الفصل الخامس عشر

الحقيقة والجمال ومفاهيم علمية خاطئة أخرى

في فبراير ٢٠٠٧، تحدَّثَ الفيزيائي النظري الحائز على جائزة نوبل، موري جيلمان، في مؤتمر «تيد» الخاص بالنخبة بولاية كاليفورنيا، حيث يجتمع المبتكرون في العلوم والتكنولوجيا والآداب ووسائل الترفيه وغير ذلك من المجالات المهمة كل عام، لاستعراض المدارك والتطورات الحديثة في العديد من الموضوعات المختلفة. كان موضوع حديث موري — الذي نال إعجاب الجماهير واحتفوا به بالوقوف والتصفيق الحار في نهاية المؤتمر — هو الحقيقة والجمال في العلم. يمكن تلخيص الافتراض الأساسي الذي قام عليه هذا الحديث في العبارة التي قالها موري مقتبسًا كلمات الشاعر الإنجليزي جون كيتس: «الحقيقة هي الجمال، والجمال هو الحقيقة.»

كان لدى جيلمان أسباب وجيهة للإيمان بهذه العبارة العظيمة، فقد توصَّل إلى بعض أهم اكتشافاته عن الكواركات، التي أهَّلَتْه للفوز بنوبل، عن طريق البحث عن مبدأ أساسي يمكن أن ينظِّم جيدًا البيانات العشوائية في ظاهرها التي توصَّلَتْ إليها التجارب في ستينيات القرن العشرين. من واقع خبرة موري، أدَّى البحث عن الجمال — أو على الأقل البساطة — إلى الاهتداء للحقيقة أيضًا.

لم يشكِّك أيٌّ من الجماهير في ادِّعَاء موري؛ ففي نهاية الأمر، أغلب الناس يحبون فكرة أن الجمال يتماشى مع الحقيقة، وأن البحث عن أحدهما سيكشف على الأرجح عن الآخَر، لكنني أقِرُّ هنا بأنني وجدت دومًا بعض الصعوبة في تقبُّل هذا الافتراض. فرغم أن الجميع يحبون الإيمان بأن الجمال هو محور النظريات العلمية العظيمة، وأن الحقيقة ستكون مرضية دومًا من الناحية الجمالية، فإن الجمال معيار غير موضوعي إلى حدٍّ ما؛ ومن ثَمَّ لا يمكن أن يكون عنصرًا موثوقًا به للحكم على الحقيقة.

تكمن المعضلة الأساسية في التطابق بين الحقيقة والجمال، في أن هذا التطابق ليس ثابتًا على الدوام. فإذا كان الجمال والحقيقة متكافئين، فما كان ليظهر في قاموسنا تعبير «الحقيقة القبيحة». ورغم أن هذا التعبير ليس متعلِّقًا بالعلم بوجه خاص، فإن نتائج ملاحظة العالم ليست دومًا جميلة. وقد لخَّص زميل داروين، توماس هَكسلي، هذا الأمر بدقة حين قال: «العلم هو فطرة سليمة منظمة، قضت فيها حقائق قبيحة على نظريات جميلة في أحيان كثيرة.»1

ما يزيد هذه المعضلة صعوبةً ضرورة أَخْذ الفيزيائيين في الاعتبار ملاحظة محيرة، وهي أن الكون وعناصره لا يتمتعان بالجمال على نحو كامل، فنحن نلاحظ العديد من الظواهر غير المنظمة وفوضى من الجسيمات التي نرغب في فهمها. في الأحوال المثالية، يودُّ الفيزيائيون التوصُّل إلى نظرية بسيطة قادرة على تفسير كل هذه الملاحظات، ولا تستخدم سوى مجموعة جاهزة من القواعد وأقل قدر ممكن من المكونات الأساسية. لكن حتى عند البحث عن نظرية بسيطة وأنيقة وموحدة — أي نظرية يمكن استخدامها للتنبؤ بنتيجة أي تجربة في فيزياء الجسيمات — فإننا نعلم أننا حتى لو وجدنا مثل هذه النظرية، فسنحتاج إلى الكثير من الخطوات الأخرى لربطها بعالمنا.

الكَوْن كيان معقَّد. وبوجه عام، لا بد من وجود مبادئ ومكونات جديدة كي نتمكَّنَ من ربط صيغة بسيطة بالعالم المحيط بها الأكثر تعقيدًا، وهذه المكونات الإضافية قد تقضي على الجمال الذي تتسم به الصيغة الأولية المقترحة، شأنها في ذلك شأن التعديلات التي تشوِّه عادةً المقترحات الأولية المثالية لمشروعات قوانين الكونجرس.

بوضع المعوقات المحتملة في الاعتبار، كيف يمكننا محاولة تجاوز حدود معرفتنا؟ كيف يمكننا محاولة تفسير الظواهر التي لم تُفسَّر بعدُ؟ يتناول هذا الفصل فكرة الجمال ودور المعايير الجمالية في العلم، فضلًا عن مميزات الاسترشاد بالجمال ومساوئه. يستعرض الفصل كذلك عملية «بناء النماذج» التي تستخدم أسلوب البناء العلمي التصاعدي، مع التركيز في الوقت نفسه على المعايير الجمالية في محاولةٍ لتخمين ما سيحدث بعد ذلك.

الجمال

جمعَتْني إحدى المحادثات مؤخرًا مع فنانٍ أشار مازحًا أثناء حديثنا إلى أن أحد أكثر الأمور مدعاةً للسخرية في العلم المعاصِر، أن الباحثين حاليًّا يعتبرون الجمال هدفًا لهم أكثر من الفنانين المعاصرين. لم يتخَلَّ الفنانون بالطبع عن المعايير الجمالية، لكنهم على الأقل يتحدثون عادةً عن الاكتشاف والابتكار عند مناقشة أعمالهم. يقدِّر العلماء هذه السمات أيضًا، لكنهم يسعون في الوقت نفسه للتوصُّل إلى النظريات الأنيقة التي يرونها عادةً أكثر إقناعًا.

لكن على الرغم من التقدير الذي يوليه العلماء للأناقة، فقد تتباين المفاهيم لديهم بشأن ما هو بسيط وجميل، فمثلما قد تختلف بشدة مع أحد جيرانك بشأن المزايا الفنية لأحد الفنانين المعاصرين مثل داميان هيرست، يختلف العلماء في إعجابهم بجوانب العلم المتباينة.

وعن نفسي، فإنني — ومَن يشابهني في التفكير من الباحثين الآخَرين — أفضِّل البحثَ عن المبادئ الأساسية التي توضِّح العلاقات بين الظواهر المرصودة المتباينة في ظاهرها. فيدرس معظم زملائي في مجال نظرية الأوتار نظرياتٍ معيَّنَةً قابلةً للحلِّ، يستخدمون فيها معادلات رياضية صعبة للتعامل مع مشكلات غير حقيقية (أي مشكلات لا ترتبط بالضرورة بأي بنية فيزيائية حقيقية)، والتي يمكن أن تنطبق لاحقًا على ظواهر فيزيائية يمكن ملاحظتها. وهناك فئة أخرى من الفيزيائيين ينصبُّ تركيزهم بالكامل على النظريات ذات الشكل الدقيق المنمق التي تؤدي إلى الكثير من التنبؤات التجريبية التي يمكنهم حسابها منهجيًّا، في حين يفضِّل آخَرون الحوسبة فقط.

إن المبادئ المثيرة للاهتمام، والرياضيات المتقدمة، وصور المحاكاة الرقمية المعقَّدَة، جميعها جوانب للفيزياء. ويقدِّر معظم العلماء هذه الجوانب كافةً، لكننا ننظم أولوياتنا وفقًا لما نجده أكثر متعةً أو لما نرى أنه سيوصلنا على الأرجح إلى التطورات العلمية. وفي الواقع، عادةً ما نختار منهجنا وفقًا للأسلوب الذي يتناسب على النحو الأمثل مع ميولنا ومواهبنا الخاصة.

ليست الآراء الحالية عن الجمال هي التي تتنوَّع فحسب، وإنما تتباين التوجهات كذلك بمرور الوقت، كما هو الحال في الفن. وخير مثال على ذلك تخصُّص موري جيلمان، وهو الديناميكا اللونية الكمية.

استنَدَ جيلمان في افتراضه عن القوة النووية القوية إلى رؤية متبصرة عبقرية بشأن الكيفية التي يمكن بها للجسيمات العديدة — التي كانت تُكتشَف باستمرار في ستينيات القرن العشرين — أن تُنظَّم في نماذج معقولة يمكنها تفسير وفرة هذه الجسيمات وأنواعها. وقد افترض جيلمان وجود المزيد من الجسيمات الأولية الأساسية المعروفة باسم الكواركات، وهي الجسيمات التي اقترَحَ أنها تحمل نوعًا جديدًا من الشحنات؛ ومن ثَمَّ يمكن للقوةِ النوويةِ القويةِ التأثيرُ على أي جسم يحمل الشحنة المفترَضة، وتتسبَّب في ارتباط الكواركات معًا مكوِّنة بذلك جسيمات متعادلة، مثلما تربط القوة الكهربائية الإلكترونات بالنوى المشحونة لتكون ذرات متعادلة الشحنة. وإن كان ذلك صحيحًا، يمكن تفسير جميع الجسيمات التي يتم اكتشافها كحالات مرتبطة لهذه الكواركات؛ أي أجسام كلية ليست لها شحنة صافية.

أدرك جيلمان أنه إذا كانت هناك ثلاثة أنواع مختلفة من الكواركات، كلٌّ منها يحمل شحنة لونية مختلفة، فسيتكوَّن العديد من المجموعات من الحالات المرتبطة المتعادلة الشحنة. وهذه المجموعات يمكن أن تتماشى مع العدد الوفير من الجسيمات التي عُثِر عليها (وهذا ما حدث بالفعل)، وبذلك توصَّلَ جيلمان إلى تفسير جميل لما بدا فوضى من الجسيمات يتعذَّر تفسيرها.

لكن عندما طرَحَ موري — ومعه الفيزيائي (الذي تخصَّصَ بعد ذلك في البيولوجيا العصبية) جورج زفايج — هذه الفكرة للمرة الأولى، لم يصدِّق الناس أنها نظرية علمية مناسبة. وكان السبب في ذلك فنيًّا بعض الشيء، لكنه مثير للاهتمام في الوقت ذاته؛ فحسابات فيزياء الجسيمات تعتمد على الجسيمات التي لا تتفاعل أثناء وجودها بعيدة عن بعضها البعض، وبذلك يمكننا حساب الآثار المحدودة للتفاعلات التي تحدث عندما تكون الجسيمات قريبة من بعضها البعض. وفي إطار هذا الافتراض، يمكن لأي تفاعل أن تسيطر عليه بالكامل القوى المحلية عندما تكون الجسيمات قريبة من بعضها البعض.

على الجانب الآخَر، كانت القوة التي افترضها جيلمان تزداد قوةً مع ابتعاد الجسيمات بعضها عن بعض، وعنى ذلك أن الكواركات ستتفاعل دائمًا، حتى عندما تكون متباعدة للغاية. ووفقًا للمعايير السائدة آنذاك، لم يتفق افتراض جيلمان مع أي نظرية حقيقية يمكن استخدامها لإجراء حسابات يُعتمَد عليها. وبما أن الكواركات تتفاعل دائمًا، فإنه حتى الحالات المعروفة بحالات المقاربة — وهي الحالات التي تشتمل على كواركات بعيدة عن كل شيء آخَر — تكون معقَّدَة للغاية. وفي إثبات واضح لمفهوم القبح، لم تكن حالات المقارَبَة المفترضة هذه هي الجسيمات البسيطة التي ترغب في رؤيتها في أي نظرية قابلة للحساب.

في البداية، لم يعرف أحد كيفية تنظيم الحسابات بين هذه الحالات المعقَّدَة المترابطة بقوة، لكن وجهة نظر الفيزيائيين حاليًّا بشأن القوة القوية مختلفة تمامًا؛ فنحن نفهمها الآن على نحو أفضل بكثير من فهمنا لها عند طرح الفكرة للمرة الأولى. وقد حاز كلٌّ من ديفيد جروس وديفيد بوليتزر وفرانك فيلتشيك على جائزة نوبل لما أسموه «الحرية المتقاربة». وفقًا لحسابات هؤلاء العلماء، لا تكون القوة قوية إلا عند مستويات منخفضة من الطاقة، أما عند المستويات المرتفعة، فالقوة القوية لا تكون أقوى كثيرًا من القوى الأخرى؛ ومن ثَمَّ تسير الحسابات هكذا كما يجب. وفي الواقع، يعتقد بعض الفيزيائيين الآن أن نظريات مثل القوة القوية، التي تصير أضعف عند مستويات الطاقة العالية، هي «وحدها» النظريات المحدَّدة جيدًا؛ نظرًا لأن قوة التفاعل لن تصل إلى مستوًى غير محدود عند الطاقة العالية مثلما يمكن أن تفعل خلاف ذلك.

إن نظرية جيلمان حول القوة القوية نموذج مثير للاهتمام للعلاقة المتبادلة بين المعايير الجمالية والعلمية. كانت البساطة دليله الأول، لكن موافقة الجميع على جمال اقتراحه تطلَّبَت أفكارًا نظرية وحسابات علمية صعبة.

ليس هذا هو المثال الوحيد على هذه النقطة بالطبع، فالكثير من النظريات التي نثق في صحتها بها جوانب قبيحة ومنفرة للغاية ظاهريًّا رفضها الجميع في البداية، بما في ذلك كبار العلماء المرموقين. على سبيل المثال، نظرية المجال الكمي، التي تجمع بين ميكانيكا الكم والنسبية الخاصة، هي أساس فيزياء الجسيمات بأكملها، رغم ذلك رفض الفيزيائي الإيطالي الحائز على جائزة نوبل، إنريكو فيرمي، (وآخرون غيره) هذه النظرية في البداية. كانت المشكلة، من وجهة نظره، هي أنه على الرغم من أن نظرية المجال الكمي تضفي جانبًا وصفيًّا ونظاميًّا على جميع الحسابات وتتوصَّل إلى العديد من التنبؤات السليمة، فإنها تتضمن تقنيات حسابية حتى الفيزيائيون المعاصرون يرونها مفرطة التأنُّق؛ فتتسم بعض جوانب هذه النظرية بالجمال البالغ، وتؤدي إلى أفكار متبصرة مميزة. لكن ثمة خصائص أخرى يلزم علينا تحمُّلها، رغم عدم إعجابنا بما يحيط بها من تعقيدات.

تكرَّرَتْ هذه القصة مرات عدة منذ ذلك الحين، فلا يُتَّفَق على الجمال غالبًا إلا بعد إدراكنا للصورة الكلية. تنتهك التفاعلاتُ الضعيفةُ التناظرَ المتكافئَ؛ بمعنى أن الجسيمات التي تدور ناحية اليسار تتفاعل على نحو مختلف عن تلك التي تدور ناحية اليمين، وانتهاك هذا التناظر الأساسي للتكافؤ بين اليمين واليسار يبدو مزعجًا وغير جذاب بطبيعته. لكن عدم التناظر هذا هو المسئول عن الكتل العديدة التي نراها في العالم والضرورية للبنية والحياة. عُدَّ هذا النوع من عدم التناظر قبيحًا في البداية، لكننا نعلم الآن أنه ضروري، ورغم أن كسر التناظر المتكافئ قبيح في حد ذاته، فإنه يصل بنا إلى تفسيرات جميلة لظواهر أكثر تعقيدًا تلعب دورًا مهمًّا في جميع صور المادة التي نراها.

ليس الجمال أمرًا مطلقًا، فالفكرة قد تروق لصاحبها، لكنها قد تبدو من منظور شخص آخَر مزعجةً أو فوضوية. على سبيل المثال، يغمرني أحيانًا شعورٌ بجمال أحد الافتراضات التي توصَّلْتُ إليها، ويكون السبب الرئيسي في ذلك هو معرفتي بفشل جميع الأفكار الأخرى التي طرحها الآخرون، لكن كون الفكرة أفضل من الأفكار السابقة لها لا يعني بالضرورة أنها جميلة. ونظرًا لأنني أعددت الكثير من النماذج التي شعرت بجمالها، لكنها قُوبِلت بالتشكُّك والارتياب من الزملاء الذين لم يعرفوا الكثير عن هذه النماذج، فقد توصَّلْتُ إلى أن المعيار الأفضل لكون الفكرة جيدة هو أن يعجب بها شخص ما لم يدرس المشكلة من قبلُ قطُّ.

والعكس يكون صحيحًا في بعض الأحيان أيضًا؛ بمعنى أن الأفكار الجيدة تُنبَذ لأن أصحابها أنفسهم هم مَن يرونها قبيحة للغاية. على سبيل المثال، لم يؤمن ماكس بلانك بالفوتونات؛ إذ كان يراها مبدأ كريهًا للغاية، رغم أنه مَن طرح السلسلة المنطقية التي أدَّتْ إلى افتراض وجود هذه الجسيمات. أينشتاين كذلك رأى أن فكرة تمدُّد الكون الناتجة عمَّا وضعه من معادلات النسبية العامة لا يمكن أن تكون صحيحة، ويرجع أحد أسباب ذلك إلى أن هذه الفكرة تتعارض مع ميوله الفلسفية والجمالية. لعل هاتين الفكرتين لم يَبْدُ عليهما أنهما الأجمل آنذاك، لكن قوانين الفيزياء — والكون الذي تنطبق عليه هذه القوانين — لم تأبَهْ لذلك كثيرًا.

المظهر الجميل

نظرًا لطبيعة الجمال المتطورة غير الثابتة، يجدر التفكير في بعض الخصائص التي قد تجعل فكرةً أو صورةً ما جميلة جمالًا موضوعيًّا على نحو يروق للجميع تقريبًا. ولعل أهم سؤال يتعلق بالمعايير الجمالية هو ما إذا كان لدى البشر أي معايير عامة لما هو جميل في أي سياق، سواء أكان فنًّا أم علمًا.

لا يعلم أحد الإجابة عن هذا السؤال حتى الآن؛ فالجمال في نهاية الأمر يتضمن الذوق، والذوق يمكن أن يكون معيارًا ذاتيًّا. رغم ذلك، فإنني أجد من الصعوبة بمكان أن أصدِّق أن البشر ليست لديهم معايير جمال مشتركة، فأنا ألاحظ عادةً اتساقًا مذهلًا في آراء الناس بشأن أفضل عمل فني في معرض ما، أو بشأن أي المعارض يختار الناس زيارتها. لا يُثبِت ذلك بالطبع أيَّ شيء لأننا نتشارَكَ جميعًا المكان والزمان في هذه الحالات. والمعتقدات المتعلقة بالجمال يصعب عزلها عن الفترة الزمنية أو السياق الثقافي الذي نشأت فيه؛ ومن ثَمَّ يصعب التفريق بين الأحكام والقِيَم المتأصلة وتلك المكتسبة، لكن في بعض الحالات المتطرفة يمكن أن يتفق الناس جميعًا على جمال شيء ما أو قبحه. وفي بعض الحالات النادرة، قد يتفق الجميع على جمال فكرة ما، لكن حتى في هذه الحالات القليلة، لا يتفق الناس بالضرورة على كل التفاصيل.

ومع ذلك، تبدو بعض المعايير الجمالية عامةً بالفعل، فأي فصل دراسي للمبتدئين في الفن يتعلَّم فيه الطلاب مفهومَ التوازن، وخير مثال على ذلك تمثال داوود للفنان مايكل أنجلو في معرض أكاديميا بفلورنسا. يقف داوود منتصبًا برشاقة وبهاء على نحو يستحيل معه تصوُّر انقلابه أو سقوطه. يبحث الناس عن التوازن والتناغم أينما يمكنهم العثور عليهما، لكن التوازن بالطبع قد يكون أيضًا مبدأ تنظيميًّا فحسب. يذهلنا الفن أيضًا عندما يتحدَّى ما لدينا من مفاهيم عن التوازن، كما هو واضح في منحوتات ريتشارد سيرا المبكرة (انظر الشكل ١٥-١).
fig50
شكل ١٥-١: توضِّح هذه المنحوتات المبكرة لريتشارد سيرا أن الفن يكون أحيانًا أكثر إثارةً عندما يبدو غير متوازن بعض الشيء. (حقوق الطبع والنشر لعام ٢٠١١ محفوظة لريتشارد سيرا/جمعية حقوق الفنانين بنيويورك.)
يُعتبَر التناظر كذلك عادةً عنصرًا ضروريًّا في الجمال، ويعكس الفن والهندسة المعمارية في أحيان كثيرة النظام الذي ينتج عنه. يتمتع الشيء بالتناظر عندما يكون بوسعك تغييرُه — مثلًا عن طريق تدويره، أو عكسه في المرآة، أو تبديل القطع المكوِّنة له — على نحو يتعذَّر معه تمييز النظام الناتج عن النظام الأولي. ولعل الذي يتميَّز به التناظُر أحد أسباب اتسام الرموز الدينية به، ومن الأمثلة على ذلك الصليبُ في المسيحية، ونجمةُ داوود في اليهودية، وعجلةُ دارما في البوذية، والهلالُ في الإسلام؛ والموضحة جميعها في الشكل ١٥-٢.
fig51
شكل ١٥-٢: تجسِّد الرموز الدينية عادةً نماذج متناظرة.

يتوسَّع الفن الإسلامي في هذا الشأن؛ إذ يتميَّز هذا الفن، الذي يحرم التمثيل ويعتمد على الأشكال الهندسية، باستخدامه للتناظر. ومن الأمثلة الرائعة على ذلك ضريح تاج محل في الهند، فلم أتحدَّث مع أي شخص سبقت له زيارة هذا الصرح ولم تأسره روعة التنظيم والأشكال والتناظر به. أما قصر الحمراء الموجود في جنوب إسبانيا، والذي يعكس الفن المغربي وما يميِّزه من نماذج تناظُر مذهلة، فلعله أحد أجمل المباني التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا.

يعكس الفن الحديث، ومن أمثلته أعمال إلزوورث كيلي أو بريدجيت رايلي، التناظُرَ على نحو هندسي واضح. استغلَّ كذلك الفن والعمارة القوطية والفن والعمارة في عصر النهضة (انظر مثلًا كنيسةَ شارتر وسقفَ كنيسة سيستين) التناظرَ بإتقان وإجادة (انظر الشكل ١٥-٣).
fig52
شكل ١٥-٣: يجسد الفن المعماري لكلٍّ من كاتدرائية شارتر وسقف كنيسة سيستين مفهوم التناظر.
ومع ذلك، فإن الفن يكون عادةً في أبهى صوره عندما لا يكون تام التناظر. فيتميز الفن الياباني على سبيل المثال بأناقته، لكنه يشتهر في الوقت نفسه بمخالفته الصريحة لمفهوم التناظُرِ، وتتسم الشبكات الحريرية واللوحات اليابانية بتوجيهها الواضح لِعَين المُشاهِد إلى جميع أنحاء اللوحة، كما هو موضَّح في الشكل ١٥-٤.
fig53
شكل ١٥-٤: يُعَدُّ عدم التناظر أحد أسباب جمال الفن الياباني.

إن البساطة من المعايير الأخرى التي تساعد أحيانًا في تقييم الجمال، وتنبع هذه البساطة أحيانًا من التناظرات، لكن النظام الأساسي لها يمكن أن يتواجَد حتى في غياب التناظر الواضح. على سبيل المثال، أعمال جاكسون بولوك الفنية تتسم ببساطة جوهرية تكمن في كثافة الألوان، رغم أنها قد تبدو للوهلة الأولى فوضوية. فمع أن لطخات الألوان الفردية تبدو عشوائية تمامًا، فإن أشهر أعمال هذه الفنان وأكثرها نجاحًا هي تلك التي تتسم بكثافة متجانسة إلى حدٍّ ما لكلِّ لون في العمل.

البساطة في الفن يمكن أن تكون خادعة في كثير من الأحيان. فذات مرة، حاولتُ رسم بعض من أكثر أعمال الفنان ماتيس بساطةً، وهي التي رسمها حين كان شيخًا وَهِنًا، لكنني عندما حاولت تقليدها، أدركت أنها لم تكن بهذا القدر من البساطة الذي تصوَّرْتُه، على الأقل بالنسبة ليدَيَّ غير الماهرتين في الرسم. إن العناصر البسيطة يمكن أن تجسِّد تنظيمًا أكبر مما نلاحظه ظاهريًّا.

وفي كافة الأحوال، لا يقتصر وجود الجمال على الأشكال الأساسية البسيطة فحسب، فبعض الأعمال الفنية التي تنال إعجاب الجماهير، مثل أعمال رفائيل وتيتيان، تتضمن أقمشة رسم معقَّدَة غنية بالعديد من العناصر الداخلية. ففي النهاية، البساطة التامة يمكن أن تكون مملة للغاية. وعندما نشاهد الفن، فإننا نفضِّل رؤية شيء مثير للاهتمام يجذب أعيننا؛ فنحن نريد شيئًا بسيطًا بالقدر الذي يسمح لنا بمتابعته، شريطةَ ألَّا يصل في بساطته إلى حدِّ الملل. وهذه على ما يبدو هي السمة المميزة لبنية العالم الذي نعيش فيه أيضًا.

الجمال في العلم

إن معايير الجمال يصعب تحديدها؛ ففي العلم — كما هو الحال في الفن — ثمة موضوعات مشتركة، لكن ما من وجود للأفكار المطلقة. وعلى الرغم من أن معايير الجمال في العلم قد تكون غير محددة على نحو واضح، فإنها مفيدة وكلية الوجود. فتعمل هذه المعايير على إرشادنا في أبحاثنا، حتى إذا لم تضمن لنا النجاح أو الوصول للحقيقة.

وتتشابه معايير الجمال التي نطبِّقها على العلم مع المعايير التي تناولناها فيما سبق فيما يتعلق بالفن. فتلعب التناظرات، بلا ريب، دورًا مهمًّا في هذا الشأن؛ إذ تساعدنا في تنظيم حساباتنا وتربط عادةً الظواهر المتباينة. المثير في الأمر أن هذه التناظرات — كما هو الحال في الفن — تكون عادةً تقريبية فقط، فأفضل الأوصاف العلمية تتحرَّى عادةً الأناقة الموجودة في النظريات التي تتسم بالتناظر، لكنها تشتمل في الوقت نفسه على كسر لهذا التناظر، وهذا الكسر ضروري للتوصُّل إلى تنبؤات بشأن عالمنا؛ فكسر التناظُر يثري الأفكار التي تشملها ويؤدي إلى مزيد من القدرة التفسيرية. وكما هو الحال عادةً مع الفن، يمكن للنظريات التي تضم كسرًا للتناظر أن تكون أكثر جمالًا وإثارةً للاهتمام من تلك التي تتسم بتناظر مثالي.

وخير مثال على ذلك آلية هيجز المسئولة عن كتل الجسيمات الأولية. تفسِّر هذه الآلية — مثلما سنوضِّح في الفصل التالي — على نحو بليغ كيف يمكن للتناظرات المترابطة بفعل القوة الضعيفة أن تنكسر بقدر ما. إننا لم نكتشف بعدُ بوزون هيجز — ذلك الجسيم الذي سيقدِّم لنا دليلًا حاسمًا على صحة هذه الفكرة — لكن الفكرة جميلة للغاية، وتتوافق على نحو فريد مع المعايير التي تتطلبها النظرية والتجارب على حدٍّ سواء، الأمر الذي يدفع معظم الفيزيائيين للإيمان بأنها تتحقق في الطبيعة.

تُعَدُّ البساطة كذلك من المعايير المهمة غير الموضوعية لدى الفيزيائيين النظريين، فلدينا إيمان راسخ بأن العناصر البسيطة هي أساس الظواهر المعقَّدَة التي نراها، والبحث عن هذه العناصر الأساسية البسيطة التي يتألَّف منها الواقع بأسره أو يشبهها بدأ منذ عهود قديمة. ففي اليونان القديمة، تصوَّرَ أفلاطون وجود هيئات مثالية؛ أشكال هندسية وكائنات نموذجية ليست الأجسام الموجودة على الأرض سوى صور تقريبية لها فقط. آمَن أرسطو كذلك بالهيئات المثالية، لكنه رأى أن هذه الهيئات التي تشبهها الأجسام المادية لن تظهر لنا إلا عن طريق الملاحظة. تفترض كذلك الأديان عادةً حالة أكثر مثالية أو توحُّدًا حُرِم منها الواقع، وإن ظلت مرتبطة به على نحو ما، حتى قصة هبوط آدم من الجنة تفترض جدلًا وجود عالم مثالي سابق للعالم الذي نعيش فيه. ورغم أن الأسئلة والأساليب التي تتناولها الفيزياء الحديثة مختلفة كليةً عن تلك التي تناولها أسلافنا، يسعى العديد من الفيزيائيين كذلك إلى كونٍ أبسط، ليس من الناحية الدينية أو الفلسفية، وإنما من حيث المكونات الأساسية التي يتألَّف منها عالمنا.

والبحث عن الحقيقة العلمية الجوهرية يتضمن عادةً بحثًا عن عناصر بسيطة يمكننا استخدامها في تشكيل الظواهر المعقَّدَة والثرية التي نلاحظها. ينطوي هذا البحث غالبًا على محاولة للتعرُّف على المبادئ التنظيمية أو النماذج ذات المعنى، ولا يتوقع أغلب العلماء احتمال صحة اقتراحٍ ما إلا عن طريق الإدراك الدقيق للأفكار البسيطة الجميلة. ونقطة البدء التي تتضمن أقل عدد من المدخلات تكون أكثر نفعًا؛ لأنها تَعِدُ بأعلى مستوًى من القدرة التنبُّئية. وعندما يدرس فيزيائيو الجسيمات الاقتراحاتِ المتعلقةَ بما يمكن أن يمثِّل أساس النموذج القياسي، يصيبهم الشك عادةً عندما يصبح تحقُّقُ فكرةٍ ما مزعجًا للغاية.

ومرة أخرى، كما هو الحال مع الفن، يمكن للنظريات الفيزيائية أن تكون بسيطة في حدِّ ذاتها، لكنها قد تكون تراكيب معقَّدَة مكوَّنَة من عناصر بسيطة ويمكن التنبؤ بها. والنتيجة النهائية ليست بالضرورة بسيطة، حتى عندما تكون المكونات الأولية — بل ربما القواعد أيضًا — كذلك.

وأبعد ما يمكن أن تصل إليه مثل هذه المحاولات هو البحث عن نظرية جامعة تحتوي فقط على عدد من العناصر البسيطة التي تخضع لمجموعة صغيرة من القواعد. هذا سعي طموح، وربما يصفه البعض بالجرأة، لكن ثمة عقبة جلية تَحُول دون وصولنا إلى نظرية أنيقة تضع في الاعتبار كافة الملاحظات؛ أَلَا وهي أن العالم من حولنا لا يعكس سوى جزء فقط من البساطة التي ينبغي لهذه النظرية تجسيدها. والنظرية الموحدة، رغم بساطتها وأناقتها، لا بد أن تتسم بقدر كافٍ من البنية كي تتفق مع الملاحظات. لكم نرغب في الإيمان بوجود نظرية واحدة بسيطة وأنيقة ويمكن التنبؤ بها تقوم على أساسها الفيزياء بأسرها، لكن الكون ليس بهذا القدر من النقاء والبساطة والتنظيم الذي تتسم به النظريات. وحتى في ظل وجود وصف موحد أساسي، سيستلزم الأمر عددًا هائلًا من الأبحاث لربط هذا الوصف بالظواهر المعقَّدَة المذهلة التي نشهدها في عالمنا.

يمكننا بالطبع التوسُّع أكثر في هذه الأوصاف المتعلقة بالجمال أو البساطة، وثمة مزحة يتداولها الطلاب عادةً في فصول العلوم أو الرياضيات تتعلق بالأساتذة الذين يشيرون مرارًا وتكرارًا للظواهر المفهومة جيدًا على أنها «تافهة»، بغض النظر عن مدى تعقيدها. فهؤلاء الأساتذة يعلمون جيدًا الإجابات المتعلقة بهذه الظواهر، وما تقوم عليه من منطق وعناصر أساسية، لكن ذلك لا ينطبق على الطلاب الذين يجلسون أمامهم في الفصل الدراسي. ويمكن أن تصير هذه المشكلات تافهةً في نظرهم أيضًا، بعد تحليلهم لها إلى عناصر بسيطة، لكنهم في حاجة أولًا إلى اكتشاف كيفية فعل ذلك.

بناء النماذج

في النهاية، وكما هو الحال في الحياة، لا يوجد في العلم معيار واحد فقط للجمال، فنحن لا نملك سوى بعض البديهيات — إلى جانب القيود التجريبية — التي نستخدمها كعناصر إرشادية في بحثنا عن المعرفة. والجمال — سواء في الفن أو العلم — قد يشتمل على بعض الجوانب الموضوعية، لكن أي تطبيق له يتضمن غالبًا تذوُّقًا ونزعة ذاتية.

لكن ثمةَّ فارقًا أساسيًّا يميِّز العلماء عن الفنانين في هذا الشأن. ففي العلم، تكون الكلمة الأخيرة للتجارب فيما يتعلَّق بتحديد الأفكار الصحيحة، هذا إن كانت إحداها صحيحة على الإطلاق. وقد تستغل التطورات العلمية المعايير الجمالية، لكن التقدُّم العلمي الحقيقي يتطلَّب أيضًا استيعابًا للبيانات، والتنبؤ بها وتحليلها. فمهما بدت أي نظرية جميلة، يظل خطؤها أمرًا محتملًا، وفي هذه الحالة لا بد من طرحها جانبًا. وحتى أكثر النظريات إرضاءً للعقل، لا بد من نبذها إذا لم تكن تنطبق على العالم الحقيقي.

مع ذلك، وقبل أن يصل الفيزيائيون إلى الطاقات العالية أو المؤشرات البعيدة اللازمة لتحديد الأوصاف الفيزيائية الصحيحة، لا يكون أمامهم خيار سوى توظيف الاعتبارات الجمالية والنظرية في تخمين ما يتجاوز حدود النموذج القياسي. وأثناء هذه المرحلة المؤقتة، وفي ظل امتلاك قدر محدود من البيانات، يعتمد الفيزيائيون على الألغاز الموجودة بالفعل، بالإضافة إلى معايير التذوُّق والتنظيم، في تحديد الوجهة المستقبلية لهم.

في الأحوال المثالية، يود العلماء التمكُّن من العمل على نتائج مجموعة متنوعة من الاحتمالات، و«بناء النماذج» هو الأسلوب الذي يتبعونه من أجل فعل ذلك. على سبيل المثال، أعمل أنا وزملائي على استكشاف العديد من نماذج فيزياء الجسيمات التي تمثِّل تخمينات للنظريات الفيزيائية التي قد يقوم عليها النموذج القياسي، ونهدف من هذا العمل إلى التوصُّل للمبادئ البسيطة التي تنظم الظواهر المعقدة التي تظهر في نطاقات أكثر وضوحًا لنتمكَّنَ بذلك من حلِّ الألغاز الحالية التي تكتنف فهمنا.

ويأخذ واضعو النماذج مفهوم النظرية الفعَّالة، والرغبة في فهم النطاقات الأصغر حجمًا، على محمل الجد. فنحن نتبع منهجًا «تصاعديًّا» يبدأ بما نعرفه — سواء من الظواهر التي يمكننا تفسيرها أو تلك التي نجدها محيرة — ثم نحاول استنتاج النموذج الأساسي الذي يفسِّر العلاقات بين خصائص الجسيمات الأولية وتفاعلاتها.

قد يثير مصطلح «نموذج» في الذهن بنية مادية، مثل الهياكل المصغرة التي تُستخدَم لعرض الهندسة المعمارية لبناءٍ ما واستكشافها، ويمكن أن يثير في الذهن كذلك عملياتِ المحاكاة الرقمية على الكمبيوتر التي تحسب نتائج مبادئ فيزيائية معينة، مثل النمذجة المناخية أو نماذج المناخ المستخدمة في دراسة انتشار الأمراض المعدية.

أما في فيزياء الجسيمات، فتختلف النمذجة عن هذين التعريفين، لكن ثمة عاملًا مشتركًا بين نماذج الجسيمات والعارضين في المجلات أو عروض الأزياء؛ فكلاهما يعرضان أفكارًا جديدة إبداعية. ينجذب الناس في البداية للأفكار الجميلة، أو على الأقل للأفكار الأكثر غرابةً وإثارةً للدهشة، لكنهم في النهاية ينجذبون للواعدة منها بحق.

وغني عن القول أنَّ أوْجه التشابه تنتهي عند هذا الحد.

فنماذج فيزياء الجسيمات هي تخمينات لما يمكن أن تقوم عليه النظريات التي اختُبِرت تنبؤاتها واستوعبتها عقولنا بالفعل، والمعايير الجمالية مهمة في تحديد الأفكار الجديرة بالمتابعة، لكن الاتساق والقابلية للاختبار من المعايير المهمة كذلك في تحديد هذه الأفكار. والنماذج تميِّز المبادئ والمكونات الفيزيائية المختلفة الأساسية التي تسري على مسافات وأحجام أصغر من تلك التي تم اختبارها بالفعل تجريبيًّا. وباستخدام هذه النماذج، يمكننا تحديد جوهر الافتراضات النظرية المختلفة وعواقبها.

إن النماذج وسيلة لاستخلاص الاستنتاجات مما هو معلوم بالفعل بهدف اقتراح نظريات أكثر شموليةً وأكثر قدرةً على التفسير، وتكون هذه الاقتراحات نموذجية بحيث يمكن إثبات صحتها أو عدم صحتها بمجرد أن تسمح لنا التجارب بالتوغُّل إلى مسافات أصغر أو طاقات أعلى، واختبار الفرضيات والتنبؤات التي تقوم عليها.

جدير بالذكر هنا أن «النظرية» تختلف عن «النموذج»، ولا أقصد هنا بمصطلح «النظرية» التكهنات المحضة، مثلما يشير الاستخدام الدارج لها. فالجسيمات المعروفة والقوانين الفيزيائية المعلومة التي تخضع لها هذه الجسيمات هي مكونات لنظرية ما، والمقصود بالمكونات هنا مجموعة محددة من العناصر والمبادئ مصحوبة بقواعد ومعادلات تتنبَّأ بكيفية تفاعل هذه العناصر.

لكن حتى عندما نستوعب نظرية ما وآثارها استيعابًا كاملًا، يمكن تطبيق هذه النظرية بطرق شتى، وهذه الطرق يكون لها نتائج مادية متباينة على أرض الواقع. والنماذج وسيلة لعرض هذه الاحتمالات، ونحن نجمع بين العناصر والمبادئ الفيزيائية المعلومة في أوصاف محتملة للواقع.

إذا نظرت مثلًا إلى النظرية على أنها قالب ببرنامج باوربوينت، فسيكون النموذج هو العرض التقديمي الذي ستقدِّمه باستخدام هذا البرنامج. تسمح النظرية بالصور المتحركة، أما النموذج فلا يتضمن سوى الصور التي تحتاج إليها لعرض فكرتك. وستنص النظرية على ضرورة وجود عنوان وبعض الرموز النقطية، أما النموذج فسيتضمن بالضبط ما ترغب في التعبير عنه وسينطبق — إذا حالَفَك الحظ — جيدًا على المهمة التي تضطلع بتنفيذها.

لقد تغيَّرَتْ طبيعة بناء النماذج في الفيزياء وفقًا للأسئلة التي حاوَلَ الفيزيائيون الإجابة عنها، فتتضمن الفيزياء دائمًا محاولة التنبؤ بأكبر عدد من الكميات الفيزيائية من أقل عدد من الافتراضات، لكن ذلك لا يعني أنه يمكننا التعرف على النظريات الجوهرية على الفور؛ فالتطورات في الفيزياء تحدث غالبًا حتى قبل استيعاب كل شيء على المستوى الأكثر جوهرية.

على سبيل المثال، في القرن التاسع عشر، استوعب الفيزيائيون مفهومَيِ الحرارة والضغط، ووظَّفوهما في الديناميكا الحرارية وتصميم المحركات قبل أن يتمكَّنَ أحدٌ من تفسير السبب وراء هاتين الفكرتين على نحو أكثر دقةً وجوهريةً بفترة طويلة. كان السبب في هذه الحالة هو الحركة العشوائية لعدد كبير من الذرات والجزيئات. وفي مطلع القرن العشرين، حاوَلَ العلماء بناء نماذج لتفسير الكتلة من حيث الطاقة الكهرومغناطيسية، ورغم أن هذه النماذج قامت على معتقدات راسخة مشتركة بشأن كيفية عمل هذه الأنظمة، فقد أثبتت هذه النماذج خطأ هذه المعتقدات. وبعد ذلك بفترة قصيرة، صنع نيلز بور نموذجًا للذرة لتفسير الأطياف الانبعاثية التي لُوحِظت، لكن سرعان ما حلَّتْ نظرية ميكانيكا الكم الأكثر شموليةً محلَّ هذا النموذج، وهي النظرية التي استوعبت نظرية بور الأساسية، لكن مع تحسينها.

يسعى واضعو النماذج حاليًّا إلى تحديد ما يتجاوز إطار النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات. ورغم الإشارة إلى هذا النموذج حاليًّا بالنموذج القياسي نظرًا لاختباره واستيعابه جيدًا، فقد كان تخمينًا للكيفية التي قد تتلاءم بها الملاحظات المعروفة معًا وقت تطوُّرها. مع ذلك، ونظرًا لأن النموذج القياسي انطوى على تنبؤات تتعلَّق بكيفية اختبار الأسس التي يقوم عليها، تمكَّنَتِ التجارب في النهاية من إثبات صحته.

يقدِّم النموذج القياسي تفسيرات صحيحة حتى يومنا هذا لجميع الملاحظات، لكن الفيزيائيين على يقين بعدم اكتمال هذا النموذج؛ فهو — على نحو أكثر تحديدًا — لا يجيب عن السؤال المتعلق بالجسيمات والتفاعلات المحدَّدة — عناصر قطاع هيجز — المسئولة عن كتل الجسيمات الأولية، والسبب وراء امتلاك الجسيمات الموجودة في هذا القطاع للكتل المحددة التي تمتلكها. والنماذج التي تتجاوز حدود النموذج القياسي توضِّح العلاقات والارتباطات المحتملة التي قد تتعلَّق بهذه الأسئلة، وهي تشتمل على خيارات محدَّدة للافتراضات الأساسية والمفاهيم الفيزيائية، بالإضافة إلى نطاقات الطاقة أو المسافة التي قد تسري عليها.

ينطوي قدر كبير من أبحاثي الحالية على التفكير في نماذج جديدة، بالإضافة إلى الاستراتيجيات البحثية الحديثة أو الأكثر تفصيلًا التي يمكن إغفال الظواهر الجديدة في حال عدم اتباعها؛ فأفكِّر في النماذج التي وضعتُها، لكن مع الوضع في الاعتبار جميع الاحتمالات الأخرى أيضًا. يعرف فيزيائيو الجسيمات أنواع العناصر والقواعد التي قد تلعب دورًا فيما يدرسونه، مثل الجسيمات والقوى والتفاعلات المسموح بها، لكنهم لا يعرفون بالضبط أيًّا من هذه المكونات ينطبق على الواقع. ومن خلال تطبيق المكونات النظرية المعروفة، نحاوِل التعرُّف على الأفكار الأساسية البسيطة المحتملة التي تدخل فيما يصير في النهاية نظريةً معقَّدَة للغاية.

على القدر نفسه من الأهمية، تقدِّم النماذج أهدافًا للاستكشاف التجريبي، واقتراحات حول النهج الذي ستتبعه الجسيمات في إطار مسافات أصغر مما درسه الفيزيائيون تجريبيًّا حتى الآن. وتقدِّم القياسات أدلة للمساعدة في التمييز بين العناصر المرشحة المتنافسة. فنحن لا نعلم النظرية الأساسية الحديثة حتى الآن، لكن يمكننا مع ذلك تحديد الانحرافات الممكنة عن النموذج القياسي، ومن خلال التفكير في النماذج المرشحة للواقع الأساسي ونتائجها، يمكننا التنبؤ بما من المفترض أن يكشفه مصادم الهادرونات الكبير في حال ثبتَتْ صحة النماذج. واستخدامنا للنماذج يثبت الطبيعة التنبُّئية لأفكارنا، ويكشف عن العدد الهائل من الاحتمالات التي قد تتفق مع البيانات الموجودة بالفعل، ويفسِّر الظواهر التي لا تزال محيِّرَة. بعض النماذج فقط ستثبت صحتها، لكن بناء النماذج وفهمها هو أفضل وسيلة لوصف الخيارات وبناء قدر احتياطي من المكونات المثيرة للاهتمام.

يساعد استكشاف النماذج ونتائجها المُفصَّلة في تحديد ما ينبغي أن تبحث عنه التجارب، أيًّا كان؛ فالنماذج توضِّح للفيزيائيين التجريبيين الملامحَ المثيرةَ للاهتمام التي تتَّصِف بها النظريات الفيزيائية الحديثة ليتمكَّنوا من اختبار ما إذا كان واضعوا النماذج قد تعرَّفوا على نحو صحيح على العناصر أو المبادئ الفيزيائية التي توجِّه العلاقات والارتباطات الخاصة بالنظام أم لا. وأي نموذج يتضمن قوانين فيزيائية جديدة تنطبق على الطاقات القابلة للقياس يجب أن يتنبَّأ بالجسيمات الجديدة والعلاقات الجديدة بينها. وملاحظة أي الجسيمات ينتج عن التصادمات، وما يجب أن تتسم به من خصائص، تساعد في تحديد نوع الجسيمات الموجودة وكتلها والتفاعلات بينها. والعثور على جسيمات جديدة أو تفاعلات القياس المختلفة يؤكِّد على النماذج المقترحة أو يستبعدها، ويمهِّد الطريق لنماذج أفضل.

في وجود القدر الكافي من البيانات، تحدِّد التجارب النماذج الأساسية الصحيحة، على الأقل على مستوى الدقة والمسافة والطاقة الذي يمكننا دراسته. وما نأمل فيه هو أن تكون قواعد النظرية الأساسية بسيطة بما يكفي للسماح لنا باستكشاف أثر القوانين الفيزيائية ذات الصلة، وحسابها في ظل أصغر نطاقات المسافات التي يمكننا الوصول إليها في طاقات مصادم الهادرونات الكبير.

ثمة مناقشات مثيرة تدور بين الفيزيائيين بشأن أفضل النماذج التي ينبغي دراستها وأكثر الطرق نفعًا لتضمينها في الأبحاث التجريبية. فأجلس عادةً مع زملائي من الفيزيائيين التجريبيين وأتناقَش معهم حول أفضل كيفية لاستخدام النماذج لإرشادنا في أبحاثنا، ونطرح أسئلةً من قبيل: هل النقاط القياسية ذات المؤشرات المحددة في نماذج بعينها عناصرُ دقيقةُ التحديدِ؟ هل هناك سبيل أفضل لتغطية كافة الاحتمالات؟

تتسم تجارب مصادم الهادرونات الكبير بصعوبتها الشديدة؛ فدون أهداف بحثية محدَّدة، سوف يغلب النموذج القياسي على النتائج. فقد صُمِمت التجارب وطُوِّرت مع وضع النماذج الحالية في الاعتبار، لكنها تبحث عن احتمالات أكثر عموميةً أيضًا. ومن المهم أن يعي الفيزيائيون التجريبيون مجموعةً كبيرةً من النماذج التي تشتمل على العلامات المميزة الجديدة المحتملة التي قد تظهر؛ فلا يرغب أحد في أن تتسبَّب نماذج بعينها في انحياز الأبحاث انحيازًا شديدًا.

يعمل الفيزيائيون النظريون والتجريبيون جاهدين للتأكُّد من عدم إغفال أي شيء. ولا يمكننا معرفة أي الاقتراحات المختلفة صحيح — هذا إن كان أحدها صحيحًا على الإطلاق — حتى تتأكَّد صحته تجريبيًّا. والنماذج المقترحة قد تكون هي الوصف الصحيح للواقع، لكن حتى لو لم تكن كذلك، فإنها تقترح استراتيجيات بحثية مثيرة للاهتمام توضِّح لنا السمات المميزة للمادة التي لم تُكتشَف بعدُ. ونحن نأمل في أن يقدِّم لنا مصادم الهادرونات الكبير الإجابات — أيًّا كانت — ونودُّ أن نكون متأهِّبين لذلك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