الفصل الثالث

التزوير الحديث للتاريخ

إنَّ ما أقدمَ عليه فولني يشكِّل خيرَ طرح لقضيةِ أبشعِ عملية تزوير لتاريخ البشرية على أيدي المؤرخين الحديثين. وليس بوسع أحد أن يردَّ خيرًا منه الاعتبار للجنس الأسود باعترافه بدوره كأقدم مرشد للبشرية في طريق الحضارة، بالمعنى الكامل لتلك الكلمة. وكان من المتوقع أن تفرض استنتاجات فولني استحالة اختراع جنس فرعوني أبيض فيما بعد، يزعم أنه استورد الحضارة المصرية من آسيا في بداية المرحلة التاريخية. والواقع أن هذا الافتراض لا يتلاءم مع حقيقة أبي الهول هذا ذي الرأس الزنجي، المصوِّر لفرعون، والذي يفرض نفسه على أنظار الكل ويصعب استبعاده باعتباره وثيقةً غير نموذجية أو إلقاؤه في مخازن متحف لإبعاده عن التأملات الخطيرة لمن قد يكونون على استعدادٍ لقبول الوقائع الجليَّة.

وجاء بعد فولني مسافر آخر في بداية القرن التاسع عشر، وهو رينزي، الذي توصَّل إلى استنتاجات حول نفس الجنس المصري، تلتقي تقريبًا مع استنتاجات فولني:

«والحق أن الجنس الأحمر-الداكن الهندي أو المصري سيطر من خلال الحضارة على الجنسَين الأصفر والأسود، بل وحتى على الجنس الأبيض، أي جنسنا الذي كان مستقرًّا في أقدم العهود في آسيا الغربية، وهو جنس كان آنذاك متوحشًا إلى حدٍّ أو آخر، كما رأيته مصوَّرًا في مقبرة أوسرع الأول في وادي بيبان الملوك بطيبة، مدينة الآلهة» (أوقيانوسيا، سلسلة الكون، المجلد الأول، ١٨٣٦م).

وفيما يتعلق بالجنس الأحمر-الداكن سنرى أنه بكل بساطة فرع من الجنس الزنجي كما جرى تصويره في آثار ذلك الزمن. فلا يوجد في الواقع جنس أحمر-داكن؛ لأن هناك فقط ثلاثة أجناس متميزة عن بعضها بكل وضوح: الجنس الأبيض والأسود والأصفر؛ أما الجنس الوسيط المزعوم فليس إلا نتاج التزاوج بين تلك الأجناس الثلاثة الأولى.١
والتمثال المصوَّر هنا بالأبيض والأسود (اللوحة رقم ٣-١) يوضح أن لون بشرة المصريِّين المُسمَّى أحمر-داكنًا ليس سوى اللون الطبيعي للزنجي.
fig4
شكل ٣-١: تمثال لونه «أحمر داكن» أو «قاتم».

إنه اللون الذي تناولَته الأقلام باستفاضة، وهو «لازمة» في كل الدراسات حول الجنس المصري. وبوسع ِكلِّ شخص أن يحكم بأنه لون لا يختلف عن لون كافة الزنوج الأفارقة. ويتعين الرجوع إلى هذه الصورة في الكثير من الأحوال للحكم على الكتابات المغرضة للمؤلفين الذين يتخذون من ذلك حجة لتلك السمة العرقية (صورة منقولة عن المتحف البريطاني) (انظر: ص۳۷).

وإذا كان رينزي يتكلم عن جنس أحمر-داكن فذلك لأنه كان لا يستطيع أن يتخلص تمامًا من الأفكار المسبقة السائدة في عهده. وعلى أي حال فإن الملاحظة التي أبداها بخصوص الجنس الأبيض المتوحش والذي يلجأ إلى الوشم، بينما كانت الأجناس الحمراء-الداكنة متحضرة من قبل، كان يجب أن تجعل كل محاولة لتفسير أصل الحضارة المصرية من خلال الجنس الأبيض، أمرًا مستحيلًا. وقد أسهب شامبليون بكل تواضع في تناول ذلك الوضع المتخلف للجنس الأبيض، بينما كانت الحضارة المصرية قد امتدَّ عهدُها آلاف وآلاف السنوات.

ففي عام ۱۷۹۹م قاد بونابرت حملتَه إلى مصر، وفي عام ۱۸۲۲م تمكَّن شامبليون من فك رموز الهيروغليفية. وقد تُوفي في عام ١٨٣٢م؛ تاركًا «كبطاقة زيارة» قواعدَ للغة المصرية وسلسلة من الخطابات الموجَّهة إلى أخيه شامبليون-فيجاك، أثناء زيارته لمصر (١٨٢٨-١٨٢٩م). وقد نشر شامبليون-فيجاك هذه الرسائل في عام ۱۸۳۳م. وهكذا سقط جدارُ الصمت الذي كان يُغلف الهيروغليفية فكشف عن ثروات مدهشة بكل تفاصيلها الدقيقة.

وقد ذُهل علماء الآثار المصرية لفرط إعجابهم بذلك الماضي العظيم والرائع الذي اكتشفوه، واعترفوا شيئًا فشيئًا بأنه ماضي الحضارة الأقدم عهدًا التي تولَّدت منها كافة الحضارات الأخرى.

وبمساعدة الإمبريالية أضحى من الأمور «التي لا يمكن قبولها» أكثر فأكثر مواصلة الإقرار بالأطروحة التي كانت واضحةً تمامًا حتى ذلك الوقت، وهي أن مصر زنجية.

وهكذا تميَّز علم الآثار المصرية منذ نشأته بضرورة أن تُهدم بأيِّ ثمن، وأن تُزال تمامًا من كل الأذهان، ذكرى مصر الزنجية. ومنذ ذلك الوقت أصبح القاسم المشترك في أطروحات علماء المصريات يتلخص في محاولة يائسة لإنكار أطروحة مصر الزنجية. ويجمع مقدَّمًا كل علماء الآثار المصرية تقريبًا على رفض أطروحة مصر الزنجية. وتتخذ كافة محاولات هذا الإنكار الشكل التالي:

لما كان العثور على أي تناقض في شهادات القُدامى القاطعة من خلال المواجهة الموضوعية بكل الواقع المصري، أمرًا غير ممكن، وبالتالي لا يمكن إنكاره، يتم على هذا الأساس إسدال ستار الصمت على تلك الحقائق أو رفضها بغضب وجمود، مع إبداء الأسف لأن أناسًا عقلاء مثل القُدامى أخطئوا إلى هذا الحد وأثاروا بذلك مصاعبَ ومشاكلَ عويصةً للإخصائيِّين الحديثين.

وبعد ذلك تُبذل جهود غير مجدية للعثور على أصل أبيض للحضارة المصرية، فتنطلق على أثر ذلك التفسيرات الذاتية للوقائع والوثائق التاريخية. وينتهي الأمر بالتخبط في التناقضات الناشئة عن ذلك، بالتغاضي عن مصاعب المشكلة بعد العديد من البهلوانيات الذهنية المعقدة وغير المجدية في الوقت نفسه، وبالعودة إلى تكرار العقيدة الجامدة الأصلية، باعتبار أنه قد تم أمام أعين جميع الشرفاء إثبات الأصل الأبيض للحضارة المصرية.

وفي نيتي عرْضُ مجموع تلك الأطروحات على التوالي، ولكنني مضطر، حرصًا على التحلِّي بالموضوعية، أن أعرض كل وجهة نظر بالكامل حتى أكون أمينًا في موقفي إزاء أصحابها، وأُتيح الفرصة للتعرف بشكلٍ مباشرٍ على التناقضات وغيرها من الوقائع التي قد أُشير إليها.

ولنبدأ بأقدم تلك الأطروحات التي عرضها شامبليون في خطابه الثالث عشر الموجَّه إلى أخيه. وهي تتعلق بنقوش مقبرة أوسرع الأول التي زارها أيضًا رينزي، وهي ترجع إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد (الأسرة الثامنة عشرة) وتصور الأجناس البشرية التي عرفها المصريون، ويُعتبر هذا الأثر أقدم وثيقة كاملة وصلت إلينا بخصوص علم الأجناس البشرية. وإليكم ما قاله شامبليون:

في الوادي المسمَّى وادي الملوك، أُعجبنا، شأننا شأن كافة المسافرين الذين جاءوا قبلنا، بنضارة التصوير العجيبة، ورِقَّة النحت في عدد كبير من المقابر. وقد كلفت البعض برسم سلسلة الشعوب المصورة في النقوش. واعتقدتُ في أول الأمر، على أساس نسخ تلك النقوش المنشورة في إنجلترا، أن هذه الشعوب المختلفة الأجناس التي يقودها الإله حورس وهو ممسك بعصا الرعوية، كانت أممًا خاضعة لصولجان الفراعنة، ولكن دراسة النصوص المصاحبة أفادَتني بأن هذه اللوحة لها مغزًى أكثر عمومية. فهي تتعلق بالساعة الثالثة من اليوم؛ حيث تبدأ الشمس في نشر حرارة أشعتها وتدفئة كافة البلدان المأهولة في نصف كرتنا الأرضية. وكان المقصود، وفقًا لما جاء في النص ذاته، تصوير أهالي مصر وسكان البلدان الأجنبية. ولذا نجد أمامنا هنا صورةً لمختلف الأجناس البشرية التي عرفها المصريون، ونتعرف في الوقت نفسه على التقسيمات الجغرافية أو العرقية الكبرى التي تحددت في ذلك العهد البعيد. فالرجال الذين يقودهم راعي الشعوب حورس ينتمون إلى أربع عائلات متميزة، تمامًا كل منها عن الأخرى … فالرجل الأول (رقم ١ في لوحتنا) وأقربهم إلى الإله لونه أحمر داكن وقوامه متناسق تمامًا ووجهه رقيق وأنفه معقوف بقدرٍ ضئيلٍ، وشعره طويل ومضفر ويرتدي إزارًا أبيض، ويُشير النص إلى هذا الجنس تحت اسم روت-إن-ني-روم، الجنس البشري، أحسن الأجناس، أي المصريين.

وليس هناك أيُّ شك فيما يتعلق بجنس الرجل الذي يعقبه (الثاني في لوحتنا) فهو من جنس الزنوج المُطلَق عليهم عمومًا اسم ناحاس. ويمثِّل الثالث مظهرًا مختلفًا بكل وضوح (في اللوحة رقم ٣-١) فبَشَرَتُه بلون اللحم، وتميل إلى الصفار أو اللون الأسمر، والأنف معقوف للغاية واللحية سوداء وغزيرة، مدببة في نهايتها والرداء قصير ومتنوع الألوان؛ ويُسمَّى هؤلاء نامو.

أما الأخير (السادس في اللوحة) فلونُ بَشَرتِه هو ما نُطلق عليه لون اللحم، أو لون البشرة الأبيض في أرقِّ تدرُّجاته، والأنف مستقيم أو مقوس قليلًا والعيون زرقاء واللحية شقراء أو مائلة إلى الحمرة، والقامة طويلة وهو متدثر بجلد بقرة لا يزال محتفظًا بفرائه، وهو متوحش حقيقي، وهناك وشمٌ على مختلف أجزاء جسمه، ويسمَّى هؤلاء تامهو.

وقد سارعت بالبحث عن نظير تلك اللوحة في المقابر الملكية الأخرى، فوجدتُها بالفعل في عدد منها، وأقنعتني تمامًا التنوعات التي لاحظتُها فيها أن الهدف كان تصويرَ سكان نواحي المعمورة الأربع وفقًا للنظام المصري القديم، أولًا: أهالي مصر التي تُشكل وحدها جزءًا كاملًا من العالم وفقًا لتقاليد الشعوب القديمة المفرطة في التواضع. ثانيًا: سكان أفريقيا ذاتها: الزنوج. ثالثًا: الآسيويون. رابعًا وأخيرًا: (وهو الأمر الذي أخجلُ لقوله، لأن جنسنا يُمثِّل آخر السلسلة وهو أشدُّها توحُّشًا) الأوروبيون الذين لا يُقدِّمون في هذا العهد صورةً طيبة للعالم، لكي نكونَ عادلين في حكمنا. ويجب أن نعنيَ بذلك هنا كافةَ الشعوب الشقراء وذات اللون الأبيض التي لا تسكن أوروبا وحدها، ولكن آسيا أيضًا التي انطلقَت منها تلك الشعوب. وهذه الطريقة في النظر إلى تلك اللوحات صادقةٌ للغاية؛ لأن نفس أسماء الأجناس موجودة في المقابر الأخرى وبنفس الترتيب. ونجد فيها أيضًا أن المصريين والزنوج مصورون بنفس الطريقة،٢ لأنه ما كان يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك. أما النامو (الآسيويون) والتامهو (الأجناس الأوروبية) فتُقدم لنا تنوعات شديدة مثيرة للانتباه.
«وبدلًا من العربي أو اليهودي (رقم ٣) الذي يرتدي ملابسَ بسيطة كما هو مصوَّر في إحدى المقابر، يمثِّل آسيا في مقابر أخرى (مقبرة رعمسيس – ميامون … إلخ) ثلاثة أفراد لونهم أسمر هم أيضًا أنوفهم معقوفة، وعيونهم سوداء، ولِحاهم غزيرة، ولكنهم يرتدون ملابس فخمة للغاية. ويُمثِّل أحدهم بشكل واضح تمامًا الآشوريِّين: فملابسهم تُشبه تمامًا في أدق تفاصيلها ملابس الأشخاص الذين نحتت صورهم على الأسطوانات الآشورية، ويمثل الآخر شعوب الميديِّين أو السكان الأولين في بعض أنحاء فارس، ونجد سحناتهم وملابسهم بكل تفاصيلها على الآثار المنسوبة إلى مدينة بارسا (رقم ٤ في اللوحة). لقد كانوا يمثلون آسيا إذن بأيٍّ من شعوبها، بلا تمييزٍ، وينطبق نفس الأمر على أسلافنا القدامى الحقيقيِّين، التامهو (رقم ٦ في اللوحة)، وملابسهم مختلفة أحيانًا وشعرهم غزير إلى حدٍّ أو آخر وزاخر بمختلف الحُلي، ولباسهم الهمجي قد يختلف قليلًا في شكله، ولكن لونهم الأبيض وعيونهم ولِحاهم تحتفظ بكافة السمات المميِّزة لجنس واحد. وقد عهدت إلى البعض بنسخ وتلوين سلسلة الأجناس هذه العجيبة. وبالطبع لم أكن أتوقع عندما زرت وادي الملوك أن أعثر على نقوش تصلح لأن تكون سجلًّا مصورًا لتاريخ سكان أوروبا البدائيِّين، حتى مهما أُوتيَ المرء من الشجاعة للإقدام على ذلك. بيدَ أن منظرهم يُوحي بقدر من الرضا والعزاء؛ إذ إنه يدعونا إلى تثمين الطريق الذي قطعناه منذ ذلك الوقت.»٣ (شامبليون فيجاك، مصر القديمة، سلسلة الكون، ۱۸۳۹م، ص۳۰ و۳۱).

لقد اخترت بالأحرى هذا المقتطف، كما نشره شامبليون-فيجاك بدلًا من اقتباسه من «الطبعة الجديدة» لتلك الرسائل التي أعدَّها شيرونيه-شامبلبون، ابن شامبليون في عام ١٨٦٧م، وذلك لسبب بسيط، وهو أن أصول هذه الخطابات كانت موجهةً إليه بالفعل.

ما هي قيمة هذه الوثيقة لمعرفة الجنس المصري؟ إنها تُقدِّم، بحكم قِدَمها، شهادةً أساسية كان يتعين أن تُجنِّبَنا كافةَ التخمينات التي جرَت بخصوصه. فمنذ ذلك العهد القديم للغاية (الأسرة الثامنة عشرة التي حكمت في فترة وقعَت بين عهدَي إبراهيم وموسى)، كان المصريون قد اعتادوا تصويرَ مجموعتَي جنسهم: الزنوج المتحضرين في الوادي وزنوج بعض المناطق داخل أفريقيا، بشكل لا يسمح بأي خلط بينهم وبين الجنسَين الأبيض والأصفر في آسيا وأوروبا. والترتيب الثابت لتلك الأجناس الأربعة بالنسبة لحورس، يؤكد ذلك التدرج في المركز الاجتماعي. ويستبعد أيضًا ذلك الترتيب، كما اعترف بذلك شامبليون في نهاية الأمر، أي فكرة تتعلق بتقليد مصطلح عليه في التصوير يخلط بين مستويَين متميزَين، ويضع بذلك حورس في نفس مستوى الأشخاص بينما كان في الواقع في مواجهتهم جميعًا.

وإذا كان المصريون قد صوَّروا أنفسهم بلونٍ يُسمَّى رسميًّا «أحمر-داكن» فتلك حقيقة لها مغزاها. فلا يوجد في الواقع جنس أحمر-داكن بالمفهوم العلمي. ولم يُطلَق ذلك الوصف إلا للتشويش على الأذهان. ولا يوجد لون أسود بالمعنى الصحيح للكلمة. فلون الزنجي يميل في الواقع إلى البُنيِّ دون أن يكون من الممكن تطبيقُ نعتٍ صحيح، خاصة وأنه تعرَّض لتدرجات وفقًا للمناطق. فقد لُوحظ أن لونَ الزنوج الذين يعيشون في مناطق جيرية داكنٌ بقدرٍ أقل من لون الذين يعيشون في مناطق أخرى.

كما أنه يصعب نقل لون الزنجي في التصوير ويتم الاكتفاء بتدرجات أقرب إلى هذا اللون. ولون الرجلَين اللذين يتبعان حورس ليس سوى تعبير عن تدرجَين للون الزنوج. ولو صوَّر حاليًّا أحدُ الوُلوف شخصًا من البامبارا أو المُوسى أو اليوروبا أو التوكولور أو الفانج أو المانجبتو أو الباووله، لاستخدم تدرجات في اللون شبيهة بتدرجات اللون في النقوش إن لم تكن تدرجات أكثر تباينًا. ولكن هل يعني ذلك أن كلًّا من الوُلوف والبامبارا والمُوسى واليوروبا والتوكولور والفانج والمانجبتو والباووله ليسوا جميعًا زنوجًا؟ تلك هي الطريقة المشروعة لإدراك فارق اللون بين الرجلين الأولين في تلك النقوش. ولا يوجد في كافة النقوش المصرية تصوير واحد عرض فيه المصريون أنفسهم بلون مختلف عن لون شعوب زنجية مثل البامبارا والآني واليوروبا والمُوسى والفانج والباتوتسي والتوكولور … إلخ … إلخ.

ولو كان المصريون من البيض لكانت كل تلك الشعوب الزنجية وغيرها التي تدفَّقت على أفريقيا بيضاء هي أيضًا؛ وهكذا نصل إلى استنتاج عبثي وهو أن الزنوج هم في صميمهم من البيض.

ووفقًا لتلك النقوش العديدة نجد أن كافة النماذج من الجنس الأبيض في ظل الأسرة الثامنة عشرة كانت تَلِي الزنوج في الترتيب؛ وبالأخص «البهيمة الشقراء» التي ذكرها جوبينو والنازي، أي ذلك الهمجي الموشم المتدثر بفراء حيوان، أبعد عن أن يكون أصل الحضارة بل كان لا يزال يتجنبها أساسًا ويحتل الدرك الأخير من البشرية. وهذا ما لم تَفُت ملاحظته على شامبليون في النص المنشور آنفًا بتعجب وتواضع، ولم يجد أيَّ عزاء آخر سوى تقدير الطريق الذي قطعه هذا الجنس منذ ذلك العهد.

واستنتاج شامبليون في هذا الصدد له مغزاه؛ إذ إنه بعد أن قال إن تلك النقوش يمكن أن تُستخدم كلوحة مصوَّرة لتاريخ سكان أوروبا البدائيِّين، استطرد قائلًا: «إذا كانت لدى المرء الشجاعة للإقدام على ذلك». وفي نهاية المطاف، وبعد تلك الملاحظات أدلى شامبليون برأيه الإيجابي حول الجنس المصري بالعبارات التالية:

«لقد جاءت القبائل الأولى التي استقرت في مصر، أي وادي النيل ما بين شلال أسوان والبحر، من الحبشة أوسنار. وكان قدماء المصريون ينتمون إلى جنس بشري مشابه تمامًا للكينو والبرابرة الذين يعيشون حاليًّا في النوبة. ولا توجد لدى أقباط مصر أيٌّ من القسمات المميزة لأهالي مصر القديمة؛ فالأقباط نتاجُ خليطٍ غير واضح المعالم مع كافة الأمم التي سيطرت على مصر على التوالي. ومن الخطأ محاولةُ العثور لديهم على القسمات الرئيسية للجنس القديم» (شامبليون-فيجاك، ص۲۷).

ونشهد هنا أولى محاولات ربط المصريين بأصل آخر غير الأقباط الذي أكَّدَته ملاحظات فولني. فالأصل الجديد الذي اعتقد شامبليون أنه اكتشفه ليس موفَّقًا هو أيضًا. فالعيب واحد من الجانبَين؛ إذ يتم الابتعاد عن أصل زنجي (الأقباط) للوقوع في أصل آخر زنجي هو أيضًا (النوبيون والأحباش).

والواقع أن السمات الزنجية للجنس الإثيوبي، أي الأحباش، قد حددها بما فيه الكفاية هيرودوت وكافة القدماء، حتى إنه ليس هناك ما يدعو إلى المراجعة. والنوبيون هم أسلاف أغلب زنوج أفريقيا، حتى إن كلمتَي «نوبي» و«زنجي» مترادفتان؛ والإثيوبيون والأقباط كلٌّ منهما من أصل زنجي اختلط فيما بعد بعناصر بيضاء مختلفة في ظل أحوال مناخية متباينة. فقد امتزج زنوج الدلتا تدريجيًّا مع كافة العناصر البيضاء بحوض البحر الأبيض المتوسط التي تسلَّلت إلى مصر في كافة العهود، مما أنتج الفرع القبطي المكوَّن في أغلب الأحوال من عناصر أربعة، عاشت في منطقة عامرة بالمستنقعات. وقد تطعم الأساس الزنجي الإثيوبي بعنصر أبيض جاء من آسيا الغربية — وهو ما سنتعرض له فيما بعد — ونتج عن ذلك جنسٌ ذو بنية أقوى نظرًا لإقامته في منطقة هضبية.

وعلى الرغم من تلك التهجينات المتواصلة والقديمة للغاية، فإن كلًّا منها لم يفقد القسمات الزنجية الخاصة بالجنس المصري الأول؛ فلون البشرة لا يزال أسود بكل وضوح، وهو أبعد بكثيرٍ عن لون المُهجَّن الذي تصل نسبة الدم الأبيض لديه إلى خمسين في المائة. وفي أغلب الأحوال يكشف لون المصريين عمَّا يبلغ بالكاد عشرة في المائة من الدم الأبيض، وكثيرًا ما لا يختلف عن لون الزنوج الآخرين في أفريقيا. وهكذا نُدرك أن الأقباط، والإثيوبيِّين بالأخص، كثيرًا ما تبتعد قسماتُهم إلى حدٍّ بسيط عن قسمات الزنوج الذين لم يمتزجوا أبدًا بأجناس بيضاء. وهناك شعورهم بالأخص التي قد تكون مجعدة بقدر أقل. ومع أنهم ظلوا أساسًا بارزي الأسنان مع استطالة الفك إلا أن المحاولات جرَت لاعتبار بعضهم من أجناس بيضاء مزعومة اعتمادًا على رِقَّة قسماتهم النسبية. فهم من جنس أبيض مزعوم عندما يكونون معاصرين لنا وتَحُول حقيقة عروقهم دون اعتبارهم بِيضًا حقيقيِّين، ولكن هياكل أسلافهم التي تم العثور عليها في المقابر لا بدَّ أن يكون أصحابها بيضًا وفقًا لمقاييس الأنتروبولوجيِّين. وسنرى في صفحة ١٤٩ وما يليها كيف أن تلك المقاييس العلمية المزعومة تؤدي إلى عدم التمييز بين هيكل إثيوبي، أي زنجي، وهيكل جرماني، وإذا أخذنا في الاعتبار الاختلاف الذي يفصل بين الجنسين في الواقع، يتضح لنا مدى الطابع الاعتباطي لتلك المقاييس واللبس الذي يشوبها.

وقد جاء رأْيُ شامبليون هذا حول الجنس المصري في مذكِّرة موجَّهة إلى محمد علي باشا، حاكم مصر، سلَّمها له في عام ۱۸۲۹م.

ولنرَ الآن ما إذا كانت أبحاث فيجاك شقيق شامبليون، أبي علم المصريات، قد حققت تقدُّمًا حول القضية؛ إذ إنه قدَّم لها بما يلي:

«الرأي القائل بأن سكان مصر القُدامى كانوا ينتمون إلى الجنس الزنجي رأيٌ خاطئ جرَى تبنِّيه لمدًى طويل باعتباره حقيقة. وكان المسافرون إلى الشرق منذ نهضة الآداب غير قادرين على إبداء تقييم صحيح للمعلومات التي كانت الآثار المصرية تُوفرها حول تلك القضية الهامة، فساهموا بذلك في نشر هذه الفكرة الخاطئة التي عكف الجغرافيون على نقلها حتى وقتنا هذا. وقد أعلنت حجة كبيرة موافقتها على ذلك الرأي فروَّجت لهذا الخطأ. وترتب ذلك على ما نشره فولني الشهير حول مختلف الأجناس البشرية التي لاحظها في مصر. وهو يقول في كتابه السفر الموجود في كافة المكتبات إن الأقباط منحدرون من قدماء المصريِّين؛ وإن وجوه الأقباط منتفخة وعيونهم جاحظة وأنوفهم فُطْس وشفاهم غليظة مثل الخلاسيِّين؛ وإنهم يُشبهون أبا الهول المجاور للأهرامات، ذا الرأس الزنجي الواضح تمامًا، فاستنتج من ذلك أن قدماء المصريين كانوا زنوجًا حقيقيِّين على غرار كافة أهالي أفريقيا. ويستشهد فولني لتدعيم رأيه هذا برأي هيرودوت الذي ذكر في معرض كلامه عن أهالي كولخيس، أن بشرة المصريين سوداء وشعرهم مجعد. غير أن هاتين الخاصيَّتَين الجسديَّتَين لا تكفيان لتحديد سمات الجنس الزنجي، وبالطبع فإن استنتاج فولني حول أصل سكان مصر القُدامى مُقحَم وغير مقبول» (شامبليون-فيجاك، مصر القديمة، سلسلة الكون، الناشر ديدو، باريس ۱۸۳۹م، ص٢٦-۲۷).

وبعد أن أبدى شامبليون-فيجاك أسفَه إلى حدٍّ ما لتواجد كتاب فولني في كافة المكتبات، رأى أن الحجة الحاسمة لرفض أطروحة ذلك العالِم وكافة أسلافه، أن «هاتين الخاصيَّتَين الجسديَّتَين»، أي البشرة السوداء والشعر المجعد «لا تكفيان لتحديد مميزات الجنس الزنجي».

من الواضح إذن أن «تبييض» الجنس المصري ما كان يمكن التوصل إليه إلا من خلال مثل تلك التعديلات في التعريفات الأساسية.

وهكذا لم يَعُد يكفي أن يكون الشخص أسود من قمة رأسه حتى أخمص قدمَيه ومجعَّد الشعر لكي يكون زنجيًّا! فكأننا أصبحنا في عالم انقلبَت فيه قوانين الطبيعة، وبِتْنا على أيِّ حال بعيدين تمامًا عن الفكر التحليلي الديكارتي.

بيدَ أن هذه التعريفات والتعديلات للمعطيات الأولى أصبحت فيما بعد الأساسَ الذي سيُبنى عليه «علم المصريات».

وهكذا دُمغ علم المصريات الذي نشأ عن التعمق في الدراسة العلمية، بعمليات تزوير فجَّة وواعية لَمَسْناها بأنفسنا. وهذا هو السبب في تحاشي علماء المصريات شيئًا فشيئًا وبكل عناية الخوض في أصل الجنس المصري. ولذا فإن معالجة قضية الجنس المصري حاليًّا اضطرَّتنا إلى التنقيب لاستخراج نصوص قديمة لمؤلفين مشهورين في زمنهم، ولكنهم أصبحوا غيرَ معروفين تقريبًا.

ويواصل شامبليون-فيجاك قائلًا:

«والواقع أنه أصبح من المعترف به الآن أن سكان أفريقيا ينتمون إلى ثلاثة أجناس ظلت دائمًا متميزة كلٌّ منها عن الأخرى، أولًا: الزنوج بمعنى الكلمة في وسط القارة وغربها؛ ثانيًا: الكافر على الساحل الشرقي وزاوية الوجه لديهم أقل انفراجًا من زاوية وجه الزنوج؛ وثالثًا: المور (ومنهم جاء اسم موريتانيا) الذين يُشبهون خيرَ الأمم القائمة في أوروبا وآسيا الغربية من حيث القامة والقسمات والشعور، ولا يختلفون عنهم إلا في بشرتهم السمراء من جرَّاء المناخ. وينتمي أهالي مصر القدماء إلى ذلك الجنس الأخير، أي إلى الجنس الأبيض. ويكفي للاقتناع بذلك فحص الوجوه البشرية التي تُمثِّل المصريِّين على الآثار وبالأخص العدد الكبير من المومياوات التي تم كشفها. فهم نفس أناس أوروبا وآسيا الغربية مع اختلاف لون البشرة إلى حدٍّ ما من جرَّاء حرارة المناخ؛ والشعر المجعد والصوفي سِمتان حقيقيَّتان مميزتان للجنس الزنجي، غير أن المصريِّين شعورهم طويلة ومن نفس نوع شعور الجنس الأبيض في الغرب» (نفس المرجع، ص۲۷).

ولنسترجع تأكيدات شامبليون-فيجاك الواحدة تلو الأخرى. فالكافر لا يُشكِّلون جنسًا، على عكس ما كان يعتقد؛ فهذه الكلمة أصلُها عربيٌّ ومعناها وثنيٌّ، على عكس المسلم. فعندما دخل العرب أفريقيا الغربية عن طريق زنجبار، استخدموا تلك الكلمة للإشارة إلى السكان الموجودين في المنطقة والذين كانوا يعتنقون مختلفَ الديانات. أما المور (الموروس عند الإسبان) فهم السلالة المباشرة المنحدرة عن الفاتحين العرب، بعد ظهور الإسلام، والذين انطلقوا من الجزيرة العربية في القرنَين السابع حتى الخامس عشر، ففتحوا مصر وأفريقيا الشمالية وإسبانيا التي انسحبوا منها فيما بعد نحو أفريقيا. ويعني ذلك أن المور هم بالأساس عرب مسلمون استقروا في أفريقيا منذ عهد قريب للغاية. والمخطوطات العديدة التي تحتفظ بها عائلات المور الرئيسية في موريتانيا القائمة حاليًّا، والتي سُجِّلَت فيها بكل عناية وبشكل متواصل شجرات النسب منذ خروجهم من اليمن، تؤكد ذلك الأصل.

