الفصل الثاني

الطائرات الأثقل من الهواء

(١) المنحدرة Glider

هي أبسط أنواع هذه الطائرات وأقدمها تاريخًا، وتتركب (شكل ٢-١) من سطوح فقط أطرافها متحرِّكة لضَبط الحركة وحفظ الاتزان maintaining equilibrium، ونظرية عملها تشبه نظرية عمل الأنواع الأخرى من الطائرات الأثقلِ من الهواء التي سنشرَحُها بعد قليل. كما أننا سنعود إلى الكلام عن المنحدرات بتوسُّع في الباب الثالث (الخاص بتاريخ الطيران).
fig8
شكل ٢-١: أحدث منحدرة، وهي ألمانيَّة وعليها الطيار شلتز Schultz.
وأكثر أنواع الطائرات الأثقل من الهواء تعقيدًا هي التي تُسمَّى بالطائرة ذات المروحة الأفقية helicopter، وسنُهمل الكلام عنها؛ لأنها خاملةُ الذِّكر وليس لها في نظرنا مستقبل عظيم، بل يُخيَّل إلينا أن عمرها أصبح الآن قصيرًا.

(٢) الطيَّارة

بقيَت الثلاثة الأنواع المهمة للطائرات: وإحداها بريَّة، والأخرى بحرية، والثالثة برية بحرية. وهناك فريق من الإفرنج يُطلق كلمة aeroplanes، أي طيارات على هذه الأنواع الثلاثة، وإذا أراد تخصيص أحدها أضاف كلمة: بريَّة أو بحرية أو برية بحرية. وهناك جماعة أخرى يقصرون كلمة aeroplanes — وهي الطيَّارة — على النوع الأول فقط، وهو البري، ويسمون النوعين الآخرَين طيارات بحرية seaplanes، وطيارات برية بحرية arophibions، ويظل اسم الثلاثة جميعًا: طيارات أثقل من الهواء، وسنتبع هذه التسمية الأخيرة، حتى إذا ذُكرت كلمة «طيَّارة» كان المقصود بها الطيارة البرية فقط. ويجد القارئ في الأشكال ٢-٢ و٢-٣ و٢-٤ و٢-٥ و٢-٦ صورًا للثلاثة الأنواع، وهي لا تختلف من حيث البناء الظاهري إلا في الجزء السفلي، فللطيارات (شكلي ٢-٥ و٢-٦) عجل تقف به على الأرض، وللطيارات البحرية (شكل ٢-٢) بدل العجل عوامات floats تُمكِّنها من الحط على سطح البحر، وقد يُبنى جسم الطيارة في صورة القارب (شكل ٢-٣)، وعندئذٍ ترسو الطيارة على الماء كالقارب العادي، وتُسمَّى الطيارة البحرية عندئذٍ: سفينة طيَّارة flying boat. أما الطيارة البرية البحرية (شكل ٢-٤) فتستطيع النزول إلى البر والبحر لأن جسمها يشبه القارب (كالسفينة الطائرة)، ولها عجل أيضًا (كالطيارة البرية). ويتبيَّن من الشكل كذلك طريقة طي الجناحين، حتى يقل الامتداد العرضي للطيارة.
fig9
شكل ٢-٢: طيارة بحرية حربية ترفعها الآلات من سطح الماء إلى سطح بارجة حربية، مُعدَّة لحمل مثل هذه الطيارة لمعاونة الأسطول.
fig10
شكل ٢-٣: سفينة طيَّارة.
fig11
شكل ٢-٤: طيارة برية بحرية مطويَّة الجناحين.
fig12
شكل ٢-٥: طيارة بخارية هولندية من ذوات السطح الواحد (لاحظ النوافذ في ظل الجناح الأيمن).
fig13
شكل ٢-٦: طيارة محاربة إنجليزية توضح أسماء الأجزاء المختلفة (ويجد القارئ ترجمة ما تكلمنا عنه منها في القائمة الأخيرة للمصطلحات الفنية).
ولما كان كل ما نقولُه عن نوعٍ من الأنواع الثلاثة ينصرِف إلى الاثنين الآخرين، فسنقتصر فيما يلي من التفاصيل البسيطة على الطيَّارة وحدَها. (شكلي ٢-٥ و٢-٦).
ويختلف تصميم هذه الطيارات اختلافًا عظيمًا حسَب الغرَض الذي تنشأ لأجله، فطيارات التعليم training مثلًا تكون صغيرة الحجم سهلة التوجيه مزدوجة القيادة dual control، أي لها من أجهزة القيادة زَوجٌ من كل نوع حتى يتولى المتعلم مجموعةً منها one set، ويتولى المُعلم المجموعة الأخرى، وتكون هذه أفعل من تلك حتى يسهُل على المعلم هداية تلميذه إن أخطأ. والطيارات المحاربة fighting machines١ تمتاز بسرعتها أفقيًّا horizontal speed وسرعة تسلُّقها الطبقات العُليا من الجو climbing speed، ويُطلق على الاثنين معًا: performance، وسنسميها: «طلاقة». كذلك تمتماز هذه الطيارة بما تحمل من مدافع، وباتساع مدَى البصر أمامَ كل من الطيار pilot  والملاحظ observer، وبما يُتخذ فيها من الاحتياطات لمنع شبوب النار fire prevention أو انتشارها، إلى غير ذلك. وطيارات النقل التجارية transport تراعى فيها راحة الركاب comfort، وأمنهم safety، والاستيثاق reliability وهلُمَّ جرًّا. وطيارات السباق أو اللعب والتسلِّي racing or sporting، وتُراعى فيها السرعة قبل كل شيء، وجَمال المنظر، ومِزاج طيارها (ويكون غالبًا المالك لها)، وخفة قيادتها حتى تسهُل عليها المناوَرة، وسنعود للكلام عن هذه الأنواع ومميزاتها في الباب الرابع. على أنَّه مهما اختلفَتْ تلك الأغراض والتصميمات designs التي تتبعها، فلا بدَّ للطيارة من ستة أجزاء رئيسية ضرورية.

