الفصل الثالث

العوامل الطبيعية والبشرية في الجغرافيا الاقتصادية

(١) عناصر البيئة الطبيعية

(١-١) التضاريس

إن أول تقسيم اقتصادي للعالم يبدأ بتقسيم سطح الكرة الأرضية بين البحر (٧١٪) واليابس (٢٩٪) من مجموع مساحة قدرها ٥١٠ ملايين كيلومتر مربع.

والتقسيم الثاني يتخذ أساسًا له الارتفاع والانخفاض عن مستوى سطح البحر. وبعبارة أخرى، هناك الأشكال الرئيسية التالية: الأرصفة القارية، السهول بأنواعها، الهضاب والجبال.

الأرصفة القارية

حقيقة أنَّ خطَّ الشاطئ يفصل بين الأرض والماء. ولكنَّ دراسات الأعماق أكَّدَت أن جزءًا من اليابس يغوص تحت سطح البحر لمسافات كبيرة في بعض الأحيان، وقد سُمِّي هذا القسم الرصيف أو الجرف القاري، وحدد بما هو أقل من ٢٠٠ متر تحت مستوى سطح البحر، وبعد ذلك تبدأ الأعماق البحرية في الظهور.

ويتراوح عرض الرصيف القاري من منطقة إلى أخرى بين بضعة كيلومترات فقط وبين عشرات أو بضع مئات من الكيلومترات. وللأرصفة القارية أهمية كبرى منذ القدم: فهي أهم مراكز صيد السمك واستخراج الإسفنج واللؤلؤ.

وحتى في وقتنا الحاضر فإن أهم مراكز صيد الأسماك هي الأرصفة القارية، رغم ما أصبح للصيادين من إمكانيات عملية كبيرة ناجمة عن تقدم صناعة سفن الصيد وتجهيزها بالأجهزة اللاسلكية لتأمينها ضد أخطار العواصف المفاجئة. وإلى جانب صيد الأسماك فلقد ظهر مؤخرًا وجه آخر من أوجه استغلال الأرصفة القارية؛ ذلك أنه قد أمكن استخراج البترول من عدد من الأرصفة القارية نذكر منها: مياه فنزويلا، ومياه الخليج العربي، وخليج السويس.

وربما تتفتح للعالم آفاق جديدة في استغلال الأرصفة القارية فيما بعد (المعادن مثلًا)؛ مما يؤدي إلى تسابق الدول على مزيد من تحديد مياهها الإقليمية والمياه الاقتصادية لمنع دول أخرى من استغلالها.

السهول

على سطح الأرض نجد أنَّ الارتفاع عن مستوى سطح البحر يختلف من مكان لآخر في القارات المختلفة، والعادة أن يبدأ التدرج من الساحل بمنطقة سهلية ترتفع باستمرار إلى الداخل؛ ولكن هناك بعض المناطق تضيق فيها السهول الساحلية إلى درجة كبيرة أو تشرف الحافات الصخرية فيها على البحر إشرافًا مباشرًا.

وقد أدت الاختلافات التضاريسية إلى ظهور عدد من الأشكال العامة على سطح القارات بعضها أصلح للسكن والاستقرار البشري والنشاط الاقتصادي من البعض الآخر.

وقد اتفق الكتاب على أن أصلح أشكال التضاريس للاستقرار والنشاط الاقتصادي هي السهول، وترتفع السهول عن مستوى سطح البحر إلى حوالي خط ٢٠٠ متر، وإذا كان لهذه السهول استمرار سهلي على ارتفاعات أعلى سُمِّيت السهول العليا، وهذه ترتفع حتى حدود ٥٠٠ متر فوق مستوى سطح البحر.

ويقدر أنَّ ٥٥٪ من مساحات القارات تشتمل على السهول والسهول العُليا، ونصيب القارات من السهول مختلف، ولا شكَّ أنَّ أكبر القارات التي تتميز بطابع سهلي هي أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية. ففي أوروبا تحتل السهول حتى ٢٠٠ متر ارتفاعًا عن مستوى سطح البحر ٥٧٪ من مساحة القارة.

وتشمل سهولها العليا ٢٧٪ ويعني ذلك أن المناطق التي تقع تحت مستوى ٥٠٠ متر فوق سطح البحر من القارة الأوروبية تساوي ٨٤٪ من مساحة أوروبا الإجمالية.

ورغم أن في أمريكا الجنوبية سهولًا أضخم من سهول أوروبا؛ فإن مجموع مساحة السهول والسهول العليا في أمريكا الجنوبية معًا هي ٦٩٪ من مجموع المساحة الكلية للقارة.

وهناك قارات أخرى تحتل فيها السهول مكانًا صغيرًا، ومن أوضح القارات في هذا المجال أفريقيا؛ فالسهول التي لا ترتفع عن ٢٠٠ متر فيها تكون ١٥٪، وتلك التي لا ترتفع أكثر من ٥٠٠ متر تكون ٣٥٪ من مجموع مساحة القارة.

وترجع أهمية السهول إلى أنَّ استواءها وتدَّرُّجَها النسبي وانخفاضَها عن الجبال، قد جعلها عادةً المناطق التي تضم أجود أنواع التربة وأقلها تعرضًا للجرف والتعرية، كما أنها تساعد على مد شبكات المواصلات السهلة الضرورية للنشاط الإنساني. وإذا كانت السهول تُشكل أهم مناطق العالم من حيث الإنتاج الزراعي، فإن في عدد منها مصادر كبيرة للثروة المعدنية. وقد أدت السهولة وإمكانية الزراعة والتعدين إلى أن أصبحت السهول أهم مراكز النشاط البشري، وفيها تظهر غالبية مُدن العالم الكبيرة.

وإذ وزعنا مناطق السهول الكبرى في العالم نجدها تمتد في أوروبا في صورة سهل كبير يبدأ من فرنسا وإنجلترا في الغرب، ويتسع شرقًا إلى السهول الكبرى الروسية، ويمتد وراء جبال الأورال إلى سهول سيبيريا الغربية وتركستان.

هذا هو أكبر سهل متصل في العالم القديم، ويُقابل ذلك في العالم الجديد السهول الوسطى العظمى في أمريكا الشمالية الممتدة من خليج المكسيك حتى المحيط المتجمد الشمالي، والسهول الوسطى العظمى في أمريكا الجنوبية الممتدة من البحر الكاريبي حتى سهول بتاجونيا. وتضم أستراليا أيضًا سهولًا واسعة وسطى تقسم القارة إلى قسمين؛ الأول: جبلي في الشرق، والثاني: هضبي في الغرب.

ولا تضم آسيا الشرقية والجنوبية مثل هذه السهول الواسعة الامتداد المتصلة ببعضها، بل إننا نجد سهول هذه المناطق من آسيا تنفصل عن بعضها بواسطة كتل عالية.

ومن أهم السهول المحلية سهل الصين العظيم وسهول سيام «تايلاند»، وسهل الهندوستان وسهول أخرى صغيرة في فيتنام والعراق. أما أفريقيا فهي أقل قارات العالم سهولًا، ولكنها قد عوضت عن ذلك بظاهرة الأحواض المنبسطة العالية في داخلية القارة مثل حوض السودان الجنوبي وحوض الكنغو وحوض تشاد.

وأخيرًا؛ فإنَّ قارة القطب الجنوبي عبارة عن هضبة عالية لا سهول فيها، وكلها مُغَطَّاة بالجَليدِ الدائم.

(١-٢) المناطق السلبية أمام السكن البشري

ليست كل مسطحات الأرض صالحة للسكن أو الإنتاج؛ فهناك عوائق نُسَمِّيها سلبيات لا تساعد على انتشار الإنسان بكثافة أو إيجاد وسيلة حياة يمكن أن تنمو وتغني المكان، وليس معنى هذا أنَّ مناطق السلبيات غير مأهولة أو غير منتجة، وإنَّما هي مأهولة بأعداد قليلة منَ النَّاس تكيفت على البيئة تكيفًا يُشْبِه التكيف الإيكولوجي للنبات أو الحيوان.

مثال ذلك: سكان الجبال العالية حيث ينخفض الضغط الجوي كثيرًا ولا يطيقه سكان السهول، أو سكان البادية الذين احترفوا حياة الجفاف، فبات من الصعب على غيرهم أن يقلدوهم في مضامير حياة الصحارى.

والأقاليم السلبية تفتقد عنصرًا حيويًّا هامًّا أو عدة عناصر معًا، وهذه الأقاليم هي كما نتبينها من الشكل (٣-١):
  • (١)

    أقاليم البرد الدائم في شمال آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، وكلها تكاد ألا تكون صالحة للزراعة إلا بطرق علمية حديثة وفي مساحات معينة، وتدجين البذور على النمو في فترة قصيرة جدًّا.

    fig4
    شكل ٣-١: المناطق السلبية أمام السكن البشري.
  • (٢)

    أقاليم الجفاف الباردة (التندرا) والحارة (الصحارى الحارة والدافئة) والهضاب العالية كالتبت، وهذه الأقاليم تمتد في العالم القديم في محور من الشمال الشرقي في منغوليا إلى الجنوب الغربي حتى موريتانيا عبر الهضاب الإيرانية الأفغانية والصحراء العربية الأفريقية. ولولا أنه يخطها أنهار منابعها خارج الصحارى لكانت قفرًا من كل شيء تقريبًا؛ لكن الأودية النهرية المحدودة: سرداريا وأموداريا في وسط آسيا والفرات ودجلة والنيل في الشرق الأوسط ساعدت على تكييف حياة زراعية مستقرة كانت أولى مدنيات العالم.

  • (٣)

    أقاليم الجبال لا تفتقد عنصرًا حيويًّا واحدًا بل عدة عناصر؛ منها البرودة في السفوح العليا والجفاف وعدم وجود تربة في السفوح الوسطى والفيضانات الجارفة في السفوح الدنيا، والصخر العاري، والبعض المستوي منه وشبه المستوي يسمح بنمو أعشاب قليلة صالحة للرعي. وفي الوديان السفلى استقر الإنسان بأعداد محدودة يحترف الرعي وزراعة الأعلاف، والجبال تمتد في سلاسل ضخمة في كل القارات عدا أفريقيا التي تتميز بكتلة هضبة الحبشة وحافات الأخدود الأفريقي. والجبال في المناطق الحارة مستحبة السكن، بينما هي غير مرغوبة في العروض الشمالية؛ لأنها تزيد من البرودة حدة. وعلى العموم؛ فالجبال سلبية بحكم أنها تمثل عقبة في الحركة والنقل لوعورتها، ومن ثم كان التجاء الناس قدر الإمكان للعيش في المناطق السهلية.

