الخاتمة

القيادة رحلة وليست وجهة

تقدمها سالي فيلد
ممثلة وناشطة وعضوة بمجلس إدارة أصوات حيوية

منذ سبعة عشر عامًا مضت، سافرتُ أنا أيضًا إلى بكين حيث حضرت وشاركت في مؤتمر الأمم المتحدة العالمي الرابع التاريخي المعني بالمرأة. لم أكن على علم بما سيحدث، وبالقطع لم أكن أستطيع التنبؤ بالتأثير العميق للمؤتمر عليَّ شخصيًّا، ومما زاد رحلتي أهميةً أن ابني البالغ ثلاثة وعشرين عامًا حينها، والذي كان يدرس في عامه الثالث بالجامعة كان برفقتي. بوصفي أمًّا، شاهدت هذا «الشاب الأمريكي» يقف في إجلال وهو يستمع إلى قصص النساء من مختلف الأعمار من شتى أنحاء الكوكب وهن يشرحن نضالهن الصعب من أجل ما رآه هو حاجات أساسية.

استطعت رؤيته والشعور به يتفاعل مع مدى أهمية وإلحاح ما يلقي الحضور الضوء عليه، وشاهدت تأثير ذلك عليه. الحق في الحصول على تعليم، الحق في الحصول على رعاية صحية مناسبة، الحق في الحديث بحرية، الحق في الحرية الاقتصادية، الحق في العيش دون خوف من التعرُّض لاعتداءات: هذه حقوق للمرأة بلا شك، لكنها حقوق الإنسان قبل كل شيء.

لم يخرج أحدٌ منا من المؤتمر بنفس الحال التي كان عليها عند دخوله.

تعلمتُ أنه حيثما تظل المرأة أمية، تكون المؤسسات الديمقراطية أكثر هشاشة، وتدار البيئة على نحو أقل كفاءة، وكذا تعلمتُ أن الاستثمار في تعليم الفتيات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالفرص الاقتصادية. وحيثما تُمكَّن المرأة، فإنها لا تُحدث تحولًا في حياتها الشخصية فحسب، وإنما تغيِّر من حياة أسرتها ومجتمعها أيضًا.

أدركت كم كان مهمًّا بالنسبة إليَّ كامرأة في هذه الأسرة العالمية، وباعتباري أمًّا لثلاثة أبناء، أن أجد سبيلًا للانضمام إلى هذا المسعى بأي طريقة يسعني المشاركة بها. وفي السنوات اللاحقة، عملت القيادة التي تتولى زمامها نساء رائدات على إخراج هذه الدعوة للمساواة إلى النور. هؤلاء السيدات الجريئات كنَّ مصدر إلهام لأعضاء المجالس المحلية، ورواد المؤسسات الاجتماعية، وأرباب منظمات المجتمع المدني. والنساء اللاتي عرفتهن إبان الوقت الذي أمضيته مع منظمة أصوات حيوية يتمتعن بقدرة فريدة وعظيمة على القيادة القائمة على التعاون على نحو يحفِّز المجتمع ككلٍّ على المضي قدمًا من أجل التغيير، ليصبح أقرب إلى تحقيق السلام، وبلوغ الرخاء، والاستفادة المثلى من إمكاناته.

إن تحديات اليوم ضخمة، والتقدم المحرز سيظل غير ملموس إن لم يتم تعزيزه ويُبسط نطاقه. وعلينا، جميعًا، أن نمضي قدمًا يدفعنا الشعور بالواجب، ويحركنا الهدف ذاته الذي أنار الطريق أمام القيادات النسائية اللاتي تعرفنا عليهن عبر صفحات هذا الكتاب. من وجهة نظري، أرى أن الصمت قد كُسر والعمل قد بدأ في بكين. من فضلكِ، انضمي إلى المعركة كي تصنعي إرثًا باقيًا تصبح المرأة بفضله مؤثرة وفاعلة.

***

في يوم السبت الموافق ١٣ نوفمبر ٢٠١٠، أُطلق سراح أون سان سو تشي بعد أن قضت خمسة عشر عامًا من الواحد والعشرين عامًا المنصرمة رهن الإقامة الجبرية. تجمَّع أكثر من ألف من معجبيها من أهل بورما وصحافيي الوكالات العالمية أمام باب منزلها. وعندما خرجت إليهم، هللت الحشود وتغنى الرهبان وتراقص الأطفال، وفي ذات الوقت تملكت البهجة الآلاف غيرهم حول العالم.

