الفصل التاسع

تقنية المعلومات الرقمية

الشبكة العنكبوتية العالمية للتواصل البشري

ليست قدرة الإنسان على التعلم بأكثر صفاته بشريةً؛ إذ يتشارك فيها مع عدة أنواع أخرى، وإنما أكثر ما يميزه كبشرٍ قدرته على تعليم وتخزين ما ابتكره الآخرون وعلَّموه إياه.

مارجريت ميد، «الثقافة والالتزام»

في عام ١٨٢٢م صمَّم عالم الرياضيات والمهندس والمخترع البريطاني تشارلز بابيج آلةً يمكنها أداء حسابات لوغاريتمية ومثلَّثية معقَّدة استخدمها بحَّارة ومُهندسون وعلماء، وكانت الآلة قادرة على فعل هذا دون احتمالية وقوع خطأ. أسمى بابيج اختراعه محرك فرق، وقد صُنع بالكامل من آلياتٍ دقيقة، بآلاف العجلات وأعمدة التدوير والتروس لكن من دون أجزاء كهربائية. والسبب بسيط؛ إذ ستمضي سنوات قبل أن ينجح مايكل فاراداي وآخرون في صنع أول محركات كهربائية. حتى ذاك الوقت لم يكن مُتاحًا مصدرٌ ميسور التكلفة ومضمونٌ للطاقة الكهربائية، ولم يكن قد اختُرع بعدُ أيٌّ من المرحلات والصمامات المفرغة وسائر المكوِّنات الكهربائية اللازمة لصنع حاسب إلكتروني.

كان محرِّك الفرق مشروعًا عملاقًا؛ فقد بلغ ارتفاعه ثماني أقدام، وتكوَّن من خمسة وعشرين ألف قطعة معدنية، وبلغ وزنه نحو خمسة عشر طنًّا. في عام ١٨٢٣م عيَّن بابيج المهندس البريطاني المرموق جوزيف كليمنت لصنع محرِّك الفرق، لكن بعد سنوات عديدة من الجهد لم يكتمل سوى جزء من العمل على صنع الجهاز؛ إذ تشاجَر بابيج وكليمنت حول تكلفة العمل، وبعد ثماني سنوات من بدء المشروع انفصل كلٌّ منهما عن الآخر. كانت الحكومة البريطانية حينذاك قد أنفقَت ١٧٠٠٠ جنيه إسترليني على محرِّك فرق بابيج، وهو ما كان يُعادل تكلفة اثنتين وعشرين قاطرةً بخارية جديدة في تلك الأيام.

غير أن هذا لم يُوهِن عزيمة بابيج؛ فأقدمَ على تصميم آلة حاسبة أكثر تعقيدًا أسماها المحرك التحليلي، وتُعرف بوجهٍ عام بأنها أول كمبيوتر حقيقي في العالم. فعلى عكس محرك الفرق، الذي كان قادرًا على الحسابات الرياضية فقط، ضمَّ المحرِّك التحليلي أغلب الوظائف الأساسية التي تُعَد ضرورية في أجهزة الكمبيوتر الحديثة اليوم؛ فقد كان يُمكن برمجته باستخدام بطاقات مثقوبة، وكان يستطيع تخزين معلومات في شكل ذاكرة، وكان قادرًا على منطق التفريع. لكن لو أن المحرِّك التحليلي كان قد صُنع لصار ضخمًا لدرجةٍ يستعصي معها تشغيله بطاقة البشر؛ لذلك خطَّط بابيج لاستخدام محرك بخاري لتشغيل آلاف عجلات وتروس المحرك التحليلي (انظر شكل ٩-١).
fig37
شكل ٩-١: كان «محرك فرق» تشارلز بابيج أكثر الآلات الحاسبة تطورًا في زمنه. وقد صُممت هذه النسخة عام ١٨٤٩م، وبُنيت في متحف لندن للعلوم عام ١٩٨٩م. (الصورة مصرح بنشرها بموجب رخصة جنو للوثائق الحرة إصدار ١٫٢ ورخصة المشاع الإبداعي غير الموطن الإصدار ٣٫٠ التي تقتضي نسب المصنف لصاحبه والترخيص بالمثل.)
لكن للأسف لم يُصنَع أيٌّ من محرك الفرق أو المحرك التحليلي قط في حياة بابيج، إلا أن متحف العلوم في لندن نفَّذ فكرته أخيرًا عام ١٩٤٩م، باستخدام مجموعة من الرسوم التي وضعها بابيج عام ١٨٨٩م من أجل صورة محسنة من محرك الفرق. وقد اشتغل محرِّك الفرق الخاص ببابيج على أفضل نحو؛ لينتهي بهذا قرنٌ من التكهنات عما إن كانت آلاته العجيبة قادرة فعليًّا على أداء العمل المرجو منها أم لا. وفي عام ٢٠١٠م أطلق مهندس البرمجيات البريطاني جون جراهام كامينج حملةً لجمع مائة ألف جنيه إسترليني من العامة، وصنع نموذجًا عمليًّا للمحرِّك التحليلي من أجل الذكرى المائة والخمسين لوفاة بابيج في أكتوبر عام ٢٠٢١م. لكن لا بد من تصميم نموذج على الكمبيوتر أولًا، وحتى وقت كتابة هذه السطور لم يكن التنفيذ قد بدأ فعليًّا بعد.1

رغم أن أجهزة الكمبيوتر الآلية الخاصة ببابيج لم تكن قادرة قط على أداء عمل نافع، فإن مبدأه المتعلِّق باستخدام الآلات لأداء حسابات رياضية شديدة التعقيد على نحوٍ يستعصي على البشر أداؤها دون أخطاء، كان في حد ذاته حدثًا عظيم الأهمية؛ فقد حرَّر بابيج ومعاصروه البشرية من قصور العقل البشري كوسيلةٍ حسابية، وبدءوا عصرًا جديدًا قائمًا على تقنيةٍ جديدة جذريًّا لمعالجة المعلومات.

آلات قادرة على التفكير

في عام ١٨٩٠م واجَه مكتب الإحصاء بالولايات المتحدة مشكلةً لوجيستية خطيرة؛ فنتيجةً للنمو السريع في عدد سكان الولايات المتحدة كانت جدولة البيانات التي جُمعت في الإحصاء تستغرق وقتًا طويلًا، حتى إنه بحلول وقت نشر النتائج كان الإحصاء يصير قديمًا على نحوٍ لا يُجدي نفعًا؛ فلم تُصبح نتائج إحصاء عام ١٨٨٠م التي جُدولت يدويًّا جاهزةً للنشر حتى عام ١٨٨٨م. وتوقَّع مكتب الإحصاء أنه في حال استمرار الجدولة يدويًّا لن تكون نتائج إحصاء ١٨٩٠م الأكبر حجمًا والأكثر تعقيدًا مُتاحة قبل ثلاثة عشر عامًا. وهذا سيؤجِّل نشر إحصاء عام ١٨٩٠م حتى عام ١٩٠٣م، بعد ثلاث سنوات من إتمام الإحصاء التالي الذي سيُجرى عام ١٩٠٠م. لذلك كان مكتب الإحصاء بحاجة لآلةٍ قادرة على أداءِ كمٍّ هائل من الحسابات الرياضية على نحوٍ أسرع وأدق وأكثر موثوقية من التي يستطيع أي عدد من الأدمغة البشرية أداؤه.

في محاولةٍ جريئة لحل مشكلة مكتب الإحصاء، صنع المهندس الأمريكي هيرمان هوليريث حاسبة جدولة تستخدم آلة تثقيب في صنع رزم من البطاقات المثقوبة تستطيع آلته قراءتها أوتوماتيكيًّا. أثارت آلة هوليريث ضجة حين نجحت في جدولة نتائج إحصاء عام ١٨٩٠م في عامٍ واحد. هكذا أقدم هوليريث على إنشاء شركة «تابيوليتنج ماشين كومباني»، وأخذ يؤجِّر آلاته للدول في أنحاء أوروبا لجدولة إحصاءاتها. وفي عام ١٩١١م اندمجت شركة «تابيوليتنج ماشين كومباني» مع ثلاث شركات أخرى، وفي عام ١٩٢٤م تغيَّر اسمها إلى «إنترناشونال بيزنس ماشين كومباني»، المشهورة باسم «آي بي إم».

كانت آلات هوليريث جميعها أجهزةً ميكانيكية ذات حافظات ذاكرة آلية. ورغم أن المهندس الألماني كونراد تسوزه صنع كمبيوترًا قابلًا تمامًا للبرمجة في مرحلةٍ مبكرة عام ١٩٣٩م، إلا أن حساباته كانت تؤدَّى عن طريق مرحلات كهروميكانيكية، وكان نظام ذاكرته ما زال ذا طبيعة آلية. ولم يبدأ عصر الكمبيوتر الكهربائي كليةً حتى عام ١٩٤٦م، مع إزاحة الستار عن المكامل والحاسوب الرقمي الإلكتروني، أو إنياك، الذي رُكب في جامعة بنسلفانيا سرًّا أثناء الحرب العالمية الثانية من أجل الجيش الأمريكي.