ولا يمنع ذلك من وجود استثناءات نتيجة لتلطف المناخ في الجبال المدارية والاستوائية ولوجود الكثير في الثروات المعدنية فضلًا عن المراعي الجبلية والغابات، وكثرة وجود مساقط المياه التي تقام عليها محطات توليد الكهرباء مثل ما هو قائم في أوروبا وأمريكا بكثرة.

(١-٣) التربة والخصوبة الطبيعية

التربة عامل على جانب كبير من الأهمية في التأثير على الغطاء النَّباتي الطبيعي والمزروع، والتربة في حد ذاتها هي النتاج النهائي لتفاعلات عديدة أهمها:
  • (١)

    الصخر المحلي.

  • (٢)

    الظروف المائية.

  • (٣)

    النبات.

فعوامل التعرية الطبيعية تؤثر بشدة على السطح الصخري وتحول جزءه الظاهر إلى أجزاء صغيرة تتفاعل مع المطر أو الرطوبة الجوية أو الحرارة أو الجليد … إلخ. ومع البقايا العضوية للنبات والحيوان بطريقة كيميائية وبيولوجية فتعطينا تلك الطبقة السطحية التي نُسمِّيها التربة. وتتراوح التُّربة في مدى سُمكها فهي قد لا تبلغ بضعة أقدام في المناطق المُعتدلة أو العروض الوسطى وعشرات الأقدام في المناطق الرَّطبة. وكُلنا نعرف أن أهمية التربة راجع إلى أنها الطبقة التي ينمو عليها النبات، منها يغتذي ويحصل على الماء اللازم للحياة، وخصب التربة يرجع إلى تركيبها الطبيعي والكيميائي وعناصر الغذاء فيها وتخلخلها ومساميتها وغير ذلك من العناصر، وبعض أنواع التربات مفككة تجرفها الأمطار معها إذا ما فقدت الغطاء النَّباتي العُشبي أو الشجري الذي يحميها، والبعض الآخر مُتَماسك يصمد في وجه عوامل التعرية الطبيعية وقتًا طويلًا.

وهناك تربات تتجدد باستمرار كالتربة الفيضية أو البركانية؛ وبالتالي فإن التربة المتجددة لا تصل أبدًا إلى مرحلة النضوج من حيث القدم والاستقرار، ولكن ذلك لا يؤثر بِطَبيعةِ الحال على خُصُوبتها. ولما للتربة من أهمية بالغة فإن هناك أقسامًا خاصة بالبحث والدراسة تركز نشاطها على التربة إما لزيادة الخصب وإما لتجنب جرف التربة ودراسة أنجح المحاصيل على أنواع التربات المُختلفة، وقد اتفق العُلَماء على أنَّ هُناك أنواعًا من التُّربة المُتَشابهة في مناطق مختلفة مما دعاهم إلى تقسيم عام للتربة، وأهم أنواع التربات ما يلي:
  • (١)
    التربة القطبية: وهي قليلة السمك جدًّا وغير صالحة في الوقت الحاضر للزراعة.
  • (٢)
    تربة البودزول Podzol: وتنتشر في الغابات المخروطية، وهي غنية بالمواد العضوية.
  • (٣)
    التربة البنية Brown: وهي كثيرة الانتشار في المناطق الممطرة من العروض الوسطى.
  • (٤)
    التربة السوداء Chernozem: وتربة البراري، وتكثر في المناطق العُشبية من العروض المعتدلة، ولها شهرة عالمية بخصبها العالي (أوكرانيا – براري أمريكا الشمالية).
  • (٥)
    التربة الصحراوية: وهي رملية غير صالحة للزراعة في الوقت الحاضر.
  • (٦)
    تربة اللاتريت Laterite: وتكثر فيها عناصر الحديد وتقل المواد العضوية وتنتشر في غالبية النطاق المداري.
  • (٧)
    التربة الفيضية: وهي من التربات الخصبة المتجددة، وتكثر في مناطق السهول النهرية.
  • (٨)
    التربة البركانية: وهي من أخصب تربات العالم في مناطق البراكين والطفوح البركانية.

موضوع الخصوبة الطبيعية والإنتاجية

توضح الخريطة (٣-٢) الخصوبة الطبيعية للأرض، ويتضح منها أنَّ التُّربات الرسوبية الهوائية «اللوس»، وخاصة في أوكرانيا وجنوب روسيا وغرب سيبيريا، وحوض الهوانجهو والسهول الوسطى الأمريكية والبمباس الأرجنتيني هي مناطق مؤهلة طبيعيًّا لخصوبة عالية؛ ومعنى ذلك أن أجزاءً من العروض الوسطى هي الأخصب، أما نطاقات الجبال وأقاليم الجفاف والبرودة الشديدة فهي طبيعيًّا قليلة الخصوبة أو منعدمة؛ لأن شرطًا طبيعيًّا غير متوفر مثل قصر فصل الإنبات لحد عدم إمكانية الزراعة، سواء كان ذلك هو البرودة المستمرة أو الجفاف المستمر. أما بقية الأقاليم فهي متوسطة الخصوبة إلى متدنية، سواء كان ذلك في النطاق المداري أو العروض الوسطى.
fig5
شكل ٣-٢: الخصوبة الطبيعية للأرض: (١) خصوبة عالية. (٢) خصوبة متوسطة إلى منخفضة. (٣) قليلة أو منعدمة الخصوبة.
أما خريطة الإنتاجية الزراعية (شكل ٣-٣) فتوضح تلاقيًا واضحًا نتيجة الخصوبة الطبيعية في مناطق كثيرة في شرق آسيا، وسهول روسيا، وأوكرانيا، وأمريكا، وشرق الأرجنتين، ولكن العوامل البشرية تلعب دورًا في رفع الإنتاجية في أرض أصلًا متوسطة أو متدنية الخصوبة طبيعيًّا.
fig6
شكل ٣-٣: الإنتاجية الزراعية: (١) إنتاجية عالية. (٢) إنتاجية متوسطة. (٣) إنتاجية منخفضة أو منعدمة.

وقد وضح ذلك في غرب أوروبا وشمال الهند وشرق الولايات المتحدة وجنوب الصين، والعوامل البشرية متعددة، ولكن على رأسها تحسن تقنية الزراعة والبذور واستخدام الهندسة الوراثية في اختيار البذور وتهجينها، وفضلًا عن ذلك استقرار البنية التحتية وأداء السوق الداخلي والدولي، وكل ذلك في البلاد المتقدمة.

أما في الهند والصين؛ فإن كثافة السكان ربما كانت عاملًا تاريخيًّا في تكثيف الزراعة التقليدية، ولكن تحسين البذور واستخدامات تقنية كثيرة قد ساعدت على ارتفاع الإنتاجية في الهند والصين ومصر.

(٢) العنصر البشري

(٢-١) نمو السكان العالمي

يعيش الآن على سطح الكرة الأرضية ٥٫٧ مليار (١٩٩٥) من البشر. فهذه الحقيقة المجردة قد لا تعني أكثر من دلالتها الضخمة إذا ذكرناها وحدها؛ لكن أهميتها ومخاطرها نتبينها من النَّظرة التاريخية إلى أعداد السكان في الماضي.

جدول ٣-١: تقديرات وأعداد السكان (سنة ١٨٥٠ = ١٠٠).
السنة العدد بالمليون نسبة التزايد
١٦٥٠ ٥٥٠ ٤٦
١٧٥٠ ٧٢٥ ٦٠
١٨٥٠ ١٢٠٠ ١٠٠
١٩٥٠ ٢٤٠٠ ٢٠٠
١٩٩٥ ٥٧١٦ ٤٧٦

فإذا كان سكان العالم ١٠٠ سنة ١٨٥٠ فإنهم كانوا أقل من النصف قبل ذلك بقرنين، وتزايدوا بعد قرن ونصف (١٨٥٠–١٩٩٥) بمقدار أربع مرات وسبعة أعشار؛ أي نحو خمس مرات. معنى هذا أن النمو تزايد ببطء أولًا، ثم تسارع بشكل لا يكاد أن يكون له ضابط؛ فقد استغرق قرنًا (١٨٥٠–١٩٥٠) ليتضاعف مرة واحدة، واستغرق نصف قرن ليتضاعف ٢٫٧ مرة في الفترة من ١٩٥٠–١٩٩٥.

ويتوقع الديموجرافيون تزايد أكبر في العشرين سنة القادمة بحيث يصلون إلى نحو ثمانية مليارات عام ٢٠٢٢، هذا إذا لم تمارس الدول سريعة النمو ضوابط كاسحة لتقلل نسبة النمو من ٢-٣٪ إلى ١-٢٪ فقط.

وقد يأتي يوم لا تستطيع تكنولوجيا إنتاج الغذاء مواصلة نمو إنتاج الغذاء لتقابل نسبة نمو سكان العالم. ولا بد لنا من أن نطور عاداتنا الغذائية فنقترب كثيرًا من الهندوس آكلي النباتات فقط، بل وأن نطور زراعات بعض الأعشاب البحرية؛ لتكوين خمائر تكون أساس الغذاء المقبل.

(٢-٢) التوزيع المكاني لسكان العالم

لا ينتشر الناس بدرجات أو كثافات متشابهة في أرجاء العالم، بل هناك مناطق غير معمورة لمعاداتها للسكن البشري الدائم ولنقص شروط إنتاج غذاء ما، كالصحارى الجافة والأقالنسبة المئوية من العمالة العامةاليم القطبية فضلًا عن قارة أنتاركتيكا غير المأهولة إلا ببعض معسكرات للباحثين والعلماء يأتون موسميًّا إليها، وكذلك الجبال العالية ومناطق التندرا قليلة السكان جدًّا؛ إما لقلة ضغط الهواء، وإما لاستمرارية فصل البرد، الذي يمنع تولد النبات الذي هو أساس إيكولوجية الحياة الطبيعية (شكل ٣-٤).

