الفصل الرابع

تقنيات الملبس والمسكن

القبعات والأكواخ والشملات والخيام

إن بيتك هو جسدك الأكبر.

خليل جبران، «النبي»

من بين كل القِطع الأثرية التي استخرجها علماء الآثار من مواقع مخيَّمات أشباه البشر في عصور ما قبل التاريخ، لم يُعثَر تقريبًا على أي بقايا مادية لمساكن أو ملابس تعود لزمنٍ أقدم من زمن ظهور البشر الحديث تشريحيًّا في أوروبا منذ أقل من خمسين ألف عام. حدا هذا الانعدام في الأدلة بالعديد من العلماء لاستنتاج أن الملبس والمسكن ظهرا في وقتٍ حديث نسبيًّا من تاريخ أشباه البشر.

بيد أن تقنية النار مكَّنت البشر الناشئين من العيش في الكهوف طوال ١٫٧٥ مليون عام، وثَمة أدلةٌ وفيرة على إقامة أعداد أخرى من البشر الناشئين من تلك الفترة في أماكن لا تُوجَد فيها كهوف مناسبة، فهل لنا بناءً على ذلك أن نستنتج أن العديد من البشر الناشئين عاشوا عراة وفي العراء طوال مليونَي عام تقريبًا دون خرقة على أجسادهم أو سقف فوق رءوسهم كي يحميهم من ظروف الطقس والمناخ؟

المفقود من «العصر الحجري»

للإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نبدأ بذكر أن كل أشباه البشر الذين كانوا يعيشون قبل اختراع الزراعة والتعدين، كانوا رحَّالة يعيشون على الصيد وجمع الثمار، ولا يصنعون أغلب الأشياء التي يستخدمونها في حياتهم اليومية من الأحجار، وإنما بالأحرى من النباتات والحيوانات التي يجدونها في موائلهم الطبيعية. ولا تستطيع أي من هذه المواد العضوية البقاء مدةً طويلة بمجرَّد طَمْرها في الأرض، ولا سيَّما في التربة الدافئة الرطبة للبيئات المدارية التي عاش فيها أغلب المجموعات السكانية من بشر عصور ما قبل التاريخ.

بقايا النباتات والحيوانات الميتة هي الغذاء الطبيعي لأنواع لا حصر لها من الحشرات والرخويات والديدان والفطريات والبكتيريا. وفي المناخ المداري تتغذَّى مثل تلك الأحياء على الأدوات الأثرية المصنوعة من هذه المواد خلال أيام أو أسابيع، وبعد مرور بضع سنوات تختفي كلها تمامًا، بل حتى في المناخ المُعتدل ليس من المحتمل أن تبقى مثل هذه المواد لأكثر من بضع مئات السنين على أعلى تقدير؛1 لذا لا غرابة أنه بعد مرور مئات آلاف السنوات يمكن بالكاد العثور على أثر لمَلبس أو مَسكن من عصر ما قبل التاريخ في أطلال أقدم المواقع الأثرية.

شعوب الصيد وجمع الثمار التي عاشت حتى العصور الحديثة ودرسها اختصاصيُّو علم الإنسان، اعتادت الانتقال من مكان إلى آخر مع تغيُّر الفصول وتبدُّل مستوى توفُّر الغذاء النباتي والحيواني باستمرار. في أغلب الحالات كانت المساكن التي بنتْها تلك الشعوب الرحَّالة لأنفسها تُقام في مخيَّمات مؤقَّتة وتُهجر بعد أسابيع أو شهور قليلة. لهذا السبب، فإن كل الممتلكات المادية التي كانت تلك الشعوب تستخدمها في حياتها اليومية كانت لا بد أن تكون صغيرة وخفيفة لدرجة تكفي لحملها من مكان لآخر. وكل شيء صنعته تقريبًا كان مُركبًا من المواد العضوية النباتية والحيوانية القابلة للبِلى.

كانت الرماح والسهام والهراوات وعِصي الحفر وعِصي السير وهياكل الأكواخ والخيام تُصنَع من جذوع الأشجار والشجيرات وفروعها الخشبية. أما جدران الأكواخ وأسقفها ومواد الفراش ومصدَّات الرياح فكانت تُصنع من النباتات المورقة، ومنها سعف النخيل والحشائش والغاب. وكانت الأسلاك والحِبال والشِّباك والحقائب والأسرَّة المعلَّقة تُنسج من أليافٍ موجودة في الكروم والجُذور واللِّحاء. وكانت أوعية الطعام والمياه والأدوات والأسلحة والتمائم والعقاقير والصبغات تُصنع من قرعيات وقرون حبوب تم تجويفها، وكذلك الفروع المجوَّفة للبوص وحشائش المستنقَعات والخيزران. أيضًا القبعات والأردية والسراويل والمآزر والأحذية والنعال وخيوط الحياكة والأسلاك وأغطية الخيام كانت تُصنَع من جلود الحيوانات وأوتارها. وكانت أكواب الشراب والمصاغ والأدوات الموسيقية والأوعية الصغيرة بجميع أنواعها تُصنع من قرون وعظام وريش ومخالب الطيور والحيوانات.

إلا أن أشباه البشر الذين عاشوا في عصور ما قبل التاريخ، مثلهم مثل الصيادين وجامعي الثمار المُعاصرين الذين خضعوا للدراسة من جانب اختصاصيِّي علم الإنسان، استخدموا مادة محدَّدة في حياتهم اليومية؛ الحجر، الذي لا يُمكن أن يتآكل أو يختفي من المواقع الأثرية التي تعود لعصور ما قبل التاريخ.2 ولهذا السبب، أعطى بقاء آلاف مؤلَّفة من الأغراض الحجرية من عصور ما قبل التاريخ انطباعًا مُبالغًا فيه عن أهمية الحجر في التقنيات التي استخدمها بشر ما قبل التاريخ؛ فالأدوات الحجرية المتعدِّدة التي عثر عليها علماء آثار قدامى في أطلال مستوطنات ما قبل التاريخ أدَّت سريعًا إلى الاستخدام الشائع لعبارة «العصر الحجري» في وصف فترة التاريخ البشري كلها قبل التعدين.

لكن لم يكن العصر الحجري فترة أو عصرًا مُتمايزًا على الإطلاق، حيث إنه اشتمل على التاريخ التطوري الكامل لأشباه البشر، من أول ظهور لهم منذ ملايين السنين حتى البشر الحديث لعالم اليوم. تشمل هذه الفترة الهائلة من الزمن العديد من التقنيات التي جاء وصفها في هذا الكتاب، ومنها ترويض النار، وابتكار الملبس والمسكن، وتطور استخدام الرموز، وتبنِّي الزراعة، وبدايات الحضارة المدنية. في الواقع، لم تبدأ نهاية العصر الحجري فعليًّا إلا حين بدأ تطوير تقنيات التعدين منذ بضعة آلاف السنين.

حين نضع في الاعتبار أن أقدم الأدوات الحجرية يبدأ تاريخها من ثلاثة ملايين عام تقريبًا، يشمل العصر الحجري من هذا المُنطلَق نحو ٩٩٫٨ في المائة من التاريخ البشري كله، وستُساوي كل «العصور» المتبقية واحدًا على خمسة في المائة فقط من زمن أشباه البشر على الأرض، بل إن حضارات العالم الجديد المتقدِّمة — ومن بينها حضارات الأزتك والمايا والإنكا، بمراكزها الحضرية الزاخرة، وديانتها المعقَّدة، وكتابتها الهيروغليفية المتطوِّرة، وبيروقراطياتها المنظمة، وإنجازاتها المميزة في الرياضيات وعلم الفلك — ربما تُعَد مجتمعات وثقافات تابعة للعصر الحجري؛ لمجرد أن تلك الشعوب المعقَّدة والمتطوِّرة لم تصنع أو تستخدم أدوات وأسلحة معدنية.3

كذلك أدَّى مفهوم «العصر الحجري» إلى انطباع خطأ مُفاده أن الأدوات الحجرية كانت أكثر الأدوات الأثرية انتشارًا التي استخدمها بشر ما قبل التاريخ في حياتهم اليومية، لكن رغم أن الأدوات الحجرية كانت تُستخدم في تشكيل مواد أخرى ونحتها وسنِّها، كان أغلب الأدوات المستخدمة في عصور ما قبل التاريخ تُصنع من مواد قابلة للبِلى اختفت سريعًا من السجل الأثري، إلا أنه يوجد أنواع أخرى من الأدلة في شكل أنماط من الهجرة التي جرت في عصور ما قبل التاريخ، وفي أنماط تلف الأدوات الحجرية، بل وحتى في التاريخ الجيني لقمل الجسد البشري، لكن قبل نظر هذه الأشكال الأخرى من الأدلة لا بد أن نذكُر كم هو مألوف أن تُنشئ حيوانات ذات قدرات ذهنية أقل منا بكثير أماكن للمعيشة.