عوضًا عن المرحلات الآلية كان إنياك يُنفذ عملياته الحسابية عن طريق آلاف الصمامات المفرغة، الشبيهة بتلك التي كانت تُشغل أجهزة المذياع والتلفزيون والأجهزة الإلكترونية الأخرى خلال منتصف القرن العشرين. كان إنياك يحتوي على أكثر من سبعة عشر ألف صمام مفرغ، وكان يزِن ثلاثين طنًّا، وعرضه ثلاث أقدام، وارتفاعه ثماني أقدام، وامتداده مائة قدم. وكان أسرع مائة مرة من أفضل أجهزة الكمبيوتر الكهروميكانيكية في زمانه.

ورغم أن جهاز إنياك ظل مستخدَمًا حتى عام ١٩٥٥م، فإن تقنية الصمامات المفرغة الخاصة به شكَّلت مشكلاتٍ عويصة؛ فقد كان الصمام المفرغ مصمَّمًا بنفس المبادئ الأساسية للمبة الكهربائية؛ أنبوب زجاجي، مفرغ الهواء، يحتوي على فتيل معدني يُسخن حتى يتوهج عند مرور التيار الكهربائي فيه. لكن آلاف الصمامات المفرغة، بآلاف الفتائل المتوهجة، كان ينتج عنها حرارة شديدة، وعند تشغيل هذه الصمامات وفصلها يوميًّا كانت هذه الحالات المُتناوبة بين التسخين والتبريد تولِّد ضغوطًا تؤدي إلى تعطل بعض هذه الآليات الدقيقة أو تلفها في نهاية الأمر، بل في الواقع كان من المألوف مع التشغيل كل يوم أن يتعطل العديد من صمامات جهاز إنياك المفرغة، تاركةً آلة التفكير الضخمة غير قادرة على العمل حتى تحديد موقع الصمامات المعطَّلة وتبديلها، وهي عملية قد تستغرق عدة ساعات.

وبمرور السنين صمَّمت شركة «ريمينجتون راند كوربوريشن» كمبيوتر صمامات مفرغة أكثر تطورًا، وهو الحاسب الآلي العامُّ الأغراض أو يونيفاك، وأنتجته من أجل السوق التجارية، وصار مُتوافرًا في السوق في عام ١٩٥١م. كان يونيفاك يزِن ثمانية أطنان، وفي حجم مرأب صغير، وسعر الواحد منه مليون دولار. ورغم أن قدرته الحاسوبية كانت ضئيلة قياسًا بمعاييرنا الحالية، فإن ثَمة حدثًا غريبًا ارتبط بجهاز يونيفاك شكَّل نقطة تحوُّل في قبول الجمهور لمثل هذه الآلات الجديدة الرائعة.

ففي عام ١٩٥٢م، ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية بين مرشَّح الحزب الديمقراطي أدلاي ستيفنسون، ومرشح الحزب الجمهوري دوايت أيزنهاور، اقترحت شركة «ريمينجتون راند كوربوريشن» على شبكة «سي بي إس نيوز» فكرةً جديدة تتمثَّل في استخدام يونيفاك في بثٍّ تلفزيوني مباشر للتنبؤ بنتيجة الانتخابات أثناء تلقِّي النتائج من مواقع الاقتراع. ورغم أن مُذيع شبكة «سي بي إس» وولتر كرونكيت، ورئيس تحريرها سيج ميكلسون، كانا مُتشككَين، فإنهما ارتأيا أنه على الأقل سيكون في تقديم «عقل إلكتروني» تحليلًا لتقارير الانتخابات عند صدورها بعض الترفيه. ومع اقتراب يوم الانتخابات كانت أغلب استطلاعات الرأي غير قاطعة في توقعاتها ما بين فوز ساحق لستيفنسون وتساوٍ في عدد الأصوات، لكن الإجماع العام كان على فوز ستيفنسون بالانتخابات (انظر شكل ٩-٢).
fig38
شكل ٩-٢: اليونيفاك نموذج ١١٠٣، الذي صُمم لإجراء العمليات الحسابية العلمية، والذي أعلنت عنه «ريمنجتون راند كوربورشن» في فبراير عام ١٩٥٣م.

عند غلق صناديق الاقتراع وبدء صدور تقارير الانتخابات، غُذي بها جهاز يونيفاك عن طريق مبرقة كاتبة. ومما أثار دهشةَ الجميع أن يونيفاك تنبَّأ في الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم الانتخابات أن أيزنهاور سيفوز فوزًا ساحقًا، وأنه سيحصد ٤٣٨ صوتًا انتخابيًّا مقابل ٩٣ صوتًا لستيفنسون. الخلاصة أن يونيفاك جعل احتمال فوز أيزنهاور بالرئاسة مائة إلى واحد، وقد بدا هذا التنبؤ مستبعَدًا جدًّا وغير متَّفق مع الاعتقاد السائد، حتى إن شبكة «سي بي إس نيوز» قرَّرت ألا تُذيعه. لاحقًا بعد عدة دقائق بدا أن يونيفاك قد غيَّر رأيه فجأة، وفي الساعة التاسعة بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة أعلن مُراسل «سي بي إس» تشارلز كولينجوود أن «العقل الآلي» أعطى أيزنهاور احتمال ثمانية إلى سبعة فقط بالفوز.

إلا أن ما بدا أنه تغيير في رأي يونيفاك كان نتيجة لخطأٍ كبير حدث أثناء إدخال البيانات. وعند تصحيح الخطأ عاد يونيفاك إلى احتمال مائة إلى واحد كما كان. غير أن «سي بي إس» كانت ما زالت خائفة من هذا التنبؤ الذي بدا غريبًا فظلَّت صامتة. لكن مع انصرام الليل، تبيَّن شيئًا فشيئًا فوز أيزنهاور الساحق؛ فقد جاء في الإحصاء النهائي ٤٤٢ صوتًا لصالح أيزنهاور مقابل ٨٩ صوتًا لصالح ستيفنسون. كانت تنبؤات يونيفاك بالنتائج أقل من النتائج النهائية بنحو واحد في المائة. لاحقًا في تلك الليلة أعلن تشارلز كولينجوود محرجًا في بثٍّ مباشر على التلفزيون أن يونيفاك قد توقَّع بالفعل نتيجة الانتخابات منذ عدة ساعات، لكن «سي بي إس نيوز» كانت مُحجمة عن الإدلاء بها. ومنذ ذلك اليوم فصاعدًا تحوَّلت مكانة الكمبيوتر في تغطية الانتخابات — وفي نواحٍ عدة من الحياة المعاصِرة — من كَوْنه شيئًا مستجدًّا إلى ضرورةٍ مُلحة.

الكمبيوتر الشديد التقلص

رغم كل القدرات المميزة لجيل أجهزة الكمبيوتر ذات الصمامات المفرغة مثل إنياك ويونيفاك، فإنها شكَّلت بعض المشكلات التي انطوت على تحدياتٍ بالغة؛ فقد كان حجمها هائلًا، وسرعاتها الحاسوبية بطيئة نسبيًّا، واستهلاكها للطاقة الكهربائية مُفرِطًا، وكمية الحرارة التي تُولدها الآلاف من صماماتها المفرغة مُربكة. كما كانت الآلاف من صمامتها المفرغة الضخمة والقابلة للكسر كثيرًا ما تتعطَّل وتحتاج للتبديل باستمرار. في الواقع اتَّسم الجيل الأول من أجهزة الكمبيوتر ذات الصمامات المفرغة، الذي كان مؤلفًا من عدة نماذج مختلفة صنعتها عدة شركات مختلفة، بعدم القدرة على العمل المستمر إلا بضع ساعات قبل أن يتعطَّل أحد مكوناته الكهربائية التي كان يصل عددها لعدة آلاف، ويتحتم غلقه من أجل إجراء الإصلاحات المطلوبة.2

غير أن تقنية الكمبيوتر انتشرت انتشارًا سريعًا للغاية بعد منتصف القرن، حين اخترع جون باردين ووالتر براتين وويليام شوكلي في عام ١٩٤٧م الترانزستور، وهو رقاقةٌ صغيرة من الجرمانيوم أو السيليكون أو زرنيخ الجاليوم. كان الترانزستور يؤدي نفس وظائف الصمام المفرغ، لكنه كان أصغر كثيرًا، ويستهلك قدرًا ضئيلًا من الطاقة التي يستهلكها الصمام المفرغ. وقد فاز باردين وبراتين وشوكلي بجائزة نوبل في الفيزياء على هذا الاختراع عام ١٩٥٦م.

سريعًا ما أحدث الترانزستور ثورة في عالم الإلكترونيات الحديثة، واستُعيض به عن الصمام المفرغ في كل الأجهزة الإلكترونية التي كانت تستخدمه فيما سبق، ومنها أجهزة الكمبيوتر ومعدات التسجيل ومكبِّرات الصوت وأجهزة الراديو وأجهزة التلفزيون والرادارات وأنظمة الطيران والعديد من الأجهزة الإلكترونية الأخرى. وفي عام ١٩٥٤م بدأت شركة «تكساس إنسترومنتس كوربوريشن» إنتاج الراديو الترانزستور بكمياتٍ كبيرة، وسريعًا ما استُعيض عن الراديو المحمول المستنزف للطاقة القديم، الذي كان دائمًا ما يستهلك كل طاقة بطارياته في غضون ساعات، بالراديو الترانزستور الصغير الخفيف الوزن، الذي يعمل لساعات وأسابيع دون أن تحتاج بطارياته للتبديل.

