب أفريقيا، نتائج دراسة مستفيضة عن عظام كهف سوارتكرانس، الواقع على بُعد ١٥٠ ميلًا جنوب شرق ماكابانسجات، أثبتت بشكلٍ قاطع أن عظام حيوانات الصيد كانت تُحرق مرارًا وتكرارًا في نيران المخيَّمات قديمًا جدًّا منذ مليون عام ونصف.1 ورغم أنه يبدو محتملًا أن الإنسان الناشئ المنتصب القامة هو من كان يُشعل نيران هذه المخيَّمات، فإن حفريات أشباه البشر الوحيدة التي عُثر عليها حتى الآن في الطبقة الجيولوجية نفسها لهذه العظام المُحترِقة هي حفريات نوع من فصيلة أشباه البشر الأوائل، بارانثروبوس روبستوس، وهو من الأقرباء الذين لا يبعُدون كثيرًا عن اكتشاف دارت المميَّز، من أشباه البشر الأوائل، الأوسترالوبيثيكوس أفريكانوس.
على مدار السنين ظلَّت تقديرات علماء الحفريات بشأن التوقيت الذي بدأ فيه أسلافنا أشباه البشر في استخدام النار والسيطرة عليها مُتفاوتة؛ فقد ذهب البعض إلى أن السيطرة على النار واستخدامها كجانبٍ دائم من حياة البشر لم يبدآ قبل ١٣٠ ألف عام، في حين افترض آخرون أن أوائل أشباه البشر بدءوا استخدام النار منذ سبعة ملايين سنة.2 وفي هذا فارقٌ قدره خمسون ضعفًا في العمر المقدَّر لاستخدام النار، وهو فارق مُذهِل.

لكن في السنوات الأخيرة تراكمت الأدلة التي تُشير إلى أن الإنسان المنتصب القامة استخدم النار منذ مليون عام ونصف على الأقل، وقد عُثر حديثًا على آثار لإشعال النار مُرافقة لبقايا إنسان منتصب القامة في موقعَي كوبي فورا وتشيزووانجا في شرق أفريقيا، وفي كهف واندرويرك في جنوب أفريقيا. هكذا يبدو الآن مؤكدًا أن تقنية النار قد بدأت في وقتٍ ما بين مليونَي سنة و١٫٧٥ مليون سنة مضت، حين وجد جنس الأوسترالوبيثيكوس وأشباه البشر الأوائل الآخرون، الذين ظلُّوا يعيشون في أفريقيا طوال ثلاثة ملايين عام على الأقل، أنفسهم في منافَسة مع أشباه بشر أكثر تقدمًا؛ البشر الناشئين، البشر المنتصبي القامة.

أشباه البشر الأوائل والبشر الناشئون

ربما تتذكرون أن لوسي، من جنس الأوسترالوبيثيكوس، وكذلك أشباه البشر الأوائل الذين ظهروا لأول مرة منذ أكثر من أربعة ملايين عام، كانوا صغار الحجم مقارنةً بنا؛ فقد كان طولهم يتراوح بين ثلاث أقدام ونصف وأربع أقدام، ووزنهم يتراوح بين خمسة وسبعين وخمسة وتسعين رطلًا. ورغم أنهم كانوا يسيرون ويركضون منتصبي القامة تمامًا على ساقين، فقد كانت أجسامهم من عدة نواحٍ مُماثلةً لقردة ما قبل التاريخ التي انحدروا منها؛ فكانت أذرعهم طويلة، وعظام أصابعهم مقوَّسة، وأصابع أقدامهم طويلة، وجذوعهم على شكل كُمثرى، وأكتفاهم ضيقة، وخصورهم ممتلئة، وأردافهم عريضة ومتباعدة، وهذا يدل في مجمله على أنهم ظلوا يقضون جزءًا كبيرًا من حياتهم على الأشجار.

مناطق السافانا في أفريقيا ما قبل التاريخ التي ازدهر فيها أشباه البشر القدامى هؤلاء كان يسكنها عدد من الضواري الكبيرة والخطيرة — من بينها النمور والفهود والأسود والضباع — التي كانت تستطيع بسهولةٍ افتراس العُزَّل من الكائنات التي تمشي على ساقين، إلا أنه — كما جادلت في الفصل السابق — لا بد أن أشباه البشر الأوائل كانوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم وأبنائهم ضد مثل تلك الضواري أثناء النهار، مُتسلحين بالرماح وغيرها من الأسلحة المصنوعة، وهو ما يُثبته بما لا يدع مجالًا للشك تاريخُهم الطويل في البقاء على قيد الحياة.

لكن حتى مع تسلحهم بأسلحةٍ فتَّاكة، كان أشباه البشر الأوائل هؤلاء يُصبحون معرَّضين بشدة للخطر أثناء الليل، حين تكون القطط الكبيرة بقدرتها الفائقة على الإبصار ليلًا وحاسة الشم الحادة قادرة على الدنوِّ منهم في الظلام والهجوم عليهم قبل أن يتبيَّنوها. في الواقع أعطى العديد من الكهوف الأفريقية — التي تعود لفترةٍ تتراوح بين أربعة ملايين ومليونَي سنة مضت، والتي أُجريت فيها عمليات تنقيب — دلائلَ واضحة على أن الأسود والنمور التي كانت تعيش في هذه الكهوف كانت تقتل أشباه البشر الأوائل وتلتهمهم بصفةٍ منتظمة.

وحيث إن أشباه البشر الأوائل صنعوا الأدوات والأسلحة وقتلوا الحيوانات وأكلوا اللحم وتكيَّفوا بوضوح على السير والعَدْو على أرض مُنبسطة، فالتفسير الأرجح لبقاء سماتهم المتعددة الشبيهة بالقرود هو أنهم كانوا بحاجة للجوء للأمان على الأشجار في الليل كأفضل وسيلة دفاع ضد الضواري الكبيرة والخطيرة التي كانت تسكن أفريقيا ما قبل التاريخ.3 لكن بدءًا من مليونَي عام تقريبًا، بدأ يظهر في سجل الحفريات أشباه بشر أحدث وأضخم وأكثر تقدمًا، وهم البشر الناشئون، وهذه المخلوقات هي التي سدَّت الفجوة بين أشباه البشر الأوائل مثل الأوسترالوبيثيكوس والإنسان الحديث ذي الدماغ الكبير مثل النياندرتال وأنفسنا.
لقد استُخرجت العديد من البقايا الحفرية لبشرٍ ناشئين في عدة مواقع أثرية مختلفة في أنحاء أفريقيا وأوراسيا، ونزع اختصاصيو علم الحفريات الذين استخرجوا هذه البقايا إلى تصنيف اكتشافاتهم المتعدِّدة في أنواعٍ مُتعدِّدة مُتمايزة من جنس الهومو، لكن بعضًا من هذه الأنواع لا يُمثلها إلا بقايا مُتشظية جدًّا، والعديد منها مشابه جدًّا بعضه لبعض، حتى إنه من المشكوك فيه أنها تُمثل أنواعًا مُتمايزة من الأساس.4 رغم أن ثَمة جدلًا كبيرًا حول ما يُمثل حقًّا أنواعًا مُتمايزة من هذه الاكتشافات، ثَمة اتفاقٌ عام على أن تشريح البشر الناشئين — وإن كانوا بدائيين بمعاييرنا — كان مُشابهًا للغاية لتشريح إنسان العصر الحديث، حتى إنهم لا بد أن ينضمُّوا جميعًا للجنس هومو، الذي ينتمي إليه كل بشر العصر الحديث.

