الفصل السادس

التصميم الواعي بيئيًّا وحضاريًّا واجتماعيًّا

الفهم الشائع للتصميم أنه نشاط يجري في إطار علاقةٍ بين فردين/طرفين: أحدهما المستهلك (أو بالتعبير الدارج الزبون) الذي يحتاج (أو يتصور أنه يحتاج) إلى سلعةٍ ما، سواء أكانت منتَجًا أم منشأً، والآخَر هو المصمِّم (أو مكتب التصميم) الذي يُفترَض أنه قادر على تلبية هذه الحاجة. هذه العلاقة يبدو — في الفهم الشائع — أنها معزولة عن السياق الاجتماعي الحضاري البيئي، ولا تحكمها — فيما يبدو — إلا معاييرُ الوظيفة (وظيفة السلعة/المنتج) والمظهر/الجماليات والسعر، وهي أيضًا علاقةٌ قصيرةُ الأمد جدًّا تنتهي في لحظة تسليم (أو بيع) السلعة/المنتج؛ فهل تتمشَّى هذه العلاقة مع المستقبل؟

(١) المسئولية البيئية للتصميم

التصميم — وفقًا للنظرة المستقبلية ومبادئ التنمية المستدامة — أخطرُ من أن يُترَك للمصمِّمين وحدهم، إنني أتكلَّم عن نشاط التصميم بدءًا من مستوى الفكرة Concept، ووصولًا للتصميم النهائي للسلعة/المنتج، والرسومات التجميعية لها Assembly drawings، والرسومات التفصيلية Working drawings للمكونات. أعني مما سبق أن المصمِّم يجب ألَّا يعمل وحده، لكن بصحبةٍ وعلى علاقاتٍ تشابكية مع أخصائي البيئة وعالِم المواد والمتخصص في المجال الاجتماعي … إلخ؛ أي إن المصمم يعمل في إطار نسق System يؤثِّر ويتأثر بالمشاركين معه، دون أن ينسى الوظيفة/الوظائف التي يتوجَّب أن تؤدِّيها السلعة أو المنتج — أو أن يضحي بها — لماذا؟
لأن التصميم يتضمَّن اختيار المواد Materials: هل تُستخدَم في مكونات السلعة/المنتج موادُّ غيرُ متجددة كالألومنيوم، أو موادُّ متجددةٌ كالخشب؟ وكل اختيار له تكلفته البيئية؛ فعلى سبيل المثال: الطاقة الصافية اللازمة للتصنيع Net energy requirement للألومنيوم ١٩٨٫٤ GJ/ton، وللخشب ٣٫١ GJ/ton!
كذلك يخفي التصميم وراءه اختيارَ عملية Process التصنيع، وما تتطلبه من طاقةٍ، وما ينتج عنها من عوادم ونفايات وأشكال للتلوث البيئي، كما يخفي أيضًا التكلفةَ البيئية المتمثلة في الطاقة المطلوبة لتشغيل واستعمال السلعة/المنتج، والأمثلة كثيرة: الثلاجة والسخان والحاسب الآلي والطابعة وسائر الأجهزة المنزلية وأجهزة المكاتب Offices.
كذلك تتضمَّن المسئوليةُ البيئية للتصميم التعامُلَ مع السلعة/المنتج بعد نهاية فترة الاستخدام أو العمر الافتراضي لها: هل عند التخلُّص منها Disposal تجد طريقها إلى مقلب القمامة أم الاستعادة Recovery؟
يعني ما سبق أن مسئولية التصميم تمتد عبر المراحل المختلفة لحياة السلعة/المنتج Life cycle: من المهد إلى اللحد From cradle to grave.
هكذا يحلُّ مصطلح التصميم البيئي Ecologically conscious design (Ecodesign) محلَّ مصطلح التصميم Design، ويعني التصميم البيئي وفقًا لأحد التعريفات الشائعة: «ذلك النشاط الذي يؤدِّي إلى تضمين الاعتبارات البيئية في أساليب تصميم المنتج والعمليات الصناعية اللازمة لإنتاجه، ويستهدف التصميمُ البيئي تطويرَ منتجات وعمليات صناعية متوافِقة مع البيئة، مع عدم الإخلال باعتبارات أداء وظيفة المنتج والسعر والجودة.»١

(٢) البُعْد الاجتماعي

رأيي أن هناك تحيُّزًا اجتماعيًّا — في الوعي أو اللاوعي — وراء تصميم أي سلعة/منتج: هل يخاطب المنتجُ احتياجاتِ المترفين القادرين على التعبير عن أنفسهم بوضوح كطلب سوقي Market demand، والقادرين على الضغط اقتصاديًّا وإعلاميًّا بهذا الطلب؛ أم احتياجات غير القادرين؟ هناك احتياجات عديدة خفية للفقراء لا تستطيع أن تعبِّر عن نفسها من خلال قوى السوق، كما أن هناك طلبًا سوقيًّا للفقراء من سلع ومنتجات يختلف جذريًّا عن الطلب الخاص بالأغنياء والمترفين، فما هو اتجاه أو توجُّه التصميم في هذا الصدد؟

هناك كذلك تحيُّز اجتماعي آخَر يتعلَّق بموقع النشاط الإنتاجي، وطابع العمالة القائمة على تصنيع/إنتاج المنتج: هل ينحصر الإنتاج في الحضر، أم يتوزَّع بين الحضر والريف، بين المدينة والقرية؟ وعلى المستوى الماكرو: هل يختار التصميم استيرادَ المكونات — مكونات المنتج — أم التصنيع المحلي لهذه المكونات؟

(٣) البُعْد الحضاري

هل تنحصر وظيفة المنتج في الوظيفة الاستعمالية المباشِرة له، أم تتسع وظيفته لتشمل أبعادًا حضارية؟ هل المنتج خالي التعبير حضاريًّا أم أن له قدرة على التعبير حضاريًّا، وهو ما أسميه التعبيرية الحضارية Cultural expressiveness؟ هل يعبِّر التصميم عن قِيَم حضارية تنتقل بالنظر والاستعمال بوعي أو بلا وعي للمستهلك؟
المثال المعبِّر هنا هو «صحن الدار» Inner court؛ البناء أو الفراغ الداخلي دون سقف في المعمار الإسلامي، الذي يعبِّر عن نوع من الاعتذار عن الانغلاق عن الطبيعة/الكون، والرغبة في الارتباط بهما، والذي كان نموذجه الأول المسجد الذي بناه الرسول في المدينة المنورة.٢
وعودة إلى مصطلح التصميم البيئي Ecodesign (شكل ٦-١)، يقتضي التركيز على الإبداع أن نتجاوز مستويات الإصلاح والتحسينات الجزئية إلى إعادة التصميم والتفكير؛ ممَّا ينقل قضيةَ التصميم البيئي من البُعْد التكنولوجي إلى البُعْد الحضاري.
fig16
شكل ٦-١: أربع خطوات للتصميم الواعي بيئيًّا. (Beyond Engineering: Ecodesign as a proactive approach to product innovation, Chris Sherwin, Dr. Tracy Bhamra, EcoDesign ’99: First International Symposium on Environmentally Conscious Design and Inverse Manufacturing, February 1–3, 1999, Tokyo, Japan.)

(٤) تجربتنا مع التصميم الواعي بيئيًّا واجتماعيًّا وحضاريًّا: نموذج مشروع القايات

عندما اخترنا العمل في قرية القايات — وهي واحدة من أفقر ١١ قرية في محافظة المنيا — المتميزة بتوافُر النخيل، اتجه مشروعنا إلى تصنيع الأثاث العصري من جريد النخيل بديلًا للأخشاب المستوردة، التي يتمُّ الحصول عليها من خلال قطع الأشجار في الغابات، ثم تصنيعها في صورة ألواح Lumber، ثم نقلها لآلاف الكيلومترات لمصر مما يُمثِّل تكلفة بيئية باهظة، بالمقارنة بجريد النخيل الذي يجري الحصول عليه من خلال تقليم — خدمة — النخيل؛ أي إن المسافة التي يقطعها جريد النخيل من النخلة حتى تصنيعه لا تتجاوز عدة كيلومترات.
ومن منظور دورة الحياة Life cycle، فإننا نرى أن استخدام جريد النخيل في تصنيع الأثاث، يمثِّل إحدى مراحل — أو حيوات — التعامل مع جريد النخيل: من مرحلة الوظيفة الإيكولوجية وهو على النخلة، إلى مرحلة استخدامه في تسليح البوليمرات أو العلف أو السماد كما يوضِّح شكل ٥-٢.
fig17
شكل ٦-٢: نموذج للنسق الذي جرى فيه تفاعل المصمِّمين مع الأطراف المختلفة.

(٥) دور المصمِّمين

يوضِّح شكل ٦-٢  النسق System الذي جرى في إطاره التفاعل مع مجموعةٍ من المصمِّمين، الذين راهَنُوا على تفرُّد Uniqueness جريد النخيل وجمالياته كمورد نَحوزه نحن، ويقع من ثَمَّ على عاتقنا أن نكتشف إمكاناته الذاتية في التصنيع، وأن نطوِّع هذه الإمكانات لإنتاج قِطَع أثاث عصرية، ولقد أدَّى هذا التفاعُل إلى تغيير جذْرِي في تعاملنا — نحن فريق العمل التقني — حيث اتجهنا إلى استخدام ألواح سدائب جريد النخيل مباشَرةً لتصنيع قِطَع أثاث، وليس كطبقة حشو Core layer داخل ألواح الكونتر Blockboards كما كنا نعمل من قبلُ. ويوضِّح شكل ٦-٣ نموذجًا لمنضدة من جريد النخيل يحمل تصميمها طابعًا مصريًّا متميزًا، تلك المنضدة جرى تجميعها وتشطيبها في أحد مصانع الأثاث٣ في القاهرة، من ألواح سدائب جريد النخيل، قام أبناء قرية القايات بتصنيعها في قريتهم بمعدات تمَّ تصميمها وتصنيعها محليًّا.
fig18
شكل ٦-٣: نموذج لمنضدة من جريد النخيل: تصميم م. شريف خليل، مصنع علي خليل بالقاهرة.
١  Beyond Engineering: Ecodesign as a proactive approach to product innovation, Chris Sherwin, Dr. Tracy Bhamra, EcoDesign ’99: First International Symposium on Environmentally Conscious Design and Inverse Manufacturing, February 1–3, 1999, Tokyo, Japan.
٢  Al Faruqi, I., (1969) Science in History, C.A. Watts & Co. Ltd., and Pelican Books, England.
٣  مصنع علي خليل بالقاهرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١