الفصل السادس

المنطاد

ولمَّا ظهر المحرك ذو الاحتراق الداخلي في ذلك الوَقت وجد فيه الباحثون طَلِبتَهم؛ لأنهم كانوا يدركون أن النجاح الحقيقي للطائرات مقرون بنجاح الإنسان في ابتكاره محرِّكًا خفيفًا تكون نسبة ثقله إلى القوَّة التي يولِّدها صغيرة، ولمَّا ظهر هذا دخل البالون في مرحلته الثالثة التي استُعين فيها على تسييره بالمحركات الخَفيفة بعد أن تطوَّر شكله وصار متطاولًا، وأُطلق على هذا النوع الجديد لفظة: المنطاد. وأول نجاح حقيقي للمناطيد تمَّ على يدَي سانتو دومو Santos-Dumont البرازيلي بفرنسا، والكونت زبلن Zeppelin الشهير بألمانيا، وإلى الأخير يرجع الفضل كله في نجاح النوع الذي سميناه بالمتماسك.

(١) الجهود الفرنسية

أما دومو فقضى في البحث والتجريب ثمانية أعوام، بنى فيها أربعة عشر مسيرًا صادفَتْ نجاحًا وتدرَّجَتْ في الكبر حجمًا وقوة (من سعة قدرها نحو ٢٠٠ متر مكعب وقوة قدرها نحو ٣ قص، إلى سعة قدرها نحو ١٠ أمثال السعة الأصلية وقوة تساوي ضِعف الأولى عشرين مرة، أي نحو ٦٠ حصانًا). وقد طاف بأحدها حول برج إيفل مسافة تسعة أميال استغرقت نحو نصف ساعة، ولكن دومو عجز عن تضمين مناطيده المزايا الحربية التي أعلنت حكومة فرنسا عندئذٍ ضرورة توافرها فيما تتعرض لشرائه من المناطيد، وكان في فرنسا في ذلك الحين أخَوان اسمهما: لبودي Lebaudy يشتغلان بتكرير السكر، فبدا لهما أن يضربا في هذا المضمار الجديد بسهم، فاستعانا بآخرين وشرعا في سنة ١٨٩٩ في البَحث والتجريب، وأخرجا بعد ثلاثة أعوام منطادًا من الجنس الشبه المتماسك سعته نحو ٨٠٠٠٠ قدم مكعب (نحو ٢٢٧٠ مترًا مكعبًا)، يُسيِّره محرِّك من طراز دملر Daimlér قوته أربعون حصانًا ويدير مروحتين، ووصلت سرعته إلى ٢٦ ميلًا (نحو ٤٢ كيلومترًا) في الساعة، وطار ٢٩ مرَّة ثم اصطدم بشجرة كسرَتْه. وقد أحدث ظهور هذا المنطاد هِزة كبرى في أوربا.
بُني بعده آخر أكبر منه بقليل، ولكنه يتضمن تحسينًا في غاية الأهمية، وهو احتواؤه أكياسًا ابتكرها المسيو موزنييه Measnier تدخل وسط غلاف الأيدروجين وتمتلئ بالهواء، وسيرد شرح فائدتها فيما بعد، وهذا المنطاد صادف هوًى من الحكومة الفرنسية لأنه وفَّى بأغراضها الحربية، فبلغت سرعتُه إلى حوالي ٢٨ ميلًا (نحو ٤٥ كيلومترًا) في الساعة. وبنى اللبوديان بعد ذلك منطادين آخرين، هما: باتري وريببلك Patrie and Republic، صادفت الأول زوبعة هشَّمته، وانكسرت مروحة الآخر وهو طائر، فارتفعت الشظية ثم ارتدَّت إلى الغلاف فشقَّته، فهوى المنطاد ومات من كان فيه. وترى في شكل ٦-١ صورة لمنطادين من النوع الذي طلبت الحكومة الفرنسية مناطيد على شاكلته.
fig27
شكل ٦-١: العليا: صورة المنطاد فيل دي بردو. Ville de Bordeaux والسفلى: صورة كليمان بايار Clement Bayard.
ظهر في فرنسا بعد ذلك بايار وشركة الأَسترا، فاختصَّا في بناء المناطيد غير المتماسكة، واشتهرا قُبيل الحرب، وسُميت مناطيد هذه الشركة بالأستراتوريس Astra Torres نسبةً إلى اسمها واسم المهندس المصمم الموسيو توريس الأسباني، وامتاز هذا النوع بشكله ذي الثلاثة الانتفاخات three lobes الممتدة على طول السفينة، وكان الغرض منها أن تكونَ وسيلة لرَبط العربات بواسطة أحبال يكون معظمها داخل المنطاد، فتقل مقاومة الهواء له، والمنطاد الإنجليزي الذي رأيته في شكل ١-٤ بُني على أساسها.