أماكن المعيشة التي تبنيها الحيوانات

اختصاصيو علم الرئيسيات الذين درسوا سلوك مجموعات برية من القردة العليا لاحظوا أن كل هذه الأنواع تستخدم موادَّ طبيعية لبناء أعشاش نوم لأنفسها، بل إنها في بعض الحالات تُغطي رءوسها وأجسادها بالزرع لحماية أنفسها من ظروف الطقس. ولم تكن القردة العليا مطلقًا أول الحيوانات أو الحيوانات الوحيدة التي تبني مساكنها، فبناء الحيوانات أماكن للسُّكنى لهُو تصرُّف شديد القِدم في تاريخ حياة الحيوانات على الأرض.

النمل والنمل الأبيض — اللذان ظهرا لأول مرة على هذا الكوكب منذ عشرات ملايين السنين، ولديهما «أدمغة» أصغر من رأس الدبوس — يبنيان أعشاشًا دقيقة من أجل مستعمراتهما التي تضمُّ آلاف الأفراد بحفر أنفاق وحُجرات في الأرض والخشب المتآكل. وتبني الدبابير والزنابير أعشاشها من «ورق» خاص تصنعه بمضغ ألياف الخشب. ويبني النحل خلاياه المذهلة هندسيًّا من الشمع الذي تُنتجه غددٌ صغيرة جدًّا واقعة أسفل القشور التي تُغطي بطونها.

أما بين الحيوانات العليا، فالعشرة الآلاف من الأنواع الحية من الطيور كلها تقريبًا تبني أعشاشها من المواد الطبيعية الموجودة في بيئاتها — ومنها الغصون والفروع والغاب والحشائش والوحل وحتى ريشها — وتستخدمها للنوم، ووضع بيضها، ورعاية صغارها. وثَمة أنواعٌ متعددة من القوارض والحيوانات الصغيرة — ومنها الفئران والجرذان والأقداد والسناجب والأرانب وكلاب البراري وقوارض الجوفر والفئران الجبلية — تصنع أعشاشًا لنفسها في أشجار مجوَّفة وجحور تحت الأرض. تتكوَّن بعض هذه الجحور من شبكات معقَّدة من الأنفاق والحجرات ينام فيها سكانها، ويُخزِّنون طعامهم ويأكلون، ويضعون صغارهم، ويعيشون أكثر حياتهم وهم بالغون.

fig12
شكل ٤-١: جحر قندس في الشتاء. رغم أن مخه لا يزيد عن حجم الجوز إلا قليلًا، فالقندس يبني مسكنًا معقدًا بمداخل وفتحات تهوية مستترة بمهارة. (صورة توضيحية بريشة مايك ستوري. أُعيد طباعتها بإذن.)
أخيرًا وليس آخرًا، حيوان القندس، وهو من القوارض، يزيد حجم دماغه قليلًا على ثمرة الجوز، من عادته أن يقطع الأشجار الصغيرة، وبخلط الجذوع الصغيرة والشتلات بالوحل والأحجار يُكوِّن بركًا وأهوارًا أو يُكبِّر حجمهما حتى يصنع بيئته الخاصة من المياه التي لا يرتفع مستواها عن الخصر. بعد بناء هذه الموائل الصناعية يمضي القندس لبناء مساكنه في شكل بيوت مفصَّلة بمداخل تحت مائية، وفتحات تنفُّس للتهوية مخفية بمهارة، وحجرات جافة وفسيحة لتناول الطعام والنوم والولادة وتربية الصغار (انظر شكل ٤-١).

رغم أنه من المنطقي أن تكون القدرة على بناء هذه المآوي الحيوانية مبرمجة مسبقًا جينيًّا، فإن وجودها بوفرة يُثبت أن النوع الحيواني لا يحتاج إلى الحركة على قدمين أو الاستخدام الحر لليدين القابضتين، أو دماغًا كبيرًا حتى يبني مآوي من مواد طبيعية موجودة في بيئته. في الواقع، قد يكون بناء أشباه البشر لأماكن السُّكنى قائمًا لدرجة كبيرة على نزعة جينية قديمة مُشتركة تجمع بين كل من أشباه البشر والقردة العليا وموروثة من سلف مُشترك.

أعشاش القردة العليا

في عام ١٩٨٥م نشر كولين بي جروفز اختصاصي علم الإنسان البيولوجي وجوردي ساباتير باي اختصاصي علم الرئيسيات، دراسةً رائعة عن الأعشاش التي تبنيها يوميًّا ثلاثة أنواع حية من القردة العليا — قردة الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب — وثلاثتهم موجودون مع البشر في فصيلة الرئيسيات التي يُطلَق عليها اسم الأناسي. تُستخدم أعشاش القردة العليا في المقام الأول ليلًا من أجل النوم، لكنها تُستخدم أيضًا من حين لآخر خلال النهار للراحة وتناول الطعام. ذكر جروفز وساباتير باي أن أنواع القردة العليا الثلاثة كلها من بناة الأعشاش، وأن هذه الأنواع تبني عشًّا جديدًا كل يوم، وأن بناء هذه القردة للأعشاش يحتاج قدرًا كبيرًا من المهارة، وأن عشَّ كل نوع يُعطي تصميمًا متوقعًا يُكرره كل الأفراد البالغين بانتظام رائع.4

تعيش قردة أفريقيا الاستوائية من نوعية الشمبانزي والغوريلا بعيدًا عن قردة جنوب شرق آسيا من نوعية إنسان الغاب بمقدار عدة آلاف الأميال، وتشعَّبت أصولها منذ خمسة عشر مليون عام، لكن تشترك الأنواع الثلاثة في العديد من السمات المشتركة فيما يتعلَّق بعادات بناء الأعشاش؛ فجميع أعشاشها تُبنى بالوقوف في موقع واحد، وثني فروع النباتات المورقة التي تحيط بها، ووطء هذه الأوراق والفروع بالقوائم الخلفية، حتى يُقام عشٌّ كبير على هيئة كوب يبلغ قُطره عدة أقدام. كذلك قد تقتطع هذه الأنواع فروعًا أخرى من أشجار وشجيرات مجاورة وتُضيفها إلى الكومة، وفي حالات عدة تعمل على تشطيب العش بفرشه بنباتاتٍ أكثر ليونة لصنع فراش يمنحها مزيدًا من الراحة.

كل أعشاش القِرَدة العليا بالحجم والشكل نفسَيهما؛ مُستديرة أو بيضاوية الشكل، ويتراوح قطرها بين قدمين وأربع أقدام. الأنواع الثلاثة كلها تبني أعشاشًا جديدة كل يوم من مواد نباتية في متناول يدها، ودائمًا ما تستخدمها مرةً واحدة فقط. كل عضو بالغ في المجموعة يبني عشه، ولا يتشارك أعشاش النوم إلا الأمهات وأبناؤهن الصغار، ويكاد لا يتشاركه اثنان أو أكثر من البالغين أبدًا.5 والأعشاش التي يبنيها أفراد المجموعة نفسها من القردة دائمًا ما تُبنى إلى حدٍّ ما متجاورة في موقع واحد، يُعرف باسم «موقع الأعشاش». تُوحي نقاط التشابه هذه بأن القردة العليا تبني أعشاشها فطريًّا للنوم، تمامًا كما تبني الطيور فطريًّا الأعشاش التي تضع فيها بيضها وترعى فيها صغارها، لكن الأمور أعقد من ذلك.

فقد تبيَّن أنه ليس هناك سوى القردة التي تُولد وتنشأ في البرية — حيث شاهدت النوع الذي تنتمي إليه يبني أعشاشًا كل ليلة، وحيث نامت مع أمهاتها طوال السنوات الأولى من حياتها — هي التي تستطيع على ما يبدو أن تبني أعشاشًا لأنفسها حين تُؤسَر؛ فقردة الشمبانزي التي تُولد وتنشأ في الأسر لا تبني أعشاشًا، حتى إن وُضعت في أقفاص مع قردة شمبانزي من المولودة في البرية التي تبني أعشاشها كل يوم. من ثَم رغم النزعة الفطرية لدى القردة لبناء الأعشاش، يبدو من الضروري أن تطلع هذه الكائنات على تجارب تعليمية معيَّنة في مرحلة مبكرة من حياتها حتى تتجلَّى هذه النزعة في سلوكها حين تصير بالغة. بإيجاز، ينطوي بناء الأعشاش بين القردة العليا على عناصر أساسية من كلٍّ من التعليم والوراثة.

بالإضافة إلى ذلك، يُظهر اثنان من أنواع القردة العليا الثلاثة سلوكياتٍ تبدو بمثابة مقدمات لاستخدام أشباه البشر الملابس؛ فتستخدم قردة الشمبانزي أوراقًا كبيرة كأنها «قبعات» لتقي رءوسها أثناء انهمار الأمطار المدارية الغزيرة، وكثيرًا ما تُغطي قردة إنسان الغاب أجسادها بأوراق وفروع الأشجار ليلًا. في بعض الحالات تحمل الفروع السائبة أو تُوازنها فوق رءوسها لتُشكل ما يُشبه سقفًا بدائيًا. في الواقع، غالبًا ما تُغطي قردة إنسان الغاب الواقعة في الأسر رءوسها بأكياس فارغة، بل وقد تُغطي أجسادها بالكامل بالقش عند الاستعداد للنوم.