ومقابل هذا نجد تركيزًا كبيرًا للسكان في أقاليم معينة كما توضحها الأرقام التالية: شرق آسيا ١٤٤٠٠ مليون: الصين (١٢٢٢ مليونًا) اليابان (١٢٥) جمهورية الصين (تايوان) (٢١) كوريا الشمالية (٢٣) كوريا الجنوبية (٤٤) هونج كونج (٥٫٦).

جنوب آسيا ١٦٦٨ مليونًا: الهند (٩٣٦ مليونًا) إندونيسيا (١٩٨) باكستان (١٤١) بنجلاديش (١١٥) فيتنام (٧١) الفلبين (٦٧) تايلاند (٥٨) ميانمار (برما) (٤٥) ماليزيا (١٩) كمبوديا (١٠) لاووس (٥) سنغافورة (٣).

أوروبا ٥٠٤ ملايين: ألمانيا (٨٢) فرنسا (٥٨) بريطانيا (٥٨).

الأمريكتين ٧٧٤ مليونًا: الولايات المتحدة (٢٦٣) البرازيل (١٦٢).

أفريقيا ٧٢٨ مليونًا: نيجيريا (١١٢) مصر (٦٣).

إقليم السوفييت السابق ٢٩٣ مليونًا: روسيا (١٤٧) أوكرانيا (٥١).

أوشينيا ٢٨ مليونًا: أستراليا (١٨).

بقية آسيا ٣٤٨ مليونًا: تركيا (٦٢) إيران (٦٨).

يتضح من هذا التوزيع ما يلي:
  • (١)

    ٥٤٫٣٪ من سكان العالم يتركزون في شرق وجنوب آسيا.

  • (٢)

    أقل من نصف سكان العالم ينتشرون في بقية أجزاء العالم.

  • (٣)

    وبالرغم من ذلك؛ فإن كثافة السكان إلى الأرض توضح أن هناك منطقتين كثيفتي السكان هما: شرق وجنوب آسيا من ناحية، وأوروبا من ناحية ثانية. وفيما بينهما توجد نقاط محدودة المساحة كثيفة السكان تتمثل في واحات وأحواض الأنهار في تركستان وإيران والمشرق العربي، وخاصة وادي النيل ودلتاه في مصر. وفي خارج العالم القديم نجد مناطق محدودة من الكثافات السكانية العالية متمثلة في: شرق الولايات المتحدة، ومنطقة البحيرات العظمى الأمريكية الكندية، وحول المدن الكبيرة: سان فرانسسكو ولوس أنجيلوس ومدينة المكسيك وريودجانيرو وبيونس أيرس ومنتفديو وسانتياجو في الأمريكتين، وحول سدني وملبورن في أستراليا، وحول كيبتاون وجوهانسبرج ولاجوس في أفريقيا.

fig7
شكل ٣-٤: الصورة العامة لكثافة السكان في العالم.

ومن هذا التوزيع للكثافات السُّكانية يتضح أنها تزيد حول المدن الكبرى في العالمين؛ المتقدم والنامي، وفي السهول الزراعية التقليدية في الصين والهند والسهل الأوروبي العظيم، ومناطق جزرية ذات تربات خصبة واقتصاد وفير وعلى رأسها جاوه في إندونيسيا وجزر الفلبين وكوبا في الكاريبي.

ولا شك أن عدم التكافؤ في التوزيع العددي والكثافات السكانية راجع إلى مجموعتي العوامل الطبيعية والبشرية.

وللعوامل الطبيعية قوة لا تنكر في إمكانية السكن؛ فالصحراء والتندرا والغابات الاستوائية الكثيفة تساوي بيئات طاردة للسكن إلا بأعداد قليلة، والنَّمط الحضاري لدى المجتمعات المُختلفة هو أهم عنصر بشري في إمكانية الحصول على الثروة الزراعية أو الصناعية من الأرض بطريقة أكثر أو أقل؛ ومن هنا الاختلاف بين الدول والشعوب المتقدمة وتلك في العالم النامي حيث الاختلاف مرده الأول اختلاف منسوب الحضارة المادية.

(٢-٣) القوة العددية والنوعية للسكان

الإنسان في مجموعاته المُختلفة السلالية واللغوية، وخاصة السياسية، مصدر طاقة هائلة؛ لأنه ببساطة العامل المُحرك لجميع أعماله ونشاطاته الاقتصادية، وهكذا فالدول التي تتمتع بعدد سكاني أكبر تشعر بقوة أكثر من الدول الأقل سكانًا، ومن أوضح الأمثلة المُعاصِرةِ الصين والولايات المُتحدة؛ فرغم التفوق الضخم في التسليح الذي للولايات المتحدة؛ فإنها ما تزال مترددة وستتردد كثيرًا في دخول صدام مباشر مع الصين، وذلك للتفوق الساحق الذي تملكه الصين في عدد سكانها؛ أي في مواردها البشرية.

ومثال آخر: فقد كانت فرنسا تخشى التفوق الألماني السكاني، وكان هتلر ومعاونوه يدركون أهمية القوة السكانية فكانت الدولة تشجع الأسر على زيادة أعدادهم بمختلف وسائل الترغيب المادية.

وليست قوة السكان كامنة في المقدرة العسكرية فقط، بل إن العدد الكبير من السكان يجعل في الإمكان التفوق في المنافسة الاقتصادية، فرَغم الاختلاف السياسي بين أمريكا وبريطانيا وفرنسا واليابان من ناحية، والصين من ناحية أخرى، فإنَّ هذه الدول تخطب ود الصين؛ لأنَّها تكون في الواقع سوقًا لا نهاية له لاستهلاك المصنعات الأمريكية أو الإنجليزية أو الفرنسية أو اليابانية.

ومن ناحية أخرى؛ فإنَّ عددَ السكان الكبير يجعل في إمكان اليابان بأجور عمالها القليل — بالقياس إلى أجور العمال في أوروبا أو أمريكا — أنْ تُنَافِس بنجاح عددًا من الصناعات الأمريكية والأوروبية (أجهزة الإلكترونيات على سبيل المثال) لولا ما تكبل به الولايات المتحدة اليابان من معاهدات وحرب تجارية.

(٣) الغذاء

(٣-١) المصدر الأولي للغذاء

جاء في تقديرات لمنظمة الصحة الدولية أنَّ مليارًا من السكان يستهلكون عشرة ملايين من أطنان الغذاء سنويًّا، وفي تقدير «متنبئ الموارد للمستقبل»: أنه إذا ظلت الطاقة الشمسية والتوزيع المناخي العالمي على ما هو عليه الآن، فإنَّ الحد الأقصى النظري لإنتاج المواد العضوية (النباتية) بواسطة التمثيل الضوئي هو مائة مليار طن سنويًّا. وقد انطلق هذا التقدير من النقاط الآتية:
  • (١)

    الشمس هي المصدر الأولي للطاقة، وتشع موجات من الطاقة الكهرومغناطيسية وجزيئات سريعة في الفضاء.

  • (٢)

    حيث إنَّ هذا الإشعاع يُمثل كل الطاقة المُتاحة على الأرض (باستثناء نسبة ضئيلة ناجمة عن تحلل العناصر المُشِعَّة في التكوين المعدني الأرضي) فإنه يمكن استخدامها لتقدير كمية الطاقة المُتاحة للإنسان. وهكذا فإنَّ كمية الخضريات التي تختزن الطاقة الشمسية بالتمثيل الضوئي هي مصادر الغذاء الأولية.

لكن المواد العضوية الجافة (= ناقص الرطوبة) ليست كلها مواد غذائية، وحتى النباتات المزروعة لا تؤكل كلها، بل رُبما أقلَّ من نصفها، وفي المراعي الطبيعية يجبُ أن نستخدم معامل ١٢ إلى ١ لتحويل الطاقة من النبات إلى الحيوان إلى الغذاء البشري.

وهكذا فإنَّ أرقام الإنتاج يجبُ أنْ تَهْبِط إلى حوالي مليار طن سنويًّا بدلًا من تقدير «متنبئ الموارد للمستقبل» الذي بالغ إلى حد أن الإنتاج يمكن أن يصل إلى حدود مائة مليار طن!

وعكس ذلك يُمكن رفع تقديرات هيئة الصحة العالمية السابقة بالنسبة لاستهلاك الغذاء؛ لكي نعوض الفاقد في عمليات كثيرة ربما بلغت ٣٠٪ فاقدًا قبل الحصاد و٣٠٪ أخرى فاقدًا لما بعد الحصاد، كما يجب أن نعوض الفاقد الناجم عن أن الإنسان لا يأكل كل أجزاء المحصول، فبعض أجزائه غير صالحة للغذاء البشري. وأخيرًا لكي نعوض أيضًا معامل تحويل الغذاء من النبات للحيوان للإنسان.

وواضح من هذه التقديرات والاجتهادات أنَّ العمليات الزراعية ليست كالصناعة؛ فإنَّ حساباتها معقدة لتداخل عناصر كثيرة من البذرة إلى التربة إلى المحصول إلى الحصاد إلى التخزين والنقل والبيع، ويرى البعض أن العمليات الزراعية كلها تعمل بكفاءة أقل من ١٥٪ من الحد الأقصى للقدارات الإنتاجية.

(٣-٢) المساحة المزروعة عالميًّا

هناك تقديرات كثيرة عن المساحات التي يُمكن زرعها على سطح الأرض؛ ففي ١٩٣٠ قال الأستاذ فوست:١ إن نحو ٣٠٪ من مساحة الأرض يمكن أن تُستزرع، وهذا قد يصل إلى نحو ٤٠٠٠ مليون هكتار (الهكتار = ٢٫٥ فدان) تحت الزراعة! ورأى بيرسون وهاربر عام ١٩٤٥٢ أن نحو ألف مليون هكتار أو نحو ٧٪ من أرض العالم قابلة لإنتاج الغذاء؛ أي أقل مما هو مزروع حاليًّا.
ويقول كيللوج٣ عام ١٩٥٠ إنه من المعقول أن ٢٠٪ من أرض التربات المدارية غير المُستغلة في أفريقيا وأمريكا والجزر الكبيرة مثل مدغشقر وبورنيو، يُمكن استزراعها، وهو ما يعطينا نحو ٤٠٠ مليون هكتار جديدة للزراعة؛ كما يرى أن الزراعة الحالية في تربة البودزول والتي توجد شمال النطاق المعتدل، يمكن أن نستزرع منها نحو ١٠٪ بدلًا من الواحد في المائة الحالية، فإذا أمكن تنمية البنية الأساسية ووسائل النقل في هذه المناطق؛ فإن ذلك يُعطينا نحو ١٢٠ مليون هِكْتَار أخرى للاستزراع.
أما ددلي ستامب٤ فلم يحدد رقمًا نهائيًّا لإمكانات الاستزراع، لكنه بعد إنقاص مساحة المناطق شديدة البرودة أو شديدة الجفاف، أو تلك الجبلية الوعرة، فإن الباقي من سطح الأرض يساوي نحو ٤٠٪ ويقول: يجب إنقاص مساحات أخرى من هذا المتبقى بسبب تربات فقيرة أو عدم وجود تربة صالحة، أو مناطق المطر الشديد الجارف.

وهذه الأرقام تمثل اجتهادات وليست دراسات معمقة مفصلة، إنما هي تأخذ في الاعتبار قضايا عامة في الأقاليم الجغرافية. والمستحسن دراسة كل إقليم على حدة، وأن نأخذ في الاعتبار أقاليم «كوبن» المناخية لما هو معروف من ارتباط وثيق بين الزراعة والمناخ.

ويرى روبنسون٥ في ١٩٧٢ أن ستة مليارات من الهكتارات من سطح الأرض قابلة للزراعة؛ لكن نحو ١٫٣ مليار هي التي تُزرع فقط، ويقدر أن الفرد يحتاجُ لغذائه نحو هكتار واحد، لكن المساحة المزروعة حاليًّا تعطي الفرد ٠٫٦ هكتار، وهذا أمر فيه تفاوت كبير بين الشعوب ولو أمكن زراعة ٦ مليارات هكتار لارتفع نصيب الفرد على أساس عدد السكان الحالي (قريبًا من ٦ مليارات نسمة) إلى نحو ١٫٦ هكتار.
ويوضح الرسم البياني رقم (٣-٥) توزيع الاستخدامات الرئيسية على سطح الأرض «هيئة الفاو ١٩٨٧»، ومنه يتضح أن الأرض المزروعة فعلًا هي ١١٪ من سطح الأرض، يليها ٢٥٪ مراعي دائمة و٣١٪ غابات، والباقي استخدامات أخرى أو غير مستخدمة، وتساوي ثلث سطح الأرض.
fig8
شكل ٣-٥: استخدامات سطح الأرض اقتصاديًّا ١٩٨٦.

التوزيع المكاني للمساحات المزروعة عالميًّا

يوضح الشكل (٣-٦) كيف تتفاوت القارات في مساحة الأرض الزراعية. فقارة آسيا تستحوذ على نحو ثلث المساحات المزروعة عالميًّا، تليها أمريكا الشمالية ثم الاتحاد السوفييتي (السابق) ثم أفريقيا فأمريكا الجنوبية. وبرغم صغر مُساهَمة أوروبا من ناحية المساحة فإنَّ إنتاجها كبير بسبب استخدام طرق الزراعة الحديثة؛ لدرجة أن الفائض كبير، وقد لا يجد سوقًا. ففي فترة الثمانينيات وُصف الإنتاج الزائد في بريطانيا بأنه بحيرات من الحليب وتلال من الزبد. وتخصصت بلاد أوروبية في منتجات معينة كاللحوم والجبن والدهون الحيوانية والنباتية والألبان منزوعة الماء … إلخ؛ نتيجة الدعم الحكومي ودعم أجهزة السوق الأوروبية المشتركة لهذا الاتجاه الإنتاجي لتعويض ما كانت عليه أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية من اعتماد كبير على واردات زراعية وغذائية من بلاد العالم النامي «المستعمرات السابقة».

وتضع السوق المُشتركة قيودًا كثيرة الآن على واردات المنتجات الزراعية والأغذية من الدول النامية خوفًا من انتشار آفات معينة. ولكن هذا لم يمنع من نمو أمراض في أوروبا أشهرها ما عُرِفَ أخيرًا ﺑ «جنون البقر» في إنجلترا. ومثل هذه الأشياء غالبًا ما تحدث ولا تمثل نكسة على المسار الطويل، وإنما تزيد من المعرفة العلمية بعوالم الأحياء البيولوجية فيما بعد.

fig9
شكل ٣-٦: استخدام الأرض في قارات العالم ١٩٨٦ بمليون هكتار.
وعلى العموم، فإن مُعظم بلاد العالم تُحاول رفعَ إنتاجية الحقول باستخدام أنواع كثيرة من المخصبات، التي أصبحت تشكل نسبة كبيرة من تجارة العالم في الوقت الحاضر، وكذلك تسعى الدول إلى زيادة مساحة الأرض الزراعية بشق قنوات للري وإقامة السدود وبحيرات التخزين. وتتضح هذه الحقيقة من ارتفاع أرقام الأرض المروية في العالم كما يوضحها جدول (٣-٢).
جدول ٣-٢: زيادة مساحات الزراعة المروية ١٩٧٦–١٩٨٦ (بمليون هكتار).
القارة ١٩٧٦ ١٩٨٦ نسبة الزيادة ٪
العالم ١٩٤ ٢٢٧٫٥ ١١٧
أفريقيا ٩٫٦ ١١ ١١٤
أمريكا الشمالية ٢٤ ٢٥٫٥ ١٠٦٫٢
أمريكا الجنوبية ٦٫٧ ٨٫٤ ١٢٥٫٤
آسيا ١٢٣٫٩ ١٤٤ ١١٦٫٢
أوروبا ١٣٫٣ ١٦٫٢ ١٢١٫٨
أوشينيا ١٫٦ ١٫٨ ١١٢٫٥
الاتحاد السوفييتي ١٥٫٣ ٢٠٫٤ ١٣٣٫٣
مجموع العالم المتقدم ٥١٫٨ ٦١٫٨ ١١٩٫٣
مجموع العالم النامي ١٤٢ ١٦٥٫٧ ١١٦٫٧

ويتضح من الجدول السابق أن آسيا هي الأولى في مساحة الأرض المروية، بينما أفريقيا وأمريكا الجنوبية ما زالت تحبو في هذا المجال، وأنَّ الدول المُتقدمة أقل من النامية باعتبار أنَّ مُعظم الدول المتقدمة تقع في العروض المعتدلة ذات الأمطار الوفيرة والأنهار العديدة.

كفاية الغذاء

ليس عدد السكان وحده أو المنسوب التكنولوجي للشعوب هما العاملين المحددين لصفات سكان الدول، بل يجب أن نضيف عاملًا ثالثًا له مفعوله في قوة أو ضعف أداء السكان؛ ذلك هو مقدار ما يحصل عليه الفرد من غذائه من سعرات حرارية تُساعد على القوة أو الضعف الجسدي للإنسان. وتوضح الخريطة (٣-٧) توزيع السعرات الحرارية الإجمالية (الناجمة عن الغذاء البروتيني النباتي والحيواني والسكريات … إلخ).

ومنها يتضح تفاوت ملحوظ بين مناطق الوفرة التي تزيد فيها السعرات عن ٢٥٠٠، ومناطق النقص والجوع التي تقل فيها عن ذلك. وواضح أن الوفرة تتركز أساسًا في العالم المتقدم في شمال وجنوب القارات عدا جنوب آسيا ووسط أفريقيا حيث تتدنى السعرات إلى أقصاها في نطاق يمتد من السودان إلى ناميبيا، وترتفع نسبيًّا في غرب وشرق أفريقيا وفي جنوب آسيا.

fig10
شكل ٣-٧: الغذاء: السعرات الحرارية، مناطق الوفرة والجوع.

والوفرة والجوع لا يرتبطان بكمية غذاء معينة فقط، بل أيضًا بنوعية الغذاء. فقد تكون الكمية كبيرة من نوع قليل السعرات، بينما غذاء مماثل الكمية متنوع الأطعمة يعطي نتائج أفضل.

وقد ينجم الجوع في أماكن أصلًا متوسطة أو حدية السعرات، ولكن كوارث طبيعية كالفيضان والسيول والزلازل، أو كوارث الحروب، سواء كانت محلية أو خارجية، هي التي تسبب الجوع وتؤدي فعلًا إلى وفيات كثيرة بسبب الجوع الفعلي؛ وذلك كما يحدث دائمًا في بنجلادش حيث تسبب الفيضانات غرق جانب من المحاصيل، وبخاصة الأرز، أو الحرب الأهلية في رواندا وبورندي أو الجفاف في أثيوبيا وإقليم الساحل الأفريقي جنوب الصحراء الكبرى، أو حرب لبنان أو البوسنة … إلخ.

ويترتب على ذلك ليس فقط عدم توفر الأطعمة، بل هرب الناس وتكدسهم كلاجئين في أماكن داخل الدولة أو خارجها يكتظ بها الناس، وفي مثل هذه الحالات تتضافر جهود الأمم المتحدة وبعض الدول الغربية على إرسال معونات غذاء عاجلة وتدبير مأوى مؤقت لأولئك الذين فروا من ديارهم وأصبحوا مباءة لأمراض قاتلة.

ويرى الكثير من الخبراء أن المشكلة الحقيقية تكمن في سوء توزيع الغذاء العالمي، أكثر منها مشكلة إنتاج واستهلاك، ويعني هذا أن فائض الغذاء لدى دول معينة يمكن أن يوازن قلة الغذاء في بلاد أخرى، لكن في المقابل نجد جدلية أخرى مقولها: لماذا تطعم الدول الغنية دولًا فقيرة؟ وبالتالي هناك توجهات في بعض دول أوروبا وأمريكا إلى التراجع في المساحات المزروعة، أو مزارع الحيوان لكي لا يكون هناك فائض كبير؛ علمًا بأن هذه الدول تدفع دعمًا لتثبيت الأسعار عن حقيقتها؛ حتى لا يتأثر دخل الفلاح وتصبح هناك فجوة في الدخل بين الريف والمدن.

