الفصل الثامن

الهند والعالم

أفضل حالات البانديت نهرو تكون حينما يتحرَّر من صغائر الأمور.

مجلة «إيكونوميك ويكلي»، ٢٨ يوليو ١٩٥١

١

بُعَيْد انتخابات عام ١٩٥٢ كتب نيراد سي تشودري مقالًا عن جواهر لال نهرو في مجلةٍ واسعة الانتشار. كان الكاتب (آنذاك) هنديًّا متوسط الشهرة، ولكن موضوع حديثه احتفظ بمكانته السامية فوقه وفوق الجميع؛ فقد قال تشودري إنَّ زعامة نهرو «أهم قوة أخلاقية وراء وحدة الهند»؛ فهو «ليس زعيم حزب، وإنما زعيم شعب الهند بأكمله، وهو الخليفة الشرعي لغاندي». وكان تشودري يرى أنَّ «نهرو يحافظ على وحدة الآلة الحكومية والشعب، ودون هذا المحور الرابط كانت الهند ستُحرَم على الأرجح الحكمَ المستقرَّ في هذه الأوقات الحاسمة؛ فهو لم يكفل التعاون بين الطرفين فحسب، بل أيضًا منع على الأرجح نشوب صراعاتٍ فعلية، على المستوى الثقافي والاقتصادي والسياسي. حتى زعامة المهاتما — لو كانت استمرَّت — ما كانت لتتغلَّب على مثل تلك الصراعات».

«وإذا كان نهرو — على المستوى المحلي — هو حلقة الوصل التي لا غِنى عنها بين الطبقات الوسطى الحاكمة والشعب صاحب السيادة، فهو بالقدر ذاته حلقة الوصل بين الهند والعالم؛ فهو ممثِّل الهند لدى الدول الديمقراطية الغربية العظيمة، وأود أنْ أضيف أنَّه ممثلها لدى الهند أيضًا. لا شك أنَّ الدول الغربية تنظر إليه من هذا المنطلق وتتوقَّع منه أنْ يضمن لها تأييد الهند، ولهذا تنزعج أيَّما انزعاجٍ عندما يسلك نهرو منحًى معاديًا للغرب أو محايدًا؛ فهي تشعر بأنَّ أحد رجالها خذلها.»1
خلال الفترة الطويلة التي شغل فيها نهرو منصب رئيس الوزراء، شغل منصب وزير خارجية حكومة الهند في الوقت نفسه. كان ذلك أمرًا طبيعيًّا؛ إذ إنَّه من بين قيادات حزب المؤتمر كان هو الوحيد الذي يمتلك رؤية دولية بحقٍّ؛ فقد كان غاندي يتمتع بتوجُّهٍ عالميٍّ لكنه لم يسافر إلى الخارج تقريبًا. وقيادات الحزب الأخرى — مثل فالابهاي باتيل — لم تكن تحيد عن توجُّهها الداخلي. أما نهرو فقد «كان دائم الانبهار بالاتجاهات والحركات العالمية».2
في فترة ما بين الحربين ظل نهرو يراقب النقاشات الأوروبية عن كثب، ويشارك فيها من حين لآخر. وفي عام ١٩٢٧ زار روسيا، وفي العَقد التالي تعدَّدت أسفاره في أنحاء القارة الأوروبية. وفي ثلاثينيات القرن العشرين اضطلع بدورٍ نشِطٍ في حشد الدعم من أجل قضية النظام الجمهوري في إسبانيا. وأصبح أحد دعائم اليسار التقدُّمي؛ إذ كثُرَت خُطَبه على المنصات العامة في إنجلترا وفرنسا. وفي هذا الصدد تعزَّز صِيته وشهرته بنشر كتابه «سيرة ذاتية» والنجاح التجاري الذي حققه، إثر صدوره في لندن عام ١٩٣٦.3

نجد نموذجًا ممثِّلًا لأفكار نهرو في الخطاب الذي ألقاه عن «السلام والإمبريالية» بإحدى قاعات بناية فريندز هاوس في يوستن في شهر يوليو من عام ١٩٣٨. بدأ نهرو خطابه بالحديث عن «الاعتداء الفاشي» ولكنه واصل حديثه معتبرًا الفاشية مجرد وجهٍ آخر للإمبريالية. في بريطانيا كان ثَمَّةَ ميل إلى التمييز بينهما، ولكن في مخيِّلة نهرو لم يكن ثَمَّةَ مجال للشك في أنَّ «الساعين إلى منح شعوب العالم التابعة كافة حريتها كاملة» لا بد أنْ يعارضوا الفاشية والإمبريالية على حدٍّ سواء.

وقال نهرو إن تلك الأوقات العصيبة شجَّعت «زيادة التضامن بين الشعوب المختلفة» ونمَّت «شعورًا بالصُّحبة والرفقة على الصعيد الدولي». وقد اتَّسع نطاق حديثه ليشمل بؤر الصراع في جميع أنحاء العالم؛ فتحدَّث عن إسبانيا والحبشة والصين وفلسطين، كما تحدَّث عن أفريقيا برِقَّةٍ بالغة؛ فقال: «إن شعوب أفريقيا تستحق منا اهتمامًا خاصًّا» مشيرًا إلى أنَّه «على الأرجح ما من شعب في العالم ذاق ما ذاقته تلك الشعوب من معاناة واستغلال».4
في أواخر صيف عام ١٩٣٩ خطَّط نهرو رحلة إلى جارة الهند الكبرى، الصين. كان ثَمَّةَ مراسلات وُدِّية بين نهرو وبين شيانج كاي-شيك، وهو ما فسره لأحد زملائه بقوله: «يومًا بعد يومٍ يزداد ظني في تقارب الهند والصين مستَقبلًا.» كان يأمل في أن يسافر جوًّا إلى تشونج كينج، ويقضي ثلاثة أسابيع متنقِّلًا بين ربوع المناطق النائية، ثم يعود إلى الوطن عبر طريق بورما. ولكن للأسف، وأدَت الحرب المشتعلة في أوروبا خططه في مهدها.5
سُجِن نهرو في أعقاب حركة «ارحلوا عن الهند» عام ١٩٤٢. وعندما أُطْلِقَ سراحه في يوليو ١٩٤٥ كرَّس طاقاته في بداية الأمر للجولة الأخيرة في معركة الحكم الإمبريالي. ولكن عندما لاحت حرية الهند واضحةً في الأفق القريب، تحوَّل فكره مجددًا إلى الشئون الخارجية؛ ففي حديث إذاعيٍّ في سبتمبر ١٩٤٦ خَصَّ نهرو بالذِّكر الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والصين بوصفها البلدان الثلاثة الأكثر أهمية لمستقبل الهند. وفي العام التالي تحدَّث أمام الجمعية التأسيسية للدستور، قائلًا إنَّ الهند ستكون صديقة لكلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، عوضًا عن اتِّباع معسكر إحدى القوتين «أملًا في وقوع بعض الفتات من على مائدتيهما». وعلى حد تعبيره، «نحن قادة أنفسنا».6
وقد ظهرت صيغة مبكرة مما صار يُعرَف بسياسة «عدم الانحياز» في رسالةٍ كتبها نهرو إلى كيه بي إس مينون في يناير ١٩٤٧، بينما كان مينون يستعدُّ لتولِّي مهام منصب سفير الهند الأول لدى الصين؛ فقال نهرو:
إن سياستنا العامة تَتمثَّل في تجنُّب التورُّط في سياسات القوة، وعدم الانضمام إلى أيِّ مجموعةٍ من القوى في معاداة مجموعةٍ أخرى. المجموعتان القائدتان الآن هما الكتلة الروسية والكتلة الأنجلو أمريكية؛ فعلينا أنْ نقيم علاقاتٍ وُدِّيةً مع الكتلتين على حدٍّ سواء، ولكن دون الانضمام إلى أيٍّ منهما. والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا كلتاهما متشككة إزاء الأخرى على نحوٍ غير عادي، وكذلك إزاء البلدان الأخرى. سيجعل هذا طريقنا وَعِرًا، وثَمَّةَ احتمال كبير في أنْ تشُكَّ كلٌّ منهما في ميلنا تجاه الأخرى. هذا ما لا مفرَّ منه.7

كان نهرو يرى استقلال الهند باعتباره جزءًا من عودة آسيا في صورتها الأشمل؛ فربما كانت القرون الماضية مِلكًا لأوروبا — أو للأجناس البيضاء بصفةٍ عامة — ولكن الآن قد حان الوقت لكي تتبوَّأ الشعوب الملوَّنة والتي كانت مستَعبَدةً المكانةَ التي تليق بها.

كان من المبادرات المهمة في هذا الصدد مؤتمر العلاقات الآسيوية، الذي أُقيم في نيودلهي في الأسبوع الأخير من مارس ١٩٤٧. في ذلك المؤتمر أَرسل ثمانية وعشرون بلدًا ممثلين عنها — منها أقرب جيران الهند (أفغانستان وبورما وسيلان ونيبال)، ودول جنوب شرق آسيا التي كانت لا تزال خاضعة للحكم الاستعماري (مثل ماليزيا وإندونيسيا وفيتنام)، والصين والتبت (التي أرسلت كلٌّ منهما وفدًا مستقلًّا)، وسبع «جمهوريات» آسيوية من الاتحاد السوفييتي، وكوريا. كذلك أرسلت جامعة الدول العربية ممثِّلًا عنها، كما أُرسِل وفد يهودي من فلسطين. ومثلما ذكر أحد الصحفيين الغربيين الذين غطَّوُا الحدث، فطوال أسبوع، كانت مدينة دلهي «حافلة بألوانٍ متشابكةٍ من البشر الغريبي الملبس والهيئة: ثياب مزركشة من جنوب شرق آسيا، وسراويل واسعة من أسفل الركبة من جمهوريات الاتحاد السوفييتي الشرقية، والشعر المضفر المصاحب للعباءات المبطَّنة من التبت … عشرات اللغات العجيبة والألقاب المتعددة المقاطع. وعلى نحوٍ أو آخر — مثلما ردَّد بعضنا لبعض — كانت هذه الأعداد تُمثِّل قرابة نصف تعداد سكان العالم».8
عُقِد المؤتمر في القلعة القديمة، وهي صرح حجري كبير بناه شير شاه صوري في القرن السادس عشر، والذي كان متهدِّمًا بعض الشيء وإنْ ظل محتفظًا برونقه. كانت الجلسة الافتتاحية والجلسة الختامية مفتوحتين للجمهور، واجتذبتا حشودًا كبيرة؛ بلغت ٢٠ ألفًا من الناس وفقًا لأحد التقديرات. كانت اللغة الرسمية هي الإنجليزية وإنْ توافر مترجمون فوريون للوفود. وقف المتحدثون على المنصة، ومن خلفهم ثُبِّتَت خريطة ضخمة للقارة، كُتِب أعلاها «آسيا» بمصابيح النيون. كان نهرو من ألقى الخطاب الافتتاحي. وقد «اعتلى المنصة وسط عاصفةٍ من التصفيق» قائلًا إنَّه «بعد سكون طال» آسيا «اكتسبت أهمية مفاجئة في الشئون العالمية»، وبلدانها «لم يعد من الممكن استغلالها لتحقيق مصالح الآخرين».9 إلا أنَّه — مثلما ذكر الصحفي جي إتش جانسن — فإنَّ خطاب نهرو «لم ينطوِ على معاداةٍ مباشرةٍ أو قويةٍ للاستعمار؛ فقد قال: «إن النظم الإمبريالية القديمة آيلة إلى الزوال.» ولوَّح بيده في إشارة أقرب إلى الازدراء كانت أسوأ من مهاجمة تلك النظم؛ كانت تلك إشارة النهاية».10

وبعد أنْ أنهى نهرو حديثه، أرسل كل بلد مشارك في المؤتمر — حسب الترتيب الأبجدي — متحدِّثًا إلى المنصة. استغرقت خُطَب الوفود يومين كاملين، انقسم المؤتمر بعدها إلى اجتماعاتٍ مُصَغَّرةٍ حسب الموضوع؛ فكان ثَمَّةَ أقسام منفصلة لقضايا «الحركات القومية الساعية إلى الحرية»، و«المشكلات العِرقية والهجرة بين الدول الآسيوية»، و«التنمية الاقتصادية والخدمات الاجتماعية»، و«المشكلات الثقافية»، و«وضع المرأة والحركات النسائية».