بعد أن أعطى جروفز وساباتير باي حُججهما بشأن تشارك القردة العليا توارث بناء الأعشاش أتبعاها بشيء آخر؛ فقد أشارا إلى أن أسلاف أشباه البشر وقردة الشمبانزي تباعَد بعضهما عن بعض منذ نحو سبعة ملايين عام، في وقتٍ متأخر كثيرًا عن انفصال سلف أشباه البشر عن إنسان الغاب، الذي كان منذ خمسة عشر مليون عام تقريبًا؛ ولذلك فهما يُجادلان أنه من المحتمل أن تكون النزعة الجينية لبناء أماكن للعيش الجلية جدًّا بين كل القردة العليا موجودة أيضًا في الحمض النووي لأشباه البشر، بما يشمل من عاش منهم في العصور الحديثة وفي عصور ما قبل التاريخ.

كتب الاثنان يقولان: «لا بد أن نكون واضحين تمامًا بشأن سبب شعورنا بأن لدينا مبررًا للبحث عن أصل مشترك لأنماط بناء الأعشاش/بناء المخيمات بين البشر والقردة العليا … فحين تؤدي أربعة أنواع — قردة إنسان الغاب والشمبانزي والغوريلا والبشر — نشاطًا معينًا تشابهت مكوِّناته الحركية ونتائجه النهائية، فإن مبدأ الاقتصاد في التفسير يشير إلى أن آخر جد مشترك بينهم كان يفعل الشيء نفسه، وأن نسله ظلُّوا يفعلونه منذ ذلك الوقت … فبما أن إنسان الغاب أقل قرابة للغوريلا والشمبانزي من قرابة البشر إليهما، كان هذا السلوك ليصير موجودًا في سلالة الإنسان البدائي كذلك.»6 ثم يمضي المؤلفان فيعدِّدان نقاط التشابه بين أماكن المعيشة التي يُقيمها القردة وتلك التي يُقيمها صيَّادو وجامعو ثمار العصر الحديث.

كل عش من أعشاش القردة يستخدمه فردٌ واحد، وهو دائري أو بيضاوي الشكل، ويتراوح قُطره بين قدمين إلى ثلاث أقدام. أما مسكن الإنسان فتستخدمه أسرة مصغَّرة واحدة، وذو شكل دائري أو بيضاوي، ويتراوح قُطره بين ست وثماني أقدام (المساكن ذات الجوانب المربعة لم يبنِها الصيادون وجامعو الثمار؛ فلم تظهر هذه المساكن حتى بدأ البشر الحديث تشريحيًّا بناء منازل دائمة لأنفسهم حين تبنَّوا تقنية الزراعة منذ أقل من عشرة آلاف عام). في العادة يشتمل كلٌّ من مواقع أعشاش القردة ومواقع مخيمات البشر على عددٍ يتراوح بين عشرين وثمانين فردًا، وتُنشأ كلتاهما داخل منطقة دائرية أو بيضاوية يتراوح قُطرها بين ثلاثين وستين قدمًا. وداخل كل من مواقع أعشاش القردة ومواقع مخيمات أشباه البشر، دائمًا ما يفصل بين كل عش وآخر أو مسكن وآخر مسافةٌ تبلغ نحو اثنتَي عشرة قدمًا.

أوجه التشابه بين أعشاش القردة العليا ومساكن أشباه البشر — وحقيقة أصلهما المشترك — تشير إلى أربعة استنتاجات محتملة. أولًا: قد يكون في الحمض النووي لأشباه البشر مكوِّن جيني هو ما يمنح كل أشباه البشر الاستعداد لبناء المسكن. ثانيًا: من المحتمل أن هذا الاستعداد الجيني كان موروثًا من قردة عصور ما قبل التاريخ التي كانت سالفة لكل من أشباه البشر والقردة العليا. ثالثًا: إذا كان ثَمة عنصرٌ أساسي من التعلم في قدرة القردة على بناء الأعشاش فلا عجب أن يكون هناك عنصر تعلُّم أساسي شبيه أيضًا في قدرة أشباه البشر على بناء المسكن. ورابعًا: ربما كان نشاط إنشاء أماكن السُّكنى سمةً ثابتة في سلوك أشباه البشر، وربما كانت قد اكتملت بالفعل حين ظهرت القدرة على السير على قدمين لأول مرة لدى أوائل أشباه البشر منذ فترة تتراوح بين خمسة وستة ملايين سنة.

لكن يُصادفنا هنا مرةً أخرى تحفظ علم الحفريات، الذي يميل إلى الافتراض — مع الافتقار إلى أدلة تُثبت العكس — أن أفضل طريقة لرؤية عدم وجود دليل اعتباره دليلًا على عدم الوجود؛ فرغم مهارات القردة العليا الموثقة جيدًا في بناء الأعشاش — واستنتاج اختصاصيي علم القردة العليا أن هذا السلوك شائع بين هذه الأنواع — ما يزال الكثيرون من اختصاصيي علم الحفريات يُجادلون بأن أشباه البشر لم يبنوا قطُّ مساكنهم حتى ظهور الإنسان الحديث تشريحيًّا في أوروبا منذ أقل من خمسين ألف عام.

أما الهومو إريكتوس، بدماغه الكبير نسبيًّا وسريع النمو، فلم يكن ليصعب عليه كثيرًا أن يبني كوخًا بدائيًّا بحبك العِصي والأعمدة معًا وتغطية هذا الإطار بجلود الحيوانات أو الأوراق والفروع. ولا كان ليصعب على هذا الكائن الواسع الحيلة أن يَحيك من جلود الحيوانات قبعات وعباءات ليحمي نفسه من أشعة الشمس الحارقة والأمطار الغزيرة في المناطق المدارية. ورغم عدم العثور على بقايا مادية لمثل تلك المصنوعات العتيقة في أقدم المواقع الأثرية، هناك أنواع أخرى من الأدلة التي تُوحي بأن أنواعًا أخرى من أشباه البشر الذين عاشوا في عصور ما قبل التاريخ قد صنعوا بالفعل المساكن والملابس، واستخدموها قبل ظهور الإنسان الحديث تشريحيًّا في المشهد بوقتٍ طويل.

مساكن أشباه البشر

رغم قلة الآثار التي يمكن العثور عليها لمساكن أشباه بشر من فترات زمنية مُوغلة في القِدم، إلا أنه ثَمة استثناءات مُثيرة. أحد أهم هذه الاستثناءات عبارة عن تكوينات معيَّنة من أحجار وأغراض أخرى ثقيلة عُثر عليها مرتَّبةً في دوائر أو مدارات بيضاوية في بعض أقدم مواقع السكن المكشوفة التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ. رأى بعض اختصاصيي علم الحفريات أن هذه الدوائر الحجرية هي بقايا للأساسات التي وضعها أشباه بشر من عصور ما قبل التاريخ لحمل جدران المساكن التي أقاموها من إطار من العصي، والتي غطَّوها بجلود الحيوانات أو سقفوها بسعف النخيل أو الغاب أو الحشائش.

أقدم هذه الدوائر الحجرية — وأكثرها إثارة للجدل — مجموعة من كتل البازلت الضخمة (حجر بركاني) عثر عليها لويس ليكي في مضيق أولدوفاي في شرق أفريقيا، في رواسب يعود تاريخها إلى ١٫٨ مليون سنة. تكاد تخلو المنطقة داخل هذه الدائرة الحجرية تمامًا من أي قطع أثرية، في حين يتناثر في المنطقة الواقعة خارج الدائرة مباشرةً بقايا لأدوات وعظام فريسة من الحيوانات. هذا يوحي بأن أشباه البشر الأوائل الذين سكنوا هذا الموقع كانوا يُلقون بنفاياتهم خارج مسكنهم مع جعل المسكن من الداخل خاليًا نسبيًّا من أي ركام أو فضلات، وهو نمط سلوكي لُوحِظ كثيرًا بين الصيادين وجامعي الثمار المعاصرين.

ثَمة أدلةٌ أكثر حسمًا على هيئة دوائر حجرية موثقة بعناية ارتبطت بمواقع تعود إلى عصور ما قبل التاريخ في أوروبا. يقع أحد هذه المواقع في تيرا أماتا، وهو موقعٌ مكشوف بالقرب من نيس في جنوب فرنسا، والآخر هو بيلزينجسليبين، وهو موقع مكشوف في وسط ألمانيا. وفقًا للتقديرات، يبلغ عمر هذين الموقعين ٣٨٠ ألف عام، وتلك كانت فترة دافئة في المناخ العالمي، حين أنشأت أعداد من الإنسان المنتصب القامة، هومو إريكتوس، الأكثر تطورًا في شمال أوروبا7 مقرَّات إقامة دائمة؛ فقد عُثر في كل من تيرا أماتا وبيلزينجسليبين على مجموعات من الأحجار المرتَّبة في تشكيل دائري مميَّز، وفي كلتا الحالتين فسَّر العلماء الذين نقَّبوا في هذه المواقع وجود هذه الدوائر الحجرية بأنها أساسات لأكواخ صغيرة.