وهكذا نرى أن المشكلة متشعبة؛ فهي ليست فقط قلة إنتاج الأغذية في بلاد الجوع، بل هي مشكلة فقر أساسي في هذه الدول تجعلها غير قادرة على التنمية الغذائية بالشكل الضروري؛ فهناك إذن دورة فقر، تؤدي إلى تخلف إنتاجي، تؤدي إلى نقص الغذاء.

ولا يقتصر الأمر على تلك الدورة في بلاد العالم النامي الفقيرة، بل هناك مدخلات سياسية بين الدول الغنية والفقيرة، بين مساعي الأمم المتحدة التي تتسم بالإغاثة الإنسانية في بعض أشكالها وبين الاستراتيجيات العالمية التي تقودها الدول الكبرى من بين الدول المُتقدِّمة، بمسعى عام للسيطرة العالمية أو على الأجزاء الهامة استراتيجيًّا من العالم.

مثال ذلك: صراعات القوى في البحر المتوسط والخليج العربي على البترول، وحركة نقله عبر السويس إلى البلاد الجائعة للبترول في أوروبا. وصراع القوى الغربية والشرقية — سابقًا — على نفس المنطقة مما أدى إلى تفعيلات كثيرة في السياسات الداخلية والخارجية لدول المنطقة، ومن بينها سياسة تأمين واردات الغذاء.

(٤) النظم الاقتصادية والحضارية

النظم الاقتصادية هي باختصار القوالب التي تحدد نوع النشاط الإنساني في مجال استغلال الموارد الطبيعية، وتتقرر أشكال هذه النظم داخل النَّسيج المُتشابك الذي يخلقه الإنسان كجماعة، ويعيش داخل ما يُقِرُّه هذا النسيجُ من قواعد وقوانين وأنظمة وعادات وقوالب سلوكية وتربوية وأنماط خلقية، وهذا النَّسيج هو ما نُسميه باختصار «المضمون الحضاري».

وبما أنَّ الأنظمة والمبادئ الاقتصادية هي جزء من المضمون الحضاري لأي شعب أو مجموعة بشرية، في أية مرحلة من مراحل النمو والتطور؛ فإنَّ النُّظُم الاقتصادية تتأثر بهذا المضمون وتؤثر بدورها في المضمون الحضاري.

وأهم ما يتأثر به النِّظام هو التقدم التكنولوجي الذي يؤدي إلى إحداث تطورات كمية تدريجية باستمرار في النشاط الاقتصادي، ويؤدي أيضًا في أحيان أخرى إلى إحداث ثورات في النظام الاقتصادي ككل، وهو ما نسميه بالتغيير الكيفي. هذه التغيرات الكيفية هي التي أدت إلى اختلاف النظم الاقتصادية في العالم على مر الزمن. ورغم أن التطور الكمي التدريجي ذا فَائدةٍ كُبرى في تحسين الإنتاج، فإنها فائدة لا تدرك إدراكًا فوريًّا؛ ولهذا فإنَّ دراستها تحتاج إلى إسهاب كبير. أما التغيرات الكيفية فهي أظهر أنواع التغير، وجعلت من النظم الاقتصادية مراحل تاريخية ليست بالتأكيد محتمة الوقوع في كل جهات العالم، وإِنَّما حدثت في مناطق معينة، ومنها انتشرت إلى مناطق أخرى في أزمنة متفاوتة.

وعلى الرغم من أن هناك اختراعات قديمة كان لها صدى وتأثير واسع في تغير النظم والمبادئ الاقتصادية، نذكر منها اكتشاف النار، صهر المعادن، اكتشاف العجلة، اكتشاف البارود، وأخيرًا اكتشاف الطاقة النووية، فإنه رغم أهمية ذلك فلقد عاشت النظم الاقتصادية والحضارية انقلابين خطيرين أثَّرا تأثيرًا كيفيًّا على الحياة والنشاط الاقتصادي البشري، هذان هما اكتشاف الزراعة واستئناس الحيوان من ناحية، واكتشاف طاقة البُخَارِ من ناحية ثانية، وهما ما نُسَمِّيهما بالانقلابين الزراعي والصناعي.

وعلى ضوء هذين الاكتشافين الخطيرين يتفق كل العُلماء على أنَّ الإنسانية من مهدها إلى يومنا هذا قد مرت بثلاثة أنماط اقتصادية تُسمى كل مرحلة منها بأهم نشاط فيها. وهذه هي:
  • أولًا: نمط الجمع والصيد.
  • ثانيًا: نمط الزراعة.
  • ثالثًا: نمط الصناعة.
ولا يعني هذا بالضرورة — كما سبق القول — أن كل الجماعات البشرية قد مرت في هذه المراحل أو الأنماط الثلاثة بحيث نجد كل المجموعات المعاصرة في مرحلة الصناعة، ويوضح شكل (٣-٨) الأنظمة الاقتصادية المعاصرة على سطح الأرض.
fig11
شكل ٣-٨: أشكال الحياة الاقتصادية المعاصرة: (١) اقتصاديات متقدمة. (٢) الحضارة الزراعية الشرقية. (٣) الرعاة. (٤) زُراع الجبال. (٥) زراع ورعاة. (٦) زُراع. (٧) زراعة بدائية. (٨) صيادون متخصصون. (٩) صيادون وجمَّاعون أوليون.

(٤-١) نمط الجمع

في عالمنا المُعاصر جماعات ما زالت تَعيش في عُزلة جغرافية أدَّت بها إلى استمرار حياة قوامها الجمع، وهذه هي ما نُسميها اليوم الجماعات البدائية، والحقيقة أنَّ عددَ هذه الجماعات محدود جدًّا. ومن الأمثلة على ذلك الإسكيمو في شمال أمريكا، والصيادون في تيرا دل فيجو وأقزام أفريقيا وجنوب شرق آسيا، وجماعات أخرى متفرقة في جزر المحيط الهادي وأدغال أسام وغير ذلك من مناطق العزلة. وإذا وزعنا أماكن هؤلاء البدائيين على خريطة العالم لراعتنا المِساحة الكبيرة التي يحتلونها، ولكن هذه المساحات في الواقع لم تظهر بعد أهميتها للعالم الصناعي إلا في صور محدودة — اكتشاف بعض موارد الثروة الصناعية مثل صحراء كلهاري والماس — ولكنها بلا شك تكون احتياطيًّا للزحف الاقتصادي العالمي إذا ما اشتدت الأزمة السكانية والغذائية والمعدنية. ومع كبر مساحة الأراضي التي يحتلها البدائيون إلا أنَّ أعدَادَهم ضئيلة جدًّا. ومن أوضح الأمثلة على ذلك أن الإسكيمو يحتلون إقليمًا يمتد من جرينلاند إلى شرق سيبيريا يبلغ طوله قرابة عشرة آلاف كيلومتر، ومع ذلك؛ فإنَّ كل عددهم لا يتجاوز خمسين ألفًا، بل حسب الإحصائيات الدقيقة ٤٣ ألفًا فقط. والأمثلة المماثلة كثيرة.

ويقوم هؤلاء البدائيون بنشاط اقتصادي منوَّع، ولكن كله ينطوي تحت ثلاثة أقسام: أولها: جمع الثمار والنباتات التي تنمو بريًّا. والثاني: صيد الحيوان البري. والثالث: صيدُ الأسماك والحيوانات البحرية «مثل عجل البحر أو الحوت». والغالب أنَّ جماعات صيد الأسماك والحيوانات البحرية جماعات مُتخصصة في هذه الحرفة، ولا بأس من جمع النباتات كعمل ومورد غذائي إضافي تقوم به النساء غالبًا. وفي جماعات الصيد البري؛ فإن الرجال يتخصصون في عمليات الصيد الخطيرة، هذا بالإضافة إلى صيد أسماك نهرية إذا وجدت مصادر قريبة، وتقوم النِّساء بجمع النباتات. ومن الطبيعي أن مثل هذا النشاط غايته الحصول على الغذاء فقط، وبالكاد يفلحون في ذلك. ومن ثَمَّ فإنَّ دراسة نشاط هذه الجماعات لا يدخل في نطاق دراستنا لصعوبة الحصول على أية أرقام، وتهم دراستها علوم إنسانية أخرى كالإنثروبولوجيا الحضارية أو تاريخ النظم الاقتصادية.

(٤-٢) نمط الزراعة وتربية الحيوان

أما الزراعة فقط كُشف عنها في الشرق الأوسط، ويرجع تاريخ أقدم كشف عن الزراعة إلى حوالي الألف الثامنة ق.م في قرية أريحا على نهر الأردن، وقد تكون هناك مَنَاطق عرفت الزراعة قبل أريحا، ولكن البحث لم يهتدِ إليها، وفي مصر والعراق وإيران كانت الزراعة أحدث نسبيًّا، بين ٦٠٠٠ و٥٠٠٠ق.م وفي حوض السند أحدث من ذلك. ورُبما كانت في الصين حوالي ٤٠٠٠ق.م وفي الدانوب وأوروبا الوسطى بين ٤٠٠٠ و٢٠٠٠ق.م وفي أمريكا الوسطى حوالي ٢٠٠٠ق.م.

ومع الزراعة عرف الإنسان استئناس الحيوان، وبذلك حدث تغيير جذري في حياة الجماعات التي عرفت الزراعة ومارستها، وأهم نواحي التغيير ما يلي:
  • أولًا: لم يعد الاقتصاد مجردَ اقتصادٍ جمعي — أي قائم على نتاج الطبيعة من نبات وحيوان وأسماك دون التدخل في هذه العمليات — بل أصبح الاقتصاد يقوم على الإنتاج، وبعبارة أخرى التدخل البشري والتحكم — إلى حد كبير — في مصدر الغذاء نباتيًّا كان أم حيوانيًّا.
  • ثانيًا: لم تكن فكرة التخزين قائمة في اقتصاديات الجمع، ولكن لإنَّ المحصول الزِّراعي عبارة عن محصول واحد خلال العام، فقد ظهرت فكرة التخزين لكي يتاح للمزارعين أن يستهلكوا المحصول خلال العام كله؛ لأنه لم يكن في الإمكان إنبات محصول آخر في الماضي، حيث تعتمد الزِّرَاعَة على المطر أو فيضان الأنهار فقط دون أن تظهر فكرة تخزين المياه لزراعة محصول ثانٍ.