وعليه فإن المور فرعٌ ممن تم الاصطلاح على تسميتهم الساميِّين. ولكن كل ما قيل عن هؤلاء الساميِّين (انظر صفحة ۱۲۱ والصفحات التالية) يقضي على أيِّ إمكانية لاعتبارهم المؤسسين للحضارة المصرية؛ هذا عدا أن المور لم يبالوا بفنِّ النحت شأنهم شأن البربر بينما كرَّسَت الحضارة المصرية حيزًا كبيرًا لذلك التعبير الفني. وسيتم في نفس الفصل إبرازُ الطابع الخلاسي للساميِّين، الذي يرجع إليه لونُ المور أكثر من رجوعه إلى المناخ. وعلاوة على ذلك فلا توجد أيُّ مقارنة ممكنة بين بشرة المور حتى وإن عاد سمارها إلى المناخ، وبين البشرة الزنجية السوداء المميِّزة للمصريين سواء كانوا من الأحياء أو المومياوات.

بيدَ أن شامبليون يدعونا، لإقناعنا بفكرته، إلى فحص الوجوه البشرية الممثَّلة للمصريين على الآثار. إن حقيقة الفن المصري بكاملها تناقض بكل بساطة ما يقوله شامبليون-فيجاك. ويبدو أنه لا يضع في اعتباره ملاحظات فولني حول أبي الهول، مع أنه أشار إليها. وعلى نقيض شامبليون-فيجاك، يستحيل، اعتمادًا على نفس تلك النقوش التي تحدَّث عنها بصفة عامة، بمتابعتها منذ مينا حتى نهاية الإمبراطورية المصرية، وابتداء من عامة الشعب حتى فرعون، مرورًا بوجهاء البلاط وكبار موظفي الدولة، يستحيل أن نجد شخصًا من الجنس الأبيض أو السامي. فلن تجد سوى زنوج من نفس نوع أهالي أفريقيا (اللوحات رقم ٤ حتى ٣٥). وقد أوردنا لهذا الغرض سلسلةً من الآثار الممثلة لمصريين من مختلف الطبقات الاجتماعية بما في ذلك الفراعنة بالأخص، كما أدخلنا على تلك السلسلة نماذجَ من الجنس الأسود والجنس الأبيض لكي نُبرز التقارب أو الاختلاف العرقي فيما بينهم. والجدير بالملاحظة هنا، من خلال المقارنة بين سلسلة الوجوه هذه، أن الفن المصري كثيرًا ما كان أكثرَ زنجية من الفن الزنجي ذاته.

وبفحص تلك الصور والمقارنة بينها، لا يسع المرء إلا أن يتساءل وهو مشدوه حقًّا كيف أمكنهم التوصل إلى فكرة الجنس الأبيض من خلال تلك التصويرات.

وأخيرًا، فبعد أن قال شامبليون-فيجاك إن البشرة السوداء والشعر الأكرت لا يكفيان لتحديد الجنس الزنجي، ناقض نفسَه بعد ذلك بستة وثلاثين سطرًا فكتب يقول: «إنَّ تجعُّدَ الشعر وصوفيَّتَه صفتان حقيقيَّتان مميزتان للجنس الزنجي.»٤

ويصل به الأمر إلى حدِّ القول بأن شعور المصريين كانت طويلة، وأنهم كانوا بالتالي من الجنس الأبيض. وهكذا يعني ذلك النص أن المصريين بيض بشرتهم سوداء وشعرهم طويل. ومع أنه لا يوجد أحد يعلم بوجود مثل هؤلاء البيض، إلا أننا سنحاول أن نرى كيف تمكَّن المؤلف من الوصول إلى مثل هذا الاستنتاج. وما قيل عن الإثيوبيِّين والأقباط يدل على أن شعرهم كان يمكن أن يكون أكرتَ بدرجة أقل من غيرهم من الزنوج. وهناك من جهة أخرى جنس أسود تمامًا شعره طويل: إنه الجنس الدرافيدي الذي يُعتبر زنجيًّا في الهند ويريدون تبييضه في أفريقيا.

وقد صوَّرَ المصريون أنفسهم في آثارهم وقد وضعوا فوق رءوسهم شعورًا مستعارة شبيهة بتلك التي توضع فوق الرأس في كل أنحاء أفريقيا. وسنتعرض لها عند تحليلنا للمشاهد المنقوشة على لوحة نعرمر (صفحة ١٠٤ والصفحات التالية).

ويؤكد المؤلف في نهاية المطاف بأن شعور المصريين كانت من نفس نوع شعور البيض في الغرب. ولا مجال أيضًا للتوقف أمام تلك الملاحظة نظرًا لأن شعر المصريين عندما يكون أكرتَ بدرجة أقل من شعر الزنوج الآخرين، يظل سميكًا وأسود بحيث يستبعد أي إمكانية لمقارنته بشعر الغربيِّين الرفيع والخفيف. وأخيرًا، فإن مما يدعو للتعجب أن يدور الحديث عن مصريين «شعورهم طويلة» بينما نعلم أن هيرودوت قال عنهم إن شعرهم كان أكرت، وإن زنوجًا وبيضًا وصُفرًا كانوا يعيشون في طيبة منذ أيام الأسرة الحادية عشرة، كما يعيش الأجانب الآن في باريس.

«عندما يرغب المواطن الطيبي في أن تُوضَع مومياؤه في تابوت فاخر، فإنه يتخذ من جذع شجرة شكل إنسان، ويمثل غطاء التابوت وجهَ المتوفى، ويُغطَّى الوجه بلون أصفر أو أبيض أو أسود. ويدل اختيار اللون على أنه كان يعيش في طيبة في ظل الأسرة الحادية عشرة أناسٌ صفر وبيض وسود، صُرِّح لهم بالحياة فيها كمواطنين ودُفنوا بعد موتهم في المقابر المصرية» (فونتان، المصريون، صفحة ١٦٩).

وبوسعنا أن نتساءل إذن لماذا لم تبقَ سوى المومياوات ذات الشعر الطويل وحدها، وما هي الأسباب التي تدعو إلى عدم إظهار المومياوات الزنجية التي تحدَّث عنها فونتان، أو عدم الإشارة إليها … ما هو مصيرها؟ إن شهادات هيرودوت لا تسمح بالشك في وجودها. هل اعتبروها مومياوات أجنبية غير مهمة بالنسبة لتاريخ مصر، وبالتالي تم التخلص منها أو إيداعها في مخازن المتاحف؟

حقًّا إنها لقضيةٌ جدُّ خطيرة.

fig5
شكل ٣-٢: العاهل تيرا نتر.

شخصية زنجية الجنس من الأنو، السكان الأوائل لمصر عند نهاية عصر ما قبل التاريخ (بتري، صنع مصر القديمة) انظر سلسلة الصور من ٤ إلى ٣٥.

fig6
شكل ٣-٣: نعرمر (أو مينا).

نموذج للزنجي يمثِّل أول فراعنة مصر الذي وحَّد الصعيد والوجه البحري لأول مرة في تاريخ مصر. ومن الواضح بكل تأكيد أنه ليس آريًّا أو هندو-أوروبيًّا، أو ساميًّا، بل أسود بلا جدال.

fig7
شكل ٣-٤: تمثال الإله أوزيريس.

(متحف متروبوليتان للفنون، مجموعة روجر.)

fig8
شكل ٣-٥: خفرع.

فرعون من الأسرة الرابعة (الدولة القديمة، بنَى هرمَ الجيزة الثاني. والتمثال من حجر الديوريت الأسود).

fig9
شكل ٣-٦: منتوحتب الأول.

زنجي أصيل، مؤسس الأسرة الحادية عشرة (الدولة الوسطى، حوالي عام ۲۱٠٠ق.م.).

fig10
شكل ٣-٧: توت عنخ آمون.

(الدولة الحديثة، الأسرة الثامنة عشرة). أحد تمثالين بالحجم الطبيعي كان يحرسان مدخل قاعة المدفن، وقد طُليَت بشرتُه بورنيش من الراتنج الأسود، بينما كلُّ ما عليه وفي يده مُذهب.

fig11
شكل ٣-٨: توت عنخ آمون.
رأس التمثال الثاني المذكور في الصورة رقم ٣-٧ (القسم الثقافي بالسفارة المصرية في باريس).
fig12
شكل ٣-٩: تحتمس الثالث.

والدته سودانية، أسَّس الأسرة الثامنة عشرة، واستهل عهد الفتوحات المصرية، وهو يُسمَّى أحيانًا «نابليون العصور القديمة».

fig13
شكل ٣-١٠: رأس رمسيس الثاني.
الدوائر الصغيرة فوق الخوذة تمثل الشعر الأكرت. (ملحوظة دينيز كابار في reflet du monde، ١٩٥٦م).
fig14
شكل ٣-١١: الفرعون السوداني طهرقا.
fig15
شكل ٣-١٢: رأس أميرة شابة.

هذا الطراز في تصفيف الشعر منتشرٌ في أفريقيا السوداء، والخصلة المتدلية على الأذن اليمنى تسمَّى باه بالوُلوف (متحف اللوفر).

fig16
شكل ٣-١٣: امرأة مصرية.

السيدة ذات الإبهامَين.

fig17
شكل ٣-١٤: تمثال لقصاب.

من عهد الأسرة الخامسة، وجسمه مطليٌّ بلونٍ بُنِّيٍّ ضارب إلى الاحمرار ويرتدي مئزرًا أبيض.

fig18
شكل ٣-١٥: تمثال لطاه.

من عهد الأسرة الخامسة، وجسمُه بُنِّيٌّ ضارب إلى الاحمرار.

ولكن شامبليون-فيجاك يستطرد قائلًا في مؤلَّفه:

«لقد أجرى الدكتور لاري أبحاثًا شيِّقة حول تلك القضية في مصر ذاتها؛ ففحص عددًا كبيرًا من المومياوات، ودرس جماجمها، وتعرَّف على سماتها الرئيسية، وسعى إلى العثور عليها من بين الأجناس المختلفة التي تعيش في مصر، ونجح في ذلك، وقد بدَا له أن الأحباش يجمعون بين كلِّ تلك السمات فيما عدا الجنس الزنجي بالأخص. فعينَا الحبشي متسعتان، ونظرتُه لطيفة والزاوية الداخلية لتلك النظرة مائلة، والأوداج بارزة وهي تُشكِّل مع زاويتَي الفكِّ والفم مثلثًا منتظمًا، والشفاه غليظة دون أن تكون ناتئة كما هو الحال عند الزنجي، والأسنان جميلة وقليلة البروز، وأخيرًا فإن لون البشرة وحده هو النحاسي فقط؛ أولئك هم الأحباش الذين رآهم السيد لاري والمعروفون عمومًا باسم البربر أو البرابرة الذين يعيشون حاليًّا في النوبة» (نفس المرجع، صفحة ٢٧).

ويضيف شامبليون قائلًا: إن السيد كايو الذي رأى البرابرة قال في وصفهم «إنهم رجال مجتهدون، قانعون، مزاجهم جاف … وشعرهم نصف أكرت، قصير ومجعَّد أو مضفَّر على غرار قدماء المصريين، ويكون عادةً مضمخًا بالزيت.»

وهذا الوصف، لا يُبعدنا مرة أخرى عن المميزات العِرقية للجنس الزنجي. فالشفاه الغليظة، والأسنان الناتئة إلى حدٍّ ما، والشعر نصف الأكرت، والبشرة النحاسية من السمات الجسدية الأساسية المميزة للجنس الزنجي.

ومما يسترعي الانتباه أن شامبليون-فيجاك يتحدَّث عن لون بشرة الأحباش «النحاسي هو وحده فقط»، ولكنه يكتب بعد ذلك بصفحتين في نفس الفصل، بخصوص تعدُّد تدرجات لون بشرة الزنوج:

«كانت حروب طويلة الأمد قد جعلَت مصر على اتصال بداخل أفريقيا؛ ولذا نجد على جدران الآثار المصرية عدةَ أصناف من الزنوج يختلف بعضها عن بعض في القسمات الرئيسية، وهو ما أشار إليه أيضًا المسافرون الحديثون، كضروب من عدم التشابه، سواء فيما يتعلق بلون البشرة الذي يجعل الزنوج سودًا أو نحاسيِّين، أو فيما يتعلق بنواحٍ أخرى أقل تمايزًا» (نفس المرجع ص٢٩-٣٠).

وهذا التناقض الجديد الذي أورده نفس المؤلف يؤكد ما قلناه بخصوص الرجلين اللذين جاءا في أعقاب الإله حورس مباشرة، أي المصري والزنجي. فالرجلان ينتميان إلى نفس الجنس ولا يوجد فارق بينهما في اللون، شأنهما في ذلك شأن الفارق بين فرد من البامبارا وآخر من الوُلوف، وكلاهما زنجيٌّ. فكلٌّ من اللون «الأحمر-الداكن» الخاص بالأول، كما يقولون، واللون «النحاسي فقط» الخاص بالحبشي، واللون «النحاسي» الخاص بالزنجي ليس سوى تدرجات لنفس اللون.

ويجدر بنا أن نُنوِّهَ بأن وصف الكاتب يتطرق إلى تفاصيل ليست ذات مغزًى مثل «النظرة اللطيفة» … إلخ.

ويتعين أن نُشير إلى الخلط السائد حول تسمية البربر. فهذا النعت مستخدَمٌ في غير محلِّه بالنسبة لأهالي وادي النيل الذين لا يوجد أيُّ شيء مشترك بينهم وبين مَن اصطلح على تسميتهم البربر أو الطوارق. فلا يوجد بربر في مصر، بينما نعلم، على العكس أن شمال أفريقيا كان يُشار إليه تحت اسم «بلاد البربر»، لأنه المنطقة الوحيدة التي كان يسكنها هؤلاء. وقد استُخدم هذا النعت فيما بعد، وفي غير محله، لتسمية سكان آخرين. وهذه الكلمة التي يرجع استخدامها إلى العصور القديمة من أصل زنجي بالأحرى، لا هندو-أوروبي. فهي تتفق في الواقع مع تكرار الجذر «بر»، وهذا النوع من التكرار للجذر عامٌّ في كافة اللغات الزنجية وبالأخص في اللغة المصرية القديمة.

ومن جهة أخرى فإن الجذر بار بلغة الوُلوف يعني «التحدث بسرعة» وقد تُشير بذلك كلمة باربار إلى شعب يتحدَّث لغةً غير معروفة، أي شعب غريب.

وفي لغة الوُلوف بالأخص تتشكل لغويًّا الصفة القومية من تكرار الجذر، ومثال ذلك أن الدجولوف-دجولوف، هم أهالي دجولوف.

وعندما نقل شامبليون-فيجاك نقوشَ وادي الملوك عن رسم شامبليون، لم يحترم ألوان الأصل. فقد ظلل جسم الزنجي لكي يُشير إلى لونه في النقوش، ولكنه تحاشى ذلك فيما يتعلق بالمصري وتركه أبيض تمامًا، وتلك طريقة لتبييض المصري وإن كانت لا تتفق مع الوثيقة.

وقد استخدم شيروبيني مُرافِق شامبليون في رحلته، نفسَ وثيقة وادي الملوك في تحديد سمات الجنس المصري، وأكد قبل ذلك على أسبقية الحياة في إثيوبيا بالنسبة لمصر، وأشار في هذا الصدد إلى إجماع القُدامى على أن مصر ليست سوى مستوطنة إثيوبية، أي سودانية-مَرَوية. بل لقد كان من المعتقد في العهود القديمة أن الإنسانية نشأت في السودان المَرَوي فأورد بهذا الصدد الأسباب التالية:

«كان يتعين أن تُعتبر نشأة الجنس البشري تلقائية وأن مولدها كان في المناطق العليا من إثيوبيا حيث امتزج إلى أقصى حدٍّ مبدآ الحياة: الحرارة والرطوبة. وفي هذه المنطقة أيضًا يدلُّنا البصيص الأول للتاريخ على منبع المجتمعات والبؤرة الأولى للحضارة؛ فقد ظهر منذ العهود الغابرة التي سبقت الحسابات الاعتيادية للنقد التاريخي، تنظيم اجتماعي منظَّم تمامًا، له ديانتُه وقوانينه ومؤسساته. وكان الإثيوبيون يتفاخرون بكونهم أولَ مَن مارسوا طقوس عبادة الآلهة وتقديم القرابين. ويُقال أيضًا إن شعلة العلوم والفنون أُوقدت هناك، وإنه يتعين أن يُنسب إلى هذا الشعب اختراع النحت واستخدام حروف الكتابة، وأخيرًا أصل كافة التطورات التي تقوم عليها الحضارة المتقدمة» (شيروبيني، النوبة، سلسلة الكون، ص۲ و۳، باريس ١٨٤٧م).

«وكانوا يتفاخرون بأنهم الشعب الذي سبق الشعوب الأخرى في التواجد على الأرض، ويبدو أن تفوُّقَ حضارتهم الحقيقي أو النسبي، بالمقارنة مع أغلب المجتمعات التي كانت في طور الطفولة، يُبرِّر ادعاءاتِهم. ولا توجد على أي حال شهادةٌ تنسب مصدرًا آخر لبداية الأسرة الإثيوبية، وعلى العكس من ذلك، توفرت وقائعُ هامة للغاية دعَت مبكرًا إلى إسنادِ أصلٍ محليٍّ بحتٍ لها …»٥

«كانت إثيوبيا تعتبر قُطرًا على حدة، فمن هذا المنبع السماوي بطريقة ما، ظهر على ما بدا لهم مبدأُ الحياة وأصل الكائنات …»

«وباستثناء بعض المعلومات التي أوردها أبو التاريخ حول تاريخ الإثيوبيِّين، الذين كانوا يُسمَّون المعمرين، كان من المعروف بشكلٍ مشوش أن إثيوبيا كانت مصدرًا لرجال يتفوقون على بقية الجنس البشري بارتفاع قامتهم وجمال تقاطيعهم وامتداد أعمارهم. بيدَ أنه كان من المعترف به آنذاك أن هناك قوميَّتَين رئيسيَّتَين من أصل أفريقي، وهما الليبيون والإثيوبيون. وكانت تندرج تحت التسمية الأخيرة الشعوب الجنوبية أو السوداء العِرق، وهي تتميز عن الليبيِّين الذين كانوا مستقرين في شمال أفريقيا فكانوا بالتالي أقلَّ تأثرًا بحرارة الشمس. تلك هي المعلومات العامة التي تركها لنا القُدامى» (نفس المرجع، ص۲۸ و۲۹).

fig19
شكل ٣-١٦: موظف مصري.

من عهد الأسرة السادسة، يوضح ذلك لماذا تنطبق كلمة فودو بلغة الوُلوف، ومعناها ارتداء مئزر، تنطبق على كلٍّ من الرجل والمرأة.

fig20
شكل ٣-١٧: مصري.

(تمثال من الأبنوس يعود إلى عهد الأسرة السادسة) الساعدان طويلان بالنسبة للذراع، والجزء الأسفل من الخَصر حتى القدم طويل بالنسبة للجذع، والوجه مستطيل، والكتفان عريضان، والحوض ضيق. تلك هي المعايير التي تُتيح التمييز بلا خطأ بين زنجي وأبيض. وهي المعايير الأكثر موضوعية وعلمية المتوفرة لدينا، وبفضلها أمكن التأكيد بأن إنسان جريمالدي زنجوي. ولكن مَن هو العالمِ الذي يتجاسر على تطبيق تلك المعايير على هذا التمثال أو على مومياء مصرية حتى من العصر المتأخر وأن يستخلص تلك الاستنتاجات علنًا؟ لقد فعل ذلك ليبسيوس من قبل (انظر ص٨٧).

fig21
شكل ٣-١٨: تمثال من الخشب لفتاة مصرية.

يدل تصفيف شعر هذه الفتاة على أن المصريين كانوا طوطميِّين. وهذا التصفيف متبع من جانب كل الفتيات في السنغال حتى سن البلوغ، من الواضح أن الشعر أكرت (بتري، الفنون والمهن في مصر القديمة، ١٩١٥م).

fig22
شكل ٣-١٩: تمثال رجل مصري.

(المتحف البريطاني).

fig23
شكل ٣-٢٠: كاهنة مصرية.

كان تقليد الكاهنات منتشرًا في العهود الزنجية القديمة: كاهنات طيبة وجوبيتر آمون (ليبيا) ودودون في قرطاجنة … إلخ. وهو تقليد لا يزال مستمرًّا حتى يومنا هذا، في كينيا مثلًا.

fig24
شكل ٣-٢١: رءوس مصرية من الدولة الوسطى.

وقد سُميت «رءوس ذات طابع أجنبي» لأن ملامحها زنجوية إلى حدٍّ كبيرٍ.

fig25
شكل ٣-٢٢: رسم لجناييجل.

«ملك إثيوبيا ومصر الكبرى.»

fig26
شكل ٣-٢٣: تمثال نصفي للإمبراطور الروماني تراجان.

للمقارنة بين الصور السابقة للنماذج المصرية والأفريقية مع النموذج الأوروبي الذي تمثله هذه الصورة وصورة زيوس-سيرابيس.

fig27
شكل ٣-٢٤: تمثال لسيرابيس (زيوس).

تصوير للنموذج الأوروبي في الفن المصري في العهد الإغريقي-الروماني.

fig28
شكل ٣-٢٥: رأس برونزي من بنين.

شخصية من البلاط (تمثال من أصل نيجيري مصبوب في المتحف البريطاني).

إهداء من المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي.

fig29
شكل ٣-٢٦: قناع بونْجوي.

نموذج للفن الزنجي الواقعي.

fig30
شكل ٣-٢٧: قناع بونْجوي.

من الجابون، ويتميز بتصفيف خاص للشعر والطلاء الأبيض للبشرة.

fig31
شكل ٣-٢٨: تمثال صغير من أنجولا.

فن زنجي واقعي من أفريقيا الوسطى.

fig32
شكل ٣-٢٩: فن إيفه.

للمقارنة بين: غطاء الرأس (والثعبان الذي يتوج رأس فرعون مصر (متحف لاجوس)).

fig33
شكل ٣-٣٠: فن إيفه.

مدرسة إيفه التي تولَّدت عنها مدرسة بنين مشهورة بالتُّحف المصنوعة من الآجرِّ والحجارة والبرونز، والصورة هنا لتمثال من الآجر.

«وهناك ما يدعو إلى الافتراض، دونما التحلِّي بجسارة مفرطة، بأنه لا يوجد موقع آخر في العالم صادفنا فيه حضارة بدَت لنا مسيرتها مؤكدة ومحاطة بمعالم الأسبقية التي لا نزاعَ فيها؛ لأن معاصريها أفادونا حتى بمحاولاتها الأولى وتطورها ونضوجها، بينما بدَت متقدمةً إلى حدٍّ كبير عن أغلب الأمم في سلوكها الاجتماعي. فمن المعروف في الواقع أن لمحات التاريخ الأولى كانت تضيء بالكاد بدايات أقوى إمبراطوريات آسيا عندما كان هناك تنظيم ناضج ومستقر تمامًا ومزدهر منذ أمد طويل على ضفاف النيل حيث تعاقبت الأمم لتنهل من المعارف التي كانت ثمرةَ خبرة طويلة، ولتستعير المؤسسات ودروس الحكمة التي كرَّسَتها تجارب الزمن.»

«والكتابات العلمية والفلسفية القديمة المتفقة مع ما سجَّلته الآثار الأصلية تؤكد حقًّا تلك الأسبقية، وربما لا يوجد في تاريخ المجتمعات البدائية واقعٌ بهذه البداهة المعتمدة على إجماع أكثر اكتمالًا وحسمًا» (نفس المرجع، ص۷۳).

وهكذا يُذكِّرنا مرة أخرى أحدُ الحديثين بأن القُدامى الذين نقلوا إلينا الحضارة الراهنة، يعترفون جميعًا — سواء كانوا من العلماء أو الفلاسفة، بدءًا بهيرودوت حتى ديودور الصقلي، أي بعبارة أخرى منذ عهد الإغريق حتى عهد الرومان — يعترفون بأنهم أخذوا هذه الحضارة عن زنوج ضفاف النيل سواء تعلَّقَ ذلك بالإثيوبيِّين أو المصريِّين.

ويتضح من هذا النص أن القُدامى لم ينازعوا الزنوج أبدًا في دورهم كأول مَن بادر بإقامة الحضارة.

بَيد أن شيروبيني يفسر مع ذلك الوقائع بطريقته. فعندما اعتمد على نقوش بيبان الملوك، بعد شامبليون وشامبليون-فيجاك، لم يُقدِّم لنا أي عنصر جديد متعلق بالجنس المصري سوى التفسير الخاطئ للألوان.

فهو يقول إنه إذا كان الروت-إن-ني-روم (أرقى البشر) يُصوِّر نفسه بلون بُنِّي يميل إلى الاحمرار! فذلك لكي يميز نفسه عن بقية البشر، أي إنه مجرد اصطلاح بحت.

«ويتبين لنا من ترتيب الناس في الأزمنة القديمة الذي تركوه هم أنفسهم لنا، أن السكان الأفارقة في وادي النيل، يُشكلون هم وحدهم أحدَ التقسيمات الأربعة للكائن البشري ويحتلون المركز الأول بعد الإله، وفقًا لترتيب لا يتغير جاء في عدة أماكن أخرى ولا يبدو أنه جاء بمحض الصدفة …»

«ولكي يجعلوا المسافة التي تفصلهم عن بقية البشر ملموسة، فقد خصُّوا أنفسهم وكذلك الإله المجسَّد في شكل إنسان، بلون للبشرة بُنِّي يميل إلى الأحمر ربما مع بعض المبالغة أو كنوع من الاصطلاح، دون أن يترك ذلك أيَّ مجال للشك في أصل جنسهم. وكانوا يُصورونه على أي حال في كافة آثار حضارتهم القديمة بقسمات متميزة تنمُّ عن أصل أفريقي مؤكد» (نفس المرجع، ص٣٠).

واللون المشار إليه هنا بأنه «بُنِّي يميل إلى الاحمرار» والذي سماه شامبليون «الأحمر الداكن» هو بكل بساطة لون الزنجي، ولا يمكن أن يكون لونًا مصطلحًا عليه كما أراد شيروبيني. والواقع أنه سيكون بذلك اللون الوحيد الاصطلاحي في هذه النقوش لأن كافة الألوان الأخرى فيه طبيعية، فلا يوجد أيُّ شك حول حقيقة لون الملابس البيضاء التي يرتديها الرجل الأول، ولا حول «لون البشرة المائل إلى الصفرة» الخاص بالرجل الثالث، ولا حول حقيقة «لون البشرة الأبيض في أرق درجاته» واللحية الشقراء والعيون الزرقاء فيما يتعلق بالرابع. وليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذا اللون وحده من بين كافة الألوان الطبيعية، لونٌ اصطلاحي، كما أنه لا يوجد ما يدعو بالأحرى إلى الاعتقاد بأنه لون زنجي مختلف عن ألوان الزنوج الآخرين، خاصة وأنه وفقًا لما جاء في كتاب شيروبيني نفسه.

«لقد ذهبوا (أي المصريون) بنظامهم الوصفي، أو بعبارة أفضل، بالتباهي بمَحْتِدهم، إلى حدِّ وضع فروق قاطعة بينهم وبين سكان أفريقيا الآخرين المجاورين لهم، ومن بينهم مَن كانوا من أصل زنجي؛ إذ حرصوا على عدم الخلط بينهم وبين أولئك وأفردوا لهم تصنيفًا على حدة» (نفس المرجع، ص٣٠).

بل إن المصريين ذهبوا إلى أبعد من ذلك وصوَّروا إلههم بلون الزنوج، أي على صورتهم هم؛ الأسود الفاحم، وعليه فإن فكرة اللون الاصطلاحي هذه يجب أن تُستبعَد بكل بساطة.

وهكذا يرى شيروبيني نقوش وادي الملوك، بعد شامبليون-فيجاك، من خلال غمامة. ونُعيد هنا إلى الأذهان ما قلناه آنفًا، وهو أن الإخصائيِّين يقعون في شَرَك اللامعقول وفي تناقضات لا مخرج منها، هربًا من الأصلِ الزنجيِّ الجليِّ تمامًا.

وهذا النوع من الزيغ هو وحده الذي يفسر لنا موقف شيروبيني الذي وجد أنه من المعقول اللجوء إلى مثل ذلك الاصطلاح التصويري مع أنه يتعين ألَّا يكون مقبولًا لدى المصريين، وفقًا للفكرة التي كوَّنها هو نفسه عنهم.

ويلجأ المؤلف إلى نقوش معبد أبو سمبل (النوبة السفلى) التي تُمثل الأسرى الذين أمسك بهم سنوسرت بعد حملته في الجنوب لكي يحاول إثبات أن المصريين والزنوج كانوا ينتمون إلى جنسَين مختلفَين. فقد كتب يقول: «نرى الملك سنوسرت عائدًا من حملة ضد الجنوبيِّين؛ ويتقدم عجلته عدد من الأسرى. وعلى مسافة أبعد، يُقدِّم العاهل للآلهة المحليِّين مجموعتَين من الأسرى المنتمين بالطبع إلى أحد هذه الشعوب المتوحشة: إنهم القرابينُ المخصصة لحماة الحضارة الأشداء الذين باركوا إنزال العقاب بأعدائه … وهؤلاء الرجال المقيَّدون بحبل واحد وشِبْه العراة تمامًا، باستثناء جلد فهد يلتفُّ حول الخَصر، يتميزون بلون بشرتهم الأسود تمامًا عند البعض، وبلون بُنِّي داكن متدرج عند البعض الآخر؛ وزاوية الوجه مستقيمة والجزء الأعلى من الرأس منخسف بشدة، والقسمات المفرطة في خشونتها مع البنية الضعيفة عمومًا من الصفات المميزة لنوع على حدة؛ جنس من أدنى درجات الكائنات البشرية (الصورة رقم ٣-٣١). وتكشف التكشيرات البشعة والتشنجات التي تُقلِّص وجه وأطراف هؤلاء الرجال عن عادات همجية؛ وعن غرابة أطوار هذ الجنس، الذي يبدو أن أخلاقه في بداية نموها. وهي تدفع إلى وضعهم في خانة وسيطة بين الإنسان والحيوان. ويبرز كلُّ ذلك بكلِّ وضوح بتباينه مع المظهر النبيل والجاد للمصريين.»
fig34
شكل ٣-٣١: يتبيَّن من لون الأسرى المصوَّرين في خلفية نقوش أبي سمبل أن المصريين لم يكونوا يُصورون أنفسهم بلون مختلف عن لون الزنوج الآخرين، على عكس ما يُشاع.