وبحلول أوائل خمسينيات القرن العشرين كان هناك علماء ومهندسون آخرون يجتهدون في اختراع جهاز أكثر روعة، يُسمى الدائرة المتكاملة. كانت هذه التوليفة من الترانزستورات والمقاومات والمكثَّفات وغيرها من المكونات الإلكترونية يتصل بعضها ببعض داخل بنية شبه مجهرية مصنوعة من شبه موصِّل من الجرمانيوم أو السيليكون. في عام ١٩٥٨م صنع مهندس «تكساس إنسترومنتس»، جاك كيلبي أول دائرة متكاملة قابلة للاستخدام، مستخدمًا رقائق من الجرمانيوم، وبعد بضعة شهور صنع روبرت نويس من شركة «فيرشايلد سيميكونداكتور» نموذجًا معدَّلًا من الدائرة المتكاملة مستخدِمًا رقائق من السليكون.

إذا كان الترانزستور قد نجح في الاستعاضة عن الصمام المفرغ بشيءٍ أصغر وأخف وأمتن للغاية، ولا يحتاج سوى قليل من الطاقة، فالدائرة المتكاملة نجحت في الاستعاضة بشريحةٍ إلكترونية دقيقة واحدة يُمكن إنتاجها بكمياتٍ كبيرة عن لوحات دوائر كهربائية كاملة، يتكون كلٌّ منها من مكوِّناتٍ إلكترونيةٍ متعددةٍ متصلٍ بعضها ببعض بأسلاكٍ ملحومة يدويًّا؛ فقد كانت الدائرة المتكاملة فعليًّا عبارة عن لوحة دائرة كهربائية في شريحة.

مع مرور الأيام ظل تعقيد الدائرة المتكاملة أو الشريحة الدقيقة وقدرتها المعالجة يزدادان، حيث ابتكر العلماء والمهندسون طُرقًا لجعل هذه الشرائح الدقيقة أصغر فأصغر، وتكديس كل منها بمزيد من الإلكترونيات، وتصنعيها بتكلفةٍ أقل. وفي عام ١٩٦٥م نشر جوردون مور، أحد مؤسسي شركة «إنتل كوربوريشن»، مقالًا مشهورًا في مجلة «إلكترونيكس» بعنوان: «إقحام المزيد من المكونات في الدوائر المتكاملة». توقَّع مور في هذا المقال أنه بعد عشر سنوات (أي في عام ١٩٧٥م) سيصل عدد المكوِّنات الإلكترونية المصنعة في شريحة دقيقة واحدة إلى ٦٥ ألف، بل وأضاف واثقًا: «أعتقد أنه من الممكن وضع دائرة كبيرة لهذه الدرجة في رقاقةٍ واحدة.»

بعد عدة سنوات، حين تبيَّن صحة توقع مور إلى حدٍّ يُثير القلق، عُرفت الظاهرة التي وصفها باسم «قانون مور»، وهو يُفيد بأن عدد المكونات التي تحتوي عليها الشريحة الدقيقة الواحدة — ومن ثَم سرعة المعالجة وقدرتها — ستُضاعَف كل عامين تقريبًا. غير أنه تبيَّن أن قانون مور كان مُتحفظًا قليلًا، كما خمَّن مور نفسه.3 فمنذ عام ١٩٦٥م تضاعَفت قدرة معالجة الشرائح الدقيقة كل ثمانية عشر شهرًا تقريبًا، وفي عام ٢٠١٤م أعلنت «إنتل» عن معالج 15-Core Xeon E7 v2، وهو دائرةٌ متكاملة بها أكثر من أربعة مليارات وثلاثمائة مليون ترانزستور في شريحةٍ واحدة لا يتعدَّى حجمها قطعة من المقرمشات المملحة. وكان السعر المقرَّر لهذه الشريحة الجبَّارة ٧٧٠٠ دولار أمريكي.
كلٌّ من اختراع الدائرة المتكاملة، واستمرار تقدم أنظمة الكمبيوتر من حيث يُسْر التكلفة وصغر الحجم، منذ ستينيات القرن العشرين، أدَّى إلى انتشار أنظمة الكمبيوتر في كل جوانب الحياة اليومية، انتشارًا لم يكن متوقَّعًا في أيام الصمامات المفرغة مع جهازَي إنياك ويونيفاك. فلِكي تكون قوة أحد أجهزة كمبيوتر الصمامات المفرغة مثل إنياك مُساوية لمعالج Xeon الدقيق الصغير الحجم الذي أنتجته «إنتل»، لا بد أن يصير حجمه أكبر نحو ٢٤٧ ألف مرة. هذا معناه أن كمبيوتر إنياك ذا الثلاث أقدام عرضًا وثماني أقدام ارتفاعًا، لكي يكون مُكافئًا في القوة، لا بد أن يزيد طوله عن ٤٦٠٠ ميل، وبتكلفة ١٫٤٨ تريليون دولار أمريكي، وسيكون بوزن ست وستين حاملة طائرات من فئة نيمتز؛ أضخم حاملات طائرات في الأسطول الأمريكي، وأضخم سفن حربية صُنعت على الإطلاق.4 ولا شك أنه حتى يكون جهاز إنياك بقوة معالج Intel 15-Core Xeon E7 v2 فلا بد أن يحتوي أيضًا على ٤٫٣١ مليارات صمام مفرغ، وحيث إنه من المرجَّح أن تتعطل سبعة على الأقل من تلك الصمامات المفرغة في أول ثانية من التشغيل، فمن الواضح أن هذا الجهاز العملاق لن يظلَّ يعمل لمدة تسمح بإنجاز مهمة حوسبة واحدة.5

التصغير المُذهل في مجموعة دوائر الكمبيوتر والانخفاض في تكلفة القدرة الحاسوبية أدَّيا إلى انتشار أجهزة الكمبيوتر الصغيرة والخفيفة الوزن التي أُدمجت في مجموعةٍ متنوعة من المَركبات والآلات والأجهزة. فكل المركبات الحديثة المزوَّدة بمحركات، مثل السيارات والشاحنات والحافلات والقاطرات، صارت الآن تُصنع مزوَّدةً بأجهزة كمبيوتر تتحكَّم في عملياتها، وتُراقب أداءها، وتُشخِّص مشكلاتها. وتعتمد الطائرات النفَّاثة وسفن الفضاء المنطلقة صاروخيًّا الحديثة — وكذلك الطيارات المسيَّرة — بشدة على التوجيه المحوسب وأنظمة التحكم، حتى إنها لن تستطيع التحليق مطلقًا من دون تركيب أجهزة الكمبيوتر بها.

تعتمد طائرات المسافرين النفَّاثة المتعددة المحركات على أنظمة الكمبيوتر — داخل كابينة القيادة وفي أنظمة مراقبة الحركة الجوية الموجودة على الأرض — ليس فقط من أجل السفر إلى وجهاتها، ولكن كذلك من أجل التوجيه أثناء هبوطها الروتيني في مدرجات المطارات، بل أضحى طيَّارو الخطوط الجوية يعتمدون بشدة على هذه الأنظمة، حتى إنه في يوليو عام ٢٠١٣م وقعت حادثةٌ شهيرة في مطار سان فرانسيسكو الدولي حين هبطت طائرة بوينج ٧٧٧ تابعةً لخطوط آسيانا الجوية قبل المدرج، في جو صحو لتوقُّف نظام الهبوط الحاسوبي في المدرج وعدم قدرة الطيار على الهبوط بالطائرة على نحوٍ صحيح أثناء القيادة يدويًّا.6
ورغم أن أنظمة الكمبيوتر أصبحت أصغر وأرخص كثيرًا خلال السبعين سنةً الماضية، فإنه يبدو من المقدَّر لقانون مور أن ينتهي أخيرًا؛ فقد توقَّع خبراء مجال أشباه الموصلات أن معدل تضاعف مكونات الدائرة المتكاملة سيبدأ في التراجع مرةً كل ثلاث سنوات بعد عام ٢٠١٣م، ويعتقدون أنه سيتراجع أكثر من ذلك بعد ٢٠٢٠م.7 والسبب وراء عدم إمكانية استمرار قانون مور إلى أجلٍ غير مسمًّى هو أن حجم المكونات داخل الدائرة المتكاملة اقترب جدًّا من الحد الذي لا يُمكن بعده أن تتقلَّص دون أن تفقد قدرتها على العمل، حسبما أشار علماء الفيزياء والكمبيوتر في السنوات الأخيرة.

فكلما زادت مجهرية حجم الدائرة المتكاملة أكثر فأكثر اقترب حجم مكوناتها من الذرات والجزيئات؛ ﻓ «الأسلاك» الموصلة في الدائرات المتكاملة، على سبيل المثال، صار عرضها الآن أقل من خمسين نانومترًا (يُساوي النانومتر واحدًا على مليار من المتر). وهذا لا يَعدل سوى خمسة وعشرين ضعفًا من عرض جزيء الحمض النووي. وحين يمرُّ التيار الكهربائي في سلك بهذه الرقة، فمن المحتمل أن «يتسرَّب» التيار من السلك ويُؤثِّر على المكوِّنات المُجاورة.