في تيرا أماتا، على ساحل البحر المتوسط الفرنسي، وجد عالم الآثار الفرنسي هنري دو لوملي بقايا رماد وسط كل دائرة حجرية، في إشارة إلى أن السكان كانوا يُشعلون النار داخل أكواخهم بانتظام. كذلك تعرَّف دو لوملي على عدة جدران منخفضة من الأحجار وحصى الشواطئ التي كانت قد أُقيمت على الجانب الشمالي الغربي من كل مستوقد، لحماية النار على ما يُفترض من رياح «المسترال» العاتية التي كثيرًا ما تهبُّ من الشمال الغربي في تلك المنطقة. كان دو لوملي يعتقد أن أسطح أكواخ تيرا أماتا كان يحملها شيءٌ شبيه ﺑ «وتد الخيمة» يقف في وسط الكوخ، وافترض أن كلًّا من هذه الأكواخ كان مزوَّدًا بثقب في السقف لإخراج دخان النار التي كانت تُشعل بداخلها.

وفي بيلزينجسليبين قضى عالما الآثار الألمانيان ديتريش وأورسولا مانيا سنوات في التنقيب في موقع سكني مكشوف كبير أسفرت عن العثور على عظام مشروخة ومكسرة للعديد من حيوانات الصيد، والكثير من الأدلة على إشعال النار، وآلاف الأدوات المصنوعة من الأحجار والعظام والقرون والعاج. وجد آل مانيا في بيلزينجسليبين إطارات لثلاث حلقات بيضاوية وأغراض ثقيلة أخرى اعتقدا أنها كانت أساسات لمساكن. وكانت مداخل كل هذه الأساسات تُفضي إلى الجنوب الشرقي؛ بما يوحي بأنها كانت مبنية لتحاشي الرياح الشمالية الغربية السائدة. وأخيرًا، كانت آثار المواد المحترقة، أمام هذه الحلقات البيضاوية الثلاث، تُشير إلى أن سكان بيلزينجسليبين كانوا يُضرِمون النار في مداخل هذه المساكن بانتظام.

حين بدأ بشر النياندرتال بعد ذلك بمدة طويلة الاستقرارَ في شمال أوروبا واصطياد الماموث الصوفي ووحيد القرن الصوفي والخيول البرية والماشية البرية أثناء العصور الجليدية الأخيرة، استخدموا عظام الماموث في بناء جدران من أجل مساكنهم الشبيهة بالحصون. أقدم هذه المواقع يكاد يبلغ ٤٥ ألف عام، ويوجد في موقع مولدوفا الأول في أوكرانيا، حيث وُفقت معًا فكوك وجماجم وعظام أطراف كبيرة تعود لهياكل خمسة عشر ماموثًا على الأقل، ورُتبت في دائرة كبيرة. يُماثل موقع مولدوفا الأول بدرجة كبيرة أطلالَ مستوطنات أخرى من عظام الماموث بناها بشرٌ حديث تمامًا منذ نحو ١٥ ألف سنة. لم يبقَ شيء من جدران هذا البناء وأسقفه، الذي ربما كان مكونًا من إطار من العصي مُغطًّى بجلود الحيوانات الضخمة — الماموث ووحيد القرن وثور البيسون والماشية البرية — التي كان يصطادها سكانه غير العاديين.

لكن حين استنتج العلماء الذين نقبوا في مواقع تيرا أماتا وبيلزينجسليبين ومولدوفا أن هذه الدوائر من الأحجار وعظام الماموث كانت بقايا لمساكن، سريعًا ما واجهت تفسيراتهم تحديات؛ فرغم المعرفة المتقدمة بالنجارة التي أبداها البشر الناشئون في أزمنة مبكرة منذ ٤٠٠ ألف سنة، إلا أن انعدام الجدران والأسقف جعل العديد من اختصاصيي علم الحفريات يتقدمون بتفسيرات بديلة لوجودها. شملت هذه التفسيرات نظريات تقول بأن الدوائر ربما تكوَّنت جرَّاء حركات طبيعية للتربة، أو من إزالة ركام غير مرغوب فيه، أو حتى ربما أقامها أحد شعوب ما قبل التاريخ كجزء من طقس ديني افتراضي ما.

لكن حين نضع في اعتبارنا أنه حتى أطلال المساكن التي تعود لفترات تاريخية حديثة نسبيًّا تكاد تخلو تمامًا من آثار لإطارات خشبية، أو سقوف من القش، أو أغطية من الجلود التي كانت فيما مضى جزءًا من بنائها الأصلي في وقتٍ ما، فلا نجد سببًا لتوقع أن تحتوي المساكن الأقدم منها بمئات المرات على مثل تلك الأدلة. وقد تكون هذه حالة أخرى من الحالات التي يُساء فيها تفسير عدم وجود دليل على أنه دليل على عدم الوجود.8

إلا أنه ثَمة أدلةٌ قوية على أن معالجة جلود الحيوانات تعود إلى زمنٍ بعيد من عصور ما قبل التاريخ من حياة أشباه البشر، وقد أكَّد هذا الفحص المجهري لأدوات حجرية قديمة، وخاصةً الأدوات المسطَّحة الضخمة ذات الحد القاطع الواحد المسمَّاة بالمكاشط. عند النظر إلى الحد القاطع لهذه الأدوات تحت المجهر، يمكن رؤية نمط مميز من التآكل، وهذا «التآكل المجهري» يشير إلى أن العديد من هذه المكاشط كان يُستخدم في إزالة اللحم والدهن من الجانب السفلي لجلود الحيوانات. في الواقع، يعود دليل التآكل المجهري على استخدام أدوات حجرية في كشط الجلود إلى ٧٨٠ ألف سنة على الأقل، وقد استمر هذا السلوك دون انقطاع في ثقافات الصيد وجمع الثمار حتى صارت الأدوات المعدنية متاحة في العصور الحديثة.

إزالة اللحم من الجلود خطوة أولى ضرورية في عملية تحويل جلد الحيوانات إلى جلدٍ مدبوغ. الجلود التي كان يدبغها الصيادون والجامعون كانت تُستخدم كلها تقريبًا في غرض من ثلاثة أغراض؛ أولًا: من أجل أسقف الخيام والأكواخ وأغطيتهما. ثانيًا: من أجل الفراش المستخدم داخل مساكن أشباه البشر. وثالثًا: من أجل الأثواب والعباءات والقبعات والأحذية والقفازات، وسائر الملابس الأخرى التي لا بد أن أشباه البشر كانوا يرتدونها حين استقر بهم المُقام في البداية في المناطق الشمالية البعيدة. الدليل على أن جلود الحيوانات الخام كانت تُدبغ هو في حد ذاته دليلٌ غير مباشر على أن أناس ما قبل التاريخ كانوا يبنون مساكن ويَحيكون ملابس منذ مئات آلاف السنين.

انتهاء مرحلة العراء

لا توجد سوابق تُذكر لارتداء أي أنواع حيوانية غير أشباه البشر للملابس. يأتي اختراع أشباه البشر للملابس، جنبًا إلى جنب مع ترويض استخدام النار، كأحد الإنجازات الفريدة التي تُميِّزنا عن كل الأشكال الأخرى من الأحياء الحيوانية. ويعود استخدام الجلود المدبوغة وغيرها من المواد الطبيعية في ستر أجساد أشباه البشر مئات آلاف السنين إلى زمن البشر الناشئين.

أقوى دليل على أن البشر الناشئين صنعوا الملابس واستخدموها يقوم على الحقيقة الراسخة أنهم بدءوا منذ زمن بعيد الاستقرارَ في مناطق جغرافية بعيدة جدًّا شمالًا، حتى إن البقاء على قيد الحياة في تلك المناطق دون ملابس كان سيصير مستحيلًا من الأساس. رغم أن بعض جماعات الهومو إريكتوس كانت بالفعل قد استقرت في المناطق الشبه المدارية في أوروبا وآسيا منذ مليونَي عام، فإنهم لم يتوسَّعوا إلى الدوائر الشمالية قبل نصف مليون عام مضت؛ أي بعدها بنحو ١٫٥ مليون عام.

لماذا هاجَر الهومو إريكتوس شرقًا قاطعين آلاف الأميال من المروج ليستقروا في بيئات جاوة وجنوب الصين الشبه المدارية بدلًا من عبور بضع مئات الأميال شمالًا إلى بيئات شمالي أوروبا وآسيا الغنية بحيوانات الصيد؟ ولماذا كان ليمر أكثر من مليون عام بين زمن مغادرة الهومو إريكتوس لوطنهم الأفريقي وزمن توسعهم النهائي في الأراضي الشمالية؟ الإجابة الأكثر ترجيحًا هي أن فصول الشتاء في الدوائر الشمالية كانت ببساطة باردةً جدًّا بالنسبة إلى حيوانٍ مداري صار عاريًا كجزء من تكيُّفه للعيش باستخدام النار. في الواقع، ما كان لأحد أشباه البشر أن يستطيع البقاء على قيد الحياة دون ملابس في مناخات كانت تنخفض فيها دائمًا درجات حرارة الشتاء لأدنى من ثلاث وخمسين درجة فهرنهايت.9

رغم أنه من المحتمل أن يكون الهومو إريكتوس قد استخدموا النار لحماية نوعهم من الضواري، ولإطالة وقت بقائهم مُستيقيظين، ولطهي طعامهم، لم تلعب النار دورًا فعَّالًا في الحماية من البرد إلا حين أصبح البشر الناشئون آمنين في مخيَّماتهم ليلًا. أما نهارًا، أثناء صيدهم الحيوانات وجمعهم الفاكهة والخضروات، فإن إشعال النار بالخارج في العراء كان سيصبح غير عملي، بل وقليل الفائدة كذلك في بعث الدفء. بناءً على ذلك، كان أشباه البشر، حتى يتَّخذوا نمط الحياة البدوي من صيد وجمع ثمار في الطقس البارد، سيحتاجون الملبس: قبعات لرءوسهم، وأثواب لأبدانهم، وربما أحذية عادية أو طويلة لأقدامهم وقفازات لأياديهم. وأخيرًا، لا بد أن الهومو إريكتوس كانوا قد تعلَّموا حياكة كل هذه الأشياء أو أغلبها من جلود الحيوانات.