(٣) الأجزاء الرئيسية في الطيارات: انظر شكلي ٢-٥ و٢-٦

  • (١)
    الجسم body or fuselage.
  • (٢)
    الأجنحة wings وما يربطها بعضها ببعض وبالجسم.
  • (٣)
    المحرك engine، والمروحة propeller التي يديرها، والأجزاء والتركيبات المُلحقة به installations & accessories.
  • (٤)
    السطوح الخلفية empennage، وهي الذيل tail، والرافع elevator، وهما أفقيان تقريبًا. والدفة rudder، والزعنفة fin، وهما رأسيان.
  • (٥)
    الأجزاء السفلية التي ترتكز على الأرض أو جهاز النزول landing gear، وتكون عادة عربة سفلية underearriage ذات عجلتين (أو عربتين في الطيارات الكبيرة كما في شكل ١٢-٤، وشكل ١٦-٢)، وقائم خلفي تحت السطوح الخلفية يُسمَّى بعود الاصطدام tail skid. وقد يكون في الأمام أيضًا تحت المقدمة عود كما في شكل ١٦-٢، أو عجلتان كما في شكل ١٢-٤.
  • (٦)
    جهاز القيادة controls المتجمع أمام الطيار، (والملاحظ أحيانًا) في منعزله الصغير cockpit، وما يتبع هذا الجهاز من روافع levers، وأسلاك، وغير ذلك. انظر شكلي ٢-٨ و٢-٩.

والآن فلنذكر كلمةً صغيرةً عن كل جزء من هذه الأجزاء لنوضح الوظيفة التي يؤدِّيها، وكيف يتسنَّى له القيام بها:

(٣-١) جسم الطيارة

هو الذي يحمل الأجزاء الخمسة الأخرى، ويحمل ما بالطيارة من معدات equipment ورواد crew وركاب وبضائع، وقد أُعدَّ لذلك وبُنى بحيث يتحمَّل كل جزء من أجزائه ما يُنتظر أن يقَع عليه من الأحمال loads. ويكون للطيارة في الغالب جِسم واحد.

