الفصل الأول

نهاية العلمانية التونسية

لم تكد تُتَح لي فرصة احتساء قهوة الحليب حتى انطلقت القنابل المسيلة للدموع فوق رءوسنا. جمَّع النُّدُل — الذين اكتست وجوههم بالعبوس — الطاولات والمقاعد من فوق رصيف المشاة؛ ها هم قد فقدوا تجارتهم يومًا آخر. أسرعت للبحث عن مأوى، وفي لمح البصر اكتظ الشارع الرئيسي في العاصمة التونسية — شارع «الحبيب بورقيبة» — بالمتظاهرين الذين تعالت هتافاتهم يتدفقون من الشوارع الجانبية. تحركت عدة صفوف من أفراد شرطة مكافحة الشغب يرتدون دروعًا سوداء من أجل تفريق الحشد. مر شهران على إطاحة الثورة برئيس الدولة بن علي الذي حكم البلاد طويلًا. كانت الحكومة المؤقتة — التي تشكلت في الأغلب من الحرس القديم — مشغولة بتعزيز نفوذها السياسي، في حين كان الإسلاميون الذين سبق تهميشهم من قبل يحكمون قبضتهم على الشوارع. انسحبت قوات الشرطة النظامية إلى أقسام الشرطة، تاركين العاصمة التي كانت تنعم بالهدوء يومًا بلا قانون يستبيحها الجميع.

يضم شارع «الحبيب بورقيبة» مبنى وزارة الداخلية وعددًا من الوزارات الحكومية الكبرى، وهو أكثر شوارع العالم العربي جمالًا؛ ففيه تمتزج المباني الكلاسيكية الحديثة الفرنسية من القرن التاسع عشر بغيرها من المباني المقامة على الطراز العربي، إلى جانب المكاتب والبنوك العصرية التي تنتمي إلى حقبة الستينيات من القرن العشرين. نصف الشارع الآن محاط بكردون أمني دائم من الأسلاك الشائكة والدبابات. ففي ظل غياب أفراد الشرطة النظامية، تولى الجيش مسئولية تأمين منطقة وسط المدينة. سرعان ما قدَّم الجنود الدعم لقوات مكافحة الشغب بإطلاق الرصاص في الهواء. لم يسبق أن تلقى هؤلاء الجنود تدريبًا يؤهلهم للسيطرة على الحشود. فعلى عكس كل الجيوش العربية، لم يكن للجيش التونسي أي دور في الحياة السياسية، وقد ثبت أنه أمر بالغ الأهمية فيما يتعلق بسقوط الطاغية. طبَّق جنود الجيش استراتيجية فجة في تفريق المتظاهرين؛ فكانوا يصيحون كما المخبول في تحذير شفهي أول، ثم يطلقون النيران مرة في الهواء. وإذا لم يفلح ذلك في تفريق المتظاهرين، فإنهم يطلقون النيران ثلاث مرات أخرى في الهواء، ليلجئوا بعدها إلى تصويب أسلحتهم نحو صدور الشباب الثائر. وأخيرًا يأتي دور قوات مكافحة الشغب في سحل المتظاهرين إلى الشاحنات المصفَّحة وسط سيل وفير من الركلات والصفعات.

اندلعت التظاهرة التي وجدت نفسي متورطًا فيها تلك الليلة على يد عدد من مجموعات الشباب. بحث المواطنون عن مأوى وهاجم الشباب بعضهم بعضًا. كانت المجموعة الرئيسية منسحبة من بين المتظاهرين المعتصمين خارج «المسرح الوطني»، وهم بضع مئات من الثوار الباسلين المحتجين على إعادة إنتاج رموز النظام السابق بعد الإطاحة بالرئيس، إلى جانب تضاؤل مساحة الحريات، والانتخابات، والإصلاح الاقتصادي. في مدينة يقطنها نحو مليوني نسمة، لم تتجاوز أعداد هؤلاء المتظاهرين بضع مئات قط، في الوقت الذي تزداد فيه كراهية ملَّاك المتاجر المحلية لهم. فبين الحين والحين يحدث ما يشعل غضبهم، مما يسفر عن اندلاع أعمال الشغب، ويضطر أصحاب المتاجر إلى إغلاق متاجرهم.

شققت طريقي إلى شارع جانبي مشتاقًا للعودة إلى الفندق المتواضع الذي أنزل فيه، لكن متظاهرين كثرًا تجمعوا هناك. كانت المجموعات المتناحرة من الشباب يضرب بعضهم بعضًا ضربًا مبرحًا، والجنود يطلقون مزيدًا من الرصاص في الهواء. انهمر المزيد من القنابل المسيلة للدموع فوقهم، ومرة أخرى تفرق المتظاهرون. وفي أعقابهم رأيت رجلًا تنزف الدماء بغزارة من رأسه. شاهدت وصول فريق طبي أعلن وفاة الرجل، ولفُّوه في كفن الشهيد الأبيض. لبرهة، وحَّدَت مشاعر الغضب والأسى التي اشتعلت من جديد المتظاهرين — الذين عاودوا الاحتشاد لمشاهدة رفع الجثة — وامتلأت منطقة وسط المدينة عن آخرها بعاصفة من الهتاف. ترسخ في عقول هؤلاء المتظاهرين أن الجيش — وليس واحدًا من العامَّة — هو من قتل هذا الشاب. لم يكن صاحب الكشك الصغير الذي أويت إليه يعرف شيئًا عما حدث، شأنه في ذلك شأن الجميع.

قال لي: «هي فوضى.»

ودون تفكير سجَّلت مقطع فيديو للأحداث التي وقعت. قبل الثورة التونسية التي عرفت باسم «ثورة الياسمين» كان واردًا أن يعتدي عليَّ أفراد الشرطة أيضًا جراء فعل كهذا. فالمراسلون الأجانب كانوا يخضعون لرقابة مشددة، إن حصلوا على تصريح بدخول البلاد من الأساس. وبعد نصف ساعة وبينما كنت أقف عند بركة من الدماء التي تسربت إلى كومة من الرمال، تساءلتُ: من أجل أي شيء فقد هذا الشاب حياته؟ أَمِن أجل أن أنال أنا وغيري حرية تصوير مصرعه المفجع؟!

في رحلاتي التالية إلى تونس، كنت أتذكر هذه اللحظة كلما سألني مواطن تلو الآخر السؤال البلاغي نفسه، وإن اختلفت صياغته: «ما جدوى حرية التعبير والإدلاء بصوتي في الانتخابات كل خمس سنوات إذا لم أكن قادرًا على إطعام أبنائي؟» والأهم من ذلك أن أحدًا لم يتحدث عن مقتل هذا الشاب. فوسائل الإعلام الأجنبية — التي عاودت تجاهُل الأحداث في تونس لأنها لم تعد مصدرًا للعناوين المثيرة — لم تتطرق إلى جريمة القتل التي وقعت تلك الليلة. غير أني صُعقت من تجاهل وسائل الإعلام المحلية هي الأخرى لما حدث. بحثت سدًى في الصحف الناطقة بالعربية على مدار ثلاثة أيام لعلِّي أجد أي نوع من التغطية. فرؤساء التحرير الذين أسهبوا في الثناء على بن عليٍّ احتفظوا بوظائفهم في الغالب، وكرسوا جهودهم لدعم الحكومة المؤقتة؛1 فقد كانوا مجرد نسخة أخف وطأة مما كان عليه الوضع قبل الثورة لكن دونما نفوذ.

•••

لا يمكن لأحد أن ينكر أن مظالم هؤلاء المتظاهرين الشباب كانت مشروعة. ففي وقت مبكر، بات واضحًا أن الثورة لم تطح بالنظام القديم. فنخبة النظام السابق — بعد قليل من تجميل صورتها — عاودت إحكام قبضتها على الحكم. لم تكن الثورة سوى فشل ذريع؛ إذ خلصت البلاد من رأس النظام فحسب.

لكن من كان يتوقع خلاف ذلك؟

لم يحظ الثوار بالدعم الإيجابي من جانب الطبقة المتوسطة التي لزمت البيوت أثناء الثورة. وهل دار بخلد الثوار حقًّا أن النخبة التي قضت خمسة عقود في بناء مؤسسات الدولة التونسية الحديثة ستتنازل عن كل شيء — الاقتصاد، والجيش، والمنظومتين التعليمية والصحية، والمطارات، وجهاز الشرطة — ما لم تضطر لذلك تحت تهديد السلاح؟ خصوصًا إن كان هذا التنازل لبضع عشرات من نشطاء فيسبوك الذين كانوا من بين أكثر المجموعات الثورية شهرة، والذين حاولوا التمسك بالروح الثورية وقت أن كاد الجميع يتخلى عن الأمل في حدوث تغيير إيجابي حقيقي. ومع أن هؤلاء الثوار كانوا موضع احتفاء وسائل الإعلام الغربية، فقليلون في تونس من كانوا يعرفونهم. تخطَّى هؤلاء الثوار سنوات المراهقة لتوِّهم، ولم تكن لديهم من الخبرات ما يتحدثون عنه باستثناء الشعارات الممزوجة بالصراخ.

الأسوأ من ذلك أن حماسهم الأعمى — الذي نمَّاه لديهم في سذاجة مؤيِّدون ينعمون بالأمن والأمان في الغرب — لتطبيق الديمقراطية على المنوال الغربي؛ كان بعيدًا كل البعد عن الصواب.

عندما اندلعت الثورة في تونس، كان معدل الفقر في بريطانيا ٢٠ بالمائة، وهو نفس معدل الفقر في العصر الفيكتوري، وكان نحو ٤٠ مليونًا أمريكيًّا يعيشون على كوبونات المعونة الغذائية. أما في تونس ووفقًا للبنك الدولي، فكان معدل الفقر ٤ بالمائة.2 كيف يُفترض بتحول ديمقراطي سريع إذن أن يحل مشكلات تونس الاقتصادية بين عشية وضحاها؟ تعرضت بريطانيا وأمريكا — شأنهما شأن تونس — لأسوأ فترات الركود الاقتصادي على مدار عقود. أيضًا واجهت العديد من الحكومات في غرب أوروبا الإفلاس، وقصدت صاغرة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. كانت الشعوب هناك تكابد ذل الكد في سبيل العيش في مواجهة ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب والجولات التي لا تنتهي من التدابير التقشفية الصارمة.

كثيرًا ما تردَّد أن بعض المناطق في تونس أكثر ازدهارًا من غيرها، وأن المدن الساحلية قد تطورت على حساب المناطق النائية الزراعية والصناعية. لكن دعونا نقارن حي مانهاتن بمدينة ديترويت، والأراضي الساحلية لولاية فلوريدا بالمدن الزراعية الفقيرة في وسط الشمال. عند الحديث عن سوء الإدارة الاقتصادية المزعومة في تونس — وهو ما أصبح نمط الحديث السائد في بقية دول العالم العربي — لم يكن أحد يشير إلى مثل هذه المقارنات. بدلًا من ذلك تشبث الصحفيون بالأسطورة القائلة: إن كل شيء في الغرب يسير في الطريق الصحيح، لكن العرب لا يريدون شيئًا سوى محاكاة نموذج الغرب الباهر.

كم كان هذا التحليل غير صحيح، حتى إن المدن في جميع أنحاء إنجلترا شهدت — بعد شهور من الثورة التونسية — مظاهرات حاشدة. وكم كان معبِّرًا إلى حد أن نحو ٢٠٠٠٠ تونسي فروا — بعد الثورة مباشرة — إلى أوروبا حيث يقابَلون بالكراهية. هنا تظهر قصة أكثر صدقًا عن مدى ضعف إيمانهم بمستقبل بلادهم، سواءٌ قامت الثورة أم لم تقم، وسواءٌ طُبقت الديمقراطية أم لم تطبَّق. أوضح هذا الأمر أيضًا كم كان فهم التونسيين حالمًا للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية العصيبة التي تنتظرهم على الجانب الآخر من البحر المتوسط؛ هذا إذا لم يلقوا حتفهم غرقًا أثناء محاولة الوصول إلى هناك.

•••

اتسمت الثورة التونسية بالعفوية، وانتشرت من المناطق النائية الفقيرة إلى أحياء الطبقة العاملة داخل المدن الرئيسية. لكن لم تكن تحركها أي أجندة بخلاف الحنق على النظام الحاكم. وبعد أن فر بن علي وأسرته، ظهر السؤال الذي دائمًا ما يفرض تحديًا أكبر عقب أي حراك ثوري ليست فيه قيادة مؤهَّلة كما ينبغي لتولي السلطة: ماذا بعد؟

كانت الإجابة: هي الفوضى.

وجدت من الصعب أن أصدق أن تونس كانت بلدي المفضل لما يقرب من عقدين من الزمان. كانت ملاذي الذي أقصده هربًا من المملكة السعودية الراكدة ثقافيًّا، ومن مصر الأشد رجعية. في تونس كنت أستجم في جو من الحداثة المتطورة الهادئة. في أول رحلة لي إلى تونس بعد الثورة، كنت أفكر بهلع متزايد في التحول الدرامي الذي شهدته منطقة وسط المدينة.