علاوة على هذا، فإنه عندما يتمُّ تصغير بعض المواد لأحجامٍ أصغر من خمسين نانومترًا، تصير قوانين الفيزياء عُرضة للتأثيرات الكمية، ويبدأ في الظهور على العديد من العناصر المألوفة خصائصُ لم تكن فيها في أحجامها العادية؛ إذ إنه في هذه الأبعاد دون المجهرية يصير النحاس في شفافية الزجاج، ويمكن حرق الألومنيوم مثل الورق، ويمكن للذهب أن يذوب مثل مكعب السكر في ماءٍ ساخن. وبالطبع مع تغيُّر الخواص الفيزيائية لهذه المكونات في هذه الأبعاد دون المجهرية، لن تعود الدوائر المتكاملة المصنوعة منها تؤدي العمل المعَدَّة من أجله.

لكن لا بد أن نتذكَّر كم من تقنيةٍ كانت تُعَد في الماضي مستحيلة وصارت ممكنة في نهاية المطاف، وما زال هناك أحداث لتكتب في تاريخ تصغير حجم الكمبيوتر؛ فهناك مجالٌ جديد في الفيزياء والهندسة يُسمى تقنية النانو، مكرَّس بالكامل لصنع أجهزة من مكونات في حجم الجزيئات. وبالفعل تُستخدم أنابيب الكربون النانوية، وقضبان الذهب وأكسيد الزنك النانوية، وبِنى الحمض النووي النانوية، وتقنيات تجميع ذاتي جزيئي حديثة، في صنع مكونات دون مجهرية قادرة على أداء بعض وظائف الكمبيوتر الأساسية.

من موقعنا الحالي الذي يُعطينا منظورًا أفضل، لا نملك معرفة ما إن كانت تقنية النانو ستُحقق تقدمًا بمعنى الكلمة يجعل قانون مور ساريًا لما بعد ٢٠٢٥م بكثير، لكن مع وجود الدوائر المتكاملة التي تحتوي على مليارات الترانزستورات في السوق بالفعل، لن تحتاج أجهزة الكمبيوتر مزيدًا من التصغير حتى تستمرَّ في غزوها المستمر فيما يبدو لكل مجال من مجالات التكنولوجيا، ولكل جانب من جوانب حياة الإنسان.

في العقود الأولى لتقنية المعلومات لم يتخيَّل أحدٌ أن الكمبيوتر سيصير جهازًا شخصيًّا يستخدمه الأشخاص العاديون باستمرار على مدار حياتهم اليومية؛ فقد اختُرع الكمبيوتر تحديدًا على كل حال لأداء عمليات حوسبة رياضية كانت بطبيعتها ببساطةٍ طويلة للغاية، وتستغرق وقتًا طويلًا جدًّا على نحوٍ يستعصي على العقول البشرية أن تؤدِّيها بدقة أو كفاءة، لكن خطوات التقدم في القدرة الحاسوبية التي تبدو جامحة والتي تنبَّأ بها قانون مور لم تجعل أنظمة الكمبيوتر صغيرة بدرجةٍ كافية لوضعها على سطح المكتب أو في حجم الكف فحسب، وإنما جعلتها أيضًا ميسورة التكلفة بوجهٍ عام.

أحد أهم تبعات تزايد توفر القدرة الحاسوبية بتكاليف ميسورة أنه من الممكن الآن تخزين جميع أشكال المعلومات في صيغٍ صالحة للاستخدام على الكمبيوتر. وأنظمة الذاكرة الشديدة الضخامة الضرورية لتخزين الملفات التي تتطلَّب مساحةً كبيرة من نصوصٍ رقمية وصور وتسجيلات صوتية وفيديوهات صارت زهيدة للغاية، حتى أصبح كل ما يُكتب أو يُصور أو يُسجل يُخزن على نحوٍ روتيني في صيغةٍ رقمية. وقد خلق هذا التطور أفقًا جديدًا في تاريخ حياة البشر.

آفاق التاريخ الرقمي

لا يوجد في مجال الاتصالات البشرية شيء يُحدد الطريقة التي سترى بها أجيال المستقبل عصرنا أكثر من الأنظمة الرقمية الموجودة حاليًّا لتسجيل السجلات الثقافية لزمننا وتخزينها واسترجاعها؛ إذ يتراكم حاليًّا يومًا بعد يوم سجلٌّ كامل بالسلوكيات والأعراف ومنظومات القيم التي سادت في زماننا، محفوظة بدقةٍ رائعة في شكل نصوص وصور وتسجيلات صوتية وأفلام وفيديوهات رقمية، بكميات لم يكن ليتخيلها الناس في الأجيال السابقة نهائيًّا.

الفرق الأساسي بين التاريخ وعصور ما قبل التاريخ هو بقاء سجلات مكتوبة من فتراتٍ تاريخية، في حين لم يبقَ من أزمنة ما قبل التاريخ سوى قِطع أثرية، وليس سجلات مكتوبة. هكذا يبدأ التاريخ، حسب هذا التعريف، في أزمنةٍ مختلفة في أماكن مختلفة؛ فقد بدأ في مصر ومنطقة الهلال الخصيب باختراع الكتابة المسمارية والهيروغليفية نحو عام ٣٢٠٠ قبل الميلاد، وبدأ في الصين بتطور الكتابة لدى ثقافة لونجشان عام ٣٠٠٠ قبل الميلاد تقريبًا، وبدأ في الهند بابتكار كتابة وادي السند عام ٢٧٠٠ قبل الميلاد بالتقريب، وفي شبه جزيرة يوكاتان في المكسيك بتطور كتابة شعوب المايا نحو عام ٤٠٠ ميلاديًّا.

لكن للأسف يطرح هذا التعريف الشائع مشكلاتٍ شائكة؛ فعلى سبيل المثال، هل بدأ تاريخ الصين والهند مع تطور أقدم أنظمة كتابة لهما، رغم أن هذه الأشكال من الكتابة لم تُفَك رموزها قط؛ أم من المفترض أن يبدأ مع أقدم أشكال كتابة هذه المناطق التي أُمكن فك رموزها، رغم أنها جاءت بعد عدة قرون من بدء استخدام الكتابة استخدامًا واسعًا؟

وماذا عن الثقافات التي كانت متقدمة ثقافيًّا وتقنيًّا لكنها لم تترك خلفها آثارًا مكتوبة؟ فالثقافات الكلتية في أوروبا العتيقة، على سبيل المثال، كانت شعوبًا زراعية متقدمة لديهم نظامٌ طبقيٌّ متطور ومعرفةٌ معقَّدة بتشكيل المعادن سواء البرونز أو الحديد. ومع بداية القرن الأول الميلادي كانت الثقافة الكلتية قد انتشرت في أنحاء أوروبا من المجر حتى الجزر البريطانية. ورغم أن الإغريق والرومان كانوا على معرفة بالكلتيِّين وكتبوا عنهم كثيرًا، فإن الكلتيين أنفسهم لم يستخدموا الكتابة. ورغم ذلك سيكون من المضلل بالتأكيد أن يُقال إن الثقافة الكلتية من ثقافات ما قبل التاريخ.

أما مؤرخو المستقبَل فسيدرسون القرن الحادي والعشرين وهم يتنفسون الصعداء؛ فعام ٢٠٠٠م يُميز قرب بداية أفق التاريخ الرقمي، الذي تتوافر بعده المعلومات المسجَّلة لكل المجتمعات البشرية لأجيال المستقبل بتمام ودقة منقطعتَي النظير. على النقيض من ذلك، أكثر التاريخ المسجل قبل عام ٢٠٠٠م مجتزأ وغير مكتمِل.

لا يُمكن دراسة تاريخ البشر منذ اختراع الكتابة في حضارات وادي النيل والهلال الخصيب القديمة وحتى اختراع التصوير الفوتوغرافي في أواخر القرن التاسع عشر، إلا من بقايا ناقصة ومعيبة من لوحات مرسومة يدويًّا، ومخطوطات مكتوبة، وكتب مطبوعة، ودوريات. وكل ما بقي منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى أواخر القرن العشرين، من أسطوانات جرامافون وأفلام وبرامج تلفزيونية لتلك الأيام، هي في الغالب مواد أرشيفية مطموسة وغير واضحة المعالم وتالفة في أحيان كثيرة، كانت مخزَّنة في الأصل على تسجيلاتٍ أصلية وأفلام وشرائط مغناطيسية. غير أن أغلب هذه المواد الأرشيفية التي تعود إلى القرن العشرين قد حُوِّلت إلى صيغةٍ رقمية وتحوَّلت إلى ملفات على الكمبيوتر؛ لضمان عدم استمرار تدهورها أكثر من ذلك على الأقل.