ومن بين المناظر الواردة في نقوش أبو سمبل هناك نقشٌ يستحيل أن نتبين فيه أيَّ فارق بين لون بشرة فرعون ولون بشرة «الزنوج».

وعلى العكس، لا مجال للمقارنة بين لون بشرة فرعون ولون نماذج الأجناس الأخرى البيضاء المصوَّرة؛ فالأمر يتعلق بنفس المشهد الذي يُمسك فيه فرعون مجموعةً من الأسرى من شعورهم.

fig35
شكل ٣-٣٢: تمثال نوك من الآجُرِّ (نيجيريا).
الزنجي كما يصوِّر نفسه. ويتشابه هذا الوجه مع التماثيل المصرية، فله نفس السمات الجسدية التي تتعارض مع سمات الفلاحين الأسرى في الصورة رقم ٣-٣٣، ويعود ذلك لا إلى اختلاف في الجنس ولكن في الطبقة الاجتماعية.
fig36
شكل ٣-٣٣: فلاحون سود أسرى في مقبرة حورمحب.
الاختلاف واضح مع نموذج ساكن المدينة في الصورة رقم ٣-٣٢، ولم يظهر هذا النموذج الريفي في المراكز الأفريقية إلا بعد انتقال عناصر ريفية تبدو على وجوهها الآثار التي تتركها ظروفُ حياة الفلاحين الصعبة. ولذا فقد جانَبَهم التوفيق عندما اعتبروا أن الأمر يتعلق بفَرق عِرقي مع أنه ليس إلا اختلاف في الوضع الطبقي بين أرستقراطية المدن والفلاحين ذوي الوجه المتغضن والأيدي الخشنة، علمًا بأن ظروف العمل في الزراعة لم تكن قاسيةً بقدر ما كانت في النوبة.

«وهذا التباين الصارخ للغاية يُثبت بما فيه الكفاية أن سكان ضفاف النيل بعيدون عن جنس الأفارقة الجنوبيِّين، كبُعدهم عن الشعوب الآسيوية، وهو يقضي على النُّظم التي حاولت حتى الآن إثباتَ أن أصلهم زنجيٌّ بحت» (نفس المرجع، ص۳۲).

وبصرف النظر عن أوصاف التحقير التي استخدمها شيروبيني، فلنبحث عن الاختلافات العِرقية بين الأسرى الذين يصفهم وبين المصري. ولنلاحظ بادئ ذي بدء أن الوصف الذي أورده لا يتضمن أيَّ مصطلح علمي يمكن أن يلفت النظر. وعلى العكس فإن اللجوء المفرط للسباب الذي يُشكل الجانب الأساسي في ذلك الوصف، من جانب رجل ينتمي إلى الشعب الذي يَعتبر الاعتدال من الفضائل القومية، إنما يدل على مدى حَنَقِ شخص عاجز عن إثبات ما يريده.

وقد بلغ به الأمرُ حدَّ نسيان الترتيب الموضوعي للوحة وادي الملوك التي توسَّع في معالجتها.

وإذا كان الجنس الزنجي يحتل «أدنى درجات الكائنات البشرية». فهو يسبق على أيِّ حال «البهيمة الشقراء» حسب رأي جوبينو، في ذلك الترتيب المتكرر بانتظام في كافة الآثار، مما يدعونا بالطبع إلى التساؤل حول مركز هذه البهيمة.

وقد أوردنا هنا الرسم الذي تحدَّث عنه شيروبيني. فما هي تلك الملامح التي تنمُّ عن الانحطاط الأخلاقي؟ وما هي المظاهر التي تُميِّز قسمات وجوههم عن قسمات وجوه المصريين؟ (انظر الصورتين ٣-٣٢ و٣-٣٣).

ويقول لنا شيروبيني نفسه إن لون البشرة «بُنِّي داكن متدرج»، أي إنه نفس لون البشرة (البُنِّي المائل إلى الاحمرار) الذي أقرَّ به للمصريين في آثارهم. وبناء على ذلك فإن السمة العِرقية الوحيدة التي لها قيمتها والتي تَفَضل بتقديمها لنا سمةٌ مشتركة بين الجنسين.

ويدل لون بشرة أسرى أبو سمبل على أن القول بأن المصريين لم يكتشفوا الزنوج إلا في عهد الأسرة الثامنة عشرة، وأنهم صوَّروهم بلون متميز عن لونهم، لا يعتمد على الوثائق بل على الخيال.

وهذه الأجسام أبعد عن أن تكون ضعيفةَ البنية بل هي على العكس رياضية أساسًا، وهذه «التقلصات» و«التكشيرات» التي بدَت على وجوه الأفراد في الصف الأول وذلك الاستسلام المصحوب بالازدراء لمن احتلُّوا الصف الخلفي، ألَا يدل بالأحرى على إدراك رفيع للكرامة لا الوضاعة الأخلاقية، بالنسبة لمن يتحلَّى بالقدرة على تفسيرها بشكل موضوعي؟

وقد حاولوا التلميح أيضًا بأنه إذا كان سنوسرت — والفراعنة بوجه عام — قد حاربوا الزنوج في جنوب إثيوبيا فذلك لأنهم لم يكونوا من نفس الجنس الأسود. فكأننا نقول إنه بما أن قيصر شنَّ حملات على بلاد الغال، فإن الرومان والغاليِّين لم يكونوا من نفس الجنس الأبيض، وإنه إذا كان الرومان بيضًا؛ فذلك لأن الغاليِّين كانوا صُفرًا أو سودًا.

كان الزنوج المستقرون داخل القارة الأفريقية يميلون أحيانًا بشدة إلى خوض الحروب، وكثيرًا ما كانوا يشنون غارات على الأرض المصرية، فكانوا يُشكِّلون بذلك تهديدًا مستمرًّا في الجنوب ويتعرَّضون لحملات عقابية (لوحة جزيرة فيلة).

والحملة التي قادها سنوسرت والمسجَّلة على نقوش أبو سمبل تدخل في نطاق عمليات القمع هذه.

وعلى أي حال فإن هذه الحملة تعود إلى المرحلة الأخيرة من الدولة الوسطى (الأسرة الثانية عشرة).

وهكذا دعَت الأحوال أبناء حام إلى تطبيق تعبير «ابن كوش البغيض» على أشقائهم الذين استقروا بعيدًا في الجنوب.٦
غير أن المصريين كانوا يكرهون قبل كلِّ شيء الرعاةَ الآسيويِّين بكافة أنواعهم، ابتداءً من «الساميين» حتى الهندو-أوروبيِّين: وكانت لا تعوزهم النعوت المهيئة للإشارة إليهم، فكانوا يسمونهم «الآسيويين الخسيسين» (نقلًا عن مانيتون)؛ وأطلقوا على الغزاة اسمَ هيكسوس المشتق من هيك (ملك باللغة المقدسة) وسوس (راعٍ باللغة الشعبية). وكانوا يشيرون إليهم أيضًا بعبارات «الملعونين»، و«الموبوئين»، و«المجذومين»، و«النهَّابين»، و«اللصوص» ومنها كلمة ساتي = رماة السهام. ٧ والكلمة تعني بلغة الوُلوف: سارقًا، وكانوا يسمون السكوتيِّين أيضًا «آفة شيتو» (شيروبيني، النوبة، ص٣٤).
والنقوش التي تركها لنا المصريون والتي سجَّلَت حملات الفراعنة ضد هؤلاء القوم في آسيا، تُصوِّر على العكس أشخاصًا يتضح من الوهلة الأولى وبلا منازع، أنهم مختلفون عِرقيًّا عن المصريين. وقد نقلنا هنا (الصورة رقم ٣-٣٤) رسوم الأسرى الآسيويِّين والأوروبيِّين المنحوتة على صخور سيناء وفي معبد مدينة هابو لكي نوضح التعارض الصارخ بين السمات السامية والآرية والأجنبية لأعداء مصر هؤلاء، وبين وحدة سمات المصريين وأسرى أبو سمبل.

وعليه، فإن شيروبيني أبعد عن أن يكون قد قضى على «النظم التي حاولت حتى الآن إثبات» أن أصل المصريين زنجيٌّ بحت.

ويعالج ماريوس فونتان نفس القضية في كتاب الأمصار (Les Egyptes) الذي صدر حوالي عام ١٨٨٠م، فيقول: «صبغ المصريون أنفسهم دائمًا على آثارهم باللون الأحمر، مما وفَّر لأنصار «الأصل الجنوبي» عددًا كبيرًا من الخصائص المتميزة التي يمكن أن تُمهِّد للإعداد لحل مشكلة الأصل العِرقي المثارة. ففي أعالي النيل يوجد حاليًّا وسط الفوليه ذوي اللون الأصفر المميز؛ البشارية الذين يعتبرهم معاصروهم من ذوي الأصل العِرقي النقي. ولون هؤلاء البشارية هو بالضبط لون الطوب الأحمر الوارد في الآثار المصرية. ويرى بعض علماء الأجناس أن هؤلاء «الرجال الحُمر» إثيوبيُّون تغيَّر لونهم مع الزمن بفعل المناخ، أي إنهم زنوج وصلوا إلى نصف الفترة اللازمة لكي يُصبح لون بشرة الزنجي أبيض. وقد لوحظ أن الزنجيَّ في البلاد «ذات التكوين الحجري» أقلُّ سوادًا من الزنجي في «البلاد الجرانيتية أو ذات الصخور البركانية»، بل إن بعضهم يعتقد أنه لاحظ أن درجة لون البشرة تتغير حسب الموسم، وفي هذه الحالة يكون النوبيون زنوجًا قُدامى، فيما يتعلق باللون فقط، أما تكوينهم العظمي فيظل زنجويًّا صرفًا.»

«والزنوج الممثلون في التصوير الفرعوني والذين حدَّدهم النحاتون بكل دقة، وتُطلِق عليهم الهيروغليفية اسمَ ناحاسو أو ناحاسيو، لا توجد أيُّ نواحي تشابهٍ بينهم وبين الإثيوبيِّين الذين كانوا أولَ مَن نزح إلى مصر. فهل كان هؤلاء زنوجًا أقل زنجية، أي نوبيِّين؟ فوفقًا للقواعد المعروفة باسم مقاييس لبسيوس، التي تُحدد بالتربيعات نِسَب جسم المصري الصرف، فإن ساعدَيه قصيران، فهو زنجي أو زنجوي. ومن وجهة نظر علم أصل الجنس البشري، يأتي المصريون بعد البولينزيِّين والمغول والأوروبيِّين، ويليهم مباشرةً زنوجُ أفريقيا والتزمانيون. وهناك على أيِّ حال اتجاهٌ علمي يرى أنه لا يوجد في الواقع في أفريقيا سوى زنوجٍ أو زنجاويِّين يتفاوت لونُ بشرتهم، وذلك بالطبع بعد استبعاد التأثيرات الأجنبية الممتدة من حوض البحر الأبيض المتوسط حتى رأس الرجاء الصالح، ومن المحيط الأطلسي حتى المحيط الهندي. وعليه فإن المصريين كانوا على الأرجح زنوجًا، ولكنهم زنوج من الدرجة الأخيرة» (نفس المرجع، ص٤٤ و٤٥).

ووجهة نظر فونتان هذه، التي لا تحتاج إلى أيِّ تعليق، تؤكد مرة أخرى، استحالةَ التنصل من الأصل الزنجي لمصر، إذا ما قَبِل المرءُ التمسُّكَ بالواقع وحده، وهكذا توصَّل لبسيوس، بمجرد الاعتماد على مقاييس موضوعية، إلى استنتاج قاطع، وهو أن المصري الصرف زنجوي. ويعني ذلك أن تكوينَ هيكله العظمي زنجويٌّ، وأن هذا هو السبب الذي دفع كتابات علماء أصل الجنس البشري إلى التزام الصمت فيما يتعلق بالتركيب العظمي المصري.

ويستعرض فونتان بعد ذلك الأطروحةَ التي تقول إنَّ تحضُّرَ المصريين تم على يدِ البربر أو الليبيِّين القادمين من أوروبا عن طريق الغرب.

fig37
شكل ٣-٣٤: هذه الرسوم منقولة عن كتاب لينورمان عن مصر. وكانت جميع تلك الشعوب من الرُّحَّل. وهكذا يفتضح أمرُ الغربيِّين الذين يَشِيدون في الكثير من الأحوال بحياة الرُّحَّل دون أن يكون هناك سببٌ ظاهر لذلك (منهم على سبيل المثال توينبي) انظر ص٨٦.

ولو تمت البرهنة على أن الحضارة جرَت من الشمال إلى الجنوب، من البحر الأبيض المتوسط إلى إثيوبيا على التوالي، لما ترتَّب على ذلك أن تلك الحضارة آسيوية الأصل، ومن الممكن أن تكون أيضًا أفريقية، جاءت من الغرب بدلًا من الجنوب. وفي هذه الحالة يكون البربر، بربر شمال أفريقيا هم الذين «أدخلوا الحضارة» في مصر.

«وهناك من بين البربر الحاليِّين عددٌ كبير ذو تركيب عظمي مصري أساسًا. وكان البربر القُدامى سُمرَ اللون على الأرجح ويمكن أن ينسب وصف التاماهو، ليبي الأسرة التاسعة عشرة «ذوي الوجه الشاحب، الأبيض أو الأصهب، والعيون الزرقاء» إلى تأثير الجنس الأوروبي وهجرة «أهالي الشمال». فهؤلاء البيض الذين ألحقهم الفراعنة بخدمتهم، كمرتزقة، ساهموا إلى حدٍّ كبير في تهجين المصريِّين والليبيِّين أيضًا. ولذا يجب غضُّ النظر عن ذلك، والعودة إلى الليبي ذي البشرة السمراء، أي البربري الحقيقي، للعثور على الشعب الذي يُقال عنه إنه كان أولَ مَن أدخل الحضارة إلى مصر. وتلك مهمة ضخمة، لأن البربر الأفارقة يتلاشَون شيئًا فشيئًا في أفريقيا، ولا يوجد النموذج البربري في مصر إلا مختلطًا إلى حدٍّ كبير. ووفقًا لتلك النظرية، يكون البربر الأفارقة القادمون من الغرب والليبيون ذوو البشرة السمراء قد استقروا في وادي النيل الجديد، ولكن غزو الأوروبيِّين الذي حدث في نفس الوقت تقريبًا أو بعد ذلك بقليل هجَّن ذلك الليبيَّ القادم من شمال أفريقيا «ذا البشرة البيضاء والعيون الزرقاء» الذي غيَّر المصري البدائي. وهكذا فإن هذا المصري الذي جاء دمُه من أوروبا يكون منتسبًا إلى الجنس الهندو-أوروبي ومنتميًا إلى الآرية» (ص٤٧، ٤٨).

وتُعتبر تلك الأطروحة آيةً للتفسيرات المعتمدة على الخيال الصرف، أي أنها لا تستند إلا إلى المشاعر الوجدانية. وأنا لم أذكرها إلا لتفنُّنها ومأربها، ألَا وهو التوصل بأي ثمن إلى إثبات أن المصريين كانت تجري في عروقهم بطريقة أو أخرى دماءٌ آرية.

والآرية هي الكلمة التي كان يتعين الوصول إليها.

وقد ذكرتها لأنها صريحة، على عكس الأطروحات السابقة. فهي نتاج تفسيرات لا تقوم على أي أساس، ساقها متخصصون مقتنعون تمامًا بأن كلَّ ما له قيمة في الوجود لا يمكن إلا أن يكون صادرًا عن جنسهم، وأن أيَّ بحثٍ جادٍّ يؤدي لا محالة إلى إثبات ذلك.

وعليه فإن أيَّ تفسير لا يمكن أن يكون مكتملًا إلا إذا حقق ذلك الهدف. ولذا لا يهمُّ أن تكون البرهنة مدعومة بالوقائع، فهي مكتفية بذلك لأن الأدلة التي تسوقها جزءٌ من هدفها.

وقد تمت الإشارة من قبل إلى البلبلة التي تشوب الأفكارَ المتعلِّقة بمفهوم البربر؛ ولذا فليس هناك ما يدعو إلى الرجوع إليها. فوجود الليبي ذي البشرة السمراء البربري حقًّا، والمُعتبَر نموذجًا أصليًّا لجنس أبيض، لا يُضاهيه سوى وجود عرائس البحر. ومن جهة أخرى فإن الاعتماد بكل دقة على الوثائق التي وفَّرتها الحفريات تؤكد أن شمال أفريقيا لم يكن في يوم من الأيام نقطةَ انطلاق لحضارة. ولم يصبح له شأنٌ في التاريخ إلا مع قيام مستوطنة قرطاجنة الفينيقية، أي عندما كانت الحضارة المصرية قد أمضَت عدةَ آلاف من السنوات. ولو كان أهالي مصر قد قَدِموا من جنوب أوروبا، كما يفترض ذلك ماسبيرو، ولو كانوا «قد انحدروا نحو الوادي من الغرب أو الجنوب الغربي» (التاريخ القديم لشعوب الشرق، ص۱۹) ليجلبوا لها عناصر الحضارة٨ ولكان عدمَ تركِهم لأي آثار في مهدِهم أو طريقهم إلى الوادي أمرًا لا يمكن تفسيره. ومن العسير أن نتصور أن هذا الجنس الأبيض الناشر للحضارة قد هاجر من أوروبا، ذلك المهد المواتي تمامًا لنمو تلك الحضارة، دون أن يُقيمَ فيها تلك الحضارة، وأن يكون قد مرَّ عبر السهول الغنية المحاذية للبحر الأبيض المتوسط واجتاز المسافة الهائلة التي تفصل شمال أفريقيا عن مصر — والتي لم تكن صحراويةً آنذاك — وشق الوجه البحري لمصر الذي كان آنذاك منطقةً عامرة بالمستنقعات والأوبئة، ومرَّ بصحراء النوبة، وتسلَّق هضاب إثيوبيا المرتفعة، فقطع بذلك آلافًا وآلافًا من الكيلومترات لكي يُقيم، لنزوة غير مفهومة، حضارةً في منطقة قاصية إلى هذا الحد، ولكي يهبط بعد ذلك تدريجيًّا مع مجرى النيل.

وحتى لو افترضنا أن الأمور صارت على ذلك النحو، فكيف يمكن أن يفسر المرء أن فريقَ هذا الجنس الذي مكث في مكانه، في بيئة مواتية لتفتح الحضارة، ظل خشنًا حتى الحقبة التي سبقَت العهد المسيحي؟

وعلى نقيض الافتراضات التي تزعم أن أفريقيا كان يسكنها جنسٌ أبيض طوال العهود القديمة، يمكن الاستناد إلى وثائق أثرية وتاريخية تؤكد بالإجماع أن هذه المنطقة كانت دائمًا موطنًا لزنوج. ويقول فورون إنه تم العثور في خمسة مواقع بإقليم القسطنطينية على هياكل متحجرة لأشخاص عاشوا في نهاية العصر الحجري القديم «كان من بينهم بعض الزنوج الذين يُشبهون نوبيي صعيد مصر» (موجز لآثار ما قبل التاريخ، ١٩٤٣م ص١٧٨).

وتثبت الوثائق اللاتينية هي أيضًا، في العهد المؤرَّخ، أن الزنوج كانوا متواجدين في كافة أنحاء شمال أفريقيا:

«لقد ترك المؤرخون اللاتينيون لنا بياناتٍ حول الشعوب ولكنها في الكثير من الأحوال أسماء لا تعني الكثيرَ بالنسبة لنا.»

«بَيد أننا نستطيع أن نستخلص منها على الأقل أنه كان هناك عددٌ كبير من السكان الزنوج، الإثيوبيِّين الذين تكلَّم عنهم هيرودوت، يتمثل خلفهم في حراتي جبال الأطلس العليا المغربية» (فورون، المرجع السابق، ص۳۷۱).

ويُثبت هذا التنويه أنه يوجد حتى الآن زنوج في تلك المنطقة.

والحضارة الوحيدة فيما قبل التاريخ التي تألقت من هناك حتى وصلت إلى مصر، تعود إلى زنوج:

«في ذلك العهد انتشر الزنوج الأورينياسيون بشكل مباشر في أفريقيا والشرق، في حضارة تُسمَّى الحضارة الكابسية (أشبه بالحضارة المجدلية) في تونس على الأرجح. وقد تقدمت من جهة، نحو شمال أفريقيا وإسبانيا وصقلية وجنوب إيطاليا، فنازعت بذلك القوقازيِّين والمغول حول حوض البحر الأبيض المتوسط، ومن جهة أخرى نحو ليبيا ومصر وفلسطين. ويبدو أنها أخضعَت جزئيًّا لنفوذها الصحراء والسودان ووسط أفريقيا وحتى جنوب أفريقيا.»

وقد نتج عن تلك الحضارة الكابسية ازدهارٌ فنيٌّ يُشبه برسومه على الصخور تلك التي وصلت إليها أوروبا في العهد المجدلي.

غير أن الفن الكابسي يميل إلى التجريد وإلى الإيجاز المبسط للأشكال الذي أصبح على ما يبدو أصل الكتابة.

«والواقع أنه لا يوجد اتفاق كامل حول تاريخ تلك الرسوم التي تم العثور عليها في العديد من مواقع الصحراء حتى جبال الأحجار. فالبعض يرى أنها تُعبِّر عن حضارة كابسية، بينما ينسبها البعض الآخر إلى مرحلة متأخرة، ألَا وهي العهد الحجري الجديد» (فورون، نفس المرجع، ص١٤ و١٥).

«وظهور الكبش الذي يحمل بين قرنَيه أسطوانة أو كرة قد يربط تلك الحضارة الصحراوية بالطقوس الدينية المصرية في مرحلة ما قبل عهد الأسرات. وهكذا نجد أن آمون الإله-الكبش قد نشأ في تلك الصحراء التي كان يسكنها آنذاك رعاةٌ يسوقون خِرافهم وبقرهم للرعي، حيثما لا توجد هناك اليوم سوى صحراء قاحلة» (نفس المرجع، ص١٥).

وعليه، يُثبت فحص الوثائق قيام حضارة زنجية، منذ ما قبل التاريخ، في نفس الموقع الذي يريدون أن يكون المنطلق الأصلي للحضارة المصرية.

ولما كانت تلك الأحداث قد سبقت المرحلتَين الكابسية والمجدلية، فهي تكشف بالأحرى عن غزو زنجي جاء من القارة الآسيوية وامتدادها الأوروبي، واجتاح بذلك العالم.

ولذا فقد كتب ديمولان دي لابلانت وهو يُشير إلى بداية العصر الحجري القديم:

وقد انطلقت آنذاك هجرةٌ زنجية من الأصل الهوتانتو، من جنوب القارة الأفريقية ووسطها، فاجتاحت شمال أفريقيا: الجزائر وتونس ومصر، وجلبت بالقوة حضارة جديدة، الحضارة الأورينياسية، لمناطق أوروبا الواقعة على البحر الأبيض المتوسط. وهؤلاء البوشمان هم أول مَن سجَّل على الصخور رسومًا خشنة ونحت تماثيل حجرية لنساء حوامل ضخام البنية ومترهلات. فهل تعود عبادة الخصوبة والربة-الأم في حوض البحر الأبيض المتوسط إلى أولئك الأفارقة؟

«غير أن افتراض غزو زنوج أفارقة لضفَّتَي البحر الأبيض المتوسط يصطدم ببعض الاعتراضات. لماذا عمد هؤلاء القوم إلى الهرب من حرارة الشمس وجاءوا يسعَون إلى البرودة؟ وقد يكون من المقبول أن نجد في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا أدوات ترجع إلى المرحلة الأورينياسية، في حالة افتراض قدوم هجرة من أفريقيا. ولكن العثور على هذا النوع من الأدوات في بوهيميا وألمانيا وبولندا يجعل هذا الافتراض هشًّا بقدرٍ أكبر. وأخيرًا فقد تم العثور على أدوات أورينياسية في جاوة وكذلك في سيبيريا والصين؛ فإما أن الزنوج اجتاحوا العالم أو أننا يجب أن نفترض قيام «تبادلات ثقافية» بين مختلف شعوب الكرة الأرضية» (التاريخ العام المتزامن، باريس، ١٩٤٧م، ص١٣).

ويتبنَّى فورون، إزاء نفس تلك الأدلة الأثرية، فكرةَ عبادة الخصوبة لكيلا يتوصلَ إلى نفس الاستنتاجات:

«ولما كانت جميع تلك التماثيل الصغيرة تبدو «عائلية»، فإنه يتعين التسليم بفكرة عبادة الخصوبة، لأنه لا يُعقل أن يكون أناس من هذا الجنس الزنجي ذي النساء المفرطات البدانة قد استقروا جميعًا في فرنسا وإيطاليا وسيبيريا» (فورون، موجز لآثار ما قبل التاريخ، ص١٥١).

والواقع أن التسليم بعبادة الخصوبة يعني القبول بفرضية الغزو الزنجي، الذي تؤكده فضلًا عن ذلك الجماجم أورينياسية والهياكل البشرية للجنس الجريمالدي.

ويُقرُّ عدد متزايد باستمرار من العلماء بدور أفريقيا الحضاري، حتى منذ مرحلة ما قبل التاريخ.

«ومن جهة أخرى، يبدو من المحتمل أكثر فأكثر أن أفريقيا عرفت منذ مئات الآلاف من السنين في عهد الحجر المقصوب، مراحل تحضُّر بدائية يمكن أن تقارن بشبيهتها في أوروبا وآسيا، وأنها كانت أيضًا منبعَ عديد من تلك الحضارات التي امتدت شمالًا في تلك البلاد الكلاسيكية» (الأب بروس «جنوب أفريقيا، هل هي مهد الإنسان؟» مجلة الأخبار الأدبية، عدد ١٩٥١/٤/٥م).

ويذهب رأْي هذا العالم الكبير إلى أبعد من ذلك. ويتضح أكثر فأكثر أن البشرية نشأت في أفريقيا. فقد تم العثور حتى الآن في جنوب أفريقيا على أكبر مخزون من العظام البشرية. ومع أن هذا البلد لم يحظَ بأكبر قدر من الحفريات، إلا أنه الموقع الوحيد في العالم الذي تُتيح فيه العظام التي تم العثور عليها رسم سلالة الإنسانية منذ أصولها حتى يومنا هذا، بلا انقطاع.

«ومع أن الأمر لا يخص مجال علم الأثريات، إلا أنني سأتحدث أولًا عن قضية أصل الجنس البشري التي تقدَّمت خطواتٍ كبيرةً في هذا البلد بفضل اكتشافات الدكتور دارت في تونجز وماكابان، واكتشافات الدكتور بروم في ستركفونتين، وكرومداي، وشوارتكرانز. فقد تواجد هناك، قبل الإنسان، قردة أشبه بالإنسان تسير على قدمَين، ذات أشكال عديدة متنوعة، ولكنها تتضمن صفاتٍ بشريةً مبكرة، مما يدفع المرء إلى البدء بالاعتقاد بأن النموذج البشري نشأ هنا. ويشتد أكثر فأكثر اهتمامُ المتخصصين بتلك الاكتشافات الرائعة التي تتزايد كلَّ شهر تقريبًا» (نفس المرجع السابق).

وهناك تقريبًا اتفاق على أنه لم يكن هناك سوى خشماويات زنجوية حتى العصر الجليدي الرابع. وقد أعلن مؤخرًا عالم من جنوب أفريقيا أن الإنسان الأول كان أسود، شديدَ التخضب وفقًا للأدلة التي توجد في متناول يده. ولم يطرأ التمايز بين ذلك الجنس الزنجوي وتفرُّعه إلى أجناس متميزة إلا خلال ذلك العصر الجليدي الرابع الذي دام مائة ألف عام، وذلك على أثر تأقلم القسم الذي ظل منعزلًا أسيرَ الجليد مع بيئته، فغدَت فتحات أنفه أضيق، وقلَّ خضاب بشرته، وحدقة عينه …

هناك إذن واقعة واحدة تؤكدها الوثائق في الأطروحة «الليبية» (الآرية التي ذكرها فونتان)، وهي استخدام الفراعنة الزنوج لهؤلاء البِيض الشُّقر، ذوي العيون الزرقاء والموشومين كمرتزقة. وتلك القبائل التي يُقال عنها إنها ليبية، كانت تُشكل جحافل همجية في المنطقة الغربية في الدلتا؛ حيث لم يتمَّ الاعتراف تاريخيًّا بوجودها إلا في عهد الأسرة الثامنة عشرة.

وقد اعتبر المصريون القُدامى دائمًا الليبيِّين همجًا حقيقيِّين، تحضُّرهم مُستعصٍ. وكانوا حريصين على ألَّا يختلطوا معهم، ويتفضلون على أقصى تقدير بقبولهم كمرتزقة. كما أنهم لم يكفُّوا أبدًا عن إبعادهم عن حدودهم عن طريق الحملات الدائمة، ولم ينتشر الليبيون النصف مستأنسين في مصر تدريجيًّا إلا في العصور المتأخرة حيث استقروا في منطقة الدلتا.

ويدلُّنا الوصف الذي قدَّمه هيرودوت عن الليبيِّين حتى نهاية التاريخ المصري القديم على أنهم ظلوا في المرتبة الأخيرة من الحضارة، وأن تعبير التحضُّر — أيًّا كان المعنى العريض الذي يمكن أن يُضفَى عليه — ما كان يمكن تطبيقه بخصوصهم. وقد كتب أبو التاريخ يقول بخصوص قبيلة الأدريماشيد الليبية: «ويُطوِّق نساؤهم كلَّ ساق بحلقة من النحاس، ويتركنَ شعورهنَّ تسترسل، وإذا قرضَتهنَّ قملة فإنهنَّ يأخذنها ويقضمنها بدورهن ثم يُلقين بها بعد ذلك.»

ولا يسَعُ المرء إذن إلا أن يُبديَ دهشته إزاء المحاولات التي تُبذَل لإسناد الحضارة المصرية إلى الليبيِّين.

وقد حاولوا، بناء على ذلك الافتراض، عقدَ تقارب بين اللغة البربرية واللغة المصرية بدعوى أن البربر من سلالة الليبيِّين، بَيد أن اللغة البربرية عجيبة الشأن؛ إذ يمكن إيجاد تقارب بينها وبين كافة أنواع اللغات:

«فمن جهة، لوحظَت بعض الصلات بين لغة البربر ولغات الغال والكلتيين والكيمريس. ولكن البربر يستخدمون نفس القدر من الكلمات المصرية والأفريقية؛ ولذا فإنها تصبح لغة هندو-أوروبية أو آسيوية أو أفريقية حسب وجهة النظر التي يتمُّ تبنِّيها. والواقع أن اللغات الليبية أفريقية المنشأ، وقد أتى الليجور والسيكول، الذين قَدِموا إلى أوروبا من شمال أفريقيا، أتَوا على الأرجح بلسان أفريقي تُمثِّله لغةُ الباسك، من بين لغات أخرى» (فونتان، المرجع المذكور آنفًا، ص٦٠، ٦١).

وينطبق نفس الأمر على قواعد اللغة البربرية. ويتجنب المتخصصون في هذه اللغة تأييدَ القرابة بين لغة البربر ولغة المصريين.

وذلك هو موقف الأستاذ باسيه الذي يودُّ أن تُقدَّم وقائع قاطعة لكي تكون الفرضية الحامية-السامية (وبالأخص القرابة بين اللغتين البربرية والمصرية) مقبولة.

ومن المعروف أن كلًّا من اللغتين تُعبِّر عن المؤنث بإضافة حرف التاء إلى الاسم، ولكن من المعروف أيضًا أن الأمر ينطبق كذلك على اللغة العربية، وبناء على ما نعرف عن العرب والبربر، فإن بوسعنا أن نتساءل مع أميلينو، لماذا لا يتعلق الأمر بتأثير عكسي، نظرًا لأنه يتفق مع العلاقة التاريخية بين هاتين الأمتين.

وليس ذلك كلَّ ما في الأمر؛ إذ يتضح من البحث أن الأسماء المؤنثة في اللغة الألمانية تنتهي أساسًا بحرف التاء أو حرفَي السين والتاء، فهل يعني ذلك أن البربر تأثروا بالجرمان أو العكس بالعكس؟ وهذا الافتراض معقول مقدَّمًا إلى حدٍّ ما لأنه من المعروف أن القبائل الجرمانية تدفَّقت في القرن الخامس (سنة ٤٢٩) على شمال أفريقيا عن طريق إسبانيا وأقامت إمبراطورية حكمَتها طوال ٤٠٠ سنة (جنسريك، انظر هاردي، تاريخ أفريقيا، ص۲۸ و۲۹).

ومنذ هذا الغرو، امتزج الفاندال، الذين استقروا في شمال أفريقيا، بأهاليها، وحاول قسمٌ منهم فقط فتحَ روما بقيادة جنسريك عن طريق صقلية ولكنهم فشلوا في ذلك.

وفضلًا عن ذلك فإن صيغة جمع ٥٠٪ من الأسماء البربرية يتمُّ بإضافة إن (en)، كما هو الحال بالنسبة للأسماء المؤنثة باللغة الألمانية، بينما تنتهي صيغة جمع ٤٠٪ من الأسماء ﺑ آ (a) على غرار الأسماء المحايدة باللاتينية.٩

ولما كان من المعروف أن الفاندال استولوا على شمال أفريقيا من الرومان، لماذا لم يتجه التفكير إذن نحو البحث عن واقع البربر من هذه الزاوية، سواء فيما يتعلق باللغة أو التركيب الجسدي لهؤلاء السكان: الشعر الأشقر، والعيون الزرقاء … إلخ؟

ولكن ذلك لم يحدث قط؛ فقد قرر المؤرخون أن الفاندال لم يكن لهم أيُّ تأثير رغم كل تلك الحقائق، وأن احتلالهم لبلاد البربر ليس مبرَّرًا لتفسيرِ أيِّ شيء فيها.

وعلى الرغم من أن الفاندال كانوا همجًا، وأن إدارتهم لم تكن على ما يرام، فإن تعدادهم ومركزهم كغزاة لا يمكن أن يدفعَ إلى الاعتقاد بأنهم تخلَّوا تلقائيًّا عن لغتهم ليتبنوا لغة البلاد، ولا يوجد أيُّ نص لاتيني يؤكد ذلك. وعادةً ما تكون العلاقات الاجتماعية معقدة أكثر من ذلك، فينعكس التعقد في المجال اللغوي. وهكذا فإن اللغة التي تختفي تؤثر على اللغة المنتصرة بإدخال تحولات فيها بحيث لا تعود أبدًا كما كانت من قبل.١٠

وعليه، يتعذر على المرء أن يتخيل أن البربرَ الحاليِّين معصومون من أي تأثير فندالي، كما أنه يتعذر إلى حدٍّ أكبر أن نتصور أن البربر الحاليِّين ليسوا من سلالة الفاندال، خاصة عندما تكون عيونهم زرقاء وشعورهم شقراء.

والنصوص التي جاءت في مقدمة ابن خلدون حول البربر لا يمكن إلا أن تكون حجة في هذا الخصوص.١١

ومما قد يؤكد افتراض الأصل الفاندالي، أن البربر لم يكن لهم أيُّ وجود في مصر، وأن عددهم ضئيلٌ في تونس كما كان يتزايد مع الاتجاه من الشرق نحو الغرب ليبلغ أَوْجَه في المغرب.

ولا تلفت كافةُ تلك الوقائع نظرَ المؤرخين لأنه يتعين مقدَّمًا أن يكون البربر من القِدم بما يكفي لتبرير الحضارة المصرية. بَيد أن الجُمل العشرين حول البربر التي جاءت في النصوص العربية لا ترجع إلى أبعد من القرن الثاني عشر، بينما يبدو أن الكتابة التيفينغ (Tifinagh) والحروف المُسمَّاة «الليبية» والتي لم يتمَّ بعدُ حلُّ رموزها، ترجع إلى تأثير الجالية الفينيقية الزنجية في قرطاجة، نقلًا عن العناصر الأصلية في البلاد التي تواجدَت قبل مجيء الفاندال.
وعليه فإن ترتيب سكان شمال أفريقيا منذ ما قبل التاريخ حتى أيامنا هذه يكون على الوجه التالي:
  • زنوج كرو-مانيون (جنس زال منذ عشرة آلاف سنة).

  • زنوج من العصر الكابسي.

  • زنوج من العهد الفينيقي.

  • هندو-أوروبيون ابتداءً من ١٥٠٠ سنة قبل الميلاد، اختلطوا مع الزنوج.

  • زنوج في عهد الرومان، ومن بينهم قسمٌ كبير من المولدين.

  • فاندال.

  • عرب.

ألَا يكون من الطبيعي والحال هكذا، أن تنتميَ تباعًا مفردات لغة البربر إلى اللغات الهندو-أوروبية والسامية والأفريقية حسب وجهة النظر المتخذة؟

ويقودنا علم الأثريات المصرية إلى ماسبيرو الذي تناول أصلَ المصريين على الوجه التالي في الفصل الأول من كتابه التاريخ القديم لشعوب الشرق:

«يبدو أن المصريين فقدوا مبكرًا ذكرى أصولهم. هل جاءوا من وسط أفريقيا أو من داخل آسيا؟ ووفقًا لشهادات المؤرخين القُدامى شِبْه الإجماعية، فإنهم ينتمون إلى جنس أفريقي، استقر في أول الأمر في إثيوبيا على ضفاف النيل الأوسط، ثم نزحوا تدريجيًّا باتجاه البحر مع مجرى النهر. ويستند التدليل على ذلك إلى أوجه التشابه الواضحة بين عادات وديانة المملكة المروية وعادات وديانة المصريين. ومن المعروف اليوم بشكل قاطع أن إثيوبيا التي عرفها الإغريق لم تستعمر مصر في بداية التاريخ، بل إن مصر استعمرَتها ابتداءً من أيام الأسرة الثانية عشرة، وأنها ظلَّت لعدة قرون ضمن مملكة الفراعنة» (طبعة هاشيت، ۱۹۱۷م، ص١٥، وتعود الطبعة الأولى إلى عام ١٨٩٧م).

ولنلاحظ قبل أن نواصل عرْضَ أطروحة ماسبيرو، ما يبدو أنه قد تم تشويهه في تلك الجُمل الأولى القليلة.

يبدو أنه من غير المقبول أن المصريين نسوا أصلهم. ويظهر أن ماسبيرو خلط بين مفهومين للأصل مختلفين تمامًا: المهد الأول الذي انطلق منه شعب ما، والأصل العِرقي المتعلق بلون الجنس.

والواقع أن المصريين لم ينسوا أبدًا ذلك المفهوم الأخير، شأنه في ذلك شأن المفهوم الأول.١٢ وقد عبَّروا عن ذلك في كافة فنونهم وآدابهم ومناسباتهم الثقافية وتقاليدهم ولغتهم حتى إن بلدهم يُشار إليه بالنسبة للونهم هم لا بالنسبة للون الأرض، وذلك بكلمة كيميت التي تختلط بكلمة حام، أبي الزنوج وفقًا للتوراة.

والقول بأن كيميت تشير إلى لون أرض مصر، لا إلى البلد قياسًا إلى لون بشرة الجنس، يقابله تعبيرًا: «أفريقيا السوداء» و«أفريقيا البيضاء».

ويذكرنا ماسبيرو بشهادة المؤرخين القُدامى الإجماعية فيما يتعلق بجنس المصريين، ولكنه يُخفي عن عمد نقطةً محددة. فنحن نعلم من شهادة القدماء أنهم لم يستخدموا كلمةَ «جنس أفريقي» الفضفاضة، بل حددوا بدقة في كل مرة تناولوا فيها الشعب المصري، بأنه من جنس زنجي، وذلك ابتداءً من هيرودوت حتى ديودور.

ويتوالى هنا تطور ذلك التشويه التدريجي للحقائق كما عبَّرت عنه الكتب التي تتمُّ عن طريقها صياغةُ الرأي العام المدرسي والجامعي. وتتفاقم خطورة ذلك التشويه نتيجة لضخامة المعارف التي يتعين تحصيلها في العالم الحديث، حتى إن الأجيال الشابة — فيما عدا المحترفين — لا تجد الوقت لكي ترجع إلى المصادر الأولى وتُدرك الفارق بين الحقيقة وما لُقِّن لها، بل إن الميل إلى حدٍّ ما إلى الكسل يدفع إلى الاكتفاء بما جاء في الكتب المدرسية واستخلاص أفكار منمَّطة منها باعتبارها «مراجع لا يأتيها الباطل».

ولو طبَّقنا منطق ماسبيرو لرفض آراء ديودور المتعلقة بأسبقية إثيوبيا، لدفعَنا ذلك إلى الاستنتاج التالي، وهو أن روما لم تنقل الحضارة أبدًا إلى الغال نظرًا لأن نابليون فتح إيطاليا وضمَّها إلى فرنسا في القرن التاسع عشر، وهو بالطبع خطأ واضح تمامًا.

ومن جهة أخرى، جاء في التوراة، أن مصرايم، ابن حام «وأخو كوش الحبشي وكنعان جاء من بلاد ما بين النهرين ليستقر هو وأبناؤه على شاطئ النيل» (المرجع السابق، ص١٦).

ولا يذكر ماسبيرو في هذا الصدد أن «حام» ومصرايم وكنعان وكوش جميعهم زنوج حسب ما جاء في التوراة، ومعنى ذلك مرة أخرى أن مصر (حام ومصرايم) والحبشة (كوش) وفلسطين وفينيقيا قبل اليهود والسوريين (كنعان) والجزيرة قبل العرب (فوط، حويلة، سبأ) كان يسكنها جميعًا زنوج أقاموا حضارات امتدَّت آلاف السنوات في تلك المناطق، وظلَّت على صلة قرابة فيما بينها.

ويواصل ماسبيرو قائلًا: «ويمثل لوديم (الابن البكر لمصرايم) المصريين بمعنى الكلمة، وهم الروتو والروميتو كما جاء في النقوش الهيروغليفية. وعناميم (الابن الثاني لمصرايم) يمثِّل جيدًا قبيلةَ عانو الكبيرة التي أسست مدينتَي أون الشمالية (هليوبوليس) وأون الجنوبية (هرمونتيس) في الأزمنة السابقة على التأريخ.»

«ولهابيم (الابن الثالث لمصراييم) يُمثِّل شعب الليبيِّين الذين عاشوا غرب النيل، واستقر نفتوحيم (نو-بتاح، الابن الرابع) في دلتا النيل، شمال ممفيس، وأخيرًا، أقام فتروسيم (باتوروزي، أرض الجنوب) في الصعيد الحالي، بين ممفيس والشلال الأول.»

«وهذه الأخبار التي جاءت بالمصريين من آسيا عن طريق مضيق السويس، كانت معروفةً لدى المؤلفين الكلاسيكيِّين؛ إذ إن بلين القديم ينسب إلى بعض العرب تأسيسَ هليوبوليس، غير أن هذا الرأيَ لم يحظَ أبدًا بالرواج الذي تمتع به الرأي القائل بأنهم نزحوا من الهضاب العليا الإثيوبية» (المرجع السابق، ص١٦).

وهذه المعلومات التي استقاها ماسبيرو في مؤلف روجيه: أبحاث حول الآثار التي يمكن أن تنسب إلى الأسرات الست الأولى لمانيتون، اعتباطية إلى حدٍّ ما، وهي تتناقض مع تشخيص الليبيِّين الذين قيل عنهم إن عيونهم زرقاء وشعورهم شقراء، وهم سلالة لهابيم، ابن مصرايم، وكلاهما من الزنوج.

أما التناقض الآخر فيرجع إلى إيلاء ماسبيرو، على ما يبدو، أهمية لأطروحة الأصل الآسيوي للمصريين، وإشارته بهذا الخصوص إلى رأْي بلين القديم الذي نسب تأسيس هليوبوليس إلى بعض العرب، علمًا بأنه نسب إقامتها من قبل إلى قبيلة عانو التي قال عنها إنها سلالة عناميم، ابن مصرايم الزنجي. غير أن احتمال قيام العرب بتأسيس هليوبوليس مستبعدٌ تمامًا، خاصة وأن ذلك تم، كما يقول المؤلف في نفس النص، في الأزمنة «السابقة على التاريخ».

ويوضح لنا ذلك لماذا لم تحظَ وجهة نظر بلين بالرواج الذي كان ماسبيرو يرجوه.

ولذا فهو يستطرد قائلًا:

«أصبح أصل السكان وخصائصهم المتجانسة مجالًا لمناقشات مستفيضة في أيامنا هذه. فقد خدع مظهرُ بعض الأقباط المهجنين رحالةَ القرنَين السابع عشر والثامن عشر، فأكدوا أن أسلافهم في العهود الفرعونية كانت وجوههم منتفخة، وعيونهم في أعلى الرأس، وأنوفهم فطساء، وشِفاهم غليظة، وأن العديد من ملامحهم تعود إلى أصل زنجي. وقد تلاشى هذا الخطأ الدارج بلا رجعة في بداية هذا القرن، منذ أن نشرت اللجنة الفرنسية مؤلَّفها الكبير» (المرجع السابق، ص١٦ و١٧).

ولو قرأ أحد ما قاله ماسبيرو دون أن يكون على دراية بشهادة فولني وشرحه المتعلق بتأثيرات المناخ التي يمكن أن تُشكل وجهًا مختلفَ الأجناس، ودون أن يُدرك الحرص الشديد من جانب هذا العالم على تقديم التفسير العلمي والموضوعي ومدى دقة ملاحظاته، لَمالَ هذا القارئ إلى الاعتقاد بكل يُسْر بأن رحالة القرون المنصرمة قد انساقوا وراء المظاهر ووقعوا في الخطأ، لو أنه اتكل على مزاعم ماسبيرو.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار كلَّ ما تم شرحه حول تغلغل عناصر بيضاء في مصر تدريجيًّا — خاصة في العصر المتأخر وفي الدلتا — فلا يمكن أن يكون ذلك إلا باتجاه البياض لا السواد، بحيث يجعل معالم البيض القُدامى ضائعة بالنسبة لمراقبين غير منحازين لوجهة نظر مسبقة.

ولنرَ كيف تلاشى بلا رجعة ذلك «الخطأ الدارج»، كما يقول ماسبيرو وفقًا لما جاء في «المؤلَّف الكبير» الذي نشرَته «اللجنة الفرنسية»:

«بفحص صور التماثيل والنقوش العديدة التي يحتويها هذا المؤلَّف، تم الاعتراف بأن الشعب المصوَّر على جدران الآثار، لا يقدِّم خصائص الزنجي أو مظهره العام، بل يُشبِه إلى حدٍّ كبير الأجناس البيضاء الجميلة في أوروبا وآسيا الغربية. واليوم، وبعد قرن من البحوث وأعمال التنقيب لم تَعُد لدينا أية مصاعب في التطرق، لا إلى معاصري بسامتيك أو سنوسرت فقط، بل وإلى معاصري خوفو الذين ساهموا في بناء الأهرامات. ويكفي لذلك أن يزور المرء متحفًا ويفحص التماثيل القديمة الطراز المودَعة فيه؛ إذ يشعر من الوهلة الأولى أن الفنان حرص في تجسيده للرأس والأطراف أن تكون مشابهةً تمامًا للشخص الماثل أمامه، وبعد أن يستبعد المرء الفروق الخاصة بكل فرد، فإنه يستخلص بلا عناء السِّمات العامة لكل جنس ومميزاته الرئيسية. فأحدهم رَبْعة بطيء الحركة، ويتفق بذلك مع الخواص الغالبة لدى الفلاحين الحاليِّين. والآخر، الذي كان يميز أعضاء الطبقة العليا، يصور لنا رجلًا فارعَ القامة ونحيفًا له أكتاف عريضة، وصدره بارز، وساعِدُه القويُّ ينتهي بيدٍ رشيقة، وأردافه غير مكتنزة، وساقه متينة والتفاصيل التشريحية للركبة وعضلات سمانة الساق واضحة التكوين، كما هو الحال بالنسبة لأغلب الشعوب المعتمدة على المشي، والأقدام طويلة ورقيقة ومفلطحة في طرفها نتيجة للاعتياد على السير بلا حذاء، والرأس أقوى في الكثير من الأحوال من الجسد، ويُعبِّر عادةً عن الرقَّة والحزن الفطري، والجبين مربع ومنخفض نوعًا والأنف قصير ولحيم والعينان واسعتان، والوجنتان مستديرتان والشفاه غليظة دون أن تكون متدلية، والفم العريض إلى حدٍّ ما ترتسم عليه ابتسامةٌ مستسلمة تكاد تُعبِّر عن الألم. وهذه السمات المشتركة بين أغلب تماثيل الدولتين القديمة والوسطى، تتواصل في كل العهود. وآثار الأسرة الثامنة عشرة والتماثيل الصاوية واليونانية، الأقل جمالًا بالمقارنة مع تماثيل الأُسَر القديمة، تنقل الطراز البدائي بلا تغيير ملحوظ. وعلى الرغم من التغير الذي طرأ اليوم على وجوه الطبقات العليا نتيجة للتزاوج المستمر مع الأجانب إلا أن الفلاحين البسطاء احتفظوا في كل مكان تقريبًا بمظهر أسلافهم. والفلاح الذي يتأمل وهو مندهش تماثيلَ خفرع أو سنوسرت، له سحنةٌ تُشبِه بعد أكثر من أربعة آلاف سنة، سحنة هؤلاء الفراعنة القُدامى» (نفس المرجع، ص۱۷ و۱۸).

ذلك هو المحور الذي يرتكز عليه ما أراد ماسبيرو أن يُثبِت، ونحن لم نستبعد أيَّ كلمة منه.

ماذا يؤكد لنا هذا الإثبات؟

وماذا علَّمنا «المؤلَّف الكبير»؟

أفادنا المؤلِّف بأن علم المصريات أصبح علمًا قديمًا للغاية؛ فقد نقب المتخصصون وبحثوا وأصبح نموذجُ سكان مصر القُدامى معروفًا لنا الآن بأدق تفاصيله العِرقية. فقد جسَّده الفنان بحيث يكون «مشابهًا تمامًا للشخص الماثل أمامه». وبوسعنا أن نتصور تمامًا أفرادَ الطبقة العليا بفضل ذلك الفنان. ووفقًا لملاحظات ماسبيرو ذاته كان لكلٍّ منهم «أنفٌ قصير ولحيم»، و«الفم عريض إلى حدٍّ ما»، و«الشِّفاه غليظة»، و«الوجنتان مستديرتان»، والجبين «منخفض نوعًا»، و«الأكتاف عريضة»، و«اليد رشيقة»، و«أردافه غير مكتنزة» و«ساقه متينة». وهذه السمات المشتركة التي استمرت طوال الدولتين القديمة والوسطى «لا تُقدِّم خصائص الزنجي أو مظهره العام، بل تُشبِه إلى حدٍّ كبير الأجناسَ البيضاء الجميلة في أوروبا وآسيا الغربية».

ولا يحتاج هذا الاستنتاج إلى تعليق.

فبعد التأكيد العلني لأطروحة الأصل الزنجي على يد مؤلف كان برهانه يستهدف بالذات دحضَ هذه الأطروحة، نرى مرة أخرى أن إثبات عكس الحقيقة مستحيل.

وماسبيرو عالِمٌ عكف على ترجمة عدة نصوص مصرية، فكانت لديه إذن المعرفة التقنية لتحديدِ كلِّ ما يمكن إثباته. وفشله، رغم علمه، وفشل العلماء الذين سبقوه وجاءوا بعده، بخصوص نفس المشكلة، يُقدِّم على نحوٍ ما الدليلَ السلبي الراسخ تمامًا حول الأصل الزنجي.

وهنا أتطرق إلى أطروحة أميلينو، وهو عالم مصريات كبير، قلَّما تجري الإشارة إليه.

فقد قام بأعمال تنقيب في أُمِّ الغاب على مقربة من أبيدوس (العرَّابة المدفونة)، واكتشف مدافن ملكية أمكنَهُ التعرف فيها على أسماء ستة عشر ملكًا حكموا البلاد قبل نعرمر. وقد عثر بالأخص على قبور أربعة ملوك هم: كا، ودن والملك الثعبان دجت (لوحة متحف اللوفر)، ولم يتمَّ فك رموز اسم ملك آخر.

وقد جرت محاولات لضم هؤلاء الملوك إلى المرحلة التاريخية، وأفادنا أميلينو بأن:

«السيد ماسبيرو أراد أن ينسب هؤلاء الملوك إلى الأسرة الثانية عشرة، وذلك في جلسة أكاديمية المسجلات والآداب … ثم … نسبهم إلى الأسرة الثامنة عشرة … ثم الخامسة … ثم الرابعة …» (حفريات جديدة في أبيدوس، باريس، الناشر ليرو، ۱۸۹۹م، ص٢٤٨).

وقد استنتج أميلينو، بعد أن فنَّد مرة أخرى وجهةَ نظرٍ مُناوئيه أن:

«وتلك أسباب يبدو لي أنه لا يصح الاستخفاف بها، بل تتراءى لي جديرة، على العكس، بأن تُوضع في عين الاعتبار بكل جدية من جانب كافة العلماء الصادقي النية، لأن الآخرين لا يعنونني» (المرجع السابق، ص٢٧١).

ويعود إلى أميلينو اكتشاف مقبرة أوزيريس في العرابة المدفونة، وهو الاكتشاف الذي تبيَّن منه أن أوزيريس لم يكن بطلًا خرافيًّا بل شخصية تاريخية وسلفًا أولَ للفراعنة، وهو سلف زنجي، هو وشقيقته إيزيس.

وهكذا يمكننا أن نفهم لماذا صوَّر المصريون آلهتهم دائمًا بالأسود الفاحم وفقًا لجنسهم، منذ بداية تاريخهم حتى نهايته. إنها لمفارقة لا يمكن أن نفهمها أبدًا، وهي ألَّا يلجأَ شعب من جنس أبيض إلى تصوير آلهته باللون الأبيض، وأن يختار، على العكس، لونَ الزنوج لتصوير أقدس الكائنات لديه، وهو لون إيزيس وأوزيريس على الآثار المصرية. وتكشف هذه الحقيقة عن أحد تناقضات الحديثين عندما راحوا يفرضون عقيدةً لا تقبل المناقشة مفادُها أن الحضارة المصرية من صُنع جنس أبيض، وأن جنسًا آخر زنجيًّا كان يعيش إلى جواره مستعبَدًا. أما أن يتمَّ اختيار لون العبيد لتصوير الآلهة، بدلًا من لون الأسياد ومؤسِّسي الحضارة، فهذا ما لا يمكن قبوله، وهو يتعارض مع أيِّ تفكير منطقي حريص على الموضوعية.

وعلى العكس، فإن الوقائع في مجموعها — بدءًا بأهمِّها وحتى أبسطها — تشهد بلا أيِّ تناقض لصالح أطروحة مصر الزنجية التي أنشأت الحضارة في العالم، هذا إذا لم تُفسَّر تلك الوقائع جزئيًّا. وهكذا توصَّل أميلينو بعد حفرياته الواسعة النطاق ودراساته المتعمقة حول المجتمع المصري، إلى الاستنتاجات التالية الهامة للغاية بالنسبة لتاريخ البشرية:

«وقد أمكنني أن أستخلصَ من مختلف الأساطير المصرية أن السكان المستقرين في وادي النيل كانوا من الجنس الزنجي؛ إذ قيل إن الربة إيزيس وُلدَت في شكل امرأة حمراء وسوداء، أي كما شرحت من قبل، بلون القهوة الممزوجة بالحليب التي نجدها عند بعض الأفراد من الجنس الزنجي، والذين يبدو أن بشرتَهم بها لمعة «معدنية نحاسية»» (تمهيدات لدراسة الديانة المصرية، الجزء الثاني، الناشر ليرو، ١٩١٦م، ص١٢٤).

ويشير أميلينو إلى الجنس الزنجي الأول الذي سكن مصر تحت اسم أنو، ويبيِّن أنه راح ينحدر تدريجيًّا مع النيل فأسَّس مدنَ إسنا وأرمنت وقوص وهليوبوليس (أون)، وهو يقول بهذا الصدد: «تحمل كافةُ تلك المدن العلامةَ المميزة التي تُستخدم لكتابة اسم الأنو، وهي تمثِّل سهمًا مزوَّدًا في طرفه الأسفل بريشتَين. كما أن صفة أنو المنسوبة إلى أوزيريس يجب أن تُفسَّر بمغزاها العِرقي. ففي مقدمةٍ تُمهِّد للأناشيد الموجَّهة إلى رع، وتتضمن الفصل الخامس عشر من كتاب الموتى، جاء فيما يتعلق بأوزيريس: «سلام عليك! يا رب أنو في بلاد أنتن الجبلية، أيها الإله العظيم، يا صقر الجبل الشمسي المزدوج».»

«وإذا كان أوزيريس من أصل نوبي، رغم أنه وُلد في طيبة، لكان من السهل أن نفهم لماذا دار الصراع بين حورس وست في النوبة. وعلى أية حال فإن ما يلفت النظر حقًّا أن الربة إيزيس كان لونها حسب الأسطورة نفسَ لون بشرة النوبيِّين حتى الآن، وأن النعت المنسوب إلى الإله أوزيريس يبدو نعتًا عِرقيًّا يُشير إلى أصله النوبي، وهي ملاحظة يبدو لي أنها لم تَرِد من قبل» (نفس المرجع، ص١٢٤ و١٢٥).

وهؤلاء الأنو الذين أراد ماسبيرو أن يجعلهم عربًا لأنهم أسَّسوا مدينة أون — هليوبوليس باليونانية — مدينة أنو في الشمال، يبدون إذن بالأساس، زنوجًا لو أننا استشهدنا في ذلك بما دوَّنوه بأنفسهم في كتاب الموتى، وغيره من النصوص.

وتأييدًا لأطروحة أميلينو، بوسعنا أن نُشير إلى أن كلمة آن تعني إنسانًا بلغة الديولا (لغة نيجرو-كونغولية يستخدمها في السنغال وجامبيا حوالي ۲۰۰ ألف من الديولا)، وهكذا فإن أنو قد تعني أصلًا وبكل بساطة: الناس.

ويمكننا أن نُورد أيضًا التوافقات التالية:
  • آني، اسم شعب في كوت ديفوار (يحمل ملوكُه لقبَ آمون).

  • أوني، لقب ملك نيجيريا.

  • آني أو أوني نعت أوزيريس، إله المصريين.

ووفقًا لأميلينو، فإن هذا الجنس الزنجي الأنو هو الذي أوجد منذ عهود ما قبل التاريخ كافة عناصر الحضارة المصرية التي ظلَّت بلا تغييرات هامة حتى نهاية تلك الحضارة. فهؤلاء الزنوج كانوا على ما يبدو الأوائل الذين مارسوا الزراعة وقاموا بريِّ وادي النيل وأقاموا السدود واخترعوا العلوم والفنون والكتابة والتقويم. وهم الذين توصَّلوا إلى نظرية نشأة الكون كما أوردوها في كتاب الموتى الذي تؤكد نصوصه، بلا أيِّ مجال للشك، الطابع الزنجي للجنس الذي جاء بأفكار ذلك الكتاب.

«لقد بيَّنَت لنا لوحات القاهرة أن هؤلاء الأنو كانوا شعبًا زراعيًّا، يمارس تربيةَ المواشي على نطاق واسع على امتداد النيل، في المدن المحصَّنة التي كان يعتصم فيها للدفاع عن نفسه … ويمكن أن ننسب إلى هذا الشعب، بلا خوف من الوقوع في خطأ، أقدم الكتب في مصر: كتاب الموتى ومتون الأهرامات، وبالتالي كافة الأساطير والتعاليم الدينية، بل وأقول أيضًا كل النظم الفلسفية تقريبًا التي كانت معروفةً ولا تزال تُسمَّى فلسفات مصرية. وكانوا يعرفون بالطبع الحِرَف التي لا غِنى عنها لكل حضارة وبالتالي الأدوات اللازمة لها، وعليه فقد عالجوا المعادن، وعلى الأقل المعادن الأولية. وقاموا بأولى المحاولات للكتابة، لأن كافة الروايات المصرية تنسب هذا الفن إلى تحوت (هرميس المثلث العظمات عند الإغريق) وهو أيضًا أنو على غرار أوزيريس، وقد لُقِّب بالأوني (نسبةً إلى أون) في الفصل الخامس عشر من كتاب الموتى وفي متون الأهرامات. فمن المؤكد إذن أن هذا الشعب كان يعرف الفنون الرئيسية، وترَك الدليل على ذلك في الهندسة المعمارية لمقابر أبيدوس، ومنها بالأخص مقبرة أوزيريس. وقد تم العثور في هذه المقابر على أدوات تحمل علاماتٍ لا يمكن أن تنطمس بخصوص أصلها، مثل العاج المنحوت، ومنها ذلك الرأس الصغير لنوبية، وقد تم العثور عليه في مقبرة مجاورة لمقبرة أوزيريس، والأواني الصغيرة المنحوتة في الخشب أو العاج على شكل رأس قط، وجميعها وثائقُ نُشرت في المجلد الأول من مؤلَّفي حول حفريات أبيدوس» (المرجع السابق ص٢٥٧ و٢٥٨).

ويستطرد أميلينو قائلًا: «إن الاستنتاج الذي برز من تلك الاعتبارات هو أن شعب الأنو، الذي خضع للغزو، كان هو نفسه الذي أرشد الذين غزَوه — على الأقل — إلى جانبٍ من دروب الحضارة والفن. وكما سيتضح بكل يُسرٍ، فإن ما تم استخلاصه هنا يُعتبر أهم الاستنتاجات بالنسبة لتاريخ الحضارة الإنسانية، وبالتالي بالنسبة للدين. فالحضارة المصرية، كما يتجلَّى ذلك بكل وضوحٍ مما جاء آنفًا، ليست من أصل آسيوي، بل من أصل أفريقي وزنجي، حتى وإن بدا هذا الزعمُ مخالفًا لما هو شائع. فليس من المعتاد — في الواقع — أن يُنسَب إلى الجنس الزنجي والأجناس المقاربة له قدرٌ كبير من الذكاء، بل قدرٌ كافٍ من الذكاء للتوصل إلى الاكتشافات الأولى اللازمة للحضارة. ومع ذلك لا توجد قبيلة واحدة داخل أفريقيا لم تمتلك في الماضي، ولا تزال تمتلك حتى الآن، أحد تلك الاكتشافات الأولى!» (نفس المرجع، ص٣٣٠).

ويفترض أميلينو أن مصر الزنجية التي عرفت الحضارة على يد الأنو تعرَّضت لغزو جنسٍ أبيض خشن الطباع جاء من داخل أفريقيا، وغزا الوادي تدريجيًّا حتى الوجه البحري. ويبدو أن هذا الجنس الأبيض عديم الثقافة عرف الحضارة على يد جنس الأنو الزنجي مع أنه قضى عليه إلى حدٍّ كبير. ويعتمد المؤلف في ذلك على تحليل المَشاهد الواردة في لوحة نعرمر التي اكتشفها كيبل في هيراكومبوليس (الكاب) (الرسم رقم ٣-٣٥ والصورتان ٣-٣٦ و٣-٣٧). وهناك إجماع اليوم على أن الأسرى ذوي الأنف المعقوف المصوَّرين على لوحة نعرمر هم غزاة آسيويون، هزمهم وعاقبهم الفرعون، الذي كانت عاصمته في ذلك العهد السحيق في صعيد مصر.
fig38
شكل ٣-٣٥: لوحة نعرمر.

يُشير اختراع الكتابة وبداية استخدامها إلى الخط الفاصل بين ما قبل التاريخ وانتقال البشرية إلى العصور التاريخية. وتتضمن لوحةُ نعرمر رموزًا مُسجَّلة، سيكون من المفيد للغاية التوصل إلى تحديد تاريخها بدقة.

ومما يؤكد هذا التصور أن الأفراد السائرين أمام فرعون، والذين يُشكِّلون جزءًا من جيشه المنتصر، هم من النوبيِّين، شأنهم شأن شعارَي ابنِ آوى والباشقِ اللذين يُمثِّلان على ما نعتقد طوطم النوبة.

ومن جهة أخرى فإن النتائج التي توصَّلت إليها الحفريات لا تسمح بالتمسك بفرضية تواجُد جنس أبيض في قلب أفريقيا.

أما ذيل الثور الذي يتمنطقه الفرعون نعرمر في لوحته، وتمسَّك به دائمًا فراعنة مصر وكهنتُها، فلا يزال يرتديه حتى الآن في نيجيريا الزعماء الدينيون في مثل تلك المناسبات الرسمية. وينطبق نفس الأمر على المِئزر الذي يرتديه الفرعون، وكذلك على التميمة المعلَّقة على صدره التي لن تختفيَ أبدًا طوال تاريخ مصر، وهي نفسها التي نجدها على صدر أي زعيم زنجي يتولى مسئوليات، وتُسمَّى بالوُلوف داك.

ويحمل الخادم في يده نعلَ فرعون المماثل للفوجانتي عند الزنوج، وهو يسير خلف الملك حاملًا إناءً، متخِذًا الوضع الحالي المميز للخادم الزنجي أو البك-نج (للمقارنة مع الباك، أي الخادم باللغة المصرية القديمة).

ويُوحي لنا لجوء الملك إلى خلع نعليه بأنه على وشك تقديم القرابين في محرابٍ مقدسٍ، وأنه يتعيَّن عليه أن يتطهر قبل ذلك بالاغتسال بماء الإناء (سطلًا بالوُلوف). ومن المعروف أن المصريين اعتادوا التوضؤ قبل ظهور الإسلام بآلاف السنين.

وهكذا كانت لوحة نعرمر تمثِّل مشهدًا طقوسيًّا لتقديم الأضاحي بعد إحراز النصر.

وكان تقديم القرابين البشرية لا يزال مُتبعًا حتى عهد قريب في أفريقيا السوداء؛ الداهومي (بنين اليوم).

وهناك فوق الضحية مشهدٌ يُمثِّل الصقر حورس حاملًا في يده ما يبدو أنه حبل يخترق منخارَي رأسٍ مقطوع، مما يرمز إلى استيلاء حورس على روح مَن قُدِّم له قربان. وتتفق هذه الفكرة مع المعتقدات الزنجية التي تؤمن بأن الروح تخرج من المنخارَين، حتى إن الحياة والأنف كلمتان مترادفتان في لغة الوُلوف، وكثيرًا ما تُقال الأنف للإشارة إلى الحياة.

إلى أيِّ جنسٍ ينتمي الأشخاص المنحوتون على سطح اللوحة، هذا الذي أعتبره أنا وجه اللوحة على الأرجح، لا ظهرها كما هو شائع؟

أعتقد أنهم ينتمون جميعًا إلى نفس الجنس الزنجي، فشِفاهُ الملك غليظة بل ومتدلية نوعًا، ووقفته الجانبية تُبرِز أنفه اللحيم. وينطبق نفس الأمر على كافة الأشخاص الآخرين على وجه اللوحة، بما في ذلك المهزومون الهاربون الواردون في أسفل المشهد. ويضع هؤلاء على رءوسهم شعورًا مستعارة، شأنهم شأن الضحية التي سيتم ذبحها. وهذا الشعر المستعار المتدرِّج، لا يزال موجودًا حتى الآن في أفريقيا السوداء، وتستخدمه الفتيات ويسمَّى الدجمبي. وشكله المعدَّل قليلًا الذي تضعه النساء المتزوجات يُسمَّى دجريه، وقد اختفى من السنغال منذ حوالي خمس عشرة سنة. كما زال أيضًا ذلك التقليد مؤخرًا بين الرجال في ظل الإسلام. ولم يَعُد المرء يُصادف هذا الغطاء للرأس إلا عند السيرير من غير المسلمين، حتى يتمَّ ختانهم، ولدى البول (Peulhs)، وهناك شكلٌ خاصٌّ لغطاءات الرأس هذه يسمَّى الندجومبال. وشعور الملك والخادم مختفية تحت قلنسوتَيهما، ولكن من المعروف أن استخدام هذا الشعر المستعار كان دارجًا في مصر وسط كافة طبقات المجتمع. والقلنسوة التي يضعها الملك على رأسه هي تلك التي يستخدمها جميع المختونين في السنغال، وإن كان هذا التقليد يميل إلى الزوال تحت تأثير الإسلام. وهذه القلنسوة تتكوَّن من حياكة قطعتَين معًا من النسيج الأبيض البيضاوي الشكل، فيما عدا أحد الأطراف لإدخال القلنسوة في الرأس. وتتم تقوية القلنسوة بهيكلٍ من الخيزران فيتخذ بذلك شكلَ تاج فرعون صعيد مصر. وعندما يستخدم الرجال الناضجون هذه القلنسوة لا يكون هناك ذلك الهيكل المصنوع من الخيزران، ويكون الجزء المستطيل أقصر بصفة عامة. وهكذا ظهرت القلنسوة الفريجية التي نقلها الإغريق إلى أوروبا. وقد نشر مارسل جريبول صورًا ضوئية لتلك القلنسوات التي يستخدمها الدوجون (شعب أفريقي أسود يبلغ تعداده حوالي ۲۰۰ ألف نسمة، ويعيش على منحدرات الصخور المتاخِمة لمدينة باندياجارا في مالي).

ويجدر بنا أن نلاحظ هنا أن الملك لا يُمسك إلا دبوسًا في يده اليمنى، أما يسراه فيقبض بها رأس الضحية. فبوسعنا أن نعتبر إذن الدبوس شعارًا لمملكة الصعيد، شأنه في ذلك شأن التاج الأبيض. وهذا يعني أن الملك كان في بداية فتحه لوادي النيل في المشهد الأول، في الفترة التي كان يُخضِع فيها أناسًا من جنسه لسيطرته.

ويبدأ ظَهْر اللوحة بمشهدٍ نموذجي؛ فالمهزوم ينتمي إلى مدينة «الممقوتين»، كما يتبين من الخط الهيروغليفي الذي أشار إليه أميلينو. وهذه المدينة المحصَّنة كانت قائمةً في الوجه البحري، ويسكنها جنسٌ مختلف بوضوحٍ تامٍّ عن الجنس الزنجي الوارد في وجه اللوحة؛ إنه جنس آسيوي أبيض؛ فشعر المهزوم طويل وطبيعي وبلا تدرجات، وأنفه مفرط الطول ومعقوف، وشفاهه منحسرة للغاية. وبعبارة مختصرة، فإن السمات العرقية للجنس الوارد في ظهر اللوحة مختلفٌ تمامًا عن الجنس الوارد في وجهها، ومن الواضح تمامًا أنه الجنس الوحيد في هذه اللوحة المتميز بسماته السامية (الرسم رقم ٣-٣٥ و٣-٣٦ و٣-٣٧).

وعلى أثَر ذلك النصر الثاني، تم — على ما يبدو — توحيد وجهَي مصر القبلي والبحري، وهذا ما يرمز إليه المشهد الذي يحتل وسط ظَهْر اللوحة؛ إنه التماثل بين الحيوانَين السنورَين المزوَّد كلٌّ منهما برأسِ أسدٍ ضارٍ على وشك الاصطدام كل منهما بالآخر، ولكنهما أصبحا عاجزَين عن إلحاق الضرر ببعضهما بواسطة الحِبال الملتفَّة حول عنقيهما، والتي يُمسك بها شخصان متماثلان يرمزان إلى ذلك التوحيد وفقًا لتصويرٍ مميزٍ عمومًا لكلٍّ من المصريين والزنوج.

وفي المشهد العلوي يضع الملك على رأسه تاجَ الوجه البحري، مما يعني أنه قام بفتحه. فقد أنهى فرعون إذن المرحلة الثانية من فتح وادي النيل، وهو يمسك في يديه ما يمكننا أن نعتبرهما شعارَي الوجهين البحري والقبلي. وهنا أيضًا خلع فرعون نعلَه الذي يحمله الخادم السائر خلْفه، كما هو الحال في مشهد وجه اللوحة، ومعه أيضًا نفس الإناء، وعليه بوسعنا الاعتقاد بأننا بصدد مكان مقدَّس، وأنه تم تقديم الضحايا كقرابين وفقًا للطقوس، ولم يجرِ قتلهم.

وهناك أمام الملك خمسة أشخاص، من بينهم أربعة يحملون أعلامًا في أطرافها طواطم. والطواطم الثلاثة الأولى تنتمي بكل وضوحٍ إلى صعيد مصر؛ الباشق وابن آوى … والطوطم الأخير لا يمثِّل حيوانًا بل شيئًا غير معروف كُنْهه، وقد يكون على الأرجح رمز الوجه البحري الذي تم فتحه أخيرًا.

fig39
شكل ٣-٣٦: لوحة نعرمر.

صورة لوجه اللوحة (انظر الفصل الثالث).

fig40
شكل ٣-٣٧: لوحة نعرمر.

صورة لظهر اللوحة (انظر الفصل الثالث).

وجميع تلك الأسباب مجتمعة تجعل تفسير أميلينو لهذه اللوحة غير مقبولٍ؛ فوِجْهة النظر التي تقول إن جميع الأسرى في اللوحة من الآسيويِّين تبدو تعميمًا لم يأخذ في عين الاعتبار تفاصيلَ اللوحة، كما أن وجهة نظر أميلينو التي تعتبر كافة المهزومين من النوبيِّين تبدو هي أيضًا خاطئة. وربما انساق أميلينو وراء واقع ما ورد في وجه اللوحة، وهو أن المهزومين هنا نوبيُّون حقًّا فلم يلحَظ الفارق العِرقي بين هؤلاء والمهزوم الوارد في ظهر اللوحة الذي يسحقه الثور. فوفقًا لرسم أميلينو نفسه فإن شعر هذا المهزوم ليس مصفوفًا كشعر النوبيِّين في وجه اللوحة، كما أن هؤلاء ليست لهم الملامح العِرقية الأخرى التي تم التنويه بها. ولعلَّ إغفاله تلك التفاصيل — عن حسن نية — هو الذي دفعه إلى الاعتقاد بأن الأمر يتعلق بغزو جنس أبيض عديم الثقافة جاء من وسط أفريقيا، واحتل الوادي الذي كان يسكنه شعبٌ زنجي صرف من الأنو.

والواقع أنه حتى لو كانت قد تمت تغلغلات لآسيويِّين أو أوروبيِّين بدائيِّين في مرحلة ما قبل التاريخ هذه، فإن زنوج مصر كانوا دائمًا متمكنين من الأوضاع آنذاك، كما يدل على ذلك العديد من التماثيل العمرية الصغيرة (نسبةً إلى حضارة العمري باسم أمين العمري الذي كشف عنها بالاشتراك مع الأب بوفييه لابيير) التي تم العثور عليها، فهي تُصوِّر جنسًا أجنبيًّا مهزومًا. وقد أورد ج. كابارقبقب في كتابه بدايات الفن في مصر (الناشر فرومون، ١٩٠٤م) صورة لتمثال يمثِّل أسيرًا من الجنس الأبيض راكعًا ويداه موثوقتان وراء ظهره، تتدلَّى على قفاه ضفيرة طويلة.

وقد تم العثور أيضًا على ما يُشبه الأعمدة الممثِّلة لأشخاصٍ من الجنس الأبيض المهزوم في شكل سيقان لأثاث (انظر: تمهيدات لدراسة الديانة المصرية، ص٤١٣).

وعلى النقيض من ذلك نجد الزنوج مصوَّرين كمواطنين يتجولون بكل حرية في بلادهم:

«ونرى أربع نساء يرتدين تنورات طويلة ويُشبِهنَ تلك الزنجيات اللاتي ظلَّت تُصوَّر في مقابر الأسرة الثامنة عشرة، وبالأخص في مقبرة رخمرع. فعلى الرغم من مظهرهن المتواضع للغاية إلا أنهن يحملنَ شيئًا رأى البعض فيه أُذُن بقرة! وأنا أميل إلى الاعتقاد بأننا بصدد المظهر الأول للصليب ذي العروة، وهو الرمز الذي سرعان ما دخل علم الدلالات المصري، ولم يبرحه بعد ذلك قطُّ. ومن الواضح أن هؤلاء النسوة الزنجيات الأصل لم يكنَّ غريباتٍ وسط حيوانات بلدهن؛ ولذا يُثار مرة أخرى السؤال: كيف كان بإمكان مصريِّي ذلك العصر أن يعرفوا الحيوانات الخاصة بوسط أفريقيا لو كانوا آسيويِّين أو ساميِّين وصلوا إلى مصر عن طريق مضيق السويس؟ أليس وجود الحيوانات المذكورة أعلاه، والزنوج على قِطع العاج، التي وصفتُها منذ قليلٍ، دليلًا مُقنِعًا على أن فاتحي مصر جاءوا من وسط أفريقيا؟» (نفس المرجع، ص٤٢٥ و٤٢٦).

يتضح لنا إذن أن أقدم الوثائق التاريخية التي نملكها حول تاريخ مصر والعالم تُصوِّر الزنوج، على عكس الأفكار الشائعة، كمواطنين أحرار أسياد بلادهم والطبيعة، وتأتي بعدهم بعض النماذج الأولى للجنس الأبيض كما كان معروفًا آنذاك، من خلال تسرُّب عناصر أوروبية بدائية أو آسيوية، وقد تمثَّلوا كأسرى، أيديهم مُقيَّدة وراء ظهورهم، أو كأفرادٍ ينأَون تحت ثِقَل الأثاث الذي يرفعونه (وهم يُشكِّلون بهذه المناسبة الأصل البعيد للأعمدة الممثلة لأشخاصٍ في معبد الإرخثيون في القرن الخامس قبل الميلاد، والتي اقتبسها الإغريق بعد ذلك بآلاف السنوات).

(١) هل كانت نشأة الحضارة المصرية في الدلتا ممكنة؟

يعرض المتخصصون أربعةَ افتراضاتٍ لتفسير إعمار مصر بالسكان وحضارتها. وتتفق تلك الافتراضات مع الجهات الأربع الأصلية، علمًا بأن الأصل المحلي لسكانها، الذي قد يبدو طبيعيًّا، يواجه أشد الاعتراضات. ويمكن تحديد الأصل المحلي في جهتَين مختلفتَين؛ الصعيد أو الوجه البحري، وفي الحالة الأخيرة نكون بصدد ما يُسمَّى «رجحان كفة الدلتا».

ولنا أن نتساءل عن الدافع الذي يدعو متخصصًا في علم المصريات، نصيرًا للأصل المحلي، إلى بذل جهودٍ مضنية لمحاولة إثبات «رجحان كفة الدلتا» على الرغم من عدم توفر أيِّ وثيقة تاريخية، اللهم إلا عن طريقٍ ملتوٍ، لإثبات أن الحضارة المصرية تنتمي — أصلًا — إلى جنسٍ أبيض من حوض البحر الأبيض المتوسط.

وتلك هي وجهة النظر التي يتبنَّاها — عمومًا — كلُّ مَن يعتبرون أن مهدَ الحضارة المصرية كان في الخارج، إما آسيا أو أوروبا، وهي أيضًا وجهة نظر موريه الذي يبدو — ظاهريًّا — أنه من أنصار الأصل المحلي، ولكن على أساس أنه أبيض.

والفكرة في حدِّ ذاتها منطقية بالنسبة للفريق الأول، إنها تأكيدٌ يُضاف إلى تأكيدٍ آخر، يعوزه هو أيضًا الأساس التاريخي، ولكنه حريص على تقديم تفسير منطقي. فلو أن أصحاب هذه الحضارة جاءوا من الخارج — من آسيا أو أوروبا — وإذا كانوا مضطرِّين، من الناحية الجغرافية، إلى المرور بالدلتا، فمن المنطقي أن تكون الدلتا قد تحضَّرت قبل الصعيد، وأن تكون الحضارة قد انتشرت من هذه المنطقة. ولو أن أنصار المصدر الخارجي للحضارة المصرية تمكَّنوا من إثبات أسبقية الدلتا في طريق التحضُّر، بالاستناد إلى حِججٍ قوية تؤيد أطروحتهم لاصطبغَت أفكارهم المتناقضة بما قد يبدو حقيقة.

والواقع أن الأمر لا يقتصر فقط على استحالة البرهنة على تلك الأطروحة، بل وأيضًا استحالة إضفاء طابع الجدية عليها بتقديم وثائق تاريخية ذات وزن. ولا توجد أيُّ وثيقة تقف في صفِّ تلك الأسبقية. فقد تم العثور في صعيد مصر، منذ العصر الحجري القديم حتى أيامنا هذه، على دلائل مادية للمراحل المتتالية للحضارات؛ حضارة دير تاسا، والبداري، والعمرية، وحضارات عصر ما قبل الأسرات.

ولا يوجد أيُّ أثر لتطورٍ متواصلٍ في الدلتا، على نقيض الصعيد، فقد اختفى مركز مرمدة في نهاية عصر دير تاسا، ولا يوجد أيُّ شيء شمال البداري (انظر ف. جوردون تشايلد، الشرق فيما قبل التاريخ، باريس، الناشر بايو، ١٩٣٥م، من ص۸۷ إلى ص۹۸).

والتماثيل العاجية الصغيرة ذات الرأس المثلث، والتي تواجدت في عصر جِرْزة (وتُسمَّى الحضارة الوسطى لما قبل الأسرات) تتفق مع تلك التي تواجدت في جزيرة كريت في عهد نعرمر (كابار، بدايات الفن في مصر). وهذه التماثيل العاجية الصغيرة لا يمكن أن تكون سابقةً على عهد هيراكومبوليس (الكاب) (حضارة العمري في رأي كابار).

لقد قرروا أن حضارة جِرْزة في الوجه البحري تواجدت بين رقمَي ۳۹ و۷۹:١٣

«وأخيرًا أصبح الوجه البحري موطنَ حضارة أرقى، ذات انتساب آسيوي واضح تمامًا (بمعنى تعارضها مع التقارب الأفريقي)، وامتدت هذه الحضارة أخيرًا إلى صعيد مصر. والواقع أن هذه الحضارة لم تُعرَف بشكلٍ مباشرٍ إلا من خلال تلك المنطقة (أي الصعيد)، ولكن يمكن التأكيد — بكل ارتياح — أنها تواجدت في الشمال. ففي صعيد مصر لا يوجد انقطاع بين حضارة العمري وحضارة جزرة التي تغلغت تدريجيًّا واختلطت مع العناصر الأقدم، مع السيطرة عليها في الوقت نفسه … إلى حدِّ استعبادها» (جوردون تشايلد، المرجع السابق، ص۸۷).

«ومن المعترف به عمومًا أن العناصر الجديدة المميزة لثقافة الصعيد في المرحلة المتوسطة من عصر ما قبل الأسرات، جاءت من الشمال أو الشمال الشرقي، كما أنه أصبح من المؤكد — تقريبًا — أن أصحاب تلك الابتكارات كانوا على اتصال بالنيل الأعلى طوال فترة كبيرة للغاية سابقة على الرقم ٣٩، لأن الأواني الملونة المعزولة وجدت طريقها نحو الصعيد» (المرجع السابق، ص۹۸).

وحضارة جرزة هذه، التي يقال عنها إنها ذات طابعٍ آسيوي، وإنها نشأت في الوجه البحري، لم تُعرف — وتلك هي قمة المفارقة — إلا من خلال الآثار التي تم العثور عليها في صعيد مصر (وهي آثار مماثلة لآثار حضارة العمري التي نشأت هي نفسها من تطور حضارة البداري المنحدرة من حضارة ديرتاسا).

وهكذا، فعلى الرغم من عدم العثور على أيِّ أثرٍ لحضارة جرزة في الشمال، وعلى الرغم من أن هذه الحضارة «لم تُعرف بشكلٍ مباشرٍ» إلا من خلال الصعيد، فإنه «يمكن التأكيد بكل ارتياحٍ أنها تواجدت في الشمال»، أي في الدلتا. وبعبارة أوضح، فإن ذلك يعني أن أقول: «كل ما أعثر عليه هنا (في الصعيد) جاء من حيث لم أعثر على شيء، أو على أي شيء تقريبًا (في الوجه البحري)؛ وذلك على الرغم من أنني لا أستطيع إثبات ذلك، ولا يوجد لديَّ أمل في إمكانية إثبات ذلك ذات يوم. وكذلك على الرغم من أنني لم أجد هناك أيَّ شيء تقريبًا، إلا أنني أرى أن الأمر جرى على هذا النحو، لأنه لا يمكن أن يكون غير ذلك.

ليس هكذا يُكتب للتاريخ.

إنهم يتعلَّلون بأن الدلتا منطقة رطبة لا تحفظ الوثائق بشكلٍ جيدٍ، ولكن من المستحيل أن يصل سوءُ الحفظ هذا، إلى حدِّ عدم العثور على أي أثر لها، ولو على كُتَل مشوهة نتيجة لتحللها الكيميائي بتأثير الرطوبة. والواقع أن أرض الوجه البحري قدَّمت — إلى حدٍّ ما — كلَّ ما أُودع فيها. وتشهد على ذلك الأعمال، حتى الخشبية منها، التي تعود إلى أيام الدولة القديمة ابتداءً من الأسرة الثالثة. وإذا كانت هذه الأرض لم تُعطنا وثائق أقدم من ذلك فمن المنطقي أن يرجع الأمر إلى عدم تواجدها أصلًا.

ولو كانت الدلتا قد قامت — حقًّا — بالدور الذي يريدون أن ينسبوه إليها في تاريخ مصر، لكان من الممكن ملاحظة ذلك بطريقة أخرى. ويقال إن تاريخ صعيد مصر يتضمن ثغراتٍ إذا ما عالجناه بشكلٍ مستقلٍّ عن الدلتا. ولكن ذلك ليس صحيحًا؛ لأن تاريخ صعيد مصر (أي التاريخ المصري) لا يُثير أي مصاعب لا يمكن التغلب عليها. ولا يصبح التفسير التاريخي مستحيلًا إلا عندما تُبذل جهود مضنية لإسناد دور للدلتا لم تَقُم به أبدًا، وذلك في غياب أي وثيقة تاريخية.

وتلك هي حالة موريه على ما يبدو عندما كتب يقول: «إننا لا نعلم شيئًا عن تاريخ تلك الممالك القديمة، بَيد أن الروايات تقول إن ملوك الشمال كانوا مهيمنين على بقية مصر في بداية الأزمنة. ولا يوجد أيُّ نصٍّ يُتيح تحديد منطقة نفوذهم، ولكن ديانة المرحلة اللاحقة تُشير إلى أن هذا النفوذ كان قويًّا. ويرجع ذلك إلى الخصوبة الخاصة التي تتميز بها الدلتا، فبمجرد تهيئتها للزراعة بالتوسع في إقامة السدود، وشقِّ قنوات الري والصرف، وفَّرت هذه المنطقة الخصبة التي يجدِّدها باستمرارٍ غرين النيل، مجالًا أوسع، وأرضًا مجزية بقدرٍ أكبر، ومسكنًا مواتيًا لتطور جنس سريع التكاثر، بالمقارنة مع وادي الصعيد الضيق. وهكذا تحقق ازدهارٌ مادي مبكر، ونمو ذهني أكده توصُّل آلهة الدلتا الكبار إلى فرض نفوذهم — فيما بعد — على بقية أنحاء مصر. وقد قامت عبادة الشمس رع أولًا في هليوبوليس، وأوزيريس الذي يُجسد النيل والزراعة، وإيزيس وحورس هم آلهة بوزيريس ومندس وبوتو. وانتشار عبادتهم في كلِّ أنحاء الوادي منذ الأزمنة الموغلة في القِدم يدل على نفوذٍ سياسي للدلتا مقابل لذلك» (موريه، من العشائر إلى الإمبراطوريات، سلسلة تطور البشرية، مطبوعات نهضة الكتاب، ۱۹۲۳م، ص١٥٣ و١٥٤).

وقد استند موريه في ذلك إلى ماسبيرو، ولكنه انفصل عنه فيما يتعلق بالطريق الذي سلكه الشمسو-حور حتى يكون متوافقًا تمامًا مع نظريته حول هيمنة الدلتا.

ففي كتابه؛ النيل والحضارة المصرية، يؤكد موريه أن «الشمسو-حور وأسلافهم … جاءوا من الدلتا» (ص۱۱۸) على عكس ماسبيرو الذي يرى أن الشمسو-حور (أسلاف نعرمر) كانوا حدادين-زنوجًا، فتحوا وادي النيل، وأقاموا محارف للحدادة حتى الدلتا.

ويلاحظ المؤلف أن المرحلة التي سبقت نعرمر شهدَت تحولًا عميقًا تميَّز بظهور النحاس والذهب وبالأخص الكتابة. ولما كان ذلك التحوُّل لم يظهر إلا في مصر؛ فقد طرح موريه السؤال التالي: «مَن الذي أثَّر على صعيد مصر إن لم يكن الوجه البحري الذي تطوَّر طوال آلاف السنوات التي تُحسب للأُسَر الإلهية في الدلتا؟» (المرجع السابق، ص۱۲۰).

ويذكر موريه اختراع التقويم الذي تم التوصُّل إليه — في رأيه — عند خط عرض ممفيس، وقد أكد المؤلف، من جهة أخرى، أن أوزيريس وإيزيس وحورس ينتمون أصلًا إلى الدلتا، وهو يستخدم هذه الحجة، التي يعتقد أنها صحيحة، لصالح فكرته لجعلها مقنعةً إلى حدٍّ أكبر:

«وهناك أمرٌ آخر يدعم ذلك التدليل؛ ففي ظلِّ كلِّ العصور القديمة، كانت أيام النسيء الخمسة المضافة إلى العام المكوَّن من ثلاثمائة يوم، تحت رعاية الآلهة التي وُلدَت في أيام النسيء هذه، وبها تبدأ السنة (انظر بلوتارك). وتتفق النصوص المصرية والإغريقية على أن أسماء هؤلاء الآلهة هم أوزيريس، وإيزيس، وست، ونفتيس، وحورس. ولما كان رأس السنة يبدأ بظهور سوتيس (نجم الشعرى اليمانية)، ورع، والنيل، فقد تم اختيار أوزيريس، إله النيل والنبات، راعيًا — ومن المفترض أنه وُلِد في اليوم الأول من تلك الأيام الخمسة — ولذا فبوسعنا أن نستخلص من ذلك أن عَبَدةَ أوزيريس كانوا واسعي النفوذ في هليوبوليس، حتى عندما أنشأ فلكيو هذه المدينة التقويم.»١٤

وهكذا فرض الوجه البحري، مع التقويم، سلطان أوزيريس، ورع، وسيادة النيل والشمس، وفتح «متحضِّرو الدلتا» صعيد مصر» (موريه، النيل والحضارة المصرية، ص۱۲۲).

وعندما يجد المرء أفكارًا مهمة إلى هذا الحد — بل وخطيرة إلى حدٍّ ما — صادرة عن حجة، يكون من حقِّه أن يتصور أنها تعتمد على وثائق دامغة. ولكن هذا لم يحدث من خلال تلك التأكيدات في مجموعها.

يعتبر المؤلف أن الآلهة المصرية من أصل شمالي، وفقًا للرواية المصرية، وبعبارة أخرى أن أوزيريس، وإيزيس، وحورس جميعهم آلهة الدلتا، وقد استخلص على هذا الأساس النتائج الهامة التي أوردها، والمتعلقة باختراع التقويم، وبأصل الحضارة المصرية بصفة عامة.

ولكن، ماذا تُفيدنا الرواية المصرية الصِّرفة بالرجوع إلى أقدم المراحل التي يمكننا بلوغها؟ هذه الرواية، الواردة في كتاب الموتى، القائم على عقيدة سابقة على كل تاريخ مصر المُدوَّن، تُفيدنا بأن إيزيس زنجية، وأن أوزيريس زنجي، أي أنو، حتى إن اسمه في أقدم النصوص المصرية، مصحوبٌ بنعتٍ عِرقي يفيد بأنه من أصل نوبي، ونحن نعرف ذلك عن طريق أميلينو.

وقد أفادنا أميلينو من جهة أخرى بأنه ليس هناك أيُّ نص مصري يقول إن أوزيريس وإيزيس نشآ في الدلتا؛ وعليه فإن موريه لا يستند إلى أي نصٍّ عندما يقول ذلك. بل إنه بوسعنا أن نُضيف أن الأسطورة تقول إن مسقط رأس إيزيس وأوزيريس كان في صعيد مصر؛ فقد وُلِد أوزيريس في طيبة، ووُلِدت إيزيس في دندرة، كما أن الأسطورة تحدد موقع أول مسرح للصراع بين ست وحورس في النوبة. ويعتقد أميلينو أن:

«أجزاء الأسطورة المتعلقة بالدلتا أُضيفت بشكلٍ واضحٍ إلى الأسطورة الأصلية، فيما عدا زيارة إيزيس لبوتو. والواقع أن الفصل الخاص بإيزيس في جبيل (بيبلوس بالإغريقية) لا يتوافق مع إقامة الرَّبة في بوتو. وفي رأيي أن الأمر لا يعدو إلا أن يكون تأويلًا إغريقيًّا أو شِبْه إغريقي لتفسير اعتناق عبادة أوزيريس في جبيل، أو بالأحرى اعتناق الأساطير المشابهة الخاصة ببعض الآلهة المحليِّين مثل أدونيس وتموز. وعلى أيِّ حالٍ فإن ذلك من النقاط التي لم تُشِر إليها الوثائق المصرية إطلاقًا، كما أن تابوت أوزيريس الذي حمله النيل حتى البحر، ومن البحر إلى جبيل، يبدو لي من المستحيلات الجلية، وأنه من العسير أن يكون المصريون قد وقعوا فيها … فالوثائق المصرية لم تَنبِس ببنت شفة في هذا الخصوص. غير أننا يجب ألَّا ننسى أن أسطورة أوزيريس نشأت وترسَّخَت في مصر قبل عهد نعرمر، فيما عدا الأجزاء المتعلقة بالدلتا وآسيا الصغرى، حتى إنه من العسير أن نتصور أن الأسطورة التي يُقال إنها نشأت في الدلتا قد نمت بالكامل خارجها، وتوطَّد مركزها في الصعيد، ولم يظهر فيها ما يُفيد بعلاقتها بالدلتا، إلا في الإضافات التي جاءت لاحقًا بكل وضوحٍ» (تمهيدات لدراسة الديانة المصرية، ص٢٠٣).

ولو كان أوزيريس وإيزيس قد وُلِدَا في الوجه البحري لباتَ من العسير أن نفهم أن الصعيد استأثر بكل مخلفاتهما؛ فقد حصلت مدن الصعيد على كلِّ عظام أوزيريس، ولم يَعُد هناك أيُّ شيء من نصيب الوجه البحري. ويستند أميلينو في هذه النقطة إلى القاموس الجغرافي لبروجش، ولكن التنافس بين المدن للحصول على المخلفات تسبَّب في إثارة البلبلة حتى بدا من الصعب — للوهلة الأولى — تحديد المدينة التي تمتلك حقًّا هذه المخلفات أو تلك، التي تدَّعي عدة مدن أخرى ملكيتها. ويرى أميلينو أن بوسعه أن يبتَّ في الأمر بصفة عامة لصالح الصعيد كلما كانت الخصومة بين مدن من الوجه البحري وأخرى من الصعيد.

«أنا لا أؤيد هذا الرأي، وأعتقد أن هناك واقعةً تُرجح كفَّة الصعيد، وهي تتمثل في تخصيص رأس أوزيريس للصعيد ولمدينة أبيدوس» (المرجع السابق، ص١٠٤).

وما كان يمكن أن تكون هذه الواقعة مهمة، لو أن أميلينو لم يكتشف مقبرةَ أوزيريس وكذلك رأس السلف المؤله في جرة. وقد تُثار الشكوك حول ذلك الكشف، ولكن أميلينو يقول: «لقد عثرت شخصيًّا على غيرها (جرارٍ تحتوي على مخلفات) أثناء عمليات التنقيب التمهيدية التي أفضَت إلى المقبرة الملكية، وقبل أن أُصادف الجرة التي تم الاحتفاظ فيها بجمجمة الإله الذي يبدو لي أنني وجدتها» (المرجع السابق، ص١٠٤).

ويستند أميلينو بعد ذلك إلى برديَّة متحف ليد التي ذكرها بروجش، وجاء بها صراحةً أن رأس الإله أوزيريس محفوظة في أبيدوس في مكان أشارَت إليه البردية تحت كلمة معناها «مقبرة أبيدوس» بالنسبة للمصريين. وقد طلب أميلينو من أ. ريفيللو التصديقَ على قيمة هذه الوثيقة المكتوبة بالخط الديموطيقي. وقد أُبلِغ بالتصديق على أنه قد ذُكِر فعلًا أن رأس أوزيريس موجودة في أبيدوس. وحصل اكتشاف أميلينو على تصديق آخر في النص الجغرافي الخاص بإدفو في قاموس بروجش الذي جاء فيه: «وقد ذُكر فيه أن رأس الإله موجود في ذخيرة أبيدوس» (المرجع السابق، ص١٠٥).

غير أن أميلينو يلاحظ: «لقد اختفى النص منذ أن نقله، بروجش، على الأقل إذا ما صدَّقنا على ما نُشر عن معبد إدفو في بداية مذكرات بعثة القاهرة … ومن الأمور الجديرة بالاهتمام أن نعرف ما إذا كان هذا النص قد اختفى تمامًا» (المرجع السابق، ص١٠٦).

«وأخيرًا يورد أميلينو واقعةً أخرى هامة، وهي أن عرش أوزيريس وُصِف في متون الأهرام، تمامًا كما تم العثور على السرير الجنائزي الذي كان قد أُودع في مقبرته بأبيدوس» (المرجع السابق، ص۱۰۲).

ثم يتساءل أميلينو، وهو محقٌّ في ذلك:

«ما الذي دفع مدن صعيد مصر إلى الادِّعاء بأن أهم أجزاء جسم أوزيريس توجد لديها لو أن أوزيريس كان قد نشأ في الدلتا، وحكمَها، ومات فيها. وكان مجردَ إله محلي في مقاطعة صغيرة؟! لا أرى سببًا يدعو لذلك» (نفس المرجع، ص١٠٢).

وسواء اكتشف أميلينو فعلًا مقبرة أوزيريس ورأسه، أو لم يكتشفهما، فليس ذلك المهم في الأمر هنا، ولكن المسألة الأساسية هي ما ورد في النصوص الموجودة في أبيدوس.

إننا نرى إذن أنه على عكس ما يؤكد موريه، أن الرواية المصرية الأصلية التي ترجع إلى الأزمنة الموغلة في القِدم والمسجَّلة في متون الأهرام وكتاب الموتى، تُفيدنا بعباراتٍ لا لبْسَ فيها بأن الآلهة المصرية من جنسٍ زنجي وموطنها الأصلي الجنوب. وفضلًا عن ذلك توجد في أسطورة أوزيريس وإيزيس سمة ثقافية مميزة لأفريقيا الزنجية، تتعلق بعبادة الأسلاف، التي تشكِّل أساس الحياة الدينية الزنجية، وكانت أيضًا أساس الحياة الدينية المصرية، كما يؤكد ذلك أميلينو.

فكلُّ سلفٍ يموت يصبح محلًّا للعبادة، وأقدم هؤلاء الأسلاف الذين ثبتت فاعلية تعاليمهم في الحياة الاجتماعية، أي في مجال التحضُّر، يتحولون شيئًا فشيئًا إلى آلهة حقيقية (الأسلاف الأسطوريون لعالِم الاجتماع الفرنسي ليفي-برول). وهكذا ينفصل هؤلاء تمامًا عن الصعيد البشري، وإن كان ذلك لا يعني أنهم لم يعيشوا من قبل. فهم يصبحون آلهةً توجد على صعيدٍ آخر مختلف عن صعيد البطل الإغريقي، وهو الأمر الذي دفع هيرودوت إلى الاعتقاد بأن المصريين لم يكن لديهم أبطال.

والحجة التي يسوقها موريه حول اختراع التقويم عند خط عرض ممفيس لا تصمد أمام فحصها عن قُرب. يقول المؤلف إنه لا يمكن متابعة شروق الشِّعرَى اليمانية مصحوبًا بشروق الشمس إلا عند خط عرض ممفيس. وهو يستخلص من ذلك أن التقويم المصري الذي يعتمد، في أساسه، على دورة هذا النجم (الشِّعرَى اليمانية)، والذي يتفق شروقه مع شروق الشمس مرة كل ١٤٦١ سنة، قد تم اختراعه في ممفيس.١٥

غير أن التقويم كان مستخدَمًا في عام ٤٢٣٦ قبل الميلاد، وهو أقدم تاريخ معروف بشكلٍ مؤكدٍ في تاريخ البشرية.

وقد أفادنا هيرودوت من جهة أخرى، بأن نعرمر أنشأ ممفيس بعد أن غيَّر مجرى النهر، وجعل تلك المنطقة الموحلة في الوجه البحري ملائمةً للصحة والسُّكنى:

«وفقًا لما يقوله نفس الكهنة، فقد أنشأ نعرمر، أول الملوك، المدينة المسمَّاة اليوم ممفيس في عين المكان الذي حوَّل فيه مجرى النهر، وجعله أرضًا صلبة» (هيرودوت، ۲: ۹۹).

وحسب هذه الشهادة، كانت منطقة ممفيس مُغطَّاة بالمياه قبل نعرمر. وإذا كان حكم نعرمر يعود إلى سنة ٣٢٠٠ قبل الميلاد، فإن ذلك يعني أنه تم اختراع التقويم بينما لم تكن ممفيس قد تواجدت بعدُ.

وعلى أي حالٍ فإن ما قد يكون مهمًّا بالنسبة لأنصار أسبقية الدلتا هو أن توافق شروق الشِّعرَى اليمانية مع شروق الشمس يمكن مراقبته لا عند خط عرض ممفيس بل هليوبوليس، مدينة رع التي يرى هؤلاء المُنظِّرون أنفسهم أن علم الفلك والتنجيم المصريَّين نشآ فيها.

وحتى لو كان الأمر كذلك، فإنه يبدو أن هليوبوليس أو أون الشمالية، قد تأسست على يد الأنو وحملت اسمهم.

ومن الممكن إبداء ملاحظات مماثلة فيما يتعلق بالحجة التي ترى أن مصر تحضَّرت على يد غزاة قَدِموا من الشمال، لأن اللغة المصرية القديمة تشير إلى الغرب باليمين وإلى الشرق باليسار، مما يمكن أن نستنتج منه الدليل على مسيرة باتجاه الجنوب.

وهناك عدة طرقٍ للإشارة إلى الشرق والغرب باللغة المصرية القديمة، ولكن يبدو أننا يجب أن نبحث عن تفسير مثل هذه التصورات في التوجُّه الأوَّلي للزوجين جب ونوت، وتوجُّه شو الذي يفصل بينهما. وهذا أمر مشروع لأنه يوجد عند السيرير اتجاه أصلي يسمى بم روج أي بطن الإله.

ومن جهة أخرى، كان الفن التأليهي قد أدى إلى تقسيم السماء إلى مناطق من أجل الرصد. وقد نجم عن ذلك توجُّه خاص يطابق جهة أصلية ما مع اليمين أو اليسار. وكان ذلك مطبَّقًا في مصر وفي منطقة بحر إيجة بحوض البحر الأبيض المتوسط التي وقعت تحت النفوذ المصري، وبالأخص إتروريا.

والتفسير الذي قدَّمه نافيل له وزن كبير:

«من أي بلدٍ جاء الغزاة؟ يبدو لي أنهم أتَوا بلا شكٍّ من الجنوب، ولو رجعنا إلى الأسطورة، كما هي محفوظة في سلسلة من اللوحات الكبيرة التي تُزيِّن أحد دهاليز معبد إدفو، وترجع إلى عهد البطالسة، لوجدنا أن الإله هارمشي كان يحكم النوبة، أي جنوب مصر. وقد انطلق من هناك مع ابنه حورس، الإله المحارب الذي فتح البلد بأسره حتى مدينة زار، المسمَّاة حاليًّا القنطرة، وهي قلعة أقيمت على أقصى فرع شرقي للنيل المسمى الفرع البللوزي، وكانت تتصدَّى لمحاولات الغزو من ناحية شبه جزيرة سيناء وفلسطين. وينظم الفاتحون في مدن مصر الرئيسية ما يتعلق بالطقوس، وقد أقام رجال حورس هناك، وكانوا يُسمَّون الحدادين، وهكذا تم الربط بين بداية معالجة المعدن وأسطورة الفتح.»

«ويبدو لي أن هناك ما يدعو إلى وضع تلك الأسطورة في عين الاعتبار؛ فهي تبدو رواية قديمة متداوَلة تتفق مع ما قاله لنا المؤرخون الإغريق، وهو أن مصر كانت مستوطَنة تابعة لإثيوبيا. وهكذا فإن المصريين، أو على الأقل مَن أصبحوا مصريِّين فرعونيِّين، تقدَّموا بمحاذاة مجرى النهر العظيم، وتؤكد لنا ذلك بعض مميزات الديانة والعادات. فالمصري يحدد اتجاهه بالتطلُّع إلى الجنوب، ويكون الغرب على يمينه والشرق على يساره. ولا أعتقد أنه يريد أن يقول إنه يتجه نحو الجنوب، فهو يتجه بالأحرى نحو بلده الأصلي، وينظر إلى الاتجاه الذي جاء منه، والذي يمكن أن ينتظر منه النجدة. فمن هناك انطلقت القوة الفاتحة، ومن هناك أيضًا تأتي مياه النيل الخيِّرة بالخصوبة والثروة. وإلى جانب ذلك كانت للجنوب الأولوية دائمًا على الشمال، فكلمة الملك تعني — في المقام الأول — ملك الصعيد، وقبل أن يوحِّد الملوك نصفَي البلد تحت صولجان واحد، كانوا ملوك الجنوب وجزء من مصر الوسطى. ويُشير لنا إلههم إلى الطريق الذي سلكوه. والإله الذي يسير في مقدمتهم يتخذ شكلَ ابن آوى أو كلب؛ إنه الإله أوبواتو الذي يرشد إلى الطريق، وهو ليس إلهًا متوطنًا، على الأقل في العهد الموغل في القِدم، إنه إله يسير في اتجاه الشمال، وهو قادم من الجنوب، ولا يتجه نحو منبع النهر» (إدوار نافيل، الأصل الأفريقي للحضارة المصرية، مجلة الأثريات، باريس، ۱۹۱۳م).

وأخيرًا، يهمنا أن نردَّ على المحاولات المبذولة لتصوير الدلتا على أنها منطقة أكثر مواتاة من صعيد مصر لظهور الحضارة فيها، بأن نشير إلى ما نعرفه حقًّا عن الدلتا. فمن المعترَف به — عالميًّا — أن الدلتا كانت بؤرةً لانتشار الطاعون في الشرق الأوسط.

بل إنه بوسعنا أن نؤكد، دونما قدر كبير من الجسارة، أن الدلتا لم تكن موجودة أصلًا في عهد نعرمر، حيث إن ممفيس كانت تُشرِف على البحر، وكان الوجه البحري كله غير ملائم للصحة، والإقامة فيه شبه مستحيلة. وكان يتعين على الناس الخوض في أوحاله، وهو لم يصبح ملائمًا — إلى حدٍّ ما — للصحة إلا بعد الأعمال التي قام بها نعرمر.

وبوسعنا أن نتساءل كيف كانت الدلتا الغربية قبل نعرمر لأننا نعلم أن مجرى النهر لم يكن على غرار ما هو الآن، وأن هذا الفرعون الأول هو الذي أعطاه الاتجاه الحالي بأن أمر بإقامة سدود وبعمليات ردم، وكان النهر يتدفق قبل ذلك باتجاه الغرب.

«وفقًا لأقوال الكهنة، فإن نعرمر الذي كان أول ملوك مصر، أمر بإقامة سدود في ممفيس، وكان النهر يتدفق بالكامل حتى حُكْم هذا الأمير بمحاذاة الجبل الرملي الموجود ناحية ليبيا. ولكنه رَدَمَ المنحنى الذي يتخذه النيل من ناحية الجنوب، وأقام سدًّا على مسافة مائة ستاد (مقياس إغريقي يعادل حوالي ۱۸۰ مترًا) شمال ممفيس، وجفَّف مجراه القديم، وحوَّل اتجاهه عن طريق قناة جديدة لكي يتدفق على مسافة متساوية من الجبال. وحتى الآن، في ظل سيطرة الفرس، يُولَّى اهتمام خاص بمنحنى النيل هذا الذي تتدفق مياهه المحتجزَة عن طريق السدود، في اتجاه آخر، ويُجرى تحصينه كل سنة؛ فلو كسر النهر السدود، واندفعت مياهه في الأراضي لتعرضت ممفيس لخطر الغرق تمامًا» (هيرودوت ۲: ۹۹).

إن غرق ممفيس إذا ما تحطمت السدود دليلٌ على أن موقع هذه المدينة تم اكتسابه حقًّا من المياه، على غرار الأراضي الخصبة المنخفضة المستصلَحة على حساب البحر. وكانت عاصمة الملوك المصريين الأوائل في طيبة، بجنوب البلاد، ولم تؤسَّس ممفيس إلا لمقتضيات عسكرية أساسًا. فقد كانت موقعًا حصينًا يشرف على نقطة الالتقاء بين طريق تسلُّل الرعاة الآسيويِّين من الشرق، وسُبل دخول بدو الغرب الذين كان المصريون يسمونهم ريبو، ليبو، ومنها ليبيون (الأسرة الثامنة عشرة).

وقد حاول هؤلاء البرابرة، أكثر من مرة، التغلغل بالقوة في مصر تحت إغراء الثروات المتراكمة فيها، غير أنه تم إلحاق الهزيمة التامة بهم وطردهم خارج الحدود، في كل مرة تقريبًا، بعد معارك حامية. وإذا كانت تحالفات شعوب الشمال والشرق في منطقة الدلتا وشراسة المعارك التي دارت فيها تبرر تأسيس ممفيس كقلعة متقدمة أقيمت لتأمين سلامة المملكة المصرية، فقد تجنَّبت بالضرورة أيَّ خلط بين الأجناس التي اصطدمت ببعضها في المنطقة. وكان الأمر يتعلق بتحالفاتٍ حقيقية بين أجناسٍ بيضاء ضد الجنس الزنجي المصري، كما تُثبِت ذلك الفقرة التالية من مؤلف موريه من العشائر إلى الإمبراطوريات:

«في حوالي أبريل ۱۲۲۲م، عَلِم مرنفتاح في ممفيس أن مريري، ملك الليبيين كان قادمًا من بلاد تيهينو مع رماة السهام التابعين له وائتلاف من «شعوب الشمال» يضم ساردان وسيكول وآخيين وليسيين وأتروسك، يمثِّلون معًا صفوةَ محاربي كل بلدٍ، بُغيةَ شنِّ هجوم على الحدود الغربية لمصر عند سهول بيرير. ومما زاد من شدة خطورة الموقف أن إقليم فلسطين كانت تسوده القلائل، ويبدو أن الحيثيِّين شاركوا في تلك الاضطرابات على الرغم من أن مرنفتاح كان قد واصل مساعيه الحميدة معهم؛ فأرسل لهم سفنًا مُحمَّلة بالقمح أثناء مجاعة لمساعدة بلاد خاتي» (ص۳۸۹).

وبعد معركة حامية ألحق المصريون هزيمةً ماحقة بتحالف الجحافل البربرية هذا؛ إذ تم تشتيتُه بالكامل. أما مَن نجَوا فقد عَلِقت بأذهانهم ذكرياتٌ مروعة تناقلَتها الأجيال فيما بعد.

«استمرت المعركة ستَّ ساعات، نَظَّم رماةُ السهام المصريون خلالها مذبحةً في صفوف البرابرة، وقد أطلق مريري ساقَيه للرياح تاركًا وراءه أسلحتَه وكنوزه وحريمه. وتضمن السجل ٦٣٥٩ قتيلًا من بين الليبيِّين و٢٢٢ من السيكول، و٧٤٢ من الأتروسك والساردان، وآلافًا من الآخيين، وتم الاستيلاء على تسعة آلاف سيف ودرع وغنائم كثيرة في ساحة المعركة. وسجَّل مرنفتاح نشيدَ انتصارٍ في معبده الجنائزي في طيبة وَصفَ فيه ذهول أعدائه؛ فالشباب لدى الليبيِّين يقولون، فيما بينهم، بخصوص تلك الانتصارات: «لم نحقق أيًّا منها منذ عهد رع.» ويقول الشيخ لابنه: وا أسفاه على ليبيا المسكينة! لقد هلك التهينو في غضون سنة واحدة، وفُرضت الطاعة أيضًا من جديدٍ على أقاليم مصر الخارجية. ودُمِّرت تيهينو، وأُخمدت الفتنة في خاتي، ونُهبت بلاد كنعان، وجُرِّدت عسقلان من ثرواتها، وتم الاستيلاء على جاذر، وأُبيدت يانوعيم، وخُرِّبت إسرائيل، ولم تَعُد لديها بذور، وأصبحت خارو أرملة بلا سندٍ من جانب مصر، وتم توحيد كل البلاد وإخضاعها» (المرجع السابق، ص۳۸۹).

ومن المهم أن نلاحظ، عن طريق هذا النص، أن الانتصار أُحرز في ممفيس، ولكن الاحتفال بذكراه جرى في طيبة، في المعبد الجنائزي لمرنفتاح، مما يؤكد ما قيل آنفًا وهو أن الفرعون مرنفتاح لم يستقر في ممفيس إلا لمقتضيات عسكرية، ولكنه دُفن في طيبة شأنه شأن جميع فراعنة مصر تقريبًا. وحتى عندما كان فرعون يموت في ممفيس، في الوجه البحري، كان جثمانه يُنقل إلى الصعيد لدفنه في مُدنه المقدس؛ أبيدوس وطيبة والكرنك. فقد أقام الفراعنة مقابرهم في مدن الصعيد هذه إلى جانب أسلافهم؛ حيث كانوا يُرسلون لهم القرابين حتى وإن أقاموا في ممفيس.

وبعد الثورة التي سجَّلت نهاية الدولة القديمة، عندما حصل الشعب على امتياز الموت الأوزيريسي، أي إمكانية التمتع بالخلود في السماء (بعد المثول أمام محكمة أوزيريس)، كان كل أفراد الشعب يُدفنون رمزيًّا في منطقة طيبة بإقامة لوحة باسم المُتوفى. وهكذا كانت هذه المنطقة مقدسة بالنسبة لكل شعب مصر بلا استثناء. ولو أن الحضارة والتقاليد الدينية المصرية كانت قد نشأت حقًّا في الدلتا، لكان ذلك التقديس بمثابة انتهاك للحرمات، ولو كان الأمر كذلك لتعيَّن أن نجد هناك المدن المقدسة ومدافن الأسلاف وأهم أماكن العبادة والحج … إلخ، وهو ما لم يحدث.

وهذا القدر الوفير من الحجج يكفي للحيلولة دون تأييد فكرة الأسبقية المزعومة لقيام الحضارة في الدلتا، بأي شكلٍ من الأشكال.

وهذا الائتلاف بين شعوب الشمال والشرق في عهد مرنفتاح ليس سوى إحدى وقائع التاريخ المصري القديم؛ إذ اندلعت حروب مشابهة في هذه المنطقة طوال ذلك التاريخ، وإن تفاوت مدى أهميتها. وقد تغلَّب دائمًا زنوج وادي النيل على هؤلاء البرابرة، اللهم إلا في العصر المتأخر. ويشهد على ذلك عدد لا يُحصى ولا يُعَد من النقوش التي تصوِّر أسرى، والتي نجدها ابتداءً من صخور سيناء حتى معابد مدينة هابو وطيبة، وعلى لوحة نعرمر، أي منذ عهد ما قبل الأسرات حتى الأسرة التاسعة عشرة. ويعترف الليبيون أنفسهم، إذا ما آمنا بما جاء في النص المصري، بأنهم لم يحققوا أبدًا أيَّ انتصار منذ بداية الزمن، أي منذ عهد رع، ولا توجد أي واقعة أو شهادة أو نص يُكذِّب ذلك. وقد كتب موريه نفسه يقول: «وكان هؤلاء الليبيون وسكان الكهوف، يبدون على حدود الحقول الخصبة كجيران جوعى ونهَّابين، يتحيَّنون الفرصة دائمًا لشنِّ غزواتهم ضد الفلاحين المصريين المسالمين والعاكفين على زراعة الأرض وتربية الماشية. ولم تكن خطورتهم شديدةً أبدًا على المصريين لأنه لم تكن توجد لديهم حتى ذلك الوقت بهيمة سريعة قادرة على حمل الأثقال؛ فالحمار، وهو الدابة الوحيدة التي كانت لديهم ليس سريعًا، ولا يستطيع نقل الأحمال الثقيلة … ولذا فقد اكتفت مصر بمراقبة هؤلاء البدو بكل يقظة، وبعمليات تأديب ٍكانت تستخدم فيها الليبيِّين أنفسهم؛ فقد عملت في خدمتها عدة قبائل كمرتزقة، ومنها قبيلة المشاواشا، بل إنها جنَّدت قوات ممتازة لدى المازوي. وهكذا وجد الفراعنة وسيلةً لتأمين أنفسهم ضد مخاطر السرقة بدفعٍ جُعل على شكل مرتب لهؤلاء النهَّابين الذين كان تقويمهم أمرًا مستعصيًا، ولم يصبح هؤلاء الليبيون، المتجمعون في اتحاد حركة هجرة الشعوب، خطرًا محدقًا بمصر لا تكفي الوسائل المرتجلة لدرئه إلا في أواخر عهد إمبراطورية طيبة» (المرجع السابق، ص۱۹۷، ۱۹۸).

وتلخص شهادة موريه هذه ما لدينا من معلوماتٍ ملموسة حول الليبيين. فالتاريخ يفيدنا بأنهم كانوا لصوصًا يتضورون جوعًا، يعيشون في أرباض مصر، بالمنطقة الغربية من الدلتا، وأنهم خدموا كمرتزقة واستقروا في أنحاء الدلتا في العصر المتأخر، وأنهم كانوا من جنس أبيض، باستثناء التيهينو.١٦ وكان تَحضُّرهم أمرًا مستعصيًا في الوقت الذي كان فيه العالم الزنجي قد تحضَّر. وهذا ما تُفيدنا به الوثائق التاريخية عن الليبيِّين، هذا عدا توزيعهم الجغرافي على الساحل الشمالي لأفريقيا الذي أفادنا به هيرودوت.

وبوسعنا أن نتساءل عن ماهية ذلك الاختراع الذي يدفع إلى جعل هذه الشعوب المختلفة عن المصريين من كافة الأوجه، منبع حضارتهم، إلى حد اعتبار المصريين أبناء عمومتهم الهمجيِّين أو الأقل تحضُّرًا، وتلك حقًّا قمة التناقض. وقد استقر هؤلاء الليبيون في الدلتا؛ حيث منحهم الفراعنة قِطَعَ أرض في العصر المتأخر، وتَشَبَّعَت مصر عندئذٍ بأجانب، وأدَّى ذلك التهجين إلى البياض النسبي الذي طرأ على بشرة الأقباط.

وهكذا لم تدخل الدلتا في التاريخ المصري إلا في العصر المتأخر، ولم تكن مصر أبدًا دولة بحرية قوية، وربما يرجع ذلك إلى نشأة حضارتها داخل القارة، على عكس الشعوب الأخرى المُطلة على البحر الأبيض المتوسط.

ووفقًا لما كتب بلوتارك في الإيزيس والأوزيريس (بصيغة الجمع)، كان المصريون يَعتبرون البحر «إفرازًا فاسدًا»، وهو تصوُّر لا يتفق مع فكرة الاستيطان أصلًا في الأراضي المطلة على البحار.

(٢) هل يمكن أن تكون الحضارة المصرية من أصل آسيوي؟

يتعيَّن هنا أيضًا، وعلى غرار ما جاء من قبل، أن نميِّز بين ما يمكن استنتاجه من الفحص الدقيق للوثائق التاريخية، وما يمكن أن نفترضه مع تجاوز الوثائق خلافًا لما تشهد به.

فلكي تكون الحضارة المصرية من أصل آسيوي، أو أي أصل خارجي آخر، لا بد من إثبات أن مهدًا سابقًا للحضارة تواجد خارج مصر، ولا حاجة بنا إلى أن نؤكد على أن هذا الشرط الأوَّلي والضروري لم يتوفر أبدًا.

«لم تيسِّر الظروف الطبيعية تطور مجتمعٍ بشري ما بقدر ما يسَّرت ذلك في مصر؛ ولذا لا نجد في أي مكان آخر صناعة تجمع بين الأدوات الحجرية المصقولة والبرونزية بتقنية مشابهة. وعلى أي حال لا يوجد في سوريا وفي بلاد ما بين النهرين أيُّ أثر للإنسان فيما قبل عام ٤٠٠٠ قبل الميلاد، ما عدا بعض المواقع المنتمية إلى العصر الحجري الجديد في فلسطين، لم يُعرف عهدها بدقة. وفي هذا التاريخ، كان المصريون على وشك الدخول في العصر التاريخي للحضارة. وعليه يكون من الملائم أن يُنسب تطورهم هذا المبكر لعبقرية سكان مصر الأوائل، وللظروف الاستثنائية التي هيَّأها وادي النيل. وليس هناك ما يُثبت أن ذلك التطور يعود إلى غزو أجانب أكثر تحضُّرًا، يتعيَّن على أي حال إثبات وجودهم، أو على الأقل إثبات وجود حضارتهم» (موريه، من العشائر إلى الإمبراطوريات، ص١٤٠).

ولا يزال يتعذَّر دحض ملاحظات موريه هذه عمومًا حتى يومنا هذا، ويشير المؤلف إلى تاريخ ٤٢٤١ قبل الميلاد، حيث كان التقويم مستخدَمًا آنذاك بكل تأكيدٍ في مصر.

فدورة التقويم المصري القديم تبلع ١٤٦١ سنة، وهي الفترة الممتدة بين شروقَين للشِّعرَى اليمانية مع شروق الشمس في نفس اللحظة. وقد أتاحت هذه الواقعة، إلى جانب معرفة استدلالين، أحدهما من التاريخ المصري، والآخر من التاريخ الروماني، إمكانية الرجوع بيقينٍ حسابي أكيد إلى تاريخ ٤٢٤١ أو ٤٢٣٦ق.م. بعد إجراء تصحيحٍ بسيطٍ على خطأ طفيف في الحسابات الأولى.

وكان لا بد من آلاف عمليات الرصد في ظل حياة مستقرة لاختراع تقويم تبلغ دورته ١٤٦١ سنة. ولو تمسَّك المرء بالوقائع بكل دقة لظهر لنا — بوضوحٍ — أنه يستحيل الركون إلى التصرفات الجامدة لمخترعي الحساب الزمني القصير أو القصير للغاية الذي يُرجع بداية التاريخ المصري إلى سنة ٣٢٠٠ أو ۲۸۰۰ق.م. وسنعرض فيما بعد اعتبارات «التضامن» التي دفعت إلى تقديم هذا النوع من الافتراضات.

لقد تم التوصل إذن في مصر إلى أقدم تحديدٍ للتواريخ عرفته البشرية بيقينٍ حسابي.

فماذا نجد في بلاد ما بين النهرين؟

لا شيء يمكن تحديد تاريخه بشكلٍ مؤكدٍ؛ فقد كان البناء يتم في بلاد ما بين النهرين بلبنات نيِّئة تُجفِّفها الشمس، وتُحوِّلها الأمطار إلى كُتَل من الطين.

فأهرامات مصر، ومعابدها، ومسلَّاتها، وغابات أعمدتها في الأقصر والكرنك، وطريق كباشها، وتمثالا ممنون وغيرهما، وصخورها المنحوتة ومعابدها المحفورة في بطن الأرض وذات الأعمدة المبشرة بالطراز الدُّوري (الدير البحري)، وكل تلك الحقائق المعمارية الملموسة، وتلك الشواهد التاريخية التي لا يمكن أن تُخفيها أي عقيدة جامدة، يقابلها في إيران (عيلام) وبلاد ما بين النهرين حتى القرن السابع ق.م. (عهد الآشوريين) ركام من الآجر المعدوم الشكل.

وقد قرروا أن ذلك الركام بقايا معابد وأبراج دارسة، تُبذَل الجهود لإعادة بنائها، وهكذا يقوم العالِم الأثري الأمريكي سيتون لويد، بإعادة بناء داخل معبد بابلي يُفترَض أنه يرجع إلى سنة، ألفين أو ثلاثة آلاف ق.م. وقد صوَّره بريستيد في كتابه اكتساب الحضارة (الناشر بايو، ١٩٤٥م، ص۱۲۳ الصورة رقم ٥٧). وتعتمد إعادة البناء هذه على الحفائر التي أجراها المعهد الشرقي التابع لجامعة شيكاغو. وهذا النوع من عمليات إعادة البناء، بما في ذلك برج بابل (الصورة رقم ٣-٣٨) خطير للغاية بالنسبة لتاريخ البشرية نظرًا للأوهام التي قد يُغذيها.

«لقد تحوَّلت بقايا تلك الأبراج البابلية إلى ترابٍ في أغلب الأحوال نظرًا لعدم صمود اللبنات المجفَّفة في الشمس، التي استُخدمت في بنائها؛ ولذا لا يتفق علماء الآثار على تفاصيل أشكالها» (بريستد، المرجع السابق، ص۱۲۲، الهامش رقم ۱).

وفي مصر، تستند دراسة التاريخ على نطاقٍ واسع، إلى وثائق مسجَّلة مثل مسرد بالرمو، ولوحات أبيدوس المَلَكية وبردي تورينو الملكي، وحوليات مانيتون. ويتعيَّن أن يُضاف إلى كافة تلك الوثائق الصلبة، مجموع ما شَهِدَ به كُتَّاب قُدامى، بدءًا بهيرودوت حتى ديودور، هذا عدا متون الأهرام، وكتاب الموتى، وآلاف الكتابات المنقوشة على الجدران.

أما في بلاد ما بين النهرين، فمن العبث البحث عن شيء مماثل؛ فاللوحات المكتوبة بالخط المسماري تتعلق عمومًا بحسابات تجار؛ إيصالات وفواتير مدوَّنة بشكلٍ مختصرٍ. ولم يتعرض القُدامى لحضارة ما بين النهرين المزعومة السابقة على الكلدانيين. وعلى أي حالٍ فقد كان هؤلاء الكلدانيون بالنسبة للقُدامى مجرد طائفة من الكهنة الفلكيين المصريين أي زنوج (ديودور الصقلي، تاريخ الكون، الكتاب الأول، القسم الأول، ص٥٦ و٥٧).

fig41
شكل ٣-٣٨: برج بابل؛ نموذج لعمليات إعادة البناء.

يظهر البرج في خلفية الصورة، وأمامها حدائق بابل المعلقة.

وقد أوضح ديودور أن الكلدانيين كانوا، حسب قول المصريين: «جالية من كهنتهم نقلهم بلوز على نهر الفرات ونظَّمهم وفقًا لنموذج الطائفة الأم، ولا تزال هذه الجالية تواصل تنمية المعارف عن النجوم التي جاءت بها من وطنها» (هيفر: كلده، سلسلة الكون، ١٨٥٢م، ص۳۹۰).

وهكذا أصبح لفظ «الكلدانيين» مصدرًا للكلمة اليونانية التي تعني فلكيًّا. ويُقال إن برج بابل، وهو هرم مُدرَّج على غرار هرم صقارة، الذي عُرف باسم «برس-نمرود» و«معبد بعل»، لم يكن إلا مرصدًا للكلدانيين.

وهكذا تصبح الأمور منطقية لأن نمرود بن كوش وحفيد حام، سلف الزنوج، حسب ما جاء في التوراة، كان رمزًا للجبروت في الدنيا.

«وكوش ولد نمرود الذي ابتدأ يكون جبارًا في الأرض، الذي كان جبار صيد أمام الرب، وكان ابتداء مملكته بابل وأرك وأكَد وكَلْنَة في أرض شنعار. ومن تلك الأرض خرج آشور …» (سفر التكوين، الإصحاح العاشر).

أليس من الطبيعي إذن أن نجد هرمًا مدرجًا في صقارة وبابل (مدينة بعل الكوشية)، وفي ساحل العاج (على شكل مثقال من البرونز)، وفي المكسيك، حيث أثبت الكُتَّاب والأثريون المكسيكيون، أنفسهم، الهجرة الزنجية عن طريق المحيط الأطلسي؟

وحيث إن آسيا الغربية كانت مهدًا لحضارة هندو-أوروبية، فلو أن حضارة مزدهرة تواجدت في هذه المنطقة، على غرار الحضارة المصرية، في فترة سابقة على عهد الكلدانيين، لكانت ذكراها قد بلغتنا ولو بإشاراتٍ غير واضحة، عن طريق القُدامى الذين كانوا فرعًا من الهندو-أوروبيين، علمًا بأنهم هم أنفسهم الذين أفادونا بالعديد من الشهادات المتطابقة عن الحضارة الزنجية المصرية.

ووفقًا للترتيب الزمني القصير كانت مصر موحَّدة في مملكة واحدة على يد نعرمر قبل مولد المسيح ﺑ ٣٢٠٠ سنة.

ولن نجد شيئًا مماثلًا في آسيا الغربية؛ فبدلًا من مملكة متحدة وقوية نجد مدنًا مثل سوز وأور ولجش وماري وسومر، ودلَّت عليها أحيانًا مقابر أصحابها المجهولي الهوية، وتُقرر بلا أي دليل أنها «مقابر ملكية».

وهكذا تم رفع أشخاص لم يكونوا سوى مشايخ قرى أو مدن، إلى مرتبة الملوك، هذا إن لم يكونوا شخصيات وهمية مختلفة. إننا نجد الآن في كل قرية في السنغال أسرة تدَّعي أنها هي التي أسست تلك القرية، وكثيرًا ما يكون عضو هذه الأسرة الأكثر تقدمًا في السن شيخ القرية، وهو يتمتع بقدرٍ من الاحترام من جانب أهالي القرية، ومع ذلك فسيكون الأمر مضحكًا حقًّا لو أننا منحناه لقبًا ملكيًّا بعد ألفي سنة.

وقد كتب جورج كونتينو يقول بخصوص مغزى مقابر أور التي تقرر أن تكون ملكية:

«بوسعنا أن نتساءل بخصوص مقابر الجبانات الملكية، إذا ما كان الأمر يتعلق حقًّا بملوكٍ، وإذا لم يكن من الواجب ربط تلك المقابر بعبادة مبدأ الخصوبة.»

«فممَّا يلفت النظر حقًّا أن أصحاب هذه المقابر مجهولو الهوية.»

«ويعتقد السيد س. سميث أن هذه المقابر كانت لا تخص ملوكًا حقًّا، ولكن ممثِّلي المأساة المقدسة التي كانت تُعرَض بمناسبة الأعياد، ويتم فيها التضحية ببطل المسرحية الرئيسي.»

«والسير ل. وولي … مبتكرها (أي المقابر) ينكر ذلك تمامًا.»

«عندما وصفت هذا الكشف المثير للمقابر المَلَكية، أبديت ملاحظة تتبادر بشكلٍ طبيعي إلى الذهن، وهي أن السكوتيين كانوا يمارسون، فيما بعد ذلك بمدة طويلة، طقوسًا مشابهة.»

«وإذا كان الحظ لم يسعدنا بالعثور على مقبرة سليمة في بلاد ما بين النهرين، علاوة على مقابر أور الملكية، وإذا كنا لم نصادف أبدًا وثائق صريحة حول مواصلة الطقوس الجنائزية التي كشفت عنها حفريات أور، فإن بعض اللوحات الصغيرة تُلقي، مع ذلك، قليلًا من الضوء على استمرار هذه الممارسة على شكلٍ مخففٍ على الأقل.»

«فهناك خطاب من العهد الآشوري في ظل الأسرحونيين يفيدنا بأن ابن حاكم أكد ومواقع أخرى «راح إلى مصيره» وكذلك سيدة القصر، وأنه قد تم دفنهما (موجز للآثار الشرقية، المجلد الرابع، ص١٨٥٠–١٩٥٨، مطبوعات بيكار، ١٩٤٧م).»

ومن المؤسف أن الوثائق المبهمة التي توجد في متناول يدنا تعود إلى عهد متأخر إلى هذا الحد، ومن المؤسف، بقدرٍ لا يقل عند ذلك، أن المقارنة التي «تتبادر بشكلٍ طبيعي إلى الذهن» تعود بنا إلى عادات السكوتيين التي وصفها هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد. والواقع أنه بالرجوع إلى أوصاف هيرودوت نفسها التي ذكرها الدكتور كونتينو، يتبيَّن لنا أنه لم يكن من الممكن أن يكون الإنسان أكثر توحشًا وبربرية من السكوتيين.

ها نحن — إذن — بعيدون عن تأثيرات حضارة يمكن أن نقرر أنها أُم الحضارة المصرية.

وتعبير «مبتكر هذه المقابر» الذي استخدمه المؤلف بخصوص السير ليونارد وولي الذي اكتشفها يُثبِت لنا بما فيه الكفاية أن إضفاء صفة «الملكية» عليها ليس له مبرر شرعي عدا أنه يمكن أن يكون افتراضًا يخضع للفحص.

وعلى العكس فإن أقدم الملوك الذين تم العثور عليهم في عيلام هم بلا منازع من الزنوج، كما تثبت الآثار التي استخرجها ديولافوا (Dieulafoy) من باطن الأرض.

كانت هناك أشياء عديدة مدهشة في طريقها إلى الكشف، وكنا ننتقل من مفاجأة إلى أخرى. وقد تم العثور عن طريق هدم حائط ساساني أقيم بمواد أقدم منه، تم أخذها في الموقع نفسه، على آثار ترجع إلى العهد العيلامي من تاريخ سوز، أي إنها سابقة على استيلاء آشوربانيبال على تلك القلعة، ولكن يجب أن نترك الكلمة هنا لديولافوا:

«عندما تم رفع مقبرة تعترض حائطًا من اللبن يشكِّل جزءًا من تحصينات باب عيلامي، استخرج العمال جرَّة جنائزية يحيط بها بناء من قرميد مطلي بالميناء. وكانت هذه القراميد مأخوذة عن لوحة تمثِّل شخصًا يرتدي ثوبًا أخضر رائعًا موشَّى بزركشات صفراء وزرقاء وبيضاء وبفراء نمر، ويحمل عصا أو حربة من الذهب. والأمر الفريد هنا أن هذا الشخص الذي عُثر على أسفل وجهه ولحيته وعنقه ويده، أسود اللون، وشفاهه رقيقة ولحيته غزيرة، وزركشات ملابسه العتيقة الطراز، تبدو من صُنع عمال بابليين.»

«وقد تم العثور في جدران أخرى بُنيت بمواد سبق استخدامها، على قراميد مطليَّة بالميناء تُمثِّل قدمَين تنتعلان حذاء من الذهب، وبدت مرسومة بدقة شديدة، والمعصم تحيط به أساور، والأصابع تقبض على عصا طويلة أصبحت رمزًا للجبروت الملكي في ظل الأخمنديين، وقطعة من ثوب موشَّى بشعار سوز (أي منظر للمدينة على الطريقة الآشورية)، يغطيه — جزئيًّا — فراء نمر. وهناك، أخيرًا، إفريز مُحلَّى بالزهور فوق خلفية بُنية اللون؛ وكانت الأيدي والأقدام سوداء. بل إنه كان من الواضح أن الزخارف كلها أُعدت بحيث تتلاءم مع لون الوجه الداكن. وكان للعظماء وحدهم الحق في حمل عصا طويلة واستخدام الأساور، وكان حاكم الموقع العسكري هو وحده الذي يستطيع أن يرتدي ثوبًا مطرزًا بصورة الموقع. ومن الواضح أن صاحب العصا سيد القلعة، أسود؛ ولذا هناك احتمالات كبيرة بأن تكون أسرة سوداء قد حكمت عيلام، وأنها كانت أسرة إثيوبية استنادًا إلى سِمات الوجه الذي تم اكتشافه. فهل نحن بصدد أحد إثيوبيي الشرق الذين تحدَّث عنهم هوميروس؟ وهل كان الناخونته من سلالة أسرة من الأمراء تنتسب إلى الأجناس السوداء التي حكمت جنوب مصر؟ (لينورمان، تاريخ الفينيقيين القديم، باريس، ليفي، ۱۸۹۰م، ص۹٦ إلى ۹۸).»

وجاءت اكتشافات الدكتور كونتينو بعد ذلك بنصف قرن لتصدق على استنتاجات ديولافوا حول الدور الذي قام به الجنس الزنجي في غرب آسيا.

ويعيد ذلك إلى الذاكرة رأي كاترفاج وهامي حول الأنماط العِرقية المصوَّرة على الآثار الآشورية.

فالسوزي بالأخص «الناتج، على الأرجح، عن امتزاج كوشيين مع زنوج، بأنفه الأفطس نسبيًّا، وفتحتي منخاريه المتسعتين، ووجنتيه البارزتين، وشفتيه الغليظتين، يمثِّل نمطًا من الأجناس معروفًا تمامًا ومصوَّرًا بشكلٍ جيد» (موجز للآثار الشرقية، ۱۹۲۷م، ص۹۷).

وقد أورد بعد ذلك الترتيب الذي وضعه هوساي بخصوص السكان الحاليين؛ وهم مكوَّنون من ثلاث طبقات، وصف إحداها على الوجه التالي: «آريون؛ زنوج متوافقون مع السوزيين القُدامى الذين كانوا منتمين إلى حدٍّ كبير إلى النجريتو، وهم من جنس أسود، وقامتهم قصيرة، وجمجمتهم صغيرة الحجم. والآريون؛ الزنوج عريضو الجمجمة وليسوا مستطيلي الرأس مثل الزنوج الضخام، ويمكننا أن نصادفهم في اليابان وجزر سنُدا (إندونيسيا) والفلبين وغينيا الجديدة.

«ومع أن هذا الترتيب قد تدخل عليه بعض التعديلات إلا أن الجانب المخصص لذوي الشكل الزنجي جدير أن يؤخذ بعين الاعتبار. فوجودهم يفسر لنا تواجد محاربين سود لا يتميزون بالسمات العرقية للزنوج من بين رماة السهام الفرس المصوَّرين على اللبنات الملونة، ويبدو، دون المغالاة في أهمية ذلك العنصر، أنه لا يمكن أن نشكك في مشاركته في تكوين عيلام القديمة (المرجع السابق، ص۹۸).»

ويُلقي الجوهر الزنجي الأوَّلِي لعيلام القديمة ضوءًا جديدًا على بعض أبيات الشعر في ملحمة جيلجامش، القصيدة البابلية (أي الكوشية) وقصائد أخرى:

يا إنليل يا أب، يا سيد البلاد،
يا إنليل يا أب، يا سيد الكلمة المُخَلِّصَة،
يا إنليل يا أب، يا راعي الرءوس السوداء،

(مناحة للإلة إنليل، أوردها ش. زيرفوس في: الفن في بلاد ما بين النهرين، مطبوعات كراسات فنية، ١٩٣٥م).

وفي ملحمة جيلجامش يحمل الإله الأصلي، أنو، أبو عشتار، اسمًا زنجيًّا كان أيضًا اسم أوزيريس في أون:

«أخذت الربة عشتار الكلمة، وهكذا تحدثت إلى الإله أنو، أبيها …» (الأبيات ۹۲ و۹۳ من ملحمة جيلجامش، نشرها الدكتور كونتينو، باريس، مطبوعات لارتيزان دي ليفر، ۱۹۳۹م).

وقد علمنا من قبل، وفقًا لأميلينو، أن الأنو كانوا الزنوج الأوائل الذين سكنوا مصر، وظل بعضهم، في منطقة البطراء خلال التاريخ المصري القديم. وعليه فإن الأنو الزنوج حقيقة تاريخية، وليسوا مجرد تخيُّل أو فرضية للعمل بها. ولنلاحظ أيضًا أنه يوجد حتى أيامنا هذه شعب أني في ساحل العاج الذي يسبق أسماء ملوكه لقب آمون، كما رأينا من قبل.

ومن جهة أخرى فإن الترتيب الزمني الذي وضعه م. كريستيان، اعتمادًا على حسابات كوجلر الفلكية يحدد بداية أسرة أور الحاكمة من ۲٥٨٠ إلى ٢٦٠٠ قبل الميلاد، وهو تاريخ المقابر المُسمَّاة «مَلَكية»، بينما يتراوح التاريخ الرسمي المُسلَّم به، بلا مبررٍ واضح، بين ۳۰۰۰ و۳۱۰۰ قبل الميلاد.

والواقع أن اختيار عام ۳۰۰۰ كبداية للمرحلة التاريخية في بلاد ما بين النهرين لا يعود إلى أي ضرورة سوى التوصل، بأي ثمن، إلى توافق بين التسلسل التاريخي المصري والتسلسل التاريخي في بلاد ما بين النهرين. ولما كان التاريخ يبدأ في مصر في عام ٣٢٠٠ق.م. وفقًا للتقديرات الأشد اعتدالًا، فقد أصبح من الضروري «من باب التضامن» إرجاع بداية تاريخ بلاد ما بين النهرين إلى نفس الفترة، حتى وإن كانت كل الأحداث التاريخية المعروفة حتى الآن عن تلك المنطقة يمكن أن تعود إلى فترة زمنية أقل. وقد كتب الدكتور كونتينو يقول مشيرًا إلى الترتيب الزمني الذي وضعه م. كريستيان:

«ما هو الرأي في هذه التقديرات الجديدة؟ يبدو أنها تمنح، في حد ذاتها، مدة كافية للأحداث التاريخية» (موجز للآثار الشرقية، باريس ١٩٤٣م، المجلد الثالث، ص١٥٦٣).

غير أن الدكتور كونتينو يتجنَّب تبني هذا التسلسل الزمني لسببين:

الأول أن حساب الظواهر الفلكية المذكورة من قبل، والذي من المفترض أن يكون أساسًا لا جدال فيه، يخضع لتغييرات.

والسبب الثاني هو أن التسلسل الزمني القصير للغاية لا يضع الحضارات المجاورة في عين الاعتبار؛ فمن الصعب أن نفسر أن الحضارة المصرية التي تبدأ، حسب تقديرات علماء الآثار المصرية الأشد تواضعًا، في حوالي عام ۳۱۰۰ قبل الميلاد، قد سبقت بداية التاريخ في بلاد ما بين النهرين ﺑ ٦٠٠ سنة. فالعلاقات القائمة بين آسيا ومصر فيما قبل التاريخ حقيقة قائمة؛ وعندئذٍ يصبح تفسيرها متعذرًا، شأنها في ذلك شأن تقديم تاريخ الحضارة المينوية، لو أننا اعتمدنا تلك الأرقام. ويبدو هذا الاقتراح غير مقبولٍ إلى حدٍّ ما. ولذا أعتقد أن دراسة م. كريستيان الشيقة للغاية تصل إلى استنتاج لا يمكن القبول به إلا إذا توصَّلت دراسة موازية إلى تخفيض بداية تاريخ حضارات مصر وإيجة بنفس القدر (المرجع السابق، ص١٥٦٣).

وكتب الدكتور كونتينو يقول في مؤلَّف آخر له صدر في نفس السنة (١٩٣٤م):

«تدفعني جوانب عدم اليقين بخصوص التسلسل التاريخي الشرقي إلى الإدلاء ببعض الملاحظات حول التواريخ التي ستَرِد في هذه الدراسة، إننا نشهد منذ بضع سنوات تضييقًا تدريجيًّا لتاريخ الأحداث في بلاد ما بين النهرين. فبعد أن حُدِّدت بداية للمرحلة التاريخية في حوالي ٤٠٠٠ سنة وأكثر قبل الميلاد، حلَّ محلها تقدير يبلغ حوالي ۳۰۰۰ نتيجة لاستبعاد سنواتٍ من حُكم بعض الأُسر من قائمة الأُسر الحاكمة لأنها لم تكن متتالية، بل معاصرة لأُسر أخرى، وعن طريق تحديد تواريخ كسوف الشمس التي ورد ذكرها بخصوص بعض النُّظم الحاكمة، وذلك بفضل علماء الفلك الحديثين. ولكن المُراجعة الدقيقة للأحداث التاريخية والحسابات الفلكية تميل إلى تخفيض بداية المرحلة التاريخية مرة أخرى. ويقترح م. ف. كريستيان، من فيينا تاريخ ٢٦۲۰ لأول أُسرة أور في سومر. ولو كان الأمر يتعلق بحضارة ما بين النهرين وحدها لما كان هناك ما يدعو إلى الاعتراض على ضغط ذلك الترتيب.

غير أن هناك تضامنًا عامًّا يجب أن يوضع في عين الاعتبار؛ فالمرحلة التاريخية تبدأ في نفس التاريخ تقريبًا بالنسبة لمصر ولبلاد ما بين النهرين، ولكن علماء الآثار المصريين يرفضون عمومًا تخفيض تاريخ نعرمر، مؤسس الأسرة الأولى إلى أقل من ۳۲۰۰ قبل الميلاد» (حضارة الحيثيين والميتانيين، الناشر بايو، باريس، ١٩٣٤م، ص٤٨-٤٩).

ويتبين بوضوحٍ في هذه النصوص أن تزامن تاريخ مصر وبلاد ما بين النهرين ضرورة تمليها الآراء لا الوقائع؛ فالفكرة الرئيسية الراهنة تتمثل في التوصُّل إلى تفسير حضارة مصر عن طريق بلاد ما بين النهرين، أي غرب آسيا، مهد الهندو-أوروبيين.

ويُثبت كل ما جاء من قبل أن الاقتصار فقط على الوقائع المؤكَّدة يُجبر على اعتبار بلاد ما بين النهرين وليدًا لمصر جاء متأخرًا، فالعلاقات في مرحلة ما قبل التاريخ لا تستتبع بالضرورة تزامن بداية التاريخ في البلدين.

وبوسعنا أن نذكر في ختام هذا الفصل تلك الفقرة التي أوردها مارسيل بريون نقلًا عن لوفات ديكسون:

«قبل ثلاثين سنة مضت كان اسم سومر لا يعني شيئًا بالنسبة للجمهور. وهناك اليوم شيء يُسمَّى المشكلة السومرية التي أصبحت موضع خلافات دائمة ووجهات نظر متباينة بين علماء الآثار» (بعث المدن الدارسة، باريس، الناشر، بايو، ١٩٤٨م، ص٦٥).

وفيما يتعلق بالآثار الفارسية يفيدنا ديودور بأن عُمَّالًا مصريين اختطفهم قسرًا قمبيز «المُخرِّب» تولوا بناءهما:

«أشعل قمبيز النيران في كل معابد مصر، وعندئذٍ حمل الفرس معهم كل الكنوز إلى آسيا، بل واقتادوا معهم عمَّالًا مصريين لبناء القصور الشهيرة في برسيبوليس (بارسا) وسوز وبعض المدن الأخرى في ميديا» (ديودور الكتاب الأول، القسم الثاني، ص١٠٢).

ووفقًا لسترابون، فقد أسس سوز زنجي هو تيثون، ملك الأيوبيا وأبو ممنون:

«ويُزعم في الواقع أن تيثون، والد ممنون أسَّس سوز، وأن قلعتها كانت تُسمَّى ممنونبوم. ويُسمى السوزيون أيضًا السيسيين، وتُسمى أسكيلوس والدة ممنون سيسيا» (الكتاب الخامس، الفصل الثالث، ص۷۲۸).

واسم سيسيا يذكِّر بسيسي، وهو اسم علم أفريقي.

ومن الأسباب التي دفعت الفرس إلى اختيار سوز أنها لم تقم أبدًا بدورٍ هام في التاريخ، وهذا ما تناقضه النظريات الراهنة:

«وعاصمتها (أي سوسيديا) سوز … فعندما استولى الفرس على ميديا … جعلوا من سوز عاصمة لإمبراطوريتهم نظرًا لأهميتها … ولأنها لم تقم أبدًا بنفسها بأي عملٍ عظيمٍ؛ إذ كانت خاضعة دائمًا لشعوبٍ أخرى، وكان يُنظر إليها كجزء من جسمٍ أضخم، فيما عدا في الأزمنة الأسطورية على ما يبدو» (نفس المرجع، ص۷۲۸).

(٣) فينيقيا

الإنسان الذي تم اكتشافه في أرض كنعان، فيما قبل التاريخ، والمُسمَّى الناتوفي، من جنس زنجي.

ويبدو أن الصناعة الكابسية التي انتشرت في شمال أفريقيا حتى هذه المنطقة من أصل زنجي هي أيضًا. ووفقًا لما جاء في التوراة، وجدت الأجناس البيضاء عندما وصلت إلى المنطقة جنسًا زنجيًّا: الكنعانيين، ذرية كنعان أخي مصرايم المصري وكوش الإثيوبي، وكلاهما من أبناء حام سلف الزنوج حسب التوراة.

«وقال الرب لأبرام اذهب من أرضك، ومن عشيرتك، ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك.»

«فذهب أبرام كما قال له الرب وذهب مع لوط … فأخذ أبرام ساراي امرأته ولوط ابن أخيه وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران، وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى أرض كنعان. واجتاز أبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة موره، وكان الكنعانيون حينئذٍ في الأرض» (سفر التكوين، الإصحاح الثاني عشر).

وبعد العديد من الأحداث، انصهر معًا الكنعانيون والقبائل من جنس أبيض التي يرمز إليها أبرام وذريته (نسل إسحاق) فكوَّنوا معًا، بمرور الزمن، الشعب اليهودي.

«فأتى حمور وشكيم ابنه إلى باب مدينتهما، وكَلَّما أهل مدينتهما قائلين: هؤلاء القوم مسالمون لنا فليسكنوا في الأرض ويتَّجروا فيها. وهو ذا الأرض واسعة الطرفين أمامهم. نأخذ لنا بناتهم زوجات، ونعطيهم بناتنا» (سفر التكوين، الإصحاح الرابع والثلاثون).

وهذه السطور القليلة التي كانت بداية لخديعة تكشف مع ذلك الاعتبارات الاقتصادية التي كانت تحكم، في هذه الفترة، العلاقات بين الغزاة البيض والكنعانيين الزنوج.

ولذا فإن تاريخ فينيقيا لا يمكن فهمه إذا لم تؤخذ في عين الاعتبار إفادات التوراة التي جاء فيها أن الفينيقيين، أي الكنعانيين، هم أصل الزنوج المتحضرين الذين امتزجت معهم، فيما بعد، قبائل رُحَّل، عديمة الثقافة، من جنس أبيض.

وعليه فإن إطلاق تعبير لوكو-سوريين على بعض الشعوب البيضاء في هذه المنطقة ليس تناقضًا، كما يعتقد هوفر، بل تأكيدًا للإفادات الواردة في التوراة.

«يبدو أن اسم السوريين امتد ابتداءً من بابل حتى خليج إيسوس، بل ومن هذا الخليج حتى البحر الأسود. ولا يزال الكابادوسيون، سواء المستقرون في جبال طورس بالأناضول أو على شواطئ البحر الأسود، لا يزالون يحتفظون حتى الآن باسم اللوكو-سوريين (السوريون البيض)، كما لو أن هناك سوريين سودًا» (هوفر، كلدا وبابل، سلسلة الكون، مطبوعات الإخوة ديدو، ١٨٥٢م، ص١٥٨).

وبهذه الطريقة يمكن تفسير التحالف الأزلي بين المصريين والفينيقيين. وكان بوسع مصر الاعتماد على الفينيقيين كما يعتمد المرء على أخيه، حتى في الفترات التي تسودها الاضطرابات الشديدة والمِحن القاسية.

«ومن بين الوقائع المنقوشة على جدران المعابد في مصر والمتعلقة بالتمرُّدات الكبرى التي انفجرت عدة مرات في سوريا خلال هذه القرون الخمسة ضد الهيمنة المصرية وبتحريض من الآشوريين (الروتنُّو) أو الحيثيين الشماليين (الخيتا) والتي أخمد أشدها تحتمس الثالث وسيتي ورمسيس الثاني ورمسيس الثالث، لا نجد أبدًا من بين قائمة المتمردين والمهزومين اسم أهالي صيدا أو عاصمتهم أو أيًّا من مدنهم.»

«وهناك بردي ثمين في المتحف البريطاني يتضمن الرواية الخيالية لموظف مصري في نهاية حكم رمسيس الثاني، بعد التوصل إلى سلام نهائي مع الحيثيين.»

«والمسافر في هذا البلد موجود في أرض مصرية، وهو يتجول بنفس الحرية والأمان كما يفعل في وادي النيل، بل وكان يتمتع بالسلطة بمقتضى وظيفته» (لونرمان: تاريخ الفينيقيين القديم، ص٤٨٤ إلى ٤٨٦).

وبالطبع لا يجوز أن نُقلل من شأن العلاقات الاقتصادية بين مصر وفينيقيا لتفسير ذلك الإخلاص المتبادَل الذي يبدو أنه ساد بين البلدين.

ويُفسر لنا ذلك أيضًا كون المعتقدات الفينيقية إلى حدٍّ ما نسخة من معتقدات مصر. وتُفصح بعض مقاطع سانشرنياسيون، التي ترجمها فيلون الجبيلي ونقلها عنه أوزيبيوس، تُفصح عن نظرية نشأة الكون الفينيقية. ووفقًا لما جاء في هذه النصوص كانت هناك أصلًا مادة لم تُخلق، وفي حالة فوضى واضطراب مستمر (بوهو). وكان النَّفَس (رواح) يُحلِّق فوق الفوضى، وسُمِّيت الوحدة بين هذين الجوهرين شيفتس، الرغبة، التي ترجع إليها أصلًا الخليقة بأكملها.

والتماثل بين ذلك الثالوث الكوني والثالوث الذي نجده في مصر كما أفادنا به أميلينو في تمهيدات لدراسة الديانة المصرية مُلفت للنظر بشكلٍ صارخٍ.

فوفقًا للنظرية المصرية حول نشأة الكون، كانت هناك أصلًا مادة لم تُخلق في حالة فوضى، وكانت تلك المادة الأولية تتضمن على هيئة جواهر كافة الكائنات الممكنة، أي المُثل الأصلية التي جاء بها أفلاطون بعد ذلك، كما كانت تتضمن أيضًا الجوهر أو إله الصيرورة خيفرو.

وبمجرد أن نشأ خالق الكون (رع) من حالة الفوضى الأصلية (نوم) انتهى دور الأخيرة؛ ومنذ ذلك الوقت تتابع النسب بلا انقطاعٍ حتى أوزيريس وإيزيس وحورس، أسلاف المصريين. وهكذا امتد الثالوث الأول من صعيد الكون إلى صعيد البشر، كما تم ذلك، فيما بعد، مع المسيحية.

ومن خلال الأجيال المتتالية في نظرية نشأة الكون الفينيقية، تم التوصل إلى سلف المصريين ميسور الذي أنجب طوط، مُخترِع الآداب والعلوم (وهو ليس سوى تحوت عند المصريين)، ومن خلال نفس نظرية نشأة الكون نصل إلى أوزيريس وكنعان سلف الفينيقيين:

«وقد سَجَّل كل ذلك في الكتب المقدسة الأقطاب السبعة، أبناء صديق وأخوهم الثامن إيشمون تحت رئاسة طوط، أما الذين التقطوا الإرث، ونقلوا التعاليم إلى خلفائهم فهم الأوزيريس وكنعان سلف الفينيقيين» (لينورمان، المرجع السابق، ص٥٨٣).

وتكشف مرة أخرى نشأة الكون الفينيقية عن صلة القرابة بين المصريين والفينيقيين، وكلٌّ منهم كوشي، أي زنجي.

وقد تأكدت صلة القرابة هذه بما أفصحت عنه نصوص رأس شمرا التي تُقرر أن مهد أبطال فينيقيا القوميين يقع في الجنوب على الحدود مع مصر:

«كانت نصوص رأس شمرا فرصة لدراسة أصل الفينيقيين من جديدٍ. فبينما تتضمن لوحات الحياة الجارية وجود عناصر أجنبية مختلفة تشارك في المبادلات اليومية بالمدينة، تشير اللوحات المكرَّسة للتحقق من الأساطير إلى ماضٍ مختلف تمامًا. ومع أن الأمر يتعلق بمدينة تقع في أقصى شمال فينيقيا، إلا أنها تُعتبر أقصى جنوب النَّقب، مسرح الأحداث التي تَصِفُها تلك اللوحات. وهي تُقرر أن الأبطال الوطنيين والأسلاف كانوا مستقرين فيما بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر. وعلى أي حالٍ فقد أكد ذلك هيرودوت (القرن السادس ق.م.) ومن قبله صَفَنيا (القرن السابع ق.م.)» (كونتينو، موجز الآثار الشرقية، ص۱۷۹۱).

ومن الناحية الجغرافية تتمثل أساسًا المنطقة الواقعة بين البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، في برزخ السويس، أي بطراء العرب، بلد الأنو، الزنوج الذين أسسوا أون الشمالية (هليوبوليس) في الأزمنة التاريخية.

وفي منتصف السنوات الألف الثانية تقريبًا (١٤٥۰ق.م.)، ونتيجة لاجتياح القبائل البيضاء الجنس التي دفعت الفينيقيين نحو الساحل، واحتلت المناطق الداخلية، أسَّس أهالي صيدا أولى المستوطنات الفينيقية في بيوثيا (بوسط اليونان) لتُقيم فيها الأعداد الزائدة من السكان؛ وهكذا تم تأسيس طيبة١٧ التي يؤكد من جديد اختيار اسمها على صلة القرابة بين المصريين والفينيقيين؛ إذ إنه من المعروف أن طيبة كانت المدينة المقدسة لصعيد مصر، حيث أحضر الفينيقيون منها النساء السوداوات اللاتي أقمن محرابَي الوحي الإلهي في دودون باليونان وآمون في ليبيا.١٨

وفي نفس الفترة (حسب لينورمان) استقر الليبيون (يافث) في أفريقيا حول بحيرة تريتونس، كما تكشف عن ذلك دراسة الآثار التاريخية الخاصة بسيتي الأول.

ويجسد كادموس الفينيقي مرحلة صيدا والإسهام الفينيقي في اليونان، ويقول الإغريق إن كادموس هو الذي أدخل الكتابة، كما نقول نحن اليوم إن ماريان (أي الجمهورية الفرنسية) هي التي أدخلت السكك الحديدية في أفريقيا الغربية المتحدثة باللغة الفرنسية.

ووفقًا للروايات الإغريقية، تأسست المستوطنات المصرية في اليونان في نفس تلك الفترة تقريبًا؛ فقد استقر كيكروبس في أتيكه، واستقر داناوس، أخو إيجوبتوس في أرجوليس، حيث علَّم الإغريق الزراعة والتعدين (الحديد).

وفي المرحلة الصيداوية هذه، انتقلت عناصر الحضارة المصرية الفينيقية إلى اليونان.

وكانت الجالية الفينيقية هي المهيمنة في أول الأمر، ولكن سرعان ما بدأ نضال الإغريق من أجل التحرر من الفينيقيين، الذين كانت لهم السيادة على البحار والهيمنة التقنية في تلك الفترة السابقة على الأرجونوتيين.

ويتمثل رمز فترة النزاع هذه في صراع كادموس (الفينيقي) ضد الثعبان ابن مارس (اليوناني) الذي استمر ثلاثة قرون.

«هذا الشقاق الذي نشب بين السكان الأصليين والمستوطنين الكنعانيين الذين حلُّوا على البلاد يمثِّله في الملحمة الأسطورية صراع السبارطيين الذين نشَئوا في الأرض بعد مَقْدَم كادموس. وعليه فإن السبارطيين الذين أبقتهم الأسطورة على قيد الحياة بعد هذه المعركة وأصبحوا زملاء كادموس، هم الممثِّلون للعائلات العونية الأساسية التي قَبِلَت السيطرة الأجنبية.»

«ولا يستمر كادوس طويلًا المالك المستريح لإمبراطوريته؛ إذ سرعان ما تم طرده، واضطر إلى الانسحاب لدى الأنشيليين. وهكذا تستعيد العناصر الأصلية مركزها؛ فبعد أن كانت قد قبلت بسُلطة الفينيقيين، وتلقَّت منهم نِعَم الحضارة، ثارت ضدهم وسعت إلى طردهم.»

«وكل ما يمكن تبيُّنه من هذا الجزء من تلك الروايات المتعلقة بالكادميين، ما كان يستشعره الإغريق الفقراء المتمسكون بالأخلاق من كراهية نحو هؤلاء بوصفهم أجانب، ونحو عباداتهم التي كانت لا تزال تتميز بهمجية وفُحشٍ صارخَين، مع أن الكادميين كانوا معلميهم؛ ولذا يوجد في التراث الإغريقي رعبٌ خرافي مرتبط بذكرى الملوك من أصل كادمي، وقد زود هؤلاء التراجيديا القديمة بأكبر قدرٍ من مواضيعها» (لينورمان، المرجع السابق، ص٤٧٩–٤٩٨).

فالأمر يتعلق إذن بمرحلة فاصلة كان العالم الهندو-أوروبي يتحرر فيها من العالم الأسود المصري-الفينيقي.

وهذا النضال الاقتصادي والسياسي الشبيه، في كل جوانبه، بالنضال الذي تخوضه حاليًّا البلاد المستعمَرة ضد الإمبريالية الحديثة، كان مصحوبًا، كما هو الحال الآن، برد فعلٍ ثقافي يرجع إلى نفس الأسباب. ويتعين أن ندخل في إطار ذلك الاضطهاد الثقافي ثلاثية أوريستيا الدرامية وقصيدة الإنييد الملحمية (نسبة إلى أمير طروادة إنياس) لفرجيليوس لكي نتفهمهما. وهذان المؤلَّفان لا يعبران، كما يعتقد باشوفن ومفكرون آخرون من بعده، عن انتقال العالم من النظام الأمومي إلى النظام الأبوي، بل يسجلان التقاء وتصادم تصورين مختلفَين: أحدهما جذوره العميقة في السهوب الأورو-آسيوية، والآخر تمتد أصوله في قلب أفريقيا. وفي البداية كان النظام الأمومي مهيمنًا، وانتشر في كل شواطئ بحر إيجة عن طريق الاستعمار المصري-الفينيقي لشعوبٍ بيضاء أحيانًا، والتي كان ضعفها الثقافي لا يسمح لها بأي رد فعلٍ إيجابي في ذلك العهد. وتلك كانت حالة اللوكيين وبعض شعوب إيجة الأخرى. بَيْدَ أن الكُتَّاب القُدامى يجمِعون على أن هذه الأفكار لم تتغلغل أبدًا بعمقٍ في عالم أوروبا الشمالية الأبيض، وأن هذه الشعوب رفضت هذه الأفكار بمجرد توفر الفرصة لديها لذلك، من خلال سلسلة من ردود الفعل القومية، باعتبارها أفكارًا غريبة على مفاهيمها الثقافية الخاصة. وهذا هو مغزى الإنييد، ومع زوال الإمبريالية الاقتصادية لم يُكتب البقاء للإمبريالية الثقافية المصرية-الفينيقية أبدًا في أشكالها الغريبية تمامًا بالنسبة للعقلية الشمالية.١٩

وسيظل تاريخ البشرية يشوبه الغموض ما دام لم يتم التمييز بين مهدَين أولَين شكَّلت فيهما الطبيعة الغرائز والطِّباع والعادات والمفاهيم المعنوية لكُتلتَي تلك البشرية قبل أن تلتقيا، بعد عزلة ترجع إلى ما قبل التاريخ.

وهذين المهدَين، كما سنرى في الجزء المُخصَّص لإسهام مصر، يتمثل في وادي النيل، ابتداءً من البحيرات العظمى حتى الدلتا، مرورًا بالسودان. وقد تولَّد عن كلٍّ من وفرة موارد الحياة، والطابع الزراعي المستقر لتلك الحياة، والظروف التي يتميز بها وادي النيل، تولَّد لدى الإنسان، أي لدى الزنجي، طابعًا دمِثًا، ومثاليًّا، وكريمًا، ومسالمًا، ومُشبَّعًا بروح العدالة، ومَرِحًا، وكانت تلك الفضائل ضرورية في غالبيتها للتعايش اليومي.

وقد نشأت عن مقتضيات الحياة الزراعية مفاهيم، منها النظام الأمومي والطوطمية والتنظيم الاجتماعي المتقدِّم والديانة التوحيدية. ونجمت عن ذلك مفاهيم أخرى: فالختان نابع من التوحيد؛ وفكرة الإله آمون الذي لم يُخلق، وخالق كل ما في الوجود، هي التي قادت في الواقع إلى فكرة الخنثوية التي تجمع بين الجنسين في جسدٍ واحدٍ. فيما أن آمون لم يُخلق، وبما أنه أصل الخليقة، فمعنى ذلك أنه كان الوحيد الموجود في وقتٍ سابقٍ. ولذا كان يتعيَّن، من وجهة نظر عقلية الأقدمين، أن يتضمن في ذاته عنصرَي الذكورة والأنوثة الضروريَّين لكل إنجاب. وعليه فإن آمون، الإله الأعظم الزنجي في السودان (بما في ذلك النوبة) وبقية أفريقيا بأسرها، هو الإله الصِّرف المصري، الذي ظهر في الميثولوجيا السودانية كخنثى: وقد تولَّد ختان الذكور والإناث لدى العالم الزنجي عن تلك العقيدة الخنثوية في حد ذاتها. ومن الممكن أن نواصل تفسير كافة السِّمات الأساسية المميِّزة للروح الزنجية وحضارتها انطلاقًا من الظروف المادية في وادي النيل.

وعلى النقيض من ذلك، أرست ضراوة الطبيعة في السهوب الأورو-آسيوية، وجدب تلك المناطق، ومجموع الظروف المادية في ذلك المهد الجغرافي، أرست لدى الإنسان الغرائز الضرورية للتكيُّف مع البيئة. ولا تتيح الطبيعة هنا أي أوهام حولها؛ فهي لا ترحم ولا تسمح بأي إهمالٍ. وهنا سيحصل الإنسان على خبزه اليومي بعَرق جبينه، وسيتعلم الاعتماد، قبل كل شيء، على إمكاناته الذاتية من خلال ذلك التواجد المديد والشاق. وهو لا يستطيع أن يسمح لنفسه بأن يؤمن بإله يغدق عليه النِّعَم، ويمنحه إمكانات وفيرة في حياته؛ ولذا فإن الحيِّز الذي يعيش فيه سيولِّد بالأخص معبودات شريرة وطاغية، غيورة وحاقدة؛ زيوس وياهو … إلخ.

وقد ترتبت على هذا النشاط القاسي الذي أملاه الوسط الطبيعي على الإنسان، المادية والصفات البشرية التي تم إضفاؤها على المعبود وكذلك العلمانية. وهكذا أوجدت الطبيعة — شيئًا فشيئًا — تلك الغرائز لدى البشر الذين عاشوا في تلك المنطقة، ولدى الهندو-أوروبيين بشكلٍ خاص. فكل شعوب هذا المهد، سواء كانت بيضاء أو صفراء، ستدفعها غريزة الغزو لأنها ستميل إلى الهرب من تلك البيئة المعادية. فوسط هذه الشعوب يطردها، ويتعين عليها الرحيل أو الهلاك، وأن تحاول الاستيلاء على مكان آخر تحت الشمس في ظل طبيعة رءوفة بها؛ ولذا لن تتوقف موجة الغزو العاتية منذ أن عرفت هذه الشعوب، عن طريق أول اتصال مع العالم الزنجي الجنوبي، أن هناك بلادًا تُتيح حياةً أيسر وثروات أوفر وتقنيات مزدهرة. وهكذا، ومنذ عام ١٤٥٠ قبل الميلاد تتواصل تلك الغزوات من الشرق نحو الغرب، ومن الشمال نحو الجنوب حتى عهد هتلر، مرورًا بالبرابرة في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد وجنيكيز خان والأتراك.

وظل الإنسان في هذه المناطق يعيش حياة الترحُّل لأمدٍ طويل، وهو قاسي الطباع.٢٠

وقد نشأت عبادة النار عن المناخ البارد، وهي لا تزال حية منذ نار ميترا وشعلة الجندي المجهول تحت قوس النصر وشعلات الألعاب الأولمبية القديمة والحديثة. وتولَّد حرق الأموات عن حياة الترحال؛ فهكذا يمكن حمل رماد الأسلاف في جِرار صغيرة. وقد استمر ذلك التقليد عند الإغريق، وأدخله الآريون في الهند بعد عام ١٤٥٠م، ويفسر لنا ذلك حرق جثمان يوليوس قيصر، وغاندي في عهدنا.

وكما ترى كان الرجل عماد هذا النوع من الحياة، وكان دور المرأة في الحياة الاقتصادية محدودًا للغاية بالمقارنة مع دورها في المجتمعات الزراعية الزنجية. ولذا فإن الأسرة الأبوية المترحلة تشكِّل جنين التنظيم الاجتماعي الأوحد. وقد نظم مبدأ الأسرة الأبوية حياة الهندو-أوروبيين منذ عهدي الإغريق والرومان حتى القوانين النابليونية، وأيامنا هذه. ولذا جاءت مشاركة النساء في المسائل العامة متأخرة في المجتمعات الأوروبية بالنسبة للمجتمعات الزنجية.٢١ وإذا كنا نجد عكس ذلك — ظاهريًّا — في بعض أنحاء أفريقيا السوداء فهو يرجع إلى تأثير التقاليد الإسلامية.

نحن إذن بصدد نوعين من التصورات الاجتماعية التي اصطدمت ببعضها وتراكبت معًا في حوض البحر الأبيض المتوسط.

وكان السبق للتأثير الزنجي بالنسبة للتأثير الهندو-أوروبي طوال العصر الإيجي. وكانت آنذاك كل شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط زنجية أو زنجوية التقاطيع؛ المصريين والفينيقيين، وعندما كانت من جنس أبيض كانت تخضع للنفوذ الاقتصادي والثقافي المصري-الفينيقي، وتقع تحت التأثير الديني المباشر لمصر؛ اليونان في عصر البيوثيين؛ وآسيا الصغرى وطروادة؛ والحيثيين، حلفاء مصر، والأتروسك في شمال إيطاليا حلفاء الفينيقيين، وبلاد الغال التي تمر بها القوافل الفينيقية. وكان هذا النفوذ الزنجي يمتد حتى وصل إلى الجرمان الذين كانت بعض قبائلهم تعبد إيزيس الزنجية.

«ووفقًا لما أورده تاسيتوس، كان قسم من السويفيين، وهم شعب جرماني، يُقدِّم القرابين لإيزيس؛ وقد تم العثور فعلًا على نقوش تربط بين إيزيس ومدينة نوريا المؤلَّهة؛ ونوريا هي الآن نومركت بمقاطعة ستيريا. وهناك (في فرنسا) أكثر من محراب لإيزيس، وأوزيريس، وسيرابيس، وأنوبيس، في فريجوس، ونيم، وآرل، ورييز (مقاطعة جبال الألب السفلى)، وباريزت (بمقاطعة إيزير)، وماندويل (مقاطعة الجار) وبولونيا (مقاطعة جارون العليا)، وليون، وبزانسون، ولانجر، وسواسون. وكانت إيزيس تُعبد في مولان، وسيرابيس في يورك وبروجام كاسل، وكذلك في بانونيا ونوريك» (ديانات الكلتيين والجرمان والصقالبة القُدامى، بقلم ي. فنديز، سلسلة «مانا» المجلد الثالث، ص٢٤٤).

ويعود على الأرجح إلى نفس تلك الفترة أصل «العذراوات السوداوات» اللآتي لا تزال تُعبد حتى الآن في فرنسا (نوتردام دي سو-تير، وعذراء شارتر السوداء). وكانت هذه العبادة متأصلة إلى حدٍّ اضطرت معه الكنيسة إلى تكريسها.٢٢ بل إن اسم عاصمة فرنسا قد تُفسِّره عبادة إيزيس.
إن اسم باريسي (Parisii) قد يعني «معبد إيزيس» لأنه كانت توجد على ضفاف النيل مدينة بهذا الاسم، والمقطع اللفظي الهيروغليفي بير (Per) يتخذ شكل معبد في مقاطعة «واز» (بيير هوباك، قرطاجنة، الناشر بلينان، ١٩٥٢م، ص۱۷۰).
ويشير مؤلف هذا الكتاب إلى أن السكان الأوائل للموقع الراهن لمدينة باريس الذين حاربوا يوليوس قيصر كانوا يُدعَوْنَ الباريسيين، دون أن ندري اليوم لماذا أُطلَقت عليهم تلك التسمية. ولكن عبادة إيزيس كانت منتشرة على نطاقٍ واسعٍ، كما نرى، في فرنسا وخاصة في الحوض الباريسي، وكانت توجد هناك في كل مكان معابد لإيزيس وفقًا للمصطلحات الغربية، ولكن من الأسلم أن نقول «دور إيزيس» لأن تلك المعابد كانت تُسمى باللغة المصرية بير (Per) وهي تعني بكل دقة باللغة المصرية القديمة، وكذلك باللغة الوُلوف الحالية، السياج الذي يحيط ببيتٍ. واسم باريس يعود على الأرجح إلى الجمع بين الكلمتين بير-إيزيس، وهي الكلمة التي تُشير فعلًا إلى مدن في مصر، كما أورد ذلك هوباك (نقلًا عن ماسبيرو).

وهكذا يكون أصل تسمية عاصمة فرنسا مصدره — في واقع الأمر — من لغة الوُلوف الراهنة، ويتبين لنا أيضًا مدى انقلاب الوضع!

وهناك سِمات ثقافية أخرى مشتركة بين أقصى الغرب وأفريقيا السوداء؛ فكلمة كير (Ker) تعني بيتًا باللغات المصرية والوُلوف والبريتانية، ودانج (Dang) تعني مُقامًا بالوُلوف والإيرلندية، ودون (Dun) تعني جزيرة بالولوف، كما تعني أيضًا مكانًا يحيط به سياج، ومعزول، باللغة الكلتية وبالتالي بالأيرلندية أيضًا، ومن هنا جاءت أسماء مدن فرنسية مثل فير-دون، وشاتوه-دون، ولوج-دون-أوم (الاسم الأصلي لمدينة ليون) … إلخ.
وهناك تقارب آخر ملفت للنظر بدرجة أكبر، ويستحق التمعن فيه، فالعلاقة بين المفرد والجمع يتم التعبير عنها بشكلٍ غريبٍ في عددٍ كبير من أسماء الوصف البريتانية، كما يوجد شيء مماثل إلى حدٍّ ما بلُغة الغال. فالمفرد في هاتين اللغتين يتكوَّن على العكس من الجمع مضافًا إليه إن (Enn)، ومثال ذلك: ستيرد (نجوم) ومفردها ستيرد-إن، ودلوز (سمك التروتة) ومفردها دلوز-إن.

«ويتعين أن نبحث عن هذا المعنى المتميز للمقطع المضاف للدلالة على المفرد، في مغزاه كاسم تصغير» (والتر فون فارتبورج، مشاكل ومناهج علم اللسان، المطابع الجامعية الفرنسية، ١٩٤٦م، ص٧٠).

ويتعين أن ننسب إلى نفس ذلك التأثير تواجد معبودات آني (Ani) لدى الأيرلنديين والأتروسك.

والتأثير المصري-الفينيقي على الأتروسك واضح تمامًا، وكذلك على السابيين، الذين يُشير كلٌّ من اسمهم وعاداتهم إلى الحضارات الزنجية الجنوبية.

والتمييز بين مهدَي الحضارة الذي تحدثت عنه منذ قليلٍ يتيح تجنُّب أي خلط أو غموض بخصوص أصل الشعوب التي التقت معًا في شبه الجزيرة الإيطالية.

كان السابيون والأتروسك يدفنون الجثث، وكان الأتروسك يعرفون التابوت المصري ويستخدمونه، كما أن هذه الشعوب كانت زراعية، وكانت حياتهم تجري على النظام الأمومي. وقد نقل الأتروسك عناصر الحضارة المصرية إلى شِبه الجزيرة الإيطالية؛ الزراعة، والفنون، والديانة، وفن التأليه. وقد استوعب الرومان جوهر تلك الحضارة عندما قضَوا على الأتروسك، وتخلَّصوا، في الوقت نفسه، من العناصر الغربية على مفهومهم الأبوي الأوروبي-الآسيوي. وهكذا تم لفظ النظام الأمومي الزنجي تمامًا بعد العهد الانتقالي لأسرة تاركان، آخر الملوك الأتروسك. وليست قصيدة الأنبيد الملحمية لفرجيليوس الروماني، إلا تعبيرًا عن إدراك ذلك الخط الفاصل الذي نجد المقابل له في ثلاثية أوريستيا الدرامية لأخيلوس في اليونان.

إنها نهاية عالمٍ قديم وبداية عالم جديد، فقد أُزيحت الثقافة الزنجية من الحوض الشمالي للبحر الأبيض المتوسط بجوانبها الغريبة إلى أقصى حدٍّ عن المفاهيم الأورو-آسيوية، ولن يكون هناك وجود، لدى الشعوب الفَتِيَّة لتلك الثقافة التي أتاحت لها التوصل إلى الحضارة إلا على شكلٍ أساسي ظلَّ راسخًا مع ذلك حتى إننا نستطيع أن نحدد حاليًّا مدى حجمه، وبوسعنا أن نضيف إلى ذلك أن اللبؤة الرومانية تعيد بالأحرى إلى الأذهان الطوطمية الزنجية الجنوبية، وأن مصدر اسم السابيين هو على الأرجح سبأ.

وهكذا يكون تاريخ البشرية واضح المعالم تمامًا، إذا أردنا ذلك. فعلى الرغم من أعمال السلب والنهب والتدمير المتكررة، منذ قمبيز والرومان ومسيحيي القرن السادس الميلادي في مصر، والفاندال … إلخ، يتوفر لدينا قدرٌ كافٍ من الوثائق لكتابة تاريخ واضح للبشرية. والغرب الحالي يدرك ذلك تمامًا، ولكن الشجاعة الفكرية والمعنوية تعوزه فنجد أن الكتب المدرسية يشوبها الغموض المتعمَّد، ولذا يتعين علينا، نحن الأفارقة، أن نعيد كتابة تاريخ البشرية بأسره من أجل استنارتنا نحن واستنارة الآخرين أيضًا.

وبوسعنا أن ننسب إلى نفس التأثير الزنجي الواقع اللغوي الصوتي الذي أفادنا به فون فارتبورج الذي نوَّه بطابعه العام.

«إن تحويل اﻟ (ll) إلى دد (dd) (وهو صوت ينثني فيه طرف اللسان ليلمس سقف الحلْق، بل وأحيانًا الجزء السفلي من اللسان) في سردينيا وصقلية وأبولي وكلابريا، لا يُمثل تغييرًا أقل شأنًا من حيث المبدأ، ولا أهمية أقل قدرًا. فوفقًا لمرلو (Merlo)، ترجع هذه الطريقة في النطق إلى الشعب المنتمي إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، والذي تواجد في البلاد قبل أن تصبح رومانية. ومع أنه توجد أصوات من هذا النوع أيضًا في لغات أخرى، إلا أن التحول في النطق الذي تم هنا على نطاقٍ واسع للغاية، وفي مجال يمتد عبر البحار، له طابعٌ قديمٌ بشكلٍ واضح تمامًا لدرجة أن مفهوم مرِلو يبدو حقيقيًّا فعلًا. وهناك بالطبع اعتراض رولفس (Rohlfs) بأن هذا النوع من الأصوات يوجد في جهات أخرى أيضًا، ولكنها حالات تؤكد بالأحرى وجهة نظر مرِلو. فقد كشف بوت (Pott) وبِنْفِي (Benfey) منذ مدة طويلة أن ذلك النطق الذي أدخلته اللغات الآرية التي كان يتكلمها غزاة الديكان جاءت عن طريق الشعوب الدرافيدية الأصل» (فون فارتبورج، المرجع السابق، ص٤١).

وهكذا نجد أن إدخال تلك الأصوات في اللغات الآرية بالهند، عندما اجتاحت هذا البلد شعوبٌ شمالية جلفة، يعود إلى تأثير الزنوج الدرافيديين. وبوسعنا أن نتصور أن ذلك كان شأن حوض البحر الأبيض المتوسط أيضًا؛ خاصة وأن اللغة المصرية واللغات الزنجية مشبَّعة بتلك الأصوات.

ومن جهة أخرى، كان الفلاحون يوارون موتاهم التراب في المكسيك قبل وصول كريستوف كولومبس، بينما كانت تُحرق جثث المحاربين. ويمكن تفسير ذلك من خلال التمييز المذكور آنفًا، بين المهدَين الأولَين للبشرية. ويبدو أن شعوبًا من الجنس الأبيض جاءت من الشمال، وزنوجًا جاءوا من أفريقيا عن طريق المحيط الأطلسي قد التقَوا في القارة الأمريكية، واندمجوا تدريجيًّا فنشأ عن ذلك — على الأرجح — الجنس المائل للاصفرار.

بيد أنه يتعيَّن أن أُقدِّم هنا توضيحًا؛ فعندما أقول إن العرب واليهود، أي الفرعَين العرقيين اللذين نعرفهما الآن تحت تسمية الساميين، هم خليط من الزنوج والبيض، فإن ذلك يتفق مع حقيقة تاريخية يمكن إثباتها على الرغم من الكتمان الذي أحاطها طويلًا. وعندما أقول إن الصُّفر هم خليط من السود والبيض، فليس ذلك إلا افتراضًا للعمل به، يستحق الاهتمام به للأسباب التي سُقتها آنفًا.

والافتراض القائل بأن الإنسان تواجَد في كل مكان في آنٍ واحد، افتراض جذَّاب علميًّا، ولكنه سيظل غير مقبول ما دام لم نعثر على حفريات بشرية في القارة الأمريكية التي لم تكن مغمورة بالمياه في العصر الجليدي الرابع الذي ظهر فيه الإنسان، وكانت بها كافة المناطق المناخية ابتداءً من القطب الجنوبي حتى القطب الشمالي.

ويؤكد كل ما سبق أهمية إجراء دراسة منتظمة للمصادر اللغوية التي انتقلت من اللغات الزنجية (المصرية وغيرها) إلى اللغات الهندو-أوروبية طوال فترة الاتصال هذه. ويمكننا أن نسترشد في ذلك بمبدأَين: أولًا، أسبقية الحضارة وأشكال التنظيم الاجتماعي في البلاد الزنجية، مثل مصر. ثانيًا كَوْن الكلمات المعبرة عن فكرة تنظيم اجتماعي أو واقع حضاري، مشتركة بين اللغة المصرية واللغة اللاتينية الإغريقية، دون أن يكون لها أثر في اللغات الأخرى المنتمية إلى الأسرة الهندو-أوروبية.

ومن الأمثلة في هذا الصدد:
  • ماكا: محارب قديم باللغة المصرية (بييريه).
  • ماج: كبير، محارب قديم، مهيب بالوُلوف.
  • كاي ماج: الكبير، المهيب بالوُلوف.
  • كايا ماجان: الكبير، الملك، … وهو اللفظ الذي كان يُستخدم للإشارة إلى إمبراطور غانا من القرن الثالث حتى عام ١٢٤٠م، وكانت اللغة المُستخدَمة السراكوله (أو لغة مقارِبة لها). وعلى أي حال فمن الواضح أنها كانت مشابهة للوُلوف.
  • مانيوس: كبير باللغة اللاتينية: ولم يَرِدْ ذكر للاتينيين في التاريخ إلا ٥٠٠ سنة قبل الميلاد.
  • كارل مانيوس: شارلمان، شارل الكبير، أول إمبراطور في الغرب تم تتويجه في عام ٨٠٠م.
  • ميجا: كبير باليونانية.

ولا نجد المصدر مانيوس في مفردات اللغات الأنجلو سكسونية والجرمانية اللهم إلا كاستعارة واضحة من اللاتينية.

  • ماك: اسم علم اسكتلندي يؤكