الفصل الأول

الابتكار والتفوق في المنافسة

إن تقدمنا الهائل في مجال النقل — الذي شهدناه في الماضي وسنشهده في المستقبل — ليس سوى دليل على التقدم الذي يتيحه السعي الدائم نحو اكتشاف آفاق جديدة في جميع الأنشطة البشرية. فكيف سندرك ماهية الآفاق الجديدة التي تنتظرنا إذا لم نستطع الحفاظ على حس المبادرة وتطوير المخيلة اللازمة لاقتحام تلك الآفاق، حتى يتمتع الجميع بمستويات أعلى من الرفاهية في كل مكان.

ألفريد بي سلون؛ الابن

(١) خلق مجال عمل جديد

في أولى ليالي عمل فيدكس — بتاريخ ١٧ أبريل ١٩٧٣ — وقفت مجموعة صغيرة من الموظفين حول نظام تشغيل مؤقت؛ حيث قاموا بفرز ١٨٦ طردًا، ثم حمَّلوها على ١٤ طائرة صغيرة سرعان ما أقلعت متجهة نحو ٢٥ مدينة في شتى أنحاء الولايات المتحدة. في تلك الليلة، أصبحت شركة فيدكس أول شركة نقل متخصصة في النقل الليلي السريع للطرود. وبعد اثنين وثلاثين عامًا، تتولى فيدكس توصيل ما يزيد على خمسة ملايين طَرْد يوميًّا، وتخدم ٢١٥ دولة حول العالم.

نمت إيرادات فيدكس من ستة ملايين دولار فقط عام ١٩٧٣ إلى ما يزيد على ٢٤ مليار دولار عام ٢٠٠٤ وفي عام ١٩٨٣، كانت الشركة الأولى التي بلغت عائداتها مليار دولار في ظرف ١٠ سنوات من إنشائها، دون أن تستحوذ على شركات أخرى. أنفقت الشركة أثناء السنوات الثلاث الأولى من عملها (١٩٧٣–١٩٧٥) ما يزيد على ٢٩ مليون دولار في تأسيس بنيتها التحتية، وتصميم الشبكة التي ستتيح لها البدء في تحقيق الأرباح، وجنتْ في السنوات الثلاث الماضية (٢٠٠٢–٢٠٠٤) دخلًا صافيًا يزيد على ٢٫٣ مليار دولار.

حاليًّا تضم شركة فيدكس — التي تطورت باستمرار للوفاء باحتياجات العملاء — أربع شركات عاملة تربط الاقتصاد العالمي عبر نطاق متكامل من خدمات النقل والمعلومات وسلاسل التوريد. لم يحدث هذا التحول والنمو بين عشية وضحاها. من بين العوامل التي ساهمت في نجاح فيدكس المذهل كان تطوير حلول أعمال متخصصة. أحد الأمثلة على ذلك يتمثل في علاقة فيدكس بشركة هيوليت-باكارد (إتش بي)؛ ففي مجال صناعة أجهزة الكمبيوتر السريع التغير؛ حيث تظهر طرز جديدة من الأجهزة كل شهر، أدركت شركة إتش بي أن أي جهاز كمبيوتر يتم تخزينه في المستودع معرض لأن يصبح طرازًا قديمًا؛ ومن ثم تعاونت فيدكس مع هيوليت-باكارد من أجل تطوير سلسلة توريد أنهت فترة تخزين أجهزة الكمبيوتر الشخصية المحمولة الرائدة التي تنتجها شركة إتش بي. وأصبحت أجهزة الكمبيوتر المحمولة تُشحن مباشرةً من المصانع في الصين إلى المنازل والشركات في شتى أنحاء أمريكا الشمالية في ظرف يومين أو ثلاثة أيام عمل.

على مرِّ السنوات الخمس الماضية، تضاعف سعر سهم شركة فيدكس، وفي نفس الفترة ازداد سعر سهم منافستها الرئيسية — شركة يونايتد بارسل سيرفيس (يو بي إس) — بنسبة ١٥ بالمائة فقط، أما شركة ستاندارد آند بورز ٥٠٠، فقد انخفض سعر سهمها ٢٠ بالمائة. صُنفت شركة فيدكس باعتبارها واحدة من أفضل ١٠٠ بيئة عمل في أمريكا (مجلة «فورتشن» ١٩٩٨–٢٠٠٤)، وكذلك كواحدة من أكثر الشركات إثارة للإعجاب في أمريكا (٢٠٠١–٢٠٠٤).

(٢) … عن طريق استغلال حس الإبداع والالتزام لدى الموظفين

قبل إنشاء شركة فيدكس، عين فريد سميث مستشارين كي يعدوا دراسة جدوى، ويساهموا في تحويل فكرة مشروعه إلى خطة عمل مُفصَّلة. وفق تقديرات هؤلاء المستشارين، بلغ إجمالي حجم السوق المرتقب لخدمات الشحن الجوي نحو مليار دولار. واليوم يصل نصيب شركة فيدكس في قطاع النقل السريع إلى ما يزيد على ١٧ مليار دولار. ما الذي مكَّن فيدكس من بدء مجال النقل السريع وزيادة إجمالي حجم السوق، بل والاستمرار في الحفاظ على أكبر حصة في السوق؟

إن ما حوَّل فيدكس إلى مركز قوة عالمي، وجعلها واحدة من أكثر العلامات التجارية العالمية الموثوق بها هو تطبيق ممارسات القيادة التي استفادت من الجهد التقديري، والإبداع، والالتزام لدى موظفيها على جميع مستويات الشركة؛ أي عبر إرساء ثقافة أداء وابتكار مزدهرة. صحيح كان فريد سميث هو صاحب الفكرة الأصلية، لكن ما حوَّل فكرته إلى مشروع تجاري ناجح هو إبداع الموظفين والتزامهم؛ فقد أعد موظفو فيدكس وقدَّموا عروضَ خدمة عملاء فريدة من نوعها (تراعي رغباتهم) أبقت الشركة دومًا في موقع متقدِّم على منافسيها.