قبل الثورة كان غياب المتسولين — خلا مجموعة صغيرة من الأطفال الذين يخبئون أحذيتهم لإثارة المزيد من تعاطف السياح معهم — لافتًا للنظر. أما الآن فالمرضى العقليون الهائمون على وجوههم بلا هدى يقضون حوائجهم على مرأى من الجميع، والأطفال الجائعون يسرقون بقايا الطعام من فوق الطاولات الموضوعة خارج المطاعم. قديمًا كانت بضع سيدات من بين المتنزِّهين يرتدين الحجاب، وكانت معظمهن مسنَّات ومتزوجات يصحبن أطفالهن، أو كنَّ زائرات من سكان الريف المتحفظين. قد تجد الآن واحدة من بين كل ثلاثة نساء ترتدي الحجاب، حتى في هذه المنطقة الأكثر تحضرًا في المدينة، بل إن نسبة ضئيلة منهن يرتدين النقاب. كان هذا اللباس غريبًا على الثقافة العلمانية التقليدية لهذا البلد على مر التاريخ. كان يُقبض على أي امرأة ترتديه قبل الثورة، حيث توقِّع تعهدًا بأنها لن تكرر تلك الفعلة المنكرة. الواقع أنه على مدار عقود كانت النساء الجميلات — بسراويلهن الضيقة وقمصانهن قصيرة الأكمام — يتنزهن في هذا المكان دون أي خوف من نظرات الرجال الشهوانية أو تحرشهم بهن أو إهانتهن، في تنافر صارخ مع بقية دول العالم العربي. منذ الخمسينيات من القرن العشرين، اندمجت النساء تمامًا داخل المجتمع المدني، لكن في ظل الفوضى التي يشهدها بلد تحكمه الآن حكومة ثورة مؤقتةٌ غير منتخبة، تطلق وعودًا مبهمة بشأن الانتخابات المستقبلية، تحرك جيش صغير من المتعصبين الملتحين لملء الفراغ. فهم يطوفون الشوارع، حاملين القرآن تحت أذرعهم، يجعلون شغلهم الشاغل تذكير هؤلاء النساء المتغربات بافتقارهن المزعوم للاحتشام.

عاودت اللحية هي الأخرى الانتشار وسط الشباب الذين لم يتحولوا عن دينهم، وربما يكون من الإنصاف وصفها بأنها إعلان عن ظهور صيحة جديدة. في ظل النظام الحاكم قبل الثورة كان يُطلب من الرجال الذين يريدون إطالة لحاهم وفق النهج الإسلامي الحصول على تصريح من مركز الشرطة المحلي. لم تختلف نظرة النظام المخلوع للحية عن نظرته للحجاب؛ فكان يعتبرهما إعلانًا سياسيًّا عن دين ينبغي النظر إليه على أنه شأن خاص لا يعبَّر عنه بالاستعراض وإنما بالأعمال الصالحة. وبعد إجراء تحقيق يثبت من خلاله أن هؤلاء الرجال ليسوا على علاقة بأحزاب إسلامية أو جماعات إرهابية، يُمنحون التصريح في صورة خطاب يمكن تقديمه فيما بعد إلى الشرطة.

على مدار عقود، غضَّت الشرطة الطرف عن الفتيان والرجال الذين يجوبون الطرقات بحثًا عن شريك يمارسون معه شذوذهم، وذلك على مرأى من أسر المنطقة التي تجلس لاحتساء القهوة، والتي تقبلت مثل هذا السلوك من دون التفكير فيه. لم تكن حملات القبض على «الشواذ» معروفة هنا كما كان الحال في معظم الدول العربية. فقد رفض النظام الرضوخ لنظام أخلاقي إسلامي. لم يسمع أحد عن الفضائح الجنسية، لأن صالة السينما الرئيسية في وسط المدينة في تونس كانت ملتقى للشواذ، واكتفت معظم دور السينما الأصغر في المدينة بعرض الأفلام الإباحية الأقل صراحة في تفصيل ما تضمه من مشاهد. أما بعد قيام الثورة فلم يكن يُعلَن إلا عن أفلام هوليوود التافهة؛ كأنها علامة على التقدم الثقافي. قيل إن رجال الأمن — بمصابيحهم اليدوية باهرة الضوء ونظراتهم المتوعدة — عملوا أيضًا عمل شرطة الأخلاق؛ برغبة في الثأر أقدموا على حراسة الممرات في دور السينما مع أن القانون لم يتغير في شيء.

مما تميزت به تونس أيضًا أنها كانت واحدة من أكثر المدن أمانًا على وجه الأرض. نادرًا للغاية ما كانت تُرتكب جرائم العنف، حتى إن الحديث عنها — إذا ما وقعت — كان يستمر أسابيع. أما الآن فقليلون من يغامرون بالخروج إلى الشوارع بعد حلول الظلام. أصبحت الشوارع الجانبية لوسط المدينة بعد الثورة أماكن لا ينبغي الذهاب إليها؛ إذ احتلها المخمورون وتجار المخدرات وقطاع الطرق والبغايا العدوانيات. أما ضواحي المدينة فقد كانت أسوأ حالًا، إذ لم تعد خاضعة لسيطرة القانون إطلاقًا. كان فزع رجال الشرطة أكبر من أن يدفعهم إلى المجازفة ولو بالخروج في دورية بين الحين والحين. أصبح سائقو سيارات الأجرة يرفضون نقل الركاب ويهرعون إلى المنزل حالما تميل الشمس إلى الغروب. فر آلاف المجرمين من سجون البلاد أثناء اندلاع الثورة، ومن بينهم عدد لا يحصى من المتشددين الإسلاميين، فضلًا عن مرتكبي جرائم القتل والاغتصاب وعتاة المجرمين. أيضًا أُطلق العنان للشباب الذين اعتادوا الانصياع للقانون في السابق، فظهرت فئة من الشباب، إما الجامح أو المخمور، لديهم الكثير من وقت الفراغ، وفَهْم مُعوج لمعنى أن تكون «حرًّا» أخيرًا. بعد أن رفعت الحكومة المؤقتة الحظر عن شبكة الإنترنت، وأزالت جميع القيود؛ حتى أصبحت من أكثر شبكات الإنترنت تحررًا في العالم، لم تكن تلك المواقع التي تؤيد الديمقراطية أو حتى المواقع الإخبارية هي ما انتشر تداوله بين الشباب التونسي المعروف بمهارته العالية فيما يتعلق بالأمور التكنولوجية، بل كانت المواقع الإباحية.3 يا له من إنجاز كبير لثورة «تويتر». في غضون ذلك انحسر الاهتمام عن فصول القراءة الإجبارية في المدارس الثانوية، وهو العرف المتبع منذ نصف قرن، ورُفع الدعم المالي الذي كان يقدَّم لناشري الكتب المحليين. انخفضت مبيعات الكتب، لكن — باستثناء الكتب التي تناولت الحديث عن الثورة — اعتلت الكتب الإسلامية السياسية الرفوف فجأة، واحتلت أعمال سيد قطب — الذي يعد مؤسس الفكر الجهادي الحديث — أفضل الأماكن في نوافذ العرض.4

عندما وصلت تونس وجدت الطبقة المتوسطة العريضة — التي تحاشت المشاركة في الثورة — قد غرقت في حالة من الإحباط الجماعي. الكثيرون منهم كانوا يصرحون علانية بأن الثورة ليست سوى خطأ مروع، وهو كلام لو قيل في ذروة اندلاع الثورة، لاعتُبر انتهاكًا للمقدسات. التقيت مصادفة بأحد الأصدقاء من منتجع «سوسة» السياحي في تونس العاصمة. كان يبحث يائسًا عن وظيفة بعد أن سرِّح من أحد الفنادق حيث كان يعمل نادلًا. لخَّص الرجل الحالة النفسية التي اعترت أبناء جلدته عندما قال: «لا يزال الأمل يحدو هؤلاء الذين لم يكونوا يعملون قبل الثورة، لأن الوضع في نظرهم كان مترديًا من قبل، ومن ثم فإنهم لم يخسروا شيئًا. وعلى كل حال فهم لا يريدون الاعتراف بأن الأوضاع زادت سوءًا الآن. إنها مسألة كرامة؛ فمن ذا الذي قد يعترف بأنه أخطأ؟ لكنك لن تجد سعيدًا واحدًا بين من يعملون في قطاع السياحة أو يملكون مشروعًا تجاريًّا.»

أخبرته أن هؤلاء الذين لم يكن لديهم عمل في السابق ربما لم يخسروا شيئًا على المدى القصير، لكن فرص عثورهم على عمل في المستقبل تضاءلت كثيرًا الآن. فقد انخفضت عائدات السياحة — التي كانت عصب الاقتصاد — أكثر من النصف، وليست هناك أي بادرة على قدوم جموع السياح الأوروبيين الذين اعتادوا أن يملئوا الشواطئ. أما الركيزة الثانية من ركائز الاقتصاد — وهي الاستثمارات الأجنبية — فقد تدهورت هي الأخرى؛ إذ دائمًا ما يولي المستثمرون الأجانب الاستقرار تقديرًا أكبر من الديمقراطية. كان الجزء الجنوبي المهمَل من البلاد — حيث انطلقت أولى شرارات الثورة — يعتمد اعتمادًا كاملًا على التجارة مع الجارة الليبية التي مزقتها الحرب. الآن توقفت أنشطته الصناعية بسبب دخول ليبيا في حرب أهلية. ارتفع معدل الفقر في غضون بضعة أشهر من ٤ بالمائة إلى ٢٥ بالمائة، وبلغت نسبة البطالة الآن ٤٠ بالمائة وفقًا للتقديرات الرسمية.5

•••

بمرور الأيام بات واضحًا أمام الطبقة المتوسطة التي يتزايد شعورها بالهلع في تونس أن الديمقراطية التي ستسود في السنوات المقبلة معناها حريات شخصية أقل — لا أكثر — وتدهور اقتصادي. الإسلاميون وحدهم هم المفعمون بالثقة في تونس بعد الثورة. نُشر كتابي الأخير «خلف ستار الرذيلة» (٢٠١٠) قبل اندلاع «ثورة الياسمين» ببضعة أشهر، وفيه أشرت إلى أنه بالرغم من السيئات الأكيدة للنظام التونسي الحاكم، فله العديد من الحسنات أيضًا. وتكمن مشكلة التأييد الأعمى لإحداث تغيير جذري مفاجئ في أنه سيزيد نفوذ الإسلاميين بدرجة هائلة.

«ما تقمعه الحكومة التونسية هو المعارضة السياسية المباشرة التي تتشكل خارج الأطر الرسمية — التي تحددها الحكومة لا شك — والتي تسعى للإطاحة بالنظام القائم. لا يمكن القبول بأي حال من الأحوال بذلك التضييق على حرية التعبير، لكن في إدانته في الوقت الحاضر مشكلة تتمثل في أن الفصيل الأكثر عزمًا على إحداث التغيير هو نفسه الفصيل الذي يصعب كثيرًا مشاركته في أي شيء؛ الإسلاميون. يقبع بضع مئات من الإسلاميين داخل السجون بعد محاولتهم الإطاحة بالنظام العلماني، ولا يمكن المغالاة في تقدير الخطر الذي يفرضونه حتى في ظل هذا النظام العلماني راسخ البنيان. الحق أن السجون هي أفضل مكان للإسلاميين الذين يريدون الإطاحة بالنظام التونسي، إذ ربما يقتنعون داخلها بتغيير أفكارهم، خاصةً وأن أول ما سيفعلونه لو وصلوا إلى السلطة، أنهم سيحرمون الجميع (وخصوصًا النساء) من الحريات النفيسة التي يتمتعون بها قبل حتى أن يهتفوا «الله أكبر!».»6
هذا ما حدث تحديدًا، وهو ما تعرفه جيدًا نادية الفاني مخرجة الأفلام التونسية. على مدار نصف قرن بين الاستقلال والثورة، لم تواجه الفاني مشكلة في عرض آخر أفلامها الوثائقية «لا ربي لا سيدي» أمام رفاقها التونسيين. يعرض الفيلم في جسارة إلحادها وازدراءها للإسلام المتشدد. وقد نالت هي وغيرها من المفكرين العلمانيين حظًّا من تدليل النظام لهم، وتباهت تونس بامتلاكها أفضل صناعة سينما فنية في المنطقة. كان كل شيء مباحًا، باستثناء الحديث عن حماقات النخبة الحاكمة والترويج للفكر الإسلامي. وفي مايو ٢٠١١ أثناء العرض الأول لفيلم «لا ربي لا سيدي»، حطَّم نحو مائة إسلامي متشدد — يصيحون بهتاف «الله أكبر» — الأبواب الزجاجية لدار سينما «أفريكا آرت» المقامة على طراز ما بعد الحداثة في العاصمة. هاجموا الجمهور وهددوا بارتكاب مذبحة لو استمر العرض.7 وهناك أيضًا نوري بوزيد — مخرج تونسي آخر شهير ومن منتقدي التشدد الإسلامي — الذي ضُرب بآلة حادة على رأسه. بدا هلعه أكبر من أن يجعله يتهم المتشددين الإسلاميين، حتى إنه رفض في لقاءات تالية أجريت معه أن يشير إليهم بإصبع الاتهام.8 أما خصومه فلم يكونوا على قدر كبير من الاستحياء؛ فبعد أسبوع دعا أحد المتحدثين أمام حشد إسلامي إلى قتل بوزيد ببندقية كلاشينكوف، وهي دعوة قيل إنها قوبلت بصيحات «الله أكبر» من الجمع المحتشد.9 وأثناء الشهور التي تلت الإطاحة ببن علي، تكررت هذه النوعية من الحوادث بمعدل يثير الفزع، ومنها تشكَّلت القصة التي لم تشأ وسائل الإعلام الغربية — التي أدمنت المبالغة في إبداء حماسها للربيع العربي — الحديث عنها. كانت التركة العلمانية الثرية التونسية تتعرض للاندثار عن طريق العنف، لتفرض الأعراف الإسلامية نفسها على البلاد.

في شارع «عبد الله قش» — على بعد بضع مئات الأمتار من المسجد الرئيسي في قلب حي تونسي قديم — شهدت إحدى مناطق الدعارة حالة من الرواج منذ القرن التاسع عشر. فهنا أجاز العثمانيون الدعارة (ونظَّموها) مثلما فعلوا في كثير من دول العالم الإسلامي الأخرى. ومن بين كل دول العالم العربي، استمر هذا التقليد في تونس وحدها. تباهت كل الأحياء السكنية التاريخية بما فيها من بيوت الدعارة؛ حتى مدينة القيروان التاريخية. وتماشيًا مع العلمانية راسخة الجذور في تونس والتأييد غير المسبوق لحقوق النساء المسلمات، كانت البغايا يحملن بطاقات تصدرها وزارة الداخلية، وكن يدفعن الضرائب كأي شخص آخر، ويتمتعن — هن وزبائنهن — بحماية القانون كاملة، غير أن كل شيء تغير مع اندلاع «ثورة الياسمين».