حتى اختراع التقنيات الرقمية، كانت كل الطرق المستخدمة في صنع نسخ من المعلومات المسجَّلة تُعاني من نفس القصور، وهي أنه في كل مرة تُصنع نسخة كانت بعض المعلومات تضيع. وكان هذا معناه أن النسخة لا يُمكن أبدًا أن تكون بجودة الأصل، والنسخ من النسخة كان أسوأ، وهكذا دواليك. كان كل جيل من النُّسخ أقل جودة من الجيل السابق له، وهكذا كلما زاد عدد نسخ الشيء كانت جودة النسخة أسوأ. كان هذا ينطبق على الميكروفيلم والنسخ التي كانت تُعَد لمواد مكتوبة أو مطبوعة على ورق، والنُّسخ الفوتوغرافية للصور والأفلام، ونسخ التسجيلات الرئيسية والشرائط المغناطيسية وشرائط الفيديو. وحيث إن كل هذه الأشكال من وسائط التخزين كانت مصنوعة إما من الورق أو البلاستيك، فإنها دائمًا ما كانت تصير هشَّة وحائلة اللون وعديمة الفائدة في النهاية مع مرور الوقت.

لكن حين تطوَّرت تقنياتٌ لتحويل كل أشكال الوسائط إلى صيغٍ رقمية كادت تختفي مشكلات صنع نُسَخ للنصوص والصور وتخزينها. فمتى خُزن نص أو صورة أو تسجيل موسيقي أو فيديو على كمبيوتر أو جهاز نقَّال، يتحول إلى صيغةٍ رقمية؛ أي إنه يتحوَّل إلى كتلة من الآحاد والأصفار المنتظمة بترتيب معين لتُمثل النص أو الصورة المعنية. وعند نسخ ملف الكمبيوتر يُعاد استنساخ نسق الآحاد والأصفار المحدد كما كان في الأصل بالضبط دون أخطاء؛ ومن ثَم دون فقد الدقة. بناءً على ذلك، بصرف النظر عن عدد مرات نسخ ملف الكمبيوتر، سوف يظل دائمًا مكونًا من نفس نسق الآحاد والأصفار كما كان من قبل، وسيظل النص أو الموسيقى أو الصور أو الفيديوهات التي تُمثِّلها هذه الآحاد والأصفار كما هي بالضبط.

ما دام الوسط الذي تُخزن عليه هذه الملفات عادةً ظل سليمًا من الناحية المادية وقابلًا للقراءة — سواء كان شريحة كمبيوتر أو قرصًا صلبًا أو قرصًا مدمجًا أو وسيط تخزين لم يُخترع بعد — فلن تَبْلى النُّسخ أو تضيع أبدًا. وحتى إن بدأ وسيط التخزين نفسه يزداد قدمًا بعد مرور عدة سنوات، يُمكن منح الملفات حياةً جديدة بنسخها مرةً أخرى ببساطة على وسيط تخزين جديد. فحتى إن لم يحدث مزيد من التطور في تقنيات التخزين على أجهزة الكمبيوتر، وهو احتمالٌ بعيد، فإن كل كلمة مكتوبة أو تسجيل موسيقي أو صورة أو فيديو موجود حاليًّا في شكل ملف كمبيوتر يمكن تخزينه لمئات آلاف السنين.

إذا كان عام ٣٢٠٠ قبل الميلاد يُذكر بأنه الزمن الذي عبَرت فيه البشرية لأول مرة أفقَ التاريخ المكتوب، فسوف يُذكر عام ٢٠٠٠ ميلادية بأنه الوقت الذي عبَرت فيه البشرية لأول مرة أفقَ التاريخ الرقمي. فكل كتاب أو دورية أو جريدة أو مجلة أو كتيب أو مدونة أو موقع إلكتروني يُنشر اليوم — وكذلك كل فيلم أو ألبوم تسجيلي أو برنامج تلفزيوني يُبَث أو يُذاع — قد صار مخلَّدًا في مكانٍ ما على وحدة تخزين على الكمبيوتر في شكل آحاد وأصفار. ورغم ذلك سيتضاءل هذا الكم الهائل من المعلومات، رغم ضخامته، أمام الكم الأكبر كثيرًا من الرسائل الإلكترونية والنصوص والتغريدات والصور والفيديوهات التي يضعها ويُرسلها يوميًّا ملايين الأشخاص في أنحاء العالم، وهي غالبًا ما يُخزنها ويحفظها مزوِّدو خدمة الإنترنت الذين يُرسلونها.

أما المشكلة الرئيسية التي سيُواجهها مؤرِّخو المستقبل فهي كيفية البحث في الكم الهائل من المواد التي ستظل باقية؛ فالسجل الثقافي للزمن الحاضر الذي يجري تسجيله وتخزينه الآن في شكلٍ رقمي سوف يمنح زمننا تميزًا فريدًا في سجلِّ أحداث التاريخ الإنساني؛ إذ صِرنا وسنظل أول جيل تُحفظ حياته وزمنه بتفصيلٍ شديد ودقةٍ مُتناهية. فسوف تعيش أهم إنجازتنا وكذلك أتفه أشكال لَهْونا كلها طويلًا في كتل من الآحاد والأصفار بعد رحيلنا بزمنٍ طويل، وسوف تكون مُتاحة لتوعية وتسلية الأجيال المستقبلية ما دامت الحضارة الإنسانية نفسها باقية.

الروبوتات والتشغيل الآلي ومستقبَل العمل الهادف

إذا كانت التحوُّلات الثقافية التي تسبَّبت فيها الآلات الدقيقة قد قلَّلت من وضع المرأة في النهاية في منتصف القرن العشرين بجعل الآلة تؤدي الكثير من الأعمال المنزلية، فإن تحوُّلات التقنية الرقمية قلَّلت هي الأخرى من مكانة الرجل في القرن الحادي والعشرين بجعل أغلب الأعمال الذهنية والبدنية التي كان الرجال يؤدُّونها في الأصل تقوم بها أجهزة الكمبيوتر والروبوتات والأنظمة الآلية.

في خمسينيات القرن العشرين، حين كانت ظاهرة التشغيل الآلي في مهدها، كان أكثر الأسئلة التي راوَدت أذهان علماء الاجتماع هو: «كيف سيتكيَّف الناس في مجتمع المستقبل مع الزيادة الكبيرة في وقت الفراغ التي من المقدر أن تُتيحها تقنيات التشغيل الآلي؟» فقد كان ثَمة افتراض — يبدو بالأحرى ساذجًا الآن — أنه إن استطاعت الآلات تولِّي أغلب المهام التي كان يؤديها العاملون، فسوف يتقلَّص أسبوع العمل لكل العمال بما يتناسب بالمقدار الذي تؤديه الآلات من عملهم. وكانت المشكلة المترتِّبة على هذا تُصوَّر دائمًا من ناحيةِ ما سوف يفعله العامل العادي بكل وقت الفراغ الذي سينتج عن هذا التحرُّر من روتين العمل اليومي.8

لكن تبيَّن أن زيادة وقت الفراغ ليست مشكلةً كبيرة؛ فرغم أن وقت فراغ العامل الأمريكي العادي قد زاد عدة ساعات أسبوعيًّا منذ خمسينيات القرن العشرين، فإن معظم وقت الفراغ الإضافي هذا يُقضى في مشاهدة التلفزيون. بالإضافة إلى هذا، يتقاعد الملايين من الرجال والنساء من وظائفهم كل عام، ويعيش العديد من المتقاعِدين عشرة أو عشرين أو ثلاثين عامًا قبل وفاتهم بسبب الشيخوخة. ويجد معظم المتقاعِدين أشياء مُفيدة ومُجْزية ليقضوا فيها وقتهم. وهكذا، بدلًا من أن تخلق الزيادة في وقت الفراغ مشكلة لا بد من حلها، صارت يُنظر إليها باعتبارها فرصةً يمكن استغلالها. ولكن لا ينطبق الشيء نفسه على رجال ونساء في أهم مراحل حياتهم وقد حُرموا من وظائفهم ورواتبهم والكثير من احترامهم لذواتهم عندما استولت أجهزة الكمبيوتر والروبوتات وأنظمة التشغيل الآلي على العمل الذي كانوا يؤدونه.

يبدو أنه لم يخطر للمُعلقين الاجتماعيين في خمسينيات القرن العشرين أنه حين تبدأ الآلات القيام بالعمل الذي كان يؤديه البشر قبل ذلك، لن تكون النتيجة انخفاضًا تدريجيًّا في أسبوع العمل، وإنما بالأحرى اتجاه نحو ارتفاع البطالة والبطالة المقنعة. فلا يبدو أن أحدًا قد أدرك أنه حين تصير أجهزة الكمبيوتر قادرة على أداء العمل الذهني وتصير الروبوتات قادرة على أداء العمل البدني، سوف يُعفى أغلب الناس الذين كانوا يقومون بهذا العمل من وظائفهم ببساطة، وأنه سيأتي محلَّهم عددٌ أقل كثيرًا من التقنيين المدرَّبين جيدًا اللازمين لبرمجة الأنظمة التي تعمل بالكمبيوتر وتشغيلها وصيانتها.