أقدمُ هؤلاء البشر الناشئين كان نوعين، الهومو هابيليس والهومو إرجاستر اللذين ظهرا في شرق أفريقيا، بينما كان أشباه البشر الأوائل مثل الأوسترالوبيثيكوس لا يزالون يُمثلون الكائنات التي تسير على قدمَين السائدة في تلك المنطقة. يظهر الهومو هابيليس (الإنسان «البارع» أو «الماهر») لأول مرة في سجلِّ الحفريات قبل مليونَي وثلاثمائة ألف عام تقريبًا؛ أي قبل أن ينقرض أشباه البشر الأوائل بفترة كبيرة. وكان لهذا النوع أصغر دماغ بين البشر الناشئين؛ إذ كان يتراوح في المتوسط بين ٥٠٠ إلى ٦٠٠ سنتيمتر مكعب، وإن كان أكبر من أدمغة أشباه البشر الأوائل، الذي تراوَح متوسط أدمغتهم بين ٤٠٠ و٥٠٠ سنتيمتر مكعب. كذلك احتفظ الهومو هابيليس بكل من الجذع الذي على شكل الكمثرى وقامة أشباه البشر الأوائل الشديدة الضآلة، رغم أنه صنع أدواتٍ حجريةً تفوق تلك التي صنعها أشباه البشر الأوائل. شملت هذه الأدوات «مِطرقة» يدوية؛ حجر مُستدير في حجم قبضة اليد كان يُستخدم في تكسير عظام فرائسه، وربما كان يُستخدم أيضًا في «تطرية» اللحم الطازج بطحنه ليجعله أسهل هضمًا.

ظهر الهومو إرجاستر (الإنسان العامل) لاحقًا بعض الشيء، منذ مليون وثمانمائة ألف عام، وكان أول أشباه البشر الذين صنعوا المطارق اليدوية «الأشولية» التي شكَّلت مستوًى أعلى من الحِرفية في الصناعة عن أدوات أولدوان البدائية التي كان يصنعها أشباه البشر القدامى. يُمثل دماغ الهومو إرجاستر زيادةً كبيرة في الحجم عن أنواع أشباه البشر الذين سبقوه؛ إذ بلغ حجمه في المتوسط نحو ٨٥٠ سنتيمترًا مكعَّبًا. كذلك كان الهومو إرجاستر أطول كثيرًا من الهومو هابيليس، بصدرٍ برميلي الشكل وخصرٍ نحيل مِثلما الحال في الإنسان الحديث. ولا يزال علماء الحفريات غير متأكدين إن كان الهومو إرجاستر حقًّا نوعًا متفردًا أم مجرد شكل مبكِّر من ذلك الإنسان الناشئ الشهير؛ الإنسان المنتصب القامة.

أهم نوع بين البشر الناشئين — الذي لا يُشَك أنه كان نوعًا مستقلًّا — كان الهومو إريكتوس (الإنسان المنتصب)، الذي وُجدت بقاياه في أنحاء أفريقيا وآسيا وأوروبا بدءًا من مليونَي سنة مضت واستمرارًا حتى مائتَي ألف عام سنة مضت على أقل تقدير.5 كان الهومو إريكتوس أضخم كثيرًا من أشباه البشر الأوائل، يكاد يُعادل في طوله الإنسان الحالي، وتدلُّ كل سماته التشريحية على أن البشر الناشئين قد تخلَّوا تمامًا عن عادة الرئيسيات القديمة في النوم ليلًا على الأشجار التماسًا للأمان.
كان الهومو إريكتوس من أذكى البشر الناشئين، ودماغه — الأكبر كثيرًا بالفعل من دماغ القردة أو الأوسترالوبيثيكوس — ظل حجمه يكبر على امتداد تاريخه الطويل والناجح. ترك الهومو إريكتوس وراءه عددًا كبيرًا من الأدوات الحجرية الأشولية الدقيقة جميلة الصنع، وخاصةً مطرقة يدوية أيقونية ذات حافة حادَّة، على شكل قطرة دمع كبيرة. تُمثل المطرقة اليدوية الأشولية علامة على عبور عتبة لها أهمية خاصة في تطور البشر؛ لأن صُنْعها احتاج كمًّا كبيرًا من التخطيط وبُعد النظر والمهارة اليدوية (انظر شكل ٣-٢).
fig9
شكل ٣-٢: الفأس الأشولية الأيقونية، التي ظل البشر الناشئون لآلاف السنوات يصنعونها. وكان صنعها يتطلب اختيار حجر مناسب والتمكن من عملية متعددة الخطوات. (المصدر: ويكيميديا كومونز.)

قد تكون أبرز سمات تشريح الهومو إريكتوس، بجانب حجمه الأضخم، وقامته الأطول، ودماغه الأكبر كثيرًا، هو أنه لم يعُد يحتفظ بأيٍّ من الخصائص الجسدية للقردة المرتبطة بالحياة على الأشجار؛ فقد تقلَّصت أصابع قدم الهومو إريكتوس لدرجة أنها لم تكن تساعد أو تساعد بدرجة ضئيلة في تسلُّق جذوع الأشجار، وصارت عظام أصابع يده مستقيمة، مثل عظام أصابع أيدينا؛ وبهذا فقد الشكل المقوَّس الذي يتميَّز به من يعيش على الأشجار. وأخيرًا، كان الجذع العلوي للهومو إريكتوس برميلي الصدر، بمنكبَين عريضين وخصرٍ نحيل نسبيًّا؛ سمات لم يختص بها أيٌّ من القردة التي تعيش على الأشجار.

دلَّت هذه التغيرات على أن الهومو إريكتوس لم يكن فقط يعيش على الأرض أثناء النهار، بل كان أيضًا ينام على الأرض ليلًا. والطريقة الوحيدة المنطقية التي كان يستطيع بها هؤلاء البشر الناشئون تجنُّب التعرُّض لهجوم الضواري أثناء نومهم على الأرض هي إضرام النيران والنوم على مقربة منها، وتركها مُشتعلة حتى الفجر. شرح هذا المنحى الفكري بالتفصيل ريتشارد رانجهام، اختصاصي علم الإنسان في جامعة هارفارد، وذلك في كتابه: «إشعال النار: كيف جعلنا الطهي بشرًا؟».6

نشأة «إنسان الكهف»

الكثير من السلوكيات التي كانت تُعتبر في الماضي خاصة بالبشر اكتُشف أنها موجودة — وإن كان ذلك في صورة بدائية في كثير من الأحيان — بين أنواع أخرى من الحيوانات. تشمل هذه السلوكيات، بالإضافة إلى القدرة على صناعة الأدوات واستخدامها، القدرة على التعبير عن معلومات معقَّدة، وقدرة الأنواع التي تعيش في مجموعات على تبنِّي سلوكيات جديدة وتوريثها للأجيال التالية كتقاليد ثقافية. لكن من بين كل الأنواع في مملكة الحيوان، كان أشباه البشر وحدهم على الإطلاق هم من أبدوا ولو قدرة بدائية للغاية على إشعال النار والسيطرة عليها واستخدامها كسِمة دائمة من سمات حياتهم اليومية.

فلولا بِنيتهم الجسدية الفريدة التي تؤهِّلهم للسير على قدمين، ما كان أشباه البشر ليتمكَّنوا من السيطرة على النار واستخدامها؛ فحين يحمل أحد الحيوانات من ذوات الأربع أشياء يحملها عادةً بفمه، وحيث إنه لكي يحمل فرع شجرة مشتعلًا في فمه، فإن ذلك قد يحرق فمه أو وجهه أو يملأ عينيه وأنفه بالدخان؛ فالحيوانات ذوات الأربع لا تحمل فروعًا مشتعلة من مكان لآخر. لدى القردة والسعادين بالفعل قوائم أمامية مطواعة ذات أيادٍ قابضة، وهي قادرة على السير لمسافات قصيرة على قوائمها الخلفية أثناء حمل أشياء بقوائمها الأمامية، لكن لم يُرَ أي نوع من القردة أو السعادين وهو يستخدم النار أو يسيطر عليها في البرية.7 فالنار على كل حال تُدمر النسيج الحي، وكل الحيوانات تخشاها وتتحاشها بالغريزة، كل الحيوانات ما عدا أشباه البشر.

أشباه البشر الذين يستطيعون حمل رمح في أياديهم لأميال يستطيعون أيضًا أن يحملوا فرعًا مشتعلًا لأميال. فقبل أن يتعلم أشباه البشر كيفية إشعال النار بوقت طويل، لا بد أنهم قد تعلَّموا كيف يتناولونها وينقلونها ويُحضرونها لمنازلهم، ويُبقون عليها لأيام وأسابيع. الصواعق والأشجار والحشائش المُشتعلة التي من المُمكن أن تنجم من الصواعق، كانت شائعة في أفريقيا ما قبل التاريخ، ومن المرجح جدًّا أنها كانت مصدر النار التي كان البشر الناشئون يأتون بها لمنازلهم ويُروِّضونها منذ مليونَي عام تقريبًا.