ومع أن مديري فيدكس لم يعتزموا على نحو متعمد خلق ثقافة ابتكار مستدامة، فإن ذلك هو ما حققوه بالضبط؛ إذ أتاحت بيئة العمل الحرة والداعمة للموظفين في جميع مستويات الشركة المشاركة في عملية الابتكار. وقد لعبت سلوكيات وممارسات القيادة اليومية وأنظمة الدعم التنظيمية في الشركة دورًا رئيسيًّا في نجاح فيدكس المذهل.

يطرح هذا الكتاب نموذجًا — أو إطارًا — يوضح كيف تمكنت ممارسات القيادة تلك جنبًا إلى جنب مع أنظمة الدعم التنظيمية المذكورة من إرساء ثقافة الأداء والابتكار في فيدكس والحفاظ عليها.

إن فيدكس لا تتبع دليل عمل يحمل عنوان «منهج فيدكس: كيف تؤسس ثقافة الابتكار وتدعمها؟» لكن الكتاب الذي تقرؤه يعتمد على تجارب مديري فيدكس المباشرة، وعلى تفسيرهم لهذه التجارب في إطار نموذج ثقافة الابتكار وعملية الخطوات الثلاث (التوليد، والقبول، والتطبيق).

وعلاوة على ذلك، يجب على قادة الشركات أن يضعوا نصب أعينهم حقيقة أنَّ تبنِّي مجموعة كاملة من المبادئ والممارسات من مؤسسة أخرى، ومحاولة مواءمتها مع الثقافة القائمة بالفعل لدى شركاتهم؛ ليسا بالأمر السهل ولا العملي؛ لأن كل «شركة تتسم بطابع فريد.»

في بعض الأحيان، قد تطبِّق إحدى الشركات بالفعل بعضًا من ممارسات القيادة التي تشجع على الابتكار، لكن لا تحظى بالاستفادة الجماعية الناتجة عن ذلك — ألا وهي ثقافة ابتكار مزدهرة — نتيجة لافتقادها لبعض الجوانب. يهدف هذا الكتاب إلى مساعدة المديرين على تحديد هذه الجوانب الناقصة وإضافتها من أجل إشراك كل موظف إشراكًا فعالًا في عملية الابتكار.

لا تخص ممارسات القيادة وأنظمة الدعم التي نناقشها في هذا الكتاب شركة فيدكس فقط، بل أثبتت فعالية مماثلة في شركات أخرى.

(٣) تعريف الإبداع في عالم الأعمال

غالبًا ما يستخدم الناس مصطلحين رئيسيين على نحو متبادل؛ ألا وهما: الإبداع والابتكار، فهم في المعتاد يربطون الإبداع بالأعمال الفنية؛ مثل أعمال مونيه، وبيكاسو، ومايكل أنجلو، وموتسارت، والفنون البصرية، والفنون الأدائية. لكن تعريفي للإبداع في عالم الأعمال يتمحور حول كونه عملية «توليد الأفكار» التي ستساعد المؤسسة على التمتع بمزيد من التنافسية في السوق. إن الإبداع المهني هو توليد الأفكار التي ستحسن تجربة العميل، أو ستزيد من أرباح الشركة وحصتها في السوق، أو ستحسن الكفاءة. تستخدِم عمليةُ التفكير ملكة الخيال مثلما يفعل الفنانون بالضبط عبر أسئلة مثل «ماذا لو …؟» على نحو: ماذا لو أدخلنا هذا التغيير على استراتيجية العمل بالشركة، أو تصميم المنتج، أو عملية التصنيع والتوزيع، أو نظام دفع الفواتير، أو نظام المحاسبة، إلى آخره؟

على سبيل المثال، بعدما لاحظ والت ديزني الألعاب التي تفتقر إلى أي نوع من التجديد، والملل البادي على وجوه الكبار أثناء زيارته لإحدى مدن الملاهي مع ابنته، خطرت له الفكرة التالية: «ماذا لو وُجد مكان يستطيع الأطفال والكبار اللعب فيه معًا؟»

كذلك، تساءل سام والتون، رئيس مجلس إدارة شركة وول-مارت: «ماذا لو ربطنا منافذ البيع بأنظمة تخطيط مخزون البضائع؛ مما يؤدي إلى تقليل تكلفة العمل على نحو ملموس؟»

بالمثل، أدرك فريد سميث وجود طلب متزايد على طريقة نقل سريع تضمن الدقة في المواعيد من أجل شحن حمولات على درجة عالية من الأهمية ومن التأثر بالوقت؛ مثل: أجزاء أجهزة الكمبيوتر، المستندات الهامة، الأدوية، والإلكترونيات؛ ومن ثم وردت الفكرة التالية بذهنه: «ماذا لو أنشأنا شركة خطوط جوية متخصصة في توفير خدمة النقل السريع الليلي كي تلبي هذا الطلب المتزايد؟» ثم فكر علاوة على ذلك: «ماذا لو استخدمت هذه الشركة نظام التوزيع المحوري؟»