بالإضافة إلى هذا، لم يأتِ الجيل الجديد من أصحاب المهارات المعرفية في أغلبهم من صفوف العمال اليدويين، ولكنهم بالأحرى خريجي كليات درسوا مواد من عينة علوم الكمبيوتر والرياضيات وإدارة المشروعات ومراقبة العمليات، لكن يبدو أن هذا هو العالم الذي نعيش فيه الآن، ويبدو يومًا بعد يوم أنه سيكون مصير ملايين الأشخاص الذين جرى تعيينهم في مجالَي التجارة والتصنيع؛ لذلك هذا هو السؤال الذي يجب أن نُجيب عليه الآن: «كيف سيجد كل الناس الذين يفقدون وظائفهم بسبب انتشار أنظمة التشغيل الآلي وظائف هادفة ومُجزية في مجالٍ آخر، ويستعيدون كرامتهم ومكانتهم السابقتين في المجتمع؟»

رغم اضطراد تفاقم هذه المشكلة منذ ظهور أنظمة الكمبيوتر الميسورة التكاليف والموثوق بها في منتصَف القرن العشرين، فإنه لا يبدو أن هناك إجابةً مُرضية عن هذا السؤال المحوري. فيتزايد أداء أنظمة التشغيل الآلي لكل المهام الروتينية التي كان يضطلع بها البشر، وتتولى الروبوتات تدريجيًّا المهام البدنية في التصنيع، وأنظمة الكمبيوتر التي طُوِّرت للتحليق بطائرات من دون طيار ستتولَّى قريبًا قيادة مركبات العالم الحديث من وإلى وجهاتها.

وهذا يُثير التساؤل حول كيفية توزيع ثروة المجتمع الحديث على أعضاء المجتمع غير القادرين على العثور على عملٍ مُربح؛ فلن يكون من المنطقي افتراض أن يخضع العدد المتقلِّص من العاملين الذين ما زال لديهم دخولٌ كافية لضرائب بمعدلاتٍ مرتفعة، وأن تعيد الحكومات توزيع هذا المال على أفراد المجتمع الذين لا يستطيعون العثور على وظائف. فمن ناحية، ستأتي مرحلة لا يعود فيها من يملكون بالعدد الكافي لإعانة من لا يملكون. ومن ناحيةٍ أخرى، يؤدي عدم وجود عمل هادف للأشخاص البالغين إلى تدمير احترامهم لذواتهم. وتقدير الذات لا يمكن استرجاعه بالإعانات.

وقد تصير هذه المشكلة أكثر خطورة على الرجال من النساء في نهاية المطاف؛ لأن أغلب النساء لديهنَّ خيار حمل الأطفال وتربيتهم، ويحظى هذا الدور بقبولٍ اجتماعي عالميًّا، ويُعَد مُهمًّا من أجل بقاء كل مجتمع إنساني مستقبلًا، غير أن مكانة المرأة وكرامتها في المجتمع المعاصِر لا تستند إلى دورها الإنجابي فحسب؛ فلو حُرمت المرأة من مصدر دخلها المستقل وأمنها الاقتصادي ستتراجع مكانة المرأة سريعًا إلى مُستواها البائس الذي كان في مجتمع منتصف القرن العشرين.

تجربة القرن العشرين الاشتراكية الكبرى التي حاولت فيها روسيا وأوروبا الشرقية والصين وضع كل الأنشطة الاقتصادية تحت سيطرة حكومات الدول، فشلت في أن تُحقِّق ازدهارًا عامًّا أو اكتفاءً ذاتيًّا أكثر في الحياة لسببَين. أولًا: لأنها تعارضت مع النزعة البشرية القديمة والغريزية للعمل وتحقيق مكسب شخصي. وثانيًا: لأن النظام القائم على مبدأ «مِن كلٍّ على حسب طاقته، إلى كلٍّ على حسب حاجته» لا يُمكن أن ينجح إلا في مجموعةٍ بشرية مُتماسكة مثل العائلة، حيث يستمدُّ الأشخاص احترامهم لذاتهم من حب ورضاء الآخرين، ويرون سعادتهم في سعادة أقرب الأشخاص إليهم وشركائهم في الحياة، لكن مهما كانت هذه المبادئ نبيلة فهي لن تنجح على مستوى الدول؛ حيث أغلب الناس أغراب بعضهم عن بعض.

وفي الوقت نفسه نتج عن عصر تكنولوجيا المعلومات بالفعل بعض التقدم الملحوظ في الثقافة البشرية، ومن أهم سماته القدرة غير المسبوقة على التواصل مع الآخرين، وتبادُل المعلومات بحُريةٍ أكبر وعلى نطاقٍ أوسع، وتجميع حكمتنا الجماعية لتنتفع بها الإنسانية في نهاية المطاف. وتبدأ هذه القدرات مع الفرد الذي مُنح الآن القدرة على إبداء رأيه بطريقة تسمح لأي شخص آخر على وجه الأرض الاستماع له.

وسائل التواصل الاجتماعي والمنابر الرقمية

من بين كل القدرات البشرية التي أفرزتها تقنية المعلومات حتى الآن، ربما كان أقلها توقعًا الانتشار المُفاجئ لنظام التواصل المسمَّى بوسائل التواصل الاجتماعي، حيث يُنشئ كل فرد شبكةً شخصية من أشخاصٍ آخرين، ويتواصل بانتظام مع الأشخاص الآخرين في هذه الشبكة. ورغم الترحيب بوسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها شكلًا جديدًا تمامًا من التواصل الإنساني، فإن مبادئ التواصل البشري التي تُجسِّدها قديمةٌ قِدمَ عصور ما قبل التاريخ.

المجتمعات الأبسط التي درسها اختصاصيُّو علم الإنسان طوال القرن العشرين — مجتمعات الصيد وجمع الثمار والمُزارعين الذين سلكوا نهج قطع أشجار الغابات وحرقها من أجل توفير مساحات للزراعة — كانت لديها طريقةٌ مميزة في إبلاغ الأعضاء الآخرين في جماعتها بأفكارها ومشاعرها. فنظرًا لأن مساكن هذه الجماعات كانت عادةً صغيرة الحجم ومصنوعة من مواد قابلة للاختراق مثل جلود الحيوانات أو قش النخيل — وبما أنها كانت لا تبعد عادةً عن بعضها سوى بضع أقدام فقط — فقد كان أفراد هذه المجتمعات يتمتَّعون بقدرٍ ضئيل من الخصوصية أو لا يتسنى لهم أي قدر من الخصوصية على الإطلاق. وعندما كانوا يجلسون في خيامهم أو أكواخهم كان أي شيء يقولونه بنبرةٍ عادية يستطيع جيرانهم سماعه، وأي شيء يُقال بصوت عالٍ كان يسمعه بسهولة جميعُ الأشخاص الذين يعيشون في مخيماتهم الصغيرة المُتلاحمة.

وكان حين يصير لدى أحد الناس الذين يعيشون في مثل هذه المجتمعات شكوى من زوج أو جار أو قريب أو عدو، يُقيم نفسه في منتصف ساحة عامة — في الفُسحة التي كانت تقع غالبًا وسط مجموعة من الأكواخ أو الخيام، على سبيل المثال — ويبثُّ شكاواه في نبرة اتهام مرتفعة. ولم تكن الخُطب التي تُلقى على هذا النحو موجَّهة لفردٍ واحد، وإنما للمجتمع ككلٍّ، وكان المُعتاد أن يستمع إليها أفراد المجتمع باهتمامٍ كبير. وفي كثير من الأحيان كان أحد أفراد الجماعة يَصيح ببعض تعليقات الاستحسان أو الاستهجان من داخل حدود مسكنه، وأحيانًا كان يفترض أن تكون هذه التعليقات الصادرة عن الجمهور غير المرئي غالبًا ساخرة، ولم يكن من المستبعد أن تُثير هذه التعليقات ضحك أفراد آخرين في الجماعة.

لم يقتصر دور هذه الخُطب المشحونة بالعاطفة على إعطاء المتحدث وسيلة للتنفيس عن إحباطاته فحسب، ولكنها كانت تُتيح كذلك بث الشكاوى الفردية في ساحة الخطاب العام. وكانت تعليقات المُستمعين — التي كانت دائمًا ما يسمعها أفرادٌ آخرون في المجتمع — هي الأخرى بمثابة وسيلة لاستطلاع الرأي العام، وكانت تُعطي فرصة للجماعة ككلٍّ للإدلاء بدلوهم في إيجابيات وسلبيات شكوى المتحدث. على هذا النحو، كانت قيم وسلوكيات الجماعة نفسها تُبَث وتؤيَّد وتُراجَع وتُجوَّد عن طريق هذه الأفعال الشائعة من إلقاء الخطب.

لكن حين نشأت القرى الدائمة أثناء الثورة الزراعية، لم تكن الطبيعة المادية لهذه المساكن الأكثر استقرارًا مرحِّبة إلى حدٍّ ما بهذا الطقس البشري القديم؛ إذ إنه في العديد من المجتمعات الزراعية، كما في المجتمعات الريفية المتناثِرة في شمال أوروبا والشرق الأقصى، كانت الأُسر المستقلة تميل للعيش في الحقول والحدائق التي امتلكتها، وكانت منازلهم يبعُد بعضها عن بعض بعشرات أو مئات الياردات عادةً؛ شديدة البعد بعضها عن البعض لدرجة تحُول دون سماع إحدى الأسر المجاورة شكوى أحد الأشخاص. علاوة على ذلك، كانت هذه المستوطَنات كثيرًا ما تفتقر إلى المنطقة المشتركة التي يصل إليها كل أفراد المجتمع بسهولة. وقلَّما كان الناس الذين يعيشون في هذه المجتمعات يتواصَل عن كثبٍ بعضُهم مع بعض إلا فيما يطرأ من مراسم جماعية مثل الأعراس أو الجنازات أو الشعائر الدينية.

في أنواعٍ أخرى من المجتمعات الزراعية، وخير مثال عليها القرى الريفية المتوسطية في اليونان وإيطاليا وشمال أفريقيا، تعيش الأسر في مجتمعاتٍ كثيفة السكان مكوَّنة من قرًى محصَّنة، حيث يقضي المُزارعون الليل في منازلهم القروية ويخرجون من القرى نهارًا للعمل في حدائقهم ومراعيهم وكرومهم وبساتينهم. وتميل المنازل في هذه المجتمعات لأن تكون مساكن دائمة مبنية من الطوب اللبن أو الأحجار، بجدرانٍ سميكة صلبة ونوافذ وأبواب. ولا يُتيح هذا النوع من المعمار بانتقال الأصوات لأبعدَ من أقرب جار، فقط إن علا الصوت لمرتبة الصياح. وفي هذه الأنواع من المجتمعات نادرًا ما كانت شكاوى وآراء الأزواج والزوجات، والمديونين والدائنين، والحلفاء والأعداء، والمحبِّين والخصوم، تُذاع على الملأ، وإنما كانت بالأحرى تُهمس سرًّا. وكثيرًا ما كانت مادة للقيل والقال، لكنها قلما كانت موضوعًا للنقاش العام على الملأ.

مع التوسُّع الحضري للبشر الذي جاء مع الثورة الصناعية، لم يعُد الجيران بالضرورة أفرادًا حتى في نفس المجتمع، ونادرًا ما كان بينهم الأقارب الذين كانت تتشكَّل منهم في الماضي مجتمعات الصيادين وجامعي الثمار. من ثَم فقدت ثقافات الشعوب المعاصرة — المنحدرين جميعًا من نسل قرويين مُزارعين وسكان بلدات — عادة الصيادين وجامعي الثمار إذاعة تظلماتهم أو شكاواهم أو آرائهم على الملأ منذ زمن طويل، إلا أن اختراع وسائل التواصل الاجتماعي وفَّر الآن الآلية التي اكتشفت بها الشعوب المعاصرة مُتَع وملذات نشر آرائهم على شبكة من الأقران. وقد يكون هذا سبب التحاق عدد غير مسبوق من الناس بشبكات التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة.

ولا يقتصر دور وسائل التواصل الاجتماعي على تمكين كل الناس الموجودة ضمن شبكة كل شخص من عرض تعليقاتهم واستجاباتهم، بل وتجعل كل هذه التعليقات والاستجابات مُتاحة لكل شخص آخر في شبكة كل شخص. هكذا أدَّى المنبر الرقمي الناتج عن تطور شبكات وسائل التواصل الاجتماعي إلى إعادة تشكيل الطقس البشري القديم — الذي وُجد بين جميع الصيادين وجامعي الثمار الرحَّل، لكنه تقلَّص بدرجةٍ بالغة مع ألفيات من الحضارة الزراعية والصناعية — بمشاركة أكثر الأسئلة والملاحظات والآراء خصوصية في حياتهم اليومية مع أقرانهم بصفةٍ يومية. ويُوحي شيوع هذه العادة بين الصيادين وجامعي الثمار والقرويين البدائيين حول العالم بأنها حاجةٌ إنسانية أساسية وعادةٌ بشرية طبيعية أن تُشارك المعلومات وتُعزِّز القيم ويُستقصى الرأي العام بشأن كل متع الحياة اليومية وتقلباتها.

من بين كل التغييرات العديدة التي جلبها تطور تقنية المعلومات، ربما لا شيء يعدل أهمية التوسع غير المسبوق في القدرة على التواصل مع الآخرين، وتحقيقه تحولًا في المجتمع نهاية المطاف؛ إذ تتعدَّى هذه القدرة إتاحة وسائل التواصل الاجتماعي نشر الخاص من الأفكار والمشاعر والسلوكيات على الملأ؛ فهي تشمل في واقع الأمر كل نوع من أنواع التواصل البشري؛ تشارُك المعلومات بين الأشخاص الذين تجمعهم نفس الاهتمامات، وتبادُل الرسائل الخاصة بين الأفراد، وتبادُل البضائع والخدمات، والقدرة على سفر المرء من وطنه من وإلى أوطان ومجتمعات وثقافات أخرى.

الشبكة العنكبوتية العالمية للتواصل البشري

عالمنا السريع التطور ذو أجهزة الكمبيوتر الشخصية والأجهزة النقَّالة والإنترنت وأقمار الاتصالات الصناعية والطيران التجاري الدولي نتَج عنه بالفعل تطوُّراتٌ غير مسبوقة في تقنيات التواصل؛ فقد خلقت تقنية المعلومات عالَمًا زادت فيه قدرة الناس على الكتابة إلى أي شخص آخر على ظهر الكوكب والحديث معه وزيارته والتجارة معه مباشرةً على مدار أربع وعشرين ساعة يوميًّا.

تقنية المعلومات هي التي مكَّنت المركبات الفضائية من وضع أقمار اتصالات صناعية في مدار الأرض المنخفض. لم تُقلِّل هذه الأقمار الصناعية من تكلفة المكالمات الهاتفية الدولية إلى مستوًى معقول فحسب، وإنما أتاحت لكل البشر أيضًا مشاهدة الفعاليات الرياضية والكوارث الطبيعية واندلاع الحروب في وقتها على أجهزةٍ إلكترونية. ولأول مرة في تاريخ البشر أُنشئت شبكة مواصلات دولية تُمكِّن أي شخص على الأرض من التجارة مع أي شخص أو زيارته خلال ساعات أو أيام. وهذه الحرية في التواصل لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية بأسره.

أدَّى تطور السفن البخارية والسكك الحديدية في أوائل القرن التاسع عشر إلى ارتفاعٍ هائل في السفر لمسافاتٍ طويلة، وكان مسئولًا إلى حدٍّ ما عن التحام الآلاف العديدة من المدن والقرى والدول المدن التي كانت موجودة منذ عصور سحيقة لتُصبح ذلك العدد الصغير من الدول القومية الموجودة الآن. وقد تضاعَف مؤخرًا عدد الناس الذين يُسافرون إلى دول وثقافات أخرى، سواءٌ سائحون أو لأغراض العمل — بدرجةٍ كبيرة نتيجةً للتطورات التي حدثت في تقنيات التفاعل منذ عام ١٩٥٠م؛ فقد زار نحو خمسة وعشرين مليون شخص دولًا أخرى بغرض السياحة في ذلك العام. وبحلول عام ٢٠١١م زاد هذا العدد إلى مليار تقريبًا؛ هذا يُمثل زيادةً قدرها ٤٠٠٠ في المائة في فترة لا تتعدَّى عمر إنسان واحد (انظر شكل ٩-٣). ومن المحتمل أن يصل عدد الرحلات السياحية الدولية، بمعدل ارتفاعه الحالي، إلى ١٫٦ مليار بحلول عام ٢٠٢٠م، وفقًا لمنظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة.9
fig39
شكل ٩-٣: منذ تطوُّر أنظمة النقل المحوسبة، ارتفع عدد الرحلات السياحية الدولية ارتفاعًا بالغًا؛ لينمو من نحو خمسة وعشرين مليون رحلة سنويًّا عام ١٩٥٠م إلى أكثر من مليار رحلة عام ٢٠١٥م.
صاحبَ هذا الارتفاعَ الهائل في السياحة الدولية نموٌّ مُوازٍ في عدد الأشخاص الذين هاجروا من قارة لأخرى ومن دولةٍ قومية لأخرى؛ ففي عام ٢٠١٣م كان نحو ٢٣٢ مليون شخص ممن يعيشون على الأرض مُهاجرين وُلدوا في دولة وانتقلوا للإقامة الدائمة في دولةٍ أخرى؛10 يزيد هذا العدد عن ضعف عدد سكان كوكب الأرض حين بدأت الحضارات المدنية.

سينتج عن هذه الشبكة العنكبوتية العالمية من التواصل البشري تحولٌ بالغ الأثر في الحياة والمجتمع البشري، مثل أي تحول من تحولات الماضي. في الواقع، عند النظر إلى التغيرات التي أحدثتها تقنية الآلات الدقيقة في المجتمع والثقافة، يتضح لنا أنه من الصعوبة بمكانٍ توقُّع الآثار النهائية لأي تقنية مهمة بتأمُّل نتائجها المباشرة.