تأتي بعض أقدم الأدلة على استخدام الهومو إريكتوس للنار وإخضاعه لها منذ مليون عام أو أكثر من كهوف في جنوب أفريقيا وشرقها؛ فالعديد من هذه الكهوف الشاسعة الجافة كان المأوى المفضَّل لبعض أخطر ضواري أفريقيا في عصور ما قبل التاريخ، مثل الأسود والفهود والدببة والثعابين، لكن لم يكن أي من هذه الحيوانات ليظلَّ في كهف مليء بالنيران والدخان طويلًا. وهكذا حين تعلَّم الهومو إريكتوس إشعال النار داخل الكهوف، صار قادرًا على إخراج الحيوانات الأخرى، والانتقال إلى هذه المساكن الأثيرة واستخدامها كمقرات إقامة لأسابيع وشهور أحيانًا.

على النقيض، حين يُعثَر على بقايا أشباه البشر الأوائل مثل الأوسترالوبيثيكوس في الكهوف، عادةً ما يبدو واضحًا أن أجسادهم قد جرجرها داخل هذه الكهوف أعداؤهم الطبيعيون، خاصةً القطط الكبيرة، التي كانت تفترسهم. فمن دون النار، ما كان لأحد أشباه البشر أن يستطيع أن يتخذ من كهف مسكنًا لوقت طويل، إلا أنه في العديد من أقدم المواقع الأثرية التي بها أدلة على استخدام البشر الناشئين للنار، لا تتوفَّر أدلة على طهي طعام بها سواء كان لحمًا أو خضروات. توصَّل علماء الآثار الذي نقَّبوا في هذه المواقع إلى نتيجة مُفادها أن النار كانت في المقام الأول تُشعل في هذه الكهوف كمصدر للضوء وكنوع من الحماية من الضواري. تحرَّر البشر الناشئون بقدرتهم الجديدة على السيطرة على النار من ضرورة النوم على الأشجار ليلًا، ولأول مرة صار أشباه البشر كائنات أرضية تمامًا.

منحت القدرة على ترويض النار مزايا عديدة للبشر الناشئين؛ فالنار لم تطرد الضواري الضخمة والخطيرة فحسب من الكهوف، وإنما أخرجت أيضًا الحشرات والزواحف والهوام الحاملة للأمراض التي كانت تسكن الكهوف هي الأخرى. وبإشعال النار في أرض مُغطَّاة بالآجام الكثيفة، أمكن القضاء على الحشرات الضارَّة والزواحف والثعابين السامَّة التي كانت تعيش في تلك الموائل أو طردها من مساحات واسعة إلى حدٍّ كبير.

كذلك أدَّى إشعال النار في الآجام الكثيفة التي في بيئة السافانا إلى إخلاء الأرض؛ مما عزَّز من نمو حشائش جديدة غضَّة، وجذب حيوانات آكلة للعشب مثل الظباء التي كانت من فرائس أشباه البشر المفضلة. في الواقع، كان العديد من مجتمعات الصيد وجمع الثمار التي بقيت حتى العصور الحديثة في سهول أفريقيا وآسيا والغرب الأمريكي تتعمَّد إشعال النار طوال حياتها؛ من أجل تحفيز نمو حشائش جديدة، ولجذب قطعان حيوانات الصيد تجاه مُخيَّماتها، حيث كان يمكن الإيقاع بها وقتلها بسهولة.

كانت النار توفر مصدرًا طيِّعًا للحرارة لم يجعل الكهوف الباردة الرطبة من الداخل أكثر قابلية للسُّكنى فحسب، لكنه كذلك أتاح للبشر الناشئين الهجرة إلى مناطق ذات مناخ أشد برودة، حتى إن الهومو إريكتوس في مرحلة مبكِّرة من تاريخه المميز هاجَر من أفريقيا وظهر في عدة مواقع في أوروبا وآسيا منذ أكثر من ١٫٥ مليون سنة، فكان أول أشباه البشر الذين يسكنون قارة أوراسيا. وأخيرًا أتاحت النار للبشر الناشئين ابتكار تقنيات متطورة في صنع الأدوات، مثل معالجة أدوات وأسلحة خشبية بالنار أو تقويتها، وهي التقنية التي كانت متطورة تمامًا منذ ٤٠٠ ألف سنة مضت، وهو ما دلَّت عليه رماح شونينجين الخشبية التي جاء وصفها في الفصل السابق.

السهر

أغلب الرئيسيات كائنات نهارية؛ تنشط بالنهار وتخمل في الليل؛ فحين يُخيِّم الظلام من المألوف أن تلوذ القردة والسعادين بالصمت، وتتوقف عن الحركة، وتستعد للنوم. وهذا السلوك الشائع بين كل الرئيسيات غير البشرية تقريبًا،8 يُنظمه استجابةٌ هرمونية لمستوى الضوء الذي يصل إلى العين. فيُطلَق الميلاتونين — أحد الهرمونات التي تُفرزها الغدة الصنوبرية الصغيرة، عند قاعدة الدماغ — حين يبدأ مستوى الضوء في البيئة المحيطة في الانخفاض مع اقتراب غروب الشمس.9 وكلما زاد تركيز الميلاتونين في مجرى الدم ازداد شعور الفرد بالنعاس. على العكس من ذلك، حين تُشرق الشمس ويفيض الضوء على البيئة، ينخفض إنتاج الغدة الصنوبرية للميلاتونين، وتُخلِّص الكليتان الجسم من الميلاتونين المُتبقي في الدم.

حين بدأ البشر الناشئون في استخدام النار لدرء الضواري بعد غروب الشمس، ابتكروا مصدرًا مصطنعًا للضوء كان له أثر في تثبيط إنتاج الميلاتونين وتأخير بوادر النوم. نتيجةً لهذا، أعتق استخدام النار أشباه البشر من القيود القديمة التي فرضها النهار المداري الذي يستمر اثنتَي عشرة ساعة، وامتدَّت ساعات صحوهم الطبيعية حتى الليل. هذه هي مرحلة التطور البشري التي بدأ فيها أسلافنا السهر لوقتٍ متأخِّر؛ لتمتد ساعات يقظتهم بما يتجاوز بكثير متوسِّط فترة النهار التي تحكم التواتر اليومي لكل الحيوانات المدارية الأخرى.

منح السهر لوقت متأخِّر البشرَ الناشئين مزايا جديدة فريدة؛ فقد أعطاهم وقتًا إضافيًّا لتناول الطعام وصُنع أشياء، كما وفَّر لهم وقتًا للحياة الاجتماعية والتواصل. فميل البشر لتناول الطعام بعد أن يحلَّ الظلام، والعكوف على أعمال الحياكة، وصنع الأدوات، وغيرها من المهام التي كانت تُنجَز على ضوء النار، والتسامر وسرد أحداث اليوم، ورواية قصص وأساطير موروثة، كل هذا مثَّل سلوكيات فريدة لم تستطع أي أنواع أخرى مُحاكاتها. صارت كل هذه السلوكيات ممكنة حين بدأ البشر الناشئون إضرام النار ليلًا والسهر لأوقات متأخرة، في حين نامت المخلوقات الأدنى أو ابتعدت.

النيئ والمطهو10

رغم أن أقدم استخدام للنار ربما كان لحماية أشباه البشر ليلًا من هجمات الضواري، فقد أصبح لإيقاد النار والإبقاء عليها بانتظام في مساكن أشباه البشر في نهاية المطاف استخداماتٌ أخرى تخطَّت مجرَّد الحماية. ولا شك أن أهم هذه الاستخدامات — بما ترتَّب عليه من عواقب تجاوزت احتياجات اللحظة الراهنة لتشكل جذريًّا مستقبل التطور البشري نفسه — كان اكتشاف الطَّهي.

في مقال علمي نُشِر في مجلة «بروسيدينجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسيز» عام ٢٠١٢م، أعلن فريقٌ دولي من العلماء أن التحليل المِجهري لبعض الرواسب من كهف وندرويرك في جنوب أفريقيا يؤكد أن أشباه البشر كانوا يُشعلون النار داخل أغوار هذا الكهف ويُذْكونها منذ أكثر من مليون عام.11 ومن بين مئات العظام وشظايا العظام التي استُخرجت من هذا الموقع، أظهر ٨٠ في المائة منها أدلة على أنها قد احترقت في هذه النيران. بعبارة أخرى، كانوا يطهون لحومهم.

