الفصل الثاني

التقسيم

كان مقدَّرًا للهند على مرِّ التاريخ أن تفِدَ إليها أعراق وثقافات بشرية متعددة، لتجد وطنًا في تربتها المِضيافة، وأن تقصدها قوافل كثيرة للراحة … وقد أَثْرت أحداث ألف ومائة عام من التاريخ المشترك [بين الإسلام والهندوسية] الهند بإنجازاتنا المشتركة؛ فاللغة والشِّعر والأدب والثقافة والفن والملبس وآدابنا وأعرافنا، وأحداث الحياة اليومية التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، كلُّ شيء يحمل بصمة مساعينا المشتركة … تلك الأعوام الألف الماضية من حياتنا المشتركة صهرتنا في جنسية واحدة … وشئنا أم أبينا، لقد صِرنا الآن دولة هندية متحدة وغير قابلة للانقسام؛ فلا يمكن لخيال أو تخطيط يرمي إلى الفصل والتقسيم أن يَفْصِم عُرَى تلك الوحدة.

مولانا أبو الكلام آزاد، خطاب رئيس حزب المؤتمر، عام ١٩٤٠

المشكلة في الهند ليست ذات طبيعة طائفية، وإنما ذات طبيعة قومية لا لبس فيها، ولا بد من التعامل معها من هذا المنطلق … إنَّ إمكانية اجتماع الهندوس والمسلمين في جنسية واحدة لوَهْمٌ، وقد جاوز ذلك التصور الخاطئ لدولة هندية واحدة المدى، وهو سبب معظم مشاكلنا، وسوف يؤدي بالهند إلى الهلاك، إذا فشلنا في العدول عن تصرفاتنا في الوقت المناسب؛ فالهندوس والمسلمون ينتميان إلى فئتين متباينتين من الفلسفة الدينية والعادات الاجتماعية والأدب؛ فلا هم يتزاوجون ولا يتزاورون، وهم ينتمون فعليًّا إلى حضارتين مختلفتين قائمتين بالأساس على أفكار وتصورات متناقضة؛ فآراؤهم إزاء الحياة وجوانب حياتهم متباينة.

إم إيه جناح، خطاب رئيس العصبة الإسلامية، عام ١٩٤٠

١

هل كان تقسيم الهند ضروريًّا؟ عندما رحل البريطانيون، ألم يكن بإمكانهم أن يخلِّفوا وراءهم دولة واحدة؟ ثارت مثل تلك التساؤلات منذ عام ١٩٤٧، وهي أثناء الإجابة عنها تطرح التساؤل المكمِّل لها، وهو: «لماذا» قُسِّمت الهند؟

تجلَّى الحنين إلى الهند المتحدة لدى الأشخاص المقيمين على الناحية الهندية من الحدود بالأساس، إلا أنه أحيانًا كان يظهر شعور بالضياع داخل ما صار باكستان أيضًا، بل إنَّ أحد السياسيين الاتحاديين المحنَّكين كتب يوم ١٥ أغسطس من عام ١٩٤٧ يقول:
أود فعل أي شيء لإنقاذ وحدة البنجاب … فإن رؤية ما يحدث لتكسر الفؤاد … كل ذلك بسبب سياسة التمييع والانصراف قبل الوصول إلى أي اتفاق حقيقي … فقد اسْتُبْعِدَ حدوث أي تعديل بتحديد تاريخ لنقل السلطة، ولم يعد من سبيل سوى تشريح الجسد حيًّا … سيكون علينا أن نبدأ من جديد، [ولكن] يكاد الأمل ينعدم في بناء الأمور على أساسها القديم؛ إذ إنَّ الكراهية الطائفية والتدمير المتبادل صار لهما الأولوية في أذهان الجميع الآن.1
لماذا لم يكن إنقاذ وحدة البنجاب — أو الهند — ممكنًا؟ قُدِّمت ثلاث إجابات متباينة إلى حدٍّ بعيد. الإجابة الأولى تلوم قيادة المؤتمر الوطني على الاستهانة بجناح والمسلمين. أما الثانية فتلوم جناح على السعي وراء هدف إقامة بلد منفصل بصرف النظر عن التبعات الإنسانية، والثالثة تلقي بالمسئولية على عاتق البريطانيين، بزعم أنهم شجَّعوا الانقسام بين الهندوس والمسلمين بغية إطالة حكمهم.2