ذلك ملخص تقدُّم المنطاد في فرنسا، ومنه ترى أنها اهتمت بكل من النوعين غير المتماسك وشبه المتماسك فقط، وكان معظم نجاحِها في النوع الأول.

(٢) الجهود الألمانية

أما في ألمانيا فاختص الماجور بارسفال Parseval بإنشاء المناطيد غير المتماسكة، وكانت أول مُسيَّرة أخرجَها للناس سنة ١٩٠٦ تمتاز بأنَّ راكب السبَت يستطيع أن يُطيل الأحبالَ التي تصِلُ العرَبة بمقدَّم المنطاد، فيرتفع هذا المقدم وتظل العربة أفقية، ثم أنشأ بعدها كثيرًا من المسيرات صادف نجاحًا عظيمًا في صلاحيته للاستخدام في المواصلات الهوائية لنَقل الركاب، فكان المنطاد غير المتماسك هذا يحمل اثني عشر راكبًا عدا ما به من رُوَّاد (نوتيَّة). وهذا النوع استُخدم أيضًا للاستكشاف في الحَرب العُظمى، وأقصى طولٍ وصل إليه هو ٣٠٠ قدم (نحو ٩١ مترًا)، كما أن الحدَّ الأعلى لسُرعته بلغ ٥٠ ميلًا (نحو ٨٠ كيلومترًا) في الساعة.
وظهر أثناء الحرب أشباه متماسكات ألمانية حربية بناها الماجور جروس Gross، ولكن النوع الذي امتاز به الألمان وذاع صيت الكونت زبلن في العالم من أجله هو المتماسك، وهو الذي اعتمدت عليه ألمانيا في الحرب، وسيعتمد عليه العالم في السلم أيضًا.

(٢-١) زبلن

بدأ زبلن بجمع المال وتأليف شركة تحدَّد غرضُها من مبدأ الأمر بإنشاء المناطيد المتماسكة، ثم بنى سنة ١٨٩٨ منطادًا طويلًا سنجاري الشكل (شكل ٦-٢)، ذا هيكل معدني مصنوع من أنابيب ألومنيوميَّة، تمتد أعضاؤه الطولية longitudinal members من مقدِّمة البالون إلى مؤخِّرته على أبعادٍ متساوية، ويربطها بعضها ببعض أعضاء أخرى تُكوِّن قطاعات مستعرضة transverse members عامودية على الأعضاء الطولية متباعدة بعضها عن بعض، فينقسم البالون بها إلى عدة خزَّانات أو منحصرات تشغلها أكياس من القماش (أو النسيج القطني) الممطط rubberised، أي: المغطَّى بطبقةٍ من المطاط والمبطن بغشاء آخر حتى لا ينفذ منه غاز الأيدروجين الذي تُملأ به الأكياس التي تبلغ سعتها جميعًا نحو ٤٠٠٠٠٠ قدم مكعب (نحو ١١٣٥٠ مترًا مكعبًا)، ويُغطي المنطاد جميعه والمنشأة المعدنية غلاف مصنوع من قماش ممطط كسابقه ومتين جدًّا؛ ليقاوم المؤثرات الجوية وفعل ضغط الهواء أثناء الحركة فيه. ويبلغ طول المنطاد نحو ٤٢٠ قدمًا (نحو ١٣٦ مترًا)، وأكبر قُطر فيه نحو ٣٨ قدمًا (نحو مترًا)، ورُكِّبَتْ له عربتان تحمل كلٌّ منهما مُحرِّكًا قوته ١٦ حصانًا، كما أن في داخله ثقلًا تحركه آلة فينزلق من مكانٍ إلى آخر ليغير موضع مركز ثقل المنطاد، فيعين بذلك على رفع مقدِّمته أو خفضِها. ولمَّا تمَّ بناؤه وأُصعد في الجو لاختباره سنة ١٩٠٠ صادفه سوء الحظ، فانكسرت الآلة التي تُحرِّك ذلك الثقل المنزلق، وسببُ الانكسار انحناء في هيكل البالون عاكس سير المراوح، ولمَّا نزل البالون إلى الأرض اصطدم بأكوامٍ أتلفته تلفًا استغرق إصلاحه شهرين.
fig28
شكل ٦-٢: صورة زبلن ٤ أقدام أمثالها. أُزيل الغلاف عند «١» عن ٥ خزانات ليرى القارئ ما فيها من أكياس، ويتبيَّن الهيكل المعدني بأعضائه الطولية والمستعرضة (٤). «٢» و«٣» العربيتان الأمامية والخلفية وفي كلٍّ منهما محرك. «٥» و«٦» السطوح الخلفية الضابطة.

من ذلك يرى القارئ أن الشدائد واجهت زبلن منذ بنائِه لأول منطاد، ومن الغريب أن الحوادث توالت تِباعًا على مُعظم ما بنى من مناطيد، فكان يبحثُ عن أسبابها ويتعلم من أغلاطه ويتعرف كيفيةَ تجنُّب تكرارها، ثم يعود إلى العمل بنفس الهمة الأصلية إن لم يكن بأضعافها.

جمع زبلن أموالًا أخرى بمشقَّة زائدة وأتمَّ منطاده الثاني سنة ١٩٠٥، وعندئذٍ كان المحرك ذو الاحتراق الداخلي قد شاعَ استعماله وتقدَّم تقدُّمًا محسوسًا، فركَّب زبلن محركين، قوة كلٍّ منهما ٨٥ حصانًا على منطاده الجديد الذي كان به ١٦ كيسًا، سعة ما بها من غاز نحو ١ / ٣ مليون قدم مكعب (نحو ٩٤٦٠ مترًا مكعبًا)، وبلغ وزن هذا المنطاد ٩ أطنان (هذا أقل من وزن السابق بطن واحد)، وركَّب له ثلاثة سطوح رأسية في الأمام والخلف تُعين على قيادته في المستوى الأفقي، أي على تعرُّجه، وسطوحًا أخرى أفقية لإحداث الحركة التموُّجيَّة. وهذا المنطاد أصابَتْه كارثة عطَّلته لم يكد يُفيق منها، حتى هبَّتْ عليه ريح وهو مربوط في العراء فهشَّمته، فلم يجد زبلن بعد ذلك فائدةً من إصلاحه فحطَّمه.

بعد ذلك بدأ زبلن في صنع منطاده الثالث وأصاب به نجاحًا، ثم بنى الرابع، وكانت له شهرة لدقَّة صُنعه ولمآله الذي سنذكره بعد قليل، أما ميزته فكانت القدرة على الطيران في الهواء مدة طويلة فاق سابقاته فيها، فقد رُكِّب له مُحرِّكان قوة كلٍّ منهما ١١٠ حصانًا، يدير كلٌّ منهما زوجًا من المراوح ذات الريش الثلاث 3 blades، وكان يحمل وقودًا يكفيه ستين ساعة، وله دفة رأسية وسطوح أفقية ضابطة في المؤخرة، وتراه واضحًا في شكل ٦-٢، وقد طار في صيف سنة ١٩٠٨ إلى سويسرا طيرة استغرقت ١٢ ساعة، قطع فيها نحو ٢٣٥ ميلًا، ثم أعاد الكَرَّة بعد أيام بقصد أن يظلَّ سابحًا في الهواء حذاءَ نهر الرَّين ٢٤ ساعة، وهي المدَّة التي اشترطتها الحكومة الألمانية لقَبول شراء المنطاد من زبلن، ولكنه اضطر في اليوم الأول للوقوف ثلاث ساعات لتصليح المحرك ثم استأنف الطيران، ولمَّا عاد أدراجه لم يقوَ على إتمام الرحلة لمعاكسة الرياح له، فاضطر للنزول بقرب الأرض ورُبط إلى مراسي فيها،١ وبينما هو كذلك إذ هبَّتْ عاصفة اقتلعت تلك المراسي وأطلَقت المنطاد في الهواء فانفجر، ولسببٍ لم يُعرف بعد اشتعل ما به من غازٍ وهوَى هيكله إلى الأرض تالفًا، وكان قد قطع في رحلته تلك نحو ٣٨٠ ميلًا ومكَث طائرًا نحو ٢١ ساعة.

أثارت هذه الكارثة هِممَ الألمان، وأذْكَت نارَ الوطنية في صدورهم، فافتُتِحتْ في الحال اكتتابات وجُمع في زمنٍ يسير مبلغ عظيم من المال (نحو ٣ / ٤ مليون جنيه)، وأُلِّفَتْ جمعية لصرفه، فاشتُريتْ ببعضه أراض وأُقيمَتْ ببعضه وِرَش جديدة، وأُعلن أن زبلن سيُتم بناء ثمانية مناطيد في بحر سنة واحدة.