رأى ريتشارد رانجهام في كتابه «إشعال النار» أن اختراع الطهو كان مسئولًا في الأساس عن أغلب الإنجازات التطورية التي أدَّت إلى ظهور الإنسان الحديث، ومنها العمليات التي وصل بها مخ الإنسان الحديث لحجمه الكبير الحالي. وصف رانجهام على الأقل خمس مزايا مهمة للطعام المطهو الذي كان يتناوله البشر الناشئون وحدهم على الطعام النيئ الذي كان يتناوله أشباه البشر الأوائل وكل الحيوانات الأخرى.

فأولًا: طهو لحم الحيوان يُحلِّل الكولاجين الليفي في خلايا العضلات، محولًا إياه إلى الجيلاتين الغني بالبروتين الذي يحتاج وقتًا وطاقة أقل كثيرًا في هضمه.

وثانيًا: يُؤدي الطهو إلى تطهير اللحم ويجعله صالحًا للأكل. وقد جادَل بعض اختصاصيِّي علم الإنسان بأن أشباه البشر الأوائل كانوا يحصلون على كثير من اللحوم التي في غذائهم بالاقتيات على جثث ضوارٍ أكبر حجمًا مثل الأسود والنمور. لكن الجيفة، خاصة في المناطق المدارية، سريعًا ما تنتشر فيها البكتيريا الضارة، وقردة ما قبل التاريخ الذين كانوا أسلاف أشباه البشر الأوائل، بأمعائهم الغليظة المخصَّصة لعملية الهضم البطيئة المُضنية للأوراق وغيرها من الأغذية النباتية الخشنة، كانت ستصير أكثر عُرضة لتأثير الأمراض المنقولة بالغذاء. أما قردة الشمبانزي التي تتناول بالفعل لحمًا طازجًا فستتحاشى اللحم الذي بدأ يتحلَّل وتنبذه.

العدوى البكتيرية بالعوامل المُمرِضة مثل التسمُّم السجقي والجمرة الخبيثة والسالمونيلا والإشريكية القولونية وكذلك بالفطريات والفيروسات، لا بد أنها سبَّبت مرضًا ووفاة حتى بين أقوى الأفراد؛ حيث إن هذه الكائنات كانت تتضاعف في الأمعاء الطويلة لقِرَدة ما قبل التاريخ لمستويات خطيرة وقد تكون مُهلكة، لكن الطهو يقضي على الطفيليات والعوامل المُمرضة التي تتضاعف سريعًا في جيفة الحيوان خلال ساعات قليلة من نفوقه، كما يُتيح الأثر التعقيمي للطهو حفظ اللحم المطهو لفتراتٍ أطول كثيرًا من اللحم النيئ. كان الطهو سيُحافظ على غنائم الصيد في حالةٍ قابلة للأكل لفترات أطول كثيرًا؛ مما يجعل من الممكن لمجموعة من أشباه البشر التغذي على بقايا حيوان صيد كبير لعدة أيام.

ثالثًا: طهو الأغذية النباتية يُحلِّل جدران خلايا النباتات ويُحول السيليولوز غير القابل للهضم إلى نشويات وسكريات قابلة للهضم. في الواقع، الكثير من الأغذية النباتية التي اعتمد عليها أشباه البشر — خاصةً الجذور والدرنات التي كانوا يستطيعون استخراجها من الأرض بعِصي الحفر — كانت تحتوي على سموم ليست فقط غير مُستساغة، وإنما غير قابلة للهضم فعلًا في أحيانٍ كثيرة. والطهو يُفتِّت هذه السموم ويؤدي إلى التخلص منها؛ مما يُتيح مجموعة كاملة من الأغذية النباتية للاستهلاك البشري كانت لتصير مُستبعَدةً لولا ذلك، بل في الواقع وجدت التجارب التي أُجريت على قردة الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب أن القردة العليا بوجهٍ عام تفضِّل تناول خضرواتها مطهوَّة عن تناولها نيئة.12

رابعًا: يتطلب الطعام المطهو وقتًا أقل بدرجة كبيرة في المضغ عن الطعام النيئ؛ إذ يستلزم نظام الغذاء النيئ لدى قردة الشمبانزي مضغ الطعام لساعات دون توقف، بل إنه وفقًا للتقديرات تمضي قردة الشمبانزي نحو ٥٠ بالمائة تقريبًا من ساعات صحوها في مضغ طعامها فقط. على النقيض، يقضي البشر نحو خمسة بالمائة من ساعات صحوهم في المضغ — واحد على عشرة فقط من وقت الشمبانزي — وبناءً على هذا، يستطيع البشر أن يُكرسوا وقتًا أكبر بكثير من ساعات صحوهم لأغراض أخرى، منها الصيد، وصناعة الأدوات والأسلحة، وتشارك المعلومات مع أفراد آخرين في الجماعة.

خامسًا: والأهم: اختراع الطهو جعل بالفعل من الممكن للدماغ البشري أن يكبر حجمًا على نحوٍ استثنائي خلال عصر البشر الناشئين؛ فبينما يبلغ متوسط حجم دماغ الشمبانزي ٤٠٠ سنتيمتر مكعب ومتوسِّط حجم دماغ أشباه البشر الأوائل نحو ٥٠٠ سنتيمتر مكعب، فقد تضاعَف دماغ أشباه البشر ثلاث مرات خلال الميلونَي عامٍ الماضيين، ويتراوح الآن في المتوسط بين ١٣٠٠ و١٥٠٠ سنتيمتر مكعب. من دون هذا الدماغ الكبير، لم يكن ليُتاح لإنسان العصر الحديث أن يبتكر ما تفرَّد به من لغة وثقافة وقدرات تقنية تمكَّن منها في النهاية. وقد حقَّق البشر الناشئون أكبر جزء من هذه الزيادة الكبيرة في حجم دماغ أشباه البشر.

لم يُعثَر قطُّ على أي مجتمع بشري معروف يعتمد تمامًا على نظام غذاء من الطعام النيئ، مهما كان بدائيًّا أو غير متطوِّر تقنيًّا، حتى الناس الذين يتبعون حمية الطعام النيئ في المجتمع الحديث لا بد أن يقضوا وقتًا طويلًا للغاية في مضغ طعامهم، وتُعوزهم الطاقة، ويفقدون من أوزانهم، ويشعرون بالجوع طوال الوقت تقريبًا.13 إذن يبدو أن طهو الطعام جزءٌ أساسي من النظام الغذائي لكل إنسان، بل يبدو أن اختراع الطهو كان شرطًا أساسيًّا لنوعنا كي ينجح في تحقيق التطور الخاص بالزيادة الكبيرة في حجم الدماغ، وهو ما جعلنا بشرًا، وأصبح يُميِّزنا تمامًا عن أي نوع آخر من الحيوانات.

الدماغ البشري المكلِّف

تتلخَّص أسباب ضرورة أن يكون النظام الغذائي من الطعام المطهو لدعم احتياجات دماغ الإنسان الحديث من الطاقة في «فرضية النسيج المكلِّف»، التي طرحها عام ١٩٩٥م ليزلي آييلو وبيتر ويلر،14 اختصاصيَّا علم الإنسان، اللذان بدآ دراستهما التي صارت حاليًّا من الكلاسيكيات بالحقيقة المؤكدة أن الدماغ نسيج «مكلِّف» من ناحية حجمه واحتياجاته من الطاقة.

لاحظ آييلو وويلر أن حجم الدماغ البشري يزيد على أربعة أضعاف دماغ الثدييات العادية، بالنسبة إلى وزن جسمه؛ إذ يزن الدماغ البشري ثلاثة أرطال؛ نحو اثنين في المائة من متوسط الوزن الإجمالي للجسم البالغ، إلا أن الدماغ البشري حين ينشط من الممكن أن يستهلك ٢٠ في المائة من الطاقة المُتاحة للجسم؛ نحو عشرة أضعاف الطاقة، رطلًا برطل، التي يستهلكها الجسم البشري كله، رغم وزنه الضئيل نسبيًّا.