بعد مرور بضعة أسابيع على الإطاحة ببن علي، أغار مئات الإسلاميين المسلحين بقنابل المولوتوف والسكاكين على شارع «عبد الله قش»، وأشعلوا النيران في بيوت الدعارة، وكالوا الشتائم للبغايا، وأعلنوا أن تونس الآن دولة إسلامية. وبينما كان الجنود يطلقون النار في الهواء بغرض تفريقهم وطائرات الهليكوبتر تحوم فوق رءوسهم، تلقى الإسلاميون وعدًا من الحكومة المؤقتة بغلق بيوت الدعارة إلى الأبد،10 وهو ما حدث بالفعل، إذ شُيدت بوابة ضخمة عند مدخل الحي. وفي المدن الأخرى استُهدفت بيوت الدعارة أيضًا، وأُغلقت إلى الأبد. في الوقت نفسه جابت المظاهرات شوارع البلاد للاحتجاج على بيع المشروبات الكحولية. وعندما نظمت مجموعة صغيرة من العلمانيين في منتجع «سوسة» الهادئ مظاهرة للاحتجاج على الأجندة الإسلامية، تعرضوا لهجوم عنيف من المتشددين.11
من ناحية أخرى شغل إسلاميون مشتبه بهم أنفسَهم بذبح كاهن كاثوليكي بولندي. كانت هذه أول جريمة طائفية من نوعها في تاريخ تونس الحديث، وأدانتها الحكومة المؤقتة بوصفها عملًا ارتكبته «مجموعة من المتطرفين الفاشيين».12 وقد ذُكر أن الأقلية المسيحية «تفر من البلاد» أو تنتقل «إلى أماكن أكثر أمنًا بعد تلقي تهديدات من إسلاميين».13 كانت الشعارات المناهضة للسامية تُسمَع خارج المعبد اليهودي الرئيسي في تونس، وذلك في دولة يخلو تاريخها من الاضطهاد الصريح لأقليتها اليهودية.14 إلى جانب هذا أشعل المتطرفون الإسلاميون النار في معبد يهودي في منطقة «قابس» الجنوبية في تونس، وأتوا على كتب التوراة داخل المبنى.15 أيضًا ثارت ثائرتهم في وسط تونس؛ احتجاجًا على مدرس زُعم أنه قال كلامًا يسيء للنبي محمد،16 وأحدثوا فوضى عارمة بالتظاهر؛ من أجل المطالبة بفرض ارتداء الحجاب، الذي كان محظورًا في السابق.17 مُنعت الفرق الموسيقية من اعتلاء المسرح لتقديم عروضها؛ فالموسيقى في عقلية الإسلاميين مستجلَب غربي فاسد، ومن ثم لا بد من حظرها، بل إن مهرجانًا أُلغي في جنوب البلاد بسبب الضغط الذي مارسه الإسلاميون.18 وفي خطوة توضح بإيجاز كيف أن الثورة تخلصت من نظام قمعي لتفتح الباب أمام نظام على نفس الدرجة من السوء على الأقل — وربما أكثر سوءًا بكثير — تحت شعار الإسلام. أجبَر محامون إسلاميون ممثلون عن الجماعات الإسلامية الحكومةَ المؤقتة على حجب كافة المواقع الإباحية على شبكة الإنترنت مرة أخرى.19

كل هذه الأحداث كانت تقع في دولة اعتُبرت فيها مقولة نيتشه «إن الرب ميِّت» على مدار عقود جزءًا من تاريخ الأفكار داخل الجامعات. تأففت النخبة المثقفة التي أيدت الثورة — على العكس من الطبقة المتوسطة — من انعدام حماية الشرطة، لكن الضابط صاحب الكلمات المقتضبة، والمسئول عن مركز الشرطة المحلي، أصاب كبد الحقيقة عندما جاءه أحد رواد سينما «أفريكا آرت»، يلتمس يائسًا المساعدة، بعد اعتداء الإسلاميين على المكان.

ذُكر أنه هزَّ كتفيه، وقال: «كان بن علي يحميكم، وأنتم تخلصتم منه.»20

•••

كثيرًا ما يزعم منتقدو النظام التونسي المخلوع أن أجندته المناهضة للإسلام لم تكن سوى وسيلة للتزلف إلى الغرب. حظيت العلمانية وحقوق النساء بالرعاية، ولكن بهذه الطريقة استطاع النظام أن يبرهن على عصريته ومساواته بين الرجال والنساء ليخفي عن الأجانب حقيقة أنه يقمع الرجال والنساء على حدٍّ سواء. هناك شيء من الحقيقة في هذا الرأي. فأيُّ دولة — في العالم العربي أو في الغرب — لم تركب موجة الحرب على الإرهاب بغية إضعاف الحريات المدنية؟ لكن على عكس الأنظمة العربية الأخرى التي احتضنت الجماعات الإسلامية المعتدلة كوسيلة لصرف الغضب الشعبي عن سياساتها الموالية للغرب، فإن النظام التونسي لم يرضخ قيد أنملة لهم قط.

ولكي نفهم حقيقة المجتمع العلماني التونسي وتأييده الراسخ لحقوق النساء، لا بد لنا أولًا من إلقاء نظرة على الأيديولوجية التي اعتنقها الأب المؤسس لتونس الحديثة.21 فعلى الباب البرونزي لضريح الحبيب بورقيبة في مسقط رأسه في مدينة «منستير» حيث وُلد عام ١٩٠٣ وتوفي عام ٢٠٠٠، مكتوب:
المجاهد الأكبر
محرِّر المرأة
باني تونس الحديثة

افترض النموذج السياسي الذي تبناه بورقيبة بصفته «باني تونس الحديثة» أن الدول المستقلة حديثًا — التي تنبثق عادةً بعد عقود من الاضطراب — لا بد أن تقيِّد المشاركة السياسية وحرية التعبير خلال السنوات الأولى من بناء الدولة. فهو يعطي الهدف قصير المدى المتمثل في الحفاظ على الأمن القومي ورفع المستوى الاقتصادي أولوية أكبر مما يعطيه لحرية التعبير السياسي. وطالما كانت الأولوية للمنفعة الجماعية الملموسة. لكن أكثر ما يشتهر به بورقيبة هو كونه «محرر المرأة»، فالتيار النسوي الذي أيده حض على تمتع المرأة بالاستقلال والمساواة في ضوء فكر إسلامي تقدمي يسعى إلى المزج بين الإسلام والحداثة. وقد اقترن ذلك بثورة جنسية غير مسبوقة في دول العالم العربي أو في القارة الأفريقية بأسرها.

انطلقت حملة بورقيبة للتحرير الكامل للمرأة في صورة مجموعة مبادئ أُطلق عليها «مجلة الأحوال الشخصية» واستحالت قانونًا بعد شهور من نيل الاستقلال عام ١٩٥٦. حظر القانون تعدد الزوجات، وأعاد تعريف الزواج بأنه عقد طوعي يمنح حقوقًا للزوجة مثل الزوج، وحدد سنًّا أدنى للزواج،22 وجعل موافقة المرأة شرطًا إلزاميًّا. حظر أيضًا «العادة المتعارف عليها ببيع الفتيات القاصرات، وشدد على المفهوم الحديث للزواج بأنه رباط بين فردين وليس تحالفًا بين عائلتين».23 في الوقت نفسه شن بورقيبة حملة لتنظيم الأسرة لم تكن مألوفة وفقًا لمعايير الغرب في ذلك الوقت. ركزت الحملة على دعم تحديد النسل. وفي عام ١٩٦٦ أصبحت تونس الدولة المسلمة الأولى (ولا تزال الوحيدة وقت كتابة هذه السطور) التي تتيح الإجهاض عند الرغبة فيه.24 ووفقًا لتقرير ورد في جريدة «وول ستريت جورنال» عام ٢٠٠٣، كان الهدف من هذه الحملة الاستفادة من انخفاض معدل المواليد في تحسين الأوضاع الشخصية والاقتصادية:
تنفق الحكومة نحو ١٠ ملايين دولار كل عام في تثقيف المواطنين عن تنظيم الأسرة وتوزيع أجهزة تحديد النسل على مناطق نائية من البلاد تقارب في مساحتها ولاية فلوريدا. قطعت تونس شوطًا طويلًا في تثقيف نسائها ودمجهن مع القوة العاملة. ويتلقى الرجال وأطفال المدارس تثقيفًا حول منع الحمل. وتوفر العيادات المتنقلة اختبارات مجانية لفحص الثدي وعنق الرحم. والأكثر من هذا أن النظام التونسي أقنع رجال الدين بالتساهل في تفسيرهم للقرآن بما يلائم القضية.25

النتيجة أن معدل الخصوبة بلغ ٢٫٠٨ قبل الثورة بعد أن كان ٧٫٢ في الستينيات من القرن العشرين. زاد متوسط العمر المتوقع في تونس عن أربعة وسبعين عامًا، وقدِّمت الخدمات التعليمية والصحية بالمجان. وبالرغم من محاولات إعادة كتابة التاريخ في فترة ما بعد الثورة، فالحقيقة أن الأوضاع كانت متميزة. ساعدت المعدلات المرتفعة من الإلمام بالقراءة والكتابة ثلث التونسيين على الالتحاق بالجامعة؛ حيث شكلت النساء ٦٠ بالمائة من إجمالي عدد الطلاب. وربما أكثر ما يلفت الانتباه في ذلك أن بورقيبة حقق هذا التحول الجذري الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والديني دون أن يجر البلاد إلى حرب، ولم يكن عليه مواجهة ثورة شعبية. تتبدى غرابة هذا الأمر عندما نسترجع ذكرى الحروب وأساليب القمع الفتاكة التي اجتاحت جزءًا كبيرًا من العالم العربي أثناء العقود الثلاثة التي استمر فيها حكمه.

تحقق هذا الدور الرائد الذي تميزت به تونس في شئون المرأة بفضل مساندة المصلح الإسلامي التونسي العصري الطاهر الحداد الذي نادى بتحرير النساء من كافة قيودهن. كتب طاهر — الذي درس في جامع «الزيتونة» في تونس — كتابًا مهمًّا بعنوان «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» (١٩٣٠)، نادى فيه بالتعليم الرسمي للنساء، مؤكدًا على أن الإسلام «تعرض للتشويه وإساءة الفهم إلى حد لم تعد معه النساء واعيات بواجباتهن في الحياة، والمنافع الشرعية التي قد يتوقعنها».26 أدان الحداد الانتهاكات التي ترتكب ضد النساء باسم الإسلام؛ كأن يطلِّق الزوج زوجته دون سبب أو تفسير، ويعيدها إلى منزل أسرتها، أو يتركها لزوجة ثانية.27

لنتطرق في هذا السياق إلى مسألة الحجاب؛ ذلك الوسواس الذي يستحوذ على عقول جميع الإسلاميين، الذين طالما اهتموا بمظاهر الورع السطحية هذه، أكثر من اهتمامهم بالمسائل المهمة حقًّا؛ مثل البطالة والفقر والفساد. نظر بورقيبة إلى الحجاب على أنه شكل من أشكال التقييد للرجال والنساء على حد سواء، فهو يفترض بالضرورة أن النساء ضعيفات، ويحتجن إلى الحماية، ولا يمكن الوثوق بهن، وأنهن مِلك للرجال. مُنع ارتداء النقاب في كافة المباني الحكومية والمؤسسات التي تمولها الدولة في تونس، وأدانه بورقيبة نفسه واصفًا إياه بأنه «خِرقة كريهة». أُثنيت النساء عن ارتداء الحجاب في الشوارع تحديدًا لأنه يخلق نوعًا من التمييز وعدم المساواة بين الأجناس. رأت الدولة التونسية أن الحجاب والنقاب رمزان لقمع النساء مستمدان في الأساس من أحد أشكال الإسلام الرجعي الذي كانت تمارسه قبائل البدو في الخليج العربي؛ أحد أشكال الإسلام المتأصلة — ليس في الدين نفسه — وإنما في الأعراف القبلية قبل العصر الحديث. أُغلقت المساجد في غير أوقات الصلاة، ومُنع الأذان نفسه خارج الأحياء التاريخية القديمة للمدن التونسية.

بالمثل مُنعت صلاة الجماعة. فإذا كنت تريد أن تصلي، فأنت حر؛ لكن صلِّ بمفردك لا مع جماعة يقودها إمام لا يعرف شيئًا غير العقيدة الوهابية، وأخذ على عاتقه مهمة الترويج لما يراه فضيلة واستنكار ما يراه رذيلة، وفقًا لنظرته المحدودة. نشأ التونسيون على فكرة أنه من الأفضل تجنب الصيام في شهر رمضان مع أنه إلزامي في معظم دول العالم الإسلامي الأخرى. تناول بورقيبة رشفة من عصير البرتقال في بث تليفزيوني مباشر في نهار رمضان ليؤكد على أن إنتاجية العمال تنخفض بفعل الصيام، والدولة تحتاج قوة عاملة تكرس نفسها تمامًا لبناء مستقبلها الحديث.

كل ذلك يفسر السبب في أن الأغلبية الساحقة من التونسيين المنتمين للطبقة المتوسطة ذوي الفكر العلماني — الذين يشكلون وفقًا لما ذكره البنك الدولي ٨٠ بالمائة من إجمالي السكان وقت الثورة (وهو ما قيس بناءً على ملكية المنازل ومستويات التعليم والدخل)28 — لم تنزل إلى الشوارع أثناء الثورة. فقد ذُكر أن أكبر مظاهرة لم يبلغ عددها سوى ٥٠٠٠٠ متظاهر. وهو يفسر أيضًا السبب في أنهم سرعان ما فقدوا صبرهم على المجموعات الصغيرة من النشطاء الذين واصلوا التظاهر خلال الأشهر التي أعقبت سقوط النظام.