تلك الإجابات — أو لنقل الاتهامات — الثلاثة، كلٌّ منها يحمل جانبًا من الصواب؛ فصحيح أن نهرو وغاندي اتَّخذا قرارات خاطئة جدًّا في تعاملاتهما مع العصبة الإسلامية؛ إذ في عشرينيات القرن العشرين تجاهل غاندي جناح وحاول توحيد قضيته مع الملالي، وفي الثلاثينات زعم نهرو بغطرسة — واتضح فيما بعدُ أنه كان مخطئًا — أنَّ جموع المسلمين ستؤثِر اتِّباع عقيدته الاشتراكية على الانضمام إلى ركْب حزب قائم على الدين. لكن في تلك الأثناء، راح المسلمون ينتقلون بثبات من المؤتمر الوطني إلى العصبة الإسلامية. في ثلاثينيات القرن العشرين عندما كان جناح مستعدًّا لعقد اتفاق، قوبل بالتجاهل، وفي الأربعينيات بعدما صار المسلمون يقفون وراءه بقوة، لم يكن ثمة سبب يدفعه إلى عقد أي اتفاق.

وصحيح أيضًا أن بعض تحولات جناح السياسية تحدَّت أي تفسير عدا الطموح الشخصي؛ فقد عُرف في يوم من الأيام بلقب «سفير الوحدة بين الهندوس والمسلمين»، وعُرف عنه ممارسته السياسة الدستورية. وحتى عندما نصب نفسه حاميًا للإسلام والمسلمين، أغفل ادعاءات التديُّن في حياته الشخصية. (كان يحب الويسكي، ويقول البعض إنه كان يحب شطائر لحم الخنزير أيضًا.)3 إلا أنه منذ أواخر ثلاثينيات القرن العشرين بدأ يعمل على إذكاء المشاعر الدينية. وبلغت تلك العملية أوْجَها في دعوته إلى إقامة «يوم العمل المباشر»؛ وهو اليوم الذي أشعل فتيل الحلقة الدامية من العنف والعنف المضاد التي جعلت التقسيم في النهاية أمرًا حتميًّا.
وأخيرًا، ثمة جانب من الصحة أيضًا في أن البريطانيين رحَّبوا فعلًا بالعداوة القائمة بين الهندوس والمسلمين وأججوها؛ ففي مارس ١٩٢٥ — عندما كانت المعركة ضد الاستعمار قد اكتسبت بُعدًا شعبيًّا حقيقيًّا — كتب وزير الدولة لشئون الهند إلى نائب الملك للهند التالي: «لطالما وضَعْتُ أعْرَضَ آمالي وأدوَمها على استمرار الوضع الطائفي.»4 فداخل إنجلترا، أدَّى نمو القيم الليبرالية إلى إعلاء شأن سيادة الفرد، ولكن في المستعمرات كان الفرد دائمًا ما يُنظر إليه على أنه تابع للمجتمع. تجلَّى ذلك في الوظائف الحكومية؛ حيث حرصت الحكومة على الموازنة بين أعداد الموظفين من المسلمين والهندوس، وفي السياسة؛ حيث استحدث البريطانيون قواعد انتخابية طائفية بحيث كان المسلمون لا يصوِّتون إلا لمسلمين آخرين، وكان معظم المسئولين البريطانيين يميلون إلى تفضيل المسلمين؛ إذ لم تكن شعائرهم الدينية وأسلوب حياتهم — مقارنةً بالهندوس — غريبة تمامًا على البريطانيين. وبصفة عامة، عمَّقت السياسة الاستعمارية الانقسامات الدينية التي ساعدت على تعزيز حكم الرجل الأبيض.
فقِصر نظر المؤتمر الوطني، وطموح جناح، ولاأخلاقية بريطانيا وسعيها وراء مصالحها الذاتية؛ كلُّ ذلك ربما يكون قد اضطلع بدور ما، ولكن على مشارف أربعينيات القرن العشرين، على الأقل، كانت مسألة التقسيم قد صارت جزءًا من حتمية التاريخ الهندي. إذ حتى لو لم يشجِّع البريطانيون إقامة القواعد الانتخابية الطائفية، لكان بدءُ العمل بالسياسة الانتخابية الحديثة شجَّع تكوين كُتل تصويتية مجتمعية؛ فقد تزايد دفع المسلمين إلى التفكير في أنفسهم على أنهم مسلمون فقط؛ فحتى عام ١٩٢٧ كان قوام العصبة الإسلامية ١٣٠٠ عضو فحسب، وبحلول عام ١٩٤٤ صار لديها أكثر من ٥٠٠ ألف عضو في البنغال وحدها (كانت البنجاب فيها ٢٠٠ ألف عضو)؛ فقد توافد المسلمون من جميع الطبقات إلى العصبة، الحِرَفِيِّين والعمال وأصحاب المهن ورجال الأعمال، كلهم تجمَّعوا استجابةً لنداء «الإسلام في خطر»، متخوفين من احتمال أن تقوم دولة موحدة، وتكون «دولة البراهمة والبانيا (التجار)».5
صدرت أول دعوة رسمية لإقامة دولة باكستان عن العصبة الإسلامية في مارس ١٩٤٠؛ فقد كانت الحرب العالمية الثانية قد أجَّلت مسألة باكستان (واستقلال الهند على نحو أعمَّ)، وبعد الحرب وصلت حكومة عُمَّالية إلى سُدَّة الحكم في بريطانيا العظمى. وخلافًا للمحافظين، كان حزب العمل «يرى أنَّه مقيَّد بالتزام أخلاقي بالتعجيل بعملية منح الهند الاستقلال»، فقد أبدى رئيس الوزراء كليمنت أتلي في قضية الهند «حسمًا وحماسًا غير معتادينِ في تاريخه المهني».6
كان بعض الساسة البارزين في حزب العمل وثيقي الصلة بالمؤتمر الوطني، ومنهم السير ستافورد كريبس، الذي أُرسل في أوائل عام ١٩٤٦ ضمن بعثة وزارية بريطانية مكوَّنة من ثلاثة أعضاء للتفاوض على شروط استقلال الهند. كان كريبس — وزعماء آخرون من حزب العمل — يودُّ لو خلَّف وراءه دولة هندية متحدة تمضي تحت حكم المؤتمر الوطني وتوجيهه، ولكن المذكِّرة التي أُعِدَّت للبعثة في ديسمبر ١٩٤٥ أظهرت أن ذلك احتمال مُستبعَد تمامًا. كتب تلك المذكرة بنديريل مون، الذي كان زميلًا نابغًا بكلية أول سولز، وعمل في دائرة الخدمة المدنية الهندية لفترة. أشار مون إلى أنَّ «احتمال الحصول على موافقة الهندوس على التقسيم أرجح من احتمال الحصول على موافقة المسلمين على الوحدة». فمن وجهة النظر البريطانية، كان «توحيد الهند ضد رغبة المسلمين سيستلزم استخدام القوة، وتقسيم الهند ضد رغبة الهندوس «لن» يستلزم استخدام القوة، وفي أسوأ الظروف يُرَجَّح أن تكون القوة اللازمة أخفَّ في تلك الحالة؛ فقد يبدي الهندوس في مدراس وبومباي وأُوتَّر براديش والمقاطعات المركزية حسرتهم على انتزاع إخوانهم في البنغال أو البنجاب من أحضان الهند الأم، ولكن من المستبعد أن تكون لديهم الإرادة أو القوة اللازمة لكي ينبروا للدفاع عنهم».7
وقد أثبتت الأشهر القليلة التالية ما انطوت عليه تلك التعليقات من حكمة موضوعية؛ ففي بدايات عام ١٩٤٦ أُجريت انتخابات لمجالس المقاطعات المختلفة. أُقيمت تلك الانتخابات على أساس قصر حق التصويت على المتعلمين وأصحاب الأملاك، وكان مَن يملكون حق التصويت ضمن السكان البالغين نحوَ ٢٨٪ فحسب، ولكن تلك النسبة — في بلد بحجم الهند البريطانية — كانت تعادل نحو ٤١ مليون شخص.8

في جميع أنحاء العالم، تميز أسلوب الخطابة في السياسة الديمقراطية الحديثة بانقسامه بين اتجاهين متناقضين إلى حد ما. الأول يخاطب الأمل: الطموحات الشعبية المتعلقة بالرخاء الاقتصادي والسلام الاجتماعي، والثاني يخاطب الخوف: المخاوف الطائفية بشأن التعرض للغبن أو الاجتياح من أعداء المرء التاريخيين. في انتخابات عام ١٩٤٦ اعتمد المؤتمر الوطني على خطاب الأمل؛ فأعدَّ برنامجًا إيجابيًّا قويًّا وعَد بالإصلاح الزراعي وحقوق العمال، وما إلى ذلك. أما العصبة الإسلامية فركنت إلى خطاب الخوف؛ فأخبرت الناخبين أنَّ المسلمين إذا لم يحصلوا على وطن منفصل، فسيسحقهم الهندوس الذين يفوقونهم عددًا في الهند الموحدة. وقد سعت العصبة فعليًّا لإقامة استفتاء على مسألة باكستان. وعلى حد قول جناح في إحدى خطب حملته الانتخابية: «الانتخابات هي بداية النهاية؛ فإذا قرر المسلمون دعم باكستان في الانتخابات المقبلة، فسنكون قد ربحنا نصف المعركة. أما إذا فشلنا في المرحلة الأولى من الحرب، فلن تقوم لنا قائمة.»

نقل كوادر العصبة رسالة زعيمهم بحماس؛ ففي بيهار طلبت العصبة الإسلامية المحلية من الناخبين أنْ «يقرروا ما إذا كان الأحرى أن تكون الأصوات قاعدة تُستَخدَم في الإعداد لإنشاء حصن «حكم راما» (راما هو إله هندوسي)، أم في إقامة بناء يمنح الاستقلال للإسلام والمسلمين». وقد عرض أحد الملصقات التي استخدمتها العصبة للدعاية الانتخابية بضع ثنائيات متناقضة ذات مغزى: الدين والدنيا، والضمير والإقطاع، والحق والمنصب، وفي كل حالة كان البند الأول يرمز إلى باكستان، والثاني إلى الهند.

كذلك فقد حثَّت العصبة الناخبين في دعايتها الانتخابية على تجاوز التقسيم إلى طوائف وعشائر؛ فتضمن أحد الملصقات دعوة: «اجتمعوا بالإسلام، اتحدوا»، وطُلِب من المسلمين أن يدلوا بأصواتهم كفريق واحد. وقد لعب الطلاب المتطوعون دورًا حيويًّا؛ إذ طافوا بالمناطق الريفية من دار لأخرى لحشد الأصوات.

وقد جاءت نتائج الانتخابات دليلًا دامغًا على نجاح الحملة الانتخابية للعصبة. في جميع أنحاء الهند — من مقاطعة لأخرى — كان أداء المؤتمر الوطني ممتازًا في الفئة العامة، ولكن العصبة اكتسحت المقاعد المخصصة للمسلمين، مقاتلةً من أجل قضية واحدة هي إنشاء دولة قائمة بذاتها للمسلمين. في مقاطعة البنغال، على سبيل المثال، حصلت العصبة على ١١٤ من المقاعد المخصصة للمسلمين والبالغ عددها ١١٩ مقعدًا؛ ونظرًا لأن العدد الإجمالي للمقاعد كان ٢٥٠، فقد احتاجت إلى قليل من الجهد للحصول على أغلبية. وفي المقاطعات الاتحادية، حصل المؤتمر على ١٥٣ مقعدًا من إجمالي ٢٢٨، وبالتالي، شكَّل الحكومة. ولكن داخل هذا الانتصار الأكبر، كانت هناك هزيمةٌ كبيرة؛ فقد حصلت العصبة من ضمن المقاعد المخصصة للمسلمين في المقاطعات الاتحادية التي عددها ٦٦ على عددٍ هائل من المقاعد بلغ ٥٤ مقعدًا. والأكثر إثارةً للدهشة كانت النتائج في مقاطعة مدراس الجنوبية، التي حتى المؤيد الشديد لجناح ما كان سيأمل أن تكون جزءًا من دولة باكستان المرتقبة. هنا، حصل المؤتمر على ١٦٥ مقعدًا من ٢١٥ مقعدًا، لكن العصبة حصلت على كل المقاعد المخصصة للمسلمين والبالغ عددها ٢٩ مقعدًا. في الدوائر العامة، رَبِحَ حزب المؤتمر ٨٠٫٩٪ من الأصوات، بينما حصدت العصبة ٧٤٫٧٪ من المقاعد المخصَّصة للمسلمين.