اختُتِم المؤتمر بخطابٍ للمهاتما غاندي، أعرب فيه عن أسفه لعقد المؤتمر ليس في «الهند الحقيقية» الكائنة في القرى بل في المدن «المتأثرة بالغرب». وأصرَّ غاندي على أنَّ «الرسالة المنشودة لآسيا لا يمكن استقاؤها عبر منظارٍ غربيٍّ أو بتقليد القنبلة الذرية … أودُّ أن تغادروا هذا المؤتمر وقد وقرت في أذهانكم فكرة أنَّ آسيا يجب أن تغزوَ الغرب بالمحبة والصدق».11
ظهر غاندي في ذلك الحدث، ولكن نهرو كان نجم الحفل الفعلي. وقد رأى معجبوه في ذلك تأكيدًا لمكانته باعتباره الصوت الحقيقي لآسيا الناشئة. أما نقاده فكانوا أقل تَفَضُّلًا في آرائهم؛ فقد شَكَت صحيفة «دون» التابعة لحزب العصبة الإسلامية في وصفها للمؤتمر من «براعة نهرو في تنصيب نفسه على نوعٍ من كرسي الزعامة لعموم آسيا. كان ذلك تحديدًا هو هدف ذلك القائد الهندوسي الطَّموح: أنْ يفرض نفسه زعيمًا للأمم الآسيوية ويُعزِّز بوصوله إلى تلك المكانة المرموقة والأهميةِ الخططَ التوسُّعية للهندوسية الهندية».12

٢

زار نهرو أوروبا مراتٍ عدةً قبل الاستقلال. إلا أنَّ أُولى زياراته إلى الولايات المتحدة الأمريكية جاءت بعد عامين من تولِّيه منصب رئيس الوزراء؛ فالولايات المتحدة لم تحتلَّ مساحةً كبيرةً من فكر نهرو السياسي؛ فهو على سبيل المثال قد أفرد في كتابه «لمحات من تاريخ العالم» للولايات المتحدة مساحة أصغر بكثيرٍ من الصين أو روسيا. ولم يكن ما قاله عنها كلُّه ثناءً؛ فالطراز الأمريكي من الرأسمالية تمخَّض عن العبودية وثقافة العصابات وثراء فاحش يقابله فقر مدقع؛ فقد كان جي بيربونت مورجان يقتني يختًا قيمته ٦ ملايين جنيه، في حين عُرِفَت نيويورك بأنها «مدينة الجوع». كان نهرو معجبًا بمحاولات فرانكلين ديلانو روزفلت ضبط الاقتصاد، لكنه لم يعقد آمالًا على نجاح محاولاته؛ وذلك لأن «الشركات الأمريكية الكبرى تُعتَبَر أقوى أصحاب المصالح في العالم الحديث، وهي لن تتخلَّى عن سطوتها وامتيازاتها بمجرد إشارةٍ من الرئيس روزفلت».13
قبل رحلة نهرو إلى الولايات المتحدة في أواخر عام ١٩٤٩، عمد صحفي مِقدام في مجلة «تايم» إلى تصفُّح كتاباته؛ فكشف أن «ببساطةٍ موضوع أمريكا لم يشغل حيِّزًا كبيرًا من فكره قط؛ فكونه خريج جامعة بريطانية، ربما كان ينظر بأنفة إلى القصور الأمريكي في ميدان الثقافة. وبصفته اشتراكيًّا بمشاعره، صنَّف الولايات المتحدة قوةً تكنولوجية لا نظير لها ولكنها متوحِّشة في رأسماليتها».14
كثيرون شاركوا نهرو شعوره. كانت النخبة في الهند — مثلها في ذلك مثل الطبقة الأرستقراطية في بريطانيا — عادةً ما تنظر إلى أمريكا والأمريكيين على أنهما عديما الثقافة والتهذيب. ومن الأمثلة على ذلك آراء بي بي كومارامَنجَلام، سليل عائلة شهيرة بجنوب الهند. كان والده — دكتور بي سوبَرُيان — من أصحاب الأملاك الأثرياء وسياسيًّا ذا نفوذ، خدم في وزارة نهرو في مرحلةٍ لاحقة. درس الابن في أكاديمية ساندهيرست العسكرية، بينما درس شقيقه وشقيقته في جامعتَي أكسفورد وكامبريدج. وقد واصل شقيقه موهان وشقيقته بَرفاتي مسيرتهما ليصيرا من الأعلام البارزة للحزب الشيوعي الهندي، وهو ما أكسبهما ميلًا إلى كراهية أمريكا. ولكن في هذا الصدد تَفوَّق عليهما شقيقهما ضابط الجيش؛ فبعد نيل الهند استقلالها أُرسِل للتدريب في كلية المدفعية في فورت سيل بأوكلاهوما. ومنها كتب إلى أحد معلميه في مدراس قائلًا:
هذا ليس بلدًا يمكن أن أُعجَب به أبدًا؛ فأنا لا أكنُّ له احترامًا كبيرًا. الأشخاص الذين أُضطَرُّ إلى التعامل معهم بالغو الطيبة، ومضيافون، وقد أحسنوا معاملتنا نحن الاثنين. ولكنني لسببٍ ما أستشعر لمحة تصنُّع في معاملتهم، وهي أيضًا ناتجة عن محاولة إبهارنا. أظن أنهم شديدو الغَيرة من العالم القديم وخلفيته وثقافته وهو ما أورثهم عقدة نقص حادة. أما عن أخلاقياتهم، فمنعدمة. الناس هنا يُبدون استمتاعًا بمحاولة تفوُّق بعضهم على بعضٍ بأي وسيلة، وغالبًا ما تكون وسائلهم ملتوية. الساسة مبتزُّون والشركات الكبرى محكِمة قبضتها على كل شيءٍ في البلد. وأظن أنَّ أصحاب النفوذ أحكموا قبضتهم إلى حدٍّ بعيد على صغار التجار الريفيين والمزارعين. وإني لآمل أن تمضيَ بلادنا قدمًا بحذرٍ ولا تخضع لتأثير الولايات المتحدة بالكامل.15
من جانبهم كان للأمريكيين آراؤهم المتحيزة أيضًا عن الهند؛ فقد كانوا معجبين بغاندي وكفاحه من أجل الاستقلال الوطني، ولكن معرفتهم بالبلد نفسه كانت ضئيلة؛ فكما أشار هارولد آيزاك ذات مرة، في السنوات التالية على الحرب، كان الهنود ينقسمون في أعين الأمريكيين إلى أربع فئاتٍ فحسب؛ أولًا: الهنود «الأسطوريون»، وهم المهراجات والسَّحَرة الذين تصحبهم كائنات عجيبة بالقدر ذاته مثل النمور والأفيال. وثانيًا: الهنود «الغامضون»، وهم أُناس يتَّسِمون «بالعمق والتأمل والسكون والحكمة». وثالثًا: الهنود «المضلَّلون»، الذين يعبدون الحيوانات وآلهةً متعددة الرءوس، ويعيشون في بلدٍ أكثر وثنيَّة حتى من الصين. ورابعًا: الهنود «البؤساء»، الذين يحاصرهم الفقر والمرض؛ الذين لديهم «أطفال أعينهم محاطة بالذباب وبطونهم منتفخة، أطفال يموتون في الشوارع، والأنهار مَلْأَى بالجثث». ربما كانت أكثر تلك الصور رواجًا الصورتين الأخيرتين؛ فلم يكن من قبيل المصادفة أن يكون أشهر كتابٍ صدر عن شبه القارة الهندية في أمريكا هو كتاب «أمنا الهند» لكاثرين مايو، وهو الكتاب الذي وصفه غاندي بأنه «تقرير مفتش صرف صحي».16
كان نهرو يشارك الهنود بعض آرائهم المتحيزة، كما أنه كان على درايةٍ بتحيُّزات الأمريكيين. إلا أنه كان على استعدادٍ لتنحية تلك التحيُّزات جانبًا من أجل ذلك اللقاء الأول الرفيع المستوى بين أغنى الدول الديمقراطية وأحدثها عهدًا. وفي أغسطس ١٩٤٩، بينما كان نهرو يَعدُّ العدة لرحلته، كان متوترًا على غير عادته. وسأل شقيقته فيجايا لاكشمي بانديت: «بأي صورةٍ أخاطب الولايات المتحدة؟ كيف أخاطب شعبها وما إلى ذلك؟ كيف أتعامل مع الحكومة هناك ورجال الأعمال وغيرهم؟ أي وجهٍ ينبغي أن أُقدِّم إلى عامة الشعب الأمريكي: الوجه الهندي أم الأوروبي؟ … أريد أن أكون ودودًا مع الأمريكيين ولكن مع جعْل موقفنا واضحًا دائمًا.»17

قضى نهرو ثلاثة أسابيع في الولايات المتحدة، كان يُدلي خلالها بخطابٍ في اليوم أمام جمهورٍ، تباين من الكونجرس الأمريكي إلى رعايا إحدى الكنائس في شيكاجو. وقد نال درجة الدكتوراه الشَّرفِيَّة من جامعة كولومبيا، وتحدَّث إلى جمهور مكوَّن من ١٠ آلاف مستمعٍ في جامعة كاليفورنيا ببيركلي. وأبدى توحُّده مع رجل الشارع العادي؛ إذِ الْتُقِطَت له صورة مع سائق سيارة أجرة في بوسطن، لكنه أوضح كذلك انتماءه إلى أرستقراطية المثقفين، كما في زيارته لألبرت أينشتاين في جامعة برينستون، والتي صاحبتها ضجة كبيرة.

في خطاب نهرو أمام الكونجرس، تحدَّث بإجلالٍ عن مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية، ثم إنه قدَّم في مقابلهم رجلًا عظيمًا من أبناء وطنه. كان ذلك الرجل هو غاندي، التي استلهمت الهند المستقلة سياستها الخارجية من رسالته الداعية إلى السلام والصدق. إلا أن المهاتما «كان أعظم من الحدود المقيَّدة لبلدٍ واحد، وقد تساعدنا الرسالة التي قدَّمها في تناولنا للمشكلات العالمية الأشمل». فأكثر ما يفتقر إليه العالم — على حد تعبير نهرو — كان «التفهُّم والتقدير المتبادلين بين الدول والشعوب».

كان ذلك تعبيرًا دبلوماسيًّا، ولكن نهرو تحدَّث بصراحةٍ أكبر في أماكن أخرى؛ ففي جامعة كولومبيا، استنكر الرغبة في «الزجِّ بالعالم في معسكرَين متعاديَين». وقال إن الهند لن تنحاز إلى أيٍّ منهما، وإنما ستتَّبع «نهجًا مستقلًّا لكل قضيةٍ جدليَّةٍ أو خلافية». وكان يرى أنَّ السبب الرئيسي وراء الحروب يكمن في استمرار العنصرية والاستعمار. ولا يمكن أن يُكفَل السلام والحرية إلا بالقضاء نهائيًّا على سيطرة بلدٍ أو عرقٍ على آخر.18
أُعجَبَ الإعلام الأمريكي برئيس الوزراء الهندي. وقد بلغ الأمر بصحيفة «شيكاجو صَن تايمز» أن قالت إنه «من نواحٍ عدة، يمثل نهرو أقرب شبهٍ في هذا الجيل بتوماس جيفرسون من حيث أسلوبه في التعبير عن الطموحات العالمية إلى حرية البشر في كل مكان».19 وقد وصفته مجلة «ذا كريستيان ساينس مونيتور» بأنه «عملاق عالمي». وعندما رحل نهرو، علَّق أحد كُتَّاب الأعمدة في صحيفة «سانت لويس بوست ديسباتش» قائلًا: «غادرَنا نهرو، تاركًا خلفه حشدًا من النساء الدامعات.»20 حتى مجلة «تايم» أقرَّت بأنه في حين أنَّ الأمريكيين لم يتثبَّتوا بعدُ من موقف نهرو، فقد «لمسوا فيه؛ إن لم يكن صدقًا نادرًا، فقلبًا نادرًا».21
إلا أنَّ الزائر القادم من الهند لم يلقَ استحسان فئةٍ من الناس، وهم كبار مسئولي وزارة الخارجية الأمريكية؛ فقد خاض نهرو عدة نقاشاتٍ مطوَّلة مع وزير الخارجية — دين آتشيسون — لكنها لم تُسفر عن شيء. وكتب آتشيسون في مذكراته عن زيارة نهرو باستخفافٍ لا يخلو من بعض القنوط؛ فقد وجد نهرو في حواراتهما «عصبيًّا» متكبِّرًا («لقد تحدَّث إليَّ … كأنه في مؤتمر جماهيري»)، ومتصيِّدًا لأخطاء الآخرين (لا سيما المستعمرون الفرنسيون والهولنديون) دون الإقرار بأيٍّ من أخطائه. وعندما تطرَّق آتشيسون إلى موضوع كشمير، قابله «مزيج عجيب من الخطب الجماهيرية وومضات الغضب والكراهية العميقة لخصومه». وبصفةٍ عامة، فقد قال عن نهرو إنه «أحد أصعب الرجال الذين اضْطُرِرْت إلى التعامل معهم في حياتي».22
كان ثَمَّةَ مسئولون أمريكيون آخرون أكثر تعاطفًا مع نهرو. أحدهم كان تشستر بولز، سفير الولايات المتحدة إلى نيودلهي من عام ١٩٥١ إلى عام ١٩٥٣؛ فإذ راقب بولز نهرو أثناء عمله في بيئته، أبدى إعجابًا ظاهرًا بالتزامه بالديمقراطية، والعملية الديمقراطية، وحقوق الأقليات. أما دين آتشيسون — وأمريكيون كثيرون غيره — فقد قسَّم العالم إلى فئتين: الأصدقاء والأعداء.23 ولم يكن بولز مؤيدًا لذلك المقياس؛ فقد كان يصرُّ على أنه «من السخافة والحُمْق أن نثب نحن الأمريكيين إلى استنتاج أنه بما أن نهرو ليس معنا ١٠٠٪، فلا بد أنه ضدنا».24
توطَّدت العلاقات بين الهند والولايات المتحدة خلال فترة عمل بولز سفيرًا لدى الهند؛ فقد أرسلت الولايات المتحدة خبراءَ ومُعِدَّاتٍ لمساعدة البرامج الهنديَّة الموجَّهة إزاء التنمية الزراعية. ولكنَّ التشكُّك الشعبي استمر؛ فقد صادف كاتب من ولاية ديلاوير الأمريكية — طاف شبه الجزيرة الهندية في أوائل خمسينيات القرن العشرين — كثيرًا من الهنود المتعلِّمين الذين مثَّلت الولايات المتحدة بالنسبة إليهم بلدًا «معزولًا بسبب أخطاءٍ جسيمة، يتخبَّط بمفرده في ظُلُمات الماديَّة المهلِكة، والطموحات الإمبرياليَّة، وتأجيج نيران الحرب، والفساد السياسي، والإفلاس الروحاني والثقافي، والتمييز العنصري والظُّلْم».25
ازداد التشكُّك المتبادل عُمقًا بعد عام ١٩٥٣، عندما وجد الجمهوريُّون أنفسهم في سُدَّة الحُكم مَرَّة أخرى بعد ابتعادهم عنها عشرين عامًا؛ فعندما شارف ذلك العام على الانتهاء، قام ويليام إف نولاند — زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي — برحلةٍ حول العالم في ستة أسابيع. وبعد عودته إلى الوطن، قالت مجلة «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت» نقلًا عنه إنَّ جواهر لال نهرو لا يُمَثِّل جميع أُمَم آسيا أو شعوبها. وقال السناتور نولاند مشدِّدًا: «قطعًا لا يتحدَّث نهرو بلسان جمهورية كوريا أو اليابان أو الصين الحُرَّة أو فورموزا أو تايلاند أو فيتنام أو لاوس أو كمبوديا. وهو لا يتحدَّث طبعًا بلسان باكستان؛ فالبُلدان الوحيدة التي قد يمكنه التحدُّث بلسانها بشيءٍ من الثقة — أو أنْ يُمثِّل آراءها على الأقل — هي الهند نفسها، وإندونيسيا المماثلة لها في توجُّهها المحايد وربما بورما.»26

شاركه تلك الآراء وزير الخارجية الجديد جون فوستر دالاس، الذي كان من أعتى جنود الحرب الباردة، وسيطر هَوَسه بالشيوعية على سياسته الخارجية؛ ففي إطار المعركة ضد الاتحاد السوفييتي كان دالاس مستعِدًّا لتجاهُل النظم السياسية الداخلية للدول الأخرى. والحُكَّامُ الدكتاتوريُّون الموالون للولايات المتحدة نالوا حَظوةً عن الحُكَّام الديمقراطيين غير الموالين؛ وذلك حسب العبارة الشهيرة التي يُفتَرَض أنَّ دالاس قالها: «حتى إنْ كان وغدًا، فهو على الأقل وغدنا.»

