الفصل السابع عشر

الطيران من الوجهةِ المدَنيَّة أو الاقتصادية

(١) مشكلة العمَّال بعد الحرب

ذكرنا في الباب الرابع أن الماليين من الناس قُبيل الحربِ كانوا يَرون أن الطيارات لا تزالُ في المهد، وأن أمامها زمنَ تجريبٍ وتحسينٍ طويل قبل أن تتوافر لها الصفات التي تؤهِّلها للدُّخول في عالم التجارة كوسيلة مُربِحة للنَّقل، فضَربوا صفحًا عنها، ولمَّا جاءت الحرب لم يُراعَ في تقدُّم الطيارة أثناءَها غيرُ الوجهة الحربيَّة فقط، وما كادتِ الحربُ تضَعُ أوزارَها حتى وجدَتِ الدولُ (أو على الأصح الحلفاء منهم) صناعةً جديدة قد نمَتْ عندهم نموًّا عظيمًا، فحين بدأتِ الحربُ كان عددُ المصانع التي تشتغل بصنع الطائرات في العالم قليلًا جدًّا، والطلبات على هذه المصانع ليستْ بالمشجِّعة، ولولا أن أصحابَها كانوا من غُواة الفنِّ ولم يَهتموا بالرِّبح اهتمامَهم بالتحسين، لما استطاعوا المضيَّ في سبيلهم واستبقاء عُمالهم واستمداد المعونة بعد الجهد من آنٍ لآخر من حُكوماتهم.

ولكن لمَّا نشِبت الحرب ووجدتْ تلك الحكومات في صناعات الطيران ونتائجها آلةً حربية قيِّمةً — كما وضحنا في الباب الفائت — عندئذٍ جاء دورُ المجتهدين المشتغلين بهذه الصناعة، أولئك الذين كانوا مستضعفين راضين بشظَف العيش، فخصَّتهم الحكومات بعظيم عِنايتها، وساعدتهم بكل الوسائل المُمكنة من أموالٍ تُدفع كُتلةً واحدة إلى مَعامل تبنيها الحكومات؛ لتمتحن لهم فيها المواد التي يستخدمونها، والأجنحة والأجسام التي يريدون تجريبَها، كل ذلك بغير أَجر، هذا إلى الأثمان العالية التي كانوا يَبيعون طياراتِهم بها في مبدأ الأمر، وغير ذلك من العوامل التي ساعدتْ على تنمية هذه الصناعة، وزاد هذا النموُّ تقدُّمَ الطيارات والمناطيد والمحركات، واستمرار الحَرب.

ولكي نُعطي للقرَّاء فكرةً عن عِظَم نشاط معامل الطيران الحديثة أثبَتْنا في شكل ١٦-٦ صورةً لإحدى الحظائر التي تُبنى فيها الأجنحة، وفي شكل ١٧-١ صورة لحظيرة أخرى رُصَّ فيها عدد عظيمٌ من أجسام الطيارات بعد أن انتُزع منها المحرِّك والأجنحة وأُرسلت لوِرَشها الخاصة، وفي هذه الحظيرة تُمتحَن الأجسام وتُصلَّح وتُشدُّ أسلاكها، وكلتا الحظيرتَين كبير فسيح، يظهر فيه الاستعداد العظيم، كما أن الشكلَ الأخير يُصور للقارئ العدد الذي تستطيع هذه المصانع أن تؤدِّيَه من الطَّيَّارات، أما شكل ١٧-٣ فيمثل صورة لطيارة من طراز بليريو في دورِ الإنشاء سنة ١٩٠٧، وفيها تتبيَّن بساطة الصنع وعدم التدقيق؛ ذلك لأنَّ طيارة اليوم لا تنشأ كتلة واحدة كما هو الحال في هذه، ولكن تُنشأ على أجزاء، لكل جُزء إخصائيون مهَرَة وعِدد وآلات وقوالب دقيقة.
fig76
شكل ١٧-١: حظيرة تُبنى فيها الأجنحة الخَشَبية، وهي في إحدى مصانع فكر بهولندا.
fig77
شكل ١٧-٢: حظيرة أخرى بمصانع فكر الهولندي، بها عدَد عظيم من أجسام الطيارات بغير أجنحة أو محركات، ويتبيَّن المدقق فيها أن هيكل هذه الأجسام مصنوعٌ من أنابيبَ معدنية.
fig78
شكل ١٧-٣: من طراز بليريو، أجزاؤها مستندة إلى حوامل خشبية أثناء بنائها.