في البداية، طور فريد نظام التوزيع المحوري وقدَّمه إلى جهاز الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) كي يساعده على نقل الشيكات ليلًا بين الستة والثلاثين موقعًا التابعة له في شتى أنحاء الولايات المتحدة. في ذلك الوقت، كان تحصيل الشيكات يستغرق فترة تتراوح بين يوم وأربعة أيام؛ مما أدى إلى حالة كبيرة من «التعويم»؛ أي وجود شيكات مكتوبة ومقدمة للإيداع لكنها لم تُحصل بعدُ ولم تُضف إلى حسابات المتلقين. وكان الهدف من نظام النقل السريع الليلي هو القضاء على هذا التعويم. يرجع أصل كلمة «فيدرالي» في الاسم الأصلي لشركة فيدكس إلى مشروع نقل شيكات البنك المركزي الأمريكي، بينما تشير كلمة «سريع» إلى سرعة نقل الشركة الجديدة لتلك الشيكات.

إن الإبداع في عالم الأعمال يعني استكشاف الاحتمالات الممكنة، وبذل الوقت لإيجاد الرابط بين متغيرات تبدو منفصلة ظاهريًّا، وملاحظة الاحتمالات الأخرى، والنظر إلى الصورة الكبرى عند اتخاذ القرارات. درَس فريد سميث فكرته بينما كان يكتب بحثًا — أصبح مشهورًا الآن — أثناء دراسته في جامعة ييل. وعندما كان يجمع رأس المال المخاطر في أوائل سبعينيات القرن العشرين لإنشاء شركة فيدكس، كان إرسال طرد مهم يتم عبر شركات نقل الركاب.

لأسباب عديدة، لم تضمن شركات نقل الركاب تقديم خدمة دقيقة في مواعيدها وميسورة التكلفة دائمًا؛ أولًا: لأن هدفها الرئيسي هو نقل الركاب؛ ومن ثم توضع جداول الإقلاع والوصول حسب احتياجات الركاب، فقد لا يجد العميل طائرة مقرر إقلاعها عندما يرغب في إرسال طرد، أو قد لا تتوافر طائرة متجهة إلى جهة إرسال الطرد، أو قد لا توجد طائرة من المُخطَّط وصولها في وقت وصول الطرد المطلوب. ثانيًّا: كان على العملاء جلب الطرود إلى المطار؛ لأن شركات الطيران لم تقدم خدمة نقل الطرود. وكانت الوسيلة الوحيدة لتجنب تلك المشكلة هي استخدام طرف ثالث لحمل الطرد ونقله إلى المطار؛ مما أدى إلى زيادة كبيرة في تكلفة الشحن.

ويتكرر الموقف ذاته في وجهة الوصول؛ إذ كان على المتلقي أو من ينوب عنه استلام الطرد من المطار ثم توصيله إلى وجهته الأخيرة. عمومًا، كانت أنظمة التشغيل لدى شركات نقل الركاب مصممة لخدمة الركاب، لكن النقل السريع للطرود لم يكن جزءًا من منظومة عملها.

ومن ثم استطاعت فكرة فريد المبدعة إدخال تحسين كبير على خدمة النقل السريع المعتادة في ذلك الوقت عبر جعل المراقبة المسئولة وخدمة «من الباب إلى الباب» جزءًا من خطة المشروع المقترح.

(٤) عملية الابتكار ذات الخطوات الثلاث

بينما يتمحور الإبداع حول توليد الأفكار فحسب من خلال استكشاف السيناريوهات المحتملة، فإن الابتكار يبدأ بالأفكار الإبداعية، لكنه يضيف خطوتين إضافيتين إلى هذه العملية. تقول روزابيث موس كانتر في كتابها الأشهر «سادة التغيير»: «إن الابتكار هو توليد الأفكار أو الأنظمة أو المنتجات أو الخدمات الجديدة، وتقبلها ثم تنفيذها؛ ومن ثم قد يحدث في أي جزء من أجزاء الشركة، وقد يتضمن استخدامًا إبداعيًّا وابتكارًا أصليًّا. يلعب كلٌّ من التطبيق والتنفيذ دورًا محوريًّا في هذا التعريف؛ إذ يتضمنان القدرة على التغير والتكيف.» إن الابتكار هو تقديم شيء جديد؛ وهو الإبداع في صورة تطبيقية.

تنطوي هذه العملية على مشاركة أعداد متزايدة من الأفراد على مدار خطواتها الثلاث:
  • الخطوة الأولى: يطرح الأفراد الأفكار الإبداعية ويعبرون عنها بحرية.
  • الخطوة الثانية: تقبل مجموعة صغيرة — مكونة من الأفراد العاملين بالإدارة والمنتمين للمجالات الخاضعة لتأثير الفكرة — الأفكار الأولية وتتعاون لتحويلها إلى خطط عمل دقيقة.
  • الخطوة الثالثة: تتبنى مجموعة أكبر بكثير — قد تشمل المؤسسة بأكملها في بعض الأحيان، حسب نطاق الفكرة — الفكرة أو الأفكار الجديدة، وتعمل على تطويرها وتطبيقها.

كان لدى كلٍّ من والت ديزني، وفريد سميث، وسام والتون أفكارًا مبتكرة، لكن صياغة تلك الأفكار الأولية في شكل خطط عمل صالحة للتنفيذ تطلب أناسًا من شتى المجالات، بل وتطلب تنفيذ تلك الخطط أعدادًا أكبر من الناس (شركات كاملة). أدرك ديزني، وسميث، ووالتون أن البشر بطبيعتهم مخلوقات خلاقة لديها حاجة نفسية إلى إحداث تأثير والانضمام إلى فريق ناجح، وبما أنهم قادة فقد طوروا بيئة تمكن الموظفين من إطلاق العنان لقدراتهم والانضمام إلى عملية الابتكار؛ ومن ثم تعاون القادة مع موظفيهم لتأسيس شركات على مستوًى عالمي.

في المعتاد، يعتقد الموظفون أن الابتكار يعني التوصل إلى فكرة فريدة من نوعها؛ لذا من المهم للغاية التأكد من أنهم يدركون كذلك المساهمة القيِّمة التي يقدِّمونها عندما يبدون استعدادًا لتقبل الأفكار الجديدة ووضعها حيز التنفيذ؛ فالموظفون الذين يساعدون على تطبيق الأفكار الجديدة يلعبون دورًا حيويًّا؛ لأن النتائج العظيمة تتطلب أفكارًا وتطبيقًا (تنفيذًا) بارعًا.

في بعض الأحيان، تحظى خطوة التنفيذ الناجح بأهمية تزيد عن خطوتَي توليد الأفكار وتقبُّلها؛ فقد شهدتُ فكرة متوسطة الجودة أسفرت عن نتائج عظيمة لأنها طُبِّقت جيدًا، وشهدت كذلك أفكارًا عظيمة أسفرت عن نتائج ضعيفة لأنها طُبِّقت تطبيقًا رديئًا، لكن أسوأ النتائج التي شهدتها كانت حصيلة أفكار عظيمة لم يقبلها أو يطبقها أحدٌ على الإطلاق. في تلك الحالة تشعر الشركات بالآثار السلبية الناجمة عن تضييع فرص زيادة حصتها في السوق، أو تقليل تكلفة التشغيل، أو تحسين الخدمة المقدمة للعملاء، في الوقت الذي تتحرك فيه الشركات المنافسة نحو المقدمة.

(٥) التطبيق أمر جوهري

وفقًا لدراستين جديدتين، يملك كبار المديرين أفكارًا كثيرة ويدركون أهمية تطبيقها، لكن القليل منهم توصل إلى طريقة تحقيق ذلك؛ إذ كشفت دراسة جديدة أجريت على ٣٥٠ مديرًا في الولايات المتحدة إلى جانب استطلاع رأي مماثل أُجري على قادة الأعمال في المملكة المتحدة — كلاهما تحت رعاية مؤسسة أكسنتور لخدمات التكنولوجيا والإدارة — أن:
  • أكثر من نصف المديرين الذي أجروا الاستطلاع ذكروا أن الابتكار هو أحد العوامل الخمسة الأهم فيما يتعلق بخلق ميزة تنافسية، بينما صرح ١٠ بالمائة منهم أنه العامل الأهم.

  • أكثر من ٧٠ بالمائة من كبار المديرين ذكروا أن الموظفين لديهم يقدمون عددًا كافيًا من الأفكار الجيدة.

  • ١٠ بالمائة فقط من المديرين ذكروا أن شركتهم تتفوق في مجال الابتكار، بينما ذكر ٤٦ بالمائة أنهم يطبقون أقل من ٢٠ بالمائة من الأفكار الواعدة.

«تتمتع أفضل الشركات بثقافة الابتكار.» بيتر تشيز؛ شريك إداري في مؤسسة أكسنتور، لندن.

من مقال «غزارة الأفكار العظيمة وتباطؤ التطبيق»، من مجلة «إتش آر ماجازين»، مارس ٢٠٠٣

في أوائل عام ١٩٨٠، وفي غضون بضعة أشهر من بدء عملي في فيدكس، كانت الشركة تتعهد باستلام الطرود وتوصيلها خلال ليلة واحدة قبل حلول وقت ظهيرة اليوم التالي؛ ومن ثَمَّ كجزء من الجولة التدريبية التي يمر بها الموظفون الجدد، ارتديت زي مسئول توصيل فيدكس وركبت سيارة التوصيل مع سوزان؛ إحدى مسئولات التوصيل في دالاس، طوال النهار بينما كانت تجمع هي الطرود وتُسلِّمها. في ذلك اليوم، أنهت سوزان توصيل حمولتها من الطرود في نحو الساعة الحادية عشرة والربع صباحًا، وسرعان ما اتصلت بمسئولي التوصيل الآخرين في الجزء التابع لها من المدينة لمعرفة إن كانوا يحتاجون أي مساعدة. رد عليها بيل، مسئول توصيل آخر، مبديًا حاجته إلى بعض المساعدة؛ ومن ثم سألته سوزان عن وجهته التالية وقابلناه عند صيدلية وولجرينز بالقرب من وِجهته، ونقلنا بعض الطرود من شاحنته إلى شاحنة سوزان ثم وصَّلناها إلى وِجهتها. وهكذا أدى هذا التعاون في اللحظات الأخيرة إلى توصيل جميع الطرود في موعدها ذلك الصباح.

أدهشني هذا الموقف كليًّا.