وقد شعر دالاس ونهرو بنفورٍ متبادلٍ منذ البداية؛ فقد زعم الأوَّل أنَّ «فكرة الحِياد بالية وغير أخلاقية وتفتقر إلى بُعد النظر»، وأن المؤمنين بها ينتمون إلى الشيوعية سِرًّا. وبطبيعة الحال لم يلقَ ذلك التفسير قَبولًا لدى نهرو؛ فحسبما كتب الدبلوماسي الأسترالي والتر كروكر، لم تفت رئيس الوزراء الهندي المفارقة المتمثِّلَة في أنَّه:
فيما يتعلَّق بقدسيَّة العالم الحُرِّ والحياة الحُرَّة التي أعلنها دالاس، فأنا — الملعون في نظر دالاس — أبذل جهدًا هائلًا لكي أضع الهند على طريق الديمقراطية البرلمانية، وسيادة القانون، وحرية الأديان كافة والمساواة بينها، والإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية؛ في حين تضمَّنت البلدان التي يشيد بها دالاس ويقدِّم لها الدعم لأنَّها «مستعدة للإعلان عن انتمائها» إلى صفوف معاداة الشيوعية نظمًا استبدادية عقيمة أو قمعيَّة، ونظمًا قائمة على حكم القلة وأخرى قائمة على الحكم الديني، تتسم أحيانًا بالفساد إضافةً إلى الرجعيَّة.27
ثم أَمعَن دالاس في تهييج مشاعر الهنود عندما أشار إلى أنَّ البرتغال — الحليف الذي حَظِيَ بثقة الولايات المتحدة — يمكنها أنْ تحتفظ بمستعمرتها، جُوا، قدر ما تشاء. إلا أنَّ الدور الحاسم لدالاس في العلاقات بين الولايات المتحدة والهند تَمثَّل في الميثاق العسكري الذي وقَّعه مع باكستان في فبراير ١٩٥٤. وحسبما علَّق أحد المؤرِّخين ساخرًا: «السيد دالاس أراد المواثيق … أما باكستان فأرادت المال والسلاح.»28
منذ استقلال الهند تقريبًا، ارتأت المملكة المتحدة في باكستان حليفًا محتملًا في الحرب الباردة، بل «حصنًا منيعًا أمام الشيوعيَّة». وفي المقابل، اعتُبِرَت الهند متساهلة مع الاتحاد السوفييتي. وكان ونستون تشرشل نفسه شديد الإعجاب بالرأي القائل إنَّ باكستان يمكنها أنْ تُمثِّل جبهة صمودٍ في شرق روسيا، مثلما مثَّلت تركيا — العميل الغربي الموثوق — جبهة صمودٍ في غرب روسيا. وقد أيَّد أستاذ جامعة هارفرد النابغة الذي كان شابًّا آنذاك هنري كيسنجر هذه الفكرة؛ ففي رأيه، كانت «حماية أفغانستان [من السوفييت] متوقِّفة على قوة باكستان».29
فبالنسبة إلى الجمهوريِّين من أمثال دالاس، مثَّلت المعركة ضد الشيوعيَّة أهميَّة قصوى؛ وهو ما يفسِّر ميله إلى باكستان، التي اعتبرها عضوًا رئيسيًّا في حلقة دفاعيَّة محيطة بالاتحاد السوفييتي؛ فضربات الطائرات الأمريكية المنطلِقة من قواعد في باكستان كان يمكنها أنْ تبلغ مناطق في عُمق وسط آسيا السوفييتي. وقد حَظِيَ رأي دالاس بتأييد ريتشارد نيكسون نائب الرئيس، واستطاعا استمالة الرئيس أيزنهاور في نهاية المطاف بمضافرة جهودهما؛ إذ كان قلِقًا من تداعيات إقامة أيِّ تحالفٍ مع باكستان على الهند.30
بلغت المعونة العسكريَّة الأمريكية لباكستان نحو ٨٠ مليون دولار سنويًّا. كذلك فقد شجَّعت الولايات المتحدة باكستان على الانضمام إلى التحالف العسكري المقاوم للاتحاد السوفييتي في وسط آسيا — والمعروف بمنظمة الحلف المركزي — ونظيره في جنوب شرق آسيا — المعروف بمنظمة حلف جنوب شرق آسيا. وقبل شهرين من توقيع دالاس الميثاق مع باكستان، حذَّر مبعوث أمريكي عَمِل سنواتٍ في شبه القارة الهندية من أنَّ «ترجيح كفَّة باكستان عسكريًّا على الهند، من شأنه أنْ يثير حفيظة الهند».31 طبعًا كان ذلك ما حدث، وإنْ كان ثَمَّةَ عوامل توتُّرٍ أخرى في العلاقات الهندية الأمريكية أيضًا؛ ففي خِضَمِّ النزاعات المستمرة أثناء الحرب الباردة — كما في كوريا والهند الصينيَّة — اعتُبِرَت الهند محايدةً أكثر من اللازم؛ فحماس نهرو المفرط في الدعوة إلى الاعتراف بجمهورية الصين الشعبيَّة، وإصراره على منحها مقعدًا في مجلس الأمن الذي كانت تشغله تايوان آنذاك، لم يلقَيا قَبولًا لدى واشنطن؛ فقد شعر عدد متزايد من الأمريكيين أنَّ نهرو «دخل ساحة السياسة الدولية في صورة البطل المتحدِّي للحكمة الأمريكية».32
ربما كان ذلك صحيحًا؛ فحسبما كتب نهرو إلى قطب الصناعة الهندي جي دي بيرلا في مايو من عام ١٩٥٤: «لا أظن التاريخ ينطوي على نماذجَ كثيرةٍ لاتِّباع بلدٍ واحدٍ سلسلةً من السياسات الخاطئة مثلما فعلت الولايات المتحدة في الشرق الأقصى خلال الأعوام الخمسة أو الستَّة الماضية؛ فهي ما برِحَت تتَّخذ خطوة خاطئة تلو الأخرى … إنَّها تظنُّ أنَّ أيَّ مشكلة يمكن حلُّها بالمال والسلاح، وتنسى العنصر البشري؛ فهي تنسى الدوافع القوميَّة للشعوب، وتنسى استياء شعوب آسيا البالغ من فرض الإملاءات عليها.»33
بيرلا نفسه كان متلهِّفًا إلى حدٍّ بعيد إلى تحسين العلاقات بين البلدين؛ ففي أكتوبر ١٩٥٤ زار الولايات المتحدة وتحدَّث إلى شريحةٍ عريضةٍ من الشخصيَّات المُهِمَّة. بل إنَّه قضى نصف ساعةٍ مع جون فوستر دالاس، الذي شكا من أنَّ الهند «مثَّلتهم تمثيلًا مُضَلِّلًا على أنهم يؤجِّجون نيران الحروب وما إلى ذلك».34 وفي فبراير من عام ١٩٥٦ زار بيرلا الولايات المتحدة مجدَّدًا في مهمةٍ راميةٍ إلى مدِّ جسور الوُدِّ بين البلدين. وعندما طلب من نهرو النصح، ردَّ عليه بدرسٍ في الأخلاق؛ فقال: «لقد أغضب تصريح دالاس عن جُوا الجميع هنا؛ فالعلاقات الهندية الأمريكية تتأثر بالأشياء من ذلك القبيل أكثر بكثيرٍ مما تتأثَّر بالمعونات التي قد يمنحوننا إيَّاها. وهناك أيضًا المعونة العسكرية الأمريكية لباكستان، التي تُمثِّل تهديدًا مُستَمِرًّا ومتناميًا علينا، وتَزيد في الواقع أعباءنا أكثر بكثيرٍ من قيمة المعونات التي يمنحوننا إيَّاها.»35
في الشهر التالي، كان جون فوستر دالاس من الجرأة بحيث أقدَم على زيارة نيودلهي. لا يزال سِجِلُّ المحادثات التي أجراها مع الحكومة الهنديَّة سِريًّا، ولكننا نمتلك نص مؤتمر صحفيٍّ أجراه هناك، وفيه تلقَّى وابلًا من الأسئلة العدائيَّة؛ فسُئِلَ عن سبب قوله إنَّ جُوا جزء لا يتجزَّأ من البرتغال، وهو ما لم ينكره دالاس ولكنه قال إنَّه يؤيِّد الوصول إلى «حلٍّ سلمي» للخلاف. ثُمَّ تحوَّلت دَفَّة الحديث إلى المعونة الأمريكية الممنوحة لباكستان، واحتمال أنْ تُفضيَ إلى تصعيد النزاع في كشمير؛ فأجاب دالاس مُتَّخِذًا موقِفًا دفاعيًّا قائلًا: «الأسلحة التي نُمِدُّ بها باكستان ليس الهدف منها أن تُشكِّل تهديدًا للهند بأي حالٍ من الأحوال.» وعندما أبدى صاحب السؤال إصرارًا، علَّق دالاس في غضبٍ قائلًا: «نحن لا نشعر بأنَّه نظرًا لوجود نزاعٍ على كشمير … ينبغي أن تكون باكستان منزوعة السلاح بحيث تعجز عن صَدِّ عدوان الاتحاد السوفييتي.» وبعد ذلك هَدَّد دالاس بمغادرة المؤتمر الصحفي إنْ طُرِحَت أي أسئلة أخرى عن جُوا أو كشمير.36
لقد بدا في الواقع أنَّ الهند والولايات المتحدة الأمريكيَّة بينهما قواسم مشتركة كثيرة؛ مثل: نمط الحياة الديمقراطي، والالتزام بتعدُّد الثقافات، و(أخيرًا وليس آخرًا) أسطورة أصل قومي تُشدِّد على الكفاح ضد قهر الاحتلال البريطاني. ولكن فيما يتعلَّق بمسائل السياسة الدوليَّة كان بينهما خلاف محتدِم؛ إذ كانت الولايات المتحدة ترى الهند متهاونة إزاء الشيوعية، بينما رأت الهند الولايات المتحدة متهاونةً إزاء الاستعمار. وفي النهاية، بدت نقاط الخِلاف طاغيةً على نقاط الوِفاق، وهو ما يُعزَى جزئيًّا إلى التآلف — أو في الواقع انعدام التآلف — على المستوى الشخصي بين الطرفين الرئيسيين على الجانبين.37

٣

زار جواهر لال نهرو الاتحاد السوفييتي قبل جولته في أمريكا الشمالية بعقدين من الزمان. وإذِ استقلَّ القطار من برلين، وصل إلى حدود روسيا يوم ٧ نوفمبر من عام ١٩٢٧، الذي وافق الذكرى السنوية العاشرة لاستيلاء البلاشفة على السلطة. وكانت مظاهر «عبادة لينين» منتشرةً في الأرجاء؛ فكانت الأعلام الحمراء والتماثيل النصفيَّة للبطل البلشفي في كل مكان. ومن هناك مضى نهرو إلى موسكو، وهي المدينة التي أُعجِب بها لِما اتَّسمت به من أُبَّهَة ماديَّة ومساواة اجتماعيَّة بادِية. وعن ذلك كتب: «التناقضات بين الرفاهية البالغة والفقر المدقع ليست ظاهرة، ولا يلحظ المرء هَرَميَّة الطبقات أو الطوائف الاجتماعية.»

كتب نهرو سردًا لرحلته، انطوى على مخزونٍ لا ينضب من العواطف الجيَّاشة؛ سواءٌ كان يتحدَّث عن الجمعيات التعاونية للفلَّاحين أو دستور الاتحاد السوفييتي أو التسامح المفترَض مع الأقليَّات أو التقدُّم الاقتصادي. وقد أثارت فيه زيارة قبر لينين تأمُّلاتٍ بشأن ذلك الرجل والمهمة التي اضطلع بها، ليخلُص في النهاية إلى تأييدٍ قاطعٍ لزعم رومان رولان أنَّ الزعيم البلشفي كان «أعظم رجلِ أفعالٍ في قرننا هذا وأكثرهم إيثارًا في الوقت نفسه». وقد أُخِذَ نهرو إلى نموذجٍ لسجنٍ رآه مُعَبِّرًا عما انطوت عليه المنظومة الاشتراكية من «نظام اجتماعي أفضل وقانون جنائي إنساني».