علاوة على ذلك، ليس الدماغ «النسيج المكلِّف» الوحيد في الجسم؛ فمن الأنسجة الأخرى التي لها متطلبات مرتفعة مماثلة من الطاقة، القلب والكبد والكليتان والجهاز الهضمي. ويشكل الدماغ وهذه الأعضاء الحيوية معًا أقل من سبعة بالمائة من وزن الجسم، إلا أنها حين يكون الجسد في حالة سكون تستهلك نسبة مُدهشة من طاقته المتاحة تتراوح بين ٦٠ إلى ٧٠ في المائة. السؤال المحوري الذي حاول آييلو وويلر الإجابة عنه هو: كيف يستطيع جسم الإنسان توفير تلك الكميات الكبيرة من الطاقة لدماغه الضخم دون أن يطغى ذلك على احتياجات أجزاء الجسم الأخرى من الطاقة؟

تقليل حجم العضلات التي تُشكل الكثير من الأنسجة الأقل «كُلفة» في الجسم سيكون غير عملي مطلقًا، ليس فقط لأن هذه الأنسجة لا تستهلك عادةً سوى نحو ثلث الطاقة المتاحة للجسم، لكن أيضًا لأنه من أجل التعويض عن الاحتياج المتزايد لدى الدماغ البشري الكبير إلى الطاقة، سيتطلَّب الأمر التخلص من ٧٠ في المائة من عضلات الجسم. هذا من شأنه أن يجعل من الصعب، إن لم يكن مستحيلًا، على البشر أن يحصلوا في بيئاتهم الطبيعية على الغذاء الذي يحتاجونه لتوفير هذه الطاقة في المقام الأول.

وتقليل حجم القلب أو نشاطه بأي درجة كبيرة سيُقلِّل من تدفُّق الدم لمستويات تُمثِّل خطورة كبيرة على الدماغ، الذي يحتاج لإمداد ثابت ووافر من الدم. وحين يحدث هبوط في الدورة الدموية بدرجة كبيرة يتوقَّف الدماغ عن العمل بكفاءة؛ مما يؤدي لفقدان الوعي في النهاية.

تقليل حجم الكليتَين أو نشاطهما يُحدِث ضررًا بالغًا بإحدى وظائفهما شديدة الأهمية. تستهلك الكُليتان أغلب طاقتهما حين تُركِّزان البول بإزالة محتواه المائي المهم وإعادة هذا المحتوى المائي لمجرى الدم. أي انخفاض في هذه الوظيفة قد يؤدي إلى مستوًى خطير من الجفاف، خاصةً أثناء النشاط الشاق الذي يشتمل عليه الصيد وجمع الثمار في الطقس الحار.

ولا يقتصر تقليل حجم الكبد أو نشاطها على الإضرار بقدرة هذا العضو الحيوي على تنظيف الدم من السموم والفضلات المختلفة، لكنه أيضًا سيحرم الدماغ من مصدره الرئيسي للطاقة؛ فالوقود الذي يمدُّ أنشطة الدماغ بالطاقة هو جزيء سكر كبير يُعرَف باسم الجلايكوجين، ومؤن الجسم من الجلايكوجين المُتاح يُصنَّع في الكبد.

يتبقى لدينا الجهاز الهضمي باعتباره المرشح الوحيد لتقليص حجمه واحتياجاته من الطاقة. ليس من المستغرب إذن أن نجد أن الجهاز الهضمي لدى البشر — لا سيَّما المعدة والأمعاء — هو الأصغر، بالنسبة لوزن الجسم، بين كل الرئيسيات. في الواقع، يحتوي سجل حفريات أشباه البشر على أدلة واضحة على خضوع الجهاز الهضمي لتقلص كبير في الحجم حين تطوَّر أشباه البشر الأوائل إلى البشر الناشئين الذين استخدموا النار.

كان لدى أشباه البشر الأوائل أقفاص صدرية عريضة ومتباعِدة قرب الجزء السُّفلي، وكذلك عظام حوض أعرض وأكثر تباعدًا. تدل هذه السمات على أن بطن هذه المخلوقات كان كبيرًا نسبيًّا، في تشابه مع بطون القردة العليا؛ إنسان الغاب والغوريلا والشمبانزي، لكن مع ظهور الهومو إرجاستر والهومو إريكتوس صار القفص الصدري أضيق كثيرًا في الجزء السُّفلي، وصار الحوض أصغر في قطره. تُوحي هاتان السمتان بأن الهومو إريكتوس قد تطوَّر لديه البطن الأصغر حجمًا والأكثر اكتنازًا الذي يتميز به إنسان العصر الحديث، ومن المُمكن أن يكون قد أدَّى هذا إلى تقلُّص كبير في حجم الجهاز الهضمي.

مع هذا التقلص في حجم البطن، تُظهر الحفريات العديدة للبشر الناشئين التي استُخرجت على مدار سنوات زيادةً كبيرة ومنتظِمة في حجم الدماغ، من ٦٠٠ سنتيمتر تقريبًا مع ظهور الهومو هابيليس منذ مليونَي عام تقريبًا إلى نحو ١٣٠٠ سنتيمتر في أحدث أشكال الهومو إريكتوس، التي عاشت منذ ٢٥٠ ألف عام تقريبًا. هذه الزيادة الهائلة في حجم الدماغ خلال مليونَي عام لم يسبق لها مثيل في تطور الحياة على الأرض، فلم يفعل أي مخلوق آخر هذا. وتُشير فرضية النسيج المكلِّف إلى أن النظام الغذائي المعتمد على الطعام المطهو وحده — والانخفاض الكبير في حجم الجهاز الهضمي الذي جعله الطعام المطهو مُمكنًا — هو ما مكَّن هذا السلف البشري من دعم احتياجات عضو «مكلف» مثل دماغ الإنسان الحديث.15

كذلك يؤيد فرضيةَ الطهو تغيرٌ تشريحي كبير آخر جاء مع ظهور الهومو إريكتوس: التقلص الكبير في حجم أسنان وفكوك البشر الناشئين. فسوف تتذكَّرون أن الشمبانزي الذي يعيش على الطعام النيئ فقط، لا بد أن يقضي ٥٠ في المائة تقريبًا من ساعات صحوه في مضغ الطعام، بينما إنسان العصر الحديث الذي يعيش بدرجة كبيرة على نظام غذائي من الطعام المطهو، يستطيع إنجاز كل عمليات المضغ الضرورية لتغذيته خلال خمسة في المائة من ساعات صحوه. هكذا كما تتخيَّلون، تفوق أسنان الشمبانزي وفكه نظائرها لدى الإنسان حجمًا بدرجة كبيرة بحكم الضرورة.

ليس من المستغرب أن سِجل الحفريات أيضًا يُبين أن أسنان الأوسترالوبيثيكوس وأشباه البشر الأوائل وفكوكهم كبيرة جدًّا أيضًا، في حين أن أسنان وفكوك البشر الناشئين أصغر بدرجة كبيرة؛ فالطعام المطهو لا يحتاج وقتًا أقل في مضغه فحسب، لكن يمكن أيضًا مضغه بدرجة كافية بأسنان وفكوك أصغر حجمًا بكثير. كل هذا دليل على أن الهومو إريكتوس تمكَّن من استخدام النار في وقتٍ مبكِّر من تاريخه، وابتكر أسلوب حياة صار فيه الطعام المطهو عماد غذائه.

تُشير أنواعٌ عديدة مختلفة من الأدلة في مواقع أثرية في أفريقيا ما قبل التاريخ إلى أن الهومو إريكتوس، الإنسان الناشئ، كان أول أشباه البشر الذين أجادوا استخدام النار. تُبين الأدلة الفيزيائية والكيميائية أن النار كانت تُشعَل لفترات طويلة في أغوار الكهوف التي كان يسكنها بشرٌ ناشئون. كذلك تُبين الأدلة الفيزيائية والكيميائية أن أغلب العظام التي عُثِر عليها في بعض من هذه الكهوف كانت قد احترقت؛ مما يُشير إلى أنه في مرحلة ما بعد التمكن من إشعال النار والسيطرة عليها بمدة غير طويلة، كان البشر الناشئون يطهون لحومهم.