ففي شركة آر سي إيه ريكوردز (حيث عملت طوال ١٠ سنوات قبل الانضمام إلى شركة فيدكس)، كان الموظف الذي ينهي حصته من الإنتاج قبل انتهاء ورديته يكتفي بالجلوس في غرفة استراحة الموظفين حتى موعد نهاية الوردية؛ ومن ثمَّ أدهشتني الممارسات غير المألوفة لدى موظفي فيدكس. أثناء رحلتي مع سوزان سألتها عما إذا كان الموظفون الآخرون يفعلون نفس ما فعلتْه مع بيل عندما يُنهون توصيل طرودهم، بدا التعجب على وجهها وهي تجيبني قائلة: «بالطبع! لطالما ساعدني بيل ومسئولو التوصيل الآخرون في أوقات كثيرة عندما كنت أجاهد لتوصيل جميع الطرود في موعدها؛ فجميعنا يدرك، عن تجربة، أنه في أيام بعينها تشهد بعض الطرق ازدحامًا يفوق الطرق الأخرى. كذلك قد توجد مشكلات مرورية في بعض أجزاء المدينة. إن لدى الجميع في مركز عمليات التجميع والتوصيل في مدينة دالاس هدفًا واحدًا؛ ألا وهو توصيل الطرود إلى عملائنا في موعدها كل يوم.»

هذه التجربة، بالإضافة إلى عدد من التجارب الأخرى المماثلة التي شهدْتُها أثناء الأشهر الأولى القليلة من انضمامي إلى الشركة، أكدت لي أن ثقافة فيدكس الفريدة أثَّرت على الموظفين دافعةً إياهم إلى بذل جهد يتجاوز المطلوب من أجل ضمان وفاء الشركة بالوعود التي قطعتْها لعملائها.

(٦) فلسفة «بي إس بي» (الأفراد، الخدمة، الربح)

في أسبوعي الأول في فيدكس، حضرت جلسة تعريفية استمرت طوال اليوم، نظمها قسم الموارد البشرية بالشركة، حيث أسهب مدير الموارد البشرية في الحديث عن ثقافة «بي إس بي» (الأفراد، الخدمة، الربح) وفلسفة «الأفراد أولًا». باختصار، تعني ثقافة «بي إس بي» أن فيدكس تعطي الأولوية لأفرادها (أي موظفيها) في كل ما تفعله، ونتيجة لذلك يعطي الموظفون الأولوية إلى العملاء في كل ما يقومون به.

كان سبيل فيدكس الوحيد للتنفيذ الدقيق لخططها التشغيلية، التي تهدف إلى تجميع وتوصيل خمسة ملايين طرد يوميًّا في جميع أنحاء العالم، هو الاعتماد على موظفيها، فبالرغم من التنظيم المتكامل للعمليات والجداول، فإن الواقع يحتم حدوث تأخيرات في النظام في أحد الأيام (مثل: تأخر رحلات الطيران جراء سوء الأحوال الجوية، أو تعطل في حركة المرور في المدينة نتيجة لأعمال إنشائية، وغيرها من العوامل التي يتعذر التحكم بها … إلخ.) إن التغلب على تلك المشكلات يقع على عاتق موظفي الخطوط الأمامية، ممن يتحتم عليهم التكيف مع حالات التعطل وضمان وفاء شركة فيدكس بالتزاماتها الخدمية. أحد المجازات الأخرى المستخدمة لشرح ثقافة «بي إس بي» هو تشبيهها بالكرسي ذي الأرجل الثلاث؛ فالأرجل الثلاث على نفس الدرجة من الأهمية، ولا بد أن تكون كلٌّ منها بنفس القوة كي يظل الكرسي ثابتًا. فلكي تحافظ فيدكس على نجاحها وازدهارها، لا بد أن تتسم العوامل الثلاثة المكوِّنة لثقافة «بي إس بي» بالقوة. فإذا عاملت الأفراد معاملة حسنة، فسيميلون عادةً إلى تقديم خدمة متميزة، وهو الأمر الذي سيحقق ربحًا يستفيد منه الجميع.

في غضون أربعة أشهر من انضمامي إلى فيدكس، تلقيت خطابًا من فريد سميث يُعلن فيه عن منح جميع الموظفين علاوة خاصة تقدر ﺑ ٣ بالمائة. أوضح الخطاب لنا جميعًا أنه نتيجة لما بذلناه من جهد في تقديم خدمة ممتازة، ازدهر وضع الشركة المالي إلى حدٍّ كبير. وعلى الرغم من أننا لم نحصل على علاوات خاصة بعد ذلك، فإن خطة فيدكس لتوزيع الأرباح ضمنت استمرار استفادة الموظفين من نجاح الشركة. واعتمادًا على ما تحققه الشركة من أرباح، يتلقى جميع الموظفين شيكًا قبل عطلة الكريسماس كجزء من خطة توزيع الأرباح القائمة. ومع نهاية كل سنة مالية، تقدم الشركة حصة أخرى من الأرباح كجزء من خطة توزيع الأرباح الآجلة. ويُودع هذا المبلغ في حسابات الموظفين الخاصة بتوزيع الأرباح الآجلة؛ ومن ثم يجب عليك تصميم برنامجك بناءً على واقع بيئة العمل في شركتك، وأن يصبح هدفك هو ربط ما فيه سعادة الفرد بالأداء العام للشركة.

كان القسم الذي أعمل به مسئولًا عن وضع الخطط البعيدة المدى المتعلقة بعمليات ومرافق مواقع شركة فيدكس في أنحاء العالم؛ مما تطلب مني ركوب شاحنات نقل الطرود مع مسئولي توصيل من طوكيو، وهونج كونج، وبومباي، وغيرها من المدن. وقد أكدت لي تجربتي مع سوزان — حيث لاحظت التعاملات التي تنطوي على احترام متبادل بين العملاء ومسئولي التوصيل — الدور الرئيسي الذي تلعبه ثقافة «بي إس بي» وفلسفة الأفراد أولًا في مساعدة الشركة على تحديد قواعد الدقة وخدمة العملاء النموذجية في هذا المجال. خلال سنوات عملي الاثنتين والعشرين في فيدكس، كنت كلما ذهبت في رحلة عمل أحاول تخصيص نصف يوم على الأقل لركوب شاحنة نقل الطرود مع أحد مسئولي التوصيل في المدينة التي أزورها. اكتشفت أن تلك هي أفضل وسيلة لاستشعار الخصائص الفريدة التي تميِّز تلك السوق وسيناريو التشغيل القائم. وقد لاحظت نفس الإخلاص المتفاني لدى جميع الموظفين في كل مدينة ودولة؛ إذ إن اتِّباع طريقة فيدكس في القيادة أسفر عن نتائج مماثلة في جميع أنحاء العالم.

