نجيب محفوظ وجائزة نوبل

١

بفوزه أضاف إلى رصيد جائزة نوبل اسمًا جديرًا بالاحترام. كانت الجائزة في السنوات الأخيرة قد بدأت تفقد هيبتها أمام العالم، حين وصلت إلى أسماء أقلُّ ما توصف به أنها لا تستحق جائزة محلية.

ولكن أسماء مثل ماركيز وسونيكا ونجيب محفوظ تعيد إلى الجائزة بريقها السابق؛ بريق الجدارة. وستظل هناك عشرات الأسماء في العالم؛ من بينهم أدباءُ عربٌ آخرون، يستحق أصحابها هذا التكريم الرفيع.

على أية حال، فإن فوز نجيب محفوظ بالجائزة يدفع إلى دائرة التأمل الواسع والعميق بعض الملاحظات، وأولها العالمية. ماذا تعني عالمية الأدب من خلال تجربة نعرفها جميعًا لكاتب يعيش بيننا في بلد عربي هو مصر، في عاصمة عربية هي القاهرة؟

كان نجيب محفوظ طالبًا في قسم الفلسفة بجامعة القاهرة، حتى نَقل إلى العربية — من قبيل التدريب على اللغة الإنجليزية — كتابًا عنوانه «مصر القديمة»، لمؤلف اسمه جيمس بيكي عام ١٩٣٢م. وقد طبعت له «المجلة الجديدة» هذا الكتاب الصغير الذي وزعته على قرَّائها بمناسبة العطلة السنوية. كان رئيس تحرير هذه المجلة هو المفكر الكبير سلامة موسى. ومن خلال قراءتنا لثلاثية «بين القصرين»، التي نُشرت للمرة الأولى بين عامَي ١٩٥٦م و١۹٥۷م، نتعرف على قصة لقاء نجيب محفوظ بسلامة موسى، وهو الشخصية التي تسمى في الرواية «عدلي كريم». كان نجيب منذ التحق بكلية الآداب عام ١٩٣٠م حتى تخرُّجه منها عام ١٩٣٤م، قد أصبح عمليًّا محررًا شبه ثابت في «المجلة الجديدة»، يكتب في الفلسفة مقالات أشبه ما تكون بالتعريف والعرض الموضوعي المحايد. ولكنه بطبيعة الحال كان قريبًا من الأفكار العامة لسلامة موسى حول الاشتراكية والعلم والوطنية المصرية، التي كانت تعبر عن نفسها في ذلك الوقت تعبيرًا رومانسيًّا مباشرًا بالعودة إلى التاريخ الفرعوني لمصر. لقد كتب عبد الحميد السحار وعلي أحمد باكثير وعادل كامل، وحتى عادل الغضبان اللبناني — الطرابلسي الأصل — مؤلفاتٍ فنيةً عديدة في المسرح والرواية والقصة القصيرة والشعر، بإيحاء من مصر الفرعونية. ولم يشذَّ نجيب محفوظ — الذي يماثلهم في النشأة الاجتماعية، من حي الجمالية (ولد في ١١ /  ١٢ / ١٩١١م) في قاهرة المعز بالقرب من سيدنا الحسين — عن هذا التيار الذي كتب فيه مجموعة من القصص القصيرة، صدرت فيما بعدُ تحت عنوان «همس الجنون» عام ١٩٣٨م، ثم رواياته الثلاث «عبث الأقدار» ١۹٣۹م، «رادوبيس» ١٩٤٣م، و«كفاح طيبة»، ١٩٤٤م. وكلها أعمال تستلهِم أحداثًا وحكاياتٍ من مصر القديمة.

وقد نُشرت روايته الأولى بمحض الصدفة، فقد كان سلامة موسى يظن طول الوقت أنه أمام طالب مجتهد في الفلسفة يُعِد نفسه «للوظيفة» والترفيه عن النفس بالكتابة الفلسفية، أو، في أقصى التقديرات، الكتابةِ الاجتماعية. وفعلًا كاد نجيب محفوظ أن يصبح فيلسوفًا، فقد كان ترتيبه في التخرج من الجامعة متقدمًا. كان أحد الثلاثة الأوائل على قسم الفلسفة، ولكن اسمه كان مطابقًا لاسم أشهر طبيب ولادة في مصر؛ هو نجيب محفوظ باشا. وبالفعل، فقد تسمى الطفل نجيب محفوظ عند ولادته باسم هذا الطبيب الشهير؛ أي بهذا الاسم المركب «نجيب محفوظ»، بينما اسم والده هو عبد العزيز. وقد نشر بعض مؤلفاته الأولى باسم نجيب محفوظ عبد العزيز. ولكن اللجنة التي شُكلت، في كلية الآداب قسم الفلسفة، لاختيار اثنين للسفر في بعثة إلى فرنسا لدراسة الفلسفة والعودة للعمل في هيئة التدريس الجامعي، استبعدت نجيب محفوظ من البعثة بالرغم من تقدمه، وكانت المفاجأة أن «نجيب» لم يفُزْ بالبعثة، وحُرِم من استكمال دراساته العليا والعمل في الجامعة. وإنما اشتغل موظفًا في وزارة الأوقاف.

وكان سلامة موسى يسأله ماذا سيفعل، حين قال له ببساطة: «إنني أتسلى وأكتب بعض الحكايات في أوقات الفراغ.» استوقفه سلامة مستفسرًا: «تقول حكايات؟ أنت تكتب الأدب؟» أجابه: نعم. طلب منه نموذجًا مما يكتب، فأحضر له مسودة «عبث الأقدار». وقد فوجئ نجيب محفوظ — وحياته ستصبح جملة مفاجآت — ذات يوم من أيام ١٩٤٣م؛ وأحدهم يطرق عليه الباب ويحمل بكلتا يديه مجموعة كبيرةً من نسخ «عبث الأقدار» مطبوعة. كانت هذه النُّسخ هي أول ما تقاضاه من «أجر» على عمل روائي.

لم تكن الروايات الثلاث التي استلهم فيها التاريخ والأدب المصري القديم أعمالًا «فرعونية» ولا أعمالًا تاريخية. لم تكن فرعونية بمعنَى أنه لم يكن يبحث فيها عن حياة المصريين القدماء، وإنما كان يبحث في حياة المصريين المعاصرين. ولم تكن أعمالًا تاريخية؛ لأنه لم يقصد إلى صياغة التاريخ القديم صياغةً روائية، كما فعل وولتر سكوت في الأدب الإنجليزي وجورجي زيدان في الأدب العربي. وإنما كان نجيب محفوظ كأحد أبناء الوطنية المصرية المتوقدة في القلوب المطحونة تحت وطأة الاحتلال البريطاني «يستنجد» — كغيره من أبناء جيله — «بالأمجاد» القديمة لمواجهة الحضارة القاهرة الوافدة. وهو أيضًا — كأحد أبناء الطبقة الوسطى المصرية التي شاركت في ثورة ١۹١۹م من أجل الجلاء والدستور — كان «يستنجد» مرةً أخرى، كأبناء جيله، بالديكور الفرعوني؛ حتى يضلل العيون الحكومية عما تقوله أعماله في العمق إذا تعرت للقارئ، على انفراد، من الثياب المصرية القديمة. كان نجيب محفوظ قد اختار رموزه السياسية والاجتماعية في وضوح لا يقع تحت طائلة القانون، ضد العرش وفساد نظام الحكم.

ولكن نجيب محفوظ «الموظف» البيروقراطي قد تعلَّم الإصغاء عميقًا لنبض الشارع الشعبي منذ كان طفلًا في الحارة، وعلَّمته البيروقراطية الانضباط والنظام والبعد عن وجع الدماغ. وإذا كان سلامة موسى قد تولى تربيته الفكرية-الاجتماعية، إلى جانب الجامعة، وإذا كان قد شجعه على الكتابة عمومًا وعلى كتابة الرواية خصوصًا، فقد كان طه حسين وعباس محمود العقاد من أهم الذين ساهموا في صياغته العقلية والنفسية. أخذ عن طه حسين العقلانية والتفاعل الخصب مع الغرب، وأخذ عن العقاد (القديم) تمردَه واعتداده بنفسه ككاتب. ولكن الأعمال «الروائية» لطه حسين والعقاد لم يكن لها أي دور في حياته الأدبية. بل كان هذا الدور من نصيب توفيق الحكيم، فقد كان نجيب محفوظ في السنة الجامعية قبل النهائية حين قرأ «عودة الروح» و«يوميات نائب في الأرياف»، وهما الروايتان اللتان حفرا في وِجدانه وعقله أخدودًا عميقًا سيشكِّل فيما بعدُ مستقبلَه «الحقيقي»؛ على حد تعبيره.

لم يكن توفيق الحكيم بعيدًا عن مصر القديمة أو الوطنية المصرية، بل هو أحد دعاتها، أحد الكبار الذين أثمرتهم ثورة ١٩١٩م وطبقتها الوسطى التي كانت تكافح من أجل الجلاء والديمقراطية، من خلال الدعوة الفكرية إلى مصر التاريخية والدعوة الموازية إلى الحضارة الغربية. هذه المعادلة التي تبدأ من الشيخ رفاعة الطهطاوي (وتجربة محمد علي) والإمام محمد عبده (والثورة العرابية)؛ هي معادلة التراث والعصر، معادلة النهضة. وكان التراث عند هذه الشريحة الصاعدة من شرائح الطبقة الوسطى هو التاريخ الرأسي لمصر: القديمة، اليونانية، الرومانية، القبطية، الإسلامية، إلى الزمن المعاصر لثورة «الاستقلال والديمقراطية». كان توفيق الحكيم إذن ابن ثورة ١٩١٩م وطبقتها الوسطى ونهضتها بالتراث التاريخي الرأسي والتحديث الغربي.

ولكن توفيق الحكيم الذي راكم التراث كالطبقات الجيولوجية في المسرح؛ بدءًا من «أهل الكهف»، قد شق طريقًا آخر للرواية، لا علاقة له بالرداء الفرعوني أو أي رداء مشابه. هذا الطريق كان مزيجًا من الرومانسية التي تستلهم الحب والبطولة والمجد والموت والطبيعة والإشارات الأوزيرية والمحاورات مع مفتش الآثار الأجنبي في «عودة الروح»، والواقعية التي تستلهم إطارها المرجعي من الريف المصري بغموضه وجرائمه. هذا المزيج من الرومانسية والواقعية عند توفيق الحكيم دفع نجيب محفوظ إلى الخروج من الشرنقة الفرعونية، والتحليقِ كالفراشة بين طزاجة الواقع المحيط ومباشرة الأفكار الاجتماعية الوافدة مع المتغيرات الحثيثة في المجتمع المصري. كانت الخريطة الطبقية تتبدل، والمشهد الاجتماعي يستضيف عناصر جديدة من فئات العمال وصغار المزارعين والمثقفين الجدد والخمائر العقائدية الساخنة: مصر الفتاة، الإخوان المسلمون، الشيوعيون، بالإضافة إلى حزب الوفد. وتمكَّن نجيب محفوظ من الانفلات من أسْر الشرنقة التاريخية المحنطة والانطلاق إلى «القاهرة الجديدة». وهو اسم روايته التي نزع فيها الأقنعة وأسقط الديكورات، وسمى الأشياء بأسمائها. وهي الامتداد «المديني» ليوميات نائب في الأرياف؛ رواية توفيق الحكيم. ومن الطرائف الأدبية في تاريخ الثقافة المصرية، أنه حين أعيد طبعُ هذه الرواية بعد أكثر من عشر سنوات في ظل الثورة الناصرية، فإنها طُبعت باسم «فضيحة في القاهرة»، كان العهد الجديد قد وجد في الرواية نقدًا حادًّا للعهد السابق.

ولكن هذا العهد السابق هو الذي كتَب فيه، وعنه، نجيب محفوظ أعمالَه الكبرى التي توَّجتها ثلاثية «بين القصرين». لقد تصدى الكاتب في هذه الأعمال لمختلف البنى الاجتماعية-الثقافية في تاريخ «النهاية»، التي امتدت بين سقوط الخلافة العثمانية وسقوط النازية والفاشية (١٩١٧–١٩٤٤م. هي المساحة الزمنية في الثلاثية). وبالرغم من أن ما يسمى بالحياد الموضوعي كان سمة «الفن» في الكتابة المحفوظية، وما يزال، إلا أن تشريح النظام السياسي والاجتماعي قبل الثورة كان بالغ الوضوح والحسم، ومع ذلك فقد ربح بعد صراعٍ جائزةَ المجمع اللغوي عن روايته «خان الخليلي»، التي صدرت للمرة الأولى عام ١٩٤٦م. وكان عباس العقاد هو الذي وقف إلى جانبه في مواجهة الذين استشعروا الفزع من هذا اللون الجديد في الكتابة.

ولكن نجيب محفوظ الذي كتب بعدئذ «زقاق المدق» ١٩٤٧م و«السراب» ١٩٤٨م و«بداية ونهاية» ١٩٤٩م، كان قد بدأ عمله الكبير في الثلاثية التي أنجزها عمليًّا عام ١٩٥٢م عشية ثورة يوليو مباشرة. ولم يُتَح لهذا العمل النشرُ إلا بعد الثورة بعامين وعلى حلقات في مجلة «الرسالة الجديدة»، ثم في ثلاثة مجلدات بين عامَي ١٩٥٦م، ١٩٥٧م.

وتوقف نجيب محفوظ تمامًا عن الكتابة الأدبية سبع سنوات بين عامَي ١٩٥٢م و١٩٥٩م، حين بدأ «الأهرام» ينشر روايته الكبرى «أولاد حارتنا» على حلقات. وقد أثار الصمت الطويل والنشر الشعبي الواسع في «الأهرام» جدلًا طويلًا بين المؤرخين والنقاد. ولكن نجيب محفوظ نفسه لم يترك فجوةً للتأويل إذ كرر القول إنه توقف عن الكتابة حينذاك؛ لأن المجتمع تغير ولم تعُد الكتابة القديمة ممكنة الاستمرار، فالكثير مما كان يدعو إليه من الاستقلال إلى العدل الاجتماعي؛ قد حققته الثورة. وقد احتاج إلى مرحلة استيعاب وتمثُّل لما يجري؛ حتى يستطيع أن يستأنف الكتابة.

وهكذا تكرر المشهد: قبل أن يكتب «القاهرة الجديدة» كان قد خطط لأكثر من رواية «تاريخية» جديدة. وقد مزق هذه التخطيطات كلها حين جثَم الواقع الفاسد المستبد على صدره وصدور الناس؛ بحيث لم يعُد القناع أو الديكور ممكنًا. وبدأ يكتب أعماله الجديدة. وحين قامت الثورة كانت لديه خططُ عدةِ روايات، مزَّقها أيضًا حين رأى الواقع من حوله يتغير.

هذا يعني أن نجيب محفوظ لا يهمه أن يكتب رواية «جيدة الصنع» بقدر ما يُهِمُّه أن يكتب رواية «ضرورية». وهو على استعداد أن يُحرق أو يمزق عدة تخطيطات روائية جميلة وجذابة، طالما أن الواقع نفسه قد تجاوزها. ليس المهم هو الكتابة بحد ذاتها، فالأهم ماذا نكتب. هذا هو الدرس الأول للصمت الذي دام سبع سنوات، كان فيها نجيب محفوظ يعيش واقعه ويدرُسه ويعيد قراءته بعمق. وكان يستطيع، وهو الموظف الحكومي، أن يؤيد أو ينافق. كان يستطيع أن يفعل ذلك بوجاهة وأناقة وخبث «الفن»؛ فينقد الماضي. ولكنه لم يفعل؛ نقد ذلك الماضي حين كان «حاضرًا». الفنان يهرب أحيانًا في نقد الماضي، وهو موظف حقًّا، ولكنه شجاع، بل هو يستغل الوظيفة ويُخضِعها ويحتمي بها في وقت واحد.

أما النشر الشعبي الواسع في «الأهرام»، فإن الفضل فيه يعود لمحمد حسنين هيكل الذي بدأ عمله في المؤسسة الجديدة عام ١٩٥٧م، بأنْ جعل منها جامعة شعبية جلب لها أكبر الأساتذة والعقول والخبرات. وكان من بينها، بطبيعة الحال، نجيب محفوظ. فوجئ قرَّاء «الأهرام» ذات يوم بخبر في صدر الصفحة الأولى يقول إنه سينشر رواية مسلسلةً عنوانها «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ. وكان نجيب محفوظ في ذلك الوقت ينشر أعماله في حدود خمسة آلاف نسخة، باستثناء بعض الأعمال التي نشرها له «الكتاب الذهبي» في عشرة آلاف نسخة. وهذه هي المرة الأولى، بعد مجلة «الرسالة الجديدة» الشهرية المحدودة الانتشار، التي ينشر فيها على نطاق واسع في جريدة يومية كبرى.

وكانت «أولاد حارتنا» ولادة جديدة لاسم نجيب محفوظ على مختلف المستويات … فقد كانت، بعد سنوات الصمت السبع، تناقش أعمق هموم الإنسان في أي مكان، وخاصةً في الزمان الناصري الذي تناقضت عقائدُه مع أيديولوجيات اليسار والإخوان المسلمين، فزُجَّ بالجميع في المعتقل. في هذا الوقت تمامًا، عاد نجيب محفوظ إلى الكتابة إلى تأصيل هذه السيرة الروائية للدين والعلم والاشتراكية. ولم يكن هذه المرة محايدًا، فقد وقف إلى جانب العلم والعدل في إطار ميتافيزيقي، إن جاز التعبير عن بنيته الروائية.

وقامت القيامة في الأوساط المحافِظة قبل الانتهاء من نشر الرواية. طلب البعض محاكمته، وطلب آخرون وقف الرواية. اعترض الأزهر، وثارت المظاهرات. ولكن هيكل رفض إيقاف النشر، ونُشرت الرواية كاملة. أما صدورها ككتاب في مصر فقد كان مستحيلًا. كان الحل الوسط إذن هو استمرار نشرها في «الأهرام» ومنْع نشرها في كتاب. ومن الطريف المأسوي في وقت واحد أن هذه الرواية التي نوهت بها لجنة نوبل ما زالت مصادَرةً رسميًّا في مصر حتى الآن.

كانت الرواية فاتحة الانتشار الكبير لنجيب محفوظ الذي لم يكن يعرفه إلا بضعة آلاف. وكانت بالنسبة له نهاية وبداية؛ نهاية القلق الذي طحن كمال عبد الجواد في الثلاثية، وبداية القلق الذي راح يطحن سعيد مهران في «اللص والكلاب» ١٩٦١م، وعيسى الدباغ في «السمان والخريف» ١٩٦٢م، وصابر الرحيمي في «الطريق» ١٩٦٤م، وأنيس في «ثرثرة فوق النيل» ١٩٦٦م، ومنصور باهي في «ميرامار» ١٩٦٧م. كلهم أسماء مختلفة «للمنتمي» المأزوم في عصر جديد، وهي الأزمة التي انتهت بالهزيمة في ذلك التاريخ. هناك كتب نجيب محفوظ «حكاية بلا بداية ولا نهاية» ١۹۷١م و«المرايا» ١۹۷۲م، يودِّع بهما دنيا الناصرية التي كادت تحقق الاستقلال، وكادت تحقق العدل، ولكن غياب الديمقراطية كان بمثابة «كعب أخيل» أو العكس شعر شمشون، فذاك الكعب كان نقطة الضعف المركزية في النظام الذي سقط، وذاك الشعر كان نقطة القوة فحلَقوه ليلًا، وتحطَّم المعبد على الرأس وعلى الجميع.

طيلة ذلك الوقت المجيد المأسوي، كان نجيب محفوظ ينقد الثورة من داخل البيت الآيل للسقوط. يعنُف النقد أو يهدأ، يغمُض أو يتضح، ولكنه النقد … حتى إن «ثرثرة فوق النيل» كادت تتسبب فيما لا تُحمد عقباه؛ إذ إن عبد الحكيم عامر أوغر صدر عبد الناصر ضد الكاتب وطالب بتأديبه. ولولا أن عبد الناصر استشار ثروت عكاشة، ولولا أن هذا الرجل النبيل قرأ الرواية وأخبر عبد الناصر أن الرواية «نقد بناء»، وأن حرية التعبير يجب ألا تُخدَش، ولولا موافقة عبد الناصر على هذا الرأي، لدفع نجيب محفوظ ثمن نقده الشجاع والجليل غاليًا.

لم يغير نجيب محفوظ جلده من مرحلة إلى أخرى، فهو ابن الوطنية المصرية وثورة ١٩١٩م؛ ومن ثَم فالاستقلال والحرية هما رايتُه … ظلت مصر التاريخية والحضارة الغربية هما «التراث والعصر» في معادلته الروائية. ولم يكن ممكنًا لذلك مساومته في مسألة الديمقراطية على الإطلاق؛ ولذلك استمر واحدًا من النادرين في الدفاع الجَسور عن الحريات، حتى كانت الهزيمة التي أسقطت معادلة النهضة من جذورها.

ولكن نجيب الذي لم يتوقف عن الكتابة طيلة السنوات العشرين الأخيرة، أي: في مرحلةِ ما بعد الهزيمة، قد استطاع في «ملحمة الحرافيش» أن يخلق الاستثناء في حياة الكتاب العظام … فليس من كاتب يتجاوز مقتضيات التاريخ، ومع هذا فقد استعاد الروائي الكبير «قوته» الأولى بهذه الملحمة الروائية التي تشكِّل اختراقًا للأعمال الخمسة والعشرين التي كتبها بعد سقوط النهضة، وكأنه ما يزال يكتب الثلاثية وأولاد حارتنا، عن مصر والهموم البشرية، وفي مقدمتها الحرية.

هذه الحرية الإنسانية، قيمة القيم، التي عاش من أجلها نجيب محفوظ حياة أعظم من جائزة نوبل التي تستعيد الآن مصداقيتها حين يقبَلها نجيب محفوظ، ملك الرواية كما توجته «لوموند»، منذ عامين ولكن الذين توَّجوه في الحقيقة هم ملايين العرب من المحيط إلى الخليج.

٢

هل كنا نحتاج إلى جائزة نوبل حتى نعترف لأنفسنا بالعالمية؟ أم العكس، كانت الجائزة باحتياج حقيقي إلى أمثال نجيب محفوظ حتى تعترف لنفسها بالإنسانية؟

نخدع أنفسنا إلى غير حدٍّ إذا جرفنا الغضب أحيانًا من الطابع السياسي لجائزة نوبل، إلى حد القول بأنها فقدت قيمتها … فرصيدها من عظماء الضمير البشري ما زال يجعل منها «معيارًا» يخطئ ويصيب، ولكنه معيار العطاء الإنساني الذي يقدمه العلم أو الأدب أو السياسة في عالمنا.

وفي هذا الإطار نقول نعم، كنا بحاجة إلى جائزة نوبل حتى نعترف لأنفسنا بالعالمية، وحتى تعترف الجائزة لنفسها بالإنسانية.

اعترافنا لأنفسنا يختلف كليًّا عن اعتراف الآخرين بنا، فالثقة بأننا جزء من العالم، من همومه العميقة وأشواقه وطموحاته، من الكنوز النادرة التي تتأسس، في حال الحصول عليها، قدرتُنا في شحذ ملَكاتنا وأحاسيسنا حتى «نعطي» أقصى ما في طاقاتنا الخبيئة من خصوبة ورؤًى. أما اعتراف الآخرين بنا، فهو تالٍ لاعترافنا بأنفسنا.

من هنا، فحصول نجيب محفوظ على الجائزة يعني، ضمن ما يعنيه، أن الإبداع الثقافي لمصر يملك ما يعطيه للعالم ويستحوذ على كل المؤهلات التي تزكيه لأن يكون جزءًا لا يتجزأ من «إنسانية» هذا العالم.

هذا تعديل هام لمعنى «العالمية» الشائع لدى الكثيرين منا. إن نجيب محفوظ لم يترجَم إلى الفرنسية ترجمةً طليقة من دور النشر الاستشراقية إلا منذ عامين. وكل ما تُرجم إلى هذه اللغة حتى الآن هما الجزءان الأول والثاني من ثلاثية بين القصرين، بالإضافة إلى الترجمة السيئة الحظ لرواية «زقاق المدق»، التي بقيت نُسخها في مكتبة واحدة طيلة ربع قرن. وهو في الإنجليزية ليس كاتبًا معروفًا خارج حدود الاستشراق في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. أما أعماله في اللغة الروسية، فهي عديدة وشعبية، ولكنها، لأسباب سياسية، ليست مؤثرة في دوائر الغرب الثقافي.

لذلك يجب أن نستبعد من «العالمية» مسألة اللغة.

ونجيب محفوظ ليس جزءًا من التراث اللاتيني أو الأنجلو-ساكسوني؛ حيث هناك آلاف الأدباء الأسيويين والأفارقة ومن أمريكا الجنوبية يكتبون مباشرة في الإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية.

نجيب محفوظ ابن مصر واللغة العربية وحضارتها. وإذن فليست «عالميته» أنه منخرطٌ في الحضارة «الغربية» بتنويعاتها المختلفة. إنه بالطبع مثقف معاصر، يقرأ في أكثرَ من لغة ويتفاعل مع تيارات الفكر والفن في العالم، وهو من الذين عايشوا الثقافة الغربية معايشةً عميقة، في الجامعة وخارجها، ولكن لحظة الإبداع شيء آخر؛ إنها لحظة الانتماء الحضاري إلى وطن وأمَّة، وهو في انتمائه ليس«تابعًا» بين الأطراف إلى «مركز» هو الغرب. وليس هناك في أدب نجيب محفوظ — خيالًا وتركيبًا وأدواتٍ فنية ورؤًى — ما يشير إلى هذا النوع من «الإيمان» بمركزية الغرب.

وإنما هناك العكس تمامًا؛ هناك «الكفاح» الفني والفكري من أجل الاستقلال، سواء بهذا الولع التاريخي إلى حد التصوف بمراحل النضال الوطني للشعب المصري، أو بمحاولة استخلاص الرواية المصرية من براثن «التمصير» و«الترجمة بتصرف». وهي المحاولة التي ارتادها توفيق الحكيم ثم توقف بسرعة عن كتابة الرواية وآثر التأليف المسرحي. أما نجيب محفوظ فقد أسس الرواية المصرية باللغة والشخصية والحدث والموقف والسياق. كان عمله الأساسي هو تأسيس «استقلال» الرواية المصرية؛ أي: تأصيلها في الأرض الوطنية، ولم يعتبرها، كالكثيرين، فرعًا في شجرة الرواية الغربية. هذا خيال وذاك خيال آخر. والفرق هو بين الإبداع الوطني وبين الحصول على الجنسية الأدبية لبلد آخر. قد يكون هذا البلد أكثر نظافةً وأكثر جمالًا، ولكنه ليس بلدنا، ليس «نحن».

ومع احترامنا الكبير لكلِّ من حصل على جائزة نوبل من أقطار العالم الثالث، وهم جميعًا، وغيرهم من أبناء الحضارات غير الغربية، يستحقونها عن جدارة واستحقاق، فإن «نحن» هذه لا تنطبق حرفيًّا بحذافيرها إلا على نجيب محفوظ.

إنه الرجل الذي تخصص تقريبًا في مدينة واحدة هي «القاهرة» — باستثناء روايتين تدور أحداثهما في الإسكندرية — العاصمة التي لم يغادرها إلى الخارج في حياته إلا مرتين لأيام معدودات، إحداهما في يوغسلافيا والأخرى في اليمن.

إنه إذن لم يكن عضوًا في نادي الثقافة الغربية؛ سواء بالإقامة أو التنقل في العواصم الأوروبية والأمريكية أو بالمشاركة في المؤتمرات والمهرجانات «الدولية». إن أعمالًا أدبية كثيرة قد نُقلت بواسطة العلاقات الحميمة مع دوائر الثقافة الغربية إلى اللغات «الحية» لمن هم أدنى بما لا يقاس من قامة نجيب محفوظ. وبعضهم حصل على الشهرة «الغربية» والجوائز الأوروبية.

ولكن نجيب محفوظ هو الذي نال جائزة نوبل. وهو إذا لم يكن فرعًا من شجرة الحضارة الغربية، فإن هذا الأمر لا يعني أنه مقطوع من شجرة. إن جملة أعماله الروائية والقصصية هي خاتمة المطاف من مواليد الإبداع الثقافي المصري واللغة العربية؛ ولذلك، فقد بات ضروريًّا أن نعترف لأنفسنا بأن هذا الينبوع المحلي، الوطني القومي، هو أحد الينابيع الإنسانية للضمير العالمي. بالرغم من كل ما نعانيه من تخلُّف وفقر، فإن عقلنا الجمعي ووجداننا الحضاري هو أحد مصادر «القيمة» و«المعيار» الإنسانيَّين في عصرنا. ولا يجب أن نَلوكَ هذه الكلمات كالشعارات، فالوعي العميق بها ينشد الانعتاق من أسْر الكثير من العقد و«الإيمانات» المغلوطة. هذا عن المنبع.

أما عن النهر، ذلك النيل العظيم الذي يسمى نجيب محفوظ، فقد أكد بما يقطع الشك أن العالمية ليست التجريد أو التعميم، وإنما هي التجسيد العميق للخصوصية، فالتعمق في جزء محدود من الكرة الأرضية، كمدينة القاهرة، هو نوع من الحفر المتصل حول الجذور المحلية، التي تبلغ بالصبر والدأب والموهبة والخبرة الحدودَ القصوى للطرف الآخر من الكرة الأرضية؛ أي العالم.

نجيب محفوظ لم يخرج من مصر ولا عن مصر، لم يخرج من القاهرة ولا عن شرائح الطبقة الوسطى التي وُلد فيها وعاش معها، ولكن هذه الحدود الجغرافية التاريخية البشرية لم تكن حدودًا للمعرفة أو الوعي الإنساني، لعله العكس تمامًا؛ فهذه الحدود الضيقة كانت العينةَ التي أتاح له الحفر الهادئُ الذكي أن يصل إلى أغوارها وأدقِّ شعيرات جذورها، فإذا بها في خاتمة المطاف هي أغوار «الإنسان» وجذور «البشرية». من دون هذه المحلية العميقة لا مجال للوصول إلى الإنسانية الشاملة.

هؤلاء هم الكتَّاب العظام في التاريخ، فدستويفسكي وتولستوي وزولا وديكنز وبروست بلزاك من آباء الرواية؛ هم روس وإنجليز وفرنسيون حتى الأعماق؛ لذلك كانوا «عالميين»؛ أي إنسانيين.

ونجيب محفوظ الذي كشف للعالم أن إبداع مصر العربي هو أحد ينابيع القيمة والمعيار، جسَّد في الوقت نفسه أننا من هذا المكان، وفي هذا الزمان، رغم كل ما يعتوِرُنا من نقص وضعف، جزء لا ينفصل عن الضمير البشري العام والحضارة الإنسانية المعاصرة.

وهكذا يجوز لنا القول إن نوبل قد فاز بجائزة نجيب محفوظ، الذي أعاد إلى الضمير الأدبي للعالم أحدَ موازينه المفقودة.

٣

لن تضيف جائزة نوبل إلى نجيب محفوظ شيئًا، ولكنها ستثير أمام النقد عدة إشكاليات، فضلًا عن أنها قامت بتصفية حقيقية لكثير جدًّا من الأحكام النقدية التي قيلت بحق أدب نجيب محفوظ، خاصةً حين اختلطت الحدود بين الأدب والسياسة اختلاطًا متعمدًا من جانب الذين يتشدقون ليلَ نهار — ويا للمفارقة — بالحداثة.

لنقل أولًا إن الإشكالية الأولى التي ستثيرها جائزة نوبل في وعي النقاد العرب المعاصرين هي «إنسانية» أدب نجيب محفوظ. والمقصود بها في هذا السياق هو ما أومأت به لجنة الجائزة من أن أدب هذا الكاتب يخاطب البشرية بأسرها. لم تكن هذه «الحقيقة الأدبية» غائبة عن الكثيرين، ولكن في مجال الاعتراف بهذه القيمة لا بد من مراجعة التحليلات الاجتماعية الشائعة لأدب نجيب محفوظ. الفرق كبير بين من يكتب عن «البرجوازية الصغيرة» يخصها بالخطاب الروائي ملتزمًا بحدود وعيها، وبين من يكتب عما «يعرفه ويراه ويُحسُّه ويلمسه ويشمه ويتذوقه» مخترقًا هذا كله — الشديد الخصوصية — إلى ما هو عام ومشترك بين بني الإنسان، ويوجه الخطاب إلى بني وطنه وأمته والبشرية، ملتزمًا بالوعي الذي يتجاوز الضمير الاجتماعي للشريحة الطبقية التي صورها. نجيب محفوظ كتب ملحمته في نصف قرن عن أوساط الناس وأحيانًا صعاليكهم في مدينة محددة في القاهرة، وأحيانًا حي أو اثنين من أحيائها. ولكنه، من خلال هذا الزمان وذاك المكان المحددَين للغاية، كان يخاطب — بنائيًّا وفكريًّا — البشرية ملتزمًا بوعيٍ آخر غير الوعي والبرجوازي الصغير. هذه قضية لا بد من مراجعتها في نقدنا «الاجتماعي» الشائع واستخلاص النتائج المترتبة على ذلك، لا بالنسبة لنجيب محفوظ فقط، وإنما بالنسبة لنظرية الأدب ومناهج النقد.

أما الإشكالية الثانية فإنها تخص ما اصطلحنا على تسميته بالشكل. ولقد ساد النقدَ العربي الحديث ميزانٌ يقول بأن القالب الروائي الذي كتب فيه نجيب محفوظ وغيره هو قالب أوروبي مستورد. ووصل الأمر بالبعض أن يقرر في حسم واطمئنان أن أدب نجيب محفوظ هو محاكاة لرواية بلزاك وأحيانًا رواية إميل زولا. وحين ترجم محفوظ إلى الفرنسية قال أحدهم إن الفرنسيين سيقولون «بضاعتنا ردت الينا.» ولكن هؤلاء الفرنسيين أقبلوا على الجزئين الأوَّلين من الثلاثية، على ضخامتهما، إقبالًا منقطع النظير، قبل أيِّ بصيص من الأمل في جائزة نوبل، ونفدت النسخ منذ عام خلال ستة أشهر من طرحها في أسواق فرنسا وحدها. وجاءت لجنة نوبل لتقول إن هذا الروائي أنشأ فنًّا عربيًّا في القص. ولم نكن، أو هكذا نفترض، بحاجة إلى هذا التوصيف القادم مع ضجيج الجائزة ودويِّها، لو التفت النقد في بلادنا إلى أن الخصوصية — عند الكاتب الموهوب — لا تتجزأ، وأن عالمية التعبير صادرة عن عالمية الرؤية والتفكير، وكلاهما صادر عن المحدد والخاص والملموس. لقد «تثقف» نجيب محفوظ على الآداب الإنسانية ثقافة رفيعة، ولكنه كصاحب موهبة كبرى لم يكن من الممكن أن «يحاكي» هذا أو ذاك من أدباء العالم. لم يستورد، شكلًا، فالاستيراد، بالمناسبة، لا يتجزأ إلى شكل ومضمون. وملعونة هذه الثنائية المبسطة التي كانت ذات يوم مجرد أداة إجرائية للتشريح والتحليل، فإذا بها تتحول إلى بنية معرفية. نجيب محفوظ عبقري الحارة المصرية قرأ أجمل الروايات العظيمة في تاريخ الإنسانية. ولكنه في البداية والنهاية كان، وما يزال، يقرأ الحارة المصرية في لغتها وبشريتها وأحوالها ومعمارها. وقد كتب أعماله بهذه الحارة ومنها وفيها وعنها ولها؛ فكانت هي البناء الذي يستحيل رده إلى أي كاتب آخر مهما تأثر بالجميع. منتهى الخصوصية الجمالية أوصلت صاحبها إلى الذوق العام في كل مكان.

هذه قضية أخرى جديرة بالمراجعة واستخلاص النتائج الموضوعية المترتبة عليها.

جائزة نوبل في شمولها إذن هي جائزة لمصر والثقافة العربية. وليس صحيحًا أن أي كاتب يستطيع أن يكون بحجم الوطن والأمة التي ينتمي إليها. هناك أدباء كثيرون نستمتع بأعمالهم، أما وجدان الأمة وضميرها فلا يجسِّده سوى النادرين. ونجيب محفوظ أحد عظماء الضمير البشري في تاريخ «أم الدنيا»، فهو أحد عمالقة الكتابة — ولا أقول الرواية فقط — في عالم اليوم، أي إنه أحد كبار المبدعين في اللغة الخفية-المعلنة، لغة الرؤيا. وهذا لا يأتي إلا من الموهبة الخارقة، والخبرة العامة بالحياة. هذه الموهبة مصرية الأصل والجذر والينبوع، فهي ابنة التراث الحضاري العظيم لهذا البلد. والخبرة هي ثمرة التفاعل البشري بين الموهبة والتراث. ونجيب محفوظ يضيف هزة الوصل السحرية بينه وبين الشعب العبقري الذي تراكمت فوق عبقريته الرمال والغبار.

والكاتب العظيم هو الذي يستمد عظمته، كنجيب محفوظ، من هذه العبقرية الكامنة تحت التراب أحيانًا.

قرار لجنة نوبل لذلك ليس قرارًا غربيًا، إنه حكم الإنسانية، حكم عالمي، حكم مجموعة من القيم والضوابط والمعايير أرستها أعمال أولئك النادرين الذين حصلوا على الجائزة لا الذين مُنحوا مُعادلها المادي. إن روايات وأشعار ومسرحيات العباقرة — في معظمهم — هم أصحاب الجائزة الحقيقيون، وهم الذين أعطوها لنجيب محفوظ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