لكنَّ هذا النموَّ كان نموَ ضرورة لا حاجة ماسة؛ ولذلك لما انتهَتِ الحرب ألفَتِ الدول نفسَها أمام مُعضلة شديدة: جيش جرَّار من عُمالٍ مهرة اختصُّوا في صناعة نمَت بأسرها نموًّا غير طبيعي لا يتَّفق مع تطلبات الحياة المدنية السلمية العادية، وتمد العالم بطيارات كثيرة لا سوقَ لها تُباع فيه. وظهر أنه مهما بُذلت المَساعي فلن يستطيع العالم أن يستنفد عُشر ما كان يستنفده من هذه الطيارات أثناء الحَرب، وإذا كان في وُسعه استنفاد هذا العُشر؛ فمن المؤكَّد أنه لم يكن ليستطيع دَفع ثمنه مع الحالة المالية السيئة التي خلَفته الحَربُ عليها.

(١-١) حلُّ المُشكلة

نظرتِ الدُّوَل إلى هذه المعضلة، وبدأَتْ كلُّ أمة تُسائل نفسَها عن خير ما يصِحُّ عمله بهذه المصانع وما فيها من عُمَّال، هل يُتركون إلى المقادير؟ يجوع بعضهم، ويُحوِّل البعضُ الآخر مجرى حياتِه، فيعود إلى ممارسة صناعةٍ كان يعرفها من قبل أو يتعلَّمُها من جديد، وتخسر أمتهم التجارب القيمة النادرة التي حصلوا عليها أثناء الحرب؟ وفي ظننا أنه لو اقتصر الأمر على هذا النوع من التفكير لتُرك العمال وشأنهم، ولكن هناك شبح الخطر! الحرب القادمة، والتنازُع فيها على البقاء، والشعور بأن التغلُّب في الهواء سيكون العامل الأساسي في الانتصار فيها؛ لذلك عُقدت اللِّجان، وقُدحت الأذهان، واحتدم الجِدال، للوُصول إلى تقرير مصير صناعة الطائرات والمحترفين بها، فاستقرَّ الرأي على أنه لا بدَّ من الاحتفاظ بأكثر عدد ممكن من هذه المصانع وعُمَّالها.

لذلك أوصتْ فَرنسا التي تخشى ألمانيا دائمًا بصُنع عدد كبير من الطائرات الحربية، يكفي لاستمرار الحركة في المصانع الفرنسية المهمة، ولتشجيع مهندسي الطيران الفرنسيين على الاستمرار في أبحاثهم وابتكاراتهم، حتى تأمن فرنسا شر ألمانيا وغيرها. أما إنجلترا فوجدت بالتجربة أثناء الحرب وبعدها — في الهند والعراق وغيرها — أن سلاحَ الطيران أرخصُ الطرق وأفعلُها وأكثرها استتارًا وأقلها حاجة للرجال، لتَمام السيطرةِ على الشُّعوب المجردة من سِلاح الطيران، بغير أن تحتفظ إنجلترا بجيشٍ كبير يعطَّل لهذا الغرَض؛ ومن أجل ذلك أوصت بصنع طيارات حربية جديدة، كانت في مبدأ الأمر قليلةً ولكن زاد عددُها باضطرادٍ وسيزداد أكثر من ذلك على يدَي حكومة المحافظين الحالية، وقد قرأنا أن الاعتماداتِ المخصصةَ لوزارة الهواء الإنجليزية قد زادَتْ بالفعل، وأن الرأيَ السَّائد بإنجلترا الآن هو ضرورة إيصال القوة الهوائية الإنجليزية على الأقلِّ إلى مثلِها في فرنسا، بدل أن تكون نحو ثلث الأخيرة كما هيَ عليه الآن. كذلك اتخذَت إيطاليا نفس الوسيلة، ولكن تلك الدول رأت بعد قليل أن هذه الطَّلبات الحربية لا تكفِي في تشجيع صِناعة الطائرات.