•••

قبيل انتهاء عهد بورقيبة، بدأت تظهر عليه أعراض الخرَف. وفي نوفمبر ١٩٨٧ دبَّر زين العابدين بن علي — قائد الأمن العام السابق ورئيس الوزراء آنذاك — انقلابًا سلميًّا بمساعدة المخابرات العسكرية الإيطالية. وكان تهديد بورقيبة بإعدام مجموعة من الإسلاميين الذين كان يمقتهم للغاية هو ما عجَّل بتنفيذ هذا العمل التآمري الذي اتسم بالهدوء. كان قرارًا لا يتناسب على الإطلاق مع عهده الذي تميز بحب الخير عقودًا طويلة، حتى إن المنتمين للنظام اعتبروه دليلًا كافيًا على أن الشيخوخة أفقدته عقله. أثار القرار أيضًا الكثير من مشاعر الحنق في الدول المجاورة. الإيطاليون — على وجه التحديد — خشوا أن يزعزع أمر كهذا استقرار المنطقة بأسرها، ويؤثر سلبًا بالتبعية على خط أنابيب النفط الذي مدُّوه في تونس. كانت الجارة الجزائرية تخوض بالفعل حربًا أهلية دموية سببُها الإسلاميون لتحصد أرواح ما يربو عن ١٥٠٠٠٠ مدني. أما ليبيا — الجارة الأخرى — فكانت أصابع الاتهام دومًا تشير إليها باعتبارها ترعى الإرهاب خارج أراضيها.

لكن كل هذا كان قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر بوقت طويل. في تلك الأثناء كان قتل الإسلاميين — حتى أولئك المتهمين بتنفيذ هجمات مخربة — يعد عملًا «عنيفًا للغاية» على حد تعبير رئيس جهاز المخابرات العسكرية الإيطالية،29 وليس بيانًا يُحتفى به للموقف الذي تتخذه إحدى دول الشرق الأوسط في حربها ضد الإرهاب مثلما سيكون لاحقًا. والواقع أن الانقلاب التونسي على بورقيبة اتسم بالهدوء الشديد، حتى إن أحد المعلقين وصف التحول لاحقًا بأنه كاد لا يكون ملحوظًا. وعلى عكس أغلب مدبري الانقلابات في تاريخ العالم، أبدى بن علي ذكاءً بالغًا بتقدير سلفه الذي كان يحظى بشعبية طاغية بأساليب شتى. شهدت الثورة تمزيق صور بن علي من قبل الحشود الغاضبة في كل مكان، لكن الشوارع الرئيسية في كل المدن التونسية لا تزال تحمل اسم «شارع بورقيبة» وما من خطط حالية لتغيير ذلك الواقع.

أقام بن علي علاقات وطيدة مع الإيطاليين ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية أثناء السنوات التي قضاها في إدارة المخابرات. ومع أنه لم تكن للمخابرات الأمريكية يد في تدبير الانقلاب، فقد لقي ترحيبًا منها. ومن المفارقات أيضًا أن بن علي قدم نفسه للأمريكيين لاحقًا على أنه متراس في وجه التهديد الإسلامي المتزايد. وبعد الحادي عشر من سبتمبر، أصبح بن علي واحدًا من أكثر الحلفاء حظوة بثقة إدارة بوش في المنطقة. مع ذلك فإن تعامله مع الإسلاميين في البداية كان لطيفًا بالمقارنة مع المقاييس الإقليمية؛ فهو كان يزج بهم في السجون فترة ثم يطلق سراحهم بعدها، ويعرض البعض منهم للتعذيب أثناء ذلك، أو يأمر بنفيهم خارج البلاد (وغالبًا ما كانت لندن هي المنفى). حريٌّ بنا أن نؤكد ثانية على أنه لم تُسَجَّل حالة إعدام واحدة، ولم تستهدف أجهزة المخابرات أي ضحية بعملية اغتيال. هكذا كان مصيرهم في ظل الأنظمة الأكثر وحشية مثل المملكة السعودية (والأقل وحشية مثل الولايات المتحدة). وبعد تولي الحكم بقليل، أطلق بن علي سراح راشد الغنوشي مؤسس حركة «النهضة»؛ الحركة الإسلامية الرئيسية في تونس. غير أنه قبض عليه ثانية عندما عاد على الفور إلى الترويج للفكر الإسلامي.

في الغرب — ولسبب وجيه — كانوا ينظرون إلى بن علي بوصفه ديكتاتورًا «لينًا» مثل لي كوان يو في سنغافورة أو بارك شونج هي في كوريا الجنوبية. قمع بن علي الحريات السياسية من أجل الحفاظ على الاستقرار والنمو الاقتصادي. كان ضمانًا للاستقرار حتى إن شعار النظام كان «تونس الأمان!» وهو ما رددته الجماهير مثل ترنيمة على مدار عقود. فضلًا عن ذلك لم يكن نظام بن علي يستخدم الوحشية اعتباطًا كما كان الحال في مصر على سبيل المثال. ذكرت الصحف الغربية أن شرطية صفعت بائع خضراوات على وجهه، وهذا جعله ينتحر، ويشعل بذلك فتيل الثورة، لكن هذا لم يحدث قط.30

رسم النظام خطوطًا حمراء واضحة تتمثل في عدم المطالبة بدولة إسلامية أو شيوعية أو الإسراع من خطى التحول إلى الديمقراطية. واضطهد — من خلال شبكة واسعة النطاق من البوليس السري — هؤلاء الذين تجاوزوا تلك الخطوط الحمراء. غير أن رجال الشرطة النظامية كانوا يلتزمون الأدب والاحترام في تعاملاتهم مع المواطنين التونسيين العاديين، كما يحدث في أي مكان في الغرب، مع بعض الاستثناءات التي توجد في كل مكان. وعلاوة على ذلك كان هناك رجوع إلى القانون.

في عام ٢٠٠٧ شددْت الرحال إلى تونس لأؤلف كتابي عن مصر. في ذلك الوقت كنت عادةً ألتقي طالبًا جامعيًّا يدرس الفلسفة لنتناول القهوة معًا. ذات مساء تأخر الطالب، حتى وفق مقاييس العرب في مراعاة المواعيد. وعندما وصل بدا مضطربًا، وأخبرني أن أحد أصدقائه — ويعمل حارسًا في ملهى ليلي — اعتدى عليه ضابطا شرطة مخموران في غير أوقات خدمتيهما. انتهى الشجار بأن ضربه أحدهما في رأسه ليصيبه بارتجاج ويكسر أنفه. تأخر صديقي لأنه كان يعتني بصديقه ويعد الأوراق اللازمة لتحرير محضر رسمي لدى الشرطة. صادف أني كنت قد وصلت في كتابي إلى منتصف فصل يتناول مسألة التعذيب في مصر في ذلك الوقت. لم أتمالك نفسي من التعبير عن دهشتي من فكرة تقديم ضابطي شرطة للعدالة في دولة عربية. فهذه الأفعال الوحشية العشوائية هي العرف السائد في مصر. حتى الأطباء يرفضون تقديم تقارير طبية إلى الضحايا خشية أن يعتدي عليهم الضباط الذين يتخفون في ثياب مدنية. لكن صديقي التونسي كان صلبًا، وقال: «نحن لسنا في مصر.» ثم أضاف أنه قبض على الشرطيين بالفعل، وأن صديقه سيوجه الاتهام إليهما.

خلال الجزء الأكبر من عهد بن علي، سجلت تونس لا شك قصة نجاح في الاقتصاد. أسفرت الإصلاحات التي قادها — بما فيها الخصخصة وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية — عن ثمار وفيرة. أثناء العشرين عامًا الأولى من عهده نما الاقتصاد بمتوسط ٥ بالمائة سنويًّا. وزاد نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي أكثر من ثلاثة أضعاف، من ١٢٠١ دولار عام ١٩٨٦ إلى ٣٧٨٦ دولارًا عام ٢٠٠٨.31 وفي عام ٢٠١٠ وضع تقرير التنافسية العالمية الصادر عن منتدى دافوس الاقتصادي تونس في المرتبة الأولى في أفريقيا. تفتقر تونس إلى الموارد الطبيعية وبها قاعدة زراعية عريضة، لكن بن علي — كما أشرنا — قلل معدل الفقر إلى أقل من ٤ بالمائة، وهو من أقل المعدلات في العالم. سار بن علي على خطى بورقيبة في تأييد المساواة بين الجنسين وتوفير التعليم المجاني والرعاية الصحية للجميع، فضلًا عن أنه لم يكن يتدخل في حياة التونسيين الخاصة. اتَّبع سياسة خارجية معتدلة موالية للغرب تسعى إلى التوسط بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتحاول التخفيف من حدة الآراء التي تصدر عن منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات. واستضافت تونس منظمة التحرير الفلسطينية في الفترة ما بين عامي ١٩٨٢ و١٩٩٣ بعد أن طُردت من لبنان أثناء الحرب الأهلية.

على جانب آخر — وهو جانب من الأهمية بمكان — جعل بن علي من نفسه بالتدريج شخصية مؤلَّهة. كان واردًا تمامًا أن يعاد انتخابه حتى لو أجريَت انتخابات حرة نزيهة. مع ذلك دائمًا كان يعلن عن فوزه بنسبة ٩٠ بالمائة، وهي نسبة لا يمكن لأحد تصديقها. فضلًا عن ذلك فإنه عدَّل الدستور مرتين ليمكِّن نفسه من البقاء في الحكم فترة جديدة. كان يطل على شعبه في الصفحة الأولى من جميع صحف الصباح يوميًّا. أيضًا كانت الملصقات التي يزداد فيها وجهه تألقًا كل يوم تغطي عددًا هائلًا من الواجهات الكبيرة في المدن والقرى. وكلما تقدم به السن، زاد عدد المرافق التي يسمِّيها باسمه. غير أنه لم يكن طاغية بأي حال من الأحوال، ولم يكن يترأس نظامًا ديكتاتوريًّا. بالرغم من الشكل القبيح الذي اتخذه قمعه للحريات السياسية في بعض الأحيان، فقد ظلت تونس بلدة ساحرة خلابة الجمال. لم يكن بها مناخ المملكة السعودية الخانق، أو جنون العظمة الزائل للكتلة السوفييتية، أو الرتابة المملة لسنغافورة. انتعشت الخدمات العامة على نحو تفوَّق على الكثير من دول الغرب. اتسم المواطنون بالتحضر والتسامح واللطف، وكانوا على درجة عالية من الثقافة. كثيرًا ما كانوا يتحدثون الفرنسية بطلاقة إلى جانب العربية التونسية. فضلًا عن ذلك، شهدت البلاد حالة من الانتعاش في الحياة الأدبية والفنية.

شعر البعض — خصوصًا الشباب — بالحنق من القيود التي فرضها بن علي على حريتهم في التعبير السياسي، لكن الطبقة المتوسطة العريضة رضيت غالبًا بما كانت تتلقاه من منافع نظير ذلك. ما داموا يبتعدون عن التطرق لموضوعات بعينها، يمكنهم إذن فعل ما يحلو لهم في حياتهم الخاصة، ومن ثم فإنهم شغلوا أنفسهم بالأمور التي تعنيهم حقًّا، مثل جني المال، وتعليم أطفالهم الذين نشئوا في شوارع بلغت من الأمان حدًّا كانوا يستطيعون معه اللعب في الخارج في الساعات الأولى من الصباح.

•••

إذا كان الوضع الاقتصادي مزدهرًا كما أشرت، فما الذي دفع الجماهير التونسية إلى النزول للشوارع؟ الجواب باختصار: تسريبات «ويكيليكس»، وتردِّي الوضع الاقتصادي.

وقع النظام الحاكم ضحية للشعور بالغطرسة الذي تمخَّض عن نجاحاته. ففي تونس — وعلى عكس الدول العربية الأخرى — توقع المواطنون المثقَّفون من النظام البيروقراطي الذي يدير البلاد بكفاءة أن يستمر على أدائه المتميز الذي عهدوه منه. وعندما اندلعت الأزمة الاقتصادية العالمية في ٢٠٠٨، لم تُستثنَ تونس من التأثر بتبعاتها. حدث ذلك وقت أن كان عدد خريجي الجامعات من حملة المؤهلات العليا الذين يسعون للحصول على وظيفة — في بلد لا يتجاوز تعداد سكانه ١٠ ملايين نسمة — يزداد إلى ٤٠٠٠٠ سنويًّا. بلغ معدل البطالة الرسمي ١٤ بالمائة، ولم يكن ذلك المعدل مرتفعًا وفقًا للمقاييس الأوروبية أو الأمريكية المعاصرة، لكن بين حديثي التخرج التونسيين كان هذا المعدل مرتفعًا بمقدار ثلاثة أضعاف. بعدها ظهرت إحدى تسريبات «ويكيليكس» التي تناولت بالتفصيل الفساد المستشري بين عائلة الرئيس. زاد جشع النخبة الحاكمة وفسادها وغطرستها في نفس الوقت الذي تداعى فيه النمو الاقتصادي القوي الذي يقوم عليه ولاء الشعب. لقد تهاوى العقد الاجتماعي التونسي التاريخي الذي بموجبه يُشترَى ولاء الشعب ولا يُكتسَب.

لم تكن مسألة انعدام الديمقراطية السبب الرئيسي وراء اندلاع الثورة، بل كان ازدراء الأسلوب الذي انتهجه بن علي في إساءة استغلال تركة بورقيبة وتبديدها، وهي تركة لم تكن ديمقراطية الطابع، لكنها وضعت مصالح الشعب نصب عينيها. كان من الممكن أن يغض أفراد الطبقة المتوسطة الطرف عما يحدث، فهم لا يزالون يحصلون على نصيب معقول من الغنيمة. وما لم يحسب له النظام حسابًا هو ذلك الغضب المتأجج بين الأعداد المتزايدة من الشباب الذين كانوا يعانون البطالة بنسب متفاوتة. وأنا أيضًا فوجئت بما حدث. كنت على يقين من أن ثورة ستندلع في مصر، لكني نظرت إلى القصص التي سمعتها من أصدقائي التونسيين قبل الثورة عن الغضب المتأجج بين خريجي الجامعات على أنها شكاية ليس إلا. كنت أعرف أن هذا الغضب قائم، لكني لم أتخيل قط أنه كان مستشريًا إلى هذا الحد الذي جعله ينتهي باندلاع ثورة شعبية.