لعلكم تتذكَّرون أنه منذ ٤٠٠ ألف عام، كما أظهرت رماح شونينجين بوضوح، كانت جماعات الهومو إريكتوس التي تعيش في ألمانيا تصنع أغراضًا خشبية دقيقة تحتاج قدرًا كبيرًا من المهارة والتخطيط، وعملية تصنيع معقَّدة متعددة المراحل. لا يوجد سببٌ إذن لافتراض أن صناع مثل تلك الأدوات لن يكونوا قادرين بالمثل على صنع قبعات وأثواب وقفازات وأحذية لأنفسهم. إذن من المرجَّح جدًّا أن بدء ظهور بقايا للهومو إريكتوس في شمال أوروبا وآسيا منذ نحو ٥٠٠ ألف عام هو المرحلة التي بدأت فيها تقنية المساكن والملابس تأخذ مكانها في تاريخ البشر إلى جانب التقنيات الرئيسية الأخرى من رماح وعِصي حفر ونار، وكان هذا قبل ظهور الإنسان الحديث على الساحة بوقتٍ طويل.

اختصاصيو علم الإنسان الذين درسوا احتياجات بشر النياندرتال للطاقة، الذين ظهروا بعد البشر الناشئين وعاشوا في شمال أوروبا أثناء الجزء الأخير من العصور الجليدية، استنتجوا أنه رغم أن بشر النياندرتال ضِخام الجثة مفتولو العضلات كانوا قد «تكيَّفوا مع البرد»؛ فإنهم لم يتميزوا كثيرًا عن الإنسان الحديث تمامًا في قدرتهم على البقاء على قيد الحياة في الجو البارد. في الواقع، قُدِّر أن بشر النياندرتال لم يكونوا ليقوَوا على تحمُّل الأجواء الشتوية في المناطق التي سكنوها في شمال أوروبا دون تغطية ما بين خمسين إلى تسعين في المائة من أجسادهم بكساء من نوعٍ ما.

ولتحديد أرجحية صنع بشر نياندرتال شمال أوروبا واستخدامهم الملابس، أجرى ناثان ويلز اختصاصي علم الإنسان استقصاءً شاملًا للتقارير المنشورة عن الملابس التي صنعتها وارتدتها ٢٤٥ مجتمعًا من مجتمعات الصيد وجمع الثمار التي درسها اختصاصيُّو علم الإنسان على مدار المائة عام الماضية أو نحو ذلك. وقد وجد ويلز أن القدر الذي كان يُغطِّيه الصيادون وجامعو الثمار من أجسادهم بالملابس كان مُلائمًا تمامًا مع المناخات الشتوية في البيئات التي سكنتها هذه المجتمعات.

أشار ويلز أن الشعوب الناطقة بلغة كري السهول في ألبيرتا وساسكاتشوان — منطقة في السهول الكبرى الشمالية حيث فصول الشتاء طويلة وباردة — دائمًا ما يرتدون مئزرًا وطماقًا من الجلد، وأخفافًا ذات عازل من الحشائش، وقبعة تُغطي بعض الرأس، ورداءً من جلد الجاموس فوق الجذع وكتف واحدة. وفق حسابات ويلز، يُغطي الزي التقليدي لشعوب الكري ٧٧٫٥ في المائة من الجسم. وقد أعطت الثقافات الأخرى ذوات المناخ البارد نتائج مشابهة؛ فقد كان نساء شعب التلينجيت في شمال غرب المحيط الهادئ يرتدين قمصانًا مفصَّلة وتنورات داخلية من نسيج لحاء أشجار الأرز، وبطاطين من صوف خراف الجبل، وقبعات مصنوعة من الجذور غير مُنفِذة للماء، تُغطي ٧٧ في المائة من الجسم، حتى بالرغم من أنه في الساحل الشمالي الغربي، حيث نادرًا ما تنخفض درجة الحرارة في الشتاء انخفاضًا كبيرًا لأقل من درجة التجمد، كانت النساء يعتدْن الخروج دون تغطية أسفل سيقانهن وأقدامهن (انظر شكل ٤-٢).
fig13
شكل ٤-٢: ابن زعيم جماعة كري السهول في زي احتفالي. لاحظ ملابسه المخيطة التي تكاد تغطي جسمه بأكمله وهو من شعوب الصيد والجمع في سهول أمريكا الشمالية. (جيرالدين مودي/المؤسسة الكندية للمكتبات والمحفوظات.)
مستندًا إلى حساباته لحجم الجسد البشري الذي كان يُغطَّى بالملابس في مجتمعات الصيد وجمع الثمار المعروفة، انتهى ويلز إلى أن أغلب جماعات النياندرتال التي كانت تعيش في أوروبا اضطُرَّت لارتداء ملابس حتى تبقى على قيد الحياة. في الواقع، العديد من المناطق الأثرية التي احتوت على أدوات حجرية صنعها بشر النياندرتال واستخدموها، تقع في مناطق كانت ستُحتِّم على سكانها أن يُغطُّوا ما بين ٧٠ و٩٠ في المائة من أجسادهم خلال الشتاء. والعديد من هذه المواقع كانت في مناطق يُرجَّح فيها أن يكون بشر النياندرتال قد غطَّوا كذلك أياديهم وأقدامهم في أشد الشهور برودة (انظر شكل ٤-٣).
fig14
شكل ٤-٣: خريطة لأوروبا تُبين الحد الأدنى من الجسم الذي كان لا بد أن يُغطيه بشر النياندرتال بالملابس للبقاء على قيد الحياة قبل ٧٠٠٠٠ و٥٠٠٠٠ عام. (الصورة منسوخة من جريدة «هيومان إفوليوشن»، السنة ٦٣، العدد السادس، ناثان ويلز، نمذجة ملابس إنسان النياندرتال باستخدام نظائر إثنوغرافية، صفحة ٧٨٦، حقوق النشر لعام ٢٠١٢م، بتصريح من «إلسفير».)

افترض ويلز أن النياندرتال كان يصنع ملابسه من جلود الحيوانات الضخمة مثل الماشية البرية والخيول والماموث، وانتهى في الوقت نفسه إلى أن عدم وجود أي أثر لأدوات حياكة، مثل إبر من العِظام، في مواقع النياندرتال يوحي بأنه، على عكس صيَّادي وجامعي ثمار العصر الحديث، مثل شعوب الكري والتلينجيت، كان بشر النياندرتال يرتدون جلود الحيوانات كاملة على غِرار الشمال، ويُثبتونها على أجسادهم بسيورٍ مصنوعة من الجلود أو الأوتار.

في وقتٍ لاحق ومع ظهور الإنسان الحديث تشريحيًّا في أوروبا، بدأ تفصيل الملابس بالشكل الموجود بين الصيادين وجامعي الثمار المعاصرين. والملابس المفصَّلة يجب خياطتها بإبر وخيوط، ويجب أن تكون على مقاس الأطراف والجذع حتى تُوفِّر أقصى حماية ضد البرد. بقايا الإبر المصنوعة من العظام وأدلة أخرى من المواقع التي كان يسكنها بشر الكرومانيون وغيرهم من أجناس الإنسان الحديث تشريحيًّا تُوحي بأن الملابس المفصلة نشأت مع نوعنا، الهومو سيبيانز، إلا أن التاريخ الطبيعي لطُفيل دقيق يغزو جسد الإنسان يُعطي مزيدًا من الأدلة على أن أول ملابس غير مفصَّلة لم تنشأ أثناء عصر الكرومانيون أو النياندرتال منذ عشرات آلاف السنين، وإنما خلال عصر البشر الناشئين منذ مئات آلاف السنين.