(٢) الطيران المدني

بدأت تلك الدول عندئذٍ في دراسة مسألة الطيران المدني أو التجاري باهتمام كوسيلة لتشجيع هذه الصناعة، ولإيجاد عدَد عظيم من الطائرات يسهُل تحويلُه عند الضرورة إلى طائرات حربيَّة، نقول: بهذه الرُّوح الحربية في المقدِّمة والعوامل الاقتصادية الأخرى من ورائها، اهتمَّت الحكومات الأوربية بالطَّيَران المدني، ولمَّا وجدوا أن الطيارات لا تزالُ بعيدةً عن الصِّفات التي تجعلها أداةَ نقلٍ ناجحة، تلك الصفات التي فصَّلناها من قبل، لمَّا وجدوا ذلك بدءُوا بحكم حاجتهم الشديدة يبحثون عن وسائل لتعجيل تقدم الطيران المدني، بدل أن يتركوا الطيارات التجارية تتطور تطوُّرًا طبيعيًّا وتتحسن تحسُّنًا تدريجيًّا، ويعتاد الناس استعمالها بمرور الأيام. فلاستِعجال تقدم الطيران التجاري شجَّعته الحكومات بوسائل شتَّى تُثقِل كاهلَها بالنفقات، وقد أشرنا إلى بعض تلك الوسائل كعمل التجارب، واستكشاف الطرق الجوية، وبناء المطارات وإمدادها بالمعدَّات، وغير ذلك، ولكنا لم نُشِر للآن إلَّا إشارةً بسيطة إلى أهمِّ وسيلة اتُّبِعت للتشجيع، وهي:

(٢-١) الإعانات المالية Subsidies

خصصتِ الحكومات لشركات الملاحة الجوية عندها إعاناتٍ مالية، وجعلت تلك الإعانات بنسبة ما تحمل طيَّارات هذه الشركات من رُكَّاب وبضائع، وما تطير من ساعاتٍ، وما تقطَعه من مسافات، والغرَض من هذه الإعانة تعويض الشركات عن بعض ما يُصيبها من خسائر، وتمكينها من موالاة التحسين وتخفيض الأجور حتى يُقبلَ الناسُ على السَّفر في الهواء، فيزداد عدد الركاب ويصير ربح الشركات متناسبًا مع ما تُودعه في أعمالها من أموالٍ طائلة.