طالما سمعت من الأصدقاء ومعارف العمل التعليق التالي: «إن موظفي فيدكس هم الأكثر لطفًا وتركيزًا على خدمة العملاء.» من بينهم صديقة لي من شيكاجو دائمًا ما كانت تمدح الموظفين في مركز فيدكس لخدمة الأعمال بالقرب من مكتبها في شارع ميشيجن أفنيو، وقد قالت لي في إحدى المرات: «في بعض الأحيان أصل إلى المركز متأخرةً في المساء قبل موعد الإغلاق مباشرة وأجد صفًّا طويلًا من العملاء، إلا أن طاقم المركز يبذل جهدًا خاصًّا لضمان تقديم خدمات الشحن المطلوبة لجميع المنتظرين في الصف.»

في الشهور التالية، تعلمتُ الكثير عن ثقافة الأفراد والخدمة والأرباح وعن فلسفة الأفراد أولًا، بالإضافة إلى الدور المحوري الذي يضطلع به المديرون والموظفون على جميع المستويات من أجل تطبيق ذلك على أرض الواقع. إن تلك الفلسفة والثقافة هي ابتكارات محورية مكَّنت فيدكس من أن تصبح رائدة في مجالها اليوم. تتبنى الكثير من الشركات فلسفة مماثلة على الورق، في الكتيبات الإرشادية والتقارير السنوية، لكن ما يميز فيدكس هو تمكنها من بث الحياة في تلك الفلسفة.

في الفصول التالية، لن أكتفي بوصف الوسائل التي استخدمتها فيدكس من أجل ترسيخ فلسفة «بي إس بي»، بل سأتناول كذلك أسلوبها في تشجيع ممارسات القيادة التي تدعم الابتكار. إن عبقرية هذه الفلسفة لا تنحصر فحسب في طريقتها المختزلة والموجزة في الإعلان عن المبادئ ونشرها، بل تكمن كذلك في المقاييس التي استُخدمت لتحديد ما إذا كانت تلك المبادئ قد نجحت أم لا. أدمجت فيدكس مبدأ المسئولية في نظامها. وبينما تملك كل شركة مقياسًا للربح، فإن فيدكس وضعت مقياسًا للموظفين وللقيادة، ومقياسًا آخر للخدمة من منظور العملاء. تتبع الشركات الأخرى ممارسات مستنيرة، لكن فيدكس اكتشفت طريقة لقياس مدى اتباع موظفيها تلك الممارسات. توضح الفصول التالية كيف استطاعت فيدكس تصميم أنظمة تضمن معاملة جيدة للأفراد (أي الموظفين والعملاء) وتقديم خدمة لا تضاهَى في جميع الأوقات فعليًّا.

عبر ممارسة القيادة وفقًا لفلسفة «بي إس بي»، أدرك المديرون أن بعض الأفراد بارعون بطبيعتهم في توليد الأفكار، بينما يبرع البعض الآخر في العمل مع باقي الإدارات لدعم تطوير الأفكار الأولية، في حين يتقن آخرون تطبيق الأفكار المطورة. قد تتغير الأدوار حسب مراحل الابتكار المختلفة؛ فربما لا تتوافر لدى مبرمج الكمبيوتر القاعدة المعرفية اللازمة لتوليد أفكار ترتبط باستراتيجية عمل المؤسسات، لكنه سيطرح بالتأكيد أفكارًا مبدعة أثناء عملية تصميم وبرمجة جزء محدد من نظام إدارة المعلومات المُعدِّ لتنفيذ هذه الاستراتيجية. عبر هذا الإدراك، شجَّع المديرون الموظفين وأتاحوا لهم الاضطلاع بالأدوار التي تمكنهم من تحقيق أكبر قدر من النجاح. وقد عبَّر إيه جي لافلي؛ رئيس مجلس إدارة شركة بروكتر آند جامبل، عن ذلك المفهوم جيدًا في مقولته:

إن الأفكار الجيدة ينسب الفضل فيها إلى من قدَّمها ومَن تلقَّاها على حدٍّ سواء.

إيه جي لافلي؛ رئيس مجلس إدارة، «ملف خاص عن الابتكار»، مجلة «فورتشن»، ٣١ مايو ٢٠٠٤
ومن ثم:

منذ أن تولى لافلي إدارة الشركة في صيف عام ٢٠٠٠، ارتفع عائد التشغيل — المعدل حسب النفقات والأرباح الاستثنائية — بمتوسط ١٧ بالمائة، وتضاعف سعر السهم تقريبًا. لقد أضفى لافلي قدرًا كبيرًا من الإبداع والدقة على عملية الابتكار في شركة بروكتر آند جامبل، وهو إنجاز صعب تحقيقه في ظل ثقافة تشتهر بتقيُّدها بالقواعد. خلال العامين الماضيين، رفعت شركة بروكتر آند جامبل معدل المبيعات المحققة لمنتجها الجديد (نسبة المدخلات الجديدة التي حققت عائدًا يزيد على تكلفة رأس المال) من ٧٠ بالمائة إلى ٩٠ بالمائة، وهو إنجاز هائل في صناعة تفشل فيها نصف المنتجات الجديدة في غضون اثني عشر شهرًا وفقًا لمؤسسة «إنفورميشن ريسورسز» لأبحاث السوق.