شرع عدد كبير من الشباب العاطل عن العمل من حملة المؤهلات العليا؛ يتساءل عن الرقابة السياسية المفروضة في تونس تحت حكم بن علي. فحتى موقع «يوتيوب» كان محجوبًا على الدوام. كان من الطبيعي أيضًا أن جيلًا طُلب منه أن يبذل تضحيات بعينها من أجل بناء الدولة سيأتي عليه وقت يسأل فيه نفسه: متى سينتهي بناء هذه الدولة؟ حينها اندلعت الأزمة المالية العالمية. انخفضت أعداد السياح من الدول الأوروبية التي طالتها يد الأزمة انخفاضًا ملحوظًا. ولم يقتصر تأثير هذا الانخفاض على الفقراء الذين يكسبون لقمة العيش بطريق غير رسمي على أطراف قطاع السياحة عن طريق تأجير الحمير مقابل الفتات، بل امتد تأثير ذلك إلى أصحاب المتاجر الموسرين نسبيًّا، الذين كانوا يعتمدون على الزائرين الأجانب. بدأ حجم الاستثمارات الأجنبية يتراجع، ودائمًا كان يوجد شيء يثير حنق الشباب الواعي. أظهر استطلاع رأي أُجري في العامين اللذين سبقا قيام الثورة على الفور انخفاضًا ملحوظًا في أعداد التونسيين الذين يرون أن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح.32 إذن الثورة في أساسها كانت ثورة على الوضع الاقتصادي المتردي للبلاد بين شرائح معينة من السكان، لا تلهفًا عامًّا لتوفير المزيد من الديمقراطية وحرية التعبير. في تونس ما بعد الثورة، سألتُ عشرات الشباب والفتيات: هل كانت الثورة ستندلع لو حافظ النظام على مستويات معيشتهم وكفل الوظائف لخريجي الجامعات؟ ومن دون استثناء أجابوني بالنفي القاطع. وكما رأينا في المقدمة، فإنه أثناء تسجيل الناخبين في القوائم الانتخابية في المرة الأولى في تونس بعد الثورة، لم يهتم بالأمر سوى ١٦ بالمائة فقط من الناخبين، وهو أمر لا يشير من قريب أو بعيد إلى تعطش التونسيين لأن تكون لديهم حكومة تمثيلية.

كان بإمكان بن علي على الأرجح الصمود في وجه الأزمة الاقتصادية؛ فالرجل محل تقدير كبير في الغرب بسبب البراعة التي أدار بها التحول إلى الاقتصاد الحديث. مشكلة نموذج الحوكمة السنغافوري — القائم على قمع الحريات السياسية من أجل الحفاظ على الأمن والنهوض الاقتصادي — أنه لا يؤتي ثماره إلا إذا كانت النخبة الحاكمة، ومن قبلها زعيم النظام، مثالًا يُقتدى به، وتجنبت إغراءات المناصب العليا والسيطرة شبه الكاملة على الحياة السياسية. سيخبرك أي تونسي والفخر يملؤه أن بورقيبة وافته المنية في بيت متواضع دون أن يكون لديه أي مال في البنوك. ولهذا السبب فإنه لا يزال يحظى بحب الشعب. ما لم تستطع الأقلية الثورية في تونس أن تسامح عليه بن عليٍّ؛ كان شأنًا شخصيًّا.

•••

عام ١٩٩٢ تزوج بن علي — وهو في الأربعينات من عمره — سيدة تدعى ليلى الطرابلسي، غالبًا ما توصف باسم «مصفِّفة الشعر». ولمَّا كانت ليلى واحدة بين أحد عشر طفلًا لبائع فاكهة وجوز في سوق تونس القديم، فقد حملت كافة صفات الانتهازية والتقدير الأعمى للروابط العائلية التي دائمًا ما تفرضها مثل هذه الظروف الاجتماعية. قبل انهيار زيجة بن علي الأولى، كانت ليلى الطرابلسي قد أنجبت له طفلًا. وما إن استقرت آمنة داخل القصر الرئاسي — بعد خمس سنوات — حتى شرعت في تنفيذ المهمة الكبرى الممثلة في تحويل الدولة بأسرها إلى صورة من البيئة التي كانت تعرفها حقَّ المعرفة؛ السوق.

وضعت كتيبة أشقائها المنحطين وجيش من أقاربها أياديهم على المزيد والمزيد من الغنائم. ينحدر بن علي نفسه من عائلة يقال إنها عريقة، ونشأ في كنف بورقيبة. وقد أسفرت خيانته لتركة بورقيبة عن فزع أقرب أقربائه من التصرفات الغريبة لزوجته وعائلتها، حتى إنهم قطعوا علاقتهم به علانية.33 كان آل الطرابلسي — على عكس آل بن علي — محدثي نعمة، وبدوا عازمين على إقامة الدليل على أن كل ما يكنُّه العالم من تحامل ضد هؤلاء الأشخاص هو الإنصاف عينه. ومن خلال قراءتي للمشهد، يمكنني القول إنهم كانوا يتصفون بالجشع والدونية، ولم يكونوا يعرفون أين ينبغي لهم التوقف. كتب السفير الأمريكي روبرت جوديك لاحقًا عما سمعه كثيرًا في حواراته مع التونسيين عن «التعليقات الساخرة بشأن تدني مستوياتهم العلمية، وانحطاط مكانتهم الاجتماعية، وحياة البذخ التي يعيشونها».34 كثيرًا ما كانت ليلى الطرابلسي تتباهى بارتداء النظارة الشمسية المستديرة كبيرة الحجم التي اشتهرت بها جاكلين كينيدي أوناسيس، وهي امرأة أخرى يرجع جزء من شهرتها إلى زيجاتها المهمة من ذوي النفوذ. لكن مع امتلاء وجنتيها، واختفاء عينيها وسط ثنايا الدهون، وامتلاء جسدها في أزياء «شانيل»، وإفراطها في وضع مساحيق التجميل، وتيبُّس شعرها حتى اتخذت خصلاته شكلًا يصعب تصوره، كانت تزداد شبهًا بالصورة الأصلية لزوجة الديكتاتور إميلدا ماركوس، فيما عدا أن زوجة ماركوس — بأحذيتها وحُليِّها وأحاديثها الذاتية المضحكة — كانت ستوصَف بالرقَّة إذا ما قورنت بالطرابلسي.

القول إن ليلى الطرابلسي كانت ممقوتة من الشعب التونسي هو نوع من التهوين. لكن حتى عنصر التكبر والعجرفة — وهو أحد عناصر الكراهية العامة التي أضمرها لها أفراد الطبقة المتوسطة في تونس — ربما كان دليلًا على أن بورقيبة (وبن عليٍّ في سنوات حكمه الأولى) قد كفل لهم معاشًا طيبًا. من ثم فإنه بدلًا من التهليل لبزوغ نجم «سيدة الشعب» — هكذا كسبت السيدتان ماركوس وإيفيتا بيرون ودَّ الشعوب التي كانت تخضع لقمع زوجيهما — نجد أن التونسيين نظروا إلى الطرابلسي على أنها سبَّة في جبين الدولة المتقدمة الحديثة التي يتطلعون إلى بنائها. في الوقت نفسه علينا أن نتذكر — ونحن ننحدر إلى هذا العالم الإجرامي القاتم من الفساد والمحسوبية اللذين أوجدتهما هذه المرأة البغيضة — أنه بالرغم من أن سلوكها كان ممقوتًا، فإن تبعاته لم تكن واضحة كل الوضوح أمام أبناء الطبقة المتوسطة التونسيين. على المنوال نفسه فإن خطط الإنقاذ المالي التي قدمت تريليون دولار من أموال دافعي الضرائب إلى مصرفيي «وول ستريت»، والهوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء، ووسائل الإعلام والمنظومة السياسية القومية التي تمولها المؤسسات؛ كلها أمور أثارت غضب الكثيرين من أبناء الطبقة المتوسطة في أمريكا، لكنها لم تُثِرْ أي أفكار ثورية لدى غالبيتهم. استغرق الأمر ثلاث سنوات قبل أن تندلع الاحتجاجات التي نظمتها حركة «احتلُّوا وول ستريت». الفرق بين أمريكا وتونس لا شك يكمن في أن أمريكا لديها صمام أمان لنظام ديمقراطي وحرية تعبير مكفولة بموجب الدستور. كان لغضب الشباب العاطل عن العمل في تونس الكثير من الأسباب الواضحة، لكن لم يكن أمامهم متنفس عبر مجتمع مسالم متمدن. كان زواج بن علي من زوجته البغيضة أول مسمار يُدق في نعشه، وكان غباؤه المنعكس في الإخفاق في إرخاء قبضته على العملية السياسية وزيادة مساحة الحريات المدنية هو آخرها.

اشتهر آل الطرابلسي — الذين يشير اسمهم إلى انحدارهم في الأساس من العاصمة الليبية طرابلس، وهو ما يزيد الطين بلَّة لدى رجل الشارع التونسي الذي يكن مشاعر الكراهية لليبيين — باسم «العائلة». من الواضح أنهم كانوا يستمتعون كثيرًا بفكرة عصابة المافيا التي يحملها الاسم في طياته. وقد قيل إنه لكي تحصل على أي وظيفة مرموقة في الدولة لا بد أن تكون على صلة بأحد الأفراد داخل «العائلة». قيل أيضًا إن «العائلة» اعتادت تقديم عروض لا يمكن أن تقابل بالرفض إلى الصفوة في عالم الأعمال. فكانوا يأخذون أي شيء يريدون. في عام ٢٠٠٨، أُجبر أحد رجال الأعمال على بيع حصته التي كانت تساوي ٣ بالمائة في أكبر البنوك التونسية إلى أحد أقارب بن علي بثمن بخس. أوضح رجل الأعمال لاحقًا: «كان طلبًا أشبه بالأمر.»35 كانت «العائلة» تمتلك بنوكًا، وشركات اتصالات، وشركات عقارية، وتوكيلات سيارات. بلغت شبكة مصالحهم التجارية درجة هائلة من التشعب حتى إن المسئولين عندما أرادوا تفكيكها بعد رحيل العائلة، قرروا ترك عدد من الشركات في أيدي «العائلة» تحت إدارة الدولة بدلًا من إغلاقها. ولولا هذا القرار لتعرضت بعض القطاعات في الاقتصاد التونسي للانهيار.36
واصلت «العائلة» تفرعها، وتزوج أبناؤها بدورهم، ولما كانت الطيور على أشكالها تقع، فقد أظهروا ميلًا غريبًا لاختيار أسوأ من قد يُتخَذ زوجًا. أحد أصهار بن علي هو صخر الماطِري ابن أحد اللواءات. كان يحتفظ بنمر يتناول أربع دجاجات يوميًّا في الفيلا الفاخرة التي يسكن بها. ذُكر أن الماطري الابن قد أبدى براعة في الاستفادة من سياسات بن علي الاقتصادية عن طريق الاستثمار في الشركات التي تخضع للخصخصة وإعادة بيعها. في عام ٢٠٠٦ قيل إنه اشترى حصة قدرها ٤١ بالمائة في الشركة التونسية التابعة لعملاق الصناعات الغذائية السويسري «نستله» من «البنك الوطني الفلاحي» التابع للدولة مقابل ٣٫٦ ملايين دينار تونسي (نحو ٢٫٦ مليون اليوم). وتقول شركة «نستله» اليوم إنه لم يكن لها رأي في تلك الصفقة. ودون الرغبة في الطعن في اسم تكتل عالمي بائس، حريٌّ بنا أن نتذكر أن مثل هذه الشركات — في مواقف مشابهة — كانت تقر عينًا بضمان تكوين أفضل العلاقات الممكنة مع الأسر الحاكمة في دول يكون لهذا الأمر فيها أهمية تجارية. على الرغم من ذلك، فقد ذُكر أنه بعد مرور ثمانية عشر شهرًا فحسب، باع الماطري حصته التونسية في «نستله» إلى الشركة الأم مقابل ٣٥ مليون دينار بنسبة أرباح اقتربت من ١٠٠٠ بالمائة.37 يا له من عمل جيد — كما يقولون — لو استطعت القيام به. لكن فرص استطاعتك فعل أمر كهذا تتضاءل كثيرًا في تونس إذا لم تكن واحدًا من أفراد «العائلة».
عماد الطرابلسي — أحد أقارب ليلى بن علي — هو مثال أكثر وضوحًا على أساليب المافيا التي كانت تستخدمها «العائلة». يقال إنه كان يبتز الشركات بدعوى الأنشطة الخيرية الزائفة التي يجمع بلطجيتُه المستأجرون المالَ من أجلها. أيضًا كان يملك شركات موقفها القانوني سليم، لكنها تخصصت في أنشطة مثل تجريف الأراضي الأثرية من أجل بناء مراكز تسوق كبرى. قيل إن كلماته المفضلة كانت مأخوذة من فيلم «الأب الروحي» الجزء الثالث: «إيَّاك أن تكره أعداءك؛ فذلك يؤثر في تقديرك للأمور.» مع ذلك كان رأيه متأثرًا بمشاعره للغاية. وأخيرًا تسبب في إدراج اسمه ضمن قائمة الأكثر طلبًا لدى منظمة الإنتربول عندما سرق يختًا. ومن سوء حظه أن اليخت البالغ طوله نحو ١٦ مترًا لم يكن ملكًا لمواطن تونسي من غير ذوي النفوذ كان على الأرجح سيبتلع خسارته، وإنما كان ملكًا لفرنسي يرأس بنكًا استثماريًّا. ولمَّا كان الفرنسي يتمتع ببعض العلاقات، فقد أصر على استعادة اليخت. أثارت فرنسا — حليف بن علي زمنًا طويلًا — جلبة، وطالبت بتسليم عماد الطرابلسي. ووفقًا لأحد الشهود، فقد أعيدَ اليخت في هدوء و«في حالة ممتازة».38 وعلى الفور أسقط المدَّعون الفرنسيون التُّهم؛ ربما بعد تلقيهم أوامر بالتغاضي عن خطأ بسيط كهذا من أجل تحقيق مصلحة أكبر؛ فوزراء الحكومة الفرنسية ينالهم في النهاية جانبًا من غنائم بن علي. عندما كُشف النقاب عن العطلات المجانية وغيرها من الرِّشا المشابهة بعد الثورة التونسية، اضطر عدد منهم إلى تقديم استقالته.39 إلا أن تونسيًّا واحدًا على الأقل كان أقل قدرة على الصفح. إذا كانت الثورة التونسية سلمية نسبيًّا مقارنة بما حدث في بلدان أخرى في المنطقة، فإن عماد الطرابلسي الذي «عاش وفق قانونه الخاص» — كما يحلو لمعجبيه من الغوغاء القول — قد مات وفقه أيضًا. في ١٤ يناير ٢٠١١، طُعن الطرابلسي حتى الموت في مطار «زين العابدين بن علي الدولي» في تونس.40
وبينما كان حراس الأمن يراقبون المشهد غير عابئين، مارس التونسيون أعمال النهب والسلب، وحطَّموا الزجاج والمرايا، وبالوا داخل فيلات «العائلة» الفاخرة المطلَّة على البحر. لقد استحضروا بالتفصيل ذكرى كل مَظلمة ارتكبها هؤلاء الرعاع الدونيون؛ بما في ذلك كلابهم البغيضة التي روَّعت أطفال المنطقة، وحفلاتهم المبتذلة المليئة بمظاهر البذخ. من أشهر الشعارات التي رفعها التونسيون أثناء الثورة: «لا لآل الطرابلسي الذين نهبوا خزانة الدولة.»41 ظن الكثيرون أن آخر الإهانات هي شائعة فرار ليلى الطرابلسي إلى السعودية ومعها سبائك ذهب تزيد قيمتها عن ٥٠ مليون دولار من البنك الوطني. ما من دليل يقطع بصحة هذا الاتهام، وهو اتهام يبدو بعيد الاحتمال، لكن طبقة المعدمين من التونسيين شعروا أن في هذا الاتهام شيئًا من الحقيقة، ولم يثبت الزوج المتيَّم أي شيء عندما ذكر على لسان محاميه أنه كان ينوي العودة إلى تونس فور أن يطمئن على وصول زوجته آمنة إلى السعودية، غير أن الطيَّار «عصى أوامره» وأقلع من دونه.42 إن كنت تقدِّم زوجتك على بلدك، وإن كنت غير قادر على حمل قائد طائرتك على انتظارك، فأي فائدة تُرجى منك بعد الآن؟
ماذا أراد المتظاهرون؟ أرادوا ما كان لديهم؛ فقط المزيد من الوظائف وفرص أفضل لا تقف «العائلة» حائلًا بينهم وبينها. ومن المؤسف أن جميع المؤشرات تشير إلى أنهم لن يحصلوا على ذلك؛ ففي يونيو ٢٠١١ وفي محاكمة استمرت ست ساعات كاملة، أدانت إحدى المحاكم الهزلية بن علي وزوجته غيابيًّا بتهم السرقة والحيازة غير القانونية لمبالغ طائلة من العملات الأجنبية، والمجوهرات، والقطع الأثرية، والمخدرات، والأسلحة؛ هذه الأسلحة «عُثر عليها» في منزلهم بعد أسابيع من خلعهم. ومعنى هذا أن إعلاء كلمة القانون لم تكن من بين المكاسب الفورية للثورة. علَّق محيي الدين شربيب الناشط الحقوقي التونسي المقيم في فرنسا آسفًا بقوله: «إنها خيبة أمل كبرى؛ نفس تمثيلية القضاء الصوري التي عوَّدَنا الديكتاتور عليها. لقد أردنا محاكمة حقيقية؛ محاكمة عادلة … محاكمة للديكتاتور يدلي فيها من تعرضوا للتعذيب بشهاداتهم … منظومة قضائية تتعلم منها شيئًا.»43