وتشير الأدلة التشريحية المُستقاة من حفريات الهومو إريكتوس إلى أن هؤلاء البشر الناشئين لم يعودوا قادرين جسديًّا على تسلُّق أعالي الأشجار في الليل طلبًا للأمان. كذلك تشير الأدلة التشريحية إلى أن البشر الناشئين كان لديهم أجهزة هضمية أصغر بكثير، وفكوك وأسنان أصغر بكثير، وأدمغة أكبر بكثير من أدمغة أي من أسلافهم. عند وضع كل هذه الأشياء في الاعتبار يبدو أن الهومو إريكتوس، الإنسان الناشئ، قد تعلَّم استخدام النار والتحكم فيها — وأنه قد جعلها عنصرًا أساسيًّا من أسلوب حياته الطبيعي — منذ أكثر من ١٫٥ مليون عام.

الرئيسيات العارية

حين بدأ البشر الناشئون استخدام النار، صاروا — وظلُّوا — الرئيسيات العارية الوحيدة في العالم.

النوم على مقرُبة من نارٍ هو واحد من أكثر السلوكيات البشرية شيوعًا؛ فقد وُجد هذا السلوك بين كل مجتمعات الصيد وجمع الثمار التي درسها اختصاصيُّو علم الإنسان. وكان من السلوكيات الشائعة بالأخص بين الصيادين وجامعي الثمار أن يناموا على مقربة من نار المخيَّم التي كانت تظل مشتعلة طوال الليل. ومن الغني عن البيان أن هذا السلوك كان ليستحيل تمامًا لو كانت أجسادنا ما زالت مغطَّاة بطبقة سميكة من الفراء؛ لأننا كنا سنُشعل النار في أنفسنا فعليًّا لاقتراب ألسنة نار المخيَّم منا.

لم تكن أي من طرق تفاعُل البشر مع النار — حمل شعلات متوهِّجة من مكان لآخر، والنفخ في الجمرات الملتهبة لإذكاء النار، وشيُّ الطعام من اللحم والخضروات، وإذكاء نار المخيَّم بحطب جديد، ومد الذراعين والساقين فوق النار لتدفئتهما — لم يكن أي من هذا ليصير ممكنًا لو كنا احتفظنا بالفراء الطويل الشعر الذي يُغطِّي أجساد كل أنواع الرئيسيات الأخرى. حاول أن تتخيَّل التعامل مع نار مخيَّم مُلتهبة أثناء ارتداء معطف ثقيل طويل الكمين من الفراء، وستُدرك كم سيكون من الصعب التعامل مع النار بأمان مع فراءٍ ثقيل يُغطي ذراعيك وساقيك وجذعك. لهذا السبب دون شك من الممكن أن يتعلم الشمبانزي تدخين السجائر أو السيجار عرضيًّا — بل وفي بعض الحالات استخدام قدَّاحة السجائر — لكنه على عكس البشر لن يجلس بقرب نار مشتعلة.

حين بدأ البشر الناشئون استخدام النار التماسًا للضوء والدفء والحماية، كان أولئك الأفراد والجماعات الذين يُغطي أجسادَهم أقلُّ كمية من الشعر هم الأنجح في التعامل مع النار، ولا شك أن هذه المرحلة من مراحل التطور البشري هي التي صار فيها أسلافنا عُراة، لكن فقدان ملايين بصيلات الشعر التي ظلَّت تُغطي جميع أنحاء أجساد الرئيسيات طوال ٥٥ مليون عام لا بد أنه تطلَّب عددًا من التغييرات الجينية المهمة. في الواقع، حدثت مثل هذه التغيرات حين تبنَّى أسلاف الحيتان والدرافيل الحياة المائية وتطوَّرت متخذةً أشكال الأسماك، لكن البشر الناشئين حقَّقوا النتيجة نفسها بصفة أساسية محتفظين بكل بصيلات شعرهم تقريبًا مع تقليل إنتاج هذه البصيلات. ونتيجة لهذا، يكتسي البشر بغطاء قصير ورقيق جدًّا من شعر زغبي يكاد لا يُرى، ورغم ذلك فإنه لا يزال يُغطي جميع أنحاء الجسد البشري.16

كان لفقدان غطاء الفراء الكثيف مزايا أخرى، ربما أهمُّها أنه جعل أشباه البشر قادرين على تبريد أجسادهم بطريقةٍ أكثر كفاءة بالتعرُّق. في واقع الأمر، يعرق البشر على نحوٍ أسرع وأغزر من أي نوع آخر من الرئيسيات. قدرة أشباه البشر على التعرُّق بغزارة جعلت من الممكن لهم أن يُسافروا مسافات طويلة، عند الانتقال بالمخيم أو مطارَدة أحد الحيوانات، دون أن تُصيبهم حمَّى. ففي حين يمتلك البشر نحو ألف بُصيلة شعر في البوصة المربعة — تقريبًا العدد نفسه الذي يمتلكه الشمبانزي — يوجد بجسد الإنسان، في المتوسط، ٦٥٠ غدة عرقية في البوصة المربعة. هذا يُعادل عشرة أضعاف عدد الغدد العرقية المعهود في الأنواع غير البشرية من الرئيسيات. وأخيرًا، ساعَد فقدان الفِراء الكثيف أشباه البشر على السيطرة على مجموعات الحشرات الطُّفيلية التي ربما تكون قد تضاعَفت بضراوة في مضاجع النوع الذي كان يقضي الليلة تلو الأخرى نائمًا في المكان نفسه.

الخروج من أفريقيا

في عام ١٨٨٧م، استقال طبيبٌ هولندي شاب يُدعى يوجين ديبوا من منصبه المبتغى محاضرًا للتشريح في جامعة أمستردام، وأصاب زملاءه الذين هالَهم الأمر بصدمة بأن انضمَّ إلى الجيش الهولندي، والتمسَ أن يُرسَل إلى جزر الهند الشرقية الهولندية، حيث تمنَّى أن يعثر على الحلقة الأسطورية المفقودة بين البشر والقردة. كان ديبوا مفتونًا بنظريات تطور الإنسان التي كانت مثار حديث المجتمع العلمي الأوروبي في تلك الأيام، وكان مُتحمسًا للغاية عندما استُخرج هيكلان عظميان شبه كاملين لإنسان النياندرتال في بلجيكا في العام السابق، مع أدوات حجرية متعدِّدة. وهكذا غادَر ديبوا أوروبا مصطحبًا زوجته وطفله، ليصل إلى جزيرة سومطرة في ديسمبر من عام ١٨٨٧م.

مع اثنين من المهندسين وعشرات العمال الذين وفَّرتهم له الحكومة الهولندية بدأ ديبوا التنقيب في عدد من المواقع في سومطرة، لكن كانت البقايا التي وجدها حديثة النشأة نسبيًّا. علاوة على ذلك، كانت الأوضاع في سومطرة أقل ما تُوصَف به أنها صعبة؛ فالعديد من العمال أصابهم المرض، والآخَرون فرُّوا. وأحد المهندسين تبيَّن أنه عديم الفائدة أما الآخر فمات. لكن ديبوا واصَل العمل. وفي عام ١٨٩٠م بعد قضاء ثلاثة أعوام في سومطرة دون جدوى، أقنع السلطات بنقله إلى جزيرة جاوة، حيث تمنَّى أن يكون حظه أوفر.

وفي جاوة حالف ديبوا الحظ؛ ففي أكتوبر عام ١٨٩١م استخرج ديبوا وعماله غطاء جمجمة كامل من رواسب يبلغ عمرها ٧٠٠ ألف عام على الأقل، كان قد استُخرج منها في العام السابق جزءٌ من فك وضرس. وفي أغسطس من العام التالي، عُثر على عظمة فخذ لبشريٍّ منتصب القامة على بُعد عدة ياردات. كان ديبوا مقتنعًا أن هذه كانت بقايا «الحلقة المفقودة»، وأسمى البشريَّ الذي اكتشفه بيثكانثروبوس إريكتوس، «الرجل القرد المنتصب» (انظر شكل ٣-٣).
fig10
شكل ٣-٣: حفريات الهومو إريكتوس (الإنسان منتصب القامة) التي جمعها يوجين ديبوا في جاوة. كانت هذه أول حفريات تُكتشف للإنسان الناشئ، الهومو إريكتوس، والذي أسماه ديبوا «رجل جاوة». (المصدر: ويكيميديا كومونز.)