قبل إطلاق سراح أون سان سو تشي بأسبوع، عقد نظام الحكم العسكري أول انتخابات خلال عشرين عامًا. رفض حزب سو الذي يحمل اسم الرابطة الوطنية الديمقراطية، المشاركة بالانتخابات، واصفًا الإجراء بالمزيف. توقع كثيرون أن يكون إطلاق سراح سو، رغم أنها كانت قد قضت مدة عقوبتها، مجرد حيلة من جانب الحكومة لالتماس شرعية دولية، ولفتح قنوات الحوار مع الغرب بشأن العقوبات التي شلَّت اقتصاد بورما.

حال إطلاق سراحها، أدلت أون سان سو تشي بتصريحٍ مُطالبةً المجتمع الدولي بالنظر من كثب لانتخابات السابع من نوفمبر. كانت السيدة سو يُطلق سراحها من حين لآخر في السنوات الماضية، لتُوضع مرة أخرى قيد الإقامة الجبرية. في الأيام والأسابيع اللاحقة، تساءل العالم إن كان النظام العسكري سيعيد الكرة أم أنه يسعى سعيًا صادقًا لكسر حدة الجمود الذي أصاب العلاقات.

عزمنا بمنظمة أصوات حيوية على فعل كل ما بوسعنا لدعم نضال سو الشجاع من أجل الديمقراطية، وإبداء تقديرنا له. قررنا تكريم السيدة سو بمنحها جائزة أصوات حيوية للريادة العالمية، التي كان من المقرر أن تقدمها وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بمركز كينيدي في واشنطن العاصمة في أبريل ٢٠١١. تنامى إلى علمنا أنه إذا غادرت السيدة سو بورما، فقد لا تتمكن من العودة إليها أبدًا. عوضًا عن ذلك، تقرر أن أسافر أنا للقائها في صحبة آرون كيسنر؛ المدير المبدع بمنظمة أصوات حيوية. أردنا التباحث حول الطرق التي بإمكان المنظمة دعم سو بها، كما أردنا تسجيل رسالة مصورة لنقل كلماتها إلى قاعدة أعرض من الجمهور.

استغرقت مغامرتنا أشهرًا من الإعداد، واستلزمت مساعدة من شبكة من الأفراد الذي كرَّسوا حياتهم لشعب بورما. كنا على دراية بأن كثيرين من الصحافيين بل وقادة العالم، مثل رئيس الوزراء البريطاني السابق جوردن براون، لم يُسمح لهم بدخول بورما في الماضي، وبعضهم حط بطائرته في مطار يانجون ليُرفض دخوله البلاد، لكن حالفنا الحظ ومررت أنا وآرون رغم كل ذلك.

لم تتمتع بورما آنذاك إلا باتصال محدود بالعالم الخارجي. لم تكن خدمة الاتصال الدولي عبر الهواتف المحمولة تعمل؛ ما صعَّب علينا الاتصال بمعارفنا المحليين. ولتنسيق لقائنا، اضطررنا إلى أن نجوب أرجاء المدنية، وأن نجري مكالمات مستعينين بأكشاك هاتفية مؤقتة صغيرة في الشارع. رغم أن بورما قائمة على الاقتصاد النقدي وحده، لم نجد ماكينات صرافة آلية؛ ما جعل الحصول على نقودٍ أمرًا أشبه بالمستحيل. ومع وجود عدد محدود جدًّا من الغربيين بالمدينة، لم نتمكن من التعامل باعتبارنا سياحًا لوقت طويل. وبنهاية الأمسية الأولى بالبلد، سلمنا بحقيقة وجود «رقيب» يتبعنا.

صبيحة يوم ٢ مارس، استقللنا سيارة أجرة إلى معبد شويداجون، المكان الذي ألقت فيه السيدة سو خطبتها الشهيرة عام ١٩٨٨ التي استهلت بها رحلتها السياسية. كان ذلك اليوم يوم عطلة في بورما؛ إذ شهد إحياء الذكرى التاسعة والأربعين لانقلاب عام ١٩٦٢ الذي أسس لهيمنة الجيش السياسية. يا له من يوم غريب ألتقي فيه بأبرز أصوات بورما المطالبة بالديمقراطية.