(٣-٢) الأجنحة

بها تكتسب الطيارة من الهواء قوةً رأسية تدفَعُها نحو السماء، فتتغلب بواسطتها على جاذبية الأرض التي تجذِب الطيارة أو تشدُّها إلى أسفل. وكيفية اكتساب الأجنحة لهذه القوة من الهواء أن شكلها مُقوَّس cambered، وتستقبل الهواء في سيرها بميل بسيط فيتصادمان، هي تدفعه إلى أسفل، وهو يثأر لنفسه في الحال فيدفَعُها إلى أعلى بقدر ما تدفعه هي إلى أسفل — الجزاء على قدر العمل، أو كما قال نيوتن: الفعل ورد الفعل متساويان — وهذه القوة المتفاعلة بين الأجنحة والهواء تختلف باختلاف السُّرعة، فإذا ضاعفت السرعة كانت القوة أربعةَ أمثالِها من قبل.
وهذه القوة التي يؤثر بها الهواء على الأجنحة فيدفَعُها إلى أعلى تُسمَّى بالقوَّة الرافعة lift، وتصحبها مع الأسف قوة تدفَع الأجنحة وبقية أجزاء الطيارة إلى الوراء، وتُسمى بالقوة المانعة drag، وهي التي يُجاهد في التغلُّب عليها الجزءُ الأساسي الثالث من الطيارة، أي المحرك.
وقد يكون للطيارة جناحان في مستوًى واحد، وتُسمى عندئذٍ: بذات السطح الواحد monoplane، ويغلب في الطيارات الحديثة أن يكون الجناحان كتلةً واحدة كما في شكل ٢-٥، وقد يكون لها أربعة أجنحة كل اثنين منها في مستوًى واحد، وتُسمى: ذات السطحين biplane كما في شكل ٢-٥، أو أكثر من ذلك، وتسمى: ذات السطوح المتعددة multiplane كما في شكل ١٢-٤.

(٣-٣) المحرِّك

fig14
شكل ٢-٧: المحرك الأمريكي رايت ت. ٣ Wright T. 3 وقوتها نحو ٦٥٠ حصانًا.
هو ينبوع الحياة أو الحركة في الطيارة؛ ولذلك ذيَّلنا هذا الباب بفصلٍ عنه، ويغلب أن يكون واحدًا تختلف قوَّتُه باختلاف الطيارة التي هو فيها، كما يغلب أن يكون مُتصدِّرًا في مقدمة الطيارة nose، إلا إذا كانت كبيرة، فيُستعاض عنه بمحرِّكين بين الجناحين كما ترى في شكل ١٦-٢، أو يُضاف هذان إلى جانبي المحرك الأوسط، وقد يكون في الطيارة أكثر من ثلاثة محركات. والمحرك لا يظهَر في شكلي ٢-٥ و٢-٦ لأنه مُغطًّى بغطاء معدني كما يُغطَّى محرك السيارة، واسم هذا الغطاء الواقي cowling، فإذا رُفع هذا ظهر المحرك، وترى نوعًا منه في شكل ٢-٧، والجزء البارز في طرفه الأيمن هو الذي يخرج من الواقي، واسمه الجولق hub، وتُركَّب فيه سرة boss المروحة٢ التي يديرها المحرك أثناءَ تشغيله، فتعمل عمل الرفَّاص في المراكب الآلية المائية، وهو شبيه بعمل الأجنحة لاكتساب قوة الرفع من الهَواء، فالمروحة تدفع الهواء إلى الوراء تجاه جسم الطيارة، فيقاوم الهواء هذا العمل ويدفع المروحة إلى الأمام، فتجرُّ معها الطيارة كلَّها في هذه الحركة الأمامية، ويتوقف مقدار هذه الحركة على أَمرين، وهما: القوة الحصانية للمحرك، وقوة المنع التي يؤثر بها الهواء في جميع أجزاء الطيارة، وهذه القوة المانعة تزداد بازدياد السرعة كما قدمنا حسب مربع الأخيرة.
fig15
شكل ٢-٨: جهاز القيادة، صورة تبين منعزل الطيار وما به من آلات بوجهٍ عام.