قصة ثلاث قملات

كلٌّ من قردة الشمبانزي والغوريلا يُصيبها نوعٌ واحد فقط من القمل، لكن الجسد البشري يعيش فيه ثلاثة أنواع مختلفة من القمل؛ فقمل الرأس البشري يعيش في شعر فروة الرأس، وقمل الجسم البشري يعيش في ملابس الإنسان، وقمل العانة يعيش في شعر العانة، وهو المسئول عن الحالة المنقولة جنسيًّا المعروفة باسم «القمل السرطاني». خلال تسعينيات القرن العشرين، أجرى عدد من العلماء سلسلة من التحاليل الجينية الدقيقة لهذه الأنواع المختلفة من القمل في محاولة لإعادة تنظيم تاريخها التطوري (انظر شكل ٤-٤).
fig15
شكل ٤-٤: أنواع القمل الثلاثة التي تُصيب جسم الإنسان. أعلى اليسار: قملة الجسم البشري. أعلى اليمين: قمل الرأس البشري. تحت: قمل العانة البشرية. (صورة قملة الرأس البشري؛ مصرح بالنشر بموجب رخصة المشاع الإبداعي الإصدار ٣٫٠ التي تقتضي نسب المصنف لصاحبه والترخيص بالمثل. صورتا قملة الجسم البشري وقملة العانة بتصريح من مراكز مكافحة الأمراض، التعرف المختبري على الأمراض الطفيلية.)

قمل الرأس البشري وقمل الجسم البشري هما نُويعان مُتقاربان، وكلاهما يتقاسمان أصلًا مشتركًا مع قمل الشمبانزي، الذي يبدو أنهما انفصلا عنه منذ ستة ملايين عام تقريبًا. هذا يبدو منطقيًّا تمامًا؛ حيث إنه يتَّفق مع المرحلة الزمنية التي يُعتقد أن أشباه البشر والشمبانزي انفصلا فيها عن أصلهما المشترك (أحد قردة ما قبل التاريخ الذي لم يُحدَّد بعد).

من ناحية أخرى، يشترك قمل العانة البشري في أصله مع قمل الغوريلا الذي يبدو أنه انفصل عنه منذ ثلاثة ملايين سنة تقريبًا. هذا التاريخ هو الأغرب؛ حيث إن أشباه البشر انفصلوا عن أصلهم المشترك مع الغوريلا منذ سبعة ملايين عام على الأقل. وحيث إنه من المستبعد للغاية أن يكون بعض من أسلافنا أشباه البشر قد جامعوا بعض قردة الغوريلا منذ ثلاثة ملايين عام، فمن المحتمل أن يكون قمل العانة الأصلي المعني قد انتقل من الغوريلا إلى أشباه البشر حين لجأ أحد أشباه البشر الأوائل للنوم في عشٍّ مهجور لبعض قردة الغوريلا.

إلا أن مدة الثلاثة ملايين عام هذه ربما لها دلالة أكثر أهمية؛ فقمل العانة لا يعيش في الرأس ولا الجسد، وإنما بالأحرى في شعر منطقة العانة، وهذا قد يكون دليلًا على أن أشباه البشر فقدوا شعر الجسم منذ ثلاثة ملايين سنة. إن كان هذا صحيحًا فلنا أن نرجع بتقنية النار لزمنٍ أبعد في الماضي من ١٫٧٥ مليون سنة التي كنا قد قدَّرناها في هذا الكتاب.

في السعي لتحديد تاريخ بداية استخدام الملابس، نجد أن أهم حدث في تاريخ هذه القملات الثلاث هو اللحظة الزمنية التي انفصلت فيها قملة الجسم عن قملة الرأس. المنطق وراء هذا الافتراض هو أن قمل الجسم يثقُب الجلد ليتغذَّى على الدم، لكنه لا يعيش على الجلد نفسه؛ إذ يعيش قمل الجسم بالأحرى في الملابس التي نرتديها؛ من ثَم لا يمكن أن يكون قد تطوَّر إلا بعد أن صار أشباه البشر يرتدون ملابس بصفةٍ دائمة.

تتباين التقديرات حول تاريخ انفصال قملة الجسم عن قملة الرأس من دراسة لأخرى، لكن تتراوح كل التواريخ بين ٨٠ ألف و١٧٠ ألف سنة. ستُلاحظون أن هذا التاريخ أحدث كثيرًا من فترة الخمسمائة ألف عام التي مضت حين بدأت شعوب الهومو إريكتوس التوسُّع في الدوائر الشمالية، لكنه يتَّفق تمامًا مع الفترة التاريخية التي بدأ فيها ظهور أقدم أدلة للإنسان الحديث تشريحيًّا. لقد طُرح تفسيران محتملان لهذه التواريخ المُتباينة.

ثَمة احتمالٌ أن سلالات القمل الموجودة حاليًّا لدى البشر الأحياء كانت سلالات حديثة وقد تطوَّرت لدى الشعوب القديمة من الإنسان الحديث تشريحيًّا، في حين أن السلالات الأقدم من القمل التي كانت تعيش في رءوس وأجسام الهومو إريكتوس وغيرهم من البشر الناشئين اندثرت فحسب حين انقرض البشر الناشئون أنفسهم. أما التفسير المرجَّح الآخر فهو يستند إلى الاختلاف بين الكساء غير المَحِيك الذي كان يصنعه البشر الناشئون وبشر النياندرتال في مقابل الكساء المَحيك الذي صنعه الإنسان الحديث تشريحيًّا الأحدث عهدًا.

أول ما بدأ أشباه البشر ارتداء الملابس — الذي لا بد أنه حدث منذ ما يقرب من نصف مليون عام، حين أخذوا يستقرُّون في بيئات متوغِّلة جدًّا شمالًا وشديدة البرودة على أن يبقوا فيها على قيد الحياة دون ملابس — يُرجَّح أن ملابسهم اشتملت على أردية أو عباءات فضفاضة من الجلد تُبسط حول الجسم وتُشبك بارتخاء بسيور من الجلد أو الأوتار. لم تُلائم مثل تلك الملابس شكل الأطراف والجذع، ولم تكن مُتشبثة بالجلد.

ربما لهذا السبب لم تُوفِّر الملابس غير المَحيكة بيئةً حامية بدرجةٍ كافية لقمل الرأس ليهجر الفروة ويبدأ العيش في جسد أشباه البشر غير المشعر نسبيًّا والتكاثر فيه، لكن الإنسان الحديث تشريحيًّا الذي ظهر في شمال أوروبا منذ نحو ٥٠ ألف عام كان يصنع ملابس مَحيكة بالكامل مُلتصقة بجسمه، مثل ملابس شعوب الكري والتلينجيت التي درسها بعض اختصاصيي علم الإنسان المعاصرين. وقد عرفنا هذا من آثار النسج والحياكة التي عُثر عليها في مواقع أثرية تعود لعصور ما قبل التاريخ عاش فيها الإنسان الحديث تشريحيًّا.10

من المحتمل بناءً على هذا أن قملة الجسم البشري لم تبدأ استغلال بيئتها المناسبة في ملابس البشر إلا حين بدأ الإنسان الحديث ارتداء الملابس الملاصقة للجسم التي وفَّرت ملاذًا آمنًا بين ملابسهم المَحيكة حديثًا وجلدهم الدافئ العاري. إن صح ذلك فهذا سيُفسِّر لماذا يبدو أن قملة الجسم البشري قد ظهرت على الساحة بعد تقنية الملابس بوقت طويل جدًّا. أما كيفية انتقال قملة شعر العانة البشرية من قردة الغوريلا إلى أشباه البشر فهو أمرٌ ما زال بحاجة للبحث.

حماية الرضيع البشري «المبتسَر» ودماغه الضخم

منحت تقنية المساكن والملابس أشباه البشر درجة من الحرية والمرونة في التعامل مع الطبيعة لم ينعم بها أي نوع حيواني آخر؛ فلم يعُد سكنهم مُقتصرًا على الكهوف التي تُتيحها الطبيعة في بيئاتهم، وإنما صار أشباه البشر عوضًا عن ذلك قادرين على بناء كهوفهم الصناعية؛ مما أتاح لهم الاستقرار أينما توفَّر الغذاء متَّقِين الرياح والأمطار بأكواخهم البدائية، ومُحتمين من الضواري بنيران مخيَّماتهم الليلية.

كما رأينا في الفصل السابق، مكَّنت القدرة على السيطرة على النار أشباه البشر من الاستعاضة بمجموعة من الأطعمة المطهوَّة الأسهل هضمًا عن أنظمة الغذاء النيئ لدى أسلافهم أشباه البشر الأوائل. أتاح الطهو لأشباه البشر الأوائل تلبية احتياجاتهم من الطاقة بأجهزة هضمية أصغر حجمًا؛ ومن ثَم دعم أدمغتهم التي ازداد حجمها. بيد أن هذا نصف القصة فقط؛ فمع تزايد حجم دماغ أشباه البشر نشأت مشكلةٌ أخرى؛ مشكلة مختلفة تمامًا عن المشكلة الكيميائية الحيوية المتعلِّقة بتزويد هذا النسيج المتزايد «التكلفة» بالطاقة التي يحتاجها حتى يعمل. تعلَّقت هذه المشكلة الجديدة بالضرورة الآلية المُطلَقة لإيجاد طريقة جديدة لرأس مولود أشباه البشر السريع النمو حتى يمرَّ بسلام من فتحة الحوض التي كانت ثابتة الحجم.