في عام ١٨٩٤م نشر ديبوا نتائج أبحاثه، وفي العام التالي عاد إلى أوروبا لإلقاء محاضرات والترويج لاكتشافه، لكن كما حدث مع الكثيرين ممَّن سبقوه وجاءوا من بعده، أثارت اكتشافات ديبوا الشك والجدل عمومًا. وفي النهاية لم يقتنع بزعم ديبوا بأن «إنسان جاوة» كان إنسانًا من عصر ما قبل التاريخ سالفًا لنا سوى علماء قليلين. هكذا شعر ديبوا بالسخط لرفض زملائه النتائج التي توصَّل إليها، حتى إنه مع حلول عام ١٩٠٠م أخفى عيناته، رافضًا مناقشتها أو السماح لأحد بتفحُّصها. ولم يرَها أحدٌ ثانيةً طوال الثلاثة والعشرين سنةً التالية.

عينات ديبوا معروفة الآن عالميًّا بأنها البقايا الحفرية لهومو إريكتوس، أول من استُخرج ووُصف من البشر الناشئين، والأقدم كثيرًا من حفريات النياندرتال التي عُثر عليها في أوروبا، التي كان عمرها أقل من ١٠٠ ألف سنة. في وقت اكتشاف إنسان جاوة لم يكن فحسب أول حفرية يُعثر عليها لفصيلة أشباه البشر في آسيا، لكنه كان أيضًا أقدم حفرية يُعثر عليها لأشباه البشر على الإطلاق، لكن مات ديبوا عام ١٩٤٠م دون أن يُدرك القِدم الحقيقي لاكتشافه. وقد أشارت تحليلات أُجريت لحفريات هومو إريكتوس مُماثلة من جاوة أن عمرها أكثر من ١٫٥ مليون عام؛ أي ضعف العمر الذي تخيَّله ديبوا.

جنس الأوسترالوبيثيكوس وأشباه البشر الأوائل الآخرين عاشوا تاريخهم بالكامل في القارة الأفريقية، فلم يُعثَر على أي بقايا لأشباه بشر أوائل في أوروبا أو آسيا. ورغم تكيف أنواع عديدة من أشباه البشر الأوائل مع عدة بيئات مختلفة، منها مروج وغابات معرض ومستنقَعات وضفاف أنهار وصحراوات، تقع هذه البيئات جميعها في دوائر العرض المدارية من أفريقيا، لكن الهومو إريكتوس وغيره من البشر الناشئين هاجَروا من أفريقيا من مليون وثمانمائة عام على الأقل، وعُثر على دليل سُكناهم منذ هذه الفترات الزمنية القديمة في أنحاء أوراسيا، في بريطانيا وإسبانيا وفرنسا وجنوب روسيا وباكستان والصين وإندونيسيا.

نظرًا لعدم وجود النار، كان أشباه البشر الأوائل يعتمدون على الأشجار للنوم التماسًا للحماية ليلًا، وكانوا غير قادرين على التوغُّل بعيدًا عن الجبال ووديان الأنهار، حيث تنمو الأشجار بوفرة، لكن التغييرات التي بدأت منذ ثمانية ملايين عام تقريبًا في الجيولوجيا والمناخ أدَّت لانتشار المروج انتشارًا هائلًا في أنحاء آسيا وأفريقيا، ومنذ ثلاثة ملايين عام اندمجت بيئات السافانا في القارتين لتصير حزامًا شاسعًا من المروج التي امتدَّت دون انقطاع من غرب أفريقيا إلى شمال الصين.17 وهكذا استطاع البشر الناشئون مع وجود النار لحمايتهم أن يتوغَّلوا لأماكن أبعد فأبعد في هذه المروج الشاسعة؛ ليُقيموا في النهاية أنماطًا حياتية جديدة على بعد عدة آلاف الأميال من وطنهم الأفريقي.

هل انقرض «إنسان الكهف» حقًّا؟

في عام ١٧٥٨م، قبل أكثر من قرن من نشر كتاب داروين «أصل الأنواع»، نشر عالم التاريخ الطبيعي العظيم كارلوس لينيوس الطبعة العاشرة من عمله الرائد «نظام الطبيعة»، ثمرة خمسة وعشرين عامًا من العمل المُضني الذي صنَّف فيه كل الكائنات الحية بناءً على علاقتها المدرَكة ببعضها بعضًا. كان نظام لينيوس مفيدًا وراقيًا جدًّا، حتى إنه سرعان ما تبنَّاه علم الأحياء في زمنه، وظل أساس التصنيف العلمي منذ ذلك الوقت.

لينيوس نفسه ابتكر مصطلح الهومو سيبيانز (الإنسان العاقل)، الذي ظلَّ المصطلح العلمي الخاص بنوعنا، وارتأى أن نقاط التشابه التشريحية بين البشر والسعادين والقردة واضحة للغاية، حتى إنه جمعهم كلهم في رتبة واحدة من الثدييات سمَّاها «الرئيسيات». وقد قُسمت هذه إلى خمس فصائل مُتمايزة، ووُضعت أنماط متنوعة من البشر — الحقيقي منها والخرافي — في فصيلة أشباه البشر (انظر شكل ٣-٤).
fig11
شكل ٣-٤: أشكال أنواع مختلفة من البشر الذين كان يُعتقد سابقًا في وجودهم، كما صُوروا في كتاب كارلوس لينيوس «نظام الطبيعة». (المصدر: ويكيميديا كومونز.)

وفي توقع لوجود «إنسان الكهف» الذي رُوِّجت له الشائعات، اعترفت الطبعة العاشرة من «نظام الطبيعة» بنوعَين حيَّين من البشر: الهومو سيبيانز والهومو تروجلودايتس «الإنسان ساكن الكهف». لم يكن «إنسان الكهف» لدى لينيوس نوعًا مُنقرضًا من بشر ما قبل التاريخ (فهؤلاء لم يُكتشفوا إلا بعد مرور مائة عام أخرى)، لكن كان يعتقد بدلًا من ذلك أنهم شعبٌ حي من الناس الضئيلي الجسم، يعيشون في الكهوف المُتوارية في أدغال جنوب شرق آسيا. كان الدليل على وجود الإنسان ساكن الكهف قصةً ذكرها قبل ذلك بأكثر من مائة عام طبيبٌ يُدعى بونتياس من شركة الهند الشرقية الهولندية، الذي كان قد عاد من جنوب شرق آسيا برسم ووصف مفصَّلَين لهذه المخلوقات الغامضة.

وبمرور الوقت اكتُشف أن وصف بونتياس لم يكن لإنسان كهف، وإنما بالأحرى لإنسان الغاب؛ قرد لم يعِش قط في الكهوف، بل يقضي في واقع الأمر معظم وقته عاليًا على قِمم أشجار الغابات المطيرة. لكن في تحوُّل غريب من تحولات القدر، حين اكتشف عالم وظائف الأعضاء الألماني، يوهان فريدريش بلومنباخ، عام ١٧٧٦م الشمبانزي لأول مرة، أطلق على نوعه اسم بان تروجلودايتس (الشهواني ساكن الكهوف). رغم ما تقرَّر في النهاية من أن قردة الشمبانزي لم تكن تلك الكائنات الشهوانية الشبه البشرية التي تعيش في الكهوف، والتي تخيَّلها بلومنباخ، فقد علِق الاسم وظل المصطلح العلمي الصحيح للشمبانزي حتى يومنا هذا.

لكن تأكَّدت فجأةً الفكرة المُلحة القائلة بأنه كان ثَمة كائنات شبيهة بالبشر تعيش في الكهوف باكتشاف هيكل عظمي عام ١٨٦٥م لنمط غير مألوف مُطلقًا من البشر، مختلف تمامًا عنَّا، عاش منذ ٤٠ ألف سنة في كهف في وادي نياندر (بالألمانية نياندرتال)، بالقرب من مدينة دوسلدورف. ازدهر إنسان النياندرتال، كما صار هذا النوع معروفًا، خلال العصور الجليدية في أوروبا وآسيا، لكنه اختفى منذ نحو ٢٥ ألف عام. ولاعتبار إنسان النياندرتال «دون البشر» في الأصل، فقد اتُّفق في النهاية على أنه قريب من الإنسان الحديث في حجم الدماغ وسمات أخرى، حتى إنه يُعتبر اليوم نوعًا فرعيًّا من الهومو سيبيانز، وأُعطي الاسم العلمي هومو سيبيانز نياندرتالنسيس (الاسم العلمي لنوعنا الفرعي هو الهومو سيبيانز).

منذ اكتشاف النياندرتال، استخرج اختصاصيو علم الحفريات البقايا الحفرية لعدة أشباه بشر قدامى من كهوف في أوروبا وآسيا وأفريقيا، دافعين أصول القامة التامة الانتصاب والحركة على قدمين لمراحل أقدم في الماضي؛ فقد اكتشف يوجين ديبوا بقايا الهومو إريكتوس لأول مرة في كهوف جاوة في أواخر القرن التاسع عشر، واكتشف ريموند دارت بقايا الأوسترالوبيثيكوس في كهوف جنوب أفريقيا في عشرينيات القرن العشرين، وعُثر على حفريات أخرى للهومو إريكتوس في عشرينيات القرن العشرين مع اكتشاف بقايا رجل بيكين في سلسلة كهوف بالقرب من بيكين في الصين.

بدأت الأدلة على سكن أشباه البشر الكهوف بتمكُّن البشر الناشئين من تقنية النار، وهي مستمرة حتى اليوم؛ فقد رسم بشر الكرومانيون صورًا لحيوانات على جدران الكهوف في فرنسا وإسبانيا منذ أكثر من ٢٥٠٠٠ عام، وترك سكان إسرائيل القديمة مخطوطات البحر الميت في الكهوف، وبنى هنود بويبلو مساكنهم الصخرية البديعة المنظر منذ ألف عام بحفر الجوانب الرأسية من منحدرات طبيعية في جنوب غرب أمريكا، ولا يزال نحو ثلاثة آلاف من شعوب الخيتانو، غجر إسبانيا، يعيشون في مجمع من الكهوف قريبًا من مدينة غرناطة حاليًّا. وأخيرًا، ما زال ملايين الناس يعيشون حاليًّا في منازل كهفية «ياودونجز» في شمال الصين، حيث مدن بأكملها محفورة في جوانب التلال أو في حفر صُنعت في تربة رخوة.

لتتأمَّلوا الأمر؛ فكما يظهر بوضوح السلوك الإنساني العام للعيش في مساحات مُغلقة ذات جدران وأسطح متينة وفتحات صغيرة للدخول والخروج، فإن من فطرتنا البشرية أن نكون سكانًا للكهوف. نحن البشر، المُنحدرون من أجدادٍ عاشوا ٥٥ مليون عام على الأشجار، عاشوا وماتوا في الهواء الطلق في الغابات، لم نعُد قادرين على العيش في العراء. فبدلًا من ذلك نتوق إلى سقف يُظلل رءوسنا في شكل مظلَّة آمنة لا تحمينا من الرياح والأمطار والثلوج فحسب، ولكن أيضًا تُشكل بيئة مغلقة مثل الكهف تحتجز الحرارة المُنبعثة من نيراننا وتحمينا من هجوم الضواري.

إن إخراج أسود وبُبور ونمور وضباع ودببة وذئاب ما قبل التاريخ منذ زمن طويل من كل الأماكن تقريبًا التي يعيش فيها البشر الآن لم يعُد أمرًا مهمًّا. تحتاج أجسادنا الخالية من الشعر حماية من طقس الطبيعة القاسي، وقد تخلَّى أسلافنا منذ زمن بعيد عن عادة النوم في العراء. قد تكون خيام الصيادين وجامعي الثمار وأكواخهم قد أفسحت المجال لمنازل العالم الحديث وشققه، لكن احتفظت هذه المساكن كلها بالعناصر الأساسية لمسكن الكهف البدائي: سقف فوقي وجدران متينة، مع فتحات لدخول الضوء وتوفير سبيل للدخول والخروج من بيوتنا الشبيهة بالكهوف.

في الواقع، إذا نظرتم بموضوعية إلى الهندسة المعمارية لبلدة أو مدينة حديثة سترَون بسهولةٍ أنها تتكون من نوعين من البناء: (١) مبانٍ ومنازل قائمة بذاتها، وهي بصفة أساسية أبنية شبيهة بالكهوف قائمة على الأرض بجوار أبنية أخرى شبيهة بالكهوف. (٢) ومبانٍ مرتفعة، وهي بصفة أساسية أبنية شاهقة شبيهة بالجروف تتراصُّ فيها شقق شبيهة بالكهوف. هذه الشقق مزوَّدة بفتحات في جوانبها لدخول الضوء والهواء (نوافذ)، بالإضافة إلى فتحات أكبر (أبواب) تؤدي من خلال شبكة من الممرات والسلالم إلى مخارج مُفضية إلى العالم الخارجي.

الحقيقة نفسها التي مُفادها أن أغلب البشر لا يشعرون بالانزعاج أو بالقليل منه حين يُطلُّون من نوافذ أو شُرفات تعلو عن الأرض بمئات الأقدام لهي دليلٌ على انحدار البشر من أسلاف كانوا يسكنون الأشجار. وعدم شعورنا بالمحاصَرة وإحساسنا بالأمان والأمن عوضًا عنه حين ينغلق علينا بناءٌ شبيه بالكهف، ذو فتحات صغيرة لإدخال الضوء والهواء والدخول والخروج، لهُو دليل على التاريخ التطوري لنوعنا من العيش داخل الكهوف؛ في كهوف طبيعية أولًا ثم كهوف من تصميمنا وبنائنا. من ثَم لم ينقرض إنسان الكهف؛ فهو حي يُرزق ويعيش الآن في منازل وشقق في العالم الحديث.

•••

حين بدأ البشر الناشئون استخدام النار أطلقوا العنان لمجموعة كبيرة جديدة من القدرات البشرية، مُحرِّرين أنفسهم أخيرًا من الحياة على الأشجار كأسلافهم لتصير حياتهم بالكامل على الأرض، تحميهم النار وأسلحتهم من الضواري التي قاسَمتهم موائلهم العديدة والمتنوعة. ولأول مرة في تاريخهم الذي امتدَّ لملايين السنين، استطاع أشباه البشر سُكنى الكهوف، في حماية من ظروف الطقس والمناخ وفي دفء نيران المخيَّمات. كذلك تحرَّروا من إيقاع النهار المداري المؤلَّف من اثنتَي عشرة ساعة والليل المداري الشبه الثابت؛ فقد سمحت لهم النار بالبقاء مستيقظين لساعات متأخرة من الليل، يؤدون أعمالهم على الضوء المنبعث من النار، ويتواصَل بعضهم مع بعض بشأن أحداث النهار. وأخيرًا، نوَّعت النار نظام غذاء أشباه البشر تنويعًا كبيرًا؛ إذ أتاحت لهم طهي الحبوب والجوز والجذور والدرنات التي يجمعونها؛ مما أعطاهم حرية تناول ما كان غير قابل للأكل قبل ذلك بسبب صلابته أو مذاقه المر أو احتوائه على سموم خطيرة.

كذلك مكَّنت النار أشباه البشر من طهي اللحوم التي كانوا يحصلون عليها بالصيد — وبالسرقة من صيد ضوارٍ أخرى — مما جعل ما كان غير آمِن وعسير الهضم آمنًا وسهل الهضم. وبالتكيف مع نظام غذائي من الطعام المطهو، وجد البشر الناشئون طريقة للحد بدرجة كبيرة من مقدار الوقت والطاقة الذي كانوا يحتاجون إليه في مضغ طعامهم اليومي وهضمه، وأثناء ذلك تمكَّنوا من دعم أدمغتهم المتزايدة الحجم والأكثر «تكلفة». في الواقع، كانت تقنية النار الإنجاز الوحيد الذي عبر به البشر الناشئون — نهائيًّا ودون رجعة — الفجوة الشاسعة التي فصلت البشر عن باقي مملكة الحيوان منذ ذلك الحين.

في الفصل التالي سنبحث القِدم الحقيقي للملبس والمسكن، وسنتأمَّل الأدلة على أن بشر ما قبل التاريخ كانوا ينعمون بالدفء والجفاف في كهوفهم وأغطية أجسادهم الصناعية، ليس من آلاف السنين — كما يَشيع الافتراض — وإنما منذ مئات آلاف السنين؛ فتقنيات الملبس والمسكن هي التي مكَّنت أشباه البشر المداريين من الإقامة في المناطق المعتدلة في دوائر العرض الشمالية، ومن البقاء على قيد الحياة في شتائها القارص، ومكَّنتهم من سُكنى كل البيئات البرية تقريبًا على كوكب الأرض في نهاية المطاف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١