الفصل العشرون

الضخم في نظرك ضئيل في نظري

أثناء عملي أستاذةً في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، نفدت المكاتب المتاحة في القسم الموجود في الطابق الثالث من المعهد الذي كان يشغله آنذاك فيزيائيو الجسيمات، فانتقلتُ إلى المكتب المفتوح المجاور لمكتب آلان جوث في الطابق الثاني الذي ضمَّ آنذاك الفيزيائيين النظريين في مجالَيْ علم الكونيات والفلك. رغم أن آلان بدأ مسيرته المهنية كعالم في مجال فيزياء الجسيمات، فإنه يشتهر الآن بكونه أحد أفضل علماء الكونيات، وفي الوقت الذي نُقِل فيه مكتبي إلى جواره، كنت قد اكتشفت بالفعل بعض الروابط بين فيزياء الجسيمات وعلم الكونيات، لكن لا شك أنه من الأيسر بكثير اكتشاف المزيد في هذا الشأن عندما يشارِكك مَن يجاورك في مكان العمل الاهتمامات نفسها، فضلًا عن أن يكون بالقدر نفسه من الفوضوية التي تتسم بها؛ ما يجعلك تشعر بالارتياح في المكان كما لو كنتَ في منزلك.

لم يقتصر ابتعاد العديد من فيزيائيي الجسيمات عن مجالهم الأصلي على الانتقال من مكتب لآخَر فحسب، وإنما هجر الكثيرون منهم فيزياء الجسيمات قاصدين مجالات بحثية أخرى عديدة. فنجد مثلًا أن والي جيلبرت — أحد مؤسِّسي شركة بيوجن — بدأ حياته كفيزيائي جسيمات، لكنه ترك المجال ليدرس علم الأحياء ويحصل على جائزة نوبل بفضل أحد أبحاثه في مجال الكيمياء، ومنذ ذلك الحين، سار على خطاه كثيرون. من ناحية أخرى، ترك الكثير من أصدقائي في مرحلة الدراسات العليا فيزياء الجسيمات ليعملوا «محلِّلين كمِّيِّينَ للأوراق المالية» ببورصة وول ستريت، حيث يراهنون على التغييرات التي ستطرأ على الأسواق في المستقبل. وقد أصاب هؤلاء في اختيار الوقت المناسب لاتخاذ هذه الخطوة؛ لأن الأدوات المالية التي تحكم هذه المراهنات كانت في طور التطوير آنذاك. وعند الانتقال إلى علم الأحياء، نقل فيزيائيو الجسيمات معهم طرق التفكير وتنظيم المشكلات، بينما نقلوا إلى عالم الأموال المناهج والمعادلات.

لكن لا ريب أن التداخل بين فيزياء الجسيمات وعلم الكونيات أكثر عمقًا وثراءً بكثير من أيٍّ من صور التداخل الموضحة فيما سبق؛ إذ كشف الفحص الدقيق للكون على مختلف المستويات عن الكثير من الروابط بين الجسيمات الأولية في أصغر النطاقات والكون نفسه في أكبر النطاقات. ففي النهاية، الكون — بطبيعته — فريد ويضم كل شيء بداخله. وفيزيائيو الجسيمات الذين يتجهون في بحثهم نحو الداخل، يبحثون عن ماهية المادة الأساسية التي توجد في جوهر المادة، وعلماء الكونيات الذين يتجهون في بحثهم نحو الخارج، يدرسون كيفية تطوُّر ما يوجد في الخارج، أيًّا كانت ماهيته. ويهتم علماء الكونيات وفيزيائيو الجسيمات على حدٍّ سواء بالألغاز التي ينطوي عليها الكون، وأهمها العناصر التي يتألَّف منها.

كلتا الفئتين من الباحثين تَعمِدان إلى دراسة البنية الأساسية وتوظِّفان القوانين الفيزيائية الرئيسية، وينبغي لكل فئة منهما الأخذ في الاعتبار النتائج التي تتوصَّل إليها الفئة الأخرى. فمحتوى الكون الذي يدرسه فيزيائيو الجسيمات موضوع بحثي مهم لعلماء الكونيات أيضًا، هذا فضلًا عن أن قوانين الطبيعة التي تشمل النسبية العامة وفيزياء الجسيمات توضِّح تطوُّر الكون، الأمر الذي من المفترض أن تفعله هذه القوانين إذا كانت هاتان النظريتان صحيحتين وتنطبقان على نظام كوني واحد. في الوقت نفسه، يفرض تطور الكون قيودًا على الخصائص التي يمكن أن تتصف بها المادة كي لا يحدث تعارُض مع التاريخ المرصود للكون. وقد كان الكون — من بعض النواحي — أول معجِّل للجسيمات وأعتاها؛ فقد كانت الطاقات ودرجات الحرارة عالية للغاية في المراحل المبكرة من تطوُّر الكون، وتهدف الطاقات العالية التي تحقِّقها المعجِّلات حاليًّا إلى إعادة تمثيل بعض هذه الظروف الآن على سطح الأرض.

والانتباه مؤخرًا لهذا التقارب في الاهتمامات بين علم الكونيات وفيزياء الجسيمات أدَّى إلى ظهور الكثير من الأبحاث المثمرة والوصول إلى مدارك مهمة، الأمر الذي نطمح في استمراره. ويستعرض هذا الفصل بعض الأسئلة المهمة التي لم تُحَل بعدُ في علم الكونيات، والتي يدرسها كلٌّ من علماء الكونيات وفيزيائيي الجسيمات. وتشمل الجوانب المتداخلة بين العلمين كلًّا من التضخم الكوني، والمادة المظلمة، والطاقة المظلمة. ولن نقتصر في تناولنا على الجوانب التي نفهمها في كلٍّ من هذه الظواهر، بل سنتناول أيضًا الجوانب التي لا نفهمها؛ لأنها هي الأهم في الأبحاث الحالية.

التضخم الكوني

بالرغم من أنه لا يمكننا الجزم بعدُ بما حدث في اللحظات الأولى من عمر الكون — نظرًا لأننا سنحتاج في هذه الحالة إلى نظرية شاملة تتضمن كلًّا من ميكانيكا الكم والجاذبية — يمكننا التأكيد بقدر معقول من اليقين على أنه في لحظة ما في تلك المرحلة المبكرة من عمر الكون (ربما بعد انقضاء نحو ١٠−٣٩ ثانية من تطوره)، وقعت ظاهرة تُسمَّى «التضخم الكوني».

كان آلان جوث هو أول مَن طرح هذا الاقتراح في عام ١٩٨٠. يشير هذا الاقتراح إلى أن الكون في أولى مراحل عمره انفجَرَ نحو الخارج، والمثير للاهتمام هنا أن آلان كان يحاوِل في البداية حل إحدى مسائل فيزياء الجسيمات التي تتضمن التبعات الكونية لنظريات التوحيد العظمى. ونظرًا لخلفيته العلمية الفيزيائية، اتبع آلان الأساليب المتبعة في نظرية الحقول؛ وهي النظرية التي تجمع ما بين النسبية الخاصة وميكانيكا الكم اللتين يوظفهما فيزيائيو الجسيمات في حساباتهم. لكن انتهى به الحال إلى استقاء نظرية أحدثت ثورة في أفكار علم الكونيات. لكن تظل كيفية حدوث التضخم وتوقيته أمرًا يخضع للتكهنات. بيد أن الكون الذي يمر بمثل هذا التمدد الانفجاري لا بد أن يخلِّف آثارًا واضحة على ذلك، وقد عُثِر على أغلبها بالفعل.

يشير السيناريو القياسي للانفجار العظيم إلى أن الكون في مرحلة مبكرة من عمره نما على نحو هادئ وثابت، على سبيل المثال، عن طريق مضاعفة حجمه مع زيادة عمره بمقدار أربع مرات. لكن في فترة التضخم، تعرَّضَتْ رقعة من السماء لمرحلة من التمدد السريع للغاية بحيث تضاعَفَ حجمها تضاعُفًا أسيًّا؛ فتضاعَفَ حجم الكون في فترة زمنية ثابتة، ثم تضاعَفَ مجدَّدًا في فترة زمنية مماثلة، وظل يتضاعَف ٩٠ مرة متتالية على الأقل حتى انتهت فترة التضخم، وصار الكون بالصقل الذي نراه عليه الآن. هذا التمدد الأسي يعني، على سبيل المثال، أنه عندما يزيد عمر الكون بمعدل ٦٠ مرة، فإن حجمه سيزيد بما يفوق تريليون تريليون تريليون مرة، ولولا التضخم، لكان حجم الكون سيزيد بمقدار ثماني مرات فقط. شكَّل التضخم — بصورة ما — بدء قصة تطوُّر حجم الكون، على الأقل الجزء الذي يمكننا إدراكه من خلال عمليات الرصد. والتمدد التضخمي الأولي الهائل كان من شأنه إذابة المادة والمحتوى الإشعاعي بالكون إلى لاشيءٍ. وبناءً عليه، فإن كل ما نراه اليوم في الكون لا بد أن يكون قد نشأ بعد التضخم مباشَرةً عندما تحوَّلت الطاقة — التي ساعدت على حدوث الانفجار التضخمي — إلى مادة وإشعاع، بعد ذلك استمر نمط تطوُّر الانفجار العظيم التقليدي، وبدأ الكون في التطور إلى البنية الضخمة التي نراها الآن.

يمكننا النظر للانفجار التضخمي على أنه «الانفجار» الذي سبق تطوُّر الكون وفق ما تنص عليه نظرية «الانفجار العظيم» القياسية، وهو ليس في الحقيقة بداية الكون — فنحن لا نعلم ما حدث عندما لعبت الجاذبية الكمية دورًا — وإنما هو بداية مرحلة تطور الانفجار العظيم، مع انخفاض درجة حرارة المادة وتجمعها في النهاية.

تجيب نظرية التضخم كذلك بصورة ما على السؤال التالي: ما السبب وراء وجود مادة الكون؟ تحوَّلت بعض كثافة الطاقة الهائلة التي خُزِّنت أثناء التضخم (بما يتفق مع معادلة ط = ك س٢) إلى مادة، وهذه المادة هي التي تطوَّرَتْ إلى ما نراه الآن، لكن الفيزيائيين — مثلما سأشير في ختام هذا الفصل — لا يزالون يرغبون في معرفة السبب وراء احتواء الكون قدرًا من المادة يفوق المادة المضادة. لكنْ أيًّا كانت الإجابة عن هذا السؤال، تبقى حقيقة أن المادة التي نعرفها بدأت تتطور وفق تنبؤاتِ نظرية الانفجار العظيم بمجرد أن انتهى التضخم الكوني.

وُضِعت نظرية التضخم باتباع الأسلوب التصاعدي، فقدمت هذه النظرية حلولًا لمشكلات مهمة تتعلَّق بنظرية الانفجار العظيم التقليدية، لكن لم يؤمن سوى عدد قليل فقط من العلماء بالنماذج الفعلية لكيفية حدوث هذا التضخم. فما من نظرية مقنعة للطاقة العالية تقضي بحدوث هذا التضخم. ونظرًا للصعوبة الهائلة التي اكتنفت تقديم نموذج معقول، تشكَّكَ الكثير من الفيزيائيين (بما في ذلك علماء جامعة هارفرد حيث كنتُ أعدُّ دراساتي العليا) في صحة الفكرة. على الجانب الآخَر، آمَن الفيزيائي أندري ليند — وهو فيزيائي روسي المولد يعمل الآن في جامعة ستانفورد ومن أول مَن عملوا على موضوع التضخم — بصحة الفكرة ببساطة؛ لأنه ما من أحد قد توصَّلَ إلى حل آخَر للألغاز المتعلقة بحجم الكون وشكله وتجانسه، وهي الألغاز التي تحلها نظرية التضخم.

لقد كان التضخم نموذجًا مثيرًا للاهتمام للعلاقة بين الحقيقة والجمال، أو بالأحرى عدم وجود هذه العلاقة، فرغم أن التمدد الأسي للكون يفسِّر على نحو جميل وجامعٍ العديدَ من الظواهر المتعلِّقة بكيفية بدء الكون، فإن البحث عن نظرية تؤدِّي إلى حدوث هذا التمدد الأسي أسْفَرَ عن العديد من النماذج التي تفتقر إلى الجمال.

ومع ذلك، صار أغلب الفيزيائيين حاليًّا — رغم عدم رضاهم بعدُ عن معظم النماذج — مقتنعين بأن التضخم، أو شيئًا شبيهًا به للغاية، قد حدث؛ فأثبتت الملاحظات التي أُجريت على مدار عدة أعوام ماضية صحة الصورة الكونية للانفجار العظيم الذي سبَقَ التضخُّمَ. ويثق الكثير من الفيزيائيين الآن في أن تطوُّرَ الانفجار العظيم والتضخُّم قد حدَثَا؛ لأن التنبؤات التي تستند إلى هاتين النظريتين قد ثبتَتْ صحتها بدقة مذهلة. لا يزال النموذج الحقيقي للتضخُّم محل دراسة، لكن هناك العديد من الأدلة التي تدعم فكرة التمدد الأسي حاليًّا.

يتعلَّق أحد الأدلة، التي تثبت حدوث التضخم الكوني، بانحرافات إشعاع الخلفية الميكروني الكوني، الذي سبق أن عرضناه في الفصل السابق، عن الاتساق المثالي. يثبت لنا هذا الإشعاع ما هو أكثر بكثير من حدوث الانفجار العظيم، ويكمن جماله في أنه يعكس لمحةً عن الكون في مرحلة مبكرة للغاية من عمره — قبل أن تتكون النجوم — الأمر الذي يسمح لنا بإلقاء نظرة مباشِرة على بدايات بنية الكون عندما كان لا يزال متجانسًا للغاية. تكشف قياسات إشعاع الخلفية الميكروني الكوني أيضًا عن انحرافات بسيطة عن التجانس التام، ويتنبَّأ التضخم بذلك أيضًا لأن التقلبات الميكانيكية الكمية تسبَّبَتْ في انتهاء التضخم في أوقات متباينة بعض الشيء في مناطق مختلفة من الكون؛ ما أدَّى إلى ظهور انحرافات دقيقة عن الاتساق التام. وقد أجرى مسبار ويلكينسون لقياس اختلاف الموجات الميكرونية — يرجع اسمه إلى الفيزيائي ديفيد ويلكينسون الذي كان له الفضل في ريادة المشروع — قياسات مفصلة ميَّزَتِ التنبؤات المتعلقة بالتضخم عن الاحتمالات الأخرى. وعلى الرغم من حقيقة حدوث التضخم منذ فترة طويلة عند درجات حرارة عالية للغاية، تتنبَّأ النظرية القائمة على علم الفلك التضخمي بخصائص إحصائية دقيقة لنمط التنوعات في درجة الحرارة التي لا بد أن تكون ظاهرةً في السماء حاليًّا. وقد قاس المسبار الحالاتِ البسيطةَ من عدم التجانس في درجة الحرارة وكثافة الطاقة بدرجة أكبر من الدقة، وعلى نطاقات زوايا أصغر مقارنةً بأي قياسات سابقة، واتفق النموذج الذي توصَّلَ إليه مع التوقعات المتعلقة بالتضخم.

كان الدليل الرئيسي الذي توصَّلَ إليه المسبار على حدوث التضخم هو قياس تسطُّح الكون التام. أوضح لنا أينشتاين إمكانية أن يكون الفضاء منحنيًا. (انظر الشكل ٢٠-١ للاطلاع على نماذج للأسطح المنحنية الثنائية الأبعاد.) ويعتمد الانحناءُ على كثافة طاقة الكون. وعند طرح فكرة التضخم للمرة الأولى، كان معلومًا أن تسطُّحَ الكون يفوق ما قد تشير إليه التوقعات البسيطة، لكن القياسات كانت أبعد ما يكون عن الدقة التي تسمح لها باختبار صحة التنبؤات المتعلقة بالتضخم، والتي تشير إلى أن الكون سيتمدَّد بدرجة تجعل أي انحناء يستوي. وقد أوضحَتْ قياسات إشعاع الخلفية الميكروني الكوني الآن أن الكونَ مستوٍ حتى مستوًى قدرُه واحدٌ في المائة، الأمر الذي يصعب إدراكه للغاية بدون وجود تفسير مادي يقوم عليه.
fig76
شكل ٢٠-١: يوضِّح هذا الشكل أسطحًا ثنائية الأبعاد أحدها لا يحتوي على أي انحناءات، في حين يحتوي آخَر على انحناء للداخل، والثالث على انحناء للخارج. يمكن للكون أيضًا أن ينحني، لكن يصعب توضيح ذلك بالرسم في الزمكان الرباعي الأبعاد.

كانت فكرة تسطُّح الكون بمنزلة انتصار عظيم لعلم الفلك المؤيد لفكرة التضخم؛ فلو ثبت خطأ فكرة تسطُّح الكون، لاستُبعِدت فكرة التضخم تمامًا. كانت قياسات مسبار ويلكينسون لقياس اختلاف الموجات الميكروني، أيضًا، انتصارًا للعلم. وعندما اقترح الفيزيائيون النظريون في البداية القياسات المفصلة لإشعاع الخلفية الميكروني الكوني التي ستوضِّح لنا في النهاية هندسة الكون، اعتقد الجميع أنها ستكون موضوعًا مثيرًا للمجتمع العلمي، لكن من الصعب للغاية فنيًّا تنفيذها في أي وقت قريب. مع ذلك، في خلال عشر سنوات — وعلى عكس كل التوقعات — أجرى علماء الفلك الرصدي القياسات الضرورية وتوصَّلوا إلى رؤًى مذهلة بشأن كيفية تطوُّر الكون. ولا يزال مسبار ويلكينسون لقياس اختلاف الموجات الميكروني يقدِّم نتائج جديدة عن طريق إجراء قياسات مفصلة للتنوُّع في درجة الحرارة بأرجاء السماء. كما لا يزال القمر الصناعي بلانك، الذي يعمل الآن، يقيس التقلُّبات على نحو دقيق. وقد أثبتَتْ قياسات إشعاع الخلفية الكوني الميكروني أنها مصدر رئيسي للتوصُّل إلى معلومات دقيقة حول الكون في مرحلة مبكرة من عمره، وسوف تستمر في ذلك على الأرجح.

أدَّتْ أيضًا الدراسات التفصيلية التي أُجرِيت مؤخرًا حول الأشعة الكونية المتخلِّفة في أرجاء السماء إلى طفرات هائلة في المعرفة الكمية للكون وتطوره. قدمت كذلك التفاصيلُ المتعلقةُ بهذه الأشعة قدرًا كبيرًا من المعلومات حول المادة والطاقة التي تحيط بنا، وبالإضافة إلى توضيح الظروف التي بدأ فيها الضوء التوجُّه نحونا، يكشف لنا إشعاع الخلفية الميكروني الكوني عن معلومات حول الكون الذي وجب على الضوء الانتقال عبره. فإذا كان الكون قد شهد تغيُّرًا في اﻟ ١٣٫٧٥ مليار سنة الأخيرة، أو كانت طاقته قد تغيَّرَتْ عمَّا هو متوقَّع، فإن النسبية توضِّح لنا أنه كان من المفترض أن يؤثِّر على المسار الذي اتبعه شعاع الضوء؛ ومن ثَمَّ على الخصائص المقيسة للإشعاع الذي تمَّ قياسه. ونظرًا لأن إشعاع الخلفية الميكروني الكوني مسبار حسَّاس لمحتوى الطاقة في الكون حاليًّا، فإنه يقدِّم لنا معلومات حول ما يحتويه الكون. ويشمل ذلك المادة المظلمة والطاقة المظلمة اللتين سننتقل إليهما الآن.

قلب الظلام

إلى جانب نجاح قياسات إشعاع الخلفية الميكروني الكوني في إثبات صحة نظرية التضخم، طرحت هذه القياسات بعض الألغاز المهمة التي يرغب علماء الكونيات والفلك وفيزياء الجسيمات في حلها حاليًّا. يوضِّح لنا التضخم أن الكون يجب أن يكون مسطَّحًا، لكنه لا يخبرنا أين تكمن الآن الطاقة التي تطلَّبَها هذا التسطيح لكي يحدث. مع ذلك، وبناءً على معادلات أينشتاين للنسبية العامة، يمكننا حساب الطاقة اللازمة ليكون الكون مسطحًا اليوم. وقد اتضح أن المادة المرئية المعروفة تشكِّل وحدها أربعة في المائة فحسب من هذه الطاقة.

ثمة لغز آخَر يشير إلى ضرورة وجود شيء ما لم نعرفه من قبلُ، وهو لغز يتعلَّق بضآلة حجم الاضطرابات في الحرارة والكثافة التي قاسها مستكشف إشعاع الخلفية الميكروني الكوني. ففي ظل وجود المادة المرئية وهذه الاضطرابات الضئيلة فقط، ما كان الكون ليظل موجودًا فترة كافية من الوقت تسمح لهذه الاضطرابات بأن تزيد إلى المستوى الذي يسمح بدوره بتكوين البنى الكونية. ومن ثَمَّ، فإن وجود المجرات والعناقيد المجرية في ظلِّ ضآلة الاضطرابات المقيسة يشير إلى مادة لم يسبق لأحد رؤيتها مباشَرةً من قبلُ.

وفي الواقع، كان العلماء على علم بالفعل بضرورة وجود نوع جديد من المادة يُعرَف باسم المادة المظلمة قبل نتائج الإشعاع الميكروني الكوني التي توصَّلَ إليها مستكشف إشعاع الخلفية الميكروني الكوني بفترة طويلة. فقد أشارت ملاحظات أخرى، سنتناولها بعد قليل، إلى ضرورة وجود مادة أخرى غير مرئية، وهذه المادة الغامضة — التي صارت تُعرَف باسم المادة المظلمة — لها تأثير جذبوي، لكنها لا تتفاعل مع الضوء. ونظرًا لأنها لا تمتص الضوء أو ينبعث منها، فهي غير مرئية، أو مظلمة. والمادة المظلمة (سنواصل استخدام هذا المصطلح) لم تعكس سوى عدد قليل فقط من الخصائص المميزة لها، بخلاف تأثيرها الجذبوي وتفاعلها الضعيف للغاية.

أيضًا، يشير التأثير الجذبوي وقياساته إلى وجود شيء ما أكثر غموضًا من المادة المظلمة؛ أَلَا وهو الطاقة المظلمة. تتغلغل هذه الطاقة في كافة أرجاء الكون، لكنها لا تتكتل مثل المادة العادية أو تترقق مع تمددها، وهي أشبه بالطاقة التي سرَّعت من حدوث التضخم، لكن كثافتها اليوم أقل بكثير من الوقت الذي حدث فيه هذا التضخم.

لذا، بالرغم من أننا نعيش الآن عصرًا من النهضة في علم الفلك تطوَّرَتْ فيه النظريات وعمليات الرصد إلى مرحلة يمكن معها اختبارُ صحةِ الأفكار بدقة، فإننا نعيش في الوقت نفسه عصرًا من «الظلام». فنحو ٢٣ في المائة من طاقة الكون تحملها المادة المظلمة، وحوالي ٧٣٪ تحملها الطاقة المظلمة الغامضة، كما هو موضَّح في المخطط الدائري المرفق. (انظر الشكل ٢٠-٢)
fig77
شكل ٢٠-٢: مخطط دائري يوضِّح الكميات النسبية للمادة المرئية، والمادة المظلمة، والطاقة المظلمة التي يتألَّف منها الكون.

آخر مرة أُطلِقَ فيها وصف «مظلم» على أي شيء كانت في العقد الأول من القرن التاسع عشر، عندما اقترح العالم الفرنسي، أوربان جان جوزيف لوفيري، وجود كوكب مظلم غير مرئي، وأطلق عليه اسم «فولكان». كان هدف لوفيري من هذا الاقتراح هو تفسير المسار المميز لكوكب عطارد. وكان لوفيري، برفقة الإنجليزي جون كوش آدامز، قد استنتجا في السابق وجود كوكب نبتون بناءً على آثاره التي تظهر على كوكب أورانوس. لكنه أخطأ فيما يتعلَّق بكوكب عطارد؛ إذ ثبت بعد ذلك أن السبب وراء المسار الغريب لهذا الكوكب أكثر أهمية بكثير من مجرد وجود كوكب آخَر، ولا يمكن الوصول لهذا التفسير إلا باستخدام نظرية النسبية لأينشتاين. فكان أول دليل يثبت صحة نظرية النسبية العامة لأينشتاين هو أنه تمكَّنَ من استخدامها للتنبُّؤ بمدار كوكب عطارد تنبُّؤًا دقيقًا.

ربما يثبت فيما بعد أيضًا أن المادة المظلمة والطاقة المظلمة نتائج لنظريات معلومة. لكن ثمة احتمالًا آخَر في أن يتسبَّب هذان العنصران المفقودان في تغيُّر جذري مماثل في النموذج الفكري للعلماء. والزمن وحده هو الذي سيثبت أيٌّ من هذين الخيارين سيحل مسألتَيِ المادة المظلمة والطاقة المظلمة.

مع ذلك، فإنني أومن بأن المادة المظلمة لها على الأرجح تفسير أكثر كلاسيكيةً، وهو التفسير المُتَّسِق مع القوانين الفيزيائية التي نعرفها الآن. فحتى إذا كانت المادة الجديدة تتبع قوانينَ قوًى مشابهةً للقوانين التي نعرفها، فما الذي يحتم اتباع كلِّ المواد نفسَ نهجِ المادة التي نعرفها؟ بعبارة أدق، لماذا يجب أن تتفاعل جميع المواد مع الضوء؟ إذا كنَّا قد تعلَّمْنا شيئًا من تاريخ العلم، فهو أن الإيمان بما نراه فقط يُعَدُّ نوعًا من قِصَر النظر.

لكن ذلك لا يعبِّر عن وجهة نظر كثيرين، فهم يجدون غموضًا هائلًا في وجود المادة المظلمة، ويتساءلون: كيف يمكن لمعظم المادة — نحو ستة أضعاف كمية المادة المرئية — أن تكون شيئًا لا يمكننا اكتشافه باستخدام التليسكوبات التقليدية؟ وثمة آخَرون تراوِدهم شكوكٌ بعدم صحة فكرة المادة المظلمة برمتها. لكنني، شخصيًّا، أومن بعكس ذلك تمامًا (وإنْ كنتُ أعترف بأن ذلك ليس حال جميع الفيزيائيين)؛ لعل اقتصار المادة على ما نراه فقط بأعيننا فكرة أكثر غموضًا في نظري. فما الذي يحتم امتلاكنا حواسَّ مثالية يمكنها إدراك كل شيء على نحو مباشر؟ مرة أخرى، الدرس الذي علَّمته لنا الفيزياء على مدار قرون عديدة هو أن هناك قدرًا هائلًا من الأمور التي يغفل عنها بصرنا. ومن هذا المنظور، يصير الغامض في الأمر هو: لماذا تمثِّل المادة التي نعرفها ١ / ٦ تحديدًا من طاقة المادة ككل؟ وهي مصادفة واضحة نحاوِل أنا وزملائي حاليًّا فهمها.

نحن نعلم أنه لا بد من وجود شيء ما يتعلق بمواصفات المادة المظلمة، وبالرغم من أننا لا «نرى» هذه المادة فعليًّا، يمكننا اكتشاف أثرها الجذبوي. والسبب وراء علمنا بحتمية وجود هذه المادة هو العدد الكبير من الأدلة القائمة على الرصد التي تشير إلى آثارِ هذه المادة الجاذبة في النظام الكوني. وقد توصَّلْنا إلى الدليل الأول على وجودها من السرعة التي تدور بها النجوم داخل العناقيد المجرية؛ إذ لاحَظَ فريتز زفيكي في عام ١٩٣٣ أن المجرات الموجودة في عناقيد تدور أسرع مما يمكن أن تسمح به الكتلة المرئية لها، ولاحَظَ جون أورت بعد ذلك بفترة وجيزة ظاهرةً مشابهة في مجرة درب التبانة. وصل اقتناع زفيكي باكتشافه إلى حد اقتراح وجود مادة مظلمة لا يمكن لأحد رؤيتها مباشَرةً، لكن لم يكن أي من هاتين الملاحظتين حاسمًا؛ فبدا القياس الخاطئ أو أي صورة أخرى من ديناميكيات المجرات تفسيرًا أكثر إقناعًا لما رصده زفيكي من وجود مادة غير مرئية اصطُنِع وجودها خصوصًا ليعزى إليه التجاذب التثاقلي الإضافي.

في الوقت الذي أجرى فيه زفيكي قياساته، لم تتوفَّر لديه الدقة اللازمة لرؤية النجوم الفردية، لكن فيرا روبين، عالمة الفلك الرصدي، قدَّمَتْ لنا أدلةً أكثر قوةً على وجود المادة المظلمة، فأجرت هذه العالمة بعد زفيكي بفترة طويلة — في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات — قياسات كمية مفصلة للنجوم التي تدور في المجرات. وما بدا في البداية دراسة «مملة» للنجوم وهي تدور في إحدى المجرات — وهي الدراسة التي اهتمت بها فيرا بسبب عدم تناول الأنشطة الفلكية الأخرى لها كثيرًا — صار الدليل الأول القوي على وجود المادة المظلمة في الكون. وتوصَّلت عمليات الرصد التي أجرتها هذه العالمة، برفقة كينت فورد، إلى أدلة قاطعة على صحة الاستنتاج الذي توصَّلَ إليه زفيكي قبل ذلك الحين بسنوات.

ولعلك تتساءَل: كيف يمكن لشخص النظر في التليسكوب ورؤية شيء مظلم؟ والإجابة هي أن هذا الشخص يمكن أن يرى نتائج جاذبية هذا الشيء المظلم. فخصائص أي مجرة، مثل معدل دوران النجوم حولها، تتأثَّر بمقدار المادة التي تحتوي عليها، ومع وجود المادة المرئية فقط، يكون من المتوقَّع ألَّا تتأثَّر النجوم البعيدة عن المجرة بتأثير جاذبية هذه المجرة. لكن ما لوحِظ هو أن النجوم، التي تبعد عشرة أضعاف المسافة التي تبعدها المادة المركزية المضيئة، تدور بنفس سرعة النجوم القريبة من مركز المجرة. ويشير ذلك إلى أن كثافة الكتلة لم تقلَّ مع تزايد المسافة، على الأقل في المسافات التي تبعد عن مركز المجرة بمقدار عشرة أضعاف المسافة التي تبعدها المادة المضيئة. واستنتج علماء الفلك من ذلك أن المكون الأساسي للمجرات هو المادة المظلمة غير المرئية. والمادة المضيئة التي نراها تمثِّل جزءًا ليس بقليل من المجرة، لكن أغلب المجرة غير مرئي، على الأقل بالمعنى المعتاد للكلمة.

تتوفَّر لدينا الآن مجموعة كبيرة من الأدلة الأخرى التي تُثبِت وجود المادة المظلمة، وبعضٌ من أكثر هذه الأدلة وضوحًا مستقًى من تأثير عدسة الجاذبية الموضَّح في الشكل ٢٠-٣. وتأثير عدسة الجاذبية هو ظاهرة تحدث عندما يمر الضوء بجوار جسم ضخم، وحتى إن لم يكن هذا الجسم يبعث ضوءًا، فسيكون له تأثير جذبوي، وهذا التأثير الجذبوي يمكن أن يتسبَّب في انحناء الضوء المنبعث عن جسم غير مظلم خلفه (مثلما نراه من زاوية رؤيتنا). وبما أن الضوء ينحني في اتجاهات مختلفة حسب المسار الذي يسلكه حول الجسم المظلم، ولأننا نتصوَّر دائمًا أن يتَّخِذ الضوء صورةَ خطوط مستقيمة، يمكن لتأثير عدسة الجاذبية أن ينتج صورًا متعددة للجسم الساطع الأصلي في السماء، وهذه الصور المتعددة تتيح لنا «رؤية» الجسم المظلم، أو على الأقل الاستدلال على وجوده وخصائصه عن طريق استنتاج الجاذبية اللازمة لانحناء الضوء المرصود.
fig78
شكل ٢٠-٣: يمكن للضوء الذي يمر بجوار جسم ضخم أن ينحني؛ ما يجعله يبدو من منظور الراصد وكأنه صور متعددة للجسم الأصلي.
ولعل «عنقود الطلقة المجرِّي» الذي تضمن تصادم عنقودين مجرِّيَّيْن (انظر الشكل ٢٠-٤) يُعَدُّ أقوى الأدلة التي توصَّلْنا إليها حتى الآن على أن المادة المظلمة هي السبب المُفسِّر لمثل هذه الظواهر، وليست نظريات الجاذبية المُعدَّلة. فتصادُم هذين العنقودين المجرِّيَّيْن أوضح أنهما يحتويان على نجوم وغاز ومادة مظلمة، والغاز الساخن في العنقود المجري يتفاعَل بقوة بالغة تجعل الغاز يتركَّز في منطقة التصادم المركزية. على الجانب الآخَر، لا تتفاعَل المادة المظلمة، أو على الأقل لا تتفاعَل كثيرًا؛ لذا خرجت هذه المادة من منطقة التصادم. وقد أوضحت قياسات عدسة الجاذبية أن المادة المظلمة انفصلت بالفعل عن الغاز الساخن على النحو نفسه الذي يشير إليه نموذج المادة المظلمة الضعيفة التفاعل والمادة العادية القوية التفاعل.
fig79
شكل ٢٠-٤: يوضِّح «عنقود الطلقة المجري» أن العناقيد المجرية تحتوي على مادة مظلمة، وأن ديناميكيات هذه العناقيد لا يمكن تفسيرها باستخدام قوانين الجاذبية المُعدَّلة. ويرجع ذلك إلى أنه يمكننا رؤية انفصال بين المادة العادية المتفاعلة بقوة — المحصورة في المنتصف عند تصادم العنقودين المجرِّيَّيْن — والمادة المظلمة الأضعف في تفاعلها بكثير من المادة العادية، والتي تُكتشَف باستخدام عدسة الجاذبية، وتخرج عن العنقودين بوضوح.

يقدِّم لنا كذلك إشعاع الخلفية الميكروني الخلفي — المذكور آنفًا — مزيدًا من الأدلة على وجود المادة المظلمة، لكن قياسات هذا الإشعاع، على عكس تأثير عدسة الجاذبية، لا توضِّح لنا أي شيء عن توزيع المادة المظلمة، بل توضح لنا صافي محتوى الطاقة التي تحملها المادة المظلمة، ومدى كِبر نستبها في طاقة الكون ككلٍّ.

توضِّح لنا قياساتُ إشعاع الخلفية الميكروني الكوني الكثيرَ عن المراحل الأولى من عمر الكون، وتقدِّم لنا أيضًا معلوماتٍ مُفصَّلة عن خصائصه. ولا ترجح هذه القياسات صحة فكرة المادة المظلمة فحسب، وإنما تدعم كذلك وجود الطاقة المظلمة؛ فحسبما تشير معادلات أينشتاين في النسبية العامة، لا يمكن للكون أن يكون مسطحًا إلا بتوفُّر الكمية اللازمة من الطاقة. والمادة — حتى مع حساب المادة المظلمة — لا تكفي لتسطح الكون الذي توضِّحه قياسات الكواشف المعلقة في المناطيد وتلك الخاصة بمسبار ويلكينسون لقياس اختلاف الموجات الميكرونية؛ ولذا لا بد من وجود طاقة أخرى، والطاقة المظلمة هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن نعزو إليه تسطُّح الكون؛ حيث لا يحتوي الفضاء الثلاثي الأبعاد على أي منحنى قابِل للقياس، كما أن هذه الطاقة تتفق مع كافة القياسات الأخرى التي أُجرِيت حتى يومنا هذا.

والطاقة المظلمة، التي تحمل أغلب طاقة الكون — نحو ٧٠٪ منها — أكثر غموضًا من المادة المظلمة، والدليل الذي أقنع المجتمع الفيزيائي بوجود هذه الطاقة هو اكتشاف تسارُع تمدُّد الكون حاليًّا، على النحو نفسه الذي حدث أثناء تضخُّمِه في مرحلة مبكرة من عمره، لكن بمعدل أبطأ بكثير. ففي نهاية التسعينيات، فاجَأ فريقان بحثيان مستقلان — وهما «مشروع المستعرات العظمى الفلكي»، و«فريق مستعرات هاي زد» — المجتمعَ الفيزيائيَّ عندما اكتشفَا أن معدل تمدُّد الكون لم يَعُدْ يتباطأ، بل على العكس يتسارع.

وقبل قياسات المستعرات العظمى، كانت هناك بعض العلامات التي تدل على وجود طاقة مفقودة، لكن الدليل على ذلك كان ضعيفًا، والقياسات الدقيقة التي تم إجراؤها في التسعينيات أوضحت أن المستعرات العظمى البعيدة كانت أكثر إعتامًا من المتوقع. ونظرًا لأن هذا النوع من المستعرات له نمط موحد من الانبعاثات يمكن التنبؤ به، فلا يمكن تفسير هذا الإعتام إلا بوجود شيء جديد، وهذا الشيء الجديد يبدو أنه التمدد المتسارع للكون، بمعنى أن الكون يتمدَّد بمعدل أسرع على نحو متزايد.

وهذا التسارع لا يمكن أن ينشأ عن المادة العادية التي يبطئ تجاذبُهَا التثاقلي من تمدُّد الكون. والتفسير الوحيد له هو أن الكون يشهد تضخُّمًا، لكن بمقدار طاقة أقل بكثير من مرحلة التضخُّم التي شهدها في مرحلة مبكرة من عمره، وهذا التسارع يمكن أن ينتج فقط عن شيء ينتهج نهج الثابت الكوني الذي اقترحه أينشتاين، وهو ما عُرِف فيما بعدُ باسم الطاقة المظلمة.

وعلى عكس المادة، تخلف الطاقة المظلمة ضغطًا سلبيًّا على البيئة التي توجد فيها. يؤدي الضغط الإيجابي العادي إلى الانهيار الداخلي، في حين يؤدي الضغط السلبي إلى التمدد المتسارع.1 والمتسبب الأكثر وضوحًا للضغط السلبي — والذي يتفق مع القياسات التي أُجرِيت حتى الآن — هو الثابت الكوني الذي اقترحه أينشتاين، ويمثِّل هذا الثابت الطاقة والضغط الذي ينتشر في الكون، لكن لا تحمله المادة. والطاقة المظلمة هو المصطلح الشائع الذي نستخدمه الآن للسماح باحتمالية أن علاقة الثابت الكوني المفترضة بين الطاقة والضغط ليست صحيحة تمامًا، ولكنها تقديرية.
واليوم، تُعَدُّ الطاقة المظلمة العنصر المهيمن على إجمالي طاقة الكون، وهذا أمر غريب حقًّا؛ لأن كثافة الطاقة المظلمة ثبت أنها صغيرة للغاية. لم يكن لهذه الطاقة الغلبة إلا في مليارات الأعوام الأخيرة فقط؛ إذ كانت الغلبة في البداية للإشعاع، ومن بعده المادة، لكن الإشعاع والمادة المنتشرَيْن في حجم الكون الآخِذ في التزايد، يضعفان. على الجانب الآخَر، ظلَّتْ كثافة الطاقة المظلمة ثابتة، حتى مع نمو الكون، وبعد مرور هذه الفترة من عمر الكون، انخفضت كثافة الطاقة في الإشعاع والمادة انخفاضًا هائلًا؛ ما جعل الطاقة المظلمة، التي لا تتبدَّد، تسود في النهاية. وعلى الرغم من الحجم المتناهي الصغر للطاقة المظلمة، تحتم عليها أن تسود في النهاية. فبعد ١٠ مليارات عام من التمدد بمعدل آخِذ في التناقص، ظهر أثر الطاقة المظلمة أخيرًا، وأسرع الكون في تمدُّده. وفي النهاية، لن يبقى في الكون سوى طاقة الفراغ، وسيتسارع تمدده وفقًا لهذه الطاقة (انظر الشكل ٢٠-٥). قد لا ترث هذه الطاقة الضعيفة الأرض، لكنها في طريقها لأن ترث الكون.
fig80
شكل ٢٠-٥: اختلف تمدد الكون باختلاف الفترات الزمنية. ففي مرحلة التضخم، تمدَّدَ الكون تمدُّدًا أسيًّا سريعًا، وساد بعد ذلك تمدُّد الانفجار العظيم القياسي بعد انتهاء مرحلة التضخم. أما الآن، فتعمل الطاقة المظلمة على تسارع معدل التمدد مجدَّدًا.

ألغاز أخرى

إن حتمية وجود الطاقة المظلمة والمادة المظلمة تثبت لنا أنه لا يمكننا الاعتداد بفهمنا لتطور الكون على النحو الذي يقترحه التوافُق المذهل بين النظرية الكونية والبيانات الكونية؛ فالجزء الأعظم من هذا الكون لا تزال ماهيته غامضة. وبعد مرور عشرين عامًا من الآن، قد يسخر الناس من مدى جهلنا.

ولا يقتصر هذا الغموض على الألغاز التي تثيرها طاقة الكون. فقيمة الطاقة المظلمة، على وجه التحديد، ما هي إلا جانب بسيط للغزٍ آخَر أكبر بكثير، وهو: لماذا تتسم الطاقة التي تتغلغل في الكون بحجمها الصغير للغاية؟ إذا كانت كمية الطاقة المظلمة أكبر، لكانت هيمنَتْ على المادة والإشعاع في مرحلة مبكرة من تطور الكون، وما كان الوقت سمح بتكوُّن البنية (والحياة). وفوق كل ذلك، لا يعلم أحد العامل المسئول في تلك المرحلة المبكرة عن كثافة الطاقة العالية التي حثَّتْ على التضخُّم وعززته، لكن المشكلة الأكبر المتعلقة بطاقة الكون هي «مشكلة الثابت الكوني».

إذا اتبعنا مبادئ ميكانيكا الكم، فستكون قيمة الطاقة المظلمة المتوقعة أكبر بكثير مما هي عليه، سواء في أثناء التضخم أو الآن. فميكانيكا الكم تنص على أن الفراغ — الحالة التي لا توجد فيها جسيمات دائمة — هو في الواقع مليء بجسيمات سريعة الزوال تظهر وتختفي في الحال، هذه الجسيمات قصيرة العمر يمكن أن تحمل أي قدر من الطاقة، ويمكن أن تكون هذه الطاقة، في بعض الأحيان، كبيرة على نحو يصعب معه تجاهُل آثار الجاذبية. وهذه الجسيمات العالية الطاقة تمنح الفراغ قدرًا هائلًا من الطاقة، وهو القدر الذي يزيد عمَّا يمكن أن يسمح به التطور الطويل للكون. ولكي يبدو الكون بالصورة التي نراه عليها الآن، يجب أن تكون قيمة طاقة الفراغ أصغر بمقدار ١٢٠ قيمة أُسِّيَّة من الطاقة التي يمكن أن نتوقَّعها استنادًا إلى ميكانيكا الكم.

وهناك معضلة أخرى مرتبطة بهذه المسألة، وهي: لماذا تصادَفَ أن يعيش الإنسان الآن في وقت تتقارَبُ فيه كثافات طاقة كلٍّ من المادة والمادة المظلمة والطاقة المظلمة؟ لا ريب أن الطاقة المظلمة تهيمن على المادة، لكن نسبة هذه الهيمنة لا تتعدى ثلاثة أضعاف فقط. وإذا وضعنا في الاعتبار أن هذه الطاقات، من ناحية المبدأ، لها أصول مختلفة تمامًا، وأن أيًّا منها يمكن أن يسود الاثنتين الأخريين، فحقيقة تقارُب كثافاتها أمر غامض للغاية. وتبدو هذه المصادَفة غريبةً حقًّا؛ لأنها لم تتحقق إلا في الوقت الذي نعيش فيه (وهذا تقدير تقريبي)، ففي مرحلة مبكرة من عمر الكون، كانت الطاقة المظلمة تمثِّل نسبةً أصغر بكثير من مجموع طاقات الكون، وفيما بعدُ ستصير النسبة الأكبر، لكن في العصر الحالي فقط، تتقارب هذه المكونات الثلاثة: المادة العادية، والمادة المظلمة، والطاقة المظلمة.

لم يتم التوصُّل بعدُ إلى أي أجوبة للسؤالين: ما السبب وراء ضآلة كثافة الطاقة؟ ولماذا تتقارَب كميات موارد الطاقة المختلفة؟ يعتقد بعض الفيزيائيين، في الواقع، أنه ما من تفسير فعليٍّ لهذه الأمور، ويَرَون أننا نعيش في كون ذي قيمة غير مرجحة تمامًا من طاقة الفراغ؛ لأن أي قيمة أكبر كانت ستحول دون تكوُّنِ المجرات والبنية، بل دون تكوُّنِنا نحن البشر أيضًا، في الكون. فما كنَّا لنتواجد ونطرح الأسئلة عن قيمة الطاقة في كون ذي ثابت كوني أكبر. ويؤمن هؤلاء الفيزيائيون بأن هناك العديد من الأكوان، وكل كون منها ينطوي على قيمة مختلفة من الطاقة المظلمة. ومن بين هذا العدد الكبير من الأكوان المحتملة، وحدها الأكوان التي يمكن أن تسمح بنشأة البنية هي التي يمكن أن تحتوينا. وقيمة الطاقة في هذا الكون صغيرة على نحو مذهل، وليس بوسع الحياةِ الظهورُ إلا في كونٍ بهذا القدر من الطاقة فقط. هذا المنطق يُسمَّى «المبدأ الإنساني» الذي تناولناه في الفصل الثامن عشر، وأنا لستُ مقتنعةً بهذا المنطق، مثلما سبق وأشرتُ في ذلك الفصل، ومع ذلك فلا أملك — وما من أحد غيري يملك — إجابة أفضل من هذه. ربما يكون تفسير قيمة الطاقة المظلمة أعقد الألغاز التي يواجهها علماء الكونيات وفيزياء الجسيمات في عصرنا الحالي.

بالإضافة إلى الألغاز المتعلقة بالطاقة، يوجد لغز كوني آخَر متعلِّق بالمادة، وهو: لماذا توجد مادة في الكون من الأساس؟ تتعامل معادلاتنا مع المادة والمادة المضادة على قدم المساواة، فهاتان المادتان تُفنِي إحداهما الأخرى عند التقائهما، ثم تختفيان. ومن المفترض ألَّا تظل هناك أي مادة أو مادة مضادة عندما يبرد الكون.

بينما لا تتفاعل المادة المظلمة كثيرًا؛ ومن ثَمَّ تظل موجودة في الأرجاء، تتفاعل المادة العادية كثيرًا بفعل القوة النووية القوية، وبدون إضافة أي شيء جديد على النموذج القياسي، من المفترض أن تكون أغلب المادة العادية التي نعرفها قد اختفت في الوقت الذي برد فيه الكون حتى وصل إلى درجة حرارته الحالية. والسبب الوحيد الذي يمكن أن تتخلف بسببه المادة هو سيادة المادة على المادة المضادة، لكن ذلك لا يظهر في صور النظريات البسيطة التي نعمل بها. لذا، نحن بحاجة للوصول إلى أسباب لوجود البروتونات وعدم عثورها على بروتونات مضادة لتفنى معها، ولا بد هنا من إدخال مفهوم اللاتناظر بين المادة والمادة المضادة في النموذج القياسي.

وكمية المادة المتبقية أصغر من المادة المظلمة، لكنها لا تزال تمثِّل جزءًا مهمًّا من الكون، وهي مصدر كل شيء نعرفه ونحبه، أما كيف نشأ هذا اللاتناظر بين المادة والمادة المضادة، ومتى حدث، فهو سؤال آخَر مهم يتوق علماء الكونيات وفيزياء الجسيمات للإجابة عنه.

ويظل، بالطبع، سؤال «ممَّ تتألَّف المادة المظلمة؟» من الأسئلة المهمة أيضًا، ربما سنتوصل في النهاية إلى أن النموذج الأساسي يربط بين كثافة المادة المظلمة وكثافة المادة، مثلما تشير الأبحاث الحديثة. وفي كافة الأحوال، فإننا نطمح إلى التعرف على المزيد من المعلومات عن المادة المظلمة قريبًا من التجارب التي سنستعرض الآن عينةً منها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