الفصل الثاني

الجنس والبذرة والخطيئة في العصور الوسطى

بحلول أوائل القرن السادس الميلادي، ومع انسحاب فيالِقِ روما وظهورِ ممالكَ بربريةٍ مستقلة، لم تعُد شعوب أوروبا الغربية تشعر بقوة الحكومة الرومانية. فقد أدى انهيارُ الإمبراطورية الرومانية إلى تدهورٍ كبير في التجارة وضياعِ كمٍّ هائل من المعرفة القديمة. غير أنه في العام الميلاديِّ الألف، سمح التقدمُ في الزراعة والنقل والمالية، إضافةً إلى تحسُّن المناخ، بزيادةِ عائدات المحاصيل وازدهار التجارة مرةً أخرى. وقد دعَمَت هذه الزيادةُ الكبيرة في الثروة بدَورها انتعاشًا في النشاط العِلمي، وشجَّعَت على التوسُّع في أراضي الممالك الأوروبية، وأدَّت إلى ظهور تدرجاتٍ هرمية اجتماعية أكثرَ تعقيدًا. ومِن ثمَّ أسهَمَت هذه العواملُ جميعُها في جعل مفاهيم الوراثة المتنافِسة أعظمَ أثرًا بكثيرٍ مما كانت عليه طيلة أكثرَ من ٥٠٠ عام.

أرسطو في مقابل إحياء جالينوس

fig3
شكل ٢-١: الطبيب قسطنطين الأفريقي من القرن الحادي عشر يُعطي محاضرةً في الطب. وُلِد قسطنطين في شمال أفريقيا ثم سافر إلى إيطاليا وترجَم الأعمال البارزة في مجال طبِّ العرب.
سمح توسُّع التجارة للعلماء في أواخر القرن الحادي عشر بالحصول على نسخٍ من المخطوطات اليونانية والرومانية القديمة عن طريق الفلاسفة العرب في شمال أفريقيا وإسبانيا الإسلامية. ومن خلال الترجمات اللاتينية، تمكَّن شُبَّانُ الطبقات العليا في مجتمع العصور الوسطى حينَذاك من قراءة أجزاءٍ كبيرة من أعمال أرسطو وجالينوس، وبعض المقتطفات من أعمال أبقراط والأطباء الإسكندريِّين، إضافةً إلى التعليقات التي وضعها العلماء البارزون من المسلمين على النصوص القديمة (الشكل ٢-١). وفي الجامعات الجديدة التي أمكنَ تأسيسها بالثروة المكتسَبة من الزراعة والتجارة، ساد تأثيرُ العلماء الذين عُرفوا باسم «المدرسيِّين»، والذين أخَذوا على عاتقِهم مهمةَ التوفيق بين مبادئ المسيحية وحِكمة الفلاسفة القدماء مثل أرسطو، الذي لقَّبوه بإيجازٍ يعكس التوقيرَ بلقَب «الفيلسوف». لم يكن من السهل جلبُ أفكارِ شخصٍ وثَني زعم بأن العالم ليس له بدايةٌ ولا نهاية إلى الحظيرة الكاثوليكية. غير أنه في مسألة التكاثر، لم يكن الأمر يستلزم سوى درجةٍ مُتواضِعة من الابتكار لإعادة تعريف مفهوم «الروح» الأرسطي على أنه الروح المسيحية، أو للقول بأن التكاثر يحدث من خلال نوعٍ آخر من القوة يُمنح إلهيًّا، وأطلقوا عليه اسم «الفضيلة» أو «المَلَكة». ووَفقًا لكِلا الرأيَين، فإنَّ الحياة لا تُبعث في المادة ومن ثمَّ تصبح قادرةً على نقل صفات الأبوَين إلا بعد تدخُّل الإله.

