الفصل الثامن

في بلادنا العربية: مَنْ العشوائي؟ المدينة العصرية أم القرية التقليدية؟

إنني أعتقد أن تسجيل لحظة الدهشة أو الاكتشاف، بالكلمة أو جهاز التصوير، أمرٌ في منتهى الأهمية، وفرصةٌ نادرة إن لم تقتنصها فإنها قد تضيع منك وربما إلى الأبد! إحدى هذه اللحظات كانت عندما وَطِئَتْ أقدامُنا أرضَ العريش في نوفمبر عام ١٩٨٦؛ كان معنا الدكتور عباس الزعفراني، أستاذ التخطيط العمراني في كلية الهندسة، جامعة الأزهر. عندما نزلنا من الحافلة تبدَّت لنا مدينة العريش (خريطة ١)، بشوارعها المستقيمة والمتوازية والمتعامدة تمامًا مع خط الشاطئ. نظر الدكتور عباس إلى العريش وهتف قائلًا: «أهذا الذي يسمونه المدن العشوائية؟!» إنما القاهرة هي التي تُعَدُّ بحقٍّ مدينةً عشوائية!

عندما كنا نستمع إلى كلمات الدكتور عباس، كان هواء الشتاء المنعش يهب علينا من البحر ويتخلَّل النسيج العمراني لهذه المدينة ذات المباني المنخفضة الفاتحة اللون.

تعوَّدنا نحن — أبناء الحضر — على النظر باستعلاءٍ للريف (القرية التقليدية)، وعلى أن نرى القرية ككيانٍ عشوائي «متخلف» مقارَنةً بالمدينة «العصرية»، التي تُعَدُّ القاهرة نموذجًا لها! والحقيقة أن المدينة «العصرية» قد نشأت ونَمَتْ في إطار (وفي أَسْرِ) تقليد النموذج الحضاري الغربي، دونما اعتبار للخصائص الحضارية للمجتمع والظروف الاجتماعية/الاقتصادية التي يتميَّز بها.

figure
خريطة ١: مدينة العريش.
عندما كنت أدرس نمط المسكن العرايشي في شمال سيناء عام ١٩٨٠، لاحظتُ أن البناء كان يبدأ بالسور الخارجي، والمعنى هنا هو فصل الفراغ الخاص Private space للمسكن عن الفراغ العام Public space للشارع/المدينة. كان ارتفاع هذا السور يتحدَّد بحيث لا يستطيع راكب الجمل أن يرى (يكشف) الفراغ الخاص للمنزل. يهمني هنا أن أشير إلى البُعْد الدينامي لبناء المنزل؛ فبَعد بناء السور، يتم بناء حجرتين في عمق الفراغ الداخلي للمنزل مع زراعة نخيل وأشجار زيتون وليمون وأحواض للخضروات، مع اقتناء الأغنام أو المَعْز؛ مما يوفر قاعدة مادية للاكتفاء الذاتي للأسرة، بعد ذلك يجري بناء المندرة — حجرة استقبال الضيوف — في مقدمة الفراغ الداخلي، حتى يسمح المنزل بالانفتاح على الزائرين دون المساس بخصوصية الأسرة، هكذا تتخلَّق حجرات المنزل وفقًا لاحتياجات الأسرة الممتدة التي تسكن المنزل، والتي تتكوَّن من الأب والأم والأبناء المتزوجين، ويوضِّح شكل ٨-١ مخططًا للمنزل العرايشي. ويشارك في بناء المسكن العرايشي عادةً أفرادُ الأسرة مجتمعين، والأقاربُ من جهة الأعمام والعمَّات والأخوال والخالات، ويتعاون في البناء الناضجون مع الأطفال، ولا يُستعان من خارج الأسرة إلا بالبنَّاء والدبَّاش. ويجري بناء المسكن العرايشي باستخدام الطين والتبن لصناعة الطوب وقصل الشعير والقمح مع الطين لعمل المونة وجريد النخيل للسقف … إلخ. إنني أشير هنا إلى المنطق الاجتماعي/الحضاري/البيئي الثاوي خلف هذا النمط من البناء، وكذلك إلى أن البناء عبارة عن عملية Process يقوم بها النسيج الاجتماعي/الحضاري الحي، وأن البناء كمُنشأ مادي هو في النهاية تعبير عن هذا النسيج الاجتماعي الحضاري. يتضح ممَّا سبق أن المسكن العرايشي يختلف كيفيًّا عن نموذج المسكن في المدينة العصرية، الذي هو منتج جاهز للسكن لأسرة صغيرة (نووية)، تُفْرَض عليها قسرًا علاقةٌ سلبية مع الفراغ، ويهبط هذا النموذج بحيويتها كنسيج اجتماعي/حضاري حي إلى مستوًى أدنى كثيرًا من نموذج المسكن العرايشي.
fig24
شكل ٨-١: مخطط المنزل العرايشي.