أثناء تطور أشباه البشر من أقدم أشكال الهومو إريكتوس إلى أشكال الهومو سيبيانز (الإنسان العاقل) الحديثة تمامًا، زاد حجم الدماغ عن الضعف، إلا أن حجم الجسد البشري طوال هذه الفترة لم يزِد مطلقًا. وبطبيعة الحال، مع ازدياد حجم دماغ أشباه البشر المتطور سريعًا زاد حجم رأس وليد أشباه البشر أيضًا. بيد أن تطور الحركة على قدمين كان قد حتَّم أن تصير عظام الحوض أقصر وأسمك من عظام حوض القردة؛ فالقدرة على الوقوف والسير والركض بقامة منتصبة جعلت من الضرورة التحوُّل عن الحوض المرن المتَّخذ الحلقي الشكل لدى القردة إلى حلقة العظم الصلبة لدى أشباه البشر، شبه المستديرة الشكل، التي كانت قويةً وجامدة بدرجةٍ كافية لحمل وزن الجزء العُلوي من جسد أشباه البشر بالكامل.

كذلك فرضت الحركة على القدمين قيودًا معيَّنة على عرض الحوض؛ فلو أصبح الحزام الحوضي عريضًا أكثر من اللازم ستصير القدمان متباعدتين أكثر مما ينبغي؛ مما سيجعل الحركة على ساقين غير رشيقة وعديمة الكفاءة أكثر فأكثر. بين القردة والسعادين ذوات الأربع، تُشكل عظام الحوض المطولة قناةً للولادة بيضاوية الشكل. أثناء الولادة يُدير القرد الوليد رأسه جانبًا وهو يمر من خلال قناة الولادة؛ مما يجعل الوضع سريعًا وسهلًا نسبيًّا، لكن عظام أشباه البشر القصيرة الصلبة — والشكل الدائري للحزام الحوضي — كان معناه أن قناة الولادة لدى أشباه البشر لم تكن قادرة على استيعاب رأس أكبر للوليد أثناء الولادة.

هكذا، مع حدوث التضخم الهائل في حجم دماغ أشباه البشر خلال المليون سنة الماضية، نشأت صعوبات مُتزايدة في الولادة لدى البشر الناشئين، وقد زادت صعوبة هذه المشكلة مع تطور البشر الناشئين إلى الإنسان الحديث ذي الدماغ الضخم. إذا كانت قناة الولادة ظلَّت ثابتة الحجم في حين ظل حجم رأس الوليد والمخ الذي بداخله يتزايد تدريجيًّا، فكيف ظلَّ أشباه البشر يلدون أطفالًا ذوي رءوس أكبر حجمًا على نحو مُتزايد؟

تبيَّن أن الحل التطوري لهذه المشكلة أنه مع زيادة حجم المخ بدأ أطفال أشباه البشر يولدون قبل أن تصير أدمغتهم مكتملة النمو. في الواقع، إذا طبَّقنا القواعد الطبيعية للتطور الجنيني في الثدييات على البشر، فستكون مدة الحمل «الطبيعية» للبشر اثنَي عشر شهرًا على الأقل، وليس تسعة أشهر، لكن بعد اثنَي عشر شهرًا سيكون مخ الوليد المتوسط ببساطة كبيرًا جدًّا على المرور من خلال قناة الولادة المتوسطة لدى البشر؛ مما يجعل الولادة البشرية مُستحيلة ميكانيكيًّا.

في ثديياتٍ أخرى، بما في ذلك كل الرئيسيات الأخرى، يبلغ المخ مرحلةً معقولة من النمو بحلول ميعاد الولادة، ثم يحدث تباطؤ في نموه بدرجة كبيرة بعد الولادة. أما المخ البشري فيكون في عمر التسعة شهور ناقص النمو مقارنةً بأمخاخ الثدييات الأخرى (منها رئيسيات أخرى)؛ ونتيجةً لهذا يستمرُّ مخ الوليد من البشر في النمو بسرعة خلال أول عامين من حياته.

وفي الواقع ليس من الصعب تخيُّل الكيفية التي ظهر بها هذا «الحل» التطوري في أشباه البشر؛ فمع زيادة حجم مخ الوليد لم يكن سوى الأمهات — من أشباه البشر — اللواتي يولد أطفالهنَّ «قبل الأوان» هن من يبقين على قيد الحياة بعد التجربة على الأرجح، ويُربين أبناءهنَّ حتى يكبرون، ويورثن جيناتهنَّ للجيل التالي، لكن حتى مع هذه التسوية التطورية يستغرق الأمر عدة ساعات من المخاض العسير قبل أن يبدأ الوليد البشري في الخروج أثناء الوضع، ولا يظهر بقية جسم المولود إلا بعد المرور البطيء المؤلم لرأسه من خلال قناة الولادة.

يعلم أي شخص شاهَد من قبلُ عملية ولادة لدى القطط أو الكلاب أو الخنازير أو البقر أو الخيول أن إناث الثدييات الأخرى يلِدن أطفالهنَّ في غضون دقائق، لكن ولادة الأطفال لدى البشر أطول وأصعب وأخطر عملية ولادة بين كل أنواع الثدييات، بل إنه قبل تبنِّي التقنيات الطبية الحديثة في بداية القرن العشرين كانت الأم تموت في واحدة من كل مائة ولادة لدى البشر.11

ماذا يعني أن يولد الطفل البشري «قبل الأوان»؟ فلنضَع في الاعتبار أن أطفال الثدييات العاشبة مثل الماشية والغنم والخيول والزرافات والأفيال تستطيع الوقوف والسير خلال ساعات من ولادتها، بينما أطفال القردة والسعادين تصبح واعية بمُحيطها في الأيام الأولى من حياتها، وتستطيع التشبُّث بفراء أمهاتها جيدًا خلال الساعات القليلة الأولى من ولادتها. على عكس ذلك، لا يستطيع المواليد من البشر حتى أن يزحفوا على أياديهم وركبهم إلا بعد بلوغ عدة أشهر، ولا يستطيعون السير مطلقًا إلا بعد أن يصير عمرهم عامًا تقريبًا.

ليس من قبيل المبالغة القول بأن طفل أشباه البشر يولد بدماغ غير مُكتمل النمو لدرجةٍ خطيرة؛ فهو لا يستطيع التشبث بشعر أمه بأصابع قدميه القصيرة، كما أنه يولد على أي حال لأم لم يعُد لديها أي شعر يكسو جسدها ليتعلق به. هكذا يكون الطفل البشري «المبتسَر» الأكثر عجزًا وضعفًا بين كل مواليد الرئيسيات وهو بلا شعر وأعزل، ولا يستطيع التحرك وحده، ولا يُدرك محيطه إلا بقدرٍ ضئيل.

هذا معناه أنه مع نمو مخ أشباه البشر ليصير أكبر حجمًا وما صار إليه وليد أشباه البشر تدريجيًّا من حالٍ أكثر قصورًا وضعفًا، صارت حاجة أمهات أشباه البشر للمَلبس والمأوى ماسَّة بالتدريج، حتى في المناطق المدارية حيث تكون إحاطة الطفل بالدفء ليست من المشكلات المُلحَّة؛ فإن من المستحيل أن تحمل أنثى أشباه البشر كل طفل من أطفالها الرضَّع في يدَيها طوال أول سنة أو سنتين من حياتهم مع قضاء أغلب ساعات النهار في جمع الغذاء، وربما رعاية أطفال أكبر سنًّا في نفس الوقت.

تحمل الأم في قبائل البوشمان طفلها في عباءةٍ كبيرة من الجلد تُسمى كاروس، وقد يكون الهومو إريكتوس تبنَّوا استراتيجيةً شبيهة. وحين هاجَر البشر الناشئون من أفريقيا وبدءوا الاستقرار في مناطق أكثر اعتدالًا من أوراسيا، كان من المنطقي أن يُواجه أطفالهم صعوبةً مُتزايدة في البقاء على قيد الحياة إن كانوا قد ظلُّوا عُراة لا يحميهم شيء من عوامل الطبيعة، لكن مواليد أشباه البشر المُبتسَرين والعاجزين على نحوٍ متزايد كانوا يستطيعون البقاء على قيد الحياة رغم ضعفهم في أول سنة أو سنتين من حياتهم بلفِّهم في فراء أو عباءة كبيرة نهارًا، وحمايتهم بأمان في كوخ دافئ ليلًا. بناءً على هذا من المحتمل أن يكون البشر الناشئون أثناء تطورهم وزيادة حجم أدمغتهم قد بدءوا بناء مساكن وتفصيل ملابس لأنفسهم قبل حتى الانتقال شمالًا إلى أراضٍ كانت فيها فصول الشتاء طويلة وباردة.

خلاصة القول، تقنية المساكن والكساء وكذلك النار حرَّرت مخ أشباه البشر من قيوده الطبيعية، وسمحت له بالنمو حتى صار في قرابة ثلاثة أضعاف حجم مخ الحيوانات الأخرى التي بنفس حجمه. من دون تقنيات النار والمساكن والكساء، كان مخ أشباه البشر سيصبح غير قادر على النمو مُتجاوزًا حجم مخ الهومو إرجاستر البالغ ٦٥٠ سنتيمترًا مكعبًا، وهو السلف المرجَّح للهومو إريكتوس، وكان البشر سيظلُّون حتى يومنا هذا لا يعدُون كَوْنهم مجرد قردة تمشي على قدمين في غاية الذكاء تأكل اللحم وتصنع الأدوات وتحمل الأسلحة.