وانتهى نهرو إلى أنَّه مقارنةً بالبلدان البرجوازيَّة، كان الاتِّحاد السوفييتي يعامل العُمَّال والفلاحين، والنساء والأطفال، وحتى السُّجناء، معاملةً أفضل. وقد اكتملت سذاجة السرد بالاقتباس الذي استهلَّه به؛ الذي تَمثَّل في مقولة ويليام وردزوورث عن الثورة الفرنسية: «كان العيش في ذلك الفجر نعمةً، ولكن الشباب فيه كان الجنَّة ذاتها.»38
ويشير مدوِّن سيرة نهرو إلى أنَّه زار الاتحاد السوفييتي «في الأيام الأخيرة من حقبة ازدهاره الأولى. وإنْ كان رد فعله نازعًا إلى المثاليَّة، فذلك يُعزَى في جزءٍ منه إلى أنَّه كان ثَمَّةَ آثار لمثالية مخيِّمةٍ على الأجواء».39 هذا صحيح، على نحوٍ أو آخر؛ فقد كان لينين لم يزل محتفظًا بهالته (إذْ لم يكن تعصُّبه معروفًا لدى الكثيرين خارج حدود روسيا)، ولم تكن معسكرات الموت في سيبيريا قد أُقيمت ولا اغتيالات الكولاك (مُلاك الأراضي الزراعية الأثرياء) حدثت بعد. وبالتأكيد أبدى مسافرون غربيُّون آخرون تأييدهم إبَّان عشرينيات القرن العشرين. ومثلهم، كان نهرو قد أتى ناوِيًا أن يُعجَب بما يراه، وقد كان.40

كان النظام الاقتصادي السوفييتي هو أكثر ما أثار إعجاب نهرو؛ فبصفته من أصحاب الفكر التقدُّمي في زمانه، كان يرى ملكية الدولة أكثر عَدلًا من الملكيَّة الخاصَّة، والتخطيط على مستوى الدولة أكثر كفاءةً من التخطيط على مستوى السوق. فيتضمَّن كتابه «لمحات من تاريخ العالم» سردًا أشاد فيه بخطط الاتحاد السوفييتي الخَمسِيَّة. إلا أنَّه لم ينجذب قَطُّ للنموذج البلشفي للثورة المسلَّحة ولا لدولة الحزب الواحد؛ فقد أكسبه تتلمُذه على يد غاندي ميلًا إلى نبذ العنف، كما أورثه انفتاحه على الليبراليَّة الغربيَّة حماسًا للديمقراطيَّة الانتخابيَّة وحرية الصحافة.

بعد نيل الهند استقلالها، اتَّسمت علاقاتها بالاتحاد السوفييتي بالجفاء في البداية؛ وذلك لأنَّ الحزب الشيوعي الهندي كان قد حاول — بمباركة موسكو — قلب نظام الحُكم، ولكنَّ ذلك التمرُّد باء بالفشل. ولكن فيما بعد لانَ الاتحاد السوفييتي، وسعى إلى استمالة الهند بعيدًا عن المعسكر الغربي؛ ففي عام ١٩٥١، بينما كان الكونجرس الأمريكي يبحث طلب معونة غذائيَّة مقدَّمًا من الهند، عَرَض الاتحاد السوفييتي — إذْ كان متحرِّرًا من قيود الإجراءات الديمقراطية — إرسال ٥٠ ألف طنٍّ من القمح فورًا. كذلك لاقت جهود الوساطة التي بذلتها الهند في النزاع الكوري استحسان موسكو. فيما سبق، كان الحكم على الدول الآسيوية قائمًا على مدى ملاءمتها للشيوعيَّة، ولكن الحرب الباردة (كما في الولايات المتحدة أثناء تولِّي دالاس حقيبة وزارة الخارجية) جعلت أيديولوجية الاتحاد السوفييتي أكثر مرونة؛ فلم يعد لكَوْن البلد اشتراكيًّا أهمية، وإنما المهم كان انحيازَه إلى الاتحاد السوفييتي.41
بلغ ذلك التغيُّر أَوْجَه بالاستقبال الذي ناله جواهر لال نهرو عند زيارته الاتحاد السوفييتي عام ١٩٥٥. وعن ذلك كتب أحد المراقبين معلِّقًا: «أينما ذهب نهرو في الاتحاد السوفييتي، كان يجد حشودًا كبيرة في استقباله؛ ففي المصانع كافةً احتشد العُمَّال بالآلاف لإلقاء نظرةٍ خاطفةٍ عليه.» وفي جامعة موسكو، «ترك الطُّلَّاب محاضراتهم وحَيَّوْه بعاصفةٍ من التصفيق». (كان أحد الطُّلَّاب هو ميخائيل جورباتشوف، الذي عاد بذاكرته إلى الوراء بعد أعوام مُستحضِرًا الأثر الذي خلَّفته فيه فكرة نهرو عن السياسة الأخلاقية.)42 وفي اليوم الأخير من زيارة رئيس الوزراء الهندي، كان من المقرَّر أنْ يُلقيَ خطابًا في مؤتمرٍ شعبيٍّ في حديقة جوركي. ولكنَّ الجمهور كان أكثر من المتوقَّع بكثير؛ ومن ثَمَّ تقرر نقل الخطاب إلى استاد فريق دينامو موسكو لكرة القدم.43
وبعد مرور ستة أشهر، جاء الزعيمان السوفييتيان بولجانين وخروتشوف لرَدِّ الزيارة. فلم يدَّخر الهنود بدورهم وسعًا في الترحيب بهما؛ فقبل وصول الزائرَين إلى دلهي، انطلقت مكبرات الصوت تهيب بالناس أنْ يتوافدوا بأعدادٍ كبيرة، تعبيرًا عن امتنانهم لحسن وفادة الروس لنهرو. وبالفعل جاءت جموع غفيرة لاستقبال الرجلين في كل المدن التي زاروها. كان ثَمَّةَ عدة أسبابٍ لذلك الحماس؛ منها الفضول بشأن كل ما هو غريب وأجنبي، وحبُّ الهنود للاستعراض، ولا سيما الاتجاه الراسخ لمعاداة الغرب وشعور الفخر نيابةً عن روسيا لتحدِّيها الولايات المتحدة الأمريكية. كانت أكبر الحشود في كلكتا الثورية المعادية للإمبريالية، حيث شكَّل الطُّلاب وعُمَّال المصانع نسبةً كبيرةً بين ٥٠٠ ألف شخصٍ حضروا للترحيب بالزعيمين السوفييتيين. ولكن حتى نيودلهي كانت شعلةً من الأضواء؛ فقد «تنافست بورصة دلهي بأضوائها الساطعة مع مكتب الحزب الشيوعي في تحدِّي الأضواء الاحتفاليَّة».44
خلال الأسابيع الثلاثة التي أمضاها بولجانين وخروتشوف في الهند، زارا مصانع صُلب ومصانع للطاقة الكهرمائيَّة، وألقيا خُطَبًا في مؤتمراتٍ جماهيريَّةٍ في عواصم ما لا يقلُّ عن سبع ولايات. كانت أهمَّها بلا شكٍّ سريناجار، عاصمة جامو وكشمير. وهناك أوضحا أنَّهما يعتبران كشمير جزءًا لا يتجزَّأ من الاتحاد الهندي، وأنَّ أبناء كشمير من «أبناء الهند الموهوبين الْمُجِدِّين».45 وما كان الهنود ليجدوا كلامًا أحلى وقعًا على آذانهم من ذلك.

٤

قُبيل سفر نهرو إلى موسكو عام ١٩٥٥، أعرب ناقد هندي عن قلقه من أنْ ينجح مضيفو نهرو في استدراجه إلى شِراكهم؛ وذلك لأنه «ككثيرٍ من أمثاله ذوي الطبيعة الحسَّاسة، الذين اعتادوا في أواخر العقد الثالث وأوائل العقد الرابع من عمرهم أنْ يتطلَّعوا إلى الاتحاد السوفييتي باعتباره قوة تقدُّمِيَّة بحقٍّ، يبدو أنَّ رئيس الوزراء لم يتخلَّ أبدًا عن نظرته في تلك الأيام. وعلى الرغم من كل ما حدث منذ ذلك الوقت، لا يزال الاتحاد السوفييتي محتفظًا ببعض سحره ذاك في نظره؛ فهو يبالغ في وصف محاسنه، ويكاد يَعمى عن مساوئه ووحشيَّته».46
كان كاتب ذلك الكلام هو إيه دي جوروالا، الذي كان ليبراليًّا ميَّالًا إلى الغرب. وكان ثَمَّةَ آخرون، مثله، هنود يرَوْن أنَّ الهند ينبغي أنْ تُقيم تحالفاتٍ أقوى مع الدول الديمقراطية في الحرب الباردة.47 ولكن الأرجح أنَّ الأكثر عددًا — والأعلى صوتًا بالتأكيد — من هؤلاء كانوا الهنود المتشكِّكين إزاء الولايات المتحدة والميَّالين إلى الاتحاد السوفييتي. تمثَّل أحد أسباب ذلك في أنَّه في حين أنَّ الولايات المتحدة كانت تستنكف أنْ تطلب إلى حلفائها الأوروبيين أن يُصَفُّوا مستعمراتهم في آسيا وأفريقيا، كان الروس كثيرًا ما يتحدَّثون عن شرور العنصرية والاستعمار.48

حاول نهرو جاهدًا في البداية أنْ يتحاشى الانحياز إلى أحد المعسكرَين خلال الحرب الباردة. ولكنْ عدم الانحياز ذاك — مثلما كان يُردِّد كثيرًا — لم يكن مجرَّد هروب، بل كان إيجابيًّا؛ إذْ إنَّ وجود تكتُّلٍ ثالثٍ كان يمكن أن يكون له أثر مهدِّئ مفيد على غطرسة القوتين العظميين. لقد تحدَّثنا بالفعل عن مؤتمر العلاقات الآسيوية الذي انعقد عام ١٩٤٧. وكان ثَمَّةَ مسعًى مماثلٌ — اضطلع فيه نهرو بدورٍ مهم — هو المؤتمر الأفريقي الآسيوي، الذي عُقِد في مدينة باندونج الإندونيسية عام ١٩٥٥.

لم تُدعَ إلى ذلك المؤتمر سوى البلدان ذات الحكومات المستقلَّة؛ فأرسل تسعةٌ وعشرون بلدًا وفودًا، منهم الهند والصين. وحَظِيَتْ أربع دول أفريقية بتمثيل (البقية كانت لا تزال خاضعة لحكم الاستعمار)، وكذلك فقد حضرت كلٌّ من العراق وإيران والسعودية وسوريا. ناقش الحضور أساليب التعاون الثقافي والاقتصادي، وأعلن المؤتمر التزامه الراسخ بوضع حدٍّ لحكم الاستعمار. ومثلما قال سوكارنو رئيس إندونيسيا: «كيف لنا أنْ نقول إنَّ الاستعمار انتهى بينما لا تزال مساحات شاسعة في آسيا وأفريقيا غير متمتِّعة بحريتها؟»49
اعتبر نهرو مؤتمر باندونج «إنجازًا عظيمًا»؛ إذ «أعلن الظهور السياسي لأكثر من نصف سكان العالم في ساحة الشئون الدولية. ولكنه لم يُمثِّل أي تحدٍّ غير وُدِّي أو معاداة لأحد». ومثلما أخبر البرلمان الهندي لدى عودته، فقد فصم الاستعمار عرى الروابط التاريخيَّة بين البلدان الآسيوية والبلدان الأفريقية. والآن، إذْ أشرق فجر الحرية، ستتسنَّى إعادة إحيائها وتوثيقها.50
جاء هذا الإعلان الأخير ردًّا على الاتِّهام القائل إنَّ مؤتمر باندونج وما شابهه كان معاديًا للغرب في أساسه؛ فإلى أي درجةٍ كانت حركة عدم الانحياز «غير منحازة»؟ في الهند، وُضِعت تلك المُثُل تحت الاختبار في النصف الثاني من عام ١٩٥٦؛ ففي شهر يوليو من ذلك العام أمَّم جمال عبد الناصر الشركة التي كانت تُدير قناة السويس. فاستجابت بريطانيا (التي مثَّل ذلك التصرُّف تهديدًا عظيمًا لمصالحها الاستراتيجيَّة) بالمطالبة بفرض سيطرةٍ دوليَّةٍ على القناة. حاول نهرو جاهدًا أن يتوسَّط بين الطرفين المتنازعين؛ إذ كان وثيق المعرفة بكلٍّ منهما. ولكنَّ جهوده باءت بالفشل. وفي النهاية، في أواخر شهر أكتوبر، شَنَّت بريطانيا — بالاشتراك مع فرنسا وإسرائيل — هجومًا عسكريًّا على مصر؛ فأثار ذلك العدوان الاستعماري الجديد استنكار العالم أجمع. وفي النهاية، أُجبِر التحالف الإنجليزي الفرنسي على الانسحاب، تحت ضغط من الولايات المتحدة الأمريكية.51

وبعد العدوان على مصر بفترةٍ قصيرة، اجتاحت الدبَّابات السوفييتية بودابست؛ فقد كانت ثورة شعبيَّة قد أطاحت بالنظام الموالي للاتحاد السوفييتي في سبيل إقامة حكومة أكثر تمثيلًا للشعب، وجاءت استجابة موسكو وحشيةً لإعادة الوضع إلى ما كان عليه. واعتُبِر تصرُّفها — على غرار تصرُّف بريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط — انتهاكًا غير مقبولٍ للسيادة الوطنيَّة.