مقال بقلم باتريشيا سيلرز ضمن «ملف خاص عن الابتكار»، مجلة «فورتشن»، ٣١ مايو ٢٠٠٤

سأتحدث كذلك عن دور سوزان وغيرها من العاملين في تحويل فيدكس إلى واحدة من أكثر العلامات التجارية العالمية استحقاقًا للثقة، فهي العلامة التجارية التي يربط الناس بينها وبين الالتزام بالمواعيد، والدقة، والابتكار، والتكنولوجيا القائمة على احتياجات العميل.

(٧) التتبع الدائم للطرود وضمان الالتزام بالمواعيد

أُسست فيدكس على فكرة تلبية احتياجات النقل السريع محدد الوقت، لكنها ازدهرت حقًّا عندما أدرك فريد سميث وصرَّح بأن هدف الشركة ليس النقل التجاري، بل تحقيق راحة البال. وقد أدى هذا الهدف الجديد إلى تطوير وتطبيق أنظمة تتبُّع طرود مبتكرة مُصمَّمة بحيث تتيح للعملاء معرفة مكان طرودهم بالضبط وموعد وصولها إلى وجهتها النهائية. ظاهريًّا، قد يبدو الأمر تطبيقًا مبدعًا للتقنيات المتوافرة، لكن إذا نظرنا نظرة أعمق فسنكتشف مشاركة مئات من الأفراد في تطوير الفكرة، وإسهام الشركة بأكملها في تطبيقها؛ فالتطبيق الناجح لنماذج العمل التوسعية يتطلب تفكيرًا مبتكرًا على كافة مستويات الشركة.

عندما بدأ المشروع اتصلتُ بهاري دالتون، الذي كان يعمل وقتها مديرًا في إدارة تصميم وهندسة الأنظمة ثم أصبح نائب رئيس إدارة الأنظمة الاستراتيجية المتكاملة، وطلبتُ منه — بصفته مدير هذا المشروع المبتكر الذي سيغير حال المجال — مناقشة التفاصيل المتعلقة بتطبيق فيدكس لنظام التتبُّع، وأخبرته عن رغبتي في التعرُّف على المشروع من الشخص الذي تمكَّن من إنجازه، وهو ما رد عليه قائلًا: «تلك مجاملة لطيفة! لقد ساعدني العديد من الأشخاص البارعين.»

فيما يلي جانب من حواري معه:
س: عندما تستعرض تجربتك من منظور كلي، ما العوامل التي أدت إلى نجاح هذا المشروع؟
ج: أرى — بوجه عام — أن الأمر ينحصر في خمسة عوامل:
  • (١)

    تعريف واضح لهدف المشروع؛ ألا وهو تطوير نظام تتبع موثوق وتطبيقه.

  • (٢)

    فهم دقيق للعمليات التي تنفذها الشركة (قبل تولي هاري قيادة هذا المشروع كان يعمل مديرًا للعمليات في إقليم وسط الأطلنطي).

  • (٣)

    فهم ثاقب لطبيعة المعلومات التي يحتاجها العميل.

  • (٤)

    التزام عالي المستوى بالمشروع (طوال مدة المشروع كان هاري يقدِّم تقارير بالتطورات إلى مدير الشركة).

  • (٥)

    تمتع طاقم العمل بالخبرة التقنية اللازمة لرفع مستوى المهام المطلوبة من الموردين.

س: هلَّا أوضحت لي خطوات تطوير هذا الابتكار الريادي وتنفيذه.

ج: لقد عينَّا عددًا من الأشخاص الأذكياء وكلَّفناهم بعمل مثير للاهتمام، وراعينا أن يدركوا جميعًا أن العمل الذي يقومون به سيجعل فيدكس أول شركة نقل تُقدِّم خدمة التتبُّع الدائم؛ فالمهندسون يحبون هذا النوع من التحديات.

تمتع الفريق بحرية تامة فيما يتعلق باستكشاف الخيارات المثلى لتحقيق هذا التحدي. وعلينا تذكر أن المشروع بدأ منذ ٢٥ عامًا في وقت لم تكن التكنولوجيا المتوافرة كما هي اليوم؛ إذ لم تكن توجد ماسحات ضوئية محمولة جاهزة للاستخدام. كذلك لم تكن تكنولوجيا طبع الباركود بنفس مستوى تطورها اليوم. في ذلك الوقت، لم يكن في وسعنا طبع باركود متسلسل يمكن قراءته على بوليصات الشحن الجوي، وكنا نحتاج إلى طبع ملايين الأكواد. كنا نستخدم تقنيات ميد، وثري إم، وستاندارد ريجيستر لطبع الباركود، لكن الكود الخاص بنا كان في غاية الاختلاف عن الأنواع المستخدمة في متاجر البقالة.

بدأ الفريق أولًا بتحديد المتطلبات وسيناريوهات التشغيل المحتملة، وحددنا لقاءات إفطار جماعي تُنظم دوريًّا حيث يتاح للجميع فرصة التعبير عن آرائهم وطرح الأسئلة. أحد المنتجات التي جربناها في ست محطات عام ١٩٨١ — في طرح أوليٍّ للمُنتَج — كان جهاز نوراند للمسح الضوئي. بينما واصلنا الاجتماع بموردي الأجهزة كي نوضِّح حاجتنا إلى أجهزة أصغر وأكثر كفاءة، فإن معظمهم كانوا يخرجون من الاجتماع ضاحكين. وأخيرًا، وجدنا موردًا في مدينة شارلوت بولاية نورث كارولينا يهتم بالعمل معنا. كنا قد جربنا العديد من الأنظمة المختلفة، وكان هدفنا المبدئي هو تطوير نظام التتبُّع الدائم والموثوق من محطة إلى أخرى وتنفيذه، ثم مد التكنولوجيا لتشمل التتبُّع من منزل إلى آخر. حققت التجارب نجاحًا، ومع حلول شهر فبراير عام ١٩٨٢ كنا قد طبقنا النظام على شبكتنا بالكامل.

أثناء مرحلة التطوير، طُلب منا تقديم عرض توضيحي في اجتماع مجلس إدارة الشركة. كان في وسعنا فعليًّا تتبع طرد عشوائي أُرسل الليلة الماضية إلى غرفة اجتماع مجلس الإدارة، وقد استطعنا تتبع الطرد تتبعًا دائمًا أثناء مغادرته محطة المنشأ في الليلة السابقة حتى وصوله إلى محطة الوصول، وذلك منذ ٢٢ عامًا!

على مدار عملية التطوير والاختبار، كنا نقدم عروضًا تقديمية بانتظام في اجتماعات الموظفين التي يحضرها المدير أو نائب رئيس الشركة، وجميع اجتماعات الموظفين؛ كي نزودهم بآخر الأخبار حول ما نلاقيه من نجاح وإخفاق. وفي كل اجتماع كنا نطلب تقييمهم. دعانا فريد سميث بانتظام إلى عرض آخر أخبار المشروع في اجتماعات كبار المسئولين، وتلقينا دعمًا هائلًا من قسم الاتصالات بالشركة. لعب هذا التواصل والإشراك المستمر للعاملين في مرحلة التطوير والاختبار دورًا رئيسيًّا في قبول التقنيات وتطبيقها بنجاح في هذا المجال.

في عام ١٩٨٥، بدأنا تجربة الاختراع الذي أصبح معروفًا باسم «سوبرتراكر»، والذي مكَّننا من معرفة هوية الشخص الذي أقرَّ باستلام كل طرد تحديدًا. أتاح لنا جهاز المسح المحمول هذا مسح الطرود في جميع مراحل عملية جمع الطرود وتوصيلها. والآن أصبح في وسعنا تحديد مكان الطرد بالضبط في أي وقت كان، سواء في المحطة أو في شاحنة النقل، أو عند التوصيل. قد واجهنا الكثير من التحديات وأجرينا العديد من التعديلات قبل أن نتمكن من الحصول على جهاز سوبرتراكر الذي لبَّى احتياجاتنا التشغيلية. وهكذا استطعنا تخطي حدود التكنولوجيا المتاحة، وفي الفترة بين نوفمبر ١٩٨٥ ومايو ١٩٨٦ كنَّا قد درَّبنا ٢٦ ألف موظف على استخدام هذه التكنولوجيا، وعمَّمنا التقنية بالكامل.

علاوة على ذلك، كان تقدير أعضاء الفريق عاملًا رئيسيًّا في الحفاظ على همَّة المجموعة. استمر المشروع لفترة تزيد على أربع سنوات، وفي اجتماعات كبار المسئولين كنت أطلب من أعضاء الفريق تقديم العروض التقديمية، وأحرص على أن يتلقوا الثناء على جهدهم. وقد قدرت الإدارة العليا مجهوداتهم عبر منح العديد منهم جائزة النجوم الخمسة؛ وهي أعلى جائزة تمنح تقديرًا للإبداع والتفوق في القيادة في شركة فيدكس.

أتاح لنا هذا الاختراع إدخال تحسينات أخرى تعزز الخدمة والتشغيل، مثل طابعة مسئول التوصيل. قبل هذه الطابعة — التي تطبع ملصقات الطرود — كان على المسئول كتابة كود التوجيه على الطرد مستخدمًا قلم تحديد. لم يؤدِّ استخدم طابعة مسئول التوصيل إلى أتمتة هذه العملية فحسب، بل حسَّن مستوى الدقة؛ إذ طبع الجهاز أكواد التصنيف التي مكنتنا بدورها من إدخال تقنية التصنيف الآلي في المراكز المختلفة.

fig1
شكل ١-١: كاريكاتير «بيتيل بايلي». أعيد طبعه بتصريح من شركة «كينج فيتشيرز سينديكات».
إن تصميم نظام سوبرتراكر وتنفيذه يبرز أهمية كل خطوة من الخطوات الثلاث في عملية الإبداع؛ وهي: التوليد، والقبول، والتنفيذ. ويعرض الرسم الكاريكاتيري في شكل ١-١ صورة توضيحية أخرى لكيفية تحقق ذلك. ورغم سخريته من الإسهامات الثانوية التي يقدِّمها بعض الموظفين في عمليات التطوير داخل مؤسساتهم، فإن أيًّا ممن عمل داخل ثنايا المؤسسات، سواء كانت كبيرة أم صغيرة، يدرك إلى أي مدًى تُعد تلك الإسهامات ضرورية حقًّا. يناقش الفصل الثاني بالتفصيل الثقافة التي طورتها فيدكس لضمان أن جميع موظفيها يساهمون في عملية الإبداع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١