    ومع فكرة التخزين ظهرت أهمية علوم البناء والحساب ودراسات الفلك، وظهور التقويم لتحديد مواسم الزراعة، وغير ذلك من العلوم التي تعتبر الآن الأصول الأولى لمعارفنا العِلمية الحديثة كما حدث في مصر وبلاد الرافدين.

  • ثالثًا: إنَّ الانصراف إلى الزِّراعة وقتًا طويلًا من العام وضرورة الإجادة في فنونها قد أدى إلى ضرورة التجمع في أماكن ثابتة، وبناء مساكن ثابتة في مناطق الحقول.

    ونظرًا لإنَّ المُجتمع قد زاد عدد أفراده نتيجة للوفرة والغنى النسبي عن مجتمع الصيد؛ فإنَّ الرَّوابط بين أفراد التجمع السكني الواحد قد أصبحت أكبر من أن تتسع لها رابطة الدم التي تحكم أعضاء مجتمع الصيد القليل العدد في تنظيماته العشائرية. ومن ثم أصبحت الأسرة أهم دعامة للمجتمع الزراعي تليها الروابط الاقتصادية التي تجمع أفراد القرية معًا ضد غيرهم من أهالي القرى المجاورة أو الرعاة المجاورين.

  • رابعًا: كان نتيجة التخصص الإنتاجي ظهور طبقة مهمتها الدفاع عن المنتجين، وأدى هذا في النهاية إلى ظهور أمراء الحرب وبداية الدولة السياسية كما عرفها التاريخ في مصر الفرعونية، ودول العراق (سومر، آشور، بابل)، ومدن اليونان المستقلة، وروما وفارس والصين … إلخ.
  • خامسًا: نظرًا لظروف طبيعية معينة؛ فقد تخصصت جماعات بشرية في الرعي، وكان ذلك في مناطق الحشائش في وسط آسيا ونطاقات الحشائش المدارية، بالإضافة إلى الرعي في النطاق الجاف الممتد من الصحراء الكبرى الأفريقية إلى منغوليا. ومع هذا التخصص انقسم العالم إلى قسمين حضاريين مُتعارضين: الأول: الزُّرَّاع المستقرون الذين يعيشون في ظل الحماية العسكرية لجيوش مُنَظَّمة وأسوار وحصون وقلاع. والثاني: الرُّعاة المُتَنَقِّلون مع الكلإ والماء، والذين يرتبطون فيما بينهم برباط الدم في صورة القبيلة والعشيرة وأقسامها. والذين تربطهم بالزُّراع المُستقرين علاقة إيجابية في معظم الأحيان وسلبية في أحيان أخرى. والعلاقة الإيجابية هي التبادل التجاري المستمر فيما بين النوعين الاقتصاديين. أما العلاقة السلبية فهي الحرب التي كانت تظهر في صورة غارات صغيرة من الرُّعاة على أطراف مَنَاطِق الزراعة في صورة شبه دائمة أو الغزوات الرَّعَوية الضخمة التي تُحَطِّم الدُّول وتُثِيرُ الفوضى في نظام الاقتصاد الزراعي المستقر. ومن أوضح الأمثلة على الغزوات الكبيرة غزوات المغول الرعاة التي انتهت مرة بسقوط إمبراطورية الصين، ومرة أخرى بسقوط الدولة الإسلامية في العراق، وفي مرة ثالثة بتأسيس إمبراطورية المغول في الهند.

ولقد انكسرت شوكة الرُّعاة مرات عدة في خلال التاريخ، وكذلك في الوقت الحاضر لا تظهر للرعاة شوكَة قوية إلا في مناطق محلية محدودة جدًّا من العالم، وقد جاء ذلك نتيجة لجهود السياسة المعروفة باسم «تثبيت أقدام البدو» أي جعلهم مستقرين بخلق نظم اقتصادية مستقرة «كالزراعة أو الرعي الحديث في مزارع أو العمل في التعدين أو الصناعات أو حرس الحدود.»

وقد صادف الاتحاد السوفييتي نجاحًا كبيرًا في هذه السياسة، ولكن ذلك لا شكَّ جاء نتيجة سياسة القمع التي مارستها رُوسيا القيصرية قبل نشوء النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي السابق، وكذلك نجحت السعودية في تهدئة البدو منذ عصر الملك عبد العزيز.

ومن المناطق القليلة في العالم التي ما زال فيها الاضطراب السياسي يعتمد على التقسيم الاقتصادي والحضاري الرعوي والزراعي منطقة كردستان، ولكن علينا أن نتذكر أن الثورات الكردية في هذه المنطقة، وإنْ ارتبطت بنموذج الأكراد الرعوي في الحضارة إلا أن المسألة يذكيها في الوقت الحاضر تيارات سياسية كردية تدعو إلى إنشاء دولة قومية للأكراد منذ أواسط هذا القرن، وبالمثل نفسر الصراع بين الهوتو والتوتسي في رواندا وبورندي.

وقد دخلت على الزراعة والرعي منذ نشأتهما تطورات كمية عديدة انتهت إلى تقسيم هاتين الحرفتين في وقتنا الحالي إلى أقسام عدة أهمها:

أولًا: في مجال الزراعة

  • (١)
    الزراعة البدائية أو المتنقلة: وهي التي تمارس الآن في النطاق المداري من أفريقيا، ولا تعرف هذه الزراعة المخصبات أو تربية الماشية إلا في صورة محدودة، ومن ثمَّ فإن على المُزارع أن ينتقل من حقله إلى حقل آخر مرة كل خمس أو ست سنين بعد أن يزرعه زراعة مستمرة تفقد فيها الأرض خصوبتها. والإنتاج هنا هو للاستهلاك المحلي دون فائض يذكر، ولا يمكن دراسة هذا النوع من النشاط كما هو الحال في اقتصاديات الجمع والصيد ضمن مجالات الجغرافيا الاقتصادية، وإنما مجاله علوم اجتماعية أخرى.
  • (٢)
    الزراعة الكثيفة أو زراعة المحراث: وهذه نشأت في أودية الأنهار المتجددة خصبها مثل سهول: العراق، والنيل، والصين، والهند، أو في مناطق التربة الخصيبة والمطر الوفير مثل سهول ووديان أوروبا، وتتميز هذه الزراعة أولًا باستخدام المحراث الخشبي الذي تطور إلى المحراث الآلي فيما بعد. وتتميز أيضًا بعدم الانتقال من حقل لآخر نظرًا لتجدد الخصب بواسطة الفيضان أو بواسطة المواد العضوية المتخلفة عن الحيوانات. وتتميز من ناحية أخرى بتربية الحيوان والاستفادة من ألبانه ومنتجاته، ومنه كأداة من أدوات العمل الزراعي؛ مما ساعد على تنوع في الغذاء النباتي والحيواني، وساعد على زيادة الرفاهية، ومُعظم دول العالم القديم المجيدة قامت على هذا النوع من الاقتصاد الزراعي والحيواني المُستقر. وظل هذا هو النمط الاقتصادي السائد حتى نشوء الصناعة، وما زال يوجد في أكثر مناطق العالم سكانًا في أوروبا وشرق وجنوب آسيا والشرق الأوسط.

    وهذا النوع من النشاط يمكن دراسته إلى حد بعيد لوجود إحصاءات وأرقام عن الإنتاج في غالبية الدول التي تعيش عليه، وقد أخذت معظم الدول الزراعية بعدة مبادئ بعد الانقلاب الصناعي والتطور العلمي الحديث. ومن جراء ذلك زادت رقعة الأرض المزروعة، وزادت إنتاجية الفدان وأمكن التوسع الرأسي بواسطة إنشاء الخزانات والترع، وأصبحت مساحات كبيرة من هذا النوع من الزراعة تنتج محاصيل تجارية، وأهمها القطن والأرز والشاي والبن … إلخ.

    وتمر مناطق الزراعة الكثيفة في العالم بتقلبات سياسية وأيديولوجية بعد احتكاكها الشديد بالعالم الصناعي، وبعد أن أخذت عنه، ليس فقط مبدأ الإنتاج التسويقي العالمي، بل طرائق الحياة الصناعية ماليًّا وسياسيًّا وإداريًّا وبعض أساليب الحياة الاجتماعية التي تميز العهد الصناعي. ومن أهم هذه النواحي الاجتماعية انكماش الوحدة الاجتماعية من العائلة الممتدة (الجد والأبناء والأحفاد وحدة اجتماعية مالية) إلى الأسرة بمعناها الضيق (الوالدين والأبناء غير العاملين) فضلًا عن الملكيات الصغيرة والتي لا تسمح بتنمية زراعية حديثة وكبر أحجام القرى والمدن؛ مما يؤدي إلى كثافة سكانية عالية.

    وهذه التقلبات ليست أمرًا سهلًا كما حدث في بلاد أخرى من العالم، إنما هي مسألة غاية في التعقيد نظرًا لعمق الجذور التاريخية وتأصلها في شعوب الزراعة الكثيفة، وبالتالي تماسك البناء الاجتماعي على قواعد اقتصادية بدأت في التخلخل والاهتزاز.

    ولهذا فإن أحداث العالم الخطيرة التي نعاصرها ليست في الواقع التسلح النووي وثورات أمريكا اللاتينية، بل هي الثورة الاقتصادية الاجتماعية في الصين، وإندونيسيا، والهند، والصدامات العسكرية في جنوب شرق آسيا، والشرق الأوسط، والثورة الاجتماعية والسياسية نحو التكامل العربي في آسيا وأفريقيا.