وقد رأى المعلقون الهنود غزوَي مصر والمجر متماثلَين تمامًا؛ فكلاهما كان «عملًا من أعمال اللصوصيَّة الدوليَّة» اقترفته قوًى تحتلُّ مقاعد دائمة في مجلس الأمن بالأمم المتحدة، وكلاهما «أثار موجة استنكارٍ في العالم أجمع». ومثلما أشارت صحيفة في مدراس، ففي حين أنَّ استقلال مصر هدَّد موارد النفط لدولتَيْ إنجلترا وفرنسا، «فإنَّ استقلال المجر لن يقتصر أثره على تهديد إمدادات اليورانيوم الضرورية لبقاء الجيش الأحمر في هيئةٍ ممتازةٍ فحسب، بل سيُحدِث صَدعًا خطيرًا في الإمبراطورية السوفييتية. لم يكن في إمكان لندن تقبُّل الأثر الأول ولا في إمكان موسكو تحمُّل الثاني. وهذا ما دعاهما إلى هذين التصرُّفين العدوانيين السافرين اللذين مثَّلا استعراضًا وحشيًّا للغريزة الحيوانية المفترسة».52
كان نهرو قد انتقد التدخُّل الإنجليزي الفرنسي بمجرد حدوثه.53 ولكن عندما عقدت الأمم المتحدة جلسةً لمناقشة قرارٍ يطلب إلى الاتحاد السوفييتي «سحب قواته كافة من الأراضي المَجَرِيَّة دون إبطاء» امتنعت الهند — التي مثَّلها في كيه كريشنا مينون — عن التصويت، الأمر الذي أثار سخط العالم الغربي، وعرَّض الحكومة الهندية لاتِّهامها بتطبيق معايير مزدوجة.54
كذلك واجه الموقف الهندي انتقاداتٍ شديدةً في داخل البلاد؛ حيث دار نقاش حادٌّ في البرلمان، وأدان بعض الإعلاميين «التملُّق الذليل المعيب للحُكَّام السوفييتيين». وكتب أحد الصحفيين: «إننا بإذعاننا لروسيا نتخلَّى عن مزاعمنا الأخلاقيَّة.» وسادت تكهُّنات حول أنَّ الحكومة ربما تأثَّرت بعجزها عن إحكام قبضتها على كشمير؛ حيث إنَّ أحد قرارات الأمم المتحدة التي امتنعت عن التصويت عليها طلب إقامة استفتاء شعبي في المجر بإشرافٍ دولي.55
وقد كشف بحث الأمر فيما بعدُ أنَّ نهرو كان في واقع الأمر شديد الاستياء من الغزو السوفييتي؛ فقد أرسل عدة رسائل سريَّة إلى موسكو حَثَّ فيها الاتحاد السوفييتي على سحب قُوَّاته. وفيما بعدُ تحدثَّت الهند في العَلَن أيضًا، ولكنْ وقتها كان الضرر قد وقع بالفعل. وازداد الوضع سوءًا بوقوف نهرو وراء امتناع كريشنا مينون عن التصويت في البداية، استنادًا إلى عدم كفاية المعلومات المتاحة آنذاك.56
وقد نال الصخب الذي ثار بسبب مسألة المَجَر من مصداقيَّة نهرو الدولية؛ فقد كان البعض يرَوْن عدم الانحياز معبِّرًا عن «الإدانة العنيفة للمعسكر الغربي عندما تبدر منه تصرُّفات خاطئة» ولكن «استخدام لغة ملتبسة عندما يحيد المعسكر السوفييتي عن المسار القويم».57 كذلك عَرَّضت تلك الواقعة رئيس الوزراء الهندي لاتِّهامه بتغليب الولاءات الشخصيَّة على الأهداف القوميَّة؛ إذ أيَّد نهرو موقف كريشنا مينون في العَلَن، ولكنَّه استنكر تصرُّفه في قرارة نفسه.
كان كريشنا مينون صديقًا قديمًا لنهرو، ورجلًا ممتازًا في بعض النواحي؛ فقد تلقَّى تعليمه في كلية لندن للاقتصاد، وكذلك كان أول محرِّرٍ لكتب بليكان غير الروائية المرموقة، والتابعة لدار نشر بنجوين بوكس. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، عمل دون كللٍ على حشد الدعم البريطاني لاستقلال الهند. ولكنه أوجد وقتًا أيضًا للقيام بوظيفة المتحدِّث غير الرسمي باسم نهرو والوكيل الأدبي له. وبعد الاستقلال كوفئ بمنصب المفوِّض السامي في لندن، الذي عمل فيه بكدٍّ، ولكنه اكتسب عداواتٍ أيضًا، لتعاليه وكثرة مجاهرته بصداقته لرئيس الوزراء.58
وبعد عودة كريشنا مينون من لندن، عُيِّنَ وزيرًا بلا حقيبةٍ وزاريَّة؛ فأصبح سفيرًا متجوِّلًا نوعًا ما، ومثَّل الهند في الأمم المتحدة واجتماعات نزع السلاح في جنيف. كان رجلًا قوي الآراء، محلَّ جدل داخل وطنه وخارجه؛ فقد كتب عنه صحفيٌّ يعرفه حَقَّ المعرفة أنَّ «صفاء فكره يتلوَّن أحيانًا بالأهواء والضغائن». ونظرًا لأنَّ «تعبيره عمَّا يحب ويكره أقوى مما قد يبدو مأمونًا لرجلٍ في مثل منصبه»، فقد بدا «غريبًا اختيار رجلٍ يصحبه كل ذلك الصخب لمهام دبلوماسيَّة ذات طبيعة حسَّاسة».59
وحتى قبل واقعة المجر كان ثَمَّةَ تعليقات سلبية على اعتماد رئيس الوزراء على كريشنا مينون. وفي داخل حزب المؤتمر، كان كثيرون غيرَ مرتاحين لميوله المؤيدة للشيوعية.60 كذلك كان مكروهًا في الأوساط الإعلاميَّة الغربيَّة. على سبيل المثال، تحدَّثت صحيفة في نيويورك عن «الطبيعة المنفِّرة» لذلك «الدبلوماسي الأقل لباقة بين أقرانه».61
ولكن نهرو ظَلَّ على دعمه لمينون. ومنذ عام ١٩٥٣، لُوحِظ في دلهي أنَّ رئيس الوزراء «يستاء أيَّما استياءٍ عندما ينتقد أحدٌ الدبلوماسيَّ الأثيرَ لديه، السيد كريشنا مينون». وقد كان لذلك العمى أنْ يُكلِّف نهرو كثيرًا فيما يتعلَّق بمسألة المجر عام ١٩٥٦. ولكنه رغم ذلك لم يتخلَّ عن مينون. لِمَ؟ قدَّمت ألفا ميردال — سفيرة السويد لدى الهند آنذاك، ووثيقة المعرفة بنهرو — إجابةً قيِّمة عن ذلك السؤال؛ فقد خلصت ميردال إلى أنَّ رئيس الوزراء الهندي كان «على درايةٍ بعيوب مينون ولكنه ظلَّ يستمع إليه لألمعيَّته؛ فقد كان مينون المقابل الفكري الحَقيقي الوحيد لنهرو في الحكومة»، وكان الرجل الوحيد الذي يمكنه أن يحادثه عن ماركس وميل وديكنز ودستويفسكي.62

٥

دعونا نَعُدِ الآن إلى علاقة الهند بجارتها الأكبر حجمًا، بل الأكثر تعدادًا منها: الصين. كانت حضارة البلدين مرتبطةً منذ قديم الأزل بروابط التجارة والثقافة. وفي الزمن الحديث، راقبت كلٌّ منهما كفاح الأخرى ضد السيطرة الأوروبية. وكان حزب المؤتمر الوطني ونهرو يُكِنَّان احترامًا خاصًّا لشيانج كاي-شيك زعيم حزب الكومينتانج، الذي حَثَّ الأمريكيين على أنْ يحثُّوا بدورهم البريطانيين على منح الهنود استقلالهم.

إلا أنَّه عام ١٩٤٩، أطاح الشيوعيون بحزب الكومينتانج؛ فكيف صار شكل العلاقة بين البلدين؟ احتفظت الهند بسفيرها لدى بكين — المؤرِّخ كيه إم بانيكار — دلالةً على استمرار العلاقة. وفي مايو من عام ١٩٥٠، أُتيح لبانيكار مقابلة ماو تسي تونج، وأُعْجِبَ به أيَّما إعجاب؛ فقد ذكر فيما بعد أنَّ وجه ماو كان «لطيفًا تلوح عليه الطيبة وتطلُّ من عينيه نظرة عطوفة. ولم تظهر قسوةٌ ولا غِلظة في عينيه أو التعبير المرتسم على فمه. بل إنَّه مَنحني انطباعًا بتحلِّيه بعقليةٍ فلسفيَّة، حالمة بعض الشيء ولكنها واثقة من نفسها تمام الثقة». فالزعيم الصيني كان قد «تعرَّض لمِحَنٍ كثيرةٍ وتحمَّل معاناةً هائلة»، ولكن «وجهه لم تلُح عليه أمارات المرارة أو القسوة أو الأسى». كان ماو يُذكِّر بانيكار برئيسه نهرو إذ إنَّ «كليهما رجل أفعالٍ ذو مِزاجٍ حالمٍ مثاليٍّ» وكليهما «يمكن اعتباره إنسانيَّ النزعة، بالمعنى الأوسع للكلمة».63

كان ذلك الكلام سيبدو مُضحِكًا لو لم يصدر بهذه الجِدِّيَّة؛ فطالما كان المثقَّفون يُبدون انبهارًا غريبًا بالرجال الأقوياء؛ فقد كتب جورج برنارد شو عن لينين كلامًا مشابهًا إلى حدٍّ بعيد. إلا أنَّ شو كان كاتبًا حُرًّا، غير مسئولٍ عن أحدٍ سوى نفسه. أما بانيكار فكان الممثِّل الرسمي لحكومته. وما يقوله ويؤمن به يمكن أنْ يحمل وزنًا كبيرًا. وقد قدَّم في هذا السياق أحد أكثر الحكام الدكتاتوريين ضراوةً على مَرِّ التاريخ بمظهر الرجل الحالِم الرقيق الشاعري.

وفي أكتوبر ١٩٥٠، بُعَيْد لقاء ماو بانيكار، غَزَتِ الصين التبت وضمَّتها إليها. كانت الصين مهيمنةً على التبت منذ زمن، وكثيرًا ما فرضت عليها سيطرتها في الماضي. ولكن كان ثَمَّةَ فترات أيضًا حَظِيَت فيها التبت باستقلالٍ حقيقي، كما في العقود الأربعة السابقة على الغزو الشيوعي. وعلى أيِّ حالٍ فقد أرسلت كلٌّ من الصين والتبت وفدَين منفصلَين إلى مؤتمر العلاقات الآسيوية الذي عُقِد عام ١٩٤٧.

وُضِع نهرو آنذاك في موقفٍ لا يُحسَد عليه؛ فقد كانت الهند تربطها علاقات وثيقة بالتبت، اقتصادية وثقافية أيضًا. ولكنَّ الهند إذ كانت آنذاك حديثة الاستقلال ولا تزال هَشَّة، ما كان بإمكانها أن تخوض حَربًا دفاعًا عن التبت. وعندما تحدَّث نهرو في البرلمان بعد الغزو الصيني ببضعة أسابيع، أعرب عن أمله في حلِّ المسألة سِلميًّا. وقال مفسِّرًا إنَّه يرى أنَّه على الرغم من ممارسة الصين نوعًا من «الهيمنة» على التبت تاريخيًّا، فإنَّ ذلك لا يصل إلى حَدِّ «السيادة» عليها. وأضاف أنَّه لا يرى كيف يمكن للتبت أنْ تُشكِّل «تهديدًا» للصين بأيِّ حال.64
ولكن نهرو رأى في قرارة نفسه أنَّ «الصينيين تصرَّفوا بقدرٍ كبيرٍ من الحماقة» بضمِّهم التبت. وكان ثَمَّةَ «شعور قوي هنا في الهند بأنَّهم خذلونا». ولكن، حسب تفكير رئيس الوزراء: «لا بد أن نحذر المبالغة» في انتقاد بلدٍ مجاورٍ في طور الخروج هي الأخرى من عباءة السيطرة الأوروبيَّة.65
إلا أنَّه كان ثَمَّةَ أعضاء آخرون في الحكومة يدفعون في اتِّجاه اتِّخاذ موقفٍ أقوى؛ فقد كان وزير الداخلية فالابهاي باتيل مقتنعًا — على سبيل المثال — بأنَّ الصينيين استغفلوا بانيكار؛ فقد استدرجوه إلى «إحساس زائف بالثقة» أفضى إلى إغفاله خطط الغزو تمامًا. ولكنْ بعدما حدث ما حدث، وجَبَت على الهند اليَقَظة. وقد كتب باتيل إلى نهرو يوم ٧ نوفمبر محذِّرًا من أنَّ «الصين لم تَعد منقسمة. إنها متَّحِدة وقوية». وقال باتيل إنَّ «التاريخ الحديث المرير»:

يخبرنا أيضًا أنَّ الشيوعيَّة ليست دِرعًا واقيًا من الإمبرياليَّة وأنَّ الشيوعيين ليسوا أفضل أو أسوأ من أيِّ مستعمرٍ آخر. والطموحات الصينيَّة في هذا الصدد لا تقتصر على مرتفعات الهيمالايا على جانبنا فحسب، بل تشمل أيضًا أجزاءً مُهِمَّةً من آسام … فالنزعة الوحدويَّة الصينية والإمبريالية الشيوعية مختلفتان عن النزعة التوسُّعية أو الإمبريالية لدى القوى الغربيَّة؛ فالأولى مكتسية بعباءة الأيديولوجية على نحوٍ يجعلها أخطر عشر مرَّات؛ فثوب التوسُّع الأيديولوجي يستر وراءه مزاعم عِرقيَّة أو قوميَّة أو تاريخيَّة خَفِيَّة.