أشباه بشر الشمال المتجمد

لمئات آلاف السنين، مع مجيء العصور الجليدية وانقضائها، انتقل الهومو إريكتوس شمالًا خلال الفترات الجيولوجية الأكثر دفئًا، وتراجعوا للجنوب مع اقتراب الجليد القطبي خلال الفترات الجيولوجية الأكثر برودة؛ ولهذا السبب عُثر على بقايا للهومو إريكتوس في شمال أوروبا وآسيا خلال هذه الفترات «بين الجليدية» الدافئة نسبيًّا. في الواقع، لأكثر من مليون عام، لا يمكن العثور على دليل يُثبت إقامةً مستمرَّة للهومو إريكتوس شمال خط العرض أربعين (خط من الشرق للغرب يمتدُّ من جنوب إسبانيا عبر الطرف الجنوبي لإيطاليا، مرورًا باليونان وتركيا، وعبر وسط آسيا إلى شبه الجزيرة الكورية).

إلا أن جماعات الهومو إريكتوس وغيرهم من البشر الناشئين بدءوا الاستقرار تدريجيًّا في بيئات أقصى الشمال الغنية بحيوانات الصيد مع تعلم تفصيل الملابس البدائية التي منحتهم الدفء وحمت أجسادهم العارية من عوامل الطبيعة. بدءًا من نصف مليون عام تقريبًا، يبدأ ظهور بقايا الهومو إريكتوس في مناطق فوق خط عرض أربعين، من الجزر البريطانية حتى شمال الصين. وهكذا، متسلِّحين بالنار وأكواخ بسيطة وملابس بدائية منحتهم الدفء وحمت أجسادهم العارية من عوامل الطبيعة، استقرَّ الهومو إريكتوس في بيئات كانت تهيم فيها حيوانات العصور الجليدية الضخمة بكثرة.

لكن في نهاية المطاف، جاء محلَّ جماعات هومو إريكتوس أوروبا وآسيا بشرٌ حديث من نوعنا، الهومو سيبيانز، الذين يُرجَّح أنهم نشئوا في أفريقيا وانتشروا شمالًا من عبر الشرق الأوسط إلى أوروبا. أول هؤلاء البشر الحديث — الذين كان لديهم أدمغة كبيرة في حجم أدمغتنا ونجحوا في صيد الحيوانات الضخمة — كان النياندرتال؛ هذا النويع الغريب والمذهل المعروف في العلوم باسم هومو سيبيانز نياندرتالنيسيس.

كان النياندرتال أشباه بشر مُكتنِزي الجثَّة ذوي عظام عريضة وعضلات مفتولة، وكان في عظام الجمجمة أعلى العينين قوسا حاجبَين كثيفان يُماثلان أشباه بشر أقدم وأكثر بدائية، لكن داخل جماجمهم الطويلة المتخذة شكل الرصاصة كانت أمخاخ النياندرتال كبيرة في حجم أمخاخ الإنسان الحديث الموجود حاليًّا. ولا يوجد في تاريخ أشباه البشر من يُباري النياندرتال في صيد الحيوانات الكبيرة. ويكشف التحليل الحيوي الكيميائي لعظام النياندرتال أنهم عاشوا على نظامٍ غذائي يكاد يقتصر تمامًا على اللحوم. وقد بيَّنت إحدى الدراسات أن ٥٨ في المائة من استهلاك بشر النياندرتال من الغذاء تكوَّن من لحوم الماشية البرية، وشكَّل لحم الخيل ووحيد القرن والأيائل والماموث النسبة الباقية من غذائهم اللَّحمي.12

بعد وصول النياندرتال إلى شمال أوروبا بدأت أعداد الحيوانات الضخمة في التضاؤل، وبعد ظهور بشر الكرومانيون الحديث تشريحيًّا منذ نحو ٥٥ ألف عام انقرضت حيوانات العصر الجليدي الضخمة؛ فقد زاد دفء مناخ أوراسيا كثيرًا مع انتهاء الجزء الأخير من العصر الجليدي، وقد يكون تغيُّر المناخ أسهم في انقراض بعض من هذه الأنواع، لكن وقعت حالات انقراض مشابهة لحيوانات ضخمة أيضًا بعد وقت قصير من وصول الإنسان الحديث إلى أستراليا وتسمانيا واليابان وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، حيث كانت تغيُّرات المناخ بدرجةٍ أقل كثيرًا.

لذلك يبدو محتملًا أن الحيوانات الضخمة قد اصطادها الإنسان الحديث حتى انقرضت. في الواقع، يُميِّز انقراض الحيوانات الضخمة في نهاية العصر الجليدي الأخير اللحظة التي سيطر فيها نوعنا على البيئة الطبيعية، بل وبدأ يقضي فيها على أشكال أخرى من الأحياء. وكما سنرى فقد تسارعت هذه العملية، ألفية بعد الأخرى، منذ ذلك الحين.

أحدثت تقنية المسكن والملبس تحولًا في البشرية بمنحها نوعًا من الحرية لم يتمتَّع به نوع حيواني آخر. فإذا لم تكن هناك كهوف لتوفير ملاذ من أمطار المناطق المدارية المنهمِرة أو شمس الصحراوات المحرقة، كان أشباه البشر يستطيعون بناء ملاجئ من الزرع الموجود في بيئاتهم وجلود الحيوانات التي كانوا يصطادونها. وإذا كانت فصول الشتاء باردة في المناطق الشمالية المتجمدة، فإنهم كانوا يستطيعون تغطية أجسامهم بالفراء والجلود والتجمُّع بالقرب من دفء نيران مخيَّماتهم. وإذا كانت فصول الصيف حارة، فإنهم كانوا يستطيعون خلع ملابسهم، وتمنحهم رطوبة غددهم العرقية المتعدِّدة شعورًا بالبرودة.

هكذا سرعان ما انتشر الإنسان الحديث تشريحيًّا بدماغه الكبير وذكائه المنقطع النظير في أنحاء كل قارات العالم وأهل كل البيئات الأرضية المُمكنة تقريبًا، متسلِّحًا بأسلحةٍ متقدِّمة، ومُتمكنًا من السيطرة على النار، وقادرًا على بناء مساكن وصنع ملابس متنوعة أتاحت له العيش في أي بيئة تقريبًا. نتيجة لهذا، بدأ تعداد أشباه البشر في الأرض يزيد زيادةً هائلة، بعد أن ظل لملايين السنين ثابتًا بدرجة كبيرة عند أقل من مليون نسمة. وتُشير التقديرات إلى منذ نحو ١٥ ألف عام، حين صار الإنسان الحديث تشريحيًّا النوع الوحيد الحي من أشباه البشر، كان تعداد أشباه البشر على الأرض قد زاد لعدة ملايين فرد.

•••

سنرى في الفصل التالي كيف أن الأدمغة الكبيرة لدى الإنسان الحديث أطلقت العنان لتحول في طريقة تواصل البشر ببعضهم وطريقة تنظيم المجتمع البشري، من خلال تبنِّي التواصل الرمزي على نطاق واسع؛ فانتشار الرموز — في اللغة والفن والتصميم والزينة الجسدية — كان هو ما حرَّر نوعنا من التطابق الجيني مع أصوله الحيوانية. صار من الممكن ابتكار الرموز بالاختيار ليتبنَّاها الآخرون وتتوارثها الأجيال المستقبلية عن طريق التعليم والتقاليد. لقد أعتقنا التواصل الرمزي فابتكرنا الثقافات المعقَّدة والهويات العرقية القوية التي استطاع بها كل إنسان أن يُحدد ولاءه ويَدين به.

بالاستعاضة عن عملية التطور البيولوجي البطيئة بعملية التطور الثقافي السريعة، أتاحت تقنية التواصل الرمزي للإنسان الحديث تشريحيًّا الاستجابة سريعًا وبسهولة للمناخات المُتغيرة خلال الخمسين ألف عام الماضية؛ فقد مكَّن الامتزاج الفريد بين التواصل الرمزي و«المجتمع الانقسامي الاندماجي» الفرق الصغيرة المتعددة من الاندماج معًا لتكوين جماعات تضمُّ مئات بل وآلاف الأفراد؛ لتُمكِّن الإنسان الحديث تشريحيًّا من تكوين جماعات إثنية متمايزة ظلَّت باقية حتى اليوم. ومن خلال تضافُر الجهود في الصيد والحرب، هزمت هذه الجماعات القبلية الكبيرة بسهولةٍ الجماعات الصغيرة القائمة على القرابة التي اتَّسمت بها الحياة الاجتماعية للنياندرتال.

من هذه المرحلة فصاعدًا، كما سيتَّضح في الفصول القادمة، أدَّت التقنيات الرئيسية المُتعاقبة إلى أشكالٍ متزايدة الحجم من المجتمع البشري. بدأت هذه العملية بتكوين هويات إثنية لقبائل الصيد وجمع الثمار، وبلغت ذروتها مع الدول القومية الصناعية العظمى التي تُطالب الآن بالهيمنة على البشرية جمعاء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