قفزنا في سيارة أجرة ثانية، وبدا على السائق التوتر عندما طلبنا منه التوجه إلى عنوان مقر حزب الرابطة الوطنية الديمقراطية. لم نبعد عن وجهتنا كثيرًا، لكن ونحن نتتبع الأرقام على البنايات في السيارة لاحظنا أننا نسير في الاتجاه الخطأ، وتساءلت إن كان السائق يخطط لتسليمنا للشرطة. بعد رحلة غير مباشرة، وصلنا إلى ما بدا لنا بناية خاوية: رقم ٩٧ب. لاحظت أن يدي السائق كانتا ترتعشان وهو يُمسك بعجلة القيادة. ترجَّلنا مسرعين بحيث لا يُفتضح أمره ويتعرض له أحد، وتخطينا بعض فتات الصخور، ودلفنا البناية. شعرت أنه بوسعي تنفس الصعداء لأول مرة منذ أن وطئت قدماي بورما.

داخل جدران مقر حزب الرابطة الوطنية الديمقراطية، كان مكتب السيدة سو هادئًا؛ لأن اليوم كان عطلة وطنية، وعلى مكتبها استقرت صور قديمة لوالدها؛ البطل الثوري الجنرال أون سان، ومجموعة من الخطابات من المؤيدين لها حول العالم، وكمبيوتر أبل عتيق الطراز يعلوه الغبار، وأكوام من الدراسات والتقارير الدولية.

دخلت علينا السيدة سو في هدوء. كانت ترتدي بلوزة أنيقة قرمزية اللون، وتعقد شعرها بمجموعة من الورود الناضرة. كانت ترتدي السارنج؛ وهو الزي التقليدي في البلاد. كانت تبدو أكثر جمالًا — جمال لم يخلُ من قوة — من أي صورة طالعتُها لها. توقعت منها أن تعاملني معاملة رسمية، لكنها سرعان ما رحبت بي وطمأنتني إليها بطلاوتها وتواضعها وحسِّها الفكاهي وحنانها. حدث أكثر من مرة ونحن نتحدث أن تداعى الحوار لدرجة أني كنتُ أنسى المكان الذي نحن فيه. انطباعي عنها أنها امرأة تتمتع بكامل السيطرة.

رغم التضحيات العظيمة التي بذلتها السيدة سو لأكثر من عشرين عامًا، أخبرتني أنها لا تحمل أي ضغينة شخصية تجاه المجلس العسكري، واعترفت لي بأنها أحيانًا ما تصاب بالإحباط، لكنها سرعان ما تتغلب على الإحباط بالأمل. إنها تعشق حماس الشباب وتخطط للخروج إلى العالم يومًا ما من أجل التحدث إلى الطلاب.

إن قضاء ساعة واحدة مع أون سان سو تشي كان بمثابة تجربة رائعة؛ فقد أسرتني قصتها منذ أن سمعتها تتحدث لأول مرة عبر الفيديو بمؤتمر الأمم المتحدة في بكين منذ سبعة عشر عامًا، إلا أنها طيلة ذلك الوقت كانت تمثل بالنسبة إليَّ أيقونة وليس شخصًا فعليًّا. كنت أنظر إلى صورتها على الملصقات كمثال للشجاعة؛ حيث لم أكن أتوقع أن تكون تلك المرأةَ الصريحة واللطيفة التي جلستُ معها في مكتب متواضع في يانجون.

سألتها إن كان مر عليها وقت من الأوقات شعرت فيه بعبء التعامل معها باعتبارها أيقونة، فردَّت بأنها لا تنظر إلى نفسها من هذا المنطلق، وأنها مجرد سيدة تؤدي عملًا. كان من المذهل اعتبار التضحيات التي بذلتها «عملًا» في الوقت الذي تستمد فيه قوتها من قناعتها بأنها تدافع عن شيء يتجاوز حدود ذاتها. ورغم أنها لم تسعَ قط لأن تكون قائدة، كانت على استعداد لأن تقوم بهذا الدور إن كان سيعود بالفائدة على غيرها.

