الفصل الثامن

تقنية الآلات الدقيقة

الساعات والمحركات والمجتمع الصناعي

التراث الباقي لصانعي الساعات الأوائل كان التقنية الأساسية للأدوات الآلية، رغم أن ذلك لم يخطر قط في أذهانهم.

دانيال جيه بورستين، «المكتشفون»

حين وجَّه إمبراطور أسرة مينج الحاكمة، وان لي، دعوةً إلى الأب ماتيو ريتشي لزيارة البلاط الإمبراطوري للصين في عام ١٦٠١م، كان الأب ريتشي وزملاؤه اليسوعيون أوائل الأوروبيين الذين يدخلون المدينة المحظورة. في ذلك الوقت كان الأب ريتشي، أحد القساوسة اليسوعيين في إيطاليا، يؤدي مهمةً تبشيرية في جنوب الصين استمرَّت قرابة عشرين عامًا. وكان قد نجا من شروع أحد الحشود الغاضبة البطش بإرساليته قرب كانتون، وبعد وصوله بفترةٍ قصيرة أُلقي القبض عليه وسُجن مع زملائه اليسوعيين وهو في الطريق للعاصمة الصينية في بيكين.

غير أن الإمبراطور وان لي تذكَّر التماسًا سابقًا وعد فيه ريتشي بإحضار هدية عبارة عن ساعتين حملهما بعناية طوال الطريق من فينيسيا، فأمر بإطلاق سراح ريتشي ورفاقه وإحضار الساعتين إلى القصر الإمبراطوري. أراد وان لي أن يرى هذه الآلات الأوروبية الغريبة، التي قيل إنها تعمل وحدها لأيام وتدقُّ أجراسها لإعلان مرور الساعات.

فحص وان لي ساعتَي الأب ريتشي في مسكنه الخاص لعدة أيام قبل وصول اليسوعيين، وكان الإمبراطور مفتونًا بهذه الآلات التي لم يرَ لها مثيلًا قط، لكن مع وصول ريتشي ورفاقه إلى البلاط الإمبراطوري كانت أكبر الساعتَين قد توقَّفت عن العمل، وحين حضر اليسوعيون شُدد عليهم بضرورة إعادة الساعة للعمل فيما لا يزيد عن ثلاثة أيام وإلا تحمَّلوا عواقب ذلك. ولحسن الحظ، كانت الساعة قد توقَّفت فقط لأنها كانت بحاجة إلى إعادة ملئها.

أفلحت هدايا ريتشي — وقدرة اليسوعيين على التنبؤ بالوقت المحدَّد لكسوف الشمس ومدته بدقةٍ أكبر كثيرًا من علماء فلك البلاط — في أن تكفُل للأب ريتشي ورفاقه حظوة في بلاط مينج. وقد شُيد برجٌ خاص للساعة الكبيرة في أحد الأفنية الداخلية للقصر الإمبراطوري، ووُضعت الساعة الصغيرة في مسكن وان لي الخاص.

وقد قال الأب ريتشي عن ساعة الإمبراطور: «إنها أفحمت كل الصينيين؛ فقد كانت عملًا لم يُشهَد له نظير أو يُسمع به، ولم ترد حتى تصوُّرات بشأنه في التاريخ الصيني.» ولم يكن تقدير وان لي لعلم الأوروبيين وحِرفيتهم من دون مكافأة؛ إذ ظل ماتيو ريتشي طوال تسعة الأعوام التالية وحتى وفاته عام ١٦١٠م يتلقى راتبًا سخيًّا من الإمبراطور، كما شغل مكانةً مميَّزة في البلاط الصيني. وعند وفاته خرج وان لي عن تقاليد أسرة مينج التي كانت تقتضي عدم دفن الأجانب في الأراضي الصينية، بل أمر أيضًا ببناء معبد بوذي على شرف ريتشي في قلب بيكين، حيث ما زال رفاته هناك حتى اليوم.

غير أن وان لي واليسوعيين لم يكونوا على علم بأن ثَمة ساعةً عملاقةً بديعة التفاصيل، تعمل بطاقة تدفُّق المياه من ساقيةٍ طولها إحدى عشرة قدمًا قد بُنيت في الصين قبل ذلك بخمسمائة عام. كانت هذه الآلة الرائعة قائمة في برجٍ طوله أربعون قدمًا، وكانت من ابتكار الموظَّف الحكومي العبقري سو سونج من أجل إمبراطور أسرة سونج، شينزونج، عام ١٠٩٤ ميلادية. وعند وفاة شينزونج أُهملت ساعة سو سونج المائية، وصُهرت أجزاؤها الآلية البرونزية في النهاية لتصير خردة.

الساعات المائية العديدة التي صنعها سو سونج ومن جاء بعده على مر القرون كانت جميعها آلاتٍ فريدةً من نوعها بناها عدد من الحِرفيين الكبار إرضاءً للبلاط الإمبراطوري. أما ساعتا الأب ريتشي، من جهةٍ أخرى، فقد كانتا ثمرة صناعة كاملة، اشتغل بها جيش من الحِرفيين المهرة ظلَّت تنمو بثباتٍ طوال ثلاثمائة عام وانتشرت في أنحاء أوروبا.

في السنوات التي تلت وصول ريتشي، صارت الساعات وساعات الجيب الأوروبية جزءًا من تجارةٍ مُزدهِرة مع البلاط الإمبراطوري الصيني، وبحلول ستينيات القرن الثامن عشر تناقَل الآباء اليسوعيون خبرًا عن القصر الإمبراطوري قالوا فيه: «إنه يعجُّ بالساعات وساعات الجيب والمصلصلات (مجموعات الأجراس) والساعات العدادة والأراغن والمحلقات (آلات فلكية قديمة مؤلفة من حلقات تُمثل مواقع الدوائر الرئيسية في الكرة السماوية) والساعات الفلكية بجميع أنواعها وأوصافها؛ فهناك أكثر من أربعة آلاف قطعة ابتكرتها أيدي أفضل صانعي باريس ولندن.» وكان سفير شركة الهند الشرقية الهولندية في بيكين قد أشار قرب نهاية القرن الثامن عشر إلى أنه عند السفر إلى بيكين؛ «لا بد على وجه الخصوص من إحضار تلك اللعب [الساعات] التي يستخدمها الصِّبية الأوروبيون في اللهو؛ فهذه الأشياء ستحظى هنا باهتمامٍ أكثر كثيرًا من الأدوات العلمية والقِطع الفنية.»1

ورغم أن الصين كانت أكبر كثيرًا من أي كيان سياسي عرفه الأوروبيون منذ سقوط روما، ورغم أن الحضارة الصينية طالما كانت متفوِّقة على الحضارة الأوروبية في مجالاتٍ متعددة في الصناعة والنقل والنظام الحكومي والأدب، كان صانعو الساعات الأوروبيون في ذلك الوقت الحِرفيين الوحيدين في العالم القادرين على صناعة ساعاتٍ شديدة الدقة وصغيرة بدرجةٍ كافية لوضعها على مائدة أو حملها في الكف. كان السبب الأساسي وراء ذلك هو أن الجهود المتواصِلة على مدار أجيال قد دفعت بصانعي الساعات الأوروبيين للتفوق على صانعي الأدوات المعدنية في كل المجتمعات المتحضرة الأخرى في مجالٍ واحد بعينه: صناعة الآلات الدقيقة.

نبع الحافز لتطوير الساعات الآلية من الهوس الأوروبي الفريد والخاص بمراعاة الوقت؛ الهوس الذي ألهمَ صانعي ساعات أوروبا خلال العصور الوسطى لإتقان تقنية الآلات الدقيقة في سعيهم إلى صنع ساعات دقيقة بحق. ومِثل التموجات في البحيرة، انتشرت توابع الآلات الدقيقة في كل مجال من مجالات حياة البشر لتُحوِّل كل شيء تلمسه.

فقد جعلت الآلات الدقيقة في الإمكان تصنيع أنواع شتى من الآلات التي لم يأتِ البشر على ابتكارها من قبل: المحركات البخارية، وآلات الطباعة، والأسلحة البعيدة المدى، والمولدات الكهربائية، وأسلاك التلغراف، والتلسكوبات والمجاهر — وهلم جرًّا — وقد أدَّت أوجه التضافر التي جاءت مع ما نتج من توسع في المعلومات والعلوم والصناعة والقوة العسكرية إلى ولادة مجتمع من نوعٍ جديد، غير قائم على طاقة البشر والحيوانات المحدودة، وإنما على طاقة الوقود الحفري التي تبدو غير محدودة. وقد بدأ الأمر برمته في العصور الوسطى مع اختراع الساعة الآلية.

عبقرية صانع الساعات

كان أوروبيو العصور الوسطى شعبًا ورعًا، وكانوا يعُدون تلاوة الصلوات الواردة في كتاب فروض الصلوات اليومية في أوقاتها الصحيحة أمرًا شديد الأهمية؛ ولهذا السبب احتوت كل الكنائس والأديرة المتعددة في ذلك العصر على برج للجرس، وكان على الرهبان قرع هذه الأجراس في ساعاتٍ محدَّدة من الليل والنهار لإعلام المؤمنين عندما تحين أوقات تلاوة صلواتهم. غير أن الساعات الرملية والساعات المائية التي كان يستخدمها الرهبان في أوائل العصور الوسطى عُرِف عنها أنها لا يُعوَّل عليها وغير دقيقة. في الواقع، كان الإغريقيون والرومان والهنود والصينيون يستخدمون المزاول والساعات المائية والساعات الرملية والشموع والساعات البخورية لحساب الوقت منذ العصور السحيقة، لكن كلًّا من هذه الوسائل كانت به عيوبٌ خطيرة.

كانت المزاول دقيقة فقط حسب دائرة العرض — أو المسافة من خط الاستواء — التي صُممت من أجلها، وكانت تصير غير ذات نفع على الإطلاق طوال الليل ومتى غشي السحاب الشمس. أما الساعات المائية — باستثناء القليل منها التي كانت ضخمة في حجم أبنية متعددة الطوابق — فقد كانت تعتمد في سبيل دقتها على تساقط قطرات الماء ببطء من خلال ثقب صغير في قاع إناء. لكن حيث إن قطرات الماء تتدفَّق ببطء أكثر حين يكون الإناء شِبه فارغ من الماء مقارَنةً بتدفُّقه حين يكون ممتلئًا به، فقد كان من النادر أن تكون الساعة المائية دقيقة. كذلك، كثيرًا ما كانت بعض الشوائب أو الفضلات تستقرُّ في ثقب التقطير، فكانت الساعة تتوقف تمامًا.

ولم تكن الساعة الرملية أفضل حالًا؛ فالساعات الرملية مصمَّمة لحساب فترات زمنية قصيرة فقط؛ لذلك كانت أغلبها تحسب عشرين دقيقة فحسب أو أقل، فلِكي يكون حجم الزجاجة كافيًا لقياس ساعة واحدة لا بد لأن تكون كبيرة وثقيلة وهشَّة لدرجةٍ خطيرة. والأسوأ أن الساعة الرملية حتى تحسب أكثر من وحدة زمنية، كان لا بد من قلبها رأسًا على عقب في كل مرة ينفد فيها الرمل. من ناحيةٍ أخرى أعطى البخور المشتعل طريقةً دقيقة لدرجةٍ مُدهشة لحساب مرور الوقت؛ لذا انتشر استخدام الساعات البخورية في أنحاء آسيا طوال قرون، غير أن الساعات البخورية شابها عيبٌ فريد، وهو استهلاك نفسها في عملية تحديد الوقت؛ فبعد احتراق البخور إلى الحد الذي صُمم من أجله كان لا بد من وضع كمية جديدة محله، وإلا فلن تُخبر الساعة بالوقت.

هكذا، في وقتٍ ما بين عامَي ١٢٠٠ و١٣٠٠ ميلادية، وفي استجابة لرغبة الكنيسة في ساعاتٍ أكثر دقة، بدأ حِرفيو أوروبا العصور الوسطى صنع ساعات آلية من المعدن. كانت هذه الساعات الآلية الثورية تعمل بقوة أثقال مُدلَّاة من سلاسل، وهذه القوة هي التي تُدير تروس الساعة. وكانت تُنظم سرعةَ تدوير التروس آليةٌ تُسمى ميزان الساعة تتناوب القبض على كل سن من أسنان ترس معيَّن وإفلاته. وحركة ميزان الساعة هي المسئولة عن صوت التكة المميز لكل الساعات الآلية.

أتاح ميزان الساعة لهذه الساعات الآلية الجديدة قابلية إخبار الوقت بدقةٍ غير مسبوقة، فمثَّلت تقدمًا هائلًا في التحمل والدقة مقارَنةً بكل تقنيات ضبط الوقت التي استخدمتها المجتمعات المتحضرة منذ العصور القديمة، غير أنه لم تكن أي من هذه الساعات مزوَّدة بعقارب أو مينا، وإنما كانت تُخبر بالوقت برنين الأجراس (حتى إن كلمة clock الإنجليزية جاءت من الكلمة الألمانية Glocke، التي تعني «جرس»). ولم يشِع استخدام مينا الساعة المألوف لدينا — بعقرب للساعات وعقرب للدقائق يدوران داخل قرص دائري يَحمل اثنَي عشر رقمًا — حتى عام ١٧٠٠م، بعد أكثر من أربعمائة عام من تركيب أول ساعات آلية في أبراج كنائس أوروبا وأديرتها.
بالإضافة إلى ذلك، لم تكن أي ساعة من الساعات الأولى مزوَّدةً ببندول؛ فقط كان ما يُنظم ميزانَ الساعة في ساعات العصور الوسطى عوضًا عن ذلك ذراعٌ دوارة تُسمى قضيب التوازن تتأرجح على عامود يُسمى محورًا. كانت سرعة الساعة يُنظمها حركة الأثقال المعلَّقة في طرفَي قضيب التوازن سواء للداخل (مما كان يجعل القضيب يدور أسرع) أو للخارج (وهذا كان يجعله يدور أبطأ)، لكن لم يكن ميزان الساعة ذو القضيب والمحور دقيقًا جدًّا بمعاييرنا، وكان من المألوف أن تُقدِّم هذه الساعات القديمة أو تؤخِّر عدة دقائق يوميًّا (انظر شكل ٨-١).
fig34
شكل ٨-١: : ظل ميزان «المحور وقضيب التوازن» (أ) يُستخدم طوال ٣٥٠ سنة، لكن حل محلَّه في النهاية البندول وميزان الساعة «ذو المثبت» و«اللاارتجاعي» (ب) و(ﺟ) الأكثر دقة. ((أ): ساعة دي فيك ذات المحور والقضيب لبيير ديبوا، مصرَّح بنشرها تحت بند الملكية العامة من خلال موقع ويكيميديا كومونز. (ب): ميزان الساعة ذو المثبت لجورج هنري أبوت هازليت، مصرَّح بنشرها تحت بند الملكية العامة من خلال موقع ويكيميديا كومونز. (ﺟ): ميزان الساعة اللاارتجاعي لفريدريك جيه بريتين، مصرَّح بنشرها تحت بند الملكية العامة من موقع ويكيميديا كومونز.)

