الفصل الرابع

حِلْف الشيعة

إيران والسعودية دولتان عسكريتان وحشيتان تسيطر عليهما شرطة سرية وتحكمهما عصبتان من كبار السن الفاسدين يلبسون رداء الدين. ومع أنهما أقوى دولتين عسكريًّا وأكثر دولتين نفوذًا سياسيًّا في الشرق الأوسط، فهما أيضًا أكثر دولتين تقييدًا على المستوى الثقافي، واستبدادًا على المستوى الاجتماعي، وثيوقراطية على المستوى المؤسسي، وتتساوى الدولتان أيضًا في عزمهما على أن تضربا بالاعتدال والتعقُّل عرض الحائط؛ ليس في الداخل فحسب، وإنما في الخارج أيضًا. يمكن فهم رفض الإقليم المتعنت اعتناقَ الديمقراطية والتعددية من وجهة نظر سياسية جغرافية كنتيجة جزئية للصراع الأبدي — والمستتر — بين هذين النظامين الإسلاميين. ولو كان ثمة احتمال ولو بعيد لأن يؤدي الربيع العربي إلى موجة من التغيير التقدمي، لكان عليه أن يواجه — بالسبل الملموسة والتقدمية — هياكل السلطة الداخلية في كلتا الدولتين وتأثيرهما الممتد إلى المنطقة بأسرها. تلك مهمة شاقة حقًّا.

بدلًا من ذلك، حدث العكس؛ قضى النظامان الإيراني والسعودي على حركات التمرد القصيرة والمحدودة جدًّا في مهدها، ثم استغلَّا الاضطراب لبسط نفوذيهما. آخر شيء تريده كلتا الدولتين هو أن تدخل في حرب مباشرة مع الأخرى، ولذا فإنه على مدار عقود كانت لبنان ساحة بعيدة تختبر كل من الدولتين فيها قوة الأخرى من خلال أنصارهما من السنة والشيعة هناك. عندما اندلع تمرد الشيعة في شمال اليمن، قصفتهم السعودية بموافقة من الحكومة اليمنية، وكانت إيران تزودهم بالسلاح.1 أتاح الربيع العربي امتداد نطاق هذه اللعبة الكبرى إلى البحرين ثم سوريا. وحتى وإن تغير النظام في أي من الدولتين، فلن يملأ الفراغَ دعاةُ الديمقراطية الذين يفتقرون إلى أدنى مستويات التنظيم. بدلًا من ذلك، ومثلما حدث في تونس ومصر، ستظهر شراكة غريبة بين الإسلاميين مثيري الفتن والمتسلطين القدامى. ولكي يعززوا أجنداتهم شديدة التنوع — وإن كانت متوافقة في النهاية — سوف يبذلون قصارى جهدهم من أجل تحقيق مطالب ممولِّيهم الجدد المناهضين للديمقراطية في الخليج العربي.

وكما هو الحال في السعودية، يستمد النظام الإيراني نفوذه من ثروات النفط، والجهاز الأمني القمعي الشامل، والشعب شديد الإذعان والرجعية في الأغلب. وهذه النقطة الأخيرة في غاية الأهمية. معظم أهل الغرب يعرفون هذه الدول عبر مراسليهم الصحفيين ونشطائهم المؤيدين للديمقراطية الذين يستهدفون النخبة الليبرالية الناطقة بالإنجليزية. ولا علاقة لهذا بوجود مؤامرة كبرى. كل ما في الأمر أن معظم هؤلاء لا يتحدثون اللغات المحلية، وأنهم يفضلون لسبب مفهوم — متى تيسَّر لهم — تلافي المساعدين والمترجمين الذين تعينهم الحكومة. وحتى إن كانوا يعرفون أكثر، فإنه لا خيار أمامهم سوى تقديم النسخة التي يطلبها رؤساء التحرير في بلادهم، والتي تقول «إنهم يريدون الحرية مثلنا». الانطباع السائد هو أن الشعبين الإيراني والسعودي متعطشان للحريات القائمة في الغرب. لقد عشت في السعودية وزرت أماكن كثيرة في إيران، والحقيقة التي بدت لي تختلف كلية عن الرأي المتعارف عليه. فمعظم الشعب يلتزم الصمت لسبب ما؛ فلا وقت لديهم لثلة الليبراليين الذين يعيشون بينهم لا يكادون يُرون. والليبراليون في المقابل حانقون عليهم. التعليم الذي يجعل من الفرد ليبراليًّا لا بد أن يُنشد في الخارج، ومن ثم فإنه نادرًا ما يكون متاحًا أمام الشعوب في تلك البلاد. حتى المواطنون السعوديون الذين يطيقون إرسال أبنائهم إلى الخارج غالبًا لا تكون لديهم فكرة كيف يتقنون اختيار مدرسة في مدينة «هوبوكين» بولاية نيوجيرسي على سبيل المثال، وعادة ما يعود أبناؤهم لا يتقنون مشاهدة القنوات الإنجليزية أو استخدام اللهجات المحلية، بل بالكاد يستطيعون تهجي أسمائهم سواء بلغتهم الأم أم باللغة الإنجليزية. على العكس يعودون وفي رءوسهم أفكار أقل مما كانت لديهم عندما تركوا بلادهم.

للأسف تثور ثائرة هذه الشعوب على صغائر الأمور؛ مثل رسوم كرتونية مسيئة للنبي، أو فقرة يُزعم أنها تجديفية في كتاب لم يكن ليُقرأ في ظروف أخرى، أو مساس متوهَّم بالقرآن. ونتيجة لذلك فإنهم لا يثورون للمطالبة بالديمقراطية أو بمحاكمة عادلة داخل إحدى المحاكم للمدانين في تلك الجرائم المزعومة، بل يريدون الأخذ بالقصاص من الملحدين الملعونين، وخصوصًا أن ذلك يمنحهم فرصة نادرة للتنفيس عن إحباطاتهم في النوع الوحيد من المظاهرات التي تتساهل حكوماتهم في التعامل معها.

لدى إيران والسعودية مستويات مرتفعة من البطالة والفقر، والفساد متوغل فيهما، لكنهما لا تزالان قادرتان على تقديم دعم مادي هائل لتصدير أشكال الإسلام السياسي شديد التطرف. والسبب في ذلك مرة أخرى أنهما تحتفظان بقدر من الشرعية داخل الوطن باعتبارهما حماة الدين. أدخل رجال الدين المتشددون في رءوس شعوبهم فكرة أن الإسلام يحرِّم الخروج على الحاكم ما لم يَثبُت كفره. والمعارضة في كلتا الدولتين أكثر تشددًا من الأنظمة الحاكمة دائمًا.

في السعودية، تتألف المعارضة من رجال دين يريدون دولة أكثر أصولية، ويتهمون النظام بأنه أفسد المملكة بمبادئ الغرب المنحلة.2 وفي إيران توجد حركة معارضة أكثر نشاطًا يطلق عليها «الحركة الخضراء» احتلت الشوارع فترة وجيزة عام ٢٠٠٩. لكن هذه الحركة ليست أقل تشددًا إسلاميًّا من المعارضة السعودية. صوَّر هوس الصحافة الغربية بالثرثرة التي انتشرت بالإنجليزية على موقع «تويتر» «الحركة الخضراء» على أنها احتفال عام فتيٌّ يسعى إلى تحويل طهران إلى برشلونة الشرق الأوسط. لكني أرى أن مير حسين موسوي — زعيم المعارضة الذي اندلعت شرارة الاحتجاجات بسبب خسارته في الانتخابات الرئاسية — في واقع الأمر متشدد كالمتشددين. فهو يؤمن بأن النخبة الدينية الإيرانية قد خانت الأهداف الثورية لآية الله الخميني؛ الذي كان يومًا قرة عينه وخليفته المعيَّن.3 وهنا سيرد أحد الليبراليين بأن العكس صحيح، وأن الخميني هو الذي خان أهداف الثوريين عندما لجأ إلى تصفيتهم ثم أنشأ دولة دينية عفا عليها الزمن. يفضل موسوي — شأنه شأن راشد الغنوشي زعيم حركة «النهضة» التونسية — الظهور بالحلل الداكنة واللحية المحفوفة، واستخدام مصطلحات مثيرة عن الديمقراطية. في رأيي أن نسخته المفضلة من الديمقراطية لن تكون أقل تطرفًا مما يريد الغنوشي أن يفرضه في تونس. الواقع أنها ستكون دولة إسلامية متطرفة. لم يختر موسوي اللون الأخضر تعبيرًا عن الحركة لأنه تمنى أن يتزعَّم رهطًا بهيجًا من التقدميين المهتمين بالشأن البيئي. فللون الأخضر دلالة أخرى في الشرق الأوسط. ولمن لا يعرف هذه الدلالة، عليه أن يبحث عن «العلم السعودي» في محرك البحث «جوجل».
يتدخل النظامان الإيراني والسعودي دونما كلل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، ويدعمان سرًّا أو علانية الجهاديين سفاكي الدماء خارج حدودهما. المفارقة أنه بالرغم من التشابه الكبير بين طهران والرياض، فإن إحداهما تمقت الأخرى، ومصالحهما مع الغرب متعارضة بكل ما في الكلمة من معنى. ويرجع ذلك في الأغلب إلى العداء التاريخي بين السنَّة والشيعة مثلما أشرنا في الفصل السابق. لكن صراعهما الطائفي الأبدي يكون أكثر ما يكون تعقيدًا ممزوجًا بالغرابة في مواقفهما المختلفة تجاه كل من إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة. فالنظام التعليمي لدى الأسرة المالكة السعودية ينضح بنوع من الكراهية لليهود لم تُعرف منذ النازية.4 لكن الرياض تعمل جاهدة من أجل الحفاظ على الوضع الراهن في علاقتها مع إسرائيل، التي سيروق لها بقاء الأسرة الحاكمة السعودية في الحكم أبد الدهر. واشنطن هي الأخرى تتساهل مع السعوديين لأنهم — وبالرغم من كل رعايتهم لكراهية اليهود — لا يفرضون أي تهديد على الدولة اليهودية ما دام قادتهم العسكريون ومواطنوهم لا يتجاوزون حدودهم. وهكذا فلا واشنطن ولا تل أبيب تكترثان لدفع الرياض نحو تحقيق تغيير ديمقراطي. إيران — بالرغم من الأقلية اليهودية التي تتمتع بالحماية داخلها (لا تصدِّق ما يشاع عن اضطهاد اليهود) — بقيادة رئيسها الحالي محمود أحمدي نجاد متعهدة علنًا بتدمير إسرائيل ومولعة بعقد المؤتمرات حول إنكار الهولوكوست. ويشجِّع الشعب الإيراني أيضًا هذا الأمر بكل طاقته. فمعظم رجال الدين وأفراد الحرس الثوري الإيراني المتعصبين يفضلون الموت في سبيل حدوث ذلك. ومن هنا لا تكف واشنطن وتل أبيب عن توجيه النقد لسجل انتهاكات حقوق الإنسان والقيود المفروضة على الديمقراطية وحرية التعبير من جانب النظام الإيراني، في الوقت نفسه الذي تكفَّان فيه لسانيهما عن سجل المملكة السعودية الذي أراه أسوأ كثيرًا.
نتيجة ذلك أن السعودية مؤمَّنة بعلاقتها التكافلية مع الولايات المتحدة التي تقدم للرياض الدعم السياسي والعسكري، في مقابل تأمين تزويدها بالنفط، ودعم حروبها ومليارات الدولارات التي تنفق على شراء الأسلحة، وتفهُّم أن تأييد حق الفلسطينيين في إقامة دولة سيكون تأييدًا شكليًّا فحسب. إيران أكثر عرضة للخطر في علاقتها مع الولايات المتحدة، وإن كان غزو العراق قد زاد من تعقيد الأمور. فالعراق دمية في يد أمريكا، وهو أيضًا الدولة التابعة لإيران. يَعتبِر نوري المالكي — رئيس الوزراء المنتخب عبر انتخابات ديمقراطية والمفضَّل لدى واشنطن — نفسه نائبًا عن النظام الإيراني.5 وعندما يحزُب الأمر، سيكون صعبًا للغاية التنبؤ بالجانب الذي سيتخذه العراق في هذا الصراع العنيف. ففي حال نشوب صراع عنيف بين الغرب وإيران — بتصعيد الوضع من انتقادات متبادلة وتشاحن دائم منخفض الوتيرة إلى حالة حرب فعلية — يمكن أن يلحق الإيرانيون ضررًا بالغًا بالمصالح الأمريكية في العراق، الذي يتألف شعبه، ذو الأغلبية الشيعية، من أتباع مقتدى الصدر في الغالب، وهو واحد من أكثر رجال الدين عداءً للغرب في البلاد. وهكذا فالعراق بوصفه واحدًا من عمليات السياسة الخارجية كان كارثة على أمريكا أكبر بكثير من تصور الكثيرين، مثلما هو الآن الورقة الرابحة الوحيدة لدى إيران إلى جانب وكيلها في لبنان «حزب الله». كان صدام حسين — مثل العقيد القذافي في ليبيا — ملجَّمًا بالرغم من كل جنونه الواضح، ولذا لم يكن يمثل تهديدًا لأحد خارج حدود بلاده. وبعد عقد من الزمان أدت الإطاحة بصدام إلى وجود خطر أكثر وضوحًا على الوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة. لكن العراق لا يزال في مطلع عام ٢٠١١ متورطًا للغاية في مأزق ما بعد الغزو، حتى إن المتظاهرين الذين نزلوا إلى الشوارع أثناء الربيع العربي لم يتجاوزوا بضعة آلاف. مع ذلك فإنه مع هيمنة الإسلام السياسي في تركيا، تجد طهران نفسها معرضة لما يشبه حركة الكمَّاشة من التطرف السنِّي. وهذا الأمر يحمل النظام الإيراني على مضاعفة جهوده ثانية في دعم وكيليه في الخارج: الأول «حزب الله» في لبنان، والثاني الأكثر إلحاحًا نظام الأسد في سوريا.

•••

بدا حِلْف إيران وحزب الله وسوريا واضحًا عندما وصل المدد السريع والحاسم إلى الديكتاتور السوري بشار الأسد بعد الثورة التي اندلعت ضده. وردت التقارير الأولى عن تدخل إيران وحزب الله من «درعا»، وهي مدينة يسكنها نحو ٧٥٠٠٠ سوري جنوب غرب سوريا التي تعاني جفافًا دائمًا.6 سرعان ما أصبحت «درعا» — جنبًا إلى جنب مع مدينتي «حماة» و«حمص» الإقليميتين — بؤرة للاحتجاجات المناهضة للنظام. قال المتظاهرون إنهم سمعوا العديد من القوات الموالية للنظام التي هاجمتهم يتحدثون بعضهم مع بعض بلهجات لبنانية جنوبية وأيضًا بالفارسية الإيرانية، مما يشير إلى انتماء هذه القوات إلى كل من «حزب الله» وإيران.7 بالمثل زعم حزب «الإصلاح» السوري المعارض أن الحرس الثوري الإيراني المتردِّي السمعة؛ قد استولى على قاعدة عسكرية في «حمص»، بل إن أحد قادة الحزب زعم أن القوات السورية كانت تتلقى أوامرها من الحرس الثوري، فقال: «أصبحت سوريا المحافظة الثانية والثلاثين في إيران.»8 كانت للأحزاب المعارضة السورية الخبيرة باستغلال وسائل الإعلام، التي تتخذ من الغرب مقرًّا لها؛ أجنداتُها الخاصة. فهم يعرفون أن ربط إيران بالعنف الذي يستخدمه النظام السوري لن يسبب ضررًا في الحروب الدعائية، ما دام المستمعون أمريكيين. في الوقت نفسه قدمت إيران لسوريا حزمة مساعدات بقيمة ٥٫٨ مليارات دولار لإنقاذ النظام في أعقاب التدهور الاقتصادي الناجم عن الثورة، وهي بادرة يقال إنها تمت بموافقة الزعيم الروحي للبلاد آية الله خامنئي، فضلًا عن أن طهران كانت تمد سوريا بمائتين وتسعين ألف برميل من النفط يوميًّا دون مقابل.9 وفي مارس ٢٠١١، كشفت تركيا عن وجود أدلة مادية تقطع بالتدخل الإيراني في سوريا، حيث ذكرت أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أنها اعترضت شحنة أسلحة هائلة على طائرة شحن إيرانية متجهة إلى سوريا تتضمن أسلحة كلاشنكوف، ومدافع رشاشة، وكميات هائلة من الذخيرة، وقذائف هاون.10
في تلك الأثناء، ظهر حسن نصر الله — زعيم «حزب الله» اللبناني الشيعي المعارض الشهير والحليف المقرَّب من سوريا وإيران — في حديث تليفزيوني يدعو السوريين إلى دعم الأسد، ويطالب الدول العربية برفض العقوبات المقررة من الغرب على النظام السوري بدعوى قتل المتظاهرين. قال نصر الله: «ندعو جميع السوريين إلى الحفاظ على بلادهم والنظام الحاكم أيضًا — نظام المقاومة — ومنح قادتهم فرصة للتعاون مع كافة الفصائل السورية من أجل تحقيق الإصلاحات اللازمة. الفرق بين الثورات العربية وبين سوريا … أن الرئيس الأسد مقتنع بضرورة الإصلاحات على عكس الوضع في البحرين وغيرها من الدول العربية.»11 حاول نصر الله استغلال شعبيته الجارفة بين شعوب العالم العربي، التي تعتبره حامل مشعل هذه «المقاومة» التي يتحدث عنها في وجه التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وهو تحالف اعتاد الشارع العربي منذ زمن أن يلقي عليه باللائمة في كل أزماته. لكن بدلًا من ذلك انتهى الحال بانكشاف حقيقة نصر الله، وهي أنه خادم طهران الوفي الخنوع.
ينتمي بشار الأسد إلى حزب «البعث» الذي تقوم فلسفته على المزج بين القومية العربية والاشتراكية المبسطة، والذي يحكم سوريا بقبضة حديدية. إنها الدولة البوليسية الأكثر تدخلية في العالم العربي، وحالة الطوارئ قائمة بها منذ عام ١٩٦٣. وعلى نحو مماثل تمامًا لفكرة «الأخ الأكبر»، تنتشر ملصقات لوجه الرئيس — وهو ديكتاتور يفتقر إلى أدنى درجات الحضور حتى إنه يكاد يجعلنا نتوق إلى زمن الديكتاتور عيدي أمين — في كل شارع. وأي شخص يستخدم مقاهي الإنترنت عليه أن يقدم بياناته الشخصية كاملة، فضلًا عن مراقبة نشاطه على الإنترنت بالكامل. يخضع كل من التليفزيون والصحافة لرقابة مشددة من جانب الدولة، وجميع الصحف تصدر بموافقة من الحكومة. لكن سوريا — شأنها شأن تونس — بها تناقض غريب؛ فالنظام البعثي العلماني يجيز الحريات الشخصية ومن بينها الكحول والميسِر والدعارة. يبحث الرجال والفتيان الراغبون في ممارسة الجنس بعضهم عن بعض علانية في المقاهي والمنتزهات في دمشق؛ إحدى أكثر المدن تحررًا اجتماعيًّا في الشرق الأوسط.12 علاوة على ذلك، فليس للإسلاميين أي دور في الشئون السياسية للدولة. كل هذا يطرح هذا السؤال: ما الذي يجعل هذا النظام العلماني محبَّبًا هكذا لدى ملالي طهران؟

السبب الرئيسي هو النفعية السياسية لا شك؛ فسوريا هي قناة لنقل الأسلحة من إيران إلى «حزب الله» في لبنان و«حماس» في قطاع غزة. والسبب الآخر أن سوريا تهيمن عليها طائفة مغمورة اسمها «العلويُّون»، ويسمون هكذا نسبة إلى عليٍّ — رابع وآخر الخلفاء الراشدين الذين حكموا بعد النبي محمَّد — الذي يمجِّده الشيعة. ولهذا السبب عادةً ما يوصف «العلويون» بأنهم فرع من الشيعة، مع أن الشيعة الآخرين قد يعتبرونهم كفارًا وملحدين. تتسم عقيدتهم بالغموض وتُنقل سرًّا من جيل إلى جيل، لكن يُعتقد أنها تتضمن عناصر من المسيحية؛ مثل عبادة الثالوث والاحتفال بعيد ميلاد المسيح. تاريخيًّا تركَّز العلويُّون — الذين تحملوا قرونًا من الاضطهاد أثناء الحكم العثماني — في المناطق الساحلية المطلة على البحر المتوسط في سوريا. وفي الوقت الحاضر يشكل العلويُّون أقلية بنسبة ١٥٪ على أقصى تقدير من إجمالي الشعب السوري، و٧٠٪ من السوريين من السنَّة، والباقون مسيحيُّون في الأغلب. لكن عائلة الأسد من العلويِّين، شأنهم في ذلك شأن أغلب الطغاة البارزين في الجيش وقوات الأمن السورية. على مدار عقود صوَّر العلويون حكمهم العلماني — تصويرًا صحيحًا — على أنه حصن وقاء من التفكك الطائفي للبلاد، ووسيلة لتهدئة أولئك الذين يخافون أن يفرض العلويون دينهم على الأغلبية. تدرب الجهاز الأمني العاتي التابع للنظام على الاعتقاد بأن الطريقة الوحيدة لمنع سوريا من الانقسام القبلي والطائفي، ومن ثم الانزلاق إلى حرب أهلية دموية — هي مساندة العلويِّين العلمانيين ضيقي الأفق. تفسر هذه النبوءة ذاتيةُ التحقق بشأن النزاع الطائفي — إلى حد ما — السببَ في أن الجهاز الأمني الذي يهيمن عليه السنَّة قد ظل يساند الأسد بثبات أثناء الشهور الستة الأولى من اندلاع الاحتجاجات ضد نظامه. كان التحدي الجلل الوحيد الذي واجه حكم الأسد الأب انتفاضةً اندلعت في مدينة «حماة» عام ١٩٨٢ بقيادة الإخوان المسلمين. وكانت نتيجتها تلك المذبحة المروِّعة التي راح ضحيتها ما بين ١٧٠٠٠ و٤٠٠٠٠ متمرد، إلى جانب دكِّ المدينة، فيما قد يعد أكثر أعمال القمع بربرية، التي ترتكبها حكومة عربية حديثة ضد شعبها. تفسر تلك المذبحة الكثير من الغضب الذي ساد الاحتجاجات عام ٢٠١١ داخل المدينة نفسها، تمامًا مثلما دفعت مذبحة الإسلاميين في سجن «أبو سليم» في طرابلس عام ١٩٩٢ على يد القذافي؛ أقاربَهم إلى الثورة ضده.

كانت مذبحة «حماة» أيضًا من أكثر الأمثلة المروِّعة التي تبين كيف أن النظام السوري قد استغل هذا التخوف الدائم من الفتنة الطائفية، أو من استيلاء الإسلاميين على السلطة ليبرر قمعه الوحشي للمعارضة. وكما هو الحال في مصر وتونس، فإن تجاوزات النظام العلماني وانتهاكاته لم تفعل شيئًا سوى وصم العلمانية بالسوء، ومن ثمَّ إعطاء مصداقية لرأي الإسلاميين أن الزندقة كانت السبب وراء كل مصائب البلاد. على مدار عقود لم تنجح العلمانية في إثراء مخيلة النشء بشيء إلا بالدعاية البلهاء. والنتيجة أن الإسلام الأصولي تطوَّر من مجرد هوس لدى بضعة آلاف من المعاتيه شُعْث اللحَى، إلى أن صار البديل السياسي الوحيد المقبول الذي يمكن للعديد من السوريين اليوم التفكير فيه.

الآن في سوريا ترتدي نحو ٣٠ إلى ٤٠ بالمائة من نساء الحَضَر الحجاب، وتكاد تكون كل نساء الريف متشحات بالسواد تمامًا على الطريقة الوهَّابية.13 لم يكن يُسمع بذلك قبل عقد مضى. الواقع أنه جرت العادة على حظر ارتداء النقاب في المدارس والجامعات والأماكن العامة. وفي يوليو ٢٠١١، في ذروة الاحتجاجات، رُفع هذا الحظر، وأُغلق نادي القمار الوحيد في البلاد.14 تذبذب الأسد في بداية الانتفاضة التي اندلعت ضده ما بين تقديم التنازلات أو تصعيد القمع الوحشي إلى حدٍّ غير مسبوق. أُطلق سراح المسجونين السياسيين من السجون في إشارة لحسن النية،15 لكن يبدو أن هذه الخطوة أسفرت عن نتائج عكسية مثلما حدث في ليبيا، إذ شارك المتطرفون الذين أُطلق سراحهم حديثًا في الثورة المناهضة للحكومة. لكن الأسد يعرف أن الإسلاميين أشد أعدائه قوة وثباتًا. اتخذت المظاهرات صبغة إسلامية وطائفية متزايدة، على عكس كل تأكيدات المتحدثين باسم الثوار على موقع «فيسبوك». طورِد بعض العلويين وقُتلوا على يد حشد سني غاضب في «حمص»، وقال المسيحيون في المدينة نفسها إنه بالرغم من تأييدهم المظاهرات من البداية، فهم الآن يدعمون القوات الحكومية بعد أن شاهدوا نماذج من الفتنة الطائفية جعلتهم يخافون على حياتهم.16 أحد الشعارات التي هتف بها المتظاهرون في أبريل ٢٠١١ في مدينة القامشلي: «العلويون إلى القبر، والمسيحيون إلى بيروت.»17 أيضًا حدث تهجير للسوريين من غير أهل السنَّة من مدينة جسر الشغور. وفي الوقت الذي كانت فيه إمدادات الأفراد والأسلحة تتدفق إلى النظام السوري من إيران و«حزب الله»، كان الإرهابيون المتطرفون من السنة — الذين يزداد انخراطهم مع المتظاهرين يومًا بعد يوم — يحصلون على إمدادات الأسلحة عن طريق لبنان وتركيا.18 ولهذا السبب كانت هناك مظاهرات حاشدة تأييدًا للنظام في دمشق وثاني المدن السورية حلب، التي لم تشهد طوال الأشهر الستة الأولى من الانتفاضة مظاهرات كبرى ضد النظام.19 ربما لم يكن المتظاهرون المؤيدون للأسد يحبون الرئيس ذا الوجه الطويل وأتباعه، لكنهم كانوا يقدِّرون حكمه العلماني ويخشون عواقب وصول الإسلاميين إلى السلطة حال سقوطه.
بالرغم من ذلك لم يبدِ الأسد أي نية للتخلي عن السلطة. تشير الأحداث وقت كتابة هذه السطور أنه سيجد وسائل أخرى يحاول من خلالها إيقاف المعارضة، وهو ما يعني في الأغلب استخدام العنف ضد شعبه. فعندما رأى أن تنازلاته لعامة الإسلاميين أخفقت في تحقيق الأثر المراد، يبدو أنه قرر المخاطرة بكل شيء. ضاعفت القوات الحكومية قوتها في قمع المتظاهرين. ففي أول أغسطس ٢٠١١، قصفت مدينة «دير الزور»؛ مما أسفر عن مقتل ٤٢ شخصًا على الأقل، وقطعت الكهرباء عن معقل الإسلاميين «حماة»، التي بقيت في حالة حصار دائم؛ لأنها أصبحت بؤرة لانطلاق المظاهرات (مثلما كانت عام ١٩٨٢). حينها تحرك أنصار الحرية والديمقراطية أصحاب المبادئ رابطو الجأش أفراد الأسرة المالكة السعودية. وفي بادرة جسورة، استدعت الرياض سفيرها في دمشق. صرح الملك عبد الله غاضبًا في بيان له: «ما يحدث في سوريا لا تقبل به المملكة العربية السعودية.» وقال إنه ينبغي لسوريا «تحكيم العقل قبل فوات الأوان، وطرح وتفعيل إصلاحات لا تغلِّفها الوعود، بل يحققها الواقع. إما أن تختار بإرادتها الحكمة، أو أن تنجرف إلى أعماق الفوضى والضياع.»20 مثَّل هذا البيان اللحظة التي تحول فيها الربيع العربي إلى مسرحية هزلية؛ فقد كانت دعوة آل سعود النظام السوري إلى تنفيذ إصلاحات جدية، واحترام حقوق الإنسان أكثرَ السُّتُر منافاة للعقل من أجل التغطية على مزيد من المناورة الجغرافية السياسية. كان السعوديون يهدفون إلى عزل سوريا — حليف إيران العربي الوحيد — في الوقت الذي يقوون فيه شوكة المعارضة السنِّية داخل سوريا نفسها تحسبًا للإطاحة النهائية بالأسد ونخبته الأقلية التي يهيمن عليها العلويُّون. يبدو أنه كانت للثورة جذور شعبية أصيلة، إذ جذبت الناس من مختلف المهن والتخصصات إلى الشوارع في العديد من المناطق الأقل تحضرًا. لكن في الوقت الذي سحبت فيه الرياض سفيرها من دمشق، كانت تعرف أن ثورات عربية شعبية أخرى مشابهة — من تونس ومصر إلى اليمن — قد مهدت الطريق بدون قصد لظهور الإسلاميين كقوة مهيمنة. كل ما كانت تحتاجه هو أن تضمهم إلى صفِّها. من المرجح أن تتبع سوريا ما بعد الأسد نفس النهج، والرياض مستعدة للتحالف مع حكومة سورية جديدة بقيادة سنِّية تكون أكثر عداءً لإيران. واحتمال كهذا لن يكون خبرًا سيئًا لواشنطن؛ فلطالما أطاعت المملكة العربية السعودية — مثلما رأينا — أوامر واشنطن في المنطقة بصدر رحب. يفضل السعوديون أن تستولي أغلبية سنِّية على السلطة في سوريا بسلاسة. وحتى في ظل الاحتمال البعيد أن يتم ذلك بسلاسة، فإن استيلاءً آخر على السلطة مدعومًا من السعودية للإخوان المسلمين وحلفائها السنة الأكثر تطرفًا — سيكون عقبة في انتشار الديمقراطية. سوف يعني سقوط النظام السوري نهاية نظام ديكتاتوري وحشي — كغزو العراق لدى المدافعين عن «عقيدة» بوش — لكنه سيعني أيضًا نهاية الدولة العربية العلمانية الباقية الوحيدة، ومن ثم نهاية العلمانية في العالم العربي.
كما هو الحال دائمًا، أخذت واشنطن جانب السعوديين ضد إيران. فقد أعلن أوباما — بعد أن مهَّد خادمه السعودي الوفي الطريق بسحب سفيره من دمشق — في بيان مشترك مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل ضرورة رحيل الأسد. برر زعماء العالم الحر بيانهم مستشهدين ﺑ «الإدانة واسعة النطاق» من جانب الحكام العرب الآخرين الذين حذوا حذو الرياض وضغطها الواضح في سحب سفيرها من دمشق.21 وبالطبع أسفر هذا الاستعراض المذهل للحنكة السياسية الدولية عن تضييق الخناق على الأسد. وفي اليوم التالي ظهر الأسد في بث تليفزيوني يحذر الدول «القريبة والبعيدة» — على ما يبدو كي يضم التحذير تركيا ذات الحكم الإسلامي التي استضافت المعارضة السورية — من أي تدخل «ستكون عواقبه أكبر من أن تتحمله هذه الدول».22 من المرجح أن يتشبث الرئيس السوري بالسلطة عن طريق الاستبداد المطلق، بعد أن استعاد جيشه السيطرة من خلال أعمال القتل والتهديد، لكن ستضطر سوريا عندها إلى البقاء في ظل عقوبات الغرب المعجِزة، مما يزيد اعتمادها على حليفتها الوحيدة طهران. بدلًا من ذلك، قد تنزلق البلاد إلى حرب أهلية دموية ممتدة مثلما حدث مع الجارة اللبنانية في السبعينيات من القرن العشرين. ومثلما كان الحال في تلك الحرب المروعة، من المرجح جدًّا أن يكون الصراع في سوريا وحشيًّا للغاية. وفي ظل التعتيم الإعلامي، فلا أحد في الغرب يعرف — بأي درجة من اليقين — ما كان يحدث في سوريا حقًّا في ٢٠١١. فمن دون المعلومات الجديرة بالثقة، اعتمد المراسلون الغرب كعادتهم على تدوينات «تويتر» باللغة الإنجليزية، وهذه قد يكتبها أي شخص، ومن غير الوارد أن تكون معبرة عن صوت الشعب في دولة تتحدث العربية.
قد يشكل صعود الإسلام السياسي في سوريا تهديدًا كبيرًا. ومرة أخرى توجد هنا مفارقة؛ فقد شارك نظام «البعث» الحاكم في الخطاب المناهض لإسرائيل، لكنه لم يفعل شيئًا على أرض الواقع؛ فمنذ عام ١٩٦٧ لم يطلق النظام طلقة واحدة في اتجاه إسرائيل. واقع الأمر أن سوريا في حالة حرب مع إسرائيل منذ ذلك الحين، لكن وضعها الحربي استُغل في الأساس لتبرير حالة الطوارئ داخل سوريا نفسها. بعبارة أخرى، لم يكن الخطاب المناهض للصهيونية سوى غطاء للقمع الداخلي، بل إنه كانت هناك دعوات داخل إسرائيل لمساندة الأسد؛ لأن مذهبه العلوي ربما يجعله آخر شريك للدولة اليهودية في المنطقة بأسرها، وأحد أسباب ذلك أن هذه الطائفة — وفقًا لما يقوله ناقل هذا الخبر — تتبنى بعض الطقوس اليهودية والمسيحية أيضًا.23 لكن إذا تولى الإسلاميون السنَّةُ السلطةَ، فسوف يُقرَن الخطاب المناهض لإسرائيل في النهاية بإجراء سياسي وربما عسكري. ومن المرجح أن يُبعد النظام الحاكم الذي يقوده السنة والمتحالف مع السعودية سوريا عن نفوذ إيران وحمايتها. لكن كما في لبنان — حيث آل الحريري وكلاء عن السعودية — لا توجد أي ضمانات بأن السعوديين هم من سيمسكون بزمام الأمور.

•••

بعد شهور من التأييد المستتر، وجهت إيران أول انتقاد علني لنظام الأسد في نهاية أغسطس ٢٠١١. ففي بيان تشابه كثيرًا مع البيان الذي صدر في الوقت نفسه عن حسن نصر الله في لبنان، دعت إيران النظام السوري الحاكم إلى أن يستمع إلى «بعض» مطالب شعبه ويبدأ في تنفيذ الإصلاحات. وكحال التحرك السعودي، لم يكن الدافع هو حقوق الإنسان. يبدو أن إيران انتبهت إلى مدى الضعف الذي كان يعتري موقفها. ففي حالة الإطاحة بالأسد، سوف تخسر طهران لمصلحة السعودية حليفًا سياسيًّا مهمًّا تنتقل عبره المساعدات إلى «حزب الله» و«حماس» في قطاع غزة. لكن هناك سببًا آخر لم يُفهم جيدًا في الغرب؛ أن إيران نفسها دولة شديدة الانقسام على نفسها ما بين النزاعات الدينية والطائفية. وكثيرًا ما يشير المعلقون الغرب إلى أن النزاع الطائفي في سوريا قد يمتد تأثيره إلى لبنان، لكن خطر امتداده إلى إيران أكبر.24
نصف الشعب الإيراني البالغ تعداده ٧٠ مليون نسمة فارسي العرق، والنصف الثاني أذربيجانيون، وأكراد، وعرب، وتركمان، وبلوش، ولوريون. وهذا التنوع الهائل لا يجعل من إيران دولة قومية، بقدر ما يجعلها إمبراطورية متعددة الجنسيات يهيمن عليها الإيرانيون، مثل السعودية التي يهيمن عليها الوهابيون الذين غزوا أراضيها المختلفة في العشرينيات من القرن العشرين، ثم فرضوا تقاليدهم الدينية وأعرافهم على الجميع. يجمع بين الأقليات العرقية في إيران شعور عام بالاستياء متهمين حكومة طهران المركزية بالتمييز والتجاهل. أسفرت استراتيجية التنمية بالغة المركزية في طهران عن فجوة اقتصادية اجتماعية كبيرة بين المركز والمحيط الخارجي إلى جانب التوزيع غير المتكافئ للسلطات والموارد الاجتماعية الاقتصادية والأوضاع الاجتماعية الثقافية. شهد العقد الأخير زيادة في الصراع — الذي تؤججه هذه المظالم الاقتصادية والثقافية القديمة — بين هذه المجموعات الكبيرة من الأقليات العرقية مثل الأكراد والتركمان.25
منذ زمن والمحافظون الجدد يعتبرون هذا التوتر العرقي في إيران فرصة لتحقيق هدفهم في الإطاحة بالنظام عن طريق التمويل السري لجماعات المعارضة والمنشقين المسلحين، ربما بالاشتراك مع حملة لقصف المنشآت النووية للبلاد. ومن المرجح أن يزداد تأثير هذا الجانب من السياسة الجغرافية الداخلية في إيران أكثر في السنوات المقبلة، وربما يكون تفكك إيران واحدًا من أكثر تداعيات الربيع العربي تأثيرًا. أولى صناع القرار السياسي في الغرب على مر التاريخ قليلًا من الانتباه لهذا الصراع العرقي الخطير في إيران، لكنهم بدءوا يعيرونه اهتمامًا أكبر بحلول منتصف العقد الأول من القرن العشرين. ووفقًا لنشطاء إيرانيين منفيين يقال إنهم مشتركون في مشروع بحثي أمريكي سرِّي، بدأت وزارة الدفاع الأمريكية دراسة عمق النزاعات العرقية في وجه الحكومة الإسلامية وطبيعتها. أبدت وزارة الدفاع الأمريكية اهتمامًا خاصًّا بمعرفة هل إيران عرضة للانقسام المشوب بالعنف بفعل عوامل الضعف نفسها التي تقسم العراق، والتي ساعدت في تفكيك الاتحاد السوفييتي مع انهيار الشيوعية. وقد خلص خبراء المخابرات الأمريكية إلى أن هذا البحث ربما يحدد المراحل الأولى في وضع خطة للطوارئ حال الهجوم البري على إيران، أو يكون محاولة لتقدير آثار النزاع في المناطق الحدودية الإيرانية على الجنود الأمريكيين المتمركزين في العراق وعلى التسلل إلى العراق عبر إيران.26 زعم صحفي التحقيقات سيمور إم هيرش أن الأمريكيين لديهم بالفعل قوات على الأراضي الإيرانية،27 مع أنه من الوارد أن يكون هيرش — ككثيرين غيره في هذه الحالة — هدفًا لتلاعب المصادر التي يستقي منها معلوماته في واشنطن، كجزء من حربهم النفسية ضد إيران. في غضون ذلك عقدت مؤسسة بحثية محافظة في واشنطن مؤتمرًا حول إيران قيل إنه أثار لغطًا بين الجماعات المعارضة المغتربة، وخاصة بين القوميين الإيرانيين. عُقد المؤتمر تحت عنوان «حالة أخرى للفيدرالية؟» مع أن رئيس المؤتمر أنكر أنه يسعى إلى إثارة النزعة الانفصالية.28
عندما تولى الرئيس أحمدي نجاد السلطة عام ٢٠٠٥، قطع على نفسه هو وفريقه الوزاري وعدًا انتخابيًّا بزيارة المحافظات الإيرانية جميعًا في العام الأول من تولي السلطة؛ لحل المشكلات المحلية القائمة منذ حين، التي يتعلق معظمها بالعِرق والدين. وكمعظم الوعود الانتخابية التي يقطعها السياسيون في كل مكان، لم يسفر هذا الوعد عن شيء، وفي نهاية عامه الأول في الحكم، كان قد زار نحو نصف تلك المحافظات فحسب. والواقع أن عددًا منها صار محظورًا عليه بسبب التوترات العرقية والطائفية المتصاعدة؛ إذ كانت إيران في ذلك الوقت تشهد أسوأ أحداث العنف العرقي في تاريخها الحديث.29 لا ينكر النظام الديني الإيراني علنًا مخاطر الطبيعة متعددة الأعراق للبلاد، لكن البيانات العامة الرسمية الصادرة من كبار رموز النظام تلقي بلائمة أي بوادر للاضطراب على «التدخل الخارجي». ففي اليوم الذي تلا إغلاق الحكومة صحيفةً إيرانية تابعة للدولة؛ بسبب نشرها رسومًا كرتونية محرضة على التمرد تشبِّه الأذربيجانيين بالصراصير،30 لجأ أحمدي نجاد — كما كان متوقعًا — إلى السياسة المجرَّبة والمختبَرة، الممثلة في اتهام أمريكا وحلفائها بتدبير المؤامرات لإثارة النزاع العرقي، الذي سيزعزع استقرار البلاد. صرح أحمدي نجاد في خطاب أذيع على الهواء عبر تليفزيون الدولة: «على الولايات المتحدة وحلفائها أن يعرفوا أنهم لن يستطيعوا إثارة الانقسامات والخلافات عبر محاولات بائسة بين الأمة الإيرانية الحبيبة.»31 بالمثل كثيرًا ما أُلقي باللوم على بريطانيا — الممقوتة على نطاق واسع من الإيرانيين حكومة وشعبًا بسبب تدخلها الدائم في الشئون الداخلية الإيرانية — في أحداث العنف التي تشهدها «خوزستان»، وهي منطقة ثرية بالنفط جنوبي غرب إيران تتاخم العراق، ويسكنها عرب إيرانيون تجمعهم روابط قبلية وأيضًا تاريخية وثيقة بالعرب العراقيين عبر الحدود.32 لكن خلف الكواليس، تناقش الحكومة الإيرانية الأسباب الفعلية للنزاعات العرقية مناقشة أكثر تعقلًا. فقد حذَّر المجلس الإسلامي للبحوث — وهو مؤسسة بحثية حكومية إيرانية — في أحد التقارير الصادرة عنه أن البلاد ستواجه اضطرابًا داخليًّا أشد خطورة، ما لم تتعامل الحكومة مع مطالب أقلياتها العرقية. وأشار التقرير إلى تحديين مهمين: البطالة بين الشباب من جميع الأعراق والأقاليم التي ذكر أنها ستؤجج في النهاية مشاعر الحنق تجاه طهران، والفقر بين الجماعات العرقية غير الإيرانية في المناطق الحدودية، وهي الجماعات المعرَّضة على مر التاريخ للاستغلال الخارجي.33 فالأذربيجانيون والأكراد والعرب والتركمان والبلوش تربطهم علاقات بالشعوب المجاورة في أذربيجان والعراق وتركمانستان وأفغانستان وباكستان، وجميعها دول إما تكِنُّ عداءً قديمًا لآيات الله أو بها قوات أمريكية وغربية أخرى. ونكرر القول إن هذا الاضطراب الداخلي هو تهديد واضح لسيطرة الحكومة الإيرانية على أراضيها وشعبها، وأصدق مثال على ذلك محافظة «خوزستان» الجنوبية الغربية التي تمثل عصب الاقتصاد الإيراني بما فيها من موارد النفط والغاز والماء الهائلة.
عام ٢٠١١، وكما لو كان تأكيدًا على أسوأ مخاوف طهران، اجتاح الربيع العربي «خوزستان». ذكرت إحدى الجماعات المعارضة هناك — «منظمة تحرير الأحواز» — أن «آلاف» المواطنين الأحواز المحتجين قد قُتلوا على أيدي الحرس الثوري. ولا يعرف أحد مدى ارتباط هذا الزعم بالحقيقة أو بالحروب الدعائية. لكن الجدير بالانتباه على وجه التحديد الوسيلة التي أعلنوا من خلالها عن تصريحهم، وهي جريدة العرب الدولية المملوكة للسعودية «الشرق الأوسط».34 يميِّز سهولَ «خوزستان» الشاسعة وهجُ الغاز في العشرات من منصات حفر النفط التي تمد طهران بنحو ٨٠ بالمائة من دخلها من إنتاج النفط الخام. ويمثل الاضطراب بين المجموعات العرقية العربية هنا — حيث موطن الكثيرين من عرب إيران البالغ عددهم مليوني نسمة — تهديدًا داخليًّا بالغ الخطورة على طهران، لأنه وبالرغم من الموارد الطبيعية الهائلة في المحافظة، فإنها تصنَّف بين أكثر محافظات إيران فقرًا وأقلها تنمية. وهنا تبدو إيران صورة مطابقة من المملكة العربية السعودية حيث تتمركز الأقلية الشيعية في المنطقة التي تنتج معظم النفط — «المنطقة الشرقية» الفقيرة في الأغلب — ومن ثم تعاني وطأة الاضطهاد المتعنت من جانب الحكومة المركزية. «خوزستان» التي تضربها الرياح وتلفحها الشمس هي واحدة من مناطق العالم المعرضة لنكبات مستمرة على ما يبدو مثل أجزاء من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأفغانستان. تعرضت المحافظة للقصف الشديد من جانب العراق أثناء الحرب الإيرانية العراقية في الفترة ما بين عامي ١٩٨٠ و١٩٨٨ عندما دُمِّرَت مدنها الرئيسية. وحديثًا في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لم يكن بالعاصمة «الأحواز» فندق لائق؛ عندما وصلتها عام ٢٠٠٦ للإقامة بها أسبوعًا، استُقبلْت بالرائحة الكريهة لإحدى قنوات الصرف الصحي المفتوحة بالقرب من المستشفى الرئيسي. يتشابه هذا الأمر أيضًا مع النكبة السعودية، حيث العديد من الشوارع إلى يومنا هذا تطفح بمخلفات الصرف الصحي، بالرغم من العائدات النفطية الخيالية.
إدمان المخدرات أيضًا من المشكلات الكبرى في «الأحواز». ففي المساء، تعج ضفاف النهر بمجموعات من المدمنين يناقشون تقدمهم — أو ضعف تقدمهم — نحو إعادة التأهيل تحت إشراف أخصائيين اجتماعيين. لكن قبل الحرب مع العراق، كانت المحافظة من أكثر المحافظات الإيرانية تطورًا. وعندما تعرضت لغزو العراق عام ١٩٨٠ على أمل استغلال فوضى ما بعد الثورة للاستيلاء على حقول النفط، صور صدام نفسه على أنه محرِّر عرب «خوزستان». ومع أن كثيرًا من العرب في المدن الحدودية دعموا العراق علانية، لم تفعل الأغلبية في أماكن أخرى؛ ربما لأنهم كانوا شيعة شاهدوا ما يتعرض له أقرانهم الشيعة في العراق من اضطهاد على يد نظام صدام البعثي العلماني. شكا لي المواطنون العرب أنه بسبب ولاءاتهم المنقسمة أثناء الحرب الإيرانية العراقية زادت نظرة طهران لهم على أنهم طابور خامس محتمل، ومن ثم عانوا سياسة تمييز شبه رسمية. في إحدى قرى العرب التي تبعد ثلاثة أميال عن «الأحواز» — التي أقلَّني إليها سائق سيارة أجرة يتحدث العربية وكان معاوني المعيَّن من الحكومة نائمًا في الفندق — تمر أنابيب النفط مباشرة بين البيوت المتداعية لحمل النفط من منصات الحفر القريبة إلى معامل التكرير قرب الخليج العربي. قال لي مواطن شاب يعمل مهندسًا في إحدى منصات الحفر: «لا نتمتع بأي حرية هنا. نقف على كل ثروات البلاد، لكن لا نستفيد منها بشيء.»35 وسرعان ما تجمع مجموعة من الرجال من قريته في فناء منزله ليشاركوني مظالمهم. قالوا إن الفارسية هي اللغة الوحيدة التي تدرَّس في مدرسة القرية مع أن كل الطلاب عرب، وأنه غير مسموح بنشر صحف ناطقة بالعربية داخل المحافظة. زعموا أيضًا أنهم يعانون مستويات من البطالة والفقر أعلى بكثير مما يعانيه الفارسيون. قال أحدهم: «تقول الحكومة إننا خائنون.» وأضاف أنه هو ومعظم أفراد عائلته متعطلون عن العمل، مؤكدًا: «لكننا إيرانيون. الحكومة في طهران هي الخائنة، لأنها تنكر علينا حقوق المساواة.»
كنت الصحفي الغربي الوحيد الذي زار تلك المحافظة منذ سنوات. وفي وقت الزيارة، لم يكن ثمة دليل على الشعور بالعداء تجاه الغرب، بل ساد شعور عام بالإثارة بين من تحدثت إليهم عن اهتمام الغرب بمحنتهم. خيِّل إليهم أني في بعثة استطلاعية من الحكومة البريطانية. كان النظام الحاكم في طهران ممقوتًا للغاية، حتى إن رجلًا أخبرني — وكأني سأمرر المعلومة لرؤسائي البريطانيين الذين أرسلوني للتجسس — أنه يرحب بالقوات البريطانية لتحررهم في حال ما قرروا مد نطاق غزوهم من العراق. كان يعرف أن القوات البريطانية في العراق تتمركز في الأغلب بجانب الحدود مباشرة في مدينة البصرة الجنوبية العراقية. مع ذلك انتقد جميعهم غزو العراق نفسه. كان التعليق الذي سمعته مرارًا هو: «ما جدوى الديمقراطية والحرية في ظل غياب الأمن؟» قبل أن أصل هناك مباشرة، أودت سلسلة من التفجيرات في «خوزستان» بحياة واحد وعشرين شخصًا في أعقاب احتجاجات ضد الحكومة، ولم تتوان الحكومة في اتهام خمسين عربيًّا. ذُكر أن عشرين على الأقل قُتلوا وأصيب المئات في الاحتجاجات. ذكرت منظمة العفو الدولية أن قوات الأمن أعدمت الكثيرين ممن قُبض عليهم بعد محاكمات عاجلة.36 لم يكن مستوى الاحتجاجات ليلفت انتباه الأجانب على الأرجح، لولا مقطع فيديو للاحتجاجات التقطه فريق عمل قناة الجزيرة التليفزيونية، الذي نجح في الوصول إلى «خوزستان»، وترتب عليه وقف الجزيرة من البث من داخل المحافظة.37 الأمر الذي أثار ثائرة المحتجين كان خطابًا مسرَّبًا منسوبًا إلى نائب الرئيس الإيراني السابق محمد علي أبطحي، يكشف مخططًا لطرد العرب من المحافظة؛ ليحل الفارسيون محلهم. اضطر الرئيس أحمدي نجاد نفسه إلى إلغاء ثلاث رحلات إلى «الأحواز» في آخر لحظة. كان سوء الأحوال الجوية السبب المعلَن رسميًّا في كل مرة، لكن يرجح أن التهديدات الأمنية كانت السبب الحقيقي؛ فقد وقع واحد من أسوأ التفجيرات — أودى بحياة ثمانية أشخاص — قبل ساعات من إلقاء الرئيس خطابًا أمام حشد عام. وفي تقليد فريد من نوعه للعدالة الشعبية الإيرانية، أُعدم علنًا رجلان عربيان — كانا قد أُدينا في يناير ٢٠٠٦ في تفجير بنك أودى بحياة ستة أشخاص — بتعليقهما في أحد الأوناش في «الأحواز». في اليوم الذي سبق إعدامهما، ذُكر أن ثلاثة عرب إيرانيين آخرين قد أُعدموا في أحد السجون المحلية، وقالت جماعات المعارضة في الخارج إن المزيد من المواطنين العرب يواجهون الموت. الأكثر غموضًا من ذلك كان اشتعال النيران في أنابيب نفط رئيسية تمد مصفاة «آبادان» بالنفط الخام على شاطئ الخليج العربي بعد أيام قليلة من تنفيذ أحكام الإعدام، فيما كان يعد عملًا تخريبيًّا على الأرجح.38 تعرضت أنابيب نفط أخرى في «خوزستان» للتفجير، وتوقَّف مد النفط مؤقتًا، فيما أعلنت طهران أنها أحبطت محاولة لتفجير مصفاة «آبادان» باستخدام خمسة صواريخ كاتيوشا.39 ذُكر أن بعض زعماء قبائل الأحواز العربية مزوَّدون بالسلاح من جانب النظام الحاكم للمساعدة في حماية المنشآت النفطية. ونتيجة لذلك فإن لديهم معرفة مفصَّلة بالبنية التحتية لخطوط النفط، بحسب ما ذكرته «جمعية الصداقة البريطانية الأحوازية»، التي تضغط لمصلحة العرب هناك.40 لن يكون من الصعب إقناعهم بتقديم ما لديهم من معلومات وتوجيه أسلحتهم نحو أهداف أخرى. ووسط العقوبات الدولية المستمرة المفروضة على برنامج الأسلحة النووية الإيراني المزعوم، بالكاد تستطيع طهران تحمل أي عطل كبير في عملية مد النفط في «الأحواز».
تمثل مصفاة «آبادان» نحو ٣٠ بالمائة من إجمالي طاقة إيران في تكرير النفط، وهي حقيقة لم تغب عن «القاعدة»، التي قيل إنها وجهت تركيز حملتها في الخليج العربي وقت التفجيرات إلى تخريب المنشآت النفطية.41 ولا يزال المسئولون الإيرانيون حتى اليوم يلقون بلائمة العنف في «خوزستان» على الجماعات المنشقة المغتربة التي تدير نشاطها من العراق، وهم غاضبون من سماح كندا وبريطانيا وأمريكا لهذه المجموعات المعارضة المقيمة بها بممارسة عملها بحرية. فستون محطة تليفزيونية وإذاعية على الأقل تُبَثُّ إلى المحافظة من مختلف أنحاء العالم. وقد قال لي محسن فاروق نجاد نائب محافظ «خوزستان» عندما التقيته: «هذه المجموعات تحرض على الأعمال الإرهابية وتزيد الموقف اشتعالًا بنشر أخبار مغلوطة. لماذا تسمح تلك الحكومات الغربية لها بفعل ذلك في الوقت الذي تزعم فيه أنها تحارب الإرهاب؟» يبدو للبعض في بعض الأحيان أن «حركة الأحواز» — وهي حركة شهيرة أخرى تعمل من كندا وتدير قناة تليفزيونية تحظى بنسب مشاهدة عالية — تدنو من المناداة بثورة شعبية مسلحة، وإن كان هذا غير مؤكَّد.

•••

من الواضح أنه يوجد الكثيرون من العرب في «خوزستان» لا يزالون يسمعون هذا النداء باستهداف نقطة الضعف الإيرانية في المنطقة. فلو أن سوريا تفككت بفعل العنف الطائفي والديني، فهنا — في مركز صناعة النفط في البلاد — سيواجه النظام الإيراني أخطر تداعيات الانقسام. وفي هذه الحالة، سوف يحب الغرب تذكية النزاع. لكن المغتربين المنفيين كانوا على حق عندما قالوا إنه سيكون خطأً جسيمًا للغرب أن يحاول توريط نفسه في الصراعات العرقية الإيرانية من أجل تحقيق مكسب سياسي وعسكري على المدى القصير. فاستنادًا إلى سابقة تاريخية، سيسفر ذلك في الأغلب عن موجة من القومية الإيرانية ورد فعل عنيف شامل ضد أي مجموعة أقلية يُرى أنها تتواطأ مع الدخلاء. حتى الإيراني العربي المغترب أمير طاهري — والمؤيد المتحمس لسياسات المحافظين الجدد التدخلية في الشرق الأوسط — حذر من أن إشعال الضغائن العرقية والطائفية ليس صعبًا، وربما يعجِّل سيناريو انقسام يوغوسلافيا بسقوط الجمهورية الإسلامية، لكن هذا الأمر سوف «يطلق العنان لقوى أكثر توحشًا يمكن أن تزج بالمنطقة كلها في سنوات — بل عقود — من الأزمات الدموية.»42 على كل حال، لا تسعى أي من الجماعات العرقية الإيرانية — باستثناء الأكراد — الآن للانفصال عن الدولة الإيرانية. مؤكَّد أن للعنف الذي تشهده المناطق النائية مثل «خوزستان» مقومات عرقية، لكن الأسباب الأهم التي لها علاقة بالفقر والبطالة، والتي تثير حنق أفراد هذه الجماعات العرقية؛ هي فساد الحكومة، وانعدام الكفاءة، والشعور العام بالفوضى، وهي أسباب لا بد لكل الإيرانيين — بمن فيهم الفارسيون — مواجهتها. وبدلًا من أن تسعى واشنطن إلى الاستغلال العلني للنزاعات العرقية من أجل المطالبة عديمة الجدوى بتغيير النظام الإيراني الحاكم في أعقاب الربيع العربي، ينبغي لها التحرك بحذر شديد. فتداعيات انفجار عرقي في إيران سوف تجعل الحرب الدينية والقبلية والإقليمية في كل مكان في المنطقة تبدو وكأنها ضرب من اللهو.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