تحدثنا عن النساء حول العالم اللاتي يناضلن على الخطوط الأمامية للتغيير، وطلبت مني تبليغ رسالة إلى النساء اللاتي أقابلهن؛ هي لا تريد منهن فقدان الأمل، فهذا اختبار يمر به القادة، وعلى القائد أن يتحلى بروح المثابرة. تحدثنا عن الربيع العربي ومدى واقعية واستدامة التغيير الحادث.

ونحن نغادر مكتب حزب الرابطة الوطنية الديمقراطية، ألقيتُ نظرة أخيرة على مقرها المتواضع متسائلة: كم كانت ستصبح بورما مختلفة تحت قيادة أون سان سو تشي! ربما يملك الحكام العسكريون سلطة الإكراه، لكن أون سان سو تشي تملك سلطة قلوب الشعب، مانحة إياهم الأمل في الوقت الذي لا يملكون سواه.

شعرت بأن لقائي بها كان بمنزلة الخطوة الأخيرة التي اكتملت بها رؤيتي عن القيادة في رحلة كثيرًا ما كنتُ أنظر خلالها إلى صورة سو كي أستمد منها الإلهام. لم أتخيل قط عندما سافرت إلى بكين في صيف ١٩٩٥ أن النساء اللاتي سأقابلهن هناك سيغيِّرن مسار حياتي. إن دروس القيادة التي كشفت عنها قصصهن — الدروس التي عززتها النساء المؤثرات اللاتي قابلتهن مذ ذلك الحين — غذت قناعتي بأن تصوُّرًا جديدًا للقيادة بصدد الخروج إلى النور. إنه تصوُّر تضرب السيدات الأمثلة عليه، لكنه لا يقتصر عليهن. هذا اللقاء بأون سان سو تشي ذكَّرني بأنه قد لا يتوفر لنا أبدًا الصيغة أو الموقف المثالي لقيادة التغيير. يجب أن نتمتع بالبرجماتية ونغتنم الفرص متى ظهرت. لقد جعلتني سو أدرك أنه يتعين نشر هذه الدروس، ونقل هذا النموذج على نطاق أوسع، فهو نموذج بوسع أي شخص اتباعه؛ إنه نموذجٌ عالمُنا في أمسِّ الحاجة إليه اليوم.

•••

إن التحديات المعاصرة التي تواجه عالمنا تستدعي تصوُّرًا جديدًا للقيادة. إن كنا نريد أن نلمس تحولًا يحدث، ينبغي لنا التسليم بقوة الإمكانات التي يحملها هذا النموذج، ودورنا في تحقيقه على أرض الواقع.

عالم يزداد تشابكًا في حاجة إلى قادة تشاركيين

عالم لا تبرح الهُوة فيه بين الأغنياء والفقراء تتسع. إنه بحاجة إلى قادة ذوي وجهة تفكير تقوم على الشمول والمشاركة.

عالم مزَّقه سوء الفهم وغياب الثقة بين الشعوب والأديان والثقافات. إنه عالم بحاجة إلى قادة راسخة جذورهم في مجتمعاتهم، وفي الوقت نفسه عازمين على مد جسور التواصل مع الآخرين.

عالم تواجهه تحديات ملحَّة، بعضها موجود منذ أمد طويل، والبعض الآخر منها يثب إلى الوجود بوتيرة سريعة. إنه عالم في حاجة إلى قادة مبدعين يستثمرون من جديد في الأجيال الصاعدة تلك المكاسب التي جنَوها من خبرتهم.

وفوق كل ذلك، عالم في صيرورة دائمةٍ في حاجة إلى قادة يضطلعون من فورهم بمهامهم، بغض النظر عن حالتهم أو موقعهم أو وسائلهم الراهنة.

إن النساء اللاتي قمن بتثقيفنا بشأن القيادة لم يقفن مكتوفات الأيدي، فهن لم يتأخرن في اتخاذ إجراءات من أجل التماس التمويل أو التدريب أو الخبرة، أو دعوة الأخريات، أو الإعراب عن تقديرهن لهن. لقد أدركن أنه لا توجد لحظة مثالية تبدأ فيها القيادة. لقد برزن بغض النظر عن الموقع الذي كنَّ فيه، وعن الموارد التي كانت تحت أيديهن، لتحدي الوضع الراهن بكل ما في وسعهن.

تُذكِّرنا قصصهن بأنه لا يوجد بيننا من لا يملك قدرة على إحداث تغيير حتى في البيئات التي لا تتوقف عن قمع حقوق النساء وإنكارها، بوسعهن الارتقاء كمدافعات عن الإصلاح السياسي، أو الفرص الاقتصادية، أو التنمية البشرية. إضافة إلى ذلك، الأمثلة التي يَضرِبْنها تعلمنا أن القيادة ليست وجهة يطمح المرء إلى بلوغها بعد تحقيقه أهدافًا أخرى كثيرة؛ بل إنها ليست وجهة على الإطلاق. إنها اختيارٌ نُقدِم عليه كل يوم، مدركين أن أهم خطوة في رحلة القائد هي دومًا الخطوة التي نحن بصدد أن نخطوها.

بوسع أي شخص التغيير

فرصة إحداث التغيير متاحة لنا في كل مكان وزمان، وإحداث التغيير لا يقتصر على سن معينة أو قدر محدد من الخبرة. في الواقع الشباب هم أكثر من يتَّسمون بالبصيرة في التعرُّف على هذه الفرص، وهم الأقل تشاؤمًا حيال فرص النجاح بالمستقبل.

على سبيل المثال، في خريف عام ١٩٩٩، سمعت ميجان جرينويل وإيليانا مونتوك — مراسلتان صحافيتان بالمدرسة الثانوية في بيركلي بكاليفورنيا — عن الوفاة المأساوية لشابة هندية جرَّاء التسمم بأول أكسيد الكربون؛ كانت تعيش في مجمع سكني يبعد بضعة شوارع عن مدرستهما، وكانت في مثل عمرهما وقت وفاتها. بدأت ميجان وإيليانا تطرحان الأسئلة: «أين كان والداها؟ لماذا لم تكن بالمدرسة؟» شكَّتا في أن القصة تتضمن أكثر مما قرأتا بالصحف المحلية.

أجرتا مقابلات مع طالبات أخريات من جيرانها ومع سكان من المجمع السكني، ومع أعضاء من جالية جنوب آسيوية بالمنطقة. اكتشفت الفتاتان أن المتوفاة دخلت الولايات المتحدة بطريقة غير شرعية؛ حيث جرى تهريبها إلى الولايات المتحدة ضمن شبكة للاتجار بالبشر وتم استرقاقها قسرًا. نشرت الفتاتان القصة في صحيفة المدرسة، «بيركلي هاي جاكيت»؛ ما أدى إلى إلقاء القبض على مالك عقارات بارز بالمنطقة يُدعى لاكيريدي بالي ريدي، وسقوط شبكة إجرامية قوية في نهاية الأمر.1

هذه قصة غريبة، لكنها ليست نادرة كما قد يظن المرء؛ ففي جميع أنحاء العالم، توجد فتيات ونساء يقدن التغيير. في عام ٢٠٠٨، تزوجت نجود علي؛ وهي فتاة يمنية من أسرة فقيرة وأُمِّيَّة، من عامل توصيل طلبات يكبرها بعشرين عامًا، وبموجب قانون الأحوال المدنية اليمني، كان هذا الزواج لا غبار عليه من الناحية القانونية.

على مدار الأشهر الأولى من زواجهما، قاست نجود تعرضها للاغتصاب والضرب مرارًا وتكرارًا إلى أن جاء يوم وجدت في نفسها الشجاعة لأن تقرر مصيرها بنفسها. هربت من المنزل واستقلت سيارة أجرة متجهة إلى المحكمة المحلية، وهناك أذهلت الجميع بتقديمها طلب طلاق. لم تدافع فتاة صغيرة من قبلُ عن نفسها على رءوس الأشهاد على ذاك النحو، وسرعان ما لفتت انتباه الصحافة المحلية. تولَّت شذى ناصر؛ أول محامية في اليمن، قضيتها. ذهبتا إلى المحاكمة حيث طلَّقها القاضي ثم أمر بإلقاء القبض على زوجها ووالدها.

انتشرت قصة نجود حول العالم سريعًا؛ ما أعطى زخمًا جديدًا للوعي بمسألة زواج الأطفال الذي يؤثر على أكثر من عشرة ملايين فتاة تحت سن الثامنة عشرة حول العالم كل عام،2 كما أذكى جذوة حملة عالمية لوضع نهاية لهذه العادة. في وقت لاحق من ذلك العام، أعد البرلمان اليمني قانونًا حدد الحد أدنى لسن الزواج بسبعة عشر عامًا. وفي عام ٢٠١١، دشَّن حكماء العالم — مجموعة من رؤساء الدول وقادة العالم السابقين — حملة «فتيات ولسن عرائس»؛ لوضع حد لزواج الأطفال خلال جيل واحد.3 أعلن كبير الأساقفة، ويُدعى ديزموند توتو، أن هذه العادة «استرقاق»، وتعهَّد بتكريس نفس القدر من الجهد والحماس والالتزام الذي كرَّسه لإنهاء الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

وكذا في عام ٢٠١١، انضمت منظمة أصوات حيوية إلى شركة آن؛ وهي الشركة الأم لمتجري آن تايلور ولوفت للملابس، إذ جمع بينهما إيمان مشترك بالشابات والفتيات بوصفهن عاملًا جوهريًّا في إحداث التغيير. أطلقت شركة آن ومنظمة أصوات حيوية مبادرة آن باور. يكتشف البرنامج الفتيات الأمريكيات بسن المدرسة الثانوية، مثل ميجان وإيليانا ونجود، اللاتي يُظهرن قدرةً على تحفيز التغيير الإيجابي في مجتمعاتهن وحول العالم. في كل عام، تتلقى مجموعة من خمسين فتاة تدريبات على القيادة على يد العديد من القيادات النسائية الرائعة اللاتي سلطنا الضوء عليهن في هذا الكتاب، إضافة إلى وجود شبكة داعمة نابضة بالحيوية لمساعدتهن في إحداث موجات التغيير الأولى.

كثيرًا ما يبدأ التغيير الكبير بمساعٍ بسيطة

في إطار الإعداد لمؤتمر الأمم المتحدة العالمي الأول المعني بالمرأة في عام ١٩٧٥، سافرت موفدة كينية، تُدعى وانجاري ماثاي، تجوب أنحاء بلدها متحدثة إلى النساء حول التحديات التي يواجهنها في حياتهن اليومية. أخبرنها عن الفقر وافتقارهن لماء الشرب النظيف والطعام المغذي وحطب الوقود.

ذهلت وانجاري، التي غادرت كينيا عام ١٩٦٠ لتستكمل دراساتها في الولايات المتحدة، أمام أوجه التباين بين الحياة التي عاشتها وهي تترعرع في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، والوقائع التي تجابهها المرأة الكينية بعد انقضاء خمسة عشر عامًا وحسب. رغم أن عائلتها لم تكن ثرية في أي وقت من الأوقات، فإن هذه العائلة لم تعتبر نفسها عائلة فقيرة. كانوا يقتاتون على ما تطرحه لهم الأرض، فتوفر لديهم طيلة الوقت ما يكفي من الطعام وماء الشرب النظيف والحطب لإيقاد النار.

إلا أن سبعينيات القرن العشرين جاءت بممارسات إزالة الغابات ونزع الغطاء النباتي — تلك الممارسات التي أُجريت بهدف إعداد الأرض للمحاصيل التجارية — التي أدت إلى تجريف التربة. أخلَّت التنمية الصناعية بأنماط الحياة القديمة في كينيا الريفية، وتركت السكان دون الموارد الطبيعية التي يحتاجونها لإعالة أنفسهم، وكثيرًا ما كانت النساء هن أكثر المتضررين، فكن المسئولات عن جلب المياه والحطب. ومع ندرة الموارد، كنَّ يضطررن إلى الخروج في حذر إلى بقاع أبعد وأبعد كل يوم من أجل إعالة أسرهن.

توصلت وانجاري إلى خطة بسيطة: زرعت أشجارًا محلية، فذاع صيت فكرتها وانتشر تطبيقها، وفي غضون عشرين عامًا وحسب، ومع ندرة الموارد وشح التكنولوجيا، غيرت وانجاري من وجه كينيا؛ فاعتبارًا من عام ٢٠١٢، زرعت حركة الحزام الأخضر التي شكلتها وانجاري ما يربو على أربعين مليون شجرة، وغيرت حياة عدد لا حصر له من الأشخاص إلى الأفضل؛ وهو الإنجاز الذي رشحها لنيل جائزة نوبل للسلام عام ٢٠٠٤.

القيادة تستدعي الصبر والالتزام بالمثابرة

في عام ٢٠١١، توفيت د. وانجاري ماثاي جرَّاء مضاعفات سرطان المبيض. قبل وفاتها ببضع سنوات، سنحت لي فرصة لقائها وسؤالها عن وجهة نظرها بشأن أهم خصيصة يتمتع بها القائد، وكانت إجابتها: «إن تأمَّلتِ مَن هم مثل مهاتما غاندي أو أنديرا غاندي ذاتها، فستجدين أنهم يمتلكون رؤية، ويتمتعون بالحماس، ويسعون خلف حماسهم بإصرار، ويتحلَّون بالصبر؛ لأنهم أدركوا أن الأهداف لا تتحقق بين عشية وضحاها، لكنهم كانوا أيضًا مثابرين. استمسكوا بتلك الفكرة لأنهم آمنوا بها إيمانًا راسخًا.»

إن التغيير المستدام لا يحدث بين عشية وضحاها. كشفت أبحاث أندرس إريكسون؛ اختصاصي العلوم الاجتماعية، في مطلع تسعينيات القرن العشرين، عن أنك تحتاج إلى عشرة آلاف ساعة من التدريب المتواصل حتى تصير خبيرًا في أي شيء؛ سواء كان مجال العزف على آلة موسيقية، أو ممارسة رياضة ما، أو القيادة في مجال مهني معين. بالمثل، فإن خلق تغيير حقيقي سيستغرق عادة سنوات من الالتزام. وصفت جيو جيانمي أيامها الأولى في الدفاع عن حقوق المرأة في الصين بأنها أشبه «بصعود جبل مع الدفع بعربة مثقلة بالأحمال في مواجهة ريح عاتية.» تحدثت إينيز ماكورماك كيف أن عملها من أجل السلام والحقوق المدنية في أيرلندا الشمالية «شُوِّه في البداية، لكنه الآن يُحتفى به.»

القادة تصنعهم الإخفاقات ولا تهزمهم

أغلب القيادات النسائية اللاتي قابلتهن لهن قصة تدور حول إخفاق حدث لهن. روشانا ظفر من باكستان تعتقد أن خطأها الأساسي — وهو استبعاد الرجال من استراتيجية الإقراض التي وضعتها — هو الذي سلَّحها بالمعرفة التي كانت في حاجة إليها كي تجعل مؤسسة كشف مؤسسة ناجحة اليوم. وأدركت سونيتا كريشنان من الهند في وقت مبكر أن الحماس وحده لا يكفي من أجل بقاء منظمتها. وكانت كاكينيا نتايا عاقدة العزم على تغيير حياة فتيات شعب الماساي لدرجة أنها استخفت بالحواجز التي تعترض سبيل أفكارها الجديدة؛ كان عليها الرجوع خطوتين للوراء كي تكتسب ثقة مجتمعها قبل أن تقطع خطوتين للأمام نحو تحسين ذلك المجتمع.

ليس الفشل هو الأهم، وإنما الكيفية التي ننهض بها من كبوتنا، ونستعيد بها قوتنا، وكذلك الدروس التي تعلمناها. تسدي آريانا هافينجتون نصيحة حكيمة: «لا تخشوا الفشل؛ فالفشل ليس عكس النجاح. إنه خطوة نحو النجاح.» إن قوة هؤلاء القائدات المعنيات بقضايا تكمن في الوعي الذاتي: وضوح الهدف، إضافة إلى تواضع المرء إزاء مكامن قوته ومواطن ضعفه.

لكل شخص منبر باستطاعته القيادة من خلاله

صرحت بيث بروك؛ نائبة رئيس مجلس إدارة شركة إرنست آند يونج للشئون العالمية، بأن الإلهام أتاها في عام ٢٠٠٣، فبإحدى الأمسيات على طاولة العشاء، قالت لها مباشرة أعز صديقاتها: «أنت لا تقومين بما يكفي من أجل النساء.» كادت بيث يغشى عليها إثر ما سمعت، وانفعلت وأخذت تعدد متباهية كل الأمور التي صنعتها من أجل المرأة، وأنه لم يعد بوسعها فعل المزيد. تتذكر بيث قائلة: «لكنني عدت إلى منزلي تلك الليلة وفكرت فيما حدث، وأدركت أنها على حق.» ما كانت صديقتها تعنيه أن بيث بوصفها مسئولة تنفيذية كُبرى بمؤسسة فورتشن ٥٠٠ تمتلك منبرًا، وبإمكانها استخدام منبرها لدفع التغيير ليس بداخل الشركة وحسب، وإنما في العالم الخارجي أيضًا مع قادة الحكومات، وكبار التنفيذيين، ووسائل الإعلام. تقول بيث: «لم أكن أستخدم منبري الأكبر بأي طريقة استراتيجية لدعم قضية المرأة على نطاق أوسع. صحيح أنني كنت أقدم التوجيه والرعاية والتشجيع وغير ذلك، وقيامي بكل ذلك كان منتظرًا مني … لكن كان هناك مقدار أكبر بكثير من التأثير بوسعي تحقيقه إن استغللت منبري على نحو مدروس، وبطرق لن يتوقعها أحد مني، من شأنها بالطبع أن تجعل منه أكثر قوة وتأثيرًا.» وفي أعقاب الأزمة المالية العالمية في ٢٠٠٨، أصبحت إرنست آند يونج تحت قيادة بيث المتينة واحدة من المؤسسات المشهورة بالترويج لقيمة استغلال إمكانات المرأة لإخراج الشركات والبلدان من هوة الركود، وفي إطار ذلك أطلقت سلسلة من الدراسات والنقاشات حول المسألة.

لستِ بحاجة إلى دعم من مؤسسة متعددة الجنسيات كي تتولَّي قيادةَ التغيير؛ فالفتاتان في بيركلي، كاليفورنيا، لم تمتلكا سوى شبكتهما المكوَّنة من آبائهما ومدرسيهما وصحيفتهما المدرسية، إلا أنهما استغلتا المنبر المتاح لهما لبناء قاعدة دعم عريضة، وفي النهاية الحصول على منبر أكثر تأثيرًا. لكل شخص دائرة تأثير مهمة، بغض النظر عن صغر حجمها؛ فموجات التغيير الصغيرة يتسع تأثيرها، وتنمو دوائر التأثير تلك.

الفرصة تنتظر مَن يغتنمها

أحيانًا ما أتساءل عن المسار الذي كانت حياتي ستتخذه إن لم أسافر إلى مؤتمر المرأة ببكين حين كنت في الحادية والعشرين من عمري. ماذا لو عاقني قرار الحكومة الصينية برفض منحي تأشيرة المؤتمر؟ ماذا لو لم أخطُ تلك الخطوة غير المحسوبة؟ إن المخاطر التي نقدم عليها هي التي تشكل الشخصية التي نحن عليها، والدروس التي نختار تعلمها من الخبرة هي التي تمنحنا الثقة التي نحتاجها كي نواجه كل تحدٍّ جديد.

إن قيادة المستقبل تبدأ بإطار العمل الذي وضعته النساء اللاتي أطللنا عليهن في هذا الكتاب:
  • قوة دافعة أو شعور بالواجب.

  • وجود راسخ بالمجتمع.

  • قدرة على الوصل بين مواطن الفصل.

  • أفكار جريئة وأفعال جسورة.

  • إصرار على رد الجميل.

بالرغم من كل هذه الخصائص المشتركة، ستواجه كل قائدة جديدة سياقًا وتحديات واستراتيجيات نجاح مختلفة.

إن الدروس التي تضمنها هذا الكتاب مستقاة على نحو مباشر من عصارة خبراتنا مع قيادات نسائية من مختلف أنحاء العالم. إننا ننحني تواضعًا أمام هؤلاء النساء، ونستمد منهن الإلهام كل يوم؛ فهن يمنحننا معنًى جديدًا ومصداقية جديدة للقب «قائدة»، وكل واحدة منهن رائعة بمفردها، وهن مُجتَمِعات يمثلن قوة قادرة على إحداث تحول. إن كل واحدة منهن تمثل نهجًا لا يعرف المستحيل.

إن القيادة معنية بالقرارات التي يصنعها المرء والأفعال التي يُقدم عليها كل يوم. العالم بانتظارِك، والقيادة اختيار، وهي تبدأ بك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