أُعيد المنطاد زبلن ٣ إلى الخِدمة الفعلية عِوضًا عن زبلن ٤، واهتمَّ به الإمبراطور وولي عهده الذي ركبه بالفعل، وأنعم في ذلك الوقت على الكونت بنشان النسر الأسود، وتكوَّنَتْ هيئةٌ لها فروع في جميع أنحاء ألمانيا لتشجيع بناء أسطول هوائيٍّ كبير، وأعلنت عزمها على إنشاء خمسين حظيرة hangar للمناطيد. وسرعان ما ظهرت زبلن ٥، ونما العدد بعد ذلك رغم ما أصاب المناطيد من نكبات. وحين نشِبَت الحرب الكبرى كانت السعة قد وصلت إلى نحو مليون قدم مكعب (نحو ٢٨٤٠٠ متر مكعب)، والقوة إلى نحو ١٠٠٠ حصان، والسرعة إلى نحو ٥٠ ميلًا (نحو ٨٠ كيلومترًا) في الساعة.

وكان مجموع ما بنَتْه ألمانيا من هذه المناطيد نحو ٣٠، تلف أكثر من نصفها، فما كان يزيدهم ذلك إلا خبرةً وإيمانًا بالمستقبل تجسَّم في شخص الكونت زبلن، فكانت حياته من أجل ذلك أكبر عبرة، فهو لم يجعل لليأس سبيلًا إلى قلبه، ولم يفت في عضده توالي الكوارث، ولم يزدْه الفشَل إلا رغبةً في التحسين. وهكذا خلق زبلن سمعته بنفسه واغتصب النجاح اغتصابًا، وبعد أن كان أُضحوكةَ إخوانه وذويه، وهدفًا لسخط المحافظين من بني وَطنه، صار موضع احترامهم وإعجابهم إلى حدٍّ وصَل قريبًا من العبادة.

وطبَعي أن يبعث نجاح زبلن في غيره من الألمان الرغبة في التقليد، فظهر سنة ١٩١٢ بعض أفراد أشهرهم شوتا لانز Sehutte Lanz الذي أخرجت معامله منطادًا ذا هيكل خشبي تُقوِّيه أسلاك، وكان شكله كشكل زبلن القديم [راجع الباب الثاني: المنطاد – الفصل السادس: المنطاد – الجهود الألمانية – زبلن]؛ ذلك لأن منطاد زبلن كان قد تطوَّر شكله، بحيث صار أقرب إلى البيضاوية منه إلى السيجارية، وقد رأينا في شكل ١-٦ صورة آخر منطاد Z. R. 3 بناه الألمان من هذا النوع للولايات المتحدة.

(٣) الجهود الإنجليزية

الواقع أن إنجلترا لم تضرِب في هذا المضمار بسهمها إلا بحُكم الضرورة، فظلَّت ترقب فرنسا وألمانيا يتسابقان ويُجرِّبان ويخسران ويُضحِّيان، ولم تُحرِّك ساكنًا إلا قُبيل الحرب، فأنشأتْ بضعة مناطيد لم تبلُغ شأوَ نظيراتها في الممالك الأخرى، ثم اشترت من فرنسا مناطيد من طراز ليبودي وبايار وأسترا توريس، وآخر من ألمانيا من طراز بارسفا، وعلى هذه المناطيد الأجنبية اعتمدت في مراقبة شواطئها ومساعدة أسطولها عند ما نشِبت الحرب الماضية، وعندئذٍ اضطرت لخوض الغمار، فنجحت في إخراج مناطيد من غير المتماسكة نفعتها في مراقبة شواطئها، ثم ظلَّت تحاول عبثًا مجاراةَ زبلن في مناطيده المتماسكة، حتى ساق القدر إليها منطاد زبلن المسمى ل. ٣٣ L. 33 بعد إنشائه بستة أسابيع فقط، وكان يحتوي زبدة مجهودات الألمان ونتائج تجاريبهم والمثل الأعلى لدِقَّة صُنعهم، ذهب ليُغير على إنجلترا فأصابتْه مدافعُها فاضطر إلى النزول، ولمَّا وصل إلى الأرض خرج منه رُوَّاده وأحرقوه قبل تسليم أنفسهم، ولكن هيكلَه المعدني بقى سليمًا ونسج الإنجليز على منواله، فبنوا المنطادين ر. ٣٣ و٣٤ R. 33 & 34 على صورة تكاد تكون طبق الأصل، وهذا المنطاد الأخير٢ (راجع شكل ١-٦) هو أول منطاد عَبَر المحيط الأطلانطيقي، وتمَّتْ هذه الرحلة على يدي سكوت Scott ومساعديه، واستغرقَتْ نحو ١٠٨ ساعات ذهابًا، و٧٥ ساعة إيابًا، وفرق الزمنين ناشئ من معاكسة الرياح في الحالة الأولى ومساعدتها في الثانية، وكان ذلك بين ٢ يوليو سنة ١٩١٩ و٦ منه، والمسافة بين أمريكا وإنجلترا من طريق نيوفاوند لاند تبلغ نحو ٣٠٠٠ ميل. وكانت هذه الرحلة هي الكلمةَ الفاصلة في إثبات مقدرة المنطاد وأمنه.

أما المجهودات الإيطالية فقد أُفرغ معظمُها في تحسين النوع الذي سمَّيناه شبه المتماسك، والذي تفوَّق الإيطاليُّون في صُنعه على الممالك الأخرى، وسترِد الإشارة له ثانيةً فيما بعد.

هذا موجز لتاريخ المنطاد وتطوُّره، ننتقل بعده إلى الكلام عن نظامه وتسييره.

(٤) نظام المنطاد وتسييره

الأجزاء الأساسية في المنطاد هي:٣
  • (١)

    الغلاف الذي يحوي غازًا أخف من الهواء.

  • (٢)

    العربات أو الجندولات التي تحمل الركاب والمحرِّكات.

  • (٣)

    السُّطوح الخلفيَّة الضابطة.

  • (٤)
    أجهزة القيادة المتجمعة في غرفة القيادة أمام رئيس الروَّاد أو القبطان captain.
ولنذكر كلمة صغيرة عن كل جزءٍ منها:
  • أولًا: الغلاف: يغلب أن يكون على طبقتين، غلافًا خارجيًّا وأكياسًا داخلية، ويُشترط في كلَيهما صعوبة إنفاذ الغاز impermeability، ولكن هذه الصعوبة يجب أن تكون كبيرةً في الأكياس الداخلية؛ ولذا تُصنع من الغشاء الداخلي لأمعاء الثَّور goldbeaters skin، وهو خير مادة لا تُنفذ الغاز وتمتاز كذلك بخفتها، ولعدم متانتها تغلَّف بطبقة أخرى من منسوج ممطَّط rubberised لتتلقى عنها الأحمال التي تقع عليها، سواء أكانت من أثَر ضغط الغاز الداخلي أو من عبث الأيدي العاملة. أما الغلاف الخارجي فيُصنع من مادة ثالثة مكوَّنة من منسوج fabrie أقوى من الفائت لتعرُّضه لأحمال أشدَّ من التي يتعرض إليها الداخلي، وهذا الغلاف ممطَّطٌ كذلك، ويُدهن بطلاء اسمه الدوب dope يشدُّه ويُصقله ويسدُّ مسامه، كما يُدهن بطبَقةٍ تحميه من حرارة الشمس وأشعَّتها التي لها أثر كيميائيٌّ سيئ، ولا يدخل غشاء أمعاء الثور في تركيب هذا الغلاف الخارجي. وبالأكياس الغازية فتحات تُستخدم وقت ملئها بالأيدروجين وتُقفل بعد ذلك، كما أن بها صمامات مُحكمة الصنع ينفتح بعضها من تلقاء نفسه إذا زاد الضغط داخل الأكياس عن الحد الذي يُعرِّضها للانفجار، كما أن هناك صمامات أخرى يُحركها رُبَّان السفينة وهو في غُرفة القِيادة ليستعين بذلك على عمَل المناورات.
  • ثانيًا: العربات أو الجندولات التي تحمِل الرُّكاب والبَضائع: تكون عادةً على شكل جِسم الطيارة، أي مسحوبة؛ لتقلَّ مقاومة الهواء لسيرها فيه.
  • ثالثًا: السطوح الضابطة: وهي الدفَّتان والزعنفتان، وتشبه نظيراتها في الطيارة، كما أن نظرية عملِها جميعًا واحدة، فالزعنفتان الأفقية والرأسية تحافظان على اتزان السفينة، ويُعينهما في ذلك كلٌّ من الدفة الأفقية والدفة الرأسية، وهاتان تقومان أيضًا بتوجيه المنطاد، فتساعد الدفة الأفقية في إحداث الحركة التموُّجية، والدفة الرأسية في إحداث الحركة التعرُّجية.
  • رابعًا: غرفة القيادة control car: شكل ٦-٤ فسيحة وبها أجهزة أكثر من التي بمنعزل الطيار في الطيارة، ومنها يُحرِّك الرائد الدفتين، ويفتح الصمامات، ويقذف ببعض الصابورة إما قليلًا قليلًا، وإما كثيرًا يُلقيه دفعة واحدة للنجدة عندما يخشى على السفينة اصطدام عرباتها مع الأرض إذا وصلَتْ إلى سَطحها وهي ثقيلة. ومن تلك الغرفة يُسيطر الرُّبَّان على صمامات الخناق لوقود fuel المحركات، وعنده آلات تسجل له من غير عناء سرعة المنطاد، وارتفاعه، وعدد دورات كلٍّ من محرِّكاته، ومقدار ما تبقَّى في صهاريج tanks البترول والزيت، ودرجة نقاء الأيدروجين الذي بالأكياس (مقدار ما اختلط به من هواء) ومقدار ضغطه، كما أن عنده بتلك الغرفة الخرائط الضرورية والبوصلة، وغير ذلك من أدوات المِلاحة.
هذه هي الأجزاء الأربعة الأساسية في كل منطاد، أما مميزات أجناسه الثلاثة فهي:
  • أولًا: المنطاد الغير المتماسك: يعتمد هذا النوع في الاحتفاظ بشكله كما قدَّمنا في الباب الأول على ضَغط الغاز داخله، بحيث لو قلَّ هذا الضغط كثيرًا انثنى المنطاد كما ترى في شكل ٦-٣، فانخفض وسطه حيث تُعلَّق الأثقال وارتفع طرفاه.
    fig29
    شكل ٦-٣: منطاد غير متماسك انثنى لقلة ضغط الغاز داخله.
    fig30
    شكل ٦-٤: غرفة القيادة في المنطاد ر. ٣٣ R. 33 الذي في شكل ١٤-٢، رسم يوضح الأجزاء المختلفة.
    على أنه يجب أن نذكر هنا أنَّ مقدمة هذا النوع من المناطيد تُركَّب لها أعضاء خاصة تُقوِّيها؛ حتى تتحمل ما تتعرض له من ضغطٍ شديد أثناء إسراع البالون (انظر شكل ٦-٥).

    وهذا النوع رخيص في ثمنه ومحدود في كِبَر حجمه، ومن ثم فهو محدود أيضًا في ثقل حمولته.

  • ثانيًا: المنطاد الشبه المتماسك: فيه — كما قدَّمنا — عمود فقري من المعدن يمتد من مقدمته إلى مؤخرته اسمه: القرينة keel، ويُربط فيه الغلاف وتتصل به العربات أو الجندولات وكذلك مقوِّيات المقدمة، وإليه تُربط أيضًا السطوح الخلفية الضابطة. وهذا النوعُ من المناطيد أغلى في ثمنه من السابق، ولكنَّ إنشاءَه يسمح بأحجام أكبر من الأحجام الممكنة في النوع السابق.
    وطريقة ربط العربات بالغلاف في المنطاد غير المتماسك وبالقرينة في شبه المتماسك من أصعب الأمور، وآراء المهندسين تختلف فيها كثيرًا، ولا يسمح المقام هنا بتناول دقائق لا يعبأ بها سوى الفنيِّين فقط؛ ولذا نكتفي بعرض صورة لواحدة من هذه الطرق المستخدمة في ربط العربات بالغلاف (شكل ٦-٥).
    fig31
    شكل ٦-٥: يوضح إحدى طرق ربط العربات بالغلاف في المنطاد غير المتماسك. والصورة توضح أجزاء المنطاد أيضًا.
    كذلك يوجد في كلٍّ من هذين النوعين — كما ذكرنا في الباب الأول — أكياس يصح أن نسميها بالبُلينات تصغير بالون balloonets، ويبلغ حجمها نحو ربع حجم أكياس الغاز الخفيف، وهي تُملأ بالهواء إما بواسطة منافيخ blowers تُشغِّلها محركات ثانوية صغيرة، أو بواسطة أنابيب تتدلى فتميل فتتلقى تيار الهواء المندفع إلى الوراء من أثَر حركة المروحة التي يديرها المحرك، وهذه البُلينات مُعلَّمة بخطوط منقوطة في شكل ٦-٥، وفيه ترى تلك الأنبوبة المائلة تجاه المروحة، وقد يكون ملء البلينات بواسطة فتحات أو ثقوب في أقصى مقدمة البالون، يسيطر عليها الرائد فيسدها ويفتحها متى شاء، وهذه هي الطريقة المستخدمة في المناطيد الإيطالية.
  • ثالثًا: المنطاد المتماسك: يحتفظ بشكله — كما قدمنا — بواسطة الهيكل المعدني الكامل الذي شرحناه، وهذه طريقة تستلزم نفقات كبيرة، فهو من أجل ذلك أكثر الأنواع نفقة، ولكن طريقة إنشائه هذه تُعين على تكبير حجمه لدرجة لم تعرف لها حدود بعد، وكلما ازداد حجم المنطاد زاد ثقله وثقل المحرك الأقوى اللازم لتسييره، ولكن الزيادة في الرفع المكتسبة من زيادة الحجم تعدل كل هذه المضار ويتغلب النفع؛ ولذلك لا مندوحة من اختيار هذا الجنس المتماسك إذا أريد بناء مناطيد كبيرة جدًّا لنقل الركاب أو البضائع أو الجنود وما يلزمها.