بهذه الوسيلة أمكن لشَرِكات المِلاحة أن تُنشئَ مواصلات عديدة آخذة في الازدياد والنجاح، ففَوق أوروبا الآن شبكة من الخطوط الهوائية (شكل ١٧-٤) تمتد كل شهر تقريبًا إلى بلَدٍ جديد، والتنافُس بين شركات إنجلترا وفرنسا وهولاندا وألمانيا عظيم جدًّا، وقد ضمَّتْ إنجلترا كل شركاتها التي تنقل الركاب والبضائع إلى أوروبا ومنها، ضمَّتها تحت لواءٍ واحد فكوَّنت منها شركة رئيسية اسمها السبل الهوائية Air Ways، تدفَع لها إنجلترا الإعانة كتلة واحدة، وبذلك منعت الشركات الصغيرة من التنافُسِ فيما بينها تنافُسًا يُعين المزاحمين الأَجانب عليها. ولا يفوتُنا أن نذكُر هنا أن رومانيا — تلك المملكة الصَّغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها ١٧ مليونًا — قد أنشأَت بالاشتراك مع فرنسا شركة تجارية اسمها الشركة الفرنسية الرومانية، مدَّت خطًّا بين باريس والقسطنطينية، وهي تشتغل بمدِّ خطوط أخرى؛ ذلك لأن رومانيا أدركت سرَّ مستقبلِ الطيران، واندَفعت في الاهتمام بصناعته بكل قوتها، وقد روَت الجرائد في الصيف الماضي أن مصانعها قد أخرجت طيارات كاملة كلها من صُنع روماني.
fig79
شكل ١٧-٤: خريطة الطرق الجوية بأوروبا (سنة ١٩٢٥).
وأقدَم المجهودات في هذا المِضمار، وهو إنشاء المواصَلات الهوائيَّة، هو مجهود ألمانيا والولايات المتحدة. ففي الأولى مدَّت خطوط منذ سنة ١٩١٨، ونجحت نجاحًا عظيمًا يَدعو إلى الاندهاش؛ لأن الحكومةَ الألمانية عاجزةٌ عن تشجيع الشركات ماليًّا كما تفعَل الحكومات الأوروبية الأخرى، وبالرغم من ذلك فالخطوط الهوائية الألمانية تزداد عددًا ونجاحًا. أما الولايات المتحدة فاهتمَّت منذ سنة ١٩١٨ أيضًا بالمواصلات البريدية، وهي تحسن الطيارات التجارية بتروٍّ وإمعان، ويُخيَّل إلينا أن الطيارة التجارية البحتة ستظهر في أمريكا قريبًا، وأن الطيران التجاري سيكون هناك أكثرَ نجاحًا منه في البلاد الأخرى للأسباب الآتية:
  • أولًا: لاتساع المملكة، وهو ما يُفسح المجال للطيارات في أن توفِّر مقدارًا محسوسًا من الزمَن تفضُل به القطارات، فتجذب إليها بذلك الركاب.
  • ثانيًا: لأن الأمريكيين يُقدِّرون هذا التوفيرَ في الوقتِ تقديرًا عظيمًا.
    fig80
    شكل ١٧-٥: طيارة أمريكية تمدُّ أخرى بالبترول وهما طائرتان.
  • ثالثًا: لأنهم أغنياء، وهذا يُمكِّن شركاتهم من إيجاد المال الكثير اللازم لمثل تلك المشاريع، وإجراء التَّحسينات المضطردة، كما أن الغِنَى يمكن الركاب من دفع أجور عالية تعمل على نجاح الشركات.
وقد بدأت إشارات ذلك تظهر، فقد ذكرنا فيما سبق أن من عيوب الطيارة عدم قدرتها على حمل مقدار عظيم من البترول يكفي للطيران مسافة طويلة لثِقَل البترول، فتضطر الطيارة للنزول إلى الأرض ولو لأخذ الوقود اللازم، وفي هذا من التعطيل والتقييد ما لا يخفى، ولكنَّك تجد في شكل ١٧-٥ كيف يحاول الأمريكان إمدادَ الطيارة بالبترول من طيَّارة أخرى تطير فوقَها بسرعتها، وتتدلَّى منها أنبوبة توصل البترول إلى الطيارة المُسافرة.

(٣) النشاط الحديث في الطيران المدني

ولا يفوتنا أن نذكر — ونحن في معرِض الكَلام عن المواصلات الهوائية — أن هناك نشاطًا عظيمًا في هذه الأيام، وحركة ترمي إلى افتتاح خطوط جديدة كثيرة، فالإنجليز بعد أن كانوا قرَّروا قفل مصانعهم الخاصة بالمناطيد، أعادوا فتحَها لإنشاء مناطيد يُسيِّرونها بانتظامٍ بين كلكتا ولندن عن طريق القاهرة؛ لتصل أجزاء الإمبراطورية بعضها ببعض، وسيمدُّون هذا الخطَّ فيما بعدُ إلى أستراليا، وسينشئُون مواصلاتٍ كثيرة بالطيارات تتفرع من محطات الخط الرئيسي المنطادي فتُكوِّن خطوطًا تكميلية. وفرنسا تدرس مشروع إنشاء مواصلات جديدة على سواحل البحر الأبيض وفوق أفريقيا. وسيرد ذِكرُ الخط الذي ستسيره ألمانيا من إسبانيا إلى أمريكا الجنوبية، إلى غير ذلك، مما يدُلُّ على نشاطٍ كبير في العالم تُجاه الطيران، وسيزداد هذا النشاط بغير شكٍّ متى رُفعت عن ألمانيا القيود.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