حفَّزَت إعادةُ اكتشاف النصوص الأساسية لأرسطو وجالينوس وتعليقات العلماء العرب؛ ذلك الجدلَ القديم بشأن إسهام الأمِّ في تشكيل نسلِها. مال المدرسيُّون لتأييد نسخةٍ مبسَّطة من أفكار أرسطو لا تُنتج المرأةُ وفقًا لها أيَّ نوع من البذور. ثَمة نصٌّ مجهولُ المؤلف يعود إلى أواخر القرن الثالث عشر، حمَل عنوانًا جذابًا وهو «أسرار النساء» أدَّى إلى توسيع نطاق النسخةِ المبسطة من المبادئ الأرسطية للغاية؛ فقد ورَد في هذا النص أنه إذا قذف قِطٌّ بمنيِّه على عُشب وأكله إنسان دون قصدٍ منه، فربما «تتكون قطط في معدته». على العكس من ذلك، تبنَّى معظمُ أطباء العصور الوسطى النموذجَ الثنائيَّ البذرة الذي قال به أتباع أبقراط وجالينوس. وبناءً على هذا، أكَّد الجراح الفرنسي جي دي شولياك أنَّ «البذرة تُنقح في خصيتَي الرجل والمرأة على حدٍّ سواء».

على غِرار أسلافهم القدماء، اعتقد أطباءُ العصور الوسطى أن البذور تُكسِب النسلَ سِمات الأسلاف إضافةً إلى التغييرات التي حدَثَت بفعل تأثيراتٍ أسرعَ زوالًا. وقد تعلموا في مدارس الطب صيغةَ جالينوس الكلاسيكية بشأن اكتساب البذور لطبيعة الأخلاط لدى الوالدَين كِلَيهما. تعلَّموا أيضًا أنَّ البذور قد تنتج من أخلاطٍ أفسدَها مرضُ أحد الوالدين. ولهذا، حذَّر برنارد دي جوردون، وهو طبيبٌ تدرَّب في جامعة مونبلييه، من توريث «البذرة غير النظيفة» التي تتسبَّب في مرض الجذام.

إضافةً إلى ذلك، أخَذ كُتَّاب العصور الوسطى من اليونان والرومان مثل بطليموس، ذلك الاعتقادَ بأنَّ المواقع النِّسبية للنجوم والكواكب والقمر في وقتِ حدوث الحمل تقريبًا، لها تأثيرٌ جزئي في محتويات البذرة. فعلى سبيل المثال، نجد أنَّ نصَّ «عن النطفة» الذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر، قد حذَّر الآباء ذَوي المزاج السوداوي من ممارسة الجنس في الأوقات التي تؤدِّي فيها حركاتُ الكواكب إلى غلَبة المِرَّة السوداء على بقية الأخلاط في الجسم. ذلك أنَّ هذا سيؤدي إلى ولادة أطفالٍ مُصابين بكآبةٍ لا شفاء منها.

قيل أيضًا إنَّ ثَمة عواملَ مختلفة «تاليةً» على الجماع، تؤثر فيما إذا كانت صفاتُ الوالدَين ستظهر في الجيل القادم أم لا. فقد ورَد في نصِّ «أسرار النساء» أنَّ تشكيل الرأس يتأثَّر ببرج الحمَل، بينما يتأثَّر تشكيلُ الرقبة ببرج الثَّور، أما المعدة والأمعاء والأضلاع والعضُدان فيتأثر تشكيلُها ببرج العذراء. وبناءً على هذا، افترضوا أنَّ حدوث اضطراباتٍ في السماء من شأنه تغييرُ مسار نموِّ الأجنَّة. علاوةً على ذلك، أثار مؤلِّفو العصور الوسطى الفكرةَ القائلة بأنَّ خيال الأم قد يُفسِد عملية التكاثر. فنجد أنَّ الراهب الفرنسي فنسنت دي بوفيه نصَح الحوامل من النساء بعدم التحديق على الإطلاق في القرود، إذا أرَدْن تجنُّبَ ولادة صغارٍ تُشبه القرود.