وحثَّ باتيل نهرو على «إدراك الخطر الجديد» النابع من الصين، وإكساب الهند «قوة دفاعِيَّة». ثُمَّ إنَّه حدَّد سلسلة من الخطوات الرامية إلى تعزيز الأمن. ورأى أنه في ضوء «الموقف الحاد» المتَّخَذ بشأن التبت، ينبغي أنْ تتوقَّف الهند عن مناصرة انضمام الصين للأمم المتحدة. وأخيرًا، قال إنَّ التطوُّرات الأخيرة في مجريات الأحداث ينبغي أنْ تستحثَّ إعادة النظر من جديدٍ في «علاقتنا بالصين وروسيا وأمريكا وبريطانيا وبورما». وبدا أنَّ باتيل يُلمِّح في ذلك إلى أنَّ الهند ينبغي أن تُعيد النظر في سياسة عدم الانحياز لصالح إقامة تحالفٍ مع الغرب.66
أيَّد الصحفي دي إف كارَكا هذا التحوُّل الأخير بقوة أكبر؛ فهو — مثل باتيل — هالَه الإهمال الذي تصرَّف به بانيكار. (على ما يبدو، لم يسمع السفير الهندي بغزو الصين للتبت حتى أُعلِن على إذاعة «أول إنديا راديو».) فقد أثبت ضَمُّ التبت أنَّ مرتفعات الهيمالايا لم تَعُد منيعة. وكان الجيش الهندي يفتقر إلى المُعَدَّات أو التدريب اللازمَيْن لمواجهة عدوٍّ يتَّسِم بالإصرار والتركيز؛ ومن ثَمَّ، خلص كارَكا إلى أنَّه: «أيًّا كانت علاقاتنا الماضية التعِسة ببريطانيا، ومهما كَبُر خوفنا من انتشار الإمبريالية الأمريكية في آسيا، فعلينا أنْ نُقَرِّر الآن ما إذا كنا سنستمر في سياسة الحِياد تلك ونُعرِّض حدودنا للخطر، أم نختار الخطر الأصغر ونعقد ميثاقًا عسكريًّا مع الولايات المتحدة الأمريكيَّة وبريطانيا العظمى.»67
ما كان نهرو ليتكرَّم بإعارة صحفيٍّ مثل كارَكا اهتمامه، ولكنه رَدَّ على باتيل، في مذكَّرةٍ في هذا الصدد عُمِّمَت على مجلس الوزراء؛ جاء فيها أنَّه يرى أنَّ عدم التمكُّن من «إنقاذ» التبت أمر مؤسف، ولكنه اعتبر تعرُّض الهند لهجومٍ من جانب الصين آنذاك أمرًا «مستبعَدًا للغاية»، وأنه «لا يمكن تصوُّر» أنْ يخوض الصينيون «مغامرة جامحة عبر جبال الهيمالايا». ورأى أنَّ «فكرة أنَّ الشيوعية تستتبع التوسع والحرب، أو على نحو أكثر تحديدًا: أنَّ الشيوعية الصينية تستتبع حتمًا توسُّعًا تجاه الهند، فكرةٌ ساذجة إلى حدٍّ بعيد». وبصرف النظر عن الأحداث التي جرت في التبت، لا يزال حَرِيًّا بالهند أنْ تسعى للوصول إلى «نوع من التفاهم» مع بكين؛ لأنَّ «تعايش الهند والصين في سلامٍ من شأنه أن يُحدِث اختلافًا كبيرًا في نظام العالم أجمع وموازينه».68

تُوُفِّيَ باتيل بعد شهر؛ ومن ثَمَّ لم يَعُدْ ثَمَّةَ معارضة حقيقية لفكرة اتباع سياسة «تفاهم» مع الصين؛ فقد كان البلدان يتقاسمان حدودًا طويلة، تتمثَّل في ألف ميلٍ تتألَّف في معظمها من أراضٍ لم تخضع للمسح ولا الترسيم. في غرب الهند، امتدَّت الحدود عبر منطقة لاداخ ذات الأغلبية البوذِيَّة في ولاية جامو وكشمير، المتاخمة لإقليمَي التبت وشينجيانج الصينيَّين. وفي الشرق، رُسِمَت الحدود بخط مكماهون، الذي رُسِم على قمة جبال الهيمالايا، إثر معاهدةٍ وُقِّعَت بين بريطانيا والتبت عام ١٩١٤. وفي المنتصف، تماسَّ البلدان على مقربةٍ من مستجمَع مياه نهر الجانج، الذي كان يفصل التبت عن ولاية أوتَّر براديش الهندية.

كانت الحدود في الوسط غيرَ مختلَفٍ عليها نسبيًّا، بينما مثَّل وضع الطرفين مشكلة أكبر؛ فقد اعتبر الصينيون خط مكماهون تحديدًا عبئًا إمبرياليًّا. إلا أنَّهم غضُّوا الطرف عن تلك المسألة مؤقَّتًا، وانصبَّ اهتمامهم على نَيْل رضا الهند، التي كانت مهمةً آنذاك بصفتها جِسرًا يربط الصين بالعالَم الغربي. وفي صيف عام ١٩٥٢ زار وفد حكومي بزعامة فيجايا لاكشمي بانديت بكين. كانت السيدة بانديت قد شغلت منصب سفيرة الهند إلى موسكو، والأهم من ذلك أنَّها كانت شقيقة نهرو الصغرى العزيزة. وقد الْتقت ماو مَرَّةً وتشو إن لاي مرَّتين، وخلَّف كلاهما أثرًا عميقًا في نفسها؛ فقد كتبت السيدة بانديت إلى شقيقها في رسالة قائلةً إنَّ ماو كان «هادئًا ودقيقًا» ويتحلَّى «بحِسِّ دعابةٍ رائع». وكان ظهوره أمام الجمهور يستحضر غاندي إلى الأذهان؛ فكما في حالة المهاتما، «الشعب لا يصفِّق له فحسب، وإنه يعبده. ونظرات الرانين إليه تحمل كلًّا من المحبة والافتتان. إنَّه لمشهد يُحرِّك المشاعر». أما عن تشو إن لاي، فهو «رجل دولة عظيم يتحلَّى بقدرٍ وافرٍ من الحيوية والسحر. وهو مهذَّب، ويتمتع بحِس دُعابةٍ مُعدٍ للغاية؛ فالمرء لا يجد مفَرًّا من مشاركته الضحك، وهو كثير الضحك. وهو يُشعِر المرء بالأُلفة في لحظاتٍ ومحادثاته لا تفقد شيئًا من فحواها في الترجمة».

وفي الواقع فقد لاحت نبرة تذبذب غريبة في رسالة السيدة بانديت؛ فقد كتبت قائلةً: «لقد تناولنا ما لَذَّ وطاب من الطعام والشراب، وتحدَّثنا عن الصداقة والثقافة والسلام حتى أصابني شيء من التعب.» ولم تكن متأكِّدة مما إذا كان «الرُّبَّان الأكبر» يُذكِّرها أكثر بغاندي أم ستالين؛ ففي حين «يعطي ماو انطباعًا بالطيبة والتسامح والحكمة … فقد بدا لي تسامحه واجهةً إذْ يُذكِّرني بالزعماء الروس ولا سيما ستالين؛ فهو يستخدم الإيماءة نفسها للتحيَّة ويستخدم الأسلوب نفسه مع عامة الشعب». إلا أنَّ أكثر ما برز كان «الحيوية الشديدة التي اتَّسم الناس بها وتفانيَهم في العمل؛ فإحساس القهر الذي يستشعره المرء في موسكو غائب هنا؛ فالجميع هنا يبدون سعداء وعازمين على تحقيق الازدهار لبلدهم».69
وعلى ما يبدو فقد كان رد فعل السيدة بانديت إزاء الصين عام ١٩٥٢ مشابهًا لرد فعل أخيها إزاء روسيا عام ١٩٢٧؛ وهو أنَّه لعل هذا الفجر قد لا يتبيَّن أنَّه زائف في نهاية المطاف. وكان نهرو ميَّالًا إلى هذا الرأي أيضًا. وسرعان ما تعزز الفكر الرومانسي بالسياسة الواقعية؛ إذ أخذت الولايات المتحدة تميل بوضوحٍ ناحية باكستان؛ مما قدَّم لنيودلهي سببًا إضافيًّا لكسب ود بكين؛ ففي اتفاقيةٍ واسعة النطاق وُقِّعَت في أبريل ١٩٥٤، اعترفت الهند رسميًّا بالتبت جزءًا من الصين. وحدَّد الإعلان المشترك خمسة مبادئ للتعايش السلمي، تضمَّنَت عدم الاعتداء المتبادل واحترام كلٍّ منهما السلامة الإقليميَّة للآخر.70
كان من غير المرحِّبين بتلك الاتفاقية الأمين العام السابق لوزارة الخارجية، السير جيريجا شانكار باجباي؛ فقد كتب باجباي إلى زميلٍ له محذِّرًا من أنَّ الصين الشيوعية ليست «مختلفة عن الشيوعية الروسية من حيث أهدافها التوسُّعِيَّة». كان التفكير السائد في نيودلهي هو أنَّه «من الطبيعي أنْ يستمرَّ السلام والود الدائمان بيننا وبين الصين إلى ما لا نهاية». أما باجباي فكان يخشى أنَّ «الأشخاص الذين يعتمد رئيس الوزراء على مشورتهم أكثر من غيرهم الآن يرفضون رفضًا باتًّا وقاطعًا أي احتمالٍ لحدوث تغييرٍ فيما يبدو أنَّه سياسة الصين الحالية القائمة على العيش في سلامٍ مع جيرانها الآسيويين».71
من المستبعَد أن يكون ذلك التحذير بلغ نهرو، وحتى لو كان وصل، فالمرجَّح أنَّه كان سيتجاهله. ونحو نهاية عام ١٩٥٤ زار نهرو الصين للمرة الأولى. وكما حدث في روسيا بعدها بستة أشهر، حُشِدَت جموع غفيرة لاستقبال الزائر، الذي أعرب عن تقديره لهذه «الاستجابة العاطفية الهائلة من الشعب الصيني». وخاض نهرو محادثاتٍ مع تشو إن لاي بشأن المسائل الحدوديَّة، ومع ماو بشأن الوضع العالمي. وكذلك دفع بقضية منح التبت حكمًا ذاتيًّا، وأكَّد له الصينيُّون في حضور الدالاي لاما أنَّ تلك الولاية البوذيَّة ستحظى بمكانةٍ «لا تتمتع بها أيُّ مقاطعة أخرى في جمهورية الصين الشعبيَّة».72
وخطب نهرو لدى عودته من الصين في مؤتمرٍ شعبيٍّ ضخمٍ في ساحة الميدان بكلكتا؛ حيث استمع إليه مليون شخصٍ وهو يؤكِّد أنَّ «شعب الصين لا يريد الحرب»؛ فقد كان مشغولًا تمامًا بتوحيد بلاده والقضاء على الفقر. وتحدَّث بإعجابٍ عن روح الوحدة التي لمسها في الصين، وغياب النعرات الإقليمية والطائفية التي كانت وبالًا على الهند. أما عن «الترحيب الهائل» الذي ناله في جمهورية الصين الشعبية، فقال: إنَّ ذلك «ليس لأنني جواهر لال أتمتع بأي مقدرة خاصة، وإنما لأنني رئيس وزراء الهند التي يُكِنُّ لها شعب الصين في قلبه محبَّةً عظيمةً ويرغب في أنْ تربطه بها علاقة وُدِّية إلى أقصى حد».73
وبعد عامين رُدَّت المجاملة، حين زار تشو إن لاي الهند. كان قد أتى بصحبة الدالاي لاما والبانشن لاما، اللذين دُعِيا ضمن الاحتفالات بمرور ٢٥٠٠ عام على مولد بوذا. وأثناء رحلةٍ بالسيارة في الريف الهندي، تحرَّر الدالاي لاما من مرافقيه الصينيين وركب مع نهرو. وقال إنَّ نُذُر ثورةٍ على الاحتلال تعتمل في التبت، وإنَّه هو نفسه تراوده رغبة قوية في طلب اللجوء إلى الهند. وإنْ تعذَّر ذلك، فيمكن للهند على الأقل أنْ ترسل إلى لاسا قنصلًا غير موالٍ للصينيين ولا الشيوعيين. وعندما سأل نهرو تشو عن الوضع في التبت، أقرَّ القائد الصيني بوقوع «أحداث مؤسفة» هناك، ووعد بالنظر فيها.74
وانتهت المسألة عند ذلك الحد؛ فقد عاد الدالاي لاما إلى لاسا، وظلَّ الهنود والصينيُّون إخوةً في نفس الخندق، وكان الشعار السائد في تلك الأيام هو: «الهنود والصينيُّون إخوة». وكان أكثر المسئولين عن تلك العلاقة هو القائد تشو بجاذبيته الآسرة؛ فقد أعجَب نهرو طبعًا، ولكنه أعجَب أيضًا رجلًا أكثر تشكُّكًا بكثير؛ هو السياسي المُخَضْرَم سي راجا جوبالاتشاري؛ فقد تناول «راجا جي» الغداء مع رئيس الوزراء الصيني، وكتب في رسالةٍ إلى أحد أصدقائه بعدها قائلًا: «كان انطباعي عنه إيجابيًّا جدًّا بصراحة؛ فإلى جانب تخلِّي الشيوعيين كافةً عن تحفُّظهم بصفةٍ عامة، أعتقد أنَّ رئيس الوزراء الصيني رجل صالح وجدير بالثقة.»75

أعربت الهند والصين في العَلَن عن صداقةٍ أبَدِيَّة، ولكنْ على أرض الواقع كانت كلٌّ منهما تسعى إلى حماية مصالحها الاستراتيجية. كانت الهند أكثر اهتمامًا بالقطاع الشرقي، فيما كانت الصين مهتمة بالقطاع الغربي. كانت بريطانيا قد رسمت خط مكماهون بهدف حماية مزارع الشاي المزدهرة في إقليم آسام من غزوة مفتَرَضة من أعلى جبال الهيمالايا. كان ثَمَّةَ «خطٌّ داخليٌّ» عند سفح الجبل لا يمكن لأحدٍ تخطِّيه دون تصريح. وفيما بين هذا الخط والحدود امتدَّ نحو ٥٠ ألف ميل مربع من الأراضي الكثيفة الغابات، تسكنها قبائل كثيرة مستقلَّة تتولى إدارة نفسها، كلٌّ منها أصغر من أن تُدعَى ولاية، وأبعد من أنْ تتبع ولاية أخرى أكبر. كانت بعض القبائل بوذيَّة، كما كان ثَمَّةَ معبد بوذي قديم في تاوانج. كان هؤلاء خاضعين سياسيًّا للسلطات التبتيَّة و«تابعين كهنوتيًّا» للاسا.