إنني أسكن إحدى العمارات (المدن الرأسية) «العصرية» في مدينة نصر، وعندما تقدَّمْتُ عام ١٩٨٣ لحجز الوحدة السكنية التي أشغلها الآن، لم أختَرْ جيراني في نفس الطابق، ولا مَن هم فوقي أو أسفل مني؛ كان المنطق الوحيد الذي جمعنا هو قدرة كلٍّ منَّا على تسديد أعلى قيمة ممكنة من سعر الوحدة السكنية مقدمًا؛ أي إن وجودنا سويًّا كان ناتج المنافسة على عدد محدود من الوحدات السكنية، يفوز فيها مَن يدفع أكثر! لم يَرَ بعضنا بعضًا خلال هذه المنافسة، التي كان مكانُها سجلاتِ صندوق بناء المساكن. لم يُحتكَم لأي معيار آخَر اجتماعي أو ثقافي للجيرة في نفس العمارة/الشارع/الحي، أليس هذا منتهى العشوائية؟

حدَّثني صديقي المحاسب عن مدينته سوهاج وعائلته (الهواشمة) التي تشغل شوارع كاملة متجاورة في المدينة، ويتجاور معها عائلات أخرى، قال لي إنه كثيرًا ما يسافر إلى سوهاج لا لشيء إلا للتواصل مع أعمامه وأخواله وأبناء العمومة والأخوال الذين يسكنون في المدينة، وإن لدى عائلته مقرًّا دائمًا يسمونه المقعد (المجعد)؛ يتلاقَوْن فيه خاصةً في مناسبات الأفراح والعزاء، وأن الشباب الآن هم الأكثر حرصًا على استمرار التواصل العائلي، وعلى مساهمة كلِّ مَن له دخلٌ من أفراد العائلة بالتبرُّع بمبلغ شهري للإنفاق على المناسبات العائلية المختلفة، كما أن شباب العائلة قد أنشئوا على الفيسبوك موقعًا للعائلة يتواصلون من خلاله ويتناقلون فيه الأخبار.

عندما كنتُ أقوم بالدراسة الميدانية لمنطقة الساحل الشمالي الغربي — من مركز الحمام شرقًا (فيما يلي الإسكندرية) وحتى السلوم غربًا، وبعمق حوالي ٢٥ كيلومترًا في جوف الصحراء — لاحظتُ أن النمط السائد للعمران هو النمط الانتشاري؛ أي التجمعات البدوية الصغيرة التي يضمُّ كلٌّ منها عددًا محدودًا من منازل البدو ذات الفناء السماوي. والمنطق الرئيسي لهذا النمط هو ضرورة التواؤُم مع طبقة من الماء Water table الصالح للشرب والزراعة القليلة السمك (٦٠سم تقريبًا)، تلك الطبقة التي مصدرها المطر، تطفو على مياه مالحة مصدرها البحر؛ فالسَّحْبُ الزائد سوف يؤدي إلى تمليح البئر؛ أي طغيان الماء المالح، حينئذٍ كنت أُسائِل نفسي: هل من الصواب اعتبار أن هذه التجمعات عشوائيةٌ؟ وما هو النموذج الأنسب للعمران إنْ أردنا الانتقالَ من وادي النيل (العمران الحالي الذي لا تتجاوز نسبته ٧٪ من إجمالي مساحة مصر) إلى الصحراء؛ النمط الانتشاري الذي قدَّمَ له بدو الصحراء الغربية نموذجًا، أم نمط العمران الذي تقدِّمه المدن «العصرية» في مصر، القائم على النمو الرأسي للمدن واكتظاظ السكان، والذي يحتاج إلى مصادر طاقة كثيفة للإنارة والصرف الصحي والتدفئة، وأيضًا التكييف؟
خلال إحدى جولاتي في قرى الوادي الجديد عام ١٩٨٦، شاهدتُ منظرًا لن أنساه طوال حياتي؛ أصحابُ أحد المنازل المبنية بالطوب اللَّبِن المصنوع من الطفلة والمسلَّح بتبن القمح (وهي إحدى أقدم تقنياتِ بناءٍ عرفتها مصر) يقومون بهدم الحوائط، ويعيدون بناء المنزل مع استخدام نفس مادة البناء. ما معنى المنظر الذي رأيته؟ معناه أن البناء بالطفلة أو الطين — اختصارًا للقول — يتميَّز بالمرونة المطلقة — مقارَنةً بالجمود المطلق في حالة البناء بالخرسانة المسلحة — في إعادة الاستخدام، وكذلك في إعادة تشكيل عناصر الوحدة السكنية وفقًا لاحتياجات ورغبات السكان. إنني أتكلم هنا عن البناء بالطين كفكرة Concept يمكن تطبيقها مع العديد من البدائل في المواد (الكرشيف في واحة سيوة، والطَّفلة في الواحات الداخلة، وصولًا إلى الجبس في العديد من المناطق الصحراوية)، وكذلك بدائل التصميم (قوالب Bricks ومسطحات Slabs)، إلا أن القاسم المشترك بينها هو قيام أبناء المجتمعات المحلية بالبناء بأنفسهم وبالموارد المحلية. ما الأنسب للقرية؟ تطوير أساليب البناء التقليدية أم البناء بالخرسانة المسلحة التي يقوم بها المقاول أو شركات البناء؟

إنني أتجه بخطابي إلى المهتمين بالتنمية في مصر وسائر بلدان الوطن العربي، وأحلم بأن نتمكَّن من إدراك التنوع الهائل الذي يتميز به الريف في بلادنا؛ سواء كقرًى تقليدية أو واحات أو تجمعات بدوية؛ هذا التنوع الذي يمكن أن يكشفه اختلافُ الظروف البيئية، والمعطيات الجيولوجية، والموارد المحلية، وتبايُن الخبرات التاريخية، وثراء شبكات العلاقات الاجتماعية، وتفرُّد القِيَم الحضارية التي تُترجِم نفسها في صورة معادلات نفسية مختلفة، تمكِّن أبناء المجتمعات المحلية من الاستقرار والبقاء، وكذلك التراث التقني، حصيلة التراكم المعرفي عبر آلاف السنين في التعامل مع البيئة المحيطة والموارد المتاحة من أجل إشباع الحاجات الأساسية. إنني أرى هذا التنوُّع بمثابة كنوز يتعيَّن علينا العمل على اكتشافها مع الجماعة المحلية في كل مكان — ومن أجل تنميتها — مما يسمح لنا بالاستفادة (بالمعنى الاقتصادي) من الميزات النسبية والتنافسية لكل قرية في التنمية، ويجعل كل قرية قادرةً على الإبداع وعلى أن تقدِّم نموذجها الخاص للمعاصرة، ويمكِّننا نحن من أن نبلور نموذجنا الخاص بالتنمية على المستويين القومي والحضاري.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١