(٥) المناورات Manævres

بقى علينا أن نقول كلمة عن الكيفية التي يرتفع بها المنطاد وينخفِض، وكيف يعمل مناوراته في الهواء:

إذا كان البالون ممتلئًا أيدروجينًا؛ فإن هذا الأيدروجين وزنه يساوي السعة الغازية × كثافة الأيدروجين، ودفع الهواء له إلى أعلى يساوي نفس هذه السعة × كثافة الهواء. ولمَّا كان وزن الألف قدم مكعب٤ من الأيدروجين النقي (في درجة حرارة خاصة وعند ضغط خاص) يساوي نحو أرطال، ووزن نفس هذا المقدار من الهواء يساوي نحو ، وهذا يساوي دفع الهواء إلى أعلى الكيس، فمن هذا القدر أرطال تقاوم وزن الأيدروجين، والباقي — وقدره رطلًا — هو مقدار القوة التي نسميها بالرفع، أي أن هذا الكيس الذي يحتوي ١٠٠٠ قدم مكعب من الأيدروجين النقي يستطيع أن يحمل أي ثقل أقلَّ من رطلًا ويطير به إلى أعلى، فإذا علقت فيه رطلًا كان عندئذٍ في حالة اتِّزان.
هَبِ الآن أن بهذا الكيس صمامًا ينفتح من تلقاء نفسه إذا زاد الضغط داخلَه، وهب أن الكيس لم تُعلق به أثقال ما، بل سُمح له بالصعود وهو مملوء أيدروجينًا، فكلما ارتفع صادف هواءً مخلخلًا ضغطه أقل من ذي قبل، فينفتح الصمام ويخرج بعض غاز الكيس حتى يتساوى الضغط داخله وخارجه، وعندئذٍ يكون رفع الهواء لهذا الكيس قد قلَّ لنقصان كثافة الهواء الجوي عند الارتفاع الذي وصل إليه الكيس، وهكذا يكون الرفع الواقع على كل ما سعته ١٠٠٠ قدم مكعب في الارتفاعات المختلفة محدودًا، يمكن حسابه بالضبط ما دُمنا نعلم كثافة الهواء عند ذلك الارتفاع، وعلماء الأرصاد الجوية meteorologists يدلوننا عليها.

خذ الآن مثلًا خاصًّا: بالونًا سعته ٢٠٠٠٠ قدم مكعب ممتلئ بالغاز في ارتفاع يكون عنده الرفع الواقع على كل ١٠٠٠ قدم مكعب يساوي ٦٨ رطلًا، فيكون الرفع الواقع على البالون كله يساوي ١٣٦٠ رطلًا، فإذا كان وزن البالون وما علق به من أثقال يساوي ٦٢٠ رطلًا، فيكون رفع الهواء له يزيد على هذا البالون بمقدار ٧٤٠ رطلًا، فإذا أُريد بقاء البالون مُتَّزنًا فلا بدَّ من أن يوضع فيه شيء وزنه ٧٤٠ رطلًا، ويكون ذلك عادةً ماءً يُطلق عليه اسم: صابورة، فكلما رميت من هذا الماء شيئًا خفَّ البالون بمقدار ما رميت، فإذا أردت الوصول مثلًا إلى علو يبلغ نحو ٨٠٠٠ قدم، فمن السهل أن نحسب القدر الذي يتحتم عليك رميُه من هذا الماء: فإذا كان الرفع الواقع على ١٠٠٠ قدم مكعب في هذا العلو يساوي ٣ / ٤ مقداره عند الارتفاع الأصلي، فيكون الرفع الواقع على البالون في علو ٨٠٠٠ قدم هو ١٠٢٠ رطلًا، ومن ذلك ثقل ثابت يساوي ٦٢٠، فكأن المقدار اللازم استبقاؤه من الصابورة هو ٤٠٠ رطل، ولمَّا كان أصل وزنها ٧٤٠، فلا بد لنا أن نرمي منها ٣٤٠ رطلًا قبل الوصول إلى هذا الارتفاع. فإذا وصل البالون إليه وأُريد حمله على الهبوط فيكفي أن يفتح أحد صمامات الغاز لإخراج قدر يسير منه (نحو ١٠٠٠ قدم مكعب فقط) ثم يُقفل الصمام، فيثقل المنطاد بمقدار وزن هذه الألف قدم ويهبط. وبالتأمُّل قليلًا نرى أنه يصل إلى الأرض وهو أثقل بقليل منه عندما كان في ارتفاع يساوي نحو ٨٠٠٠ قدم.

نرى مما سبق أنه إذا كان البالون عند بَدئه في الصعود ممتلئًا بالغاز فلا بد من خروج بعض غازه كلما ارتفع، وهذا أمر يجر لنفَقات كبيرة بسبب غُلُوِّ الأيدروجين (غلوًّا نسبيًّا)، فتفاديًا من ذلك تُستخدم في المناطيد الغير المتماسكة والشبه المتماسكة البُلينات التي أشرنا إليها سابقًا، والتي تُملأ بالهواء حتى إذا صعِد المنطاد وتمدد أيدروجينه ضغط على أكياس الهواء التي لها صمامات معدَّلة بحيث تنفتح عند ضغوط أقل من اللازمة لفتح نظيراتها في أكياس الأيدروجين، وبذلك يتسرَّب الهواء إلى الجو بقدر تمدُّد الأيدروجين، وهذا يكفينا مئُونة حمل صابورات كثيرة.

فإذا كان البالون الذي سبق أن تكلمنا عنه لم تُملأ أكياسه بالأيدروجين إلا بقدر ٤ / ٥ سعتها الغازية وشغل هواء البلينات الخمس الباقي، فإن الرفع الكلي الواقع على البالون عند بدء صعوده يساوي ١٦ × ٦٨، أي: ١٠٨٨ رطلًا، وإذا كان وزن الأثقال والبالون لا زال ٦٢٠ فإن وزن الصابورات التي يجب حملها في هذه الحالة = ٤٦٨ رطلًا، فكأننا وفرنا ٤٠٠٠ قدم مكعب من الأيدروجين وكفينا أنفسنا مئونة حمل صابورات وزنها ٢٧٢ رطلًا، وهذا البالون حين يصل إلى علوٍّ يبلغ نحو ٨٠٠٠ قدم يكون كل هواء أكياسه قد تسرَّب إلى الجو، وتبعه من الغاز مقدار أصل حجمه ١٠٠٠ قدم مكعب، ويكون وزن ما رمى من صابورته إذًا نحو ٦٨ رطلًا.

من ذلك يتضح أن حجم أكياس الهواء متوقف على الارتفاع الذي نريد أن يصل إليه البالون قبل أن يبدأ أيدروجينه في التسرُّب إلى الجو، ويسمى هذا الارتفاع بالارتفاع الضغطي pressure height، وهو ثابت ما دام البالون لا تتخطَّاه، وإلا خرج بعض أيدروجينه وتزايد هذا الارتفاع الضغطي.
ولا يفوتُنا أن السببَ في وضع أكياس الهواء في نوعي المنطاد هذين: اعتمادهما في الاحتفاظ بشكلهما على الضغط داخلهما، أما في المناطيد المتماسكة حيث الشكل محفوظ بالهيكل المعدني فلا يدعو الحال للأكياس الهوائية، بل يُكتفى بشحن أكياس الغاز بمقدار ما يكفي لنَفخها إلى أقصى حدٍّ حين تصل إلى أعلى ارتفاع يُراد منها ceiling.

هذا هو ملخص كيفية عمل المناورات بتأثير تغيير حجم الغاز ومقداره، أما بقية المناورات فتتمُّ بواسطة السطوح الخلفية الضابطة، كما هو الشأن في الطيارة.

بقيَتْ لنا كلمة عن إيواء المناطيد ومحطاتها وعن المقارنة بينها وبين الطيارات، أرجأناها إلى ما بعد دراسة الأخيرة وذيَّلنا بها الباب الرابع، فليرجع إليها من شاء في [الباب الرابع: التقدم الحديث للطيارة – الفصل الرابع عشر: ذيل للباب الرابع – محطات المناطيد أو السفن الهوائية] والصفحات التي تليها.

١  راجع شكل ١-٥ فتلاحظ ربط المنطاد ر. ٣٤ بهذه الكيفية.
٢  طوله نحو ٦٥٠ قدمًا، وأكبر قُطر فيه يُساوي نحو ٨٠ قدمًا، وسعة الغازية نحو ٢ مليون قدم مكعب مُوزَّعة على ١٨ كيسًا، ورفع الهواء له إلى أعلى يُعادل وزن ٦٠ طنًّا تقريبًا، منها نحو النصف للأوزان الثابتة والنصف الآخر للأثقال النافعة.
٣  راجع ما جاء عنه في الباب الأول.
٤  نحو ٢٨,٤ مترًا مكعبًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