بموجب معاهدة عام ١٩١٤، أقنعت بريطانيا التبت بالتخلي عن سيطرتها على تاوانج. فحسبما قال أحد المسئولين الاستعماريين، كان لا بد من إدخال «تلك الأرض التبتية بلا شك» في الهند البريطانية، «وإلا فستصير التبت وآسام متاخمتين، ولو حدث مجدَّدًا أنْ وقعت التبت تحت سيطرة الصين، فسيكون الوضع خَطِرًا علينا».76
وكانت القبائل الأخرى التي تعيش بين الخط «الداخلي» والخط «الخارجي» خارج دائرة نفوذ التبت. وأصبح أهالي تلك القبائل — على غرار القبائل البوذيَّة — مواطنين هنودًا تلقائيًّا في أغسطس ١٩٤٧، عندما ورثت الحكومة الجديدة الحدود التي تركتها لها بريطانيا. ثم تحرَّكت نيودلهي شيئًا فشيئًا لملء الفراغ الإداري الذي خلَّفه البريطانيُّون. وفي فبراير من عام ١٩٥١ ذهبت قوة صغيرة مصحوبة بمسئولٍ سياسيٍّ لزيارة تاوانج؛ حيث أعلَمَت الكَهَنة بأنَّهم لم يَعُدْ عليهم أنْ يكونوا خاضعين للاسا. ثم بدأ المسئولون ينتشرون فيما صار يُدعى «منطقة الحدود الشمالية الشرقية». وأُنشئت دائرة لإدارة الحدود الهندية، تدرَّب موظَّفوها على كيفية التعامل الأمثل مع القبائل التي تتسم بالعدوانية أحيانًا. كان مدرِّبهم هو مختص الأنثروبولوجيا البريطاني المولد فِريير إلوين، الذي كان قد أصبح مواطنًا هنديًّا آنذاك وكاتم سِرِّ نهرو.77

أما بالنسبة إلى الصينيين، فقد ركَّزوا اهتمامهم على مَدِّ خُطاهم في القطاع الغربي؛ فهناك أيضًا كانت المنطقة الهندية المتاخمة — المعروفة بلاداخ — بوذيةً كالتبت. إلا أنها كانت ولاية مستقلة منذ القرن العاشر، وطوال ١٥٠ عامًا مضت كانت جزءًا من إمارة كشمير، التي دانت بالولاء للجانب الهندي من الحدود.

وفيما بين شمال شرق لاداخ وشينجيانج، على الجانب الصيني، كان ثَمَّةَ نَجْد مرتفع — أكساي تشين — وهو أرض «جرداء تمامًا» في معظمها، تحتوي على رُقَعٍ متباعدةٍ من «الأعشاب المتناثرة».78 في الماضي، كان الرُّعاة في لاداخ يذهبون إلى أكساي تشين للرعي وجمع الملْح. وبموجب اتفاقيةٍ وُقِّعَت عام ١٨٤٢ حُدِّدَت تلك المنطقة جزءًا من كشمير. وأكَّد البريطانيون ذلك؛ إذ انتابهم قلق من احتمال استخدام الروس — خصومهم في «اللعبة الكبرى» — النجد للتوغُّل بالمدفعية الثقيلة داخل الهند البريطانية.

لم يحدث ذلك، ولكن بعد عام ١٩٥٠ ارْتَأَى الصينيون في الأرض المنبسطة ذاتها طريقًا مؤدِّيًا إلى منطقة التبت المشاغبة، من بلدة ياركند في مقاطعة شينجيانج؛ فأرسلت بكين مَسَّاحين لاستطلاع الأرض، وفي عام ١٩٥٦ بدأت بناء طريقٍ عبر أكساي تشين. وبحلول شهر أكتوبر لعام ١٩٥٧ كان الطريق جاهزًا، ومُعَدًّا لحَمْل شاحناتٍ عسكريةٍ وزنُها عشرة أطنانٍ مُحَمَّلة بالسلاح والجند من ياركند إلى لاسا.

عرفنا تلك المعلومات من سجِلَّات نُشِرَت بعد فترة طويلة؛ فآنذاك كانت الصين تُجري أنشطتها في الغرب، والهند تُجري أنشطتها في الشرق، كلٌّ منهما بعيدًا عن مرأى الأخرى. وأمام العالم أجمع، ومواطنيهما أنفسهم، ربطت بين الجارتين الآسيويتين علاقة نموذجية من الوُدِّ والتعاون.

٦

«إذا وُجِد يومًا بَلَدان تَعِد آفاقهما كافةً بتفاهمٍ وصداقةٍ أخوِيين، فهما الهند وباكستان؛ فهذان بَلَدان مرتبطان بكافة أنواع الروابط؛ رابطة العِرق، واللغة، والجغرافيا، والاقتصاد، والثقافة»،79 هذا ما جاء في صحيفة تصدر ببومباي عام ١٩٥٢.
إلا أنَّ علاقات الهند بباكستان كانت مُسَمَّمَة منذ البداية؛ فقد قُسِّم بلاد الهند على خلفيةٍ من العنف، فيما استمرَّت مشاعر الشك والعداء المتبادَلة؛ ففي شتاء ١٩٤٩-١٩٥٠ ثارت موجة من أعمال الشغب الطائفية في باكستان الشرقية، عَبَر في إثرها مئات الآلاف من الهندوس الحدود إلى الهند؛ فاقترح نهرو على نظيره الباكستاني — لياقت علي خان — أنْ يزورا معًا المناطق المنكوبة لإرساء السلام. قوبل عرضه بالرفض ولكنَّ خان وافق على المجيء إلى دلهي وتوقيع اتفاقية تُلزِم الطرفين بالمعاملة الإنسانية لأقليات كلٍّ منهما. إلا أنَّ ميثاق «نهرو-لياقت» فشل في السيطرة على أعداد اللاجئين؛ فقد كانت مشاعر الغضب متفجِّرة فيما بين الهندوس في غرب البنغال، بل إنَّ بعضهم كان يرغب في أنْ تدخل الحكومة حربًا مع باكستان نيابةً عنهم.80

دار النزاعان الرئيسيان حول حاجتين بشريتين أساسيتين؛ هما: الأرض والماء. النزاع الأول — الذي تطرَّقنا إليه بالفعل في هذا الكتاب، وسنعود له مرةً أخرى — كان يتعلق بالوضع المُعَلَّق لكشمير. أمَّا النزاع الثاني فكان يتعلق بالاستخدام المُنصِف لنهر السِّند وروافده الرئيسية الخمسة. كانت تلك الأنهار تجري من الشرق إلى الغرب، أي من الهند تجاه باكستان. كان نهرا السِّند وجيلوم يدخلان الهند قبل أن يتسنَّى أي استقطاعٍ كبيرٍ منهما، ولكن الأنهار الأربعة الأخرى كانت تجري لأميالٍ عديدةٍ في أراضٍ هنديَّة؛ وهو ما مكَّن الهند من تنظيم تدفُّقهما وحجز المياه قبل وصول الأنهار إلى باكستان.

بعد التقسيم، وقَّعت حكومتا البنجاب الشرقية والبنجاب الغربية «اتفاقية تجميد الوضع» التي استمرَّ تدفُّق المياه بموجبها دون انقطاع. وعندما سقطت الاتفاقية في أبريل ١٩٤٨، أوقفت الهند تدفُّق مياه نهرَي رافي وسوتليج إلى الغرب. زعمت الهند أنَّ ذلك كان نتيجةً لعدم توقيع اتفاقيةٍ جديدة، ولكن كان الاعتقاد السائد أنَّ ذلك إجراء انتقامي لدعم باكستان غزوَ كشمير. وقد ساد الذعر بين مزارعي البنجاب الغربية إثر جفاف قنوات الري. في غضون شهر، وُقِّعَت اتفاقية جديدة، وعاد إمداد المياه. إلا أنَّ بناء سَدِّ باكرا-نانجال على الجانب الهندي من نهر سوتليج أثار احتجاجاتٍ جديدةً من جانب باكستان.

آنذاك كان الطرفان راغبَيْن في حلٍّ أكثر دوامًا، فطلبت باكستان إحالة الأمر إلى التحكيم الدولي، وهو ما رفضته الهند في البداية. ثم تدخَّل البنك الدولي قائمًا بدور صانع السلام. ولمَّا كان البنك يعلم بعِناد الطرفين، فقد اقترح حَلًّا جِراحيًّا: تخصيص مياه ثلاثة أنهار لباكستان، ومياه الثلاثة الأخرى للهند. قُدِّم ذلك الاقتراح في فبراير ١٩٥٤، واستغرق الأمر ستة أعوامٍ أخرى حتى يوقِّع عليه الطرفان أخيرًا.81
في مسألة نهر السِّند — كما في مسألة كشمير أو أي مسألةٍ أخرى في شبه القارة الهندية — ازدادت صعوبة الوصول إلى اتفاقٍ بسبب السياسة الداخلية؛ فرئيس الحكومة الهندي أو الباكستاني الذي يُشجِّع الحوار كان دائمًا ما يُتَّهَم بالتنازل للطرف الآخر. كان من الأمثلة المبكرة على ذلك الحرب التجارية التي اندلعت في الفترة ما بين عام ١٩٤٩ وعام ١٩٥١، إثر خفض قيمة الروبية الهندية؛ فقد أعلنت باكستان عن احتجاجها بوقف شَحن منسوجات الجوت، ورَدَّت الهند برفض توريد الفحم.82 ولم يُحَلَّ النزاع إلا في فبراير من عام ١٩٥١، عندما قَبِل نهرو الإقرار بالقيمة التعادلية للروبية الباكستانية؛ وهو القرار الذي لاقى ترحيبًا لدى الغُرَف التجاريَّة، ولكن الساسة على مختلِف ضروبهم وأنواعهم عارضوه بشدة. وكان ثَمَّةَ إجماع في نيودلهي على أنَّ «الهند تعرَّضت لهزيمة محقَّقة». وورد عن عضوٍ في حزب المؤتمر أنَّ الشعور السائد في مقر الحزب كان أنَّ «مثل ذلك الإذلال ما كان ليحدث لو كان السِّردار باتيل على قيد الحياة». وقال أحد زعماء اللاجئين معلِّقًا: «المسألة الحقيقية التي ينبغي تناولها الآن هي معرفة القضية التالية التي سيستسلم فيها جواهر لال لباكستان؛ كشمير، أو على الأرجح ممتلكات النازحين.» وقال متحدث باسم منظمة هندو ماهاسابها: «حتى يصبح نهرو زعيمًا عالميًّا، يمكن أنْ يصل إلى حد تسليم الهند كلها إلى باكستان.» وزعم أحد منظِّمي راشتريا سوايامسيفاك سانج «إنَّ هذا يدلُّنا على ما سوف يحدث فيما بعد؛ مزيد من الاسترضاء والاستسلام ما لم توقِف الجماهير نهرو عند حدِّه».83

وعلى الجانب الباكستاني، بالمِثل رأى رجال السياسة المعارضون أيَّ تنازلٍ للهند استرضاءً للعدو. إلا أنه على المستوى الشعبي كانت المشاعر حيال الجانب الآخر مختلطة بوضوح؛ فالأيديولوجية القومية باعدت بينهما، ولكن الثقافة الجماهيرية جمعت بينهما من جديد؛ فالمسألة لا تقتصر على تناولهما طعامًا واحدًا ومعيشتهما في نوعٍ واحدٍ من المنازل، وإنما تشاركهما أيضًا حِس التسلية؛ فكان لنجوم السينما الهنود معجبون كُثُر في باكستان، بينما حَظِيَ لاعبو الكريكيت الباكستانيون باستقبالٍ حافلٍ لدى لعبهم في الهند.