بعد ظهور النتائج، ذكرت «دون» صحيفة حزب العصبة الإسلامية أنَّ الأشخاص الذين انتُخبوا في المجالس التشريعية هذه المرة كلَّفهم الناخبون بمهمة … الفوز بباكستان؛ فتلك المهمة وحدها ستكون هي «المهمة ذات الأولوية» داخل مجالس المقاطعات والمجالس المركزية وخارجها. قد ولَّى وقت اتخاذ القرار، وحان وقت العمل.

نُشرت تلك الكلمات يوم ٧ أبريل من عام ١٩٤٦، وبعد ثلاثة أيام عقد جناح اجتماعًا في دلهي للمشرِّعين الأربعمائة الذين انتُخبوا على قوائم العصبة الإسلامية؛ فكرر ذلك الاجتماع الدعوة إلى إقامة دولة باكستان المستقلة، إلا أن جناح حضر مؤتمرًا في أوائل شهر مايو بسيملا؛ حيث سعت البعثة الوزارية البريطانية إلى إيجاد حل قائم على الوحدة. وخلال الشهرين التاليين جرى تداول مشروعات قوانين متعددة تسمح بإقامة دولة واحدة مع منح المقاطعات خيار الانفصال إن شاءت، ولكن المؤتمر الوطني والعصبة الإسلامية عجزا عن الاتفاق على شروط انضمام المقاطعات لذلك الاتحاد المقترَح أو خروجها منه. وتمثلت إحدى النقاط الإشكالية الأخرى في ادِّعاء جناح أنَّ المؤتمر الوطني لا يمكنه ترشيح مسلم ليكون أحد ممثليه في المحادثات.9

اجتهد جناح في المساومة مدركًا أنَّ جموع المسلمين في صفه، وبحلول نهاية شهر يونيو من عام ١٩٤٦ صار من الواضح أنَّه لا يمكن الوصول إلى تسوية؛ فعادت البعثة الوزارية البريطانية إلى لندن، ثم التقى زعماء العصبة الإسلامية يوم ٢٩ يوليو، وأكدوا أن «الوقت قد حان الآن لكي تلجأ الكتلة المسلمة إلى العمل المباشر حتى تقيم دولة باكستان، وتكفل حقوقها العادلة، وتصون شرفها، وتتخلص من عبوديتها الحالية تحت الحكم البريطاني، والمستقبل المتوقع في ظل سيطرة الطوائف الهندوسية».

وبعد أسبوعين كان يوم العمل المباشر، وبداية النهاية بالنسبة إلى حلم الهند المتحدة.

٢

لم يكن غاندي وحده من قرَّر اعتبار يوم استقلال الهند — ١٥ أغسطس ١٩٤٧ — يومًا للحداد عوضًا عن الاحتفال؛ فعلى الناحية المقابلة من الحدود — في باكستان؛ حيث جاء الاستقلال مبكرًا يومًا — كتب الشاعر فيض أحمد فيض الأبيات التالية:

هذا الصباح المجذوم، شوهته أنياب ليلة الفجر
ما ذاك الصباح الذي طال انتظاره
ما ذاك الفجر الصافي الذي خرج رفاقنا في إثره
ظانين أنه في فضاء السماء الرحب
في مكان ما ستجد النجوم مُسْتَقَرَّها الأخير لا محالة
في مكان ما سيغسل ببطء المد حدود الليل
في مكان ما سيجد زورق الأسى مرساه.10

لم يكن مثار الحسرة هنا هو التقسيم بقدر ما كانت تكلفته الدامية؛ فبحلول نهاية عام ١٩٤٥ على الأقل — وربما قبل ذلك — بدا قيام باكستان بنحو أو بآخر حتميًّا، ولم يعد من الممكن وقف هذا آنذاك بسخاء حزب المؤتمر أو تواضع مفاجئ من جانب جناح، ولكن مرثاة الشاعر تحتم علينا أن نطرح سؤالًا آخر: إذا كان التقسيم حتميًّا، فهل كان من الضروري أن يتسبب في إزهاق تلك الأرواح كلها؟

حتى نجيب عن هذا السؤال، لا بد أن نُجري استعراضًا موجزًا لأحداث الشهور الستة الأخيرة في الحكم البريطاني. في ٢٠ فبراير ١٩٤٧، أعلنت حكومة حزب العمل في لندن أنَّ بريطانيا سترحل عن الهند بحلول شهر يونيو من عام ١٩٤٨، وأنَّ شخصًا آخر سيشغل منصب نائب الملك في الهند عوضًا عن اللورد ويفل. وفي ٢٢ مارس، تولى نائب الملك الجديد اللورد ماونتباتن مهام منصبه، وفي غضون الأسابيع القليلة التالية ناقش شروط الانسحاب البريطاني مع الأطراف المعنية، فوجد أن معظم زعماء حزب المؤتمر الوطني في سبيلهم إلى الاقتناع بحتمية التقسيم؛ إذ رأوا أنَّ «منح الجزء الأكبر من الهند الاستقلال أفضل من تأجيل منح الهند كاملةً استقلالها».11 وقد قام غاندي بمحاولة أخيرة لإنقاذ الوحدة؛ بأن طلب من جناح أن يرأس أول حكومة في الهند الحرة، ولكن المؤتمر الوطني لم يؤيد ذلك العرض، ولم يقبله جناح على أي حال.

وفي ٢ مايو، أُرسِل اللورد إيزماي؛ رئيس أركان نائب الملك، إلى لندن بخطة للتقسيم، فحصل على موافقة مجلس الوزراء، ولكن كان لا بد من إعادة صياغة الخطة عدة مرات لدى عودته؛ بغية إرضاء كلٍّ من حزب المؤتمر الوطني والعصبة الإسلامية. (في مرحلةٍ ما طلَب جناح — الذي ظل وقحًا حتى النهاية — شقَّ ممر طوله ٨٠٠ ميل عبر الهند؛ بغية ربط الجناح الشرقي والجناح الغربي لباكستان.) ورفع ماونتباتن الخطة بعد مراجعتها إلى مجلس الوزراء البريطاني.

انقضى الجزء الأكبر من الشهر في تلك الأحداث. وفي ٣ يونيو، أعلن ماونتباتن — بعد عودته من لندن — خطة التقسيم على إذاعة «أول إنديا راديو». تبعه على الميكروفون نهرو وجناح وبالديف سينج (متحدثًا بالنيابة عن السيخ). في الصباح التالي، عقد نائب الملك مؤتمرًا صحفيًّا في مبنى المجلس التشريعي، وهناك اقترح — للمرة الأولى — ألا يغادر البريطانيون في يونيو ١٩٤٨، وإنما في منتصف أغسطس ١٩٤٧؛ أي في غضون أقل من عشرة أسابيع.

كان ماونتباتن نفسه من اتخذ قرار تقليص الإطار الزمني لانسحاب بريطانيا بتلك الصورة الجذرية. وقد برر فيليب زيجلر — مدوِّن سيرته — قراره كالتالي:
بمجرد أن أُقرَّ مبدأ التقسيم صار من المحتم أن تشتعل نيران الطائفية كالنار في الهشيم. وكلما طالت الفترة السابقة على نقل السلطة تفاقمت التوترات وتنامى خطر انتشار العنف؛ فاليوم كانت البنجاب، وغدًا البنغال، أو حيدر أباد، أو أي من المجتمعات التي لا حصر لها في شبه القارة الهندية التي عاش الهندوس والمسلمون فيها جنبًا إلى جنب، فالمائتا ألف كان من الممكن أن يصيروا مليونين أو حتى عشرين مليونًا.12
والواقع أنه أثناء كتابة زيجلر تلك السطور (في عام ١٩٨٥)، كان تقدير الوفيات الناجمة عن العنف المرتبط بالتقسيم قد بلغ مليون قتيل، واقترح بعض الباحثين فيما بعد أن الرقم أقرب إلى مليونَيْن. كم كان ذلك الرقم سيصير لو رحل البريطانيون في يونيو ١٩٤٨ كما كان مخططًا؟ في هجوم لاذع على سمعة ماونتباتن، اتهمه أندرو روبرتس باللين والتردد — «وقتما اضْطُرَّ إلى إبداء بعض الخشونة، اتخذ ماونتباتن أضعف السبل الممكنة» — وبأنه يتحرَّج من التصدي بحسم للعنف الطائفي، ولا سيما أنه خفض عدد أفراد قوة الحدود البنجابية دون تزويدها بغطاء جوي. على العكس من زيجلر، روبرتس مقتنع بأن «الانسحاب المفرط التسرُّع» أدى إلى «زيادة الوفيات لا تقليلها».13
وقد شعر بعض المراقبين المعاصرين للأحداث أيضًا بأن قرار تفكيك إمبراطورية شُيِّدت على مدى قرنين من الزمان خلال شهرين بالضبط لم يكن قرارًا صائبًا؛ ففي صيف عام ١٩٤٧ كان الرجل الذي شغل أخطر المناصب هو السير إيفان جنكينز؛ حاكم مقاطعة البنجاب التي كانت لا تزال متحدة؛ ففي أوائل شهر مايو كتب جنكينز إلى ماونتباتن مستحثًّا إياه على «إعادة النظر في الشروط التي ينطوي عليها أي إعلان مبكر يجسِّد حلًّا للمشكلة السياسية الهندية؛ فسوف نواجَه في البنجاب رفضًا باتًّا من طوائفها للتعاون بأي شكل من الأشكال؛ إذ من الواضح أنه ما من فائدة تُرجى من إعلان تقسيم للبنجاب لن تقبل به أي طائفة».14 ولكن القرار اتُّخذ بصرف النظر عن تلك الاعتراضات، وعُهِد إلى الحاكم بمهمة حفظ القانون والنظام أثناء تقسيم البنجاب. وكتب إلى ماونتباتن مجددًا يوم ٣٠ يوليو، شارحًا أن احتمال نيل الاستقلال مقترنًا بالتقسيم أثار غضب الناس عوضًا عن إثارة حماسهم؛ فقد كان المسلمون يأملون في الحصول على البنجاب كاملة، بينما تخوف السيخ والهندوس من خسارة لاهور. وعلَّق الحاكم ساخرًا: «إنَّ تقسيم بلد يحتوي على ٣٠ مليون شخص حُكِم باعتباره وحدة واحدة طوال ٩٨ عامًا خلال ستة أسابيع، أمر بالغ الصعوبة، حتى إن كانت الأطراف المعنية كلها متآلفة ومتلهفة للمضي قدمًا.»15
والحقيقة أن جنكينز طالب مرات عدة بإرسال مزيد من القوات، وطالب أيضًا بإرسال «سرب طائرات استطلاع تكتيكية». وقد كان أحد أسباب عدم توفر قوات كافية للتعامل مع مثيري الشغب هو أنَّ البريطانيين — الحكام — كانوا يخشون التعرُّض للهجوم بمجرد أن يُعلَن قرار الجلاء. وقد ساد ذلك الشعور أوساط الأوروبيين المقيمين في الهند جميعًا، من ضباط وقساوسة ومزارعين وتجار. وفي صيف عام ١٩٤٦، كتب ضابط إنجليزي شابٌّ لأسرته أن «واقع الأمر أنَّ البلد كله سيكون ضدنا (لمدة تكفي على أي حال لمحونا نحن أعضاء الجالية الأوروبية المتناثرين) قبل أن يتحول الأمر — كما من المحتم أن يصير — إلى قتال طائفي بين الهندوس والمسلمين».16
وقد كان إيلاءُ حمايةِ الأرواح البريطانية الأولويةَ القصوى سياسةً من سياسات الدولة إلى حدٍّ بعيد؛ ففي فبراير ١٩٤٧ قال حاكم البنغال: «أول إجراء سأتخذه في حالة إعلان تاريخ لانسحاب السلطة البريطانية … هو «استنفار» القوات وإعداد العدَّة لتجميع الأوروبيين المقيمين في مناطق نائية دون سابق إنذار بمجرد أن تبدأ ردود الأفعال العدائية في الظهور.»17 والحقيقة أنه خلال صيف عام ١٩٤٧ كان الرجال والنساء البيض أكثر الناس أمانًا في الهند؛ فلم يكن أحد راغبًا في قتلهم.18 ولكن شعورهم بعدم الأمان استتبع وضع وحدات عسكرية متعددة على مقربة من المستوطنات الأوروبية عوضًا عن تحريرها لمهمة السيطرة على الشغب في سائر الأنحاء.
وقد كانت غريزة حب البقاء بدورها وراء قرار تأجيل تعيين حدود البنجاب إلى ما بعد التاريخ المحدد للاستقلال؛ فيوم ٢٢ يوليو — عقب زيارة إلى لاهور — كتب اللورد ماونتباتن إلى السير سيريل رادكليف طالبًا منه تعجيل الأمور؛ لأن «كل يوم زائد» من شأنه أن يقلل مخاطر الِاضْطِراب. وكان من شأن الإعلان عن قرار تقسيم الحدود «قبل» الاستقلال أن يتيح تحريك القوات قبل نقل السلطة. وكان حاكم البنجاب حريصًا أشد الحرص أيضًا على إعلان قرار التقسيم فور الانتهاء منه. والواقع أن رادكليف كان جاهزًا بقرار التقسيم يوم ٩ أغسطس ذاته، إلا أن ماونتباتن غير رأيه آنذاك واختار ألا يعلن القرار إلا بعد يوم ١٥ أغسطس. كان أقل ما يوصَف به تبريره لتأخير الإعلان هو أنه تبرير غريب؛ إذ قال: «لا شك أنَّه كلما صدر الإعلان أبكر، زادت فترة تحمُّل بريطانيا مسئولية الاضْطِرابات التي سيُسفر عنها حتمًا.» ومن نفس المنطلق قال: «كلما أخَّرنا الإعلان قلَّ تعرُّض البريطانيين إلى الكراهية المُحتَّمة.»19
كقاعدة، يجب على المرء أن يكتب عن التاريخ باعتبار ما كان فقط، وليس ما كان يمكن أن يكون؛ إذ هل كان من شأن إتاحة فترة زمنية أطول — صدور إعلان في أبريل ١٩٤٧ مفاده أنَّ بريطانيا سوف ترحل خلال سنة — أن تحقق عملية تقسيم أقل إيلامًا؟ وهل كان من شأن زيادة نشاط نشر القوات وتبكير إعلان قرار رادكليف أن يؤدي إلى تقليل العنف في البنجاب؟ ربما، أو ربما ما كان ذلك سيحدث. وقد اتَّضح أنَّ أنسب مرثاة في وصف الأيام الأخيرة للحكم البريطاني صدرت عن أحد المسئولين بالبنجاب، الذي قال لموظف شاب من أكسفورد يعمل في الخدمة المدنية: «أنتم البريطانيون تؤمنون بالإنصاف؛ فقد تركتم الهند في حالة الفوضى ذاتها التي وجدتموها عليها.»20

وعلى الرغم من أن النقاش لم يزل محتدمًا بشأن دواعي التقسيم، فلم يُولَ القدر ذاته من الاهتمام لتبعاته؛ فقد كانت تلك التبعات لا يستهان بها بأي حال، كما سيتضح في هذا الكتاب؛ فقد كان للتقسيم عواقب وخيمة على الديموغرافيا والاقتصاد والثقافة والدين والقانون والعلاقات الدولية والسياسات الحزبية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