(٣-٤) السطوح الخلفية

اثنان ثابتان تقريبًا، وهما: الذيل والزعنفة. واثنان متحركان، وهما: الرافع والدفة. والغرض من الأولين المحافظة على ثبات الطيارة stability، واتزانها equilibrium. وأما الأخيران فالغرض منهما ضبط حركتها وإعانتها على المناورة manævres، فالرافع يحملها على رفع مقدمتها أو خفضها كلما ارتفع هو أو انخفض، وسنعبر عن هذه الحركة بالتموُّج pitching. أما الدفة فتؤدي عملها بنفس الطريقة التي تعمل دفة السفينة بمقتضاها، فهي إذا انحرفت إلى اليمين صدمها الريح بقوة تحمل الطيارة على أن تعرج يمينًا والعكس بالعكس، وتُسمَّى الحركة يمينًا وشمالًا بالتعرُّج yawing. وإذا تأملنا وجدنا أن عمل الرافع كعمل الدفة تمامًا. هذا وقد يتضاعف عدد هذه السطوح في الطيارات الكبيرة كما في شكل ١٦-١.
fig16
شكل ٢-٩: جهاز القيادة، صورة تبين الجزء الذي تحت قدمي الطيار بوجهٍ خاص.

(٣-٥) الأجزاء السفلية

وظيفتها مزدوجة، فهي تعين الطيارة على السَّير فوق الأرض، فلولاها لاضطرت للزحف على جسمها، وهو غير عملي، وهي كذلك تحمي جسم الطيارة عند نزولها إلى الأرض من الصَّدمة التي تتصدَّى لها، وقد يكون فيها القضاء على الجسم، فالعربة السفلية هي وعود الاصطدام يستهدفان لهذه الصدمة، وقد بُنيا بنيانًا خاصًّا يعينهما على ذلك بواسطة جهاز خاص سنُطلق عليه اسم: متلقِّي الصدمات أو مبيدها shock absorber. أما العود أو العجلة الأمامية (شكلي ١٢-٤ و١٦-٢)، فتحمي المقدمة والمراوح من أن يلمسا الأرضَ عند النزول.

(٣-٦) جهاز القيادة

يتركب جهاز القيادة (شكلي ٢-٨ و٢-٩) الذي أمام الطيار من:
  • أولًا: عمود القيادة joystick or control column المتصل بالرافع بواسطة أسلاك، فإذا جُذب هذا العمود إلى الوراء ارتفع الرافع وصدمه الهواء بقوة ترمي إلى خفض مؤخرة الطيارة ورفع مقدمتها، فتبدأ الطيارة في التسلُّق، أما إذا دُفع العمود إلى الأمام فإن الرافع ينخفض، وتطرق الطيارة برأسها إلى الأرض وتنحدر نحوها. ويتصل عمود القيادة كذلك بأطراف الأجنحة الخلفية، واسمها: الجنيحات ailerons or wings flaps، وتراها بوضوح في شكل ٢-٦، فإذا مال العمود يمينًا ارتفعت أطراف الأجنحة اليمنى، وانخفضت أطراف اليُسرى، فمالت الطيارة يمينًا والعكس بالعكس، وتُسمَّى هذه الحركة إذا كانت خفيفة بالميَلان banking، وإذا كانت شديدة سُمِّيَتْ بالتقلُّب rolling.
  • ثانيًا: قضيب الدفة rudder bar: ويُحركه الطيار برجليه.
  • ثالثًا: ضابط صمام الخناق throttle control الذي يُحكم مقدار البترول المتسرب إلى المبخر carburettor وما يصحبه من هَواء.
  • رابعًا: المفاتيح التي تبدأ بها الحركة starters.
  • خامسًا: العدد instruments الكثيرة اللازمة لقيادة الطيارة، كالبوصلة compass، ومقياس العلو أو الارتفاع altimeter، ودليل السرعة speed indicator or anemometer، وعدَّاد دورات المحرك revolution counter، ومقياس الميل inclinometer، وغير ذلك من الآلات التي تراها في اللَّوحة التي تكون أمام الطيار، وهي المرسومة في شكلي ٢-٨ و٢-٩.
١  كثيرًا ما يطلق الإنجليز لفظة machine على الطيارة كما في هذه الحالة.
٢  تكون المروحة ذات ريشتين blades كما في شكل ٢-٦ ومعظم أشكال هذا الكتاب، أو ثلاث ريش أو أربع كما في شكل ٢-٥ وقليل غيره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