لقد اعتقد أطباءُ العصور الوسطى أن أيَّ شيءٍ يؤثر على البذور أو الأجنَّة، حتى وإن نشأ من أسبابٍ عابرة، يمكن أن يُصبح جزءًا لا يتجزَّأ من نسيج الجسم وأن ينتقل إلى جيلٍ أو أكثر. فعلى سبيل المثال، رجَّح برنارد دي جوردون، أنه إذا كان الجُذام ناتجًا عن أي سببٍ حدث قبل الولادة، فإن المصابَ به «يبدو أنه لا يمكن شفاؤه». لم يكن معنى هذا أنَّ الوراثة تُقرر المصير لا محالة؛ فقد أكَّد بعضُ الأطباء أن اتباع أسلوبِ حياةٍ صحيٍّ يمكن أن يَقِيَ من ظهور الجذام الوراثي. بالرغم من ذلك، اعتقد الكُتَّاب في مجال الطب أنَّ السِّمة الوراثية قد تبقى خاملةً في مثلِ هذه الحالات، ثم تُسبب مرضًا فتاكًا في الجيل اللاحق. وبالمثل أيضًا، فعلى خلفيةِ التجارة والغزو، أعاد عددٌ من العلماء البارزين صياغةَ عقيدة الخلط الجغرافي القديمة، مؤكِّدين على أن الاختلافات المادية الناتجة من البيئة قد تُصبح وراثية. ففي القرن الثالث عشر، كتب الأرستقراطيُّ البافاري والراهب ألبرتوس ماجنوس أنَّ الإثيوبيين سُودُ البشرة؛ لأنهم تكوَّنوا في أرحامٍ حارَّة وجافة؛ حيث يحترق المَنيُّ سريعًا تاركًا بقايا ترابيةً داكنة. وأوضح مُعاصِرُه بارثولوميو الإنجليزيُّ أن «البرودة أُمُّ البياض». وقد قيل إن مِثل هذه السِّمات العِرقية تُصبح متأصلةً لدرجة أنها تنتقلُ إلى الأبناء حتى لو هاجر آباؤهم بعيدًا عن موطنهم الأصلي. غير أن قِلةً فقط هم مَن تخيَّلوا أن سِماتٍ كَلَون البشرة ستبقى دون أن يطرأ عليها تغييرٌ أكثرَ من بضعةِ أجيال. فقد زعم ألبرتوس أنه على الرغم من أن الأفارقة الذين ينتقلون إلى الشمال الأكثرِ رطوبةً سيُنجبون أبناءً في سواد «أسلافهم الأوائل»، فسرعان ما سيكتسبُ أحفادُهم اللونَ الفاتح نفسَه الذي يتمتع به جيرانُهم. كانت الاختلافات الوراثية تُرى على أنها مستمرةٌ لكن ليس إلى الأبد.

النوع الاجتماعي والعرق وعدم المساواة

مثلما هو الحال في العالم الكلاسيكي، كان يمكن للعلماء، وحتى مَن هم خارج النطاق الكنَسي والجامعات، التعبيرُ عن تبَعية النساء والأفراد الذين لا ينتمون إلى الجماعة العِرقية أو الاجتماعية، في سياق الوراثة.

كان للوضعِ المتدنِّي للمرأة في العصور الوسطى نظيرُه في تصويرها على أنها أدنى مرتبةً من الرجل من حيث إسهامُها في عملية الوراثة. وكان المتوقَّع من النساء أن يَكُنَّ تابعاتٍ مخلصاتٍ لأزواجهن، وأن يُكرِّسن القدْرَ الأكبرَ من اهتمامهنَّ للأمور المنزلية. بِناءً على ذلك، حاجَج العلماءُ بأن البرودة المزعومةَ لأجسادهن وأدمغتهن قد رجَّحَت لديهنَّ العاطفةَ على العقل. فبالنسبة إلى القدِّيس توما الإكويني، وهو فيلسوف لاهوتي إيطالي من القرن الثالث عشر، فإن «النوع الأنثوي يُنتَج … نتيجةَ خطأٍ في القدرة التكوينية للبذرة التي يتعذَّر عليها تحويلُ مادة الجنين إلى الصورة الذكَرية». وأضاف، تماشيًا مع معشوقِه أرسطو، أن المرأة «هي «ذكَرٌ مشوَّه»». من الواضح أن علم الأحياء كان يُعِد النساءَ لأدوارهنَّ الاجتماعية المحددة.

أمكن أيضًا التعبيرُ عن التصورات المتعلقة بالشعوب الأجنبية من خلال الاختلافات المتوارثة. فلدَينا قدرٌ وافِر من الأدلة على وجودِ إهاناتٍ عنصرية كانت متداوَلةً على حدود أوروبا العنيفة.

فعندما وسعَت الجيوش السكسونية وفرسان التيوتون أراضيَهم إلى الشرق، تحدَّث أحدُ أساقفة القرن الثاني عشَر عن أعدائهم واصفًا إياهم بأنهم «ليسوا رجالًا، بل وحوشًا بشَرية». سادت مثلُ هذه التوجُّهات أينما تعذرَت إقامةُ العلاقات السلمية أو انعدَمَت الرغبة فيها. فعلى سبيل المثال، اعتاد معظمُ حكام الدول الصليبية في الأرض المقدَّسة على تصوير المسلمين على أنهم أدنى أخلاقًا و«مشوَّهين بطبيعتهم»؛ وذلك بسبب تخوُّفهم من محاولة التعاون مع الرعايا المسلمين الذين كانوا يفوقونهم عددًا ويحتقرونهم. بالرغم من ذلك، ظهرَت تصوراتٌ مختلفة بعض الشيء؛ حيث كان للجماعات العرقية مصلحةٌ راسخة وواضحة في تكوين الصداقات والاندماج. في بداية عهد إنجلترا النورمانية، على سبيل المثال، تزوَّج الفاتحون على الفور من العائلات الباقية للنُّخَب الأنجلوسكسونية من أجل تأمين ثرواتهم، وتحييد إمكانية أن يقودوا جيوشًا للمتمرِّدين.

كان الأرستقراطيُّون في العصور الوسطى مفتونين بخيالات الدم النبيل، مثلهم في ذلك مثل أسلافِهم من اليونان والرومان. يتجلَّى هذا في كَثرة ما ظهر من شعارات النبالة ورموزها خلال القرن الثاني عشر. قدم رامون لول المولود في ميورقة أساسًا منطقيًّا إنجيليًّا للخُيلاءِ الأرستقراطية التقليدية؛ فكتب أنه بعد طردِ آدم وحواء من جنة عَدْن، مُنِحَت الفروسية «للأكثر ولاءً» لتكون حصنًا له ضدَّ الشر. وقد انتقلت فضائلُ هؤلاء الفرسان الحقيقيِّين من الأب إلى ابنه منذ ذلك الحين.

لقد أثار ارتقاءُ وضيعي المولد استفزازَ النبلاء وأقلامَهم المأجورة على حدٍّ سواء للتأكيد على أهمية النَّسَب. واستنادًا إلى منطق ثيوجنيس نفسِه، كتب أحدُ شعراء البلاط إلى ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا عام ١١٩٠: «لا تجعلنَّ من عبدك سيدًا، ودَع الفلَّاح ليقوم بالعمل الملائم له … فهو سيرجع في نهاية اليوم إلى طبيعته.» غير أنَّ حقيقة اتِّسام القدْر الكبير من سلوك الفرسان في واقع الأمر بالوحشية والفظاظة كانت كفيلةً لإنكار بعض الكُتَّاب على الأقل لتأثير الوراثة. وبناءً على هذا، وجَّه أحدُ كهَنة القرن الثاني عشر، وهو لامبرت لو بيج، إلى البابا كاليستوس الثالث سؤالًا وجيهًا: «ألم يخلق الإلهُ خالق الكون جميعَ البشر على وجه الأرض من رجلٍ واحد؟»

بحلول أواخر القرن الخامس عشر، كان الفلاسفة والأطباء والنبلاء والجنود في أوروبا يوظِّفون فكرة الوراثة بطرقٍ كانت ستُعَد مألوفةً للغاية لدى الرومان واليونان. فبخلاف محاولةِ التوفيق بين المسيحية وعلم الأحياء الكلاسيكي، لا يُوجَد سوى قدرٍ ضئيل من الأدلة على وجود ابتكارات مَفاهيمية؛ سواءٌ في الاستخدامات التطبيقية للمفهوم أو استخداماته الأيديولوجية. لكنَّ هذا سيبدأ في التغيُّر على مدى القرون التالية مع ظهور الحديث من التقنيات ونُهج اكتساب المعرفة، إضافةً إلى مشاركة الأوروبيِّين المتزايدة في التجارة والاستعمار وتجارة الرقيق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