•••

بعد الإطاحة ببن علي بقليل بدأت استطلاعات الرأي تُظهر أن الحزب الوحيد الذي سيحقق أكبر استفادة من الفوضى الناجمة؛ جماعة تطلق على نفسها اسم «النهضة». ترددت على الألسنة نسب تأييد مثل ٢٥ بالمائة و٣٠ بالمائة بل ٣٥ بالمائة. لكن كلما دقَّق المراقبون النظر، زادت صعوبة تحديدهم كنه هذه «النهضة». أمران فقط كانا مؤكدين؛ الأول: أن «النهضة» تتبنى أجندة إسلامية، والثاني: أنها لم تلعب دورًا واضحًا في الاحتجاجات التي أدت إلى سقوط النظام؛ ذلك أن قادة الحركة كانوا إما في السجون أو في المنفى. قيل إن قاعدتها الشعبية كانت تنتشر في المناطق النائية الريفية وفي أحياء الطبقة العاملة. علاوة على ذلك عندما اندلعت أعمال العنف الدامية في أعقاب الثورة، أنكرت «النهضة» أي صلة بها.44 وفي الوقت الذي دار فيه النقاش حول دستور جديد، أصرت «النهضة» على أن تكون ضمن الهيئة التي ستتولى كتابته، لكن عندما سُئل قادة الحركة عما ينبغي أن يتضمنه الدستور، بدا أنه ليس لديهم ما يقولون في هذا الصدد. أينما ولَّى المراقبون وجوههم، وجدوا لحركة «النهضة» حضورًا مؤكدًا، وفي الوقت نفسه غيابًا محيرًا، وكأنها حاضرة وغائبة في آن واحد. كيف يمكن تفسير شعبيتها إذن؟ وما الذي قد تفعله «النهضة» بالأغلبية البرلمانية التي يبدو أنها ستفوز بها على الأرجح؟
يجسد راشد الغنوشي — زعيم حركة «النهضة» الذي دأب على إدانة الإرهاب والعنف — الغموض الذي يكتنف الحركة، حتى إنه يكاد يُرَى وكأنه شخص غير حقيقي على الإطلاق، كأنه كائن غريب أُوجِد حديثًا وظهر من بين حطام التاريخ، مثلما يظهر وحش «جودزيلا». سجلُّه الرسمي يتلخص فيما يأتي:45 وُلد راشد الغنوشي — الابن الأصغر بين عشرة أشقاء — عام ١٩٤١ في الحامة، وهي قرية قريبة من مدينة قابس الصناعية الجنوبية بلا كهرباء أو مياه جارية، وبها مذياع واحد عتيق. نال والده محمد — الذي كان يعمل مزارعًا — لقب شيخ لأنه كان الوحيد الذي يحفظ القرآن بين أهل القرية، وهكذا حفظه راشد الصغير بتوجيه من أبيه. يسترجع الغنوشي لاحقًا جو التناغم الذي كان يسود البيت بين زوجات أبيه الأربعة اللائي يخص منهن زوجة أبيه الكبرى بحب كبير. أحد أعمامه كان من أشد المعجبين بجمال عبد الناصر، وأورث ابنَ أخيه حبَّه للوحدة العربية. شهد راشد الصغير أيضًا نشأة المقاومة المسلَّحة ضد الاستعمار الفرنسي، وأحسَّ بما أطلق عليه لاحقًا «كراهية لا حد لها» للمستعمرين الفرنسيين.46 عندما بلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، أُخرِج من المدرسة؛ لكي يعمل في الحقل من جانب، ولأن أباه اعترض على المناهج الفرنسية من جانب آخر، إذ شعر أنها تقوِّض التعليم الإسلامي الخالص الذي تمنى أن يحظى به ابنه.
مع ذلك صار أحد أشقائه الأكبر سنًّا قاضيًا في قابس، وأرسل إلى الأسرة ما يكفي من النقود ليكمل راشد تعليمه في مدرسة ملحقة بجامع الزيتونة؛ الجامع الرئيسي في تونس. بعد عامين، انتقل والده المسنُّ برفقة الأسرة كلها إلى قابس، التي ذكر الغنوشي لاحقًا أنها أول مكان رأى فيه آثار الحداثة؛ حيث بيوت الدعارة والخمَّارات وعدم الاكتراث بأداء الصلوات! استثمر الغنوشي الصدمة الثقافية التي من الطبيعي أن يعانيها الفتى القروي في المدينة الساحلية في تشكيل خبراته أثناء سنوات شبابه. لكنه في ذلك الوقت كان قد بلغ به التأثر حدًّا قرأ معه الكثير من الروايات الأوروبية، ودرس الفلسفة، بل إنه — وفقًا لكاتب سيرته الذي ألبسه ثوب القديسين — «شعر أنه ملحد».47 أتم دراسته الثانوية في جامعة الزيتونة بتونس حيث كان مصدر إزعاج لأساتذته لما كان يتمتع به من ألمعيَّة. تبدَّى طموحه أول مرة عندما قرر — بعد عامين من عمله مدرسًا في إحدى المدارس الابتدائية — الانتقال إلى جامعة القاهرة، حيث التحق بكلية الزراعة. ومع أنه كان من محبي عبد الناصر، فقد كره الواقع الناصري — حيث يمكن القول إن الغنوشي شأنه شأن أي مثالي آخر لم يشهد بيئة جديدة تروق له قط — وعلى كل حال سرعان ما وقع ضحية لإجلاء التونسيين على يد عبد الناصر بسبب خلاف مع بورقيبة. اتجه بعدها لدراسة الفلسفة ثانية في دمشق بسوريا، وهناك تنوعت اهتماماته السياسية، وانضم إلى مجموعة مختلفة من التحالفات بدءًا من حزب الاشتراكيين الأوروبيين، مرورًا بالمنتدى الدولي للديمقراطيين الاشتراكيين، ووصولًا إلى الاتحاد الاشتراكي وهو تنظيم ناصري. مع ذلك كان دائم الاختلاف إلى مسجد يديره الإخوان المسلمون. في عام ١٩٦٥ انطلق في رحلة استغرقت سبعة أشهر من العمل والتجوال في أوروبا، حيث ذَكَر ثانية أنه صُدِم صدمة كبرى من السلوكيات السائدة بين «الشباب الضائع المنحل» في الدول التي زارها.48
وهكذا عاد أدراجه إلى دمشق ليعيش اللحظة الدمشقية الفارقة. فبعد كل هذه السنوات من مباشرة الفلسفة عن كثب، ذكر الغنوشي لاحقًا أنه اكتشف فجأة الحقيقة الواضحة المتمثلة في أن حركة الوحدة العربية لها جذور في الفكر غير العربي، وأنها في الواقع تدين بالكثير للدُّوَلية الاشتراكية الأوروبية. ولمَّا شعر بالنفور فقد لوى رأسه. كتب لاحقًا: «لأني كنت — وما زلت — مقتنعًا أن الإسلام هو روح هذه الأمة، وصانعها، ومؤسس مجدها، ولا يزال أملها لتحقيق النصر والتقدم.»49 لا بد أنه وجد الجواب بين أيديولوجي الإخوان المسلمين الذين قابلهم في العديد من المساجد في دمشق. بعد قراءة هذه السيرة، سيتكون لديك شعور أن الغنوشي حتمًا كان في ذهابه إلى هذه الأماكن التي تتبنى الفكر الأصولي، كما يكون المخمور في اختلافه إلى الخمارات رديئة السمعة؛ أي أول من يدخلها في الصباح وآخر من يغادرها وقت الإغلاق. واسمع ما حدث في ليلة الخامس عشر من شهر يونيو عام ١٩٦٦:
اعتنقت ما استقر في نفسي أنه الإسلام الحق؛ الإسلام كما أوحِي وليس كما شُكِّل أو شُوِّه بفعل التاريخ والعادات. تلك الليلة اجتاحتني موجة هائلة من الإيمان والحب والإعجاب بهذا الدين الذي نذرت حياتي له. في تلك الليلة وُلدت من جديد، وامتلأ قلبي بنور الله، وعقلي بالعزم على إعادة النظر والتفكر في كل ما اعتقدت فيه من قبل.50
وهذا كل ما في الأمر كما يقولون.

انطلق الغنوشي بالرغم من ذلك في رحلة إلى باريس، لأن أصدقاءه أخبروه أن الدراسة هناك وحدها كفيلة بمنحه الشرعية المطلوبة في أعين أبناء بلده. وسرعان ما توطدت علاقته بمجموعة من الطلاب الكاثوليك، ربما لأن أي نوع من التدين أفضل من عدمه. بعد عام من هذا «الاختبار» القاسي كان الغنوشي قد نال كفايته، وهكذا — عندما عاد إلى تونس — انضم إلى آخرين على شاكلته في تأسيس جماعة تكرس نفسها للإصلاح الاجتماعي القائم على المبادئ الإسلامية عُرفت فيما بعد باسم «النهضة».

•••

إلى أي مدى تدين هذه القصة للواقع، وإلى أي مدى تدين لرواية القرن التاسع عشر التكوينية، التي يُفترض أن يكون راشد الصغير قد قرأها بشغف على تل صغير يطل على قابس، هذا أمر غير ذي صلة نوعًا ما. فما يظهر منها ليس سيرة ذاتية جديرة بالتصديق، وإنما شيء أشبه بسيرة حياة أحد القديسين: طفولة خالية من الهموم في مجتمع مسلم بدائي، مطعَّمة بالكثير من النوادر الطريفة عن الماعز والزوجات الحنونات والأعمام المحبوبين المؤيدين للوحدة العربية، قبل أن تُقتلع جذور الشاب الورِع ويُلقى به وسط مرجل الحداثة الفائر، ليعود منه — بعد فترة من الاضطراب والبحث — إلى القيم التي عرفها في طفولته طاهرًا قويًّا ناضجًا، ذا قدرة أكبر على رصد المخاطر التي يواجهها والتكيفات التي يحتاج إليها، ليعيد تثبيت أقدامه وسط حقبة فاسدة.

بادئ ذي بدء، تجنب الغنوشي لفت الأنظار في بلده، وركَّز في الخارج على السلفية والإسلامية والوحدة العربية التي من الواضح أنه لم يقطع علاقته بها تمامًا، مثلما ادَّعى لاحقًا. أخذ الكثير من العلم عن واعظ متشدد في الجارة الجزائرية، لكنه في الوقت نفسه — وبينما يتماحك حول الدرب الشاق الذي يسلكه الفقيه الإسلامي — أبقى الموقف الدولي نصب عينيه. عبَّر عن آراء — في ظني أن القليل منها ذو فائدة — عن الحد الذي ينبغي للفلسطينيين الوصول إليه في التفاوض مع إسرائيل. وفي عام ١٩٩٠ أشاد الغنوشي بالغزو الذي شنَّه صدام حسين — المعروف بولائه الشديد لحزب البعث العلماني — على الكويت بزعم أنه يوحِّد على الأقل دولتين عربيتين، يرى أن المستعمِرين الغرب مزقوهما إربًا.51
يبدو أنه من الأفكار الشائعة في السير الذاتية لكبار المفكرين الإسلاميين أنهم يستغلون الوقت الذي يقضونه في السجون في تدبُّر دينهم واستبطانه، على أن الغنوشي استغل هذا الوقت أيضًا في رأب الصدع بين نفوره المتأصل من كل ما هو عصري وإعجابه الفكري بالحداثة؛ بين وطنيته المنغلقة على ذاتها وولائه الصادق للمجتمع الإسلامي الأعظم؛ بين توقه لإصدار الأوامر وإضفاء صفة المثالية على «الشعب». ومن ثم فإنه ابتكر على مر العقود مزيجًا غريبًا يجمع بين الأصولية الإسلامية، والقومية التونسية، والاشتراكية العاطفية، ولا يزال — على حد فهمي — متمسكًا به إلى الآن. لكن تلك «الرحلة إلى الديمقراطية» التي جعل كاتب سيرته يصفها تنتهي «دائمًا» بالطريق المسدود ذاته:
مهمة الدولة الإسلامية أن تحقق مقصِد الإسلام في بناء «مجتمع» يكرس نفسه لتحقيق الخير والعدل ولمحاربة الشر والظلم. على مدار أربعة عشر قرنًا لم تنقطع علاقة الإسلام بالدولة قط … المستعمرون الغرب هم من استخدموا القوة ليستبدلوا بالشريعة قانون الغرب في «معاهدة لوزان». ولم يكن هذا ممكنًا إلا في ظل تعاون نخبة — من أمثال بورقيبة وأتاتورك — نظرت إلى الإسلام مثلما ينظر مسيحي علماني إلى دينه معتبرًا إياه عقبة تعوق التقدم والتطور.52
يؤيد الغنوشي الديمقراطية بوصفها «نظام حكومة ووسيلة للتغيير»،53 لكن — وهنا يعجز اللسان عن الرد — إلى الحد الذي تتفق عنده مع الإسلام فحسب. يظل القرآن الأساس الموثوق الوحيد للتشريع؛ صورته الدنيوية هم الفقهاء (أمثال الغنوشي) الذين يفسِّرونه بما يجعل مهمة الدولة ذات طابع تنفيذي في الأساس. باختصار: الإسلام هو الجواب لكل شيء، وهو السلطة القاطعة، والمصدر الوحيد لشرعية الحكومة.

•••

بعد عدد من السنوات عمل الغنوشي خلالها مدرسًا للفلسفة في إحدى المدارس الثانوية، صعد نجمه جليًّا على الساحة السياسية التونسية عام ١٩٨١، عندما أرخى بورقيبة قبضته على الحياة السياسية، فأسس الغنوشي حزبًا أطلق عليه اسم «حركة الاتِّجاه الإسلامي». وليس واضحًا ما إذا كان هذا الاسم مجرد اسم تعوزه الدقة أم أنه — في عدم تحديده ماهية هذا الاتجاه — مثال مبكر على رفض الغنوشي الإفصاح بوضوح عما يتبناه من أفكار. على أي حال بدت الأهداف الظاهرية لحركة الاتجاه أكثر اعتدالًا؛ فتمثلت في «إعادة بناء الحياة الاقتصادية على أساس أكثر إنصافًا، ووضع نهاية لإدارة الحياة السياسية من قبل حزب واحد، وقبول التعددية السياسية والديمقراطية»،54 غير أن هذه القائمة لا بد أن تُفهَم في ضوء معنى «الديمقراطية» عند الغنوشي كما رأينا، وهو ما يترتب عليه الكثير.

غير أن أي ذكر للإسلام في ذلك الوقت كان يثير حفيظة بورقيبة. ففي شهر يوليو من العام نفسه قُبض على الغنوشي، وتعرض للتعذيب، وصدر ضده حكم بالسجن أحد عشر عامًا. أشعل القبض عليه فتيل احتجاجات واسعة النطاق من الجماعات الدينية والعلمانية على السواء، وفي عام ١٩٨٤ أُطلق سراحه وعاد يستأنف نشاطه السياسي. وقد أصبح هذا نمطًا متكررًا طوال حياته السياسية. وبصرف النظر عن مدى اعتدال الأهداف التي كان يعبر عنها، فإنه لم يكف عن الدعوة لها قط. وهذا إنما يدل على أنه كان مدفوعًا بطموح مفرط، وفي هذه الحالة فقد لعب مباراة طويلة للغاية حقًّا؛ أو مدفوعًا بيقين راسخ كان حريصًا على أن يداري طبيعته، لكنه كان على استعداد أيضًا لتحمل أي قدر من المعاناة في سبيله.

بعد إطلاق سراح الغنوشي وإعادة القبض عليه عدة مرات، نُفي إلى لندن عام ١٩٩٢، ولم يره أحد مرة أخرى في تونس، حتى الإطاحة بنظام بن علي، حيث كان في السبعينيات من عمره. لكن ذيوع الأنباء عن عودته الوشيكة دفعت النساء من الأوساط الحضرية والخلفيات البوهيمية إلى الشوارع؛ إذ اعتقدن أن لديهن الكثير من الأسباب التي تجعلهن يخفن منه.55 أنكر الغنوشي أن يكون الوضع كذلك، وتساءل: «لمَ يخفنني هؤلاء النسوة؟» ولما أُلحَّ عليه في السؤال عن الحجاب أضاف: «لماذا لا تدافع النساء «المتحررات» عن حق غيرهن في ارتداء ما يُرِدْن؟»56 دائمًا ما يكون الأمر تافهًا في نظر الإسلامي إلى أن يغدو مطالَبًا بالدفاع عنه وتنفيذه، وعندها يصبح الأمر فجأة مهمًّا للغاية. في رأيي أن مخاوف هؤلاء النساء كانت مبرَّرة ويمكن رصدها من خلال تنقيح الغنوشي العجيب للتاريخ النسوي في العالم العربي:
لم يكن ثمة طريق إلى الحرية أو المعرفة أو تقرير المصير أمام النساء، إلا من خلال ثورة ضد الإسلام ومبادئه ومحاكاة الغرب، إلى أن قامت الحركة الإسلامية. قبل ظهور الحركة الإسلامية وجدت المرأة نفسها في مجتمع متزعزع متداعٍ، «تحرُّرُها» فيه تحرر سطحي بمعنى الكلمة؛ حيث العُري، والشبَق، وترك البيت، والاختلاط بالجنس الآخر.57
بسبب خلفيته الأصولية، كانت المقارنات تُعقَد بين عودته إلى تونس وعودة آية الله الخميني من منفاه إلى إيران. اختطف الخميني ثورة شنها ائتلاف متعدد الأطياف ينادي بالديمقراطية لا علاقة له به، وفي النهاية حوَّل إيران إلى واحدة من أسوأ الأنظمة الإسلامية وأكثرها قمعًا في المنطقة. وبالقدر نفسه من السرعة رفض الغنوشي هذه المقارنة، وتساءل: «لماذا يشبهني الناس بأسامة بن لادن أو الخميني في حين أنا أقرب إلى أردوغان؟»58
الحديث هنا عن رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا. وضع «حزب العدالة والتنمية» الذي ينتمي له برنامجًا يهدف إلى أسلمة المجتمع من قاعه إلى قمته، ومن المناطق النائية إلى داخل البلاد، فضلًا عن تضييق الخناق الممنهج على المفكرين والفنانين العلمانيين، والقضاء التدريجي على الخلفية العلمانية للدولة التركية من خلال التشريعات القانونية. زاد الحزب عدد المدارس الإسلامية، وفصَلَ رؤساء الجامعات الذين اعتبرهم من العلمانيين أيضًا.59 ومثلما فعل الغنوشي، اعتاد «حزب العدالة والتنمية» على إنكار هذه الأجندة، في الوقت الذي كان يدعم فيه بذكاء مشروعه عن طريق التحديث الاقتصادي المحموم؛ فالإسلام في النهاية هو الدين الأكثر تآلفًا بين الديانات الكبرى مع الملكية الخاصة، وهو يشجع الخصخصة (التي ليست من الشيوعية في شيء). حوَّل «حزب العدالة والتنمية» إسطنبول إلى واحدة من أكثر المدن ثراءً بين كبريات المدن في العالم، وبسببه ظهرت في صحافة الغرب عبارات الإشادة الموجهة إلى «رجل الأعمال الأناضولي»،60 وهو شخص لا يضاهي نهمَه الجامح سوى تدينه الظاهري الرجعي. ذاك هو وجه الإسلام السياسي المعتدل على أرض الواقع. وحريٌّ بنا أن نستمع لما ذكره الغنوشي استطرادًا في هذا الشأن:
ما دمنا قد أتينا على ذكر تركيا، فإن معظم كتبي ومقالاتي قد تُرجمت إلى اللغة التركية، وهي تشكل جزءًا من مرجعية «حزب العدالة والتنمية». تبقى التجربة التركية الأقرب إلى الموقف التونسي؛ فعلى الصعيد الثقافي والسياسي والاجتماعي، تركيا هي الأقرب إلى تونس. لذلك إذا شئتم تشبيه حركة «النهضة»، فلا تشبهوها بطالبان أو إيران؛ إنما «حزب العدالة والتنمية» هو الشبيه الأقرب.61
نلاحظ هنا أنه هو الذي أثر في الحزب وليس العكس. لكن «النهضة» لا تملك برنامجًا اقتصاديًّا ظاهرًا ولا برنامجًا سياسيًّا عمليًّا من أي نوع (مع أن الغنوشي قد طمأن أحد السائلين أن ما لا يقل عن ١٥٠ أستاذًا جامعيًّا «يعملون على هذه المسألة»).62 كيف ستُدار تونس إذن؟
لا نريد احتكار السلطة من جانب حزب واحد، أيًّا كان هذا الحزب. نريد نظامًا يقوم على الائتلافات، لأن هذا وحده من شأنه أن يحمينا من الاستبداد. نحن نسعى إلى بناء دولة تفصِل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتضع حكم القانون فيها فوق كل اعتبار، وتكفل حريات الضمير والتعبير والانتماء.63

ومن بين كل تصريحات الغنوشي المتعجرفة عن المبادئ التي يؤمن بها، يمكن القول إن المقولة السابقة هي الأكثر وضوحًا إلى الآن، وفي رأيي أنها الأكثر إثارة للذعر أيضًا. يخيَّل إلي أنه يعرض على الليبراليين صفقة لتقاسم السلطة: سنترك لكم تدبُّر شئون مثل سياسات الطاقة والضرائب التي لا رأي لنا فيها صراحةً، على أن تتركونا في المقابل ننفِّذ أجندتنا الاجتماعية القائمة على أسلمة المجتمع التونسي من قاعدته.

•••

أثبتت حركة «النهضة» كفاءة غير عادية في تحقيق أهدافها السياسية العاجلة عن طريق بسط سطوتها على «لجنة الإصلاح السياسي»؛ الجهة الأكثر أهمية بين جهات عدة تشكلت من أجل إدارة عملية التحول الديمقراطي،64 وممارسة الضغوط (التي باءت بالفشل) بغية تطهير الحكومة المؤقتة من بقايا النظام القديم. ولما كانت الحركة ضحية للممارسات القمعية في عهدي بورقيبة وبن علي، فإن أهم ميزة تتمتع بها الآن سجلُّها النظيف. استغلت الحركة هذا الأمر أفضل ما يكون بأن دأبت على إحياء ذكرى «شهدائها» في ميادين البلاد من أقصاها إلى أقصاها. الغنوشي نفسه يحاط بالحشود في التجمعات الحاشدة وكأنه نجم شهير. وفي كل مرة يعود المراقبون من تونس مبهورين بزعامة الغنوشي، وبمدى تنظيم حركة «النهضة» وكفاءة تمويلها.65 نظمت الحركة زفافًا جماعيًّا تكفلت بنفقاته، وفتحت مكاتب عدَّة يمتزج فيها الحماس السياسي بالعمل الخيري، وشوهد أفرادها أمام أبواب المدراس يعرضون المشروبات والحلوى على الأطفال الذين يرتادونها، ووزعت نشرات ورقية تعرض على طلبة المدارس الثانوية دورات تعليم خاصة مجانية من أجل مساعدتهم في اجتياز الامتحانات.66
في الوقت نفسه لم يستطع أحد أن يضع يده تحديدًا على الغرض الذي من أجله تأسست حركة «النهضة» أو المقومات التي تقوم عليها زعامة الغنوشي الواضحة. سَلِ الغنوشي، وستجده يقول إن كل ما يريده هو بقاء كل شيء على ما هو عليه. فقد قال عن «مجلة الأحوال الشخصية» التي صدرت عام ١٩٥٦ لحماية حقوق النساء: «لن نسعى إلى تغيير القانون بأي حال من الأحوال؛ إذ نراه متفقًا مع الشريعة الإسلامية. كُتِب القانون في خمسينيات القرن العشرين على أيدي فقهاء مسلمين تونسيين … عن طريق الاجتهاد أو إعادة تأويل النصوص المقدسة … سوف يُحترم القانون.»67 بعبارة أخرى، تونس بالفعل دولة ديمقراطية إسلامية، فما دعوى القلق إذن؟ الشريعة الإسلامية؟ يقول عن هذا: «هذا الأمر لا يندرج ضمن مطالبنا.»68 لكن في كل أنحاء البلاد، يصف الناس كيف أن مجموعات من الدهماء على درجة عالية من التنظيم يأتون، ويزيحون إمام مسجدهم، وينصِّبون مكانه إمامًا متشددًا دون استشارة سكان المنطقة.69 يتعرض العلمانيون والفنانون والنساء السافرات للاعتداء من مجموعات منظمة من الدهماء في كل مكان في البلاد. أما بيوت الدعارة والخمَّارات — التي أصابت راشد الصغير بصدمة عنيفة عندما زار المدينة الكبرى لأول مرة — فتُضرم فيها النيران. وفي ظل انعدام الدليل الذي يلقي بالمسئولية على الغنوشي وحركة «النهضة»، سَلْ الغنوشي وسيؤكد أنه لا يعرف أي شيء:

– رأينا بعض الأشخاص يخطبون في شارع الحبيب بورقيبة. أيمكنك باسم الحركة أن توضح لنا من يكون هؤلاء وعن أي شيء يخطبون؟

– لم أسمع عنهم.

– ألا تظن إذن أن هناك حركة تنمو بين العامة في تونس محاولةً كسب الدعم لحركتك؟ ألستم من استنهض هؤلاء؟

– هناك كثيرون ممن ترعرعوا وقت غيابنا، فقد أُجبرنا على الغياب عن الساحة مدة ثلاثين عامًا … هناك أجيال نشأت وتأثرت بأفكارنا. الكثيرون — على سبيل المثال — دشَّنوا مجموعات باسمنا على موقع فيسبوك، لكنهم ليسوا أعضاء في الحركة على المستوى الرسمي.70
ومع كل ذلك نجد هذا القيادي — الذي لا ينازعه أحد في زعامة حركة فائقة التنظيم — لا يتطلع إلى منصب كبير. صرح الغنوشي قائلًا: «لن أرشح نفسي لرئاسة تونس، ولا لإحدى الوزارات أو البرلمان.»71 أيمكننا حتى أن نقطع بأننا نعرف كيف تبدو هيئته؟ في الندوات النقاشية في المؤتمرات الدولية يرتدي الرجل نظارة، وحلة داكنة اللون، وقميصًا مفتوح العنق ما يجعله شبيهًا تمام الشبه بأكاديمي معارض جدير بالتوقير. أما عند إلقاء الخُطَب، فإنه يرتدي جلبابًا وطاقية تونسية تقليدية ليصبح أقرب شبهًا بالمشايخ. ونفس اللحية المحفوفة تخدم الغرضين معًا.

كانت ثمة محاولات لوضع الجماعات الإسلامية المعتدلة على قدم المساواة مع الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا، وكأن المسيحية لم تسبق الإسلام بستمائة عام فيما يختص بالعلمانية، ناهيك عن الطبيعة البعيدة كل البعد عن التطبيق لكنائس أوروبا الممثِّلة للاتجاه السائد في الوقت الحاضر. أرى أن التشبيه الأقرب — من حيث المزج الغريب بين البنية فائقة التنظيم والتنصل من المسئولية — يكون مع اليمين المتطرف في أوروبا والأصوليين المسيحيين في الولايات المتحدة؛ فكلتا المجموعتين تفتقران إلى الآراء العملية فيما يتعلق بشئون الحياة اليومية، ويمكن القول إن كلتيهما تعتمد — بأساليب غير مباشرة وإن كانت مؤثرة — على شبكة شعبية من الدهماء، يتنصلون في العلن مما يقومون به من أفعال. دائمًا يتبرأ اليمين المتطرف الجمهوري ممن يطبقون القانون بأيديهم داخل «الحزام الإنجيلي»، مع أنه معروف جيدًا أنه يسعى إلى كسب أصواتهم، وكأن وجوده يقوم عليها. وعلى وجه أكثر تحديدًا، فإن حركة «النهضة» من جانبها تواجه عقبة ممثلة في وجود حركة أخرى في تونس من السلفيين الأكثر تشددًا؛ شباب حانق يريد إقامة دولة إسلامية الآن وفَوْرًا. هل بإمكان الحركة أن تتحمل استعداء تلك الفئة التي ستشكل جزءًا كبيرًا من دعمها الانتخابي؟

يبدو لي أن هذا هو تفسير اللغز التونسي؛ تعتمد حركة «النهضة» في الأساس على نوع من الوعي المزدوج الذي في وجوده لا يعرف أحدٌ — وإن كان الجميع يعرف — كنهها، وإلى أي وجهة تشاء أن تأخذ تونس؛ بعيدًا عن باريس وصوب مكة. عندما يتعلق الأمر باجتثاث الليبرالية التونسية، فإن الإسلاميين السياسيين ودهماء الشوارع يختلفون حول الأساليب، لكنهم يتفقون في نهاية الأمر. كتب الغنوشي يقول: «بعض الأنظمة الديمقراطية القديمة — مثل بريطانيا وفرنسا — لديها وزارات للمستعمرات. هذه الأنظمة الديمقراطية نفسها — التي أجازت المثلية والزنا والميسِر والإجهاض وتحديد النسل داخل أراضيها — تفرض شروطًا مجحفة على الدول الأكثر ضعفًا.»72 حريٌّ بنا أن نشير إلى أن بريطانيا قد تكون واحدة من هذه المستنقعات، لكنها وفرت لهذا الرجل طوعًا الملجأ من الاضطهاد السياسي في لندن طوال عقدين من الزمان. ومع هذا يتأفف الغنوشي قائلًا: «بيوت الدعارة، والحانات، وصالات الميسِر، ومعاملات الرِّبا، وعروض الرقص والعُري؛ كلها مُجازة من السلطات ومحميَّة بموجب القانون.»73 الغنوشي ليس ليبراليًّا ولا معتدلًا بأي معنى للكلمتين حسب فهمي لهما. بورقيبة هو من كان يتصف بذلك، ولهذا السبب فإن الغنوشي مهووس بانتقاد تركة بورقيبة العلمانية. وقائمة أفعاله الصادمة الطويلة هي تحديدًا التي أكسبت تونس — على مدى نصف القرن الأخير — مكانة متميزة في العالم الإسلامي.
عندما سُئل بعد الثورة عن رأي حركة «النهضة» في الكحول، بدا دبلوماسيًّا إلى أقصى حد، فقال: «نحن لا نشجعه، لكننا لا نتعامل مع الناس بإجبارهم على فعل شيء، وإنما بإقناعهم.»74 وفيما يتعلق بالسؤال عن ما إذا كان بوسع شخص يريد تناول زجاجة خمر أن يتناولها، فإن الموقف المعتدل الوحيد حقًّا الذي يمكن أن يتبناه الغنوشي — أو غيره — هو ألا يسعى إلى «إقناع» الآخر بألا يفعل، وإنما أن يتركه وشأنه. والأهم من ذلك أن الدعاية المستترة للحركة حول هذا الأمر — كما هو الحال حول كثير من الأمور الأخرى — قد انكشفت على يد أحد الأعضاء الأقل رتبة، عندما صرح أن حظر الكحول لا يمكن استبعاده كواحد من أهداف الحركة على المدى البعيد.75 لا تعليق إذن على تصريح الغنوشي المذكور آنفًا عن «وضع حكم القانون فوق كل اعتبار، وضمان حريات الضمير والتعبير والانتماء». ربما يكون هذا صحيحًا على المدى القصير. يُشترط دائمًا في هذه الحريات ألا تتعدى — أو تهدد بأن تتعدى، أو تهدد بأن تؤدي إلى سلوك يتعدى — إطار القالب المحدود للإسلام كما يراه.
سلِ الغنوشي أي سؤال عن حرية التعبير والسلوك، وستجد دومًا الوصف الجامع للإسلامي المتشدد. وهذا رده المفزع على الهجمات التي شُنَّت على فنانين علمانيين في أعقاب الثورة: «الفن مرتبط بقيم كل مجتمع وتقاليده، ولا ينبغي لأحد انتزاع حرية التعبير بواسطة الفن، ما دام يعكس تلك التقاليد.» (التأكيد هنا للمؤلف)76 بيوت الدعارة أُغلقت بالفعل. كم يتبقى من الوقت قبل تجريم الإجهاض وإباحة تعدد الزيجات مرة أخرى؟ قبل شن حملات للقبض على المثليين؟ قبل أن يصبح ارتداء «الخِرقة الكريهة» لزامًا على العاملات في مؤسسات الدولة، وبعدها على من يزُرْنهن، وبعدها على النساء في كل مكان؟

•••

كان حي «التضامن» — حي الطبقة العاملة في تونس — مركز الحراك الثوري في العاصمة. وبالرغم من الجهود الحثيثة التي بذلها النظام الحاكم على مدار عقود، فقد ظلت التيارات الإسلامية هناك قوية دائمًا. بعد الثورة هوى الحي في حالة من الفوضى، وبين الحين والحين كان يتعرض لأعمال شغب ونهب مصحوبة بالعنف. سرعان ما تحركت «النهضة» لسد الفراغ ونشرت متطوعين لاستعادة النظام. قوبلت تحركاتهم بالترحيب لأسباب واضحة. فكما ذكر أحد المواطنين: «تونس تصطدم بحائط.»77 حي «التضامن» ليس سوى صورة مصغرة لما يخفيه القدر للبلاد بأسرها.

شَكَّلت الأحزاب السياسية الليبرالية الأقل شهرة ائتلافًا لمحاولة إثناء الإسلاميين عن مسارهم، لكن الإسلاميين هم من يفوزون بالحرب على الأرض، والزخم يصب في مصلحتهم. علاوة على ذلك فإنهم يتمتعون بميزة أنهم لا يضطرون أبدًا لإثبات صحة آرائهم على أرض الواقع. فإذا لم تفلح جهودهم في تحقيق الثمار التي وعدوا بها، فلديهم المخرج، وهو أن الشعب لم يعتنق الإسلام بالحماسة اللازمة بعد. سوف يسعى الإسلاميون المتشددون إلى اجتثاث التراث العلماني للبلاد عن طريق جرِّها — وسط التهليل والصياح — إلى العصور الوسطى. وسوف يساعدهم في ذلك غياب هيكل موحِّد وغياب كلمة القانون. الإسلاميون على استعداد لافتراس ضحايا المجتمع والمحرومين فيه بالترويع وبإطلاق الوعود بنيل الثواب في الآخرة. ولا بد من الاعتراف بأن حرق بيوت الدعارة أو تدمير المعابد اليهودية لن يوازن الأمور، لكنه سيستمر بغرض التنفيس عن الإحباط. لو أن رجلًا بلا سلطة على الإطلاق خُوِّل إليه فجأة القليل منها — بما يمكِّنه من تضييق الخناق على النساء اللائي يعتبرهن غير محتشمات كما ينبغي — فإن التاريخ يؤكد أنه قد يتحول إلى كائن بالغ الخطورة في فترة زمنية قصيرة جدًّا.

في أكتوبر ٢٠١١ بدا واضحًا وضوح الشمس أيُّ أجندة ستنتصر في النهاية. ففي هذا الشهر تدفق حشد من السلفيين على إحدى الجامعات في مدينة «سوسة» التونسية، وهددوا أحد الأساتذة بالخناجر والعصي بعد أن رفض مسئولو الجامعة دخول طالبة ترتدي النقاب. وبعد أسبوع تعرضت إحدى المحطات التليفزيونية للهجوم، بعد أن بثت فيلم رسوم متحركة اعتبره المتشددون مسيئًا للدين. قدَّم صاحب المحطة اعتذارًا صريحًا، لكن هذا لم يثنِ عصبة تضم المئات من إشعال النيران في منزله، وإجبار زوجته وأطفاله على الفرار بحياتهم عبر مدخل خلفي.78 وفي الجمعة التالية تدفق عشرات الآلاف من الإسلاميين المتشددين إلى شوارع العاصمة وغيرها من المدن الكبرى بعد أن أثار أئمة الصلاة حميَّتهم.79 كانت هذه أكبر مظاهرة شهدتها تونس منذ الإطاحة ببن علي، وفيها دعت الهتافات — التي أطلقتها حشود من الملتحين الملوحين بالأعلام واللافتات ذات الشعارات الإسلامية — إلى إقامة دولة إسلامية. بدت لي هذه نهاية مستقبل هذا البلد الذي كان ذات يوم جميلًا بلا حكم إسلامي. كان التراث العلماني التونسي الفريد يتعرض للانهيار بسبب «ثورة الياسمين» التي ربما تكون — من وجهة النظر العلمانية — أكثر ثورات التاريخ حماقة وإضرارًا. في أكتوبر ٢٠١١ عندما أُجريت أول انتخابات قومية تونسية بعد الثورة، تأكد النموذج الذي أشدد عليه في هذا الكتاب حيث يفوز الإسلاميون بأغلبية المقاعد من تأييد أقلية من إجمالي السكان. استحوذت حركة «النهضة» على المجلس الاستشاري بعد الفوز بأكثرية ٤١ بالمائة من إجمالي الأصوات. بلغ إجمالي عدد الناخبين ٨٠ بالمائة، لكن ليس ٨٠ بالمائة من إجمالي عدد السكان، كما ادعت وسائل الإعلام الغربية، بل ٨٠ بالمائة من نسبة ٥٠ بالمائة الذين كلفوا أنفسهم عناء تسجيل أسمائهم في القوائم الانتخابية. بعبارة أخرى، فازت حركة «النهضة» مع أن أكثر من ٨٠ بالمائة ممن بلغوا سن التصويت من التونسيين لم يصوِّتوا لها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