لكن شعوب العصور الوسطى كانوا يعرفون الوقت بالساعة فقط، فلم يكونوا يأبَهون لدقة الدقائق. لذلك، كان ميزان الساعة ذو القضيب والمحور دقيقًا بدرجةٍ كافية من أجل الأغراض العملية. لكن هذا كان النوع الوحيد من الساعات الموجودة حين قدَّم الأب ريتشي هداياه إلى الإمبراطور وان لي، وظلَّت تُستخدم في كل الساعات الآلية طوال ٣٥٠ عامًا على الأقل. ولم يعفُ الزمن على التصميم الأساسي لساعة العصور الوسطى إلا مع اختراع البندول وميزان الساعة ذي المثبت والميزان اللاارتجاعي في القرن السابع عشر.

حين كان عالم الفلك والرياضيات والفيزياء الإيطالي جاليليو جاليلي في التاسعة عشرة من عمره انتابه الفضول إزاء حركة مصباح المذبح المُتأرجِح في الكنيسة، حين لاحظ أن المصباح دائمًا ما يتأرجح بنفس معدَّل السرعة، سواء كانت مسافة التأرجح كبيرة أو صغيرة. وقد كتب جاليليو عن هذه الظاهرة عام ١٦٠٢م، لكنه لم يضع تصاميم أول ساعة ببندول قبل عام ١٦٤١م، بمساعدة ابنه فينشينزو، بعد أن هرم وصار كفيفًا. ورغم أن ساعة جاليليو ذات البندول لم تُنفَّذ قط، فإن عالم الرياضيات والفلك الهولندي كريستيان هويجينز الذي صنع أول ساعة ببندول عام ١٦٥٧م قد أعادها إلى الحياة. وقد تبيَّن أن ساعة البندول أدق عشر مرات من سابقتها، ومع هذه الدرجة الكبيرة من الدقة شاع أخيرًا استخدام عقرب الدقائق، الذي لم يكترث أغلب صانعي الساعات بإضافته إلى مينا الساعة قبل ذلك الوقت.

أهم تبعات الهوس الأوروبي بالوقت على الإطلاق كان إنشاء ساعات دقيقة احتاجت آلات قادرة على صنع مكوِّنات دقيقة ومُتقَنة؛ فقد كانت الساعات الآلية تحتاج إلى عجلات وأعمدة تدوير وأسطوانات كاملة الاستدارة والاستقامة حتى تسير بسرعةٍ ثابتة. وكان لا بد أن توزَّع أسنان التروس على مسافاتٍ مُتساوية، وكل سن لا بد أن تكون بنفس الحجم والشكل بالضبط. أما الزنبركات التي كانت تشغل ساعات الأزمنة اللاحقة فكان يتعيَّن صنعها بسُمكٍ موحَّد بدقة، وصلابةٍ موحَّدة بدقة. وكل البراغي الصغيرة التي كانت تربط أجزاء الساعة بعضها ببعض كان لا بد أن تُصنع بحيث تُلائم الثقوب المُلولبة التي صُنعت من أجلها، فأن القطع المصنوعة يدويًّا التي كان يُشكِّلها الحدَّادون منذ فجر التعدين كانت بعيدةً كل البعد عن دقة الأشكال الهندسية، مهما بلغت براعتهم في حِرفتهم؛ من ثَم لم يكن من الممكن أن يصنع حِرفيٌّ ساعةً آليةً دقيقة بحق وهو لا يستخدم سوى الأدوات اليدوية.

في بداية صناعة الساعات كانت صناعة ساعة واحدة تستغرق شهورًا — بل وفي بعض الأحيان سنوات — من العمل بمهارة، وفي أغلب الأحيان كان الصانع الذي صنع الساعة فعليًّا هو وحده القادر على صيانتها أو إصلاحها. لهذا السبب، فإن حاجة صانعي الساعات إلى آلاتٍ دقيقة وحاجة الناس المتزايدة إلى الساعات الآلية، دفعت الحِرفيين الأوروبيين إلى البدء في اختراع أجهزة خاصة تُسمَّى «أدوات تشغيل»، وهي آلات مُصمَّمة لتُشكِّل أجزاءً من آلاتٍ أخرى.

شملت صناعة آلات أو أدوات التشغيل الجديدة مخارط لصنع قِطع تامة الاستدارة، ومثاقب لصنع ثقوب دقيقة، وآلات تفريز لجعل الأسطح مستوية تمامًا، ومجموعة متنوعة من المناشير والمطاحن وماكينات القشط وماكينات التشكيل التي لم تكن تعمل يدويًّا، وإنما بأجهزةٍ خاصة مركبة على قضبان أو مسارات. وهكذا لم يكن صانعو ساعات أوروبا في العصور الوسطى مسئولين مباشرةً عن اختراع أول آلات تشغيل فحسب، بل وكذلك عن سائر الأنواع الأخرى العديدة من الأجزاء الدقيقة التي كانت آلات التشغيل قادرةً على تشكيلها.

ومع استمرار علم الآلات الدقيقة في التطور ظهرت تخصُّصاتٌ جديدة؛ فأثناء تعلُّم صانعي الساعات كيفية صنع الساعات تعلَّموا أيضًا كيف يصنعون أدوات علمية، وصمَّموا سدسيات وبوصلات من أجل الإبحار، وأسطرلابات ومزاوي من أجل عمليات المسح، وموازين دقيقة لقياس الأوزان. وابتكر صانعو العدسات عدسات دقيقة، وصنعوا تلسكوبات من أجل رؤية الأجرام السماوية، ومجاهر من أجل رؤية الأشياء التي يصعب رؤيتها بالعين المجردة لصغر حجمها، ونظارات لتحسين الرؤية لدى ضعاف البصر.

كل هذه الأدوات والكثير غيرها حفز التطورات الهائلة في العلم التي حدثت مع اقتراب نهاية العصور الوسطى وتبنِّي أوروبا فلسفات البحث العلمي الجديدة التي ازدهرت حتى عصر النهضة. في الواقع، كانت النهضة ذاتها إلى حدٍّ كبير نتيجةً للانتشار الواسع للمعلومات الذي بدأ في أوروبا في نهاية القرن الخامس العشر. وقد حدث هذا التدفق في المعلومات حين طُبقت مبادئ الآلات الدقيقة على فن الطباعة القديم.

مطبعة جوتنبرج

في منتصف القرن الخامس عشر، اكتشف الحدَّاد الألماني يوهانس جوتنبرج أن سبيكة القصدير والرصاص والأنتيمون بالنِّسب المُلائمة يمكن بسهولةٍ صهرها وصبها في مصفوفة من القوالب البالغة الصغر؛ قالب واحد لكل حرف من الحروف الأبجدية. وأتاح هذا جمع سطور الطباعة من حروف مُنفصلة، فيما عُرِف باسم «حروف الطباعة المتحركة». على عكس ذلك، كانت الطباعة بالقوالب الخشبية — أكثر وسائل الطباعة انتشارًا في ذلك الوقت — تُحتِّم على عامل الطباعة حفر صفحة كاملة من النصوص والرسوم في قالبٍ خشبي واحد.

ورغم أن فضل اختراع حروف الطباعة المُتحركة دائمًا ما يُنسب إلى جوتنبرج، فإن هذا النوع من الطباعة كان قد بدأ فعليًّا في الصين قبل ذلك بأربعمائة عام، في شكل بلاطات صغيرة جدًّا من الخزف. لكن بما أن الكتابة الصينية كانت تستخدم عادةً خمسة آلاف حرف على الأقل، فقد كان يتعيَّن على عاملي الطباعة الاحتفاظ بمخزونٍ هائل من البلاطات. وكان هذا معناه أن عامل الطباعة الصيني كان عليه أن يبحث بحثًا بطيئًا وشاقًّا في هذه القوائم الهائلة عن كل بلاطة يحتاجها ليُكمل كل سطر من النص. على النقيض من ذلك، لم تحتوِ الأبجدية اللاتينية المستخدَمة في أنحاء أوروبا الغربية إلا على بضع عشرات من الحروف المُتباينة. وكان هذا معناه أنه عندما أصبحت حروف طباعة جوتنبرج المتحركة متوافِرة بوجهٍ عام، صار بإمكان مُنضِّد الطباعة جمع سطور عديدة من النص بسرعة ويُسر.

تبيَّن أن سبائك الرصاص والقصدير والأنتيمون التي توصَّل إليها يوهانس جوتنبرج مناسبة تمامًا للطباعة بفلزات الصب، حتى إنها ظلَّت الصيغة المعيارية للطباعة من وحدات الحروف الطباعية المتحرِّكة حتى يومنا هذا. كذلك ابتكر جوتنبرج وصفة لحبر زيتي كان يترك أثرًا قويًّا وثابتًا على الورق. وأخيرًا وليس آخرًا، نجح جوتنبرج في تعديل المكبس اللَّولبي ليُلائم مهمة الطباعة على الورق. كان المكبس اللولبي — الذي يعمل بضغط سطحين معًا عن طريق برغي رأسي يُدار باليد — يُستخدم في شكلٍ بدائي أكثر منذ الأزمنة القديمة في معالجة المنتجات الزراعية، مثل استخراج العصارة من العنب والزيت من الزيتون، وكان يُستخدم في أوروبا بالفعل في زمن جوتنبرج في طباعة الرسومات على القماش (انظر شكل ٨-٢).
fig35
شكل ٨-٢: كان المكبس اللولبي يُستخدم منذ العصور القديمة، لكن الآلات الدقيقة أتاحت ليوهان جوتنبرج وآخرين استخدام المكبس اللولبي في مهمة الطباعة على الورق. (يظهر في الصورة ويليام كاكستون وهو يعرض عينات من طباعته للملك إدوارد الرابع وملكته. مصرَّح بنشرها تحت بند الملكية العامة من خلال موقع ويكيميديا كومونز.)

لكن لجعل المكبس اللولبي قادرًا على طباعة النصوص على الورق، كان لا بد من إدخال تعديلات ميكانيكية على أسطوانة الطابعة — وهي صفيحةٌ كبيرة مسطَّحة تضغط بالورق على سطح الطباعة المحبر — حتى تكون مسطحة ومُوازية تمامًا لسطح الطباعة. هذا وإلا ستكون بعض أجزاء الورقة المطبوعة داكنةً أكثر من أجزاءٍ أخرى، وربما تصير أجزاء أخرى باهتة جدًّا بحيث تتعذَّر قراءتها. الآلات الدقيقة التي كانت مُتوافرة في عصر جوتنبرج مكَّنته من تصميم مكبس لولبي بدقةٍ كافية لإعطاء نُسَخ واضحة ومتسقة من المادة المطبوعة.

عندما دمج جوتنبرج بين حروف الطباعة القابلة للتحرك والحبر الزيتي والمكبس اللولبي الدقيق الصنع، فإن ذلك أطلق العنان لنموٍّ هائل في المواد المطبوعة. وسريعًا ما انتشرت المعرفة انتشارًا ممتدًّا وواسعًا، وهو ما صار مُمكنًا بفضل فيض من الكتب والمنشورات الزهيدة والوفيرة التي أصدرتها آلات الطباعة في أوروبا، وكان هذا الانتشار سببًا رئيسيًّا للصحوة الفكرية في عصر النهضة؛ فخلال الخمسين عامًا بين عامَي ١٤٥٠ و١٥٠٠م، طُبع في أوروبا أكثر من اثني عشر مليون كتاب بقليل. وبعد ذلك بثلاثة قرون، خلال الخمسين عامًا بين عامَي ١٧٥٠ و١٨٠٠م، زاد هذا الرقم لأكثر من ٦٢٥ مليون كتاب، وكان هذا قبل إنشاء المدارس العامة وانتشار تعميم تعليم القراءة والكتابة.

في أوروبا خلال العصور الوسطى، كان القليلون الذين يعرفون القراءة والكتابة في أغلبهم رهبانًا يعملون ناسخين في الأديرة، إلا أن انتشار مواد القراءة خلال عصر النهضة شجَّع المزيد والمزيد من الناس على تعلُّم القراءة، وأصبحت مهارة القراءة والكتابة — التي كانت قد ظلَّت طوال تاريخ البشر مهارةً مهنية خاصة بالناسخ — في النهاية مهارةً يُتوقَّع من كل شخص إجادتها.

في الوقت ذاته، أتاحت التطورات في الآلات الدقيقة التي كانت مقدِّمة للثورة الصناعية العديد من التطورات في تصميم آلات الطباعة في السنوات التالية لعام ١٨٠٠م. شملت هذه التطورات اختراع آلة الطباعة التي تعمل بالبخار، وآلة الصف الميكانيكي، والطباعة الحجرية، والطباعة الحجرية الملوَّنة. ولم يكن أيٌّ من هذا ليتأتَّى دون تطور الآلات الدقيقة بدايةً. وقد زادت هذه التطورات من سرعة عملية الطباعة مع تخفيض تكاليف المواد المطبوعة بدرجةٍ هائلة.