فمن كان يتوقَّع أن تطوير صانعي الساعات في القرون الوسطى للآلات الدقيقة — الذي كان مدفوعًا بمحض رغبة في إنتاج ساعات أكثر دقة — سوف يؤدي سريعًا إلى اختراع آلة الطباعة الحديثة ونمو المعرفة ونهضة الفنون والعلوم في أنحاء العالم الغربي؛ أو أن العالم المتحضر سيبدأ استخراج الفحم، حين تتزايد حاجة صانعي الساعات للحديد والصلب مستهلكة غابات أوروبا، مما سيؤدي سريعًا إلى اختراع المحرك البخاري بكل آثاره المتعددة على طبيعة التصنيع والسفر والتجارة؛ أو أن نجاح المحرك البخاري سيُثمر الثورة الصناعية التي سينتج عنها خلال قرن واحد محرِّك الاحتراق الداخلي والسيارة والطائرة وانتشار استخدام الطاقة الكهربائية؟

من كان يتوقع أن تؤدي هذه التقنيات الصناعية في النهاية إلى الانصراف عن إنتاج الغذاء وانتقال الغالبية العظمى من سكان الأرض بأعدادهم الغفيرة من الريف إلى المدن؟ من كان يتوقع أن تؤدي الآلات الدقيقة في النهاية إلى ظهور وسائل الإعلام، ونشأة مجتمع الموظفين، وظهور الآلات المنزلية، وتصحُّر مساحات من اليابسة، واختلال المناخ العالمي، وانقراض أنواع كثيرة من النباتات والحيوانات، وكل التغييرات الأساسية التي جرت في العادات والتقاليد التي تحكُم مؤسسات الزواج ونسيج العائلة، بل وحتى قواعد السلوك الجنسي للبشر؟

وحيث إن التقنية الرقمية تُحرِّر نوعنا الآن من حدود المكان والزمان التي كانت تُقيدنا فيما مضى، فإن التغييرات التي تنتظرنا في المستقبل البعيد لا يمكن تصورها إلى حدٍّ كبير، لكننا متأكدون أننا سنشهد في المستقبل القريب تحولًا كبيرًا واحدًا على الأقل؛ ميلاد الحضارة العالمية.

حركة الاندماج الأخيرة

بدأت ظاهرة الاندماج الاجتماعي بين البشر أول ما بدأت خلال العصر الحجري العلوي في عصور ما قبل التاريخ، وقد أطلق شرارتَها تقنيةُ التواصل الرمزي؛ فنشأة اللغة والفنون والرموز المرئية أتاحت للجماعات الرحَّالة في تلك الحقبة — التي كانت كل واحدة منها مكوَّنة من بضع عشرات من الأقارب — أن تتقاسم هويةً ثقافيةً مشتركة مع جماعاتٍ رحالةٍ أخرى؛ وبهذا اندمجت في قبائل مكوَّنة من آلاف الأفراد.

وقع الاندماج بين القبائل على نطاقٍ أكبر في أواخر العصر الحجري الحديث، حين اخترع سكان القرى المُزارعون في تلك الفترة قوارب نهرية ومركبات ذات عجلات وأنظمة كتابة، واندمجوا في الحضارات المدنية التي ضمَّت عدة قبائل وكوَّنت مجتمعاتٍ بلغ عدد سكانها مئات الآلاف. وأخيرًا، حين ابتكرت الثورة الصناعية تقنياتٍ أكثر قوةً وكفاءة للسفر والتجارة والاتصال، فإن آلاف الدول المدن التي ظلَّت باقية منذ فجر الحضارة التحمت خلال أقل من قرنين في أقل من مائتَي دولة قومية، تضمُّ أغلبها الآن سكانًا يُقدر عددهم بالملايين.

والأسباب وراء حركات الاندماج هذه ليست بلُغْز؛ فحين يجد الناس أن التفاعل عبر الحيز الجغرافي أسهل يصير تصوُّر الشعوب الأخرى على أنها تنتمي إلى عالَمهم المألوف أيسر، وكلما كان تواصُل بعضهم مع بعض سهلًا زاد احتمال أن يسعَوا إلى العثور على لغةٍ مشتركة. وكلما زاد سفر بعضهم إلى مناطق بعض واستقرار بعضهم في أراضي بعض، زاد احتمال أن يتبنَّى بعضهم عادات وتقاليد بعض. ومع الوقت، يزيد احتمال أن يتناولوا نفس الطعام ويرتدوا نفس الملابس، بل ويحتفلوا بنفس الأعياد. ويصيرون أكثر استعدادًا للتناسل وإنجاب أطفال ينشئون في ظل أكثر من مجموعة واحدة من العادات والقيم والسلوكيات.

تميل كل هذه الأشياء إلى تقليل الاختلافات الثقافية بين الجماعات التي كانت فيما مضى مُتباينة ومُتباعدة. وفي النهاية يبدأ الناس الذين كانوا ينتمون من قبل إلى ثقافاتٍ مختلفة اختلافًا بينًا في الانخراط في ثقافةٍ جديدة وأوسع نطاقًا، لا سيَّما إن كانت هذه الثقافة الجديدة تقدِّم مجموعة من القيم والمؤسسات والتقاليد القادرة على التوفيق بين ثقافات الحقبات الماضية رغم الاختلافات بينها. هكذا يُمكن التنبؤ بنتيجةٍ واحدة بثقة من بين النتائج المترتبة على التقدم الهائل الذي أحدثته تقنية المعلومات: أن الجماعات البشرية سوف تندمج في مجموعاتٍ أكبر من التي وُجدت من قبل على الإطلاق.

إلا أنه هناك دائمًا في المجتمع البشري قوًى جبَّارة تُقاوم التغيير. وفي نفس الوقت الذي تلتحم فيه عدة مناطق مأهولة بالبشر تمرُّ مناطق أخرى بالعملية العكسية، وتنقسم إلى الأجزاء المنفصلة التي كانت مجتمعة في كيانٍ واحد قبل ذلك؛ فالإمبراطوريات السابقة تنقسم إلى أجزاء وتصبح أممًا مستقلة. ومن الأمثلة الحية على عملية الانقسام السياسي في الزمن المعاصر انحلال الإمبراطورية الإسبانية، والإمبراطورية البريطانية، والإمبراطورية النمساوية المجَرية، والإمبراطورية العثمانية، والاتحاد السوفييتي. وقد تفقد الدول القومية كذلك وحدتها السياسية وتنقسم إلى أجزاء كما حدث في تسعينيات القرن العشرين، حين تفتَّتت جمهورية يوغوسلافيا السابقة إلى دولٍ مستقلة، هي صربيا وكرواتيا وسلوفينيا ومقدونيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك.

أخيرًا، بينما تموت لغات الثقافات المندثِرة فعَلى الأقل عادت الحياة إلى بعض اللغات «الميتة» وصارت لغات حيةً مرةً أخرى؛ فاللغة العبرية التي ظلَّت قرونًا مُقتصرة على الطقوس الدينية صارت لغةً حديثة يتحدَّث بها ملايين المُواطنين الإسرائيليين بصفةٍ يومية. ويجب ألا ننسى أنه رغم اندماج العالم سياسيًّا في أقل من مائتي دولة قومية، فما زال هناك في واقع الأمر أكثر من سبعة آلاف لغة يتحدث بها العالم الآن، وتُمثل كل واحدة من تلك اللغات جماعةً عِرقيةً مستقلة، ذات عادات وتقاليد متمايزة وهوية مُنفصِلة ما زالت باقية، إلا أنه حسب تقديرات خبراء اللغة، تُعاني أكثر من ثلث اللغات الموجودة حاليًّا تدهورًا أو في طريقها للاندثار.11 فحركة الاندماج الثقافي تجري بوتيرةٍ أسرع عن أي وقت مضى في تاريخ البشر.

خلاصة ما سبق أنه كما أظهر تاريخ تحولات الماضي بوضوح شديد، فإن كل تقدم مُهم في تقنيات التفاعل أفرز في النهاية شكلًا من المجتمع الإنساني أوسع نطاقًا وأكثر شمولية. والتطورات التي حدثت في تقنيات التفاعل التي كان مصدرها تطور التقنيات الرقمية هي الأكثر زخمًا على مدار التاريخ الإنساني بأكمله. من الأرجح أن تستمر هذه العملية الأساسية حتى تبلغ نهايتها: حركة اندماج نهائي؛ إذ تتحرك البشرية على مهلٍ للاتحاد في كيان أكبر لتُصبح ثقافة إنسانية عالَمية جديدة — باختصار، ميلاد حضارة عالمية.

•••

حين يبدأ مجتمعٌ وثقافة عالمية في التشكل، لن يكون المزيد من الاندماج بين البشر ممكنًا أو ضروريًّا. كذلك لن تكون حركة الاندماج الأخيرة والنهائية هذه معناها أن أيًّا من الجماعات البشرية التي نشأت بالفعل ستختفي من الوجود. فالتاريخ يُبرهن لنا أن الجماعات البشرية التقليدية التي انبثقَت عن تحولات سابقة — الأسر والعشائر والقبائل والأحياء والقرى والبلدات والمدن والأقاليم والدول والأمم —احتفظت كلها بهوياتها، وحافظت على وحدتها، وظلت هي المتحكِّمة في مجالات الحياة الملائمة لها، حتى مع ظهور كيانات أكبر وأكثر شمولية.

في الفصل التالي والأخير، سنتناول بالبحث القوى المتعددة — التي أطلقت لها العنان التقنيات نفسها التي جعلتنا بشرًا — والتي صارت تهدد استمرار كوكبنا على المدى الطويل وشبكته الهشة من أشكال الحياة. كذلك سنأخذ في الحسبان احتمال استخدام البشر لقوى التقنية الرقمية بهدف إنشاء كيانات عالَمية جديدة قادرة على إدارة موارد الأرض — ليس لمصلحة دولة واحدة وإنما لمصلحة البشرية جمعاء، وكل أشكال الحياة الأخرى على ظهر البسيطة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