عَبَّرَ عن هذا التأرجُح رسالة نشرتها صحيفة «دون» الصادرة في كراتشي عام ١٩٥٥، وفيها كتبت امرأة ذهبت لزيارة أقاربها في الهند في الآونة الأخيرة تحكي التجارب التي مرَّت بها خلال رحلةٍ بالقطار من أمريتسار إلى أمبالا؛ فعندما نَمَى إلى علم الرُّكاب أنها من باكستان، هاجمها ركاب لاجئون من السِّند وغرب البنجاب. وعلى ما يبدو، «بعض الركاب من غير اللاجئين أبدَوا اعتراضًا، ولكنَّ الهندوس والسيخ اللاجئين نحَّوا اعتراضاتهم جانبًا، قائلين إن غير اللاجئين لا يمكن أن يُدركوا قدر المعاناة التي تعرَّض لها اللاجئون النازحون من باكستان». فاستثار هذا السرد للمشاعر العدائية الهندية رسائل عدة تحكي عن الدفء وحسن الضيافة على الجانب المقابل من الحدود. ونصح رجلٌ أيَّ مسافر إلى الهند في المستقبل أن «ينخرط في أكل ثمار الجوافة وأوراق التنبول لأنَّ هذا أفضل وقتٍ لتناولها، عوضًا عن أن ينخرط في مثل تلك الأحاديث التي تنزع إلى الإضرار بالوفاق الهندي الباكستاني المتنامي». وشَكَت مُراسلة من أنَّ مثل تلك «التقارير الكاذبة» تبثُّ مشاعر المرارة وتَحُول دون نشأة مشاعر «الأُلفَة بين الهند وباكستان». نالت هذه الفكرة الأخيرة تأييد كاتبة الرسالة الأصلية، إذْ ردَّت بهذا التنبيه الدالِّ: «إلا أنَّني كنت أتمنى لو كانت، باعتبارها باكستانية — وهو ما أفترضه — تحلَّت باللياقة الكافية للتحدُّث عن «باكستان والهند» عوضًا عن «الهند وباكستان».»84

٧

كانت السياسة الخارجية الهندية معارِضة لاستمرار الحكم الاستعماري في أيِّ مكان؛ وهو ما استتبع بطبيعة الحال استعادة أراضي الوطن التي كانت لا تزال واقعةً تحت سيطرة الأجانب؛ فعند جلاء البريطانيين عام ١٩٤٧، بَقِيَ البرتغاليون في جُوَا وغيرها من الأراضي التي وضعوا أيديَهم عليها في الهند، بينما ظلَّ الفرنسيُّون مسيطرين على ثلاث رُقَع من الأراضي في الجنوب — أهمها ميناء بونديتشيري — إلى جانب مستعمرة تشاندِرناجور الشرقية.

وفي يونيو من عام ١٩٤٩، صوَّت سُكَّان تشاندِرناجور بأغلبيةٍ كاسحةٍ لصالح الاندماج مع الهند؛ حيث استثارت الانتخابات استعراضًا مُدَوِّيًا للمشاعر الوطنية، وانتشرت ملصقاتٌ تُصوِّر أُمًّا في زِيٍّ هنديٍّ تمُدُّ يدها لاستعادة طفل غربِيِّ الملبس. وبعد مرور عامٍ انتقلت ملكية الأرض إلى الهند، ولكنَّ الفرنسيين تمسَّكوا بأراضيهم الأخرى في جنوب الهند. وفي ربيع عام ١٩٥٤ «ازداد توتر» الموقف؛ إذ هبَّت حركة قوية داعية للاندماج في بونديتشيري، وكانت التظاهرات تُقام يوميًّا أمام القنصليَّة الفرنسيَّة في مدراس. وفي أول نوفمبر سلَّم الفرنسيون الأراضيَ أخيرًا، واحتفل الهنود في استعراضٍ رائعٍ بالألعاب الناريَّة. وفي يناير التالي، تضمَّن الاستعراض السنوي لعيد الجمهوريَّة عربةً مكشوفةً من بونديتشيري لأول مرة، عليها فتيات يغنين أغانيَ فرنسية.85
وفي ترحيب جواهر لال نهرو بعودة هذه الأجزاء، أشاد بحكومتَي البلدين لتحلِّيهما ﺑ «التسامح والفِطنة والحِكمة» في حل مشكلة الهند الفرنسية «بكياسة وحسن نِيَّة».86 كانت البرتغال هي المقصودة بتلك التعليقات بالأساس، إلا أنَّها لم تُلقِ لها بالًا؛ إذ كانت مُصِرَّةً على التمسُّك بجُوَا أطول فترةٍ ممكنة. وأثناء إنهاء إجراءات تسليم السلطة في بونديتشيري، تحدَّث الدكتاتور البرتغالي أنطونيو دي أوليفيرا سالازار على محطة الإذاعة الوطنية عن مستعمراتهم في الهند باعتبارها مِلكًا «لدولة البرتغال بموجب التاريخ والقانون». وقال مُصِرًّا: «جُوَا تُمثِّل مجتمعًا برتغاليًّا في الهند، ومنارة الغرب في أراضي الشرق.» وقال إنه لا بد من الحفاظ عليها حتى «تظلَّ تذكارًا للاكتشافات البرتغالية وبؤرة صغيرة للروح الغربية في الشرق».87
قبل الاستقلال بفترةٍ طويلة، تشَكَّلَت لجنة حزب المؤتمر في جُوَا، وتضمَّنت ناشطين مقيمين في جُوَا إضافةً إلى المَنفِيِّين منها في بومباي. وقد ذهبوا إلى أنَّ الأوضاع في جُوا أسوأ بكثيرٍ منها في الهند البريطانية؛ حيث ساد التمييز العنصري، وغابت حقوق الإنسان كُلِّيًّا. وفي عام ١٩٤٦، زار رامانوهار لوهيا — العضو اليساري في حزب المؤتمر — المنطقة، وحَثَّ أهلها على الثورة على حُكَّامهم. تبِع ذلك نوبة من الإضرابات والاحتجاجات، قوبِلَت بالقمع من جانب السلطات. وفي يوم ١٥ أغسطس من عام ١٩٤٧، رُفِع العَلَم الهندي الثلاثي الألوان في أنحاءٍ شَتَّى من جُوا، ولكنَّ الشرطة سرعان ما قبضت على المحتجين.88
وإلى جانب جُوا، كان البرتغاليُّون يسيطرون على عدة أراضٍ أصغر على ساحل كونكان؛ منها مدينة دامان، التي اشتملت على حاميةٍ مكوَّنةٍ من ١٥٠٠ جندي من شرق أفريقيا البرتغالية. كانت تلك المدينة متاخمة لمقاطعة بومباي، التي حُظر فيها بيع الكحوليات وشربها بعد الاستقلال؛ ومن ثَمَّ ازدهرت تجارة تهريب الكحوليات؛ ففي أُمسيات الأحد، كانت الحدود بين دامان وبومباي «ممتلئةً بزُوَّار باخوس (إله الخمر)، العائدين إلى وطنهم الهند، أرض النُّدرة والتقشُّف».89
وإلى جانب مُدمِني الخمر، ثارت ثائرة الهنود ذوي الوعي السياسي حيال موقف البرتغال إزاء مستعمراتها. تروَّى نهرو في البداية؛ أملًا في حل المسألة بالحوار، ولكنَّه اضْطُرَّ إلى التحرُّك بدفعٍ من عناصر الحزب الاشتراكي الراديكالية، الذين بدءوا سلسلةً من الاحتجاجات الشعبية لدفع جُوا إلى الانضمام إلى الاتحاد الهندي. وفي شهر يوليو من عام ١٩٥٤ استولى مجموعة من النشطاء من بومباي على مستعمرة دادرا الصغيرة. وفي الشهر التالي سقطت مستعمرة أكبر قليلًا؛ هي نَجَر-هافيلي، دون مقاومة. ثم حاول ألف متطوِّع عبور الحدود إلى دامان في عيد الاستقلال، ولكنَّ الشرطة الهندية أوقفتهم، وعليه أبرَقوا إلى رئيس الوزراء طلبًا للدعم؛ فأبرَق نهرو رَدًّا عليهم قائلًا إنَّ مثل تلك المواجهة «لن تفيد قضيَّتنا».90
إلا أنَّ ذلك لم يردع الاشتراكيين إلا لفترةٍ مؤقتة. وبعد عامٍ دخلت مجموعة بقيادة إن جي جوراي إلى جُوا هاتفةً بالشعارات، وتوغَّلت عدة أميالٍ في عمقها قبل أن تهاجمهم الشرطة؛ حيث أُصيب عدة مُحتَجِّين بإصاباتٍ بالغة، وأُودِع المتظاهرون الحبس في سجن حِصن أجوادا، حيث قضَوْا عشرين شهرًا قبل أنْ يُطلَق سراحهم؛ فأثناء احتجاجات عامَي ١٩٥٤ و١٩٥٥ هذه، اعتقل البرتغاليون أكثر من ألفَي شخص.91

٨

كانت السياسة الخارجية بالنسبة إلى نهرو أداةً لتأكيد حضور الهند على الساحة العالمية؛ فبعد الاستقلال أشرف بنفسه على إنشاء مكتب الخدمة الخارجية الهندية، حيث جَلَب الموظفين الأكفاء من دائرة الخدمة المدنية الهندية للعمل به، وعَيَّن موظفين جُددًا من الشباب. وكان العمل في مكتب الخدمة الخارجية الهندية يتَّسِم بمزيجٍ فريدٍ بين المثالية والرونق، كما أنَّه أتاح فرصة التعامل مع رئيس الوزراء على المستوى الشخصي؛ فيسترجع أحد موظفي هذا المكتب ذكرياته — في أوائل عام ١٩٤٨ — عندما اسْتُدْعِيَ إلى مكتب نهرو، وعرض عليه خريطة للعالم. جالَت عينا رئيس الوزراء بالخريطة، وأشار بأصابعه إلى نقاطٍ في الشمال والجنوب والشرق والغرب. ثم هتف: «سيكون لدينا أربعون سفارة! سيكون لدينا أربعون بعثة دبلوماسية!»92
بعد مرور خمس سنوات، عندما أصبح لدى الهند أربعون بعثة دبلوماسية بالفعل، كتب نهرو رسالة تهنئة لها جميعًا. وقال إنه منذ الاستقلال «زادت هيبة الهند بدرجةٍ كبيرة … فلطالما تحاشينا الاضطلاع بدورٍ لافتٍ للأنظار في الشئون الدولية … وبصفة تدريجيَّة، نما تقدير في البلدان الأخرى لصِدْق نِيَّتنا رغم اختلافنا معها». وطالب جميع ممثِّلي الهند في الخارج — «من رئيس البعثة إلى أصغر موظف» — بأنْ «يشعروا بأنهم أسرة سعيدة ويعملوا على هذا الأساس، يتعاون أفرادها بعضهم مع بعض … جميعنا شركاء في مغامرةٍ عظيمة، وجميعنا شركاء ورفاق في مهمة واحدة».93
وعلى الرغم من أنَّ تلك المغامرة بعينها قُدِّمَت ونُفِّذَت في إطارٍ جماعي، فقد حملت بصمة رئيس الوزراء واضحةً على كل نواحيها؛ ففي عام ١٩٥٠، قال أحد أكثر أعضاء مجلس الوزراء ذكاءً وأقلِّهم تزلُّفًا إنَّ نهرو أصبح «أعظم رجلٍ في العالم، أعظم من رجال الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأي رجلٍ آخر». وقال إنَّ بلدًا «يفتقر إلى الموارد والرجال والمال — سُبُل السلطة الثلاثة — سرعان ما أصبح»، من خلال قائده، «يُنظَر إليه على أنَّه أكبر قوةٍ أخلاقيةٍ في العالم المتحضِّر … وكلمته أصبحت مسموعة باحترامٍ في مجالس العظماء».94 وحتى السياسيون المعارضون كانوا مُقَدِّرين لما حقَّقه نهرو من أجل مكانة الهند الدولية. وبدا لهم عدم الانحياز تطبيقًا مبتكرًا لمبادئ غاندي في شئون العالم. وتعضَّدت الثقة في قدرة الهند على البقاء عندما دُعِيَت لأدوار وساطةٍ مهمةٍ في نزاعات ذلك العصر وحروبه الأهليَّة.
كذلك أشاد بعض الأجانب المتعقِّلين بسياسة عدم الانحياز التي انتهجها نهرو؛ فعندما بدأت دار النشر العظيمة فِلترينيلي في ميلان نشاطها عام ١٩٥٥، كان أحد أول كتابَين نشرتهما هو كتاب «سيرة ذاتية» لنهرو، الذي أشادت به لاتسامه ﺑ «الاتساق والتماسك في معاداته الفاشية» وكذلك كونه بوقًا أصيلًا ﻟ «البلدان الخارجة من تحت نير الاستعمار … لتتبوأ مكانها بقوةٍ في المنظومة السياسية الدولية».95 ومن السفارة السويديَّة في نيودلهي، كتبت ألفا ميردال إلى زوجها جونار أنَّ نهرو كان «يلعب بطبيعة الحال دورًا حاسمًا ناهيك عن كونه دورًا تاريخيًّا عالميًّا، دون أدنى ميلٍ إلى الاستبداد. أوَليس صحيحًا أنه ربما كان الشخص الوحيد الذي رأيناه يصل إلى منصبٍ رفيعٍ ذي نفوذٍ دون أن يشعر بأنه أصبح أكثر أهمية؟»96

كانت تلك هي مكانة نهرو بين رعايا دول خط المواجهة في الحرب الباردة، التي وقفت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي؛ ففي عام ١٩٥٥ كانت حركة عدم الانحياز ما زالت محتفظةً ببريقها وهالتها الأخلاقية. ثم جاء العام التالي بغزو المَجَر، وبداية خيبة أمل الغربيين في نهرو. أما أهل بلده فاستغرق فقده دعمهم المسحور وقتًا أطول.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