ولم يمضِ وقتٌ طويل قبل أن تصير ظاهرة الجريدة المحلية أمرًا شائعًا في أنحاء العالم الصناعي، وهو ما تبعه لاحقًا ظاهرة المجلة الشعبية. ظهرت الجريدة اليومية أول ما ظهرت في أوروبا في العقد الأول من القرن السابع عشر، وفي الأمريكتين في العقد الأول من القرن الثامن عشر. وفي عام ١٨٠٠م كان يُنشر في أمريكا ثلاث عشرة مجلة. ومع حلول عام ١٩٠٠م زاد هذا الرقم إلى ٣٥٠٠، وفي تلك السنة نُشر أكثر من ثمانية مليارات نسخة من الجرائد والمجلات في الولايات المتحدة وحدها.2

الأفران العالية والوقود الحفري

حين صارت ساعة البلدة من ضروريات الحياة في أواخر العصور الوسطى، لم يعُد بوُسع أي مدينة أو بلدة أوروبية معتدَّة بنفسها أن تستغني عنها. وبحلول عام ١٤٥٠م كان يوجد خمسمائة ساعة على الأقل في أبراج الكنائس والأديرة الأوروبية، وبعد قرن آخر كان يوجد الآلاف منها. وكانت كل هذه الساعات ضخمة للغاية، ذات تروس كبيرة وسميكة تدور على محاور هائلة، تتحرَّك تحت تأثير أثقال ضخمة مُدلاة من سلاسل ثقيلة. ولم تكن كل ساعة من هذه الساعات ضخمة في حجمها فحسب، وإنما كانت تستخدم كمية كبيرة للغاية من المعادن؛ إذ كانت ساعة البلدة العادية في تلك الأيام تحتوي على طن أو أكثر من الحديد أو الصلب العالي الجودة.

أفرز انتشار هذه الساعات الضخمة الثقيلة حاجاتٍ جديدةً للتزود بمعادن عالية الجودة، وشجَّع هذا على مزيد من التقدم في صهر الحديد والصلب وتشكيلهما. فلم يعُد كافيًا طَرقُ كُتَل الحديد الخام الشديد الحرارة ليصير في أشكالٍ أولية يُمكن تشكيلها لتكون معدات وأدوات وأسلحة من الحديد المطاوِع. واستلزم إنتاج كميات كبيرة من الحديد والصلب أفرانًا أكبر كثيرًا في حجمها وأعلى كثيرًا في حرارتها من أفران الصهر التي كانت شكلًا مُعدَّلًا من أفران حرق الفخار التي كانت تُستخدم منذ الأزمنة القديمة. ورغم أن رواسب خام الحديد كانت وفيرة نسبيًّا في أوروبا، فإن الأفران اللازمة لصهر الحديد والصلب لم يكن أمرها هينًا بالمرة.

في نهاية الأمر أدَّت الحاجة إلى إنتاج كميات مُتزايدة من الحديد والصلب العالي الجودة مباشرةً إلى انتشار استخدام الفرن العالي، وهو جهازٌ مرتفع الحرارة لصهر الحديد اخترعه في الأصل الصينيون في القرن الأول الميلادي. بدأ ظهور الفرن العالي في شمال أوروبا في القرن الثالث عشر، وانتشر في أنحاء أوروبا بعد عام ١٥٠٠. كان الفرن العالي يُملأ بخام الحديد والفحم النباتي والحجر الجيري، ويُحمى لدرجات حرارة شديدة الارتفاع بنار يُذكيها كير أو مصدرٌ آخر للهواء المدفوع. وكان الخليط الخام يُصهَر ويُكرَّر في التفاعل الكيميائي للهواء الساخن المندفع في قاع الفرن تحت ضغط مرتفع.

مع انتشار الأفران العالية في أوروبا ارتفع الطلب على الفحم النباتي ارتفاعًا حادًّا، فإن إنتاج الفحم النباتي كان يحتاج كميةً هائلة من الخشب. ولم يكن الخشب يُوفِّر فقط المادة الخام الأساسية التي كانت تتحوَّل إلى فحمٍ نباتي بالتعرُّض للحرارة في بيئةٍ خالية من الأكسجين، لكنه كان ضروريًّا أيضًا للحفاظ على اشتعال النيران لعدة ساعات من أجل تسخين الأفران التي كانت تُنتج الفحم النباتي النهائي. وبحلول منتصف القرن السابع عشر، كانت مصانع الحديد في بريطانيا وحدها تستهلك خمسة عشر مليون قدم من الأشجار سنويًّا (انظر شكل ٨-٣).3
fig36
شكل ٨-٣: فرن عالٍ يعمل بالحطب من النوع الذي شاع استخدامه في أوروبا في القرن السادس عشر.
علاوةً على تزايد الطلب على لحاء الأشجار من أجل دبغ الجلود، وعلى الخشب من أجل صناعة الفحم النباتي والصابون والزجاج، كان الأوروبيون في ذلك الوقت يقطعون الأشجار لتلبية حاجات تعدادهم السكاني المُتزايد؛ فقد أُزيلت غابات بالكامل من أجل تمهيد الأرض للزراعة، وبناء منازل جديدة — وفي بعض الحالات بلدات كاملة — ولبناء السفن الضخمة الصالحة للإبحار في المحيطات التي احتاجها الأوروبيون من أجل تجارتهم البحرية السريعة التوسع. ومن الأمثلة العديدة على ذلك أنه بحلول عام ١٧٠٠م قدَّر الأسطول الملكي البريطاني الأخشاب اللازمة لبناء سفينة خطية واحدة بأربعة آلاف شجرة بلوط كاملة النمو.4

مع زيادة كل هذه الحاجات إلى الأخشاب في أوروبا عامًا بعد آخر، سرعان ما استُنفدت مُؤن الأخشاب اللازمة لصناعة الفحم النباتي، ومع بدايات القرن الثامن عشر أُزيلت الغابات فعليًّا من المساحات المأهولة على نحوٍ كثيف بالسكان في أوروبا. بدأ جديًّا حل هذه المشكلة باستخراج الفحم الحجري في القرن الثامن عشر في إنجلترا، إلا أن مَحاجر الفحم الحجري نفسها كانت تُعاني من عدد من المشكلات التقنية. وكما سنرى، سرعان ما أدَّت إحدى هذه المشكلات، وهي تكرار غرق المناجم في المياه الجوفية، إلى بداية الثورة الصناعية.

كان الفحم الحجري قد استُخدم على نطاقٍ واسع في شمال الصين ومنغوليا منذ عام ٢٠٠٠ قبل الميلاد، وكان معروفًا لدى قدماء الإغريق والرومان الذين كانوا يستخرجون الفحم ويستخدمونه في تدفئة منازلهم وبيوتهم الريفية وحماماتهم العامة. وكان الرومان يعلمون تمامًا بوجود فحم في بريطانيا، وكانوا يستخرجونه بكمياتٍ كبيرة، لكن حين غادر الرومان بريطانيا عام ٤١٠ ميلاديًّا توقَّف استخراج الفحم الحجري، ولم يُستخرج مجددًا في بريطانيا طوال سبعمائة سنة تقريبًا. وظلَّ الخشب طوال العصور الوسطى يؤدي دوره على أكمل وجه كمصدر للحرارة، وأثبت الفحم النباتي المصنوع من الخشب أنه مثالي من أجل صهر خام الحديد. أما الفحم الحجري من ناحيةٍ أخرى فقد كان يصدُر عنه دخان مؤذٍ، وكان يُعَد ضارًّا بصحة الإنسان، حتى إن حرق الفحم الحجري داخل حدود مدينة لندن حُظر بمرسومٍ ملكي عام ١٣٠٦م.

وطوال التاريخ القديم للتعدين عُدَّ الفحم الحجري غير مُناسب بالمرة لصهر الحديد؛ لأنه على عكس الفحم النباتي — الذي يكاد يكون كربونًا خالصًا — من الممكن أن يكون مليئًا بالشوائب، مثل القطران والكبريت والطفل والكوارتز والطباشير والملح وعدة معادن أخرى، وكلها من الممكن أن تُعكِّر بسهولةٍ خام الحديد وتُفسد عملية الصهر. حين كان الفحم الحجري يُستخدم كوقود في الأفران العالية، كان يُنتج حديدًا رديء النوع؛ هشًّا وضعيفًا ويصعب التعامل معه. لكن خلال العقد الأول من القرن السابع عشر اكتُشف أنه من الممكن تنقية الفحم الحجري من شوائبه العديدة وتحويله إلى وقودٍ صلب وقوي ومسامي ونظيف الاحتراق يُسمَّى فحم الكوك، بحرق فحم حجري عالي الجودة بطريقةٍ مُشابهة لإنتاج الفحم النباتي من الخشب. وفي عام ١٧٠٩م نجح الإنجليزي أبراهام داربي في صهر الحديد في فرن عالٍ يحرق فحم الكوك بدلًا من الفحم النباتي.

وكان لابتكار داربي البسيط آثارٌ بعيدة المدى؛ فقد رفع أولًا العبء عن احتياطي الغابات المُتضائل من الأخشاب ليُجيز لأول مرة إنتاجَ حديد عالي الجودة في العديد من المناطق التي كانت قد صارت خالية من الغابات بشكلٍ خطير في أوروبا لكنها ثرية بالفحم الحجري. وثانيًا: كانت نار الفحم النباتي المستخدَمة قديمًا في الصهر قد تخمد عند إنزال كمية زائدة من خام الحديد فوقها، أما فحم الكوك بما يتمتَّع به من متانةٍ ماديةٍ أكثر فيستطيع تحمل أوزان أثقل من الخام. وهذا جعل من الممكن وضع كميات أكبر بكثير من خام الحديد في الفرن في المرة الواحدة. ونتيجة لهذا، سرعان ما بُنيت أفرانٌ أكبر بكثير مما كان ممكنًا من قبل، وقد أعطت هذه الأفران الجديدة إنتاجًا أكثر بنفس استثمار الوقت والجهد. وأخيرًا، كان استخراج الفحم الحجري وتحويله إلى فحم الكوك أرخص كثيرًا من إزالة غابات كاملة وقطع الأشجار من أجل إنتاج فحم نباتي من الخشب.

كان الأثر الكلي المترتِّب على هذه التطورات انخفاض سعر الحديد انخفاضًا مطردًا، الذي سرعان ما بدأ استخدامه في عمل طائفة مُتزايدة من الأشياء المصنعة، تراوَحت من الأواني والمقالي البسيطة وصولًا إلى الجسور الحديدية العملاقة. وطوال العقد الأول من القرن الثامن عشر شهد استخراج الفحم الحجري توسعًا هائلًا، وفُتحت مناجم فحم جديدة في جميع أرجاء أوروبا. وقد وفَّر انتشار مناجم الفحم أكثر من مجرد مصدر جديد للطاقة لصهر الحديد؛ فرغم أنه لم يكن بإمكان أحد في ذلك الوقت توقُّع هذا، فقد كان ثَمة مشكلةٌ شائعة تؤثر على أغلب مناجم الفحم، وظلَّت دون حل حتى اختراع المحرك البخاري؛ أحد أهم الآلات الدقيقة التي أحدثت تحولًا، والآلة التي أدَّت إلى حدوث الثورة الصناعية، أكثر من أي آلة أخرى.

مناجم الفحم الحجري والمحركات البخارية

أغلب مناجم فحم العصور القديمة والوسطى كانت تستخدم عروق الفحم الموجودة قرب السطح، لكن بعد قرون من التعدين استُنزف أغلب مناجم الفحم ذات الحفر المفتوحة هذه. بناءً على ذلك، كانت تُحفر آبار أسفل الأرض، لسحب عروق الفحم الواقعة في أعماق الأرض، لتلبية الطلبات المُتزايدة على الفحم الحجري. لكن كثيرًا ما كان يجب أن تمرَّ مناجم الفحم العميقة هذه من خلال طبقات هائلة من المياه الجوفية، حيث كانت تقبع كمياتٌ وفيرة من المياه أسفل السطح. وحين كانت آبار مناجم الفحم وأنفاقها تمرُّ من خلال هذه الطبقات، كانت تياراتٌ هائلة من الماء تتدفَّق إلى المناجم لتغرق المناطق التي كان يستخرج منها العمال عروق الفحم.

هكذا ابتُكرت طُرقٌ متنوعة لضخ الماء خارج مناجم الفحم، كان أهمها المضخة المسلسلة، وهي سلسلة من الأقراص أو الدلاء المربوطة بسلسلة تدور حول بكرات كبيرة، تتحرَّك حركةً مستمرة داخل أنبوب أفقي كبير. ودائمًا ما كان يُدير المضخةَ المسلسلة زوجٌ من الخيول، غير أن الطاقة التي كان بإمكان الخيول منحها لضخ الماء من مكانٍ سحيق لمكانٍ مرتفع كانت محدودة، وسرعان ما شرع المُخترعون البريطانيون في تجربة استخدام البخار لتحقيق هذه المهمة البالغة الأهمية.

ففي عام ١٧١٢م صنع رجلٌ إنجليزي يُدعى توماس نيوكومين جهازًا أسماه «محرِّك الضغط الجوي»، كان يستخدم البخار تحت الضغط لتشغيل مكبس وأسطوانة يضخَّان الماء خارج المناجم. رغم صنع أدوات عديدة تستخدم البخار لتوليد طاقة آلية مثل اللُّعب والتُّحف منذ أزمنة قديمة، فإن محرك نيوكومين الجوي كان أول محرِّك يوظف طاقة البخار في استخدام عملي. وحين مات نيوكومين عام ١٧٢٩م كان قد رُكِّب أكثر من مائة محرك ضغط جوي في مناجم الفحم والقصدير، أغلبها في إنجلترا وويلز، وكذلك أُدخل القليل منها في دولٍ أوروبية أخرى؛ فقد رُكب أول محرك ضغط جوي في فرنسا عام ١٧٢٥م لضخ الماء من نهر السين لاستخدامه من جانب سكان باريس.

بيد أن محرِّك الضغط الجوي كان به عيبٌ خطير؛ إذ كان لا بد من تسخين البخار بداخل الأسطوانة وتبريده بالتناوب من أجل رفع المكبس وإنزاله. ولم يكن هذا يهدر كميات كبيرة من الوقود فحسب، وإنما كان كذلك يحدُّ بشدة من السرعة التي كان يستطيع أن يعلو بها المكبس وينخفض داخل الأسطوانة. وهكذا رغم النجاح التجاري لمحرِّك الضغط الجوي، فإنه لم يكن يحقِّق سوى نصف ما هو مطلوب لتطويع قوة البخار.

فرغم أن محرك الضغط الجوي كان قادرًا على رفع مكبسه وخفضه بقوةٍ كبيرة، لم يكن قادرًا على تحويل حركة المكبس المُتذبذبة إلى الحركة الدوارة التي جعلت الساقية مصدرًا مفيدًا للطاقة الميكانيكية (في الواقع، استُخدم أحد محركات نيوكومين في ضخ المياه من بركة أسفل ساقية إلى خزان، حيث كانت المياه تتدفق منه لتعود إلى البركة، لتدير الساقية أثناء ذلك). وقد حاول المخترع الإنجليزي جيمس بيكارد التغلُّب على هذا القصور، فألحق حدافة بمكبس محرك الضغط الجوي عن طريق ذراع تدوير، الأداة المستخدمة منذ قديم الزمن، وفي عام ١٧٨٠م وُفق بيكارد في تسجيل براءة اختراع تصميمه المزوَّد بذراع التدوير والحدافة.

للأسف كان محرِّك الضغط الجوي غير مُناسب لغرض تدوير السواقي؛ لأن مكبسه وأسطوانته البدائيين كانا قادرَين على التحرك مرةً واحدة فقط كل خمس ثوانٍ. وكان هذا معناه أن أقصى سرعة للساقية المتصلة بمكبس محرك الضغط الجوي كانت لا تتجاوز اثنتي عشرة دورة في الدقيقة، وهي سرعةٌ بطيئة لدرجةٍ مؤسِفة لأي محرك دوار. وقد كانت براءة اختراع بيكارد عقبةً خطيرة في سبيل صانع الآلات الأسكتلندي، جيمس واط، الذي كان قد سجَّل بالفعل براءة اختراع تصميم محرِّك بخاري أكثر كفاءة بكثير.

أدخل واط تعديلَين مهمَّين على التصميم الأساسي لمحرك نيوكومين؛ فكان التعديل الأول هو السماح للبخار بالاندفاع من الأسطوانة إلى حيز للتكثيف والتبريد مع كل ضربة؛ مما أزال الحاجة إلى تبريد الأسطوانة الأساسية وتسخينها مرارًا وتكرارًا حيث كانت تُهدَر الطاقة؛ فقد كان محرك الضغط الجوي يستهلك في عملية إعادة تسخين الأسطوانة وقودًا أكثر مما يستخدمه في إعطاء قوة آلية.

وكان التعديل الثاني الذي أدخله واط هو غلق الجزء الخلفي للأسطوانة بغطاءٍ كاتم للضغط، بما يُتيح لذراع المكبس وحده بالبروز من ثقبٍ مُحكَم في مركز هذا الغطاء؛ مما جعل البخار يدخل قاع الأسطوانة أولًا، دافعًا المكبس لأعلى لقمة شوطه، ثم يدخل أعلى الأسطوانة، ضاغطًا المكبس لأسفل مرةً أخرى. هذه الحركة المزدوجة، التي أعطت الأسطوانة شوطَي قدرة بدلًا من شوطٍ واحد، ضاعفت قوة المحرك البخاري فعليًّا دون زيادة في الحجم أو الوزن.

وفي عام ١٧٧٥م كوَّن واط شراكة مع رجل الأعمال وصاحب المصنع الإنجليزي ماثيو بولتون لصناعة محركه البخاري المعدَّل، غير أنه كان لا يزال هناك عقبةٌ أخيرة لا بد من التغلب عليها؛ إذ لم تكن المكابس والأسطوانات الضخمة في المحركات البخارية الأولى مشكلة بدقةٍ كافية بحيث تكون مُحكَمة لدرجة تمنع تسرب الهواء؛ مما كان يجعل البخار يتسرب مع كل شوط ليُقلِّل من قوة المحرك وكفاءته بدرجةٍ كبيرة. وقد حل هذه المشكلةَ صانعُ مَدافع من ويلز يُدعى جون ويلكنسون؛ إذ كان قد توصَّل إلى طريقة لثَقب المَدافع ثقوبًا دقيقة طبقها على ثَقب الأسطوانات الضخمة التي في محركات واط الأولى، التي كان أولها مزوَّدًا بمكبس تجاوَز عرضه أربع أقدام كان يتحرك صعودًا وهبوطًا داخل أسطوانة بلغ ارتفاعها أربعًا وعشرين قدمًا.

كانت باكورة محركات واط البخارية متقدمة كثيرًا عن محركات الضغط الجوي الخاصة بنيوكومين، وقد أنجزت نفس قدر العمل باستخدام ربع الوقود. وقد ترتَّب على ذلك أن صار محرك واط سريعًا الآلية المفضَّلة لضخِّ الماء من مناجم الفحم. بيد أن الحركة البسيطة المُتذبذبة لهذه المحركات القديمة كانت مناسبة فقط للعمل الذي يتطلب حركةً صاعدةً هابطة، مثل ضخ المياه أو رفع مطرقة وإنزالها بالتناوب في المسبك الآلي. فكان لا بد من اتخاذ الخطوة الأخيرة: كان لا بد من تحويل الحركة المُتذبذبة للمكبس والأسطوانة إلى الحركة الدائرية اللازمة لتوفير الطاقة لمصانع نشر الأخشاب ومطاحن الدقيق ومصانع المنسوجات التي انتشرت طوال القرن الثامن عشر في أوروبا.

وكان بولتون هو مَن أقنع واط بتزويد مكبس محرِّكه البخاري المعدَّل بحدافة عن طريق ذراع، إلا أن بيكارد كان قد سجَّل براءة اختراع تلك الفكرة بالفعل. لكن واط المُبدع رفض مشاركة بيكارد واستطاع التحايل على براءة اختراع بيكارد بربط مكبس محرِّكه البخاري المعدَّل بحدافة ذات ترس «كوكبي» تعمل بمبدأ مختلف عن مبدأ الذراع البسيط. وقد أثبت محرِّك واط الجديد نجاحًا ساحقًا، وجعلته شراكته مع بولتون التي استمرَّت خمسة وعشرين عامًا ثريًّا طيلة حياته.

كان لنجاح واط في اختراع محرك بخاري يولد حركةً دائرية بسرعاتٍ مرتفعة نسبيًّا أعظم الأثر؛ فقد حرَّر المجتمع الأوروبي من اعتماده القديم على السواقي المائية — التي لا يُمكن وضعها إلا في مناطق محددة يتوفر فيها مصدرٌ مضمون بالمياه المتدفقة التي يمكن استغلالها — وكذلك طواحين الهواء، التي كانت تعتمد على هبوب الرياح المُواتية وتُحوِّلها، وهو ما كان صعب التنبؤ به. ولأول مرة كان من الممكن وضع مصدر الطاقة الدوارة أينما عظمت الاستفادة منها.

هكذا أمكن بناء مصانع المنسوجات أينما كان الموقع أفضل. وأصبح من المُمكن بناء مصانع نشر الأخشاب ومطاحن الدقيق على ضفاف أنهار هادئة وصالحة للملاحة ومستعدَّة لاستقبال أحمال الغلال والأخشاب التي تجلبها الصنادل والقوارب النهرية. وقد جعلت رواسب الفحم وخام الحديد العديدة المنتشرة في أنحاء الجزر البريطانية من بريطانيا مكانًا مناسبًا لتطور الصناعات القائمة على الحديد والصلب والفحم الحجري والبخار.

كان أعظم الآثار المُترتبة على اختراع محرك بخاري ناجع ذات حركة دوارة تأثيره الهائل على وسائل النقل برًّا وبحرًا؛ فحين أُلحق المُحرِّك البخاري بعجلةٍ ضخمة مزوَّدة بمجاذيف خشبية، نشأت السفينة البخارية. وحين رُكب المحرك البخاري في عربةٍ كبيرة وثقيلةٍ مصنوعة بالكامل من الصلب ووُضعت على قضبان من الصلب، نشأت السكك الحديدية. ومن بين نتائج المحرك البخاري الدوار الكثيرة، لا بد أن نعُد السفينة البخارية والسكك الحديدية بين أكثرها إسهامًا في التحول؛ فقد أحدثتا معًا ثورة في السفر والتجارة على مسافاتٍ بعيدة، وأتاحا أكبر تحول في طبيعة المجتمع البشري منذ نشأة الحضارة المدنية منذ آلاف السنين.

محركات النقل

ظلَّت السفينة الشراعية لآلاف السنين تحت رحمة رياح البحر، التي قد تهبُّ في تقطع وبغتةً من عدة اتجاهات مختلفة. في أوائل القرن التاسع عشر، قبل بناء أول سفينة بخارية عابرة للمحيطات، كان من المألوف أن تستغرق الرحلة من أوروبا إلى أمريكا بالسفينة الشراعية شهرَين بحرًا في المتوسط. على النقيض من هذا، قامت باخرة، «جريت ويسترن»، أول باخرة بعجلات تجديف تُبنى خصوصًا لعبور المحيط الأطلنطي، برحلتها الأولى من إنجلترا إلى نيويورك في أبريل عام ١٨٣٨م في ستة عشر يومًا، ومع حلول عام ١٨٧٥م كان هناك أسطول من السفن البخارية ذات الهياكل الحديدية — مزوَّدة بمحركاتٍ بخارية ودافعاتٍ مروحية متطورة بدلًا من عجلات التجديف — يعبُر الأطلنطي في سبعة أيام بصفةٍ منتظمة. كذلك صارت الرحلات الأخرى التي كانت تستغرق شهورًا من السفر بحرًا إلى أمريكا الجنوبية وأفريقيا والهند والشرق تُقطَع في نسبةٍ ضئيلة من الزمن السابق. ترتَّب على هذا أن شهد السفر والتجارة بين القارات زيادةً هائلة في القرن التاسع عشر؛ أي بين عامَي ١٨٠٠ و١٩٠٠م.

أُقيمت أول خدمة سكك حديدية منتظمة بين مدينتين عام ١٨٣٠م في إنجلترا بين مانشستر وليفربول، وقد أثار نجاح السكك الحديدية في العقود التالية هوسًا ببناء الخطوط والقطارات والقاطرات في أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية؛ مما استهلك كمياتٍ كبيرةً من الحديد والصلب. وهكذا صارت الرحلات التي كانت تستغرق فيما مضى أيامًا تُقطع في ساعات، والشحنات الثقيلة التي كانت تنقلها السفن والصنادل والقوارب النهرية ببطء فيما مضى باتت تُحمل على عربات بضائع وتُشحن برًّا في نسبةٍ ضئيلة من الزمن الذي كان يستغرقه النقل بالقوارب.

حين عدَّل صانعو الآلات والمُخترعون في أواخر القرن الثامن عشر فنَّ صناعة المكبس والأسطوانة اللذين أصبحا أكثر دقة — وربطوا المكبس بعمود ذراع تدوير دقيق الصنعة — تحوَّلت حركة المكبس المُتذبذبة إلى حركة دوارة متصلة، ونشأ «المحرك الترددي». كان المحرك البخاري هو المحرك الترددي الأساسي للقرن التاسع عشر، وسرعان ما صار مصدر الطاقة الأول للمصانع والسفن والسكك الحديدية الأوروبية، غير أن المحرك الترددي كان مُتجهًا نحو مستقبل أكثر غرابةً وتحولًا.

كان المحرك البخاري محركًا تردديًّا دقيقًا آليًّا، حيث كان الوقود يُحرق خارج المكبس والأسطوانة، وذلك بحرق الأخشاب أو الفحم الحجري أو فحم الكوك لتسخين المياه في غلاية وتحويلها إلى بخار. وبمجرَّد أن أدخل المخترعون الأوروبيون تحسينات على المحرك البخاري بدءوا يطرحون فكرة حرق الوقود داخل المحرك. وسرعان ما أتم مهندسون من دولٍ عديدةٍ تصميمات لفكرة محرك الاحتراق الداخلي الجديدة تمامًا. كانت معظم هذه المحركات تعمل بإشعال كمية صغيرة من الوقود داخل الأسطوانة مباشرةً، وكان الهدف أن تؤدي القوة الناتجة عن الغازات المُتمددة التي يُسخنها احتراق الوقود إلى دفع المكبس إلى الأمام وتدوير الذراع على حدافة.

في زمنٍ مبكِّر عام ١٨٠٧م، نجح الشقيقان الفرنسيان نيسيفور وكلود نييبس في الإبحار لمنبع نهر ساون على متن قارب يعمل بمحرك احتراق داخلي يدور بخليطٍ من أبواغ الطحالب وغبار الفحم والراتنج.5 وقد منح نابليون بونابرت محركهما براءة اختراع على هذا الإنجاز. وتتابعت تجارب أخرى استُخدم فيها غاز الهيدروجين وروح التربنتين وقودًا. وقد أعقب هذه التجاربَ محاولاتٌ ناجحةٌ أكثر فأكثر طوال القرن التاسع عشر أجراها مُخترعون سويسريون وأمريكان وبريطانيون وفرنسيون وألمان وبلجيكيون باستخدام غاز الفحم — أحد المنتوجات الثانوية عن عملية تحويل الفحم الحجري إلى فحم الكوك، والغاز الرئيسي المستخدم في الإضاءة خلال عصر مصابيح الغاز — لتشغيل محركات الاحتراق الداخلي.

وأخيرًا نجح المخترع الألماني نيكولاس أوتو في تصميم محرك يعمل بالغاز بالقوة والمتانة الكافيتين للإنتاج التجاري؛ فقد فتح أوتو عام ١٨٦٤م مصنعًا لإنتاج محركات الاحتراق الداخلي، وبحلول عام ١٨٧٥م كان قد باع ما يزيد عن ستمائة محرك يعمل بالغاز. لكن نظرًا لأن إمدادات غاز الفحم كانت تأتي عن طريق أنابيب معدنية مدفونة في الأرض، فلم يكن المحرك الذي يعمل بالغاز مُناسبًا إلا للمنشآت الثابتة، ولم يكن بمصدر الطاقة العملي للمَركبات الآلية.

لكن في عام ١٨٨٤م صمَّم المهندس البريطاني إدوارد بَتلر أول محرك بنزين حديث، مُضاف إليه ملفُّ إشعال وشمعة إشعال ومكربن. وركب بتلر محركه في عربة ذات ثلاث عجلات أسماها الدراجة، كانت أقصى سرعاتها عشرة أميال في الساعة، لكن لم يستطع بتلر أن يجد عملاء لدراجته بسبب قانون الراية الحمراء المعيب الذي أصدرته بريطانيا عام ١٨٦٥م، الذي قرَّر سرعة للمركبات ذاتية الحركة بحد أقصى ميلين في الساعة في المناطق السكنية وأربعة أميال في الساعة في الريف. وكان تجاوُز هذه السرعات يستلزم أن يمشي شخص أمام المركبة حاملًا رايةً حمراء؛ لذا فقد دمَّر بتلر اختراعه عام ١٨٩٦م، وباع المعدن خردة، وتخلَّى عن سعيه لصنع مركبة آلية، وكرَّس ما تبقَّى من حياته لتصميم محركات احتراق داخلي للقوارب.

وفي نهاية المطاف كان المهندسون الألمان هم من نجح في حل المشكلات التقنية التي اعترضت سبيل إنتاج سيارة عملية وميسورة التكلفة؛ إذ أقدمَ جوتليب دايملر وفيلهيلم مايباخ، اللذان كانا موظفَين سابقين في مصنع أوتو، على صنع محرك بنزين صغير ركباه في مركبة ذات عجلتين عام ١٨٨٥م، ليبتكرا بهذا أول دراجة بخارية في العالم. وبدأ كارل بينز إنتاج أول سيارة تجارية عام ١٨٨٦م، وفي عام ١٨٩٠م بدأ دايملر ومايباخ كذلك إنتاج سيارات للسوق التجارية.

وأخيرًا، نجح رودولف ديزل في اختراع أول نموذج عملي لمحرك كارنو، مستخدمًا مبادئ الديناميكا الحرارية التي وضعها المهندس العسكري وعالم الفيزياء الفرنسي نيكولا كارنو. نُشرت هذه المبادئ قبل ذلك عام ١٨٢٤م، حين كان كارنو ما زال في السادسة والعشرين من عمره، وكانت تصف عملية احتراق الوقود في الأسطوانة لا عن طريق الاشتعال بشرارةٍ كهربائية، وإنما بالأحرى بالحرارة التي تولَّدت حين ضغط المكبس الغازات داخل الأسطوانة. ورغم أن حياة رودولف ديزل لم تستمرَّ طويلًا، حيث مات ميتةً غامضة في البحر عام ١٩١٣م، فإن مبدأه صار مخلَّدًا في محرك الديزل الذي حل محلَّ المحرك البخاري منذ ذلك الوقت ليكون المصدر الأول للطاقة في أكبر وأثقل المركبات الحديثة؛ السفن والقاطرات والشاحنات الثقيلة ومعدات تحريك التربة.

مع نهاية القرن التاسع عشر تطوَّرت الصناعات البترولية، التي بدأت بدايةً متواضِعة للغاية في خمسينيات القرن التاسع عشر في أوروبا بصناعة شمع البارافين من النفط الخام لتُصبح قوةً صناعيةً رئيسية، وبحلول عام ١٨٨٠م كان يُضَخ أكثر من عشرين مليون برميل نفط خام سنويًّا من آبار النفط في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. الجمع بين البنزين المستقطَر من البترول ومحركات الاحتراق الداخلي ذات الآليات الدقيقة أتاح ابتكار محرك البنزين الحديث: وهو مصدر طاقة خفيف الوزن، وصغير الحجم، وقوي، ويُمكن الاعتماد عليه، وموفِّر. وقد كان محرك البنزين الحديث هو ما أتاح، أكثر من أي آلة أخرى، لمُخترعي أوائل القرن العشرين ابتكار كل من السيارة والطائرة؛ اثنتين من تقنيات النقل لمسافاتٍ بعيدة قلَّصت المسافات الفاصلة بين مجتمعات البشر لنسبةٍ ضئيلة من حجمها السابق.

من الرماح النارية إلى الأسلحة النارية

ليست الحروب بظاهرةٍ جديدة أو حديثة في تاريخ البشر؛ فحتى قردة الشمبانزي، كما رأينا في الفصل الأول، شُوهِدت بعض مجموعاتها وهي تستولي على الأرض بالقوة، مستخدمةً في ذلك عمليةً شبيهة شبهًا مُذهلًا بحروب البشر. ويُوحي الدليل الأثري الذي جاء وصفه في الفصل السادس بأن الحروب المنظَّمة — بما يشمل تشكيل الجيوش والذبح الجماعي لسكانٍ مدنيين — كانت حدثًا شائعًا في حياة البشر قبل تطور الحضارة المدنية بزمنٍ طويل. لكن حين طُبق علم الكيمياء وتقنيات الآليات الدقيقة على تصميم الأسلحة وتصنيعها وأنظمة إطلاقها، سرعان ما بلغت الحروب مستوًى من العنف والتدمير غير مسبوق في تاريخ البشر.

بدأ اختراع الأسلحة النارية في الصين في القرن التاسع الميلادي، عندما اكتُشف أن ملح البارود — نترات البوتاسيوم الموجودة في الطبيعة — من الممكن إشعاله بسهولة ليحترق بوهجٍ أزرق مميز. وسريعًا ما اكتشف الصينيون أنه بخلط ملح البارود المطحون بكمياتٍ أصغر من الكبريت والفحم النباتي، من المُمكن الحصول على خليطٍ قابل للانفجار أطلقوا عليه البارود الأسود؛ باكورة البارود الحديث. كان ما يُميز البارود الأسود أنه أثناء عملية الحرق كان ملح البارود يُطلق أكسجينًا أكثر مما يستهلكه بالفعل، وهذا الأكسجين الزائد كان يسمح للكبريت والفحم النباتي بالاشتعال حتى حين يكون الخليط داخل وعاء مغلَق، كما الحال عندما يكون داخل ماسورة مسدس.

أما الاعتقاد المنتشِر بأن الصينيين اخترعوا البارود ولكن استخدموه في صنع ألعاب نارية بغرض التسلية فهو خطأٌ تمامًا؛ فبحلول نهاية القرن العاشر الميلادي كان الصينيون بالفعل يملئون أنابيب الخيزران المجوفة بالبارود الأسود لإطلاق قذائف مسمَّمة الرءوس أو مشتعلة تُسمى الرماح النارية، وفي بداية القرن الثالث عشر كانوا يستخدمون البارود في صنع القنابل وقاذفات اللهب والصواريخ والمسدَّسات والمَدافع، وكلها كانت تُستخدم بكثرة في الحروب. في هذا الوقت لم يكن الأوروبيون يملكون أسلحةً نارية، وكانت الأسلحة الأوروبية مُقتصرة في الغالب على الخناجر والسيوف والرماح والقضبان الشائكة والسهام وأقواس السهام، بالإضافة إلى مجموعة متنوِّعة من مدكَّات البنادق والمجانق التي صُمِّمت لدكِّ أسوار الحصون العسكرية والمدن الحصينة.

ظهرت الأسلحة النارية في أوروبا بعد منتصف القرن الثالث عشر، غير أن جميع الأسلحة النارية ظلَّت لعدة قرون يعتريها عيوبٌ خطيرة جعلت استخدامها محدودًا للغاية؛ فقد كانت الأسلحة المحمولة يدويًّا ثقيلة، وكانت تستغرق عدة دقائق لحشوها بالبارود والقذائف، وكان يجب حملها بيدٍ واحدة أثناء إشعالها بفتيل مُشتعِل باليد الأخرى، وكانت غير دقيقة لدرجةٍ معيبة، وكانت أحيانًا تنفجر في أيادي أصحابها.

لاحقًا في القرن السابع عشر ميلاديًّا، كانت بندقية المسكيت التي كانت تشتعل بالفتيل وتُحشى من الفوهة تُشعَل بفتيل يُقدَح بكميةٍ صغيرة من بارود الإشعال عند ضغط الزناد. وقد أدرج دليل للجندي الهولندي نُشر عام ١٦٠٧م ما لا يقلُّ عن ثمانٍ وعشرين خطوةً مستقلة يجب على الجندي المسلَّح ببندقية المسكيت اتباعها قبل أن يكون مستعدًّا لإطلاق طلقة واحدة من بندقية المسكيت ذات الإشعال الفتيلي.6 بل في الواقع كانت بندقية المسكيت ذات الإشعال الفتيلي تستغرق وقتًا طويلًا جدًّا في الحشو وإطلاق النار، حتى إن استخدام الأسلحة النارية في الحروب لم يبدأ يحلُّ مكان الأسلحة التقليدية المحمولة يدويًّا إلا بعد استحداث المسكيت ذات الزناد الصواني بعد عام ١٦٥٠م، حيث كان البارود يشتعل من شرارة اصطدام حجر صوان مزوَّد بزنبرك بصفيحة من الصلب.

كانت المَدافع أكثر فتكًا من المجانق التي كانت تُستخدم منذ العصور القديمة في رشق الأهداف المحصَّنة بصخورٍ هائلة، إلا أن المدافع القديمة كانت ضخمة وثقيلة إلى حدٍّ بشع؛ إذ كان المدفع الواحد يزِنُ في المعتاد آلاف الأرطال، ويحتاج إلى عددٍ كبير من الخيل لنقله إلى مجال إطلاق النار، وقد يستغرق عدة ساعات قبل تنظيفه، وتزويده بالبارود، وحشوه بالقذائف، ويصير جاهزًا لإطلاق طلقة واحدة. كذلك لم تكن المدافع غير دقيقة إلى حدٍّ بعيد فحسب، لكنها كانت أحيانًا أيضًا، مثل الأسلحة المحمولة يدويًّا، تنفجر وتقتل مُشغِّليها بدلًا من إطلاق مقذوفاتها.

كانت مشكلة كل الأسلحة النارية الأولى تكمن في طريقة تصنيعها؛ فكانت مواسير البنادق والمدافع الأولى تُصنع بصبِّ البرونز أو الحديد المصهور في قوالب، إلا أن عملية صب المعادن المصهورة لا تُعطي مواسير ملساء أو دقيقة الاستقامة، ويُمكن للاختلالات الصغيرة داخل الماسورة أن تُؤثِّر على مسار القذيفة. علاوة على ذلك، كانت الأسلحة النارية الأولى ينقصها «الحلزنة» التي تدخل في كل الأسلحة النارية الحديثة. والحلزنة هي أخاديد لولبية تجعل القذيفة تبدأ الدَّوران أثناء اتجاهها إلى نهاية الماسورة؛ مما يجعل مسار الرصاصة مستقيمًا بدرجةٍ كبيرة، ويزيد من مجال السلاح ودقته للغاية.

لكن تقنية الآلات الدقيقة جعلت من المُمكِن تجويف ماسورة السلاح الناري بحيث تُصبح أنبوبًا أملس ومستقيمًا تمامًا، وكان هذا التطور، أكثر من أي تطوُّر آخر، هو ما أعطى السلاح الناري فاعليته الفتَّاكة، وما أبطل أخيرًا سيوف ورماح وسهام العصور الغابرة؛ لهذا السبب حين احتاج جيمس واط إلى صنع مكبس وأسطوانة مُتلائمين بدقة من أجل محركه البخاري الجديد، اتجه إلى جون ويلكنسون صانع المَدافع من أجل الحل.

حين اقترن اختراع البارود والأسلحة النارية الصينية بالتطورات الأوروبية في مجال الآلات الدقيقة، انبثق السلاح الناري ليكون أكثر الأسلحة فتكًا في تاريخ البشر؛ فبندقية إم-١٦ القياسية التي يستخدمها الجيش الأمريكي تستطيع إطلاق عشر طلقات من الذخيرة في الثانية بمرمًى فعَّال يصِل إلى مساحة ستة ملاعب كرة قدم مصفوفة جنبًا إلى جنب. ويستطيع مدفع رشَّاش الجيش الأمريكي إم-٦١ أن يُطلِق مائة طلقة من الذخيرة في الثانية، ويُمكن لمدفع الهاوتزر الحديث أن يُطلق قذيفةً متفجِّرة يصل قُطرها إلى ست بوصات ويحطم هدفًا على بعد ثمانية عشر ميلًا. وليست هذه سوى ثلاثة من عشرات آلاف الأسلحة النارية المختلفة التي تُصنع وتُستخدم في الزمن الحاضر، من مسدساتٍ بالغة الصِّغر يقلُّ طولها عن أربع بوصات إلى مدافع بحرية يتجاوَز طولها ستين قدمًا، ويصل مرماها إلى اثنين وعشرين ميلًا، وتستطيع إطلاق قذيفة متفجِّرة يصل قُطرها إلى ست عشرة بوصة، وتزِن أكثر من ألفَي رطل.

ظل أشباه البشر الأوائل والبشر الناشئون والإنسان الحديث ملايين السنين يُواجهون كلهم مشكلة الدفاع عن أنفسهم ونسلهم أمام تهديد الضواري الكبيرة التي كانت تأهل عالَمهم وبيئاتهم الطبيعية. وقد تكون الأسلحة الفتَّاكة التي تعلَّم بشر ما قبل التاريخ صناعتها مكَّنتهم من قتل فرائسهم وأعدائهم الطبيعيين وإلحاق الإصابات بهم، لكن تسلُّح شعوب ما قبل عصر الصناعة بالرماح والرماح الخفيفة والحِراب والسهام القديمة فحسب لم يكن يضمَن لهم الصمود في مواجهة مع الأسود والببور والدِّببة والذئاب والأبقار والأفيال ووحيد القرن والفظ والخيول البرية، وغيرها من الحيوانات الخطيرة التي كانوا يُقابلونها أثناء الصيد أو الانتقال بمخيماتهم من مكان إلى آخر؛ لذا فقد هلك قبل اختراع الأسلحة النارية عدد لا حصر له من الصيادين وجامعي الثمار والمُزارعين والرعاة جرَّاء هجمات من وحوش مذعورة أو هائجة أو مُصابة.

غير أن تطوُّر الأسلحة النارية الدقيقة غيَّر كل هذا؛ فلأول مرة في تاريخ البشر تسنَّى للصائد المعاصر التسلُّح بسلاحٍ فتَّاك يُمكنه من إحداث إصابات بحيواناتٍ أخرى وقتلها من مسافةٍ بعيدة. فاعلية الأسلحة النارية الحديثة — مع الانخفاض الحاد في حجم المساحات البرية والانتقال المستمر للمجتمعات البشرية من الريف إلى المدن — قضت نهائيًّا على التهديد المتربِّص بحياة البشر الذي كان مصدره وجود الحيوانات البرية في بيئتنا. أما في العالم الحديث، فما يُهدِّد حياة البشر وسلامتهم يكاد يأتي فقط من بشرٍ آخرين.

جميع الأشياء تعمل بالكهرباء

في عام ١٨٢٠م كان عالم الفيزياء الدنماركي هانز كريستيان أورستد يُلقي محاضَرة حين لاحظ أن إبرة البوصلة تحرَّكت حين سرى التيار الكهربائي في إحدى البطاريات وتوقَّف. هكذا كان أورستد أول شخص ينشر اكتشاف نشأة مجال مغناطيسي عند تدفُّق التيار الكهربائي في سلك. ورغم إجراء علماء آخرين تجارب على اكتشاف أورستد العلاقة بين الكهرباء والمغناطيسية، لم يُثبِت أحدٌ منهم أن اكتشاف أورستد يعمل بالعكس حتى جاء مايكل فاراداي، ابن أحد الحدَّادين الإنجليز، في ثلاثينيات القرن التاسع عشر الذي أثبت أن المجال مغناطيسي حين يتحرَّك عبر موصِّل كهربائي كالسلك مثلًا، ينتج عنه تيارٌ كهربائي. وقد أتاحت هذه الظاهرة المسمَّاة بالحث الكهرومغناطيسي لفاراداي ابتكار نماذج عملية من الجهازين الأساسيَّين في العصر الكهربائي: المولد الكهربائي والمحرك الكهربائي.

قبل العمل الرائد لفاراداي كان المصدر الوحيد المضمون للكهرباء هو أشكالًا بدائية من البطارية السائلة، وهي مكوِّناتٌ كبيرة وثقيلة وقابلة للكسر مليئة بكمياتٍ خطيرة من حمض الكبريتيك، لكنه من المهم أيضًا أن نتذكَّر أن فاراداي ما كان ليتمكَّن من صنع المحرك الكهربائي أو المولد الكهربائي لولا تقنيات الآلات الدقيقة؛ فقد أتاحت هذه التقنيات إمكانية تكوين آليات ذات محامل سلسة ومتينة مكَّنت دوَّاراتها من الدَّوران بسرعاتٍ هائلة وأدنى حد من الاهتزاز، وهو ما كان ضروريًّا لتعمل المحركات والمولدات بشكلٍ سليم.

بمجرد رسوخ مبادئ الحث الكهرومغناطيسي وتصميم المولدات الكهربائية وتصنيعها بنجاح، صار ممكنًا استخدام أي مصدر طاقة دوَّارة في توليد تيار كهربائي مُستمر. وشُيدت أول محطة طاقة عامة في جنوب إنجلترا سنة ١٨٨١م، تُزودها ساقية ماء بالطاقة. ومع نهاية القرن التاسع عشر كانت المولدات الكهربائية التي تعمل بطاقة البخار والماء تُبنى في أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية، ومع أوائل القرن العشرين بدأت الكهرباء تنتشر مثل النار في الهشيم في أرجاء العالم المعمور.

سرعان ما أدَّت الطاقة الكهربائية الميسورة التكاليف إلى ظهور طائفة من التقنيات الجديدة التي غيَّرت وجه الحياة البشرية تمامًا؛ فالمصاعد الكهربائية — الأقوى والأكفأ كثيرًا من المصاعد السابقة الهيدروليكية والتي تعمل بالبخار — أتاحت إقامة مبانٍ عالية، وهكذا نشأت ناطحات السحاب. ولأول مرة في تاريخ البشر أتاح التلغراف — ولاحقًا الهاتف — للناس التواصل في الحال عبر آلاف الأميال. وحملت قطارات الأنفاق ملايين الناس للعمل يوميًّا من خلال أنفاق تحت الأرض، وانطلقت حافلات الترام في شوارع المدن الرئيسية في العالم.

وحوَّلت الإضاءة الكهربائية الليل من عالَمٍ مُعتِمٍ تُضاء فيه المصابيح والشموع المرتعِشة إلى عالم اللمبات الكهربائية التي أضاءت الليل على نحوٍ غير مسبوق على الإطلاق؛ لتُحرِّر البشرية من اعتمادها القديم على شروق الشمس وغروبها. وأحدث التبريد تحوُّلًا تامًّا في صناعة الغذاء؛ إذ أتاح نقل اللحوم والدواجن والأسماك آلاف الأميال وتجميدها لأسابيع وشهور دون أن تتعفَّن. وغيَّر تكييف الهواء حياة كل من يعيشون في المناطق ذات المناخ الحار؛ لتُعطيهم حرية العمل واللهو في برودة منعِشة. وأذِن دخول الإذاعة والسينما والتلفاز — التي لم يكن أيٌّ منها ليتأتَّى لولا الكهرباء — ببداية عصر وسائل الإعلام.

في الوقت ذاته بلغت أدوات العالم الصناعي المُميكَنة أوجها؛ إذ تحرَّرت من السيور والبكرات وأعمدة التدوير الضخمة الخطيرة التي ظلَّت تُستخدم طويلًا في نقل الطاقة من المحركات البخارية إلى خطوط تجميع المصانع، غير أنه حتى عام ١٩٠٠م كان المحرك البخاري ما زال يوفِّر أكثر من ٨٠ في المائة من الطاقة المستخدمة في التصنيع، بينما كانت المحركات الكهربائية توفِّر أقل من ١٠ في المائة، لكن بعد أربعين عامًا انعكست هاتان النسبتان تمامًا؛7 فخلال ذلك الوقت كانت الأدوات المُميكَنة الحديثة كلها تعمل بطاقة المحركات الكهربائية، وأثناء ذلك صارت أصغر حجمًا وأخف وزنًا وأكثر قابلية للحمل، وأكثر كفاءة عن الجيل السابق من الأدوات المميكنة التي كانت تعمل بطاقة المحركات البخارية، أو الأجيال السابقة لذلك التي كانت تعمل بالأيادي والأقدام البشرية التي كانت تُدير الأذرع والطواحين. وخلال أقل من مائتَي عام أدَّى الانتشار الواسع للوقود الحفري والمحركات الترددية والكهرباء — التي صارت كلها مُمكنة بفضل تقنية الآلات الدقيقة — إلى تغيير كل وجه من وجوه الحياة البشرية كليةً.

فقط خلال اللحظات النادرة حين تؤدي عاصفةٌ عاتية أو حادثة بناء إلى انقطاع الضوء لساعاتٍ قليلة يتيسَّر لنا نحن من نعيش في العالم المتقدِّم مجرد لمحة جزئية ومؤقتة عن الدور المحوري الذي تلعبه الكهرباء في حياتنا اليومية؛ إذ تتعطَّل أنظمة التدفئة وتكييف الهواء، وتتوقَّف الثلاجات عن العمل، ولا تشتعل الأفران، وتصير المصاعد مُعطَّلة، والتلفاز لا يعمل، وتنطفئ أجهزة الكمبيوتر، ولا يمكن إعادة شحن الأجهزة المحمولة. كما تتعطل كل مقرَّات عمل العالم الحديث وأنظمة نقله — المكاتب والمصانع والمخازن والمتاجر والمستشفيات والمطارات والقطارات وقطارات الأنفاق والمصاعد التي تجعل الحياة المدنية مُمكنة في المجتمع المعاصر — ويتحتَّم مغادرتها حتى تعود الكهرباء. وحين تنقطع الكهرباء ليلًا، يغمرنا ظلامٌ غير مألوف ومُزعج في عالمٍ لا يُضيئه سوى الشموع والفوانيس.

وهذه لا تعدو كَوْنها التقنيات المعتمدة على الكهرباء التي تُولدها محطات الطاقة وتُوصلها في أسلاك للمباني وغيرها من المنشآت المستديمة. أما إن اختفت الكهرباء نفسها بغتةً فلن تدور أو تسير أي من السيارات أو الشاحنات أو الحافلات أو القطارات، ولن تُحلِّق الطائرات، وستصير قوى القانون والنظام غير قادرة على التواصل، ومع تعطُّل الهواتف أو الأجهزة المحمولة أو أجهزة اللاسلكي، لن يستطيع الناس الحديث بعضهم مع بعض على الإطلاق إلا من يتصادف وجودهم في نفس المكان.

من المدهش أن نجد أن الكهرباء نفسها لم تصبح متوفرة في العموم حتى أواخر القرن التاسع عشر حين نضع في الحسبان اعتمادنا البالغ عليها في حياتنا المعاصرة. ومن بين جميع الطُّرق المتعدِّدة التي غيَّرت بها الكهرباء طبيعة حياة البشر، قد يكون أهمها — من ناحية تأثيراتها الثقافية والاجتماعية — ازدهار التقنيات المتقدمة في المنازل وتأثير التقنيات المنزلية في أوضاع المرأة في المجتمع الحديث.

الأجهزة المنزلية

أقمت مع أسرتي طيلة خمسة عشر شهرًا، بدءًا من خريف عام ١٩٦٧م في جزيرة إيوس اليونانية، حيث درستُ أساليب المعيشة التقليدية لقُرويِّي الجزيرة اليونانية من أجل رسالة دكتوراه في علم الإنسان الثقافي. وقد اخترتُ جزيرة إيوس لأنها في ذلك الوقت لم يكن بها مَرافق بحرية قادرة على خدمة السفن السياحية، ولم تكن الكهرباء أو العربات المزوَّدة بمحركات قد دخلت الجزيرة بعد. ونتيجة لهذا، كان سكان الجزيرة يعيشون بدرجةٍ كبيرة كما كان يعيش أغلب سكان الجزر الأوروبيين قبل بداية الثورة الصناعية.

كان أهل إيوس ما زالوا يزرعون حبوبهم ويطحنونها لتصير دقيقًا في طاحونة القرية. وكانوا يُعدُّون عجين الخبز في منازلهم ليخبزه خبَّاز القرية كل صباح في فرنٍ حجريٍّ ضخم يعمل بنار الحطب الذي كان يُشعَل كل مساء ويظل يحترق طوال الليل. وكان أهل الجزيرة يزرعون محاصيل الزيتون، التي كانوا يعصرونها لاستخراج الزيت؛ ومحاصيل العنب، التي كانوا يعصرونها لاستخراج النبيذ. وكانت كل لحوم الخنازير والخِراف والماعز والدجاج والبيض الذي يُستهلك على الجزيرة، وكذلك كل الأسماك والخضروات، يرعاها مُزارعون محليون ويصطادها صيادون محليون. أما لحم الأبقار فلم يكن متوافِرًا. وكانت نساء إيوس ما زِلن يَغْزلن خيوطًا من القطن والصوف، ويحِكْن كثيرًا من ملابسهن بأياديهن.

وفي صباح أيام الأحد، حين يكون الطقس مُلائمًا، كانت تصلُ باخرةٌ صغيرة من أثينا عائدةً إلى إيوس، على مَتْنها أولئك الذين غادَروا الجزيرة قبل أسبوع لزيارة أقاربهم أو لمُزاوَلة أعمالهم. وكانت السيارة الوحيدة على الجزيرة، وهي سيارة أسفار عتيقة، تُستخدم في صباح تلك الأيام لحمل كبار السن والواهنين من المُسافرين في الطريق المُوحل المُلتوي الطويل المُمتد من الميناء إلى القرية. وكان أغلب الناس غير مُستعدين لدفع تكلفة الرحلة، فكانوا يحملون أمتعتهم على دواب، ويتحمَّلون السير طويلًا صاعدين سُلمًا حجريًّا قديمًا. أما باقي أيام الأسبوع فكانت سيارة الأسفار تبقى دون حركة. وكانت البغال والحمير هي وسيلة الانتقال الوحيدة.

كان الناس في مجتمع قرية إيوس التقليدي يعملون من الصباح الباكر حتى غروب الشمس، فإذا حل الظلام تناولوا العشاء على ضوء الشموع ومصابيح الكيروسين. وكان الأكثر ثراءً من القرويين يستخدمون المواقد الغازية للطَّهي، وكان الأقل ثراءً يستخدمون كوانين (مواقد) فحم نباتي. وكانت المياه الباردة تُحمَل إلى المنازل في صفائح وأسطال تُملأ من صنابير عامة في الشوارع. أما تسخين المياه فكان على أسطح التنانير. وكانت الملابس تُغسَل يدويًّا خارج المنازل بلوح الغسيل في وعاءٍ معدني. وكانت الأرضيات تُنظَّف بالمقشات والمماسح، فلم تكن الغسَّالات والثلاجات والمكانس الكهربائية والمواقد الغازية ومكيِّفات الهواء وغسَّالات الصحون معروفة. وكان الطعام المعلَّب يُباع في عددٍ قليل من المتاجر العامة الصغيرة، ولكنه كان يُبتاع من أجل المناسبات الخاصة فقط، ولم يكن الطعام المجمَّد موجودًا.

في هذا المجتمع التقليدي والسابق للصناعة إلى حدٍّ كبير، كان تقسيم العمل بين الرجال والنساء صارمًا وشاملًا؛ فالرجال يزرعون محاصيل الغلال ويرعون البساتين والكروم، والرجال يربون الحيوانات ويبنون المنازل ويُرممونها حين يكون ضروريًّا، والرجال يتولَّون الأمور السياسية والوظائف الحكومية، والرجال يُسافرون لكسب المال بالعمل على السفن وفي المصانع والمطاعم.

أما النساء فيُربِّين الأطفال ويعتنين بالمنزل. وترعى النساء حدائق الخضروات، وتشتري الطعام وسائر المستلزمات المنزلية، ويُحضِّرن كل الوجبات من مكوِّناتٍ نيئةٍ غير معالَجة، ويغسلن الصحون ويكنسن الأرضيات ويمسحنها، ويُخرِجن الأبسطة وينفضن عنها الغبار، ويغسلن الملابس يدويًّا ويُرتِّقنها حين تَبْلى، ويرتِّبن الأسرَّة، ويغسلن البياضات، ويغزلن الخيوط من القطن والصوف، ويحكن الجوارب والمعاطف، ويطلين المنازل، ويُرضعن المواليد ويُحممنهم، ويُطعمن الأطفال ويُلبسنهم، ويرعين المريض والعاجز والمُسن في الأسرة، ولا يألون جهدًا في الحفاظ على برودة منازلهن في الصيف ودفئها وجفافها في الشتاء.

وكان الرجل أو المرأة من دون شريك من الجنس الآخر يصير مُواطنَ درجة ثانية في مجتمع الجزيرة؛ فالرجل بمفرده لم يكن لديه من يحمل أطفاله، ويعدُّ طعامه، ويُرتق ملابسه ويغسلها، ويحافظ على نظافة منزله وترتيبه. والمرأة وحدها لا رجاء لها في عمل أو مصدر ثابت بالمال أو الطعام أو الحماية. لذلك كانت حياة المرء بمفرده أمرًا مستبعَدًا. وكان الرجال والنساء غير المُتزوجين يعيشون مع أبوَيهم المُسنين أو أسر أقاربهم. ولم يكونوا محرومين من منزلٍ خاص بهم فقط، ولكن أيضًا المكانة الاجتماعية والكرامة والاستقلال الذاتي الذي كان يأتي معه. وكانت محنتُهم الكبرى، في منظومة قيم ثقافة الجزيرة، أنهم لم يكن لديهم أطفال ليجلبوا الفرحة والضحك في حياتهم، أو يُعطونهم رؤيةً مستقبلية، أو يدعمونهم ويقومون على رعايتهم عند الكبر.

ولما كنت آتيًا من مجتمعٍ مدني متطور حيث كانت التقنيات المنزلية أمرًا شائعًا، فلم أدرك في البداية المكانةَ الفريدة التي احتلَّتها نساء هذه الجزيرة اليونانية في الحياة اليومية؛ فالرجل دون زوجة في ذلك المجتمع التقليدي ليس إلا نصف إنسان. وحتى إن تحدَّى العُرف وحاول أداء «عمل النساء» بنفسه، فسيقع تحت ضغط شديد ليجد وقتًا كافيًا لفعل ذلك؛ فنساء قرى هذه الجزيرة كنَّ يقضين اليوم كله في أداء عدد لا يُحصى من المهام اللازمة للحفاظ على المنزل في حالةٍ مقبولة. وعلاوة على الحفاظ على نظام المنزل كان يقع على عاتق النساء الأصغر سنًّا عبء رعاية أطفالهنَّ؛ من تحميمهم وإطعامهم وكسوتهم وحمايتهم من الخطر. لم يكن مُمكنًا مُطلقًا أن يعيش الرجل حياةً عادية من دون امرأة لترعى حاجاته المنزلية، وكان الرجال البالغون القليلون الذين لم يتزوَّجوا مادةً للشفقة، وفي بعض الأحيان الاستهزاء.

لقد غيَّرت ميكنة متاع البيت في القرن العشرين ذلك كله؛ فالغسَّالات الكهربائية والمجفِّفات وغسَّالات الصحون أتاحت إنجاز كل مُهمات الغسيل والتنظيف التي يحتاجها المنزل في وقتٍ أقل كثيرًا عما كانت تستوجبه في عصور ما قبل الصناعة. والطعام المجمَّد والطعام المحضَّر والطعام الجاهز والثلاجات ومَواقد الغاز وأفران الميكروويف، وطائفة من الأجهزة الكهربائية من الخلَّاطات البسيطة إلى محضرات الطعام المعقَّدة، كلها اختصرت عملية إعداد الطعام في أعمالٍ أبسط كثيرًا يمكن إنجازها في نسبةٍ ضئيلة من الوقت الذي كانت تحتاجه سابقًا. وتعتمد كل هذه التقنيات على توفُّر الطاقة الكهربائية.

ومع ازدهار فرص العمل للنساء — وتزايد قبول الرجال لأداء الأعمال المنزلية الروتينية — صار خيارًا واقعيًّا لكلا الجنسين أن يعيشوا بمُفردهم، بل لقد صارت الأسرة المكوَّنة من شخصٍ واحد هو أسلوب الحياة المفضَّل لثلاثين في المائة تقريبًا من الأسر في أوروبا والولايات المتحدة (تصل النسبة في السويد إلى ٤٧ في المائة). وليس سائر العالم بمُتخلف كثيرًا عن هذا الركب؛ فالأسرة المكوَّنة من شخصٍ واحد أكثر شيوعًا في اليابان عنها في الولايات المتحدة، لكن لم تتبنَّ كل الأمم هذه الأسلوب المعيشي؛ فالهند التي ظلَّت فيها الحياة الأسرية قوية وحيوية لا تتعدَّى نسبة الأسر المكوَّنة من شخصٍ واحد ثلاثةً في المائة.

لا يُمكن لأحدٍ أن يُجادل بأنه سيكون من الأفضل العودة إلى ظروف الماضي، حين كان الرجال والنساء يعتمد بعضهم على بعض اعتمادًا كاملًا، حتى إنهم لم يكونوا قادرين أن يعيشوا حياةً مقبولة من دون زوج، أو حين كانت النساء يقضين الجزء الأكبر من حياتهن في الطهي والتنظيف وتربية الأطفال. لكن من المُفارَقات أن الأجهزة الشديدة التوفير للجهد التي اقتنتها الشعوب المعاصِرة لجعل عمل المرأة أخفَّ وأسهل كان لها أثر حرمان النساء من مكانتهن الضرورية التي تمتَّعن بها في علاقاتهنَّ مع الرجال في المجتمع بوجهٍ عام. وفي الوقت ذاته كان من آثار بدء ما يُسمى بمجتمع العمل أنه زاد من أهمية الدور الاقتصادي للرجل، الذي كان في الأصل العضو الوحيد في الأسرة الذي لديه حرية مزاوَلة عمل مُدرٍّ للربح.

كان من النتائج المباشِرة لظهور الأجهزة المنزلية — والتحوُّل التام للأهمية الاقتصادية للأطفال من كَوْنهم أصولًا اقتصادية إلى أعباء اقتصادية — أن تُقلِّص إلى حدٍّ خطير الدورَ المهم السابق الذي كانت تضطلع به النساء حين كنَّ حاملات الأطفال وراعيات البيوت. خلال السنوات الأولى من القرن العشرين لم تتعدَّ ميكنة المنزل ظهور تقنيات التنظيف الآلي مثل الغسَّالات والمكانس الكهربائية. وطوال سنوات الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية، أدَّت البطالة الهائلة والتجنيد الإلزامي إلى عدم قدرة عدد كبير من الرجال على إعالة أسرهم على نحوٍ كافٍ. وكان هذا هو الوقت الذي بدأت فيه النساء لأول مرة العملَ خارج المنزل بأعدادٍ كبيرة، وقد وجد العديد من النساء في التجربة تمكينًا وتحريرًا.

لكن حين وضعت الحرب أوزارها عاد الرجال إلى وظائفهم، وحين غادرت النساء وظائفهن وعُدْن إلى رعاية المنزل وتربية الأطفال، هبطت مكانة المرأة ومنزلة عمل المرأة إلى أدنى مستوياتهما تاريخيًّا. لهذا السبب بدءًا من منتصف القرن العشرين، حين بلغت ميكنة متاع المنزل أوجها، لكن قبل أن يُعَد من المقبول أن تعمل النساء المتزوِّجات ذوات الأطفال للحصول على مرتبات في وظائف بدوامٍ كامل؛ بدأت نساء العالم الحديث يخُضْن أزمةً وجودية تتعلق بمكانتهن وكبريائهن ما زالت مستمرة حتى اليوم.

في مجتمعات الصيد وجمع الثمار في الزمن الماضي، لم تكن النساء فقط يجمعن الحطب ويطهين الطعام، ولكنهن أيضًا كنَّ يجلبن أغلب الغذاء النباتي الذي لم تكن الجماعة ككلٍّ تستطيع الحياة بدونه. وكان ذلك يجعل الرجال البالغين قادرين على قضاء النهار في صيد مؤن اللحم الذي يُعادله في الأهمية. وفي المجتمعات الزراعية لم تعمل النساء في الحدائق ويتولَّين كل أعمال الطهي والتنظيف والغسيل فحسب، لكنهن كن أيضًا يحملن ويُربِّين الأطفال الذين يجلبون الثروة والمكانة والأمل بضمان المستقبل للأسرة ككلٍّ.

لكن في المجتمع الصناعي الحديث بات العمل الوحيد الذي لا يُستغنى عنه بحقٍّ هو كسب المال من خلال وظيفة مُدرَّة للربح. ولأنها كانت في البداية «عملًا رجاليًّا» خلال العقود الأولى من التحول نحو الصناعة، فقد هيمنَ الرجال قديمًا على هذا القطاع، وما زالوا يتمتَّعون بحظوةٍ كبيرة على النساء في الوظائف. في الوقت نفسه فقدت أهميةُ النساء باعتبارهنَّ حاملاتٍ الأطفالَ الكثيرَ من حيثيتها السابقة؛ فقد صارت شعوب العالم المتقدِّم على نحوٍ مُتزايد لا تعتمد فقط على أبنائها، ولكن أيضًا على استثماراتها ومعاشاتها ومدفوعات الضمان الاجتماعي وسياسات التأمين الصحي لتُوفِّر لهم الضمان الاقتصادي في شيخوختهم.

باختصار، قاست نساء العصر الحديث من الجمود الثقافي؛ ويُقصد بذلك نزوع ثقافة ما إلى الاحتفاظ بالقيم والتقاليد التي صارت باليةً بسبب تغييرات أخرى في المجتمع. فمن ناحية، ما زال يُنتظر من النساء أداء أغلب الأعمال المتعلِّقة بالطهي والتنظيف والحفاظ على ترتيب المنزل وتنشئة الأطفال، لكن من ناحيةٍ أخرى فقدت هذه المهام الكثير من أهميتها السابقة لكلٍّ من أزواجهن والمجتمع.

ونتيجةً لحصارهن بين الدور التقليدي الذي لم يعُد لازمًا ولم يعُد يحظى بالاحترام كما كان فيما مضى ودورٍ غير تقليدي هن فيه مُستجدات ومُنافسات غير مرحَّب بهن في أحيانٍ كثيرة، تُكافح نساء العصر الحديث ليجدن القبول الاجتماعي والاحترام الذاتي اللذين لم يفقدهما جنس الذكور قط، وما زال أغلب الرجال يتمتَّعون بهما كأمرٍ مسلَّم به. غير أن قدوم التقنية الرقمية، كما سنرى في الفصل التالي، وضعت التحديات في طريق الدور التقليدي للرجال البالغين أكثر من أي تحوُّل سابق، وأضعفت مكانتهم بطرق لم يتوقَّعها قط مُخترعو أول أجهزة كمبيوتر.

الحب والجنس والزواج في المجتمع الصناعي

لما صارت وراثة الأرض الزراعية لا تمسُّ حياة المُواطن العادي في العصر الحديث، لم يعُد مُهمًّا للآباء ترتيب زيجات أبنائهم وورثتهم؛ فنادرًا ما يتزوج الناس في العصر الحديث لتقوية الأواصر الاقتصادية بين الأسر. وحيث إن عُرْف الزواج المدبَّر القديم المُعَد سلفًا عفا عليه الزمن فعليًّا، فقد تغيَّرت تطلعات الحياة الزوجية تغيرًا جذريًّا. ونتيجة لهذه التغيرات صار المبدأ الجديد «الزواج بدافع الحب» (القديم جدًّا في الواقع) هو السبب الرئيسي للزواج لدى الناس في المجتمع المعاصر.

مع انتقال شعوب العصر الحديث من المَزارع إلى المدن، لم يعُد الأطفال في وضعٍ يسمح لهم بالمشاركة جديًّا في تحقيق الثراء للأسرة. ولما صار الدعم المالي لكبار السن تدريجيًّا من مسئوليات الحكومة في أنحاء العالم الصناعي، فقدَ الأطفال أهميتهم حتى باعتبارهم مصدر أمان لذويهم في شيخوختهم. ولما صار الأطفال في المجتمع المدني الحديث عبئًا اقتصاديًّا على عاتق أسرهم، فليس من العجيب تقلُّص حجم الأسر مع كل جيل بعد التوسُّع في الحياة المدنية، واختيار العديد من المُتزوجين عدم الإنجاب على الإطلاق.

بدلًا من اعتبار الزواج وسيلةً لغايةٍ اقتصادية، غدا الشباب في العالم المُتقدم يعُدون الزواج سبيلًا للصحبة والإشباع الجنسي. ومع تزايد اختيار الناس في العصر الحديث لأقرانهم على أساس الانجذاب الجسدي والانسجام العاطفي، سريعًا ما فقدت القيم التقليدية للعفة قبل الزواج والعذرية عند الزواج جاذبيتها، لا سيَّما في المجتمع الغربي.

الاستقلال والحرية الشخصية اللذان جاءا مع ظهور السيارة والحفاظ على سرية الهوية في الحياة المدنية وفَّرا للشباب فرصًا غير مسبوقة للخصوصية، وهُجرت بدرجةٍ كبيرة العادةُ التقليدية التي كانت تقتضي توفير مُرافق لكل تواصل شخصي بين الشباب من الرجال والسيدات، بل صار يُتوقع من الشباب في المجتمع الحديث بوجهٍ عام الاشتراكُ في نوع من التواصل الجنسي عند التصاحب كجزء من حياتهم الاجتماعية الطبيعية، وصار من المقبول على نحوٍ متصاعد في أنحاء العالم المُتقدم أن يعيش البالغون من كل الأعمار في حريةٍ جنسية كاملة دون ميزة الوضع القانوني للزواج. وفي عام ٢٠١٣م كان ٧٥ في المائة من النساء الأمريكيات يعشن مع رفيق دون زواج عند بلوغهن سن الثلاثين.

وقد ضاعَف بشدةٍ ظهورُ وسائل فعَّالة لمنع الحمل تقبُّلَ المجتمع الحديث لهذا الارتفاع العام في الحرية الجنسية؛ إذ حرَّرت كلا الجنسين من مجازفة وقوع حمل غير مرغوب فيه عند ممارسة الجنس. هكذا أحدثت التوليفة القوية بين مبادئ الزواج الجديدة بدافع الحب، والمعايير الحديثة للحرية الاجتماعية والجنسية للرفاق غير المتزوِّجين، وظهور وسائل منع حمل مضمونة التأثير، تحولًا في القيم الجنسية لدى المجتمع الحديث؛ إذ الغرائز الجنسية البشرية القديمة عادت إلى إثبات نفسها، وهي في حد ذاتها نتاجُ ملايين السنين من التطور.

في الواقع لم تكن مؤسسة الزواج التقليدية التي ورثناها عن المجتمعات القديمة مصمَّمة لتوفير الحميمية أو الصحبة أو الانجذاب المتبادل أو الإشباع الجنسي؛ فقد تطوَّر الزواج التقليدي لدى المجتمعات الزراعية كطريقة لإقامة شراكات مدى الحياة، وإنشاء أواصر ذات فوائد اقتصادية متبادلة بين الأسر، وتحقيق أقصى درجة من الاستقرار في ملكية الأرض لدى المجتمع الزراعي. وقد تحقَّقت هذه الأهداف عن طريق مجموعة من الأعراف التي جعلت كلًّا من الرجال والنساء مُعتمدًا بعضهم على بعض اجتماعيًّا واقتصاديًّا ونفسيًّا. هذه الأعراف — وليس استمرار العاطفة أو الانجذاب المتبادل — هي ما كان يضمن استمرارية الزواج.

بيد أنه منذ صارت فكرة الزواج من أجل الحب هي المعيار لدى المجتمع الحديث، أصبح الرجال والنساء يتطلَّعون إلى الاستمرار الأبدي للحميمية والصحبة والانجذاب المتبادَل والإشباع الجنسي الذي دائمًا ما يُصاحب العلاقات الجديدة، وحين تختفي هذه المزايا، كما يحدث كثيرًا مع مرور السنوات، تعظم مشاعر المرارة وخيبة الأمل.

في مجتمعات الصيد وجمع الثمار التي عمَّت حياة البشر حتى عشرة آلاف عام مضت، كانت العلاقات بين الرجال والنساء عابرة تمامًا، وفي أغلب الحالات حين كانت تصبح هذه العلاقات غير مُشبعة لهم كانوا يقطعونها بالأسلوب العابر نفسه. في أغلب مجتمعات الصيد وجمع الثمار، كما ذكرنا في الفصل السادس، كان من المألوف أن يكون للمراهِقين علاقاتٌ جنسية متعدِّدة، وكان الزواج الأحادي في أكثر الحالات يحلُّ محلَّ تعدُّد العلاقات الجنسية المتعدِّدة بعد سنوات من العلاقات الجنسية العابرة. ولم يكن الطلاق في هذه المجتمعات يعدو انتقال أحد الزوجين من منزلهما المشترك، الذي لم يكن على أي حال إلا مسكنًا مؤقَّتًا سيُهدم أو يُهجر حين تنتقل الجماعة بحثًا عن موارد جديدة للغذاء.

في مجتمعات الصيد وجمع الثمار كان الأطفال عادةً لا «ينتمون» إلى الوالدَين، وإنما إلى العشيرة أو أسرة الأم أو الأب، على حسب ما إذا كان المجتمع أموميَّ النسب (حيث ينتمي الشخص إلى عشيرة أمه ويرث هُويته من نسب الأنثى) أو أبويَّ النسب (حيث ينتمي الشخص إلى عشيرة الأب ويرث هويته من نسب الذكر). ولم يكن الأب والأم ينتميان للعشيرة نفسها إلا فيما ندر؛ لأن الصيادين وجامعي الثمار كانوا عادةً ما يعُدون أي علاقة جنسية بين أعضاء العشيرة نفسها نوعًا من سِفاح القربى، وكانت مثل هذه العلاقات محظورة بشدة. وعلى هذا النحو لم تكن وحدة العشيرة تتأثر بالعلاقات الجنسية لأعضائها، ولا تتهدَّد إن انتهت إحدى هذه العلاقات.

خلاصة القول، صار ما يُسمى الأسرة التقليدية واستمرارها المفترَض مدى الحياة باليةً تمامًا بعد مدنية المجتمع البشري الذي جعلته تقنية الآلات الدقيقة التقنية ممكنًا، وصار الزواج المُعَد سلفًا شيئًا من الماضي، وحلَّت التكاليف الاقتصادية المرتفعة محل المزايا الاقتصادية لإنجاب الأطفال، وتراخى الاتكال الاقتصادي والاجتماعي المتبادَل بين الرجال والنساء بدرجةٍ كبيرة، ولم يفقد الحفاظ على العذرية في سن المراهقة وحده أغلب أو كل ما كان يلحق به من وصمةٍ اجتماعية، وإنما كذلك المحظورات التقليدية لإقامة علاقات قبل الزواج أو خارج إطار الزواج.

غير أن الأسرة البشرية ما زالت باقية، وستظلُّ باقية؛ فسيظلُّ الرجال والنساء يُقيمون علاقاتٍ جنسية، وسيستمرُّون في إنجاب الأطفال. أما أولئك الذين لا يميلون إلى التناسل فلن ينقلوا سواء نزعاتهم البيولوجية الموروثة أو ميولهم الثقافية المكتسَبة للأجيال المستقبَلية. ورغم اندثار «الأسرة التقليدية» فإن الأسرة البشرية لم تندثر؛ فطبيعتنا البشرية الفطرية التي هي نتاج ملايين السنين من التطور البشري تؤكِّد أن الأسرة البشرية ستبقى ما دام نوعنا باقيًا.

غرباء عن الكون الطبيعي

مع تمام ازدهار المجتمع الصناعي توقَّف أغلب البشر عن امتلاك الغذاء أو إنتاجه لأنفسهم؛ فقد ظلوا لأجيال ينتقلون بعيدًا عن المَزارع التي امتلكتها أُسَرهم وعاشت فيها أجيالًا، واستقروا في المدن للعمل كموظفين مقابل رواتب لدى أغراب. ولأول مرة في تاريخ البشر بزغ مجتمعٌ بشري تعمل نسبةٌ ضئيلة فقط منه في إنتاج الغذاء، بينما يُمارس غالبية السكان عملًا لا دخل له بالعثور على الغذاء أو إنتاجه.

في عام ١٨٧٠م كان ما بين ٧٠٪ إلى ٨٠٪ من سكان الولايات المتحدة الأمريكية ما زالوا يعيشون في المَزارع ويعملون بها، لكن بحلول عام ٢٠١٠م انخفضت هذه النسبة إلى واحد في المائة من السكان، إلا أنه نتيجةً لميكنة الزراعة التي صارت مُمكنة بفضل محرك الاحتراق الداخلي، تنتج نسبة الواحد في المائة من العاملين الزراعيين الباقية في الولايات المتحدة الأمريكية غذاءً أكثر مما تستهلكه نسبة التسع والتسعين في المائة المتبقية من السكان.

قبل القرن العشرين كان أغلب الناس يستيقظون على أصوات الديوك والطيور البرية، وفي الليل كانت الحقول والمراعي يُضيئها ضوء القمر وحده، وحين كانوا يخرجون من منازلهم في الصباح كانت أنوفهم تمتلئ بروائح الحيوانات والسماد والقش والغلال والرائحة الطيبة للمراعي، وكانوا طوال حياتهم تُحيط بهم الكلاب والقطط والخيول والأبقار والخنازير والغنم والماعز وطائفة من الطيور والحيوانات الأخرى.

يكاد سكان المدن في القرن الحادي والعشرين لا يُجربون أيًّا من تلك الأمور؛ فغالبًا ما يستيقظون على صوت المنبه، وليلهم تُضيئه مصابيح الشوارع، وحين يخرجون صباحًا تمتلئ أنوفهم بعوادم السيارات والشاحنات والحافلات والقطارات، وطوال حياتهم اليومية تُحيط بهم الآلات: السيارات والكمبيوتر والهواتف المحمولة وأجهزة التلفاز والمذياع والمواقد والثلاجات والغسالات والمكانس الكهربائية والعديد من الأجهزة الإلكترونية. ويظل البشر هم النوع الوحيد الذي يتواصلون معه بصورةٍ منتظمة ما لم يكن لديهم حيوان أو طائر أليف.8
وحيث إن تحولًا قد حدث في الزراعة بفضل انتشار الآلات الزراعية واندماج ملايين المَزارع العائلية الصغيرة في عددٍ صغير من المزارع الصناعية الضخمة،9 فإنه حتى حياة عامل المزرعة العادي فقدت ما اعتادت أن تمتاز به من بساطة وتنوع؛ فسواء كان عامل المزرعة النموذجي جالسًا لساعاتٍ مُتواصلة في مقصورةٍ مكيَّفة الهواء داخل إحدى الآلات الزراعية الضخمة، أعلى حقول الذرة والقمح وفول الصويا والبرسيم الشاسعة، أو مُنحنيًا لساعاتٍ مُتتالية بين صفوف لا تنتهي من الطماطم أو الفراولة، فهو يقضي يومه كله بصورةٍ مُتصاعدة في أعمالٍ متكررةٍ رتيبة من النوعية التي كانت مقصورة على عامل المصنع في الحضر في أحد خطوط التجميع.

هكذا مع تزايد تحضُّرها تفقد الإنسانية علاقتها الحميمة مع البيئة التي اتَّسمت بها حياة البشر طوال تاريخ نوعنا تقريبًا. وبينما بلغت عملية التحضر هذه أقصى مداها في أغلب الأمم المتقدِّمة، لم يتخلَّف باقي العالم كثيرًا عن الركب؛ فمنذ زمن قريب وتحديدًا في عام ١٩٥٠م كان نحو ٧٠ في المائة من سكان العالم ما زالوا يعيشون في مجتمعاتٍ ريفية، بينما كان ٣٠ في المائة فقط يعيشون في مدن. أما الآن فيكاد عدد سكان الريف وعدد سكان الحضر يتساويان. وبقدوم عام ٢٠٥٠م ستنعكس هاتان النسبتان تمامًا؛ سيعيش نحو ٧٠ في المائة من سكان العالم في المدن، بينما سيعيش ٣٠ في المائة في الريف.

بالمعدل الحالي ستكون الغالبية العظمى من البشر من ساكني الحضر مع نهاية هذا القرن، وسيكون اتصالهم بالبيئات الطبيعية التي تطوَّر فيها كل أشباه البشر محدودًا. ولا يسعنا سوى تخمين ما سيكون لهذه الخسارة غير المسبوقة للاتصال بين البشرية والطبيعة من تأثير على رؤية الأجيال القادمة للعالم.

عالم من الموظفين

قد يكون أعمق تغيير وقع في حياة البشر مع التحول إلى مجتمعٍ صناعي هو الاختفاء العام للنشاط البشري القديم المتمثِّل في البحث عن الغذاء وإنتاجه، والاستعاضة شِبه التامة عنه بالعمل في وظيفةٍ مقابل كسب النقود. قبل عام ١٨٠٠م كان جزءٌ صغير فقط من سكان الأرض من البشر يعملون في وظائف من أجل الحصول على أجر. وبعيدًا عن الحكام بالوراثة كان أغلب الناس مُزارعين، وكان البقية تجارًا وحِرفيين ومهنيين مثقفين وموظفين حكوميين وجنودًا ورجال دين، لكن مع انتشار المصانع والمكاتب في القرنين التاسع عشر والعشرين أصبح العمل مقابل أجر أكثرَ أشكال العمل شيوعًا في مجتمع العمل الجديد.

يمكننا أن نُسلم بأن الناس يحتاجون لوظائف، وأن رفاهية مجتمعنا مرهونة بتوفر وظائف جيدة الدخل، لكن تظلُّ حقيقة أن المجتمع الذي يتكون بأكمله تقريبًا من أشخاص يعملون تحت توجيه أشخاص آخرين — الذين يُمدُّونهم بدورهم بموردٍ منتظم من المال — هو ظاهرةٌ جديدة تمامًا في تاريخ البشر. وتظل منظومة القيم والتقاليد التي أفرزتها الثقافات الحديثة لمعالجة المشكلات الاجتماعية والنفسية التي خلقها مجتمع العمل غير مكتملة وفي مرحلة التبلور.

يقضي الأجير عادةً الجزء الأكبر من كل يوم عمل في تأدية مهام تحت رقابة وإشراف صاحب العمل، وغالبًا ما تكون هذه المهام ضعيفة الصلة أو لا صلة لها باهتمامات الأجير الشخصية أو علاقاته بالآخرين. وإذا قصَّر في أداء المهام المسنَدة إليه حسب المعايير التي وضعها صاحب العمل، فالعقوبة ستكون نقدًا أو تهديدًا بالإقالة أو — إذا كان التقصير كبيرًا — فسخ عقد العمل. وحيث إن كل أجير يعتمد على استمرارية العمل لتوفير كل البضائع والخدمات التي يحتاجها من أجل الدعم المادي والراحة والأمان، فالتهديد بالإقالة يُمثل احتمالًا مُخيفًا، وإنهاء عقد العمل من الممكن أن يكون من أكثر تجارب الحياة الحديثة إيلامًا.

من ثَم ليس من المستغرَب أن يُعاني الناس في المجتمع الحديث من مستويات من القلق والاكتئاب والشك الذاتي تفُوق بكثيرٍ أي شيء لاحظه اختصاصيو علم الإنسان الذين درسوا ثقافات عصور ما قبل الصناعة، سواءٌ الصياديون وجامعو الثمار أو الزراعيون. إنها بالتأكيد واحدة من أكبر مفارَقات تاريخ البشر أن تطوُّر الحياة الحديثة بكل سبل الأمن والأمان والراحة والترفيه، قد اجتاحه وباءٌ غير مسبوق في تاريخ النوع البشري من اضطرابات التغذية ومرض القلب والأرق وإدمان المخدِّرات والعصاب والذهان والسخط المرَضي.

•••

في الوقت ذاته الذي تنتشر فيه سريعًا آثار الميكنة والتمدن وتوظيف المجتمع وتراجع القيم التقليدية بين الجماعات البشرية كافةً، يختمر تحولٌ جديد. وقد تُقزم التغيرات التي سيجلبها في حياة البشر حتى التغيرات الضخمة التي وقعت بالفعل منذ ظهور الآلات الدقيقة.

هذا التحول الأخير، الناجم عن اختراع التقنية الرقمية، يحتمل أن يحلَّ محلَّ كل أشكال العمل البشري — البدني منها والذهني — بآلاتٍ لا تشتكي قط، ولا تعصي، ولا تحتاج طعامًا أو ماءً أو نومًا أو راحة، ولا تطلب أجرًا. لقد زاد عدد سكان الأرض بدرجةٍ كبيرة، حتى إنه لم يعُد ممكنًا أن يعود البشر إلى الصيد أو جمع الثمار أو زراعة غذائهم. إذن ما نوع العالم الذي سنُقبِل عليه؟ هذه هي الأسئلة التي سنُحاول الإجابة عليها في الفصل التالي من هذا الكتاب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١