  • (٣)
    الزراعة الواسعة: وهذه تظهر فقط في نطاقات الأرض السهلية الضخمة ذات السُّكان قليلي الكثافة، وبعبارة أخرى تظهر في العالم الجديد: سهول كندا والولايات المتحدة، البرازيل والأرجنتين وأستراليا. كما تظهر أيضًا، ولكن على ضوء سياسة مغايرة في سهول أوكرانيا وسيبيريا الغربية والتركستان. وأهم ما يميز الزراعة الواسعة كثرة استخدام الوسائل الآلية في إعداد الحقل وزرعه وجني المحصول وتعبئته. ولكن لمثل هذه الأرض مشكلات مُماثلة لمشكلات الزِّراعة الكثيفة من حيث تأمين الماء وتوفير المخصِّبات ومحاولة رفع إنتاجية الفدان والتوسع الرأسي والأفقي … إلخ.

    ولكن لا تظهر بها مشكلات أخرى خاصة بالزراعة الكثيفة مثل: الازدحام السكاني، ومشاكل سوء التغذية، والمشكلات الاجتماعية الأخرى المترتبة على التزام التقاليد، واستمرار وجود الأسر كبيرة العدد التي تكون وحدة اقتصادية متكاملة مهما كان العدد، ولا تظهر بها أيضًا تنوعات محصولية في مساحات صغيرة نتيجة للملكيات الفردية المفتتة. بل إن الزراعة الواسعة تعتمد على زراعة محصول واحد في مساحات شاسعة. ولذلك فمن أهم مشكلاتها تسويق المحصول الضخم الذي يحتاج إلى صوامع لتخزينه وسكك حديدية في صورة شبكة لنقل المحصول إلى مدن الاستهلاك الرئيسية وتثبيت الأسعار في شكل إعانات حكومية حتى لا يقل الدخل الريفي كما في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.

ثانيًا: في مجال الرعي

  • (١)
    الرعي التقليدي: وهذا لا يزال ساريًا في معظم المناطق المتخلفة، وأهم مجال له نطاق الأعشاب في المناطق المدارية من أفريقيا، بالإضافة إلى رعاة المناطق الجبلية في وسط وغرب آسيا وشمال غرب أفريقيا، ورعاة النِّطاق الصحراوي في أفريقيا وآسيا. ومعظم الإنتاج الرعوي التقليدي لا يدخل ضمن النشاط الاقتصادي الدولي إلا في صورة محدودة: مثلًا: بعض إنتاج الصوف أو الجلود أو الألبان والأجبان.

    وينطبق ذلك خاصة على مثل هذا النشاط في وسط أوروبا بصفة خاصة ومناطق جبلية أخرى بصورة عامة، أما في مناطق الحشائش المدارية الأفريقية والصحراوات الأفروآسيوية؛ فإن المبدأ السائد في الرعي هو العدد لا النوع؛ ذلك أنَّ النظام الحضاري لمثل هذه الجماعات كان يجعل لرءوس الماشية قيمة النقود في مجتمعنا المعاصر؛ وبالتالي فعدد الرءوس ثروة مجمدة يتزوج بها الأفراد ويدفعون الغرامات التي تقررها المَحاكم القبلية، مثل: الدية أو التعويض بسبب القتل الخطأ، وبمقدار ما يملك الشخص من رءوس الماشية يرتفع قدره في المجتمع.

    وعلى ذلك؛ فإن الثروة الحيوانية عند هؤلاء الجماعات تختلف في حقيقتها عن مفهوم الثروة المُستغلة كامل الاستغلال، فلا لحمها يؤكل إلا في مناسبات دينية وطقسية ولا يُستفاد من لبنها عن طريق تحويله إلى منتجات الألبان المعروفة، بل يُشرب فقط دون تحويل، وجلودها تستخدم في نواحٍ نفعية محدودة.

    وخلاصة القول: إن قيمة هذه الثروة الحقيقية أقل بكثير من عددها لضعف الحيوان وقلة وزنه، ولإصابة الجلود بأمراض تجعل استخدامها فيما تستخدم فيه من أغراض مُعاصرة أمرًا صعبًا. ولا أدل على ذلك من أنَّ في أفريقيا قرابة ١٨١ مليونًا من رءوس الماشية لا يدخل منها في الإنتاج الحديث سوى عشرين مليونًا على أكثر تقدير في مزارع المستوطنين الأوروبيين في أفريقيا الجنوبية وبعض مناطق الإنتاج المحلي في أفريقيا المطلة على البحر المتوسط ومصر.

    وبما أنَّ عدد الماشية في العالم قرابة ١٢٧٧ مليونًا، فمعنى ذلك أن حولي ١٤٪ من الثروة العالمية من الماشية في أفريقيا لا تُستغل الاستغلال الواجب.

    وثمة مثل صارخ آخر: فالهند تشتمل على ١٩٩ مليونًا من رءوس الماشية وحدها، وحالة ماشية الهند كحالة ماشية أفريقيا التقليدية، ويرجع ذلك إلى نظرة التقديس التي يعطيها الهندوس للأبقار، فلا يذبحونها ولا يفيدون منها بل يتركونها تمرح وتتوالد وتضعف وتهزل.

    وبذلك فإن ١٥٪ من ثروة العالم من الماشية بلا قيمة تذكر في الهند، ولا أدل على ذلك من أن متوسط وزن لحم البقرة٦ في الهند ٨٠ كيلوجرامًا وفي النيجر ١١٥ كيلوجرامًا، بينما هي في جنوب أفريقيا ٢٢٢ كيلوجرامًا، وفي نيوزيلندا ١٨٠ كيلوجرامًا، وفي الولايات المتحدة ٢٧٩ كيلوجرامًا، وفي النمسا ٢٧٤ كيلوجرامًا، وتبلغ أقصاها في بلجيكا ٣٠٨ كيلوجرامات.

    ولا شك أنه يمكننا أن نجد داخل الرعي التقليدي نوعين أساسيين: الأول: هو الرعي التقليدي البحت، كما هو واقع عند الجماعات الرعوية في النطاق المداري الأفريقي والآسيوي، والثاني: هو ما نجده من تربية للحيوان في مناطق الجبال الأوروبية من ناحية ومزارع السهول الأوروبية من ناحية ثانية. والنوع الثاني يدخل في مجال استغلال الثروة على أحسن الوجوه الحديثة، بل إن بعض مناطق هذا النوع — كما هو الحال في النمسا وسويسرا والدانمرك وهولندا وبلجيكا — قد تصل فيها العناية بالحيوان درجة أكبر من نظم الرعي الواسعة التي سنجدها في العالم الجديد.

  • (٢)
    الرعي الواسع أو الحديث: وهذا النوع يظهر بوضوح في بلاد العالم الجديد بالإضافة إلى مناطق معينة في الاتحاد السوفييتي السابق دخلتها أنظمة هذا النوع من الرعي.

    وهكذا يتفق الرعي الواسع في مناطق وجوده إلى حد كبير مع القارات التي تمارس الزراعة الواسعة. وهناك أنواع عديدة لأنظمة الرعي الواسع يتفق كل منها مع ظروف معينة تنتظم عليها طريقة الرعي.

    ومن أهم أسس الاختلاف في هذا الميدان نوع الحيوان؛ فرعي الخنازير في الولايات المتحدة يختلف في تنظيماته عن رعي الأغنام في أستراليا.

    وكذلك فإنَّ نوع الحشائش والظروف الطبيعية تظهر كأساس آخر لاختلاف شكل الرعي، فتربية الماشية في الأرجنتين تختلف عن مثيلها في الاتحاد السوفييتي، وأخيرًا تؤثر الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في شكل الإنتاج وسوق التصريف، وذلك بالإضافة إلى عامل التخصص في نوع ما من أنواع الحيوان.

    مثال ذلك: تربية أنواع معينة من المرينو (يُسمى كاراكول) في جنوب أفريقيا من أجل الصوف، أو توجيه أصواف أستراليا إلى بريطانيا.

    ومن جراء ذلك؛ فإنَّ الرَّعي الواسع يقوم على أسس علمية مُتخصصة، ويختلف بذلك عن الرعي التقليدي في معظمه في ظاهرة هامة هي عدم الهجرة الموسمية الحيوانية من مكان إلى آخر، بل إنَّ الرَّعي الحديث يقوم على أساس توفير الغذاء الحيواني في مناطق معينة وذلك بزراعته، ومن أوضح الأمثلة على ذلك زراعة الذرة في الولايات المتحدة التي تتجه في غالبيتها إلى مزارع الحيوان.

    وأهم ما يُميز الرعي الواسع اتجاهه إلى السوق، سواء من حيث اللحم أو الألبان أو الصوف أو الجلود بحيث يتم استغلال الحيوان استغلالًا كاملًا.

(٤-٣) نمط الصناعة والخدمات

في أواخر القرن الثامن عشر ظهرت إلى العالم الثورة الصناعية، وكان مهد هذه الثورة بريطانيا، وفي الرُّبع الثاني من القرن التاسع عشر انتشرت إلى فرنسا، وفي أواخر القرن التاسع عشر كانت قد أصبحت النظام الاقتصادي السائد في ألمانيا والسويد والولايات المتحدة وإيطاليا وروسيا واليابان، واليوم تنتشر الصناعة في بقية أجزاء العالم بخطى سريعة، وبالمقارنة بانتشار الزراعة؛ فإن الصناعة قد انتشرت بسرعة تبلغ أضعاف سرعة انتشار الزراعة، والسبب في هذا — بلا شك — راجع إلى أن متطلبات إنشاء الصناعة بشرية أكثر منها طبيعية؛ فطالما وجدت الخامات المعدنية أو الزراعية، فإن في الإمكان إقامة المصنع الملائم طالما توفرت الأيدي العاملة المدربة ورأس المال وسوق الاستهلاك، هذا بالإضافة إلى تقدم وسائل المواصلات، وتبادل المعلومات في عهد انتشار الصناعة، عن بداية الزراعة، وارتفاع الرصيد العالمي من الخبرات والمعارف النفعية العلمية (التقدم في الطب والهندسة والعلوم والجيولوجيا … إلخ).

وتنقسم الصناعة إلى أقسام أهمها الصناعات الثقيلة والصناعات الخفيفة، ويُمكن أن نقسمها مرة أخرى على أساس إنتاج السلع الاستهلاكية من ناحية والسلع الإنتاجية أو الآلات من ناحية ثانية.

ولقد أدت الصناعة إلى إحداث تغَيُّر جذري في التركيب الاجتماعي والسكاني في المناطق التي دخلتها، وكان أكبر مظاهر هذا التغير التركز السكاني الشديد في المدن، والهجرة من الريف إلى المدينة، وانتقال مركز الثقل في أعمال الناس من الزراعة إلى الصناعة، ولا أدل على ذلك من أن ٨٠٪ من السكان كانوا يعملون بالزراعة في العالم في منتصف القرن ١٨ وقد أصبحوا الآن قرابة ٤٠٪ فقط. وما زالت الدول الزراعية في العالم تتسم بنسبة كبيرة من الذين يعملون في الزراعة مثل باكستان ٤٧٪، الهند ٦٦٪، تايلاند ٦٢٪، المغرب ٣٤٪، مصر ٣٣٪، بينما انخفضت هذه النسبة بصورة ضخمة في الدول الصناعية. ففي اليابان ٥٪ يعملون بالزِّراعة، وفي النمسا ٧٪، وجمهورية التشيك ٧٪، وفرنسا ٥٪، وألمانيا ٣٪، وفي كندا ٣٪، وفي الولايات المتحدة ٣٪، وفي بلجيكا ٣٪، وفي بريطانيا ٢٪، والواضح أنَّ نسبة العاملين بالزراعة في انخفاض مُستمر (قارن ذلك بالطبعة الثالثة من هذا الكتاب).٧ ومن المميزات الهامة للصناعة أن نقطة التقاء عوامل الصناعة جميعًا: العمال، رأس المال، الإدارة، الطاقة المحركة، الخامة، نقطة الالتقاء هذه هي مكان محدود جدًّا من سطح الأرض، هذا المكان هو المصنع، وبالتالي؛ فإن مساحات جميع مصانع الأرض لا تحتل سوى مناطق غاية في الصغر بالقياس إلى المساحات الضخمة من سطح الأرض التي يشغلها النطاق الزِّراعي أو الرعوي أو الغابي، ومع هذا الصغر المتناهي فإن الصناعة تحتوي على تركز سُكاني لا مثيل له إلا في مناطق الزراعة الكثيفة القديمة في وادي النيل الأدنى والشرق الأقصى. كما أن هذا الصغر المتناهي ينتهي بسوق ضخمة تغمر في مساحتها مسطح الأرض جميعًا أو تكاد أن تكون كذلك.

ولذلك فإن مناطق الصناعة — رغم صغر مساحتها — تكون أقاليم متميزة، بل عوالم لها صفاتها الخاصة الاجتماعية والاقتصادية، فمثلًا منطقة الرور في ألمانيا أو برمنجهام في بريطانيا أو بتسبرج في الولايات المتحدة لا تساوي إلا مساحات صغيرة جدًّا من مجموع مساحات ألمانيا أو بريطانيا أو الولايات المتحدة، ومع ذلك فلقد أدى نشوء هذه العوالم الجديدة إلى نشوء فروع وأقسام جديدة تمامًا في المعارف الإنسانية، فعلم السكان المدني وعلم النفس الصناعي أمثلة قليلة على مدى الإضافات الحديثة للعلوم الإنسانية إذا ما تركنا كل العلوم التجارية والهندسية والقانونية المترتبة على نشوء الصناعة جانبًا.

وفوق كل هذا؛ فإنَّ الصناعة قد سببت أو كانت فعلًا المُحرك الحقيقي لنشوء نظرية جديدة كل الجِدة على العالم هي التي صاغها كارل ماركس وتلاميذه، وانتهت إلى تقسيم العالم إلى معسكرين عالميين؛ المعسكر الاشتراكي الذي يتغير تحت سمعنا وبصرنا، والمعسكر الغربي بما فيه من اتجاهات تحاول أن تكسب المعركة ضد الاشتراكية بوسائل شتى تبدأ من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في تقارب أصبح واضحًا في أوروبا الشرقية بصفة خاصة.

وكما بدأت الصناعة في صورة مقدمات الصناعة في خلال العصور التاريخية منذ نشأة الزراعة الكثيفة: احتياج الإنتاج إلى أدوات ظلت تتطور من الخشب إلى المعدن، واحتياج الدول الزراعية إلى أسلحة تدفع بها عن نفسها غارات الجيران أو تتسع على حسابهم، واحتياج السكان المستقرين إلى بيوت دائمة بدلًا من الأكواخ أو الخيمة؛ فإن ميدان الخدمات قد بدأ بداية مُبَكِّرة في العصور الوسطى الأوروبية والإسلامية؛ متمثلًا في صور أولية من الأعمال البنكية والتأمين والتسليف.

وقد زادت هذه الخدمات في الفترة التي تلت الكشوف الجغرافية وتراكم الثروة في أوروبا نتيجة شحن الذهب والفضة وغير ذلك من المعادن والجواهر من العالم الجديد إلى إسبانيا وهولندا وبريطانيا وفرنسا، وعدد من بيوت المال العالمية المعاصرة ترجع في أصولها إلى بضعة قرون خلت مثل بنك روتشلد في فرنسا.

ولقد زاد قطاع الخدمات في العالم بعد الصناعة زيادة كبرى، وأخذت أشكاله قواعد علمية وصبغات دولية؛ فالبنوك وشركات التأمين أحد مظاهر هذا التطور الحديث في عالمنا المُعاصر مُرتبطة بمراكز عالمية لإعادة التأمين أو بنوك مركزية.

ومع تطور علاقات الدول وازدياد النَّشاط التجاري وترابط السوق العالمية، ظهرت إلى الوجود حاجات جديدة تدخل في قطاع الخدمات، ومن أهم هذه الخدمات التعليم والصحة والمواصلات، وأخيرًا انتشار التخاطب العالمي بواسطة اللاسلكي وأجهزة الراديو والتليفزيون والصحافة والأقمار الصناعية.

ومع الضغط الشديد الذي تفرضه الحياة المعاصرة أصبحت السياحة والاصطياف جزءًا لا يتجزَّأ من حياة الإنسان، مما اقتضى نمو هذا النوع كجانب هام من الخدمات، هذا فضلًا عن الخدمات المرتبطة بالتسويق والإنتاج كجمعيات التعاون التي تطورت إلى حركة التعاون الزراعية والصناعية وبورصة الأسعار واتحادات الصناعات وغير ذلك.

(٤-٤) الزراعة ومفهوم التخلف

لقد ارتبطت الزِّراعةُ في المفهوم السياسي والشعبي في معظم جهات العالم في الوقت الحاضر بالتخلف الاقتصادي؛ فالدولة التي لا توجد بها صناعة تسعى جاهدة لإقامة الصناعة داخل أراضيها، ولا شكَّ أنَّ سبب هذا الاندفاع نحو الصناعة مُرتبط بحركات التحرر من الإطارات الاحتكارية الصناعية الكبرى التي بدأت بالاستعمار في صوره الأولى في القرون الثلاثة الماضية، وانتهت بتجمعات دول الصناعة في صورة أسواق احتكارية كبرى من أهمها وأوضحها السوق الأوروبية المشتركة.

ومما لا شك فيه أن المجتمع الريفي، حتى في أكثر دول العالم تقدمًا من الناحية التكنولوجية، له مميزات مختلفة عن مجتمعات المدينة للدرجة التي أدت إلى استخدام مُصطلح فلاح أو مُزارع مرادفًا للتجمد والمحافظة أو التخلف.

ورغم إنَّ ذلك المفهوم قد انتقل من المُجتمع الصناعي الرأسمالي إلى بدايات تكوين النظرية الماركسية وتطبيقاتها الأولية في الاتحاد السوفييتي والصين، فإنَّ المَاركسية والاشتراكية في صورها العديدة (باستثناء الأحزاب الاشتراكية في دول أوروبا الغربية والوسطى) قد أضافت الفلاحين إلى العمال في حزمة ثورية واحدة، ولا شك أن ذلك مرتبط أساسًا بدور الفلاحين الثوري الذي اتضح خلال الحرب العالمية الثانية (في يوجسلافيا السابقة ودول شرق أوروبا والاتحاد السوفييتي السابق) وفي الصين وجنوب شرق آسيا (الذي يتكون السواد الأعظم من سكانها من الفلاحين، وقلة قليلة من العمال في صناعات محدودة)، وكذلك في جهات أخرى من العالم (كوريا وأمريكا اللاتينية وأجزاء من العالم الغربي).

ولا يعني ذلك التطور زوال الفوارق بين المجتمعين الريفي والصناعي المديني زوالًا تامًّا، ولكن لا شك في أن انتشار وسائل النقل والإعلام وتصنيع الزراعة و«تصنيع الفلاح» أيديولوجيًّا، والتبادل السكاني بين الريف والمدينة نتيجة ازدياد السكان يساعد على التقريب بين المجتمعين الريفي والمدني.

ويبدو أنَّ الفلاحين في مناطق كثيرة قد بدءوا يعبرون الخط الفاصل بين مجتمعي الريف والمدينة، ولكن الانتقال التام قد لا يحدث إطلاقًا لاختلاف نمط السكن ونوع ومكان العمل وأدوات الإنتاج والسلعة المنتَجة.

هوامش

(١) Fawcott, R. G., “The habitable Globe”, Geog. Journal, Vol. 76, 1930, p. 509.
(٢) Pearson, F. A. & F. Harper, “The World’s Hunger”, Ithaca, N. Y. Cornell 1945 P. 48.
(٣) Kellog, C. E, “Food, Soil and People” N. Y., Manhattan pub. In coop. with the UNSCO, 1950, p. 52.
(٤) Stamp, L. D., “Land for Tomorrow”, Bloomington Indiana Unv. Pres 1952, p. 52.
(٥) Robinson, H., “Geography for Business Studies”, Macdonald and Evans, London 1972, P. 89.
(٦) اللحم بدون الأمعاء والقلب والكبد والكلى والرأس وبدون الشحوم وغير ذلك.
(٧) النسب لعام ١٩٧٦ و١٩٩٤ عن Fischer, Weltalmanach, Frankfurt.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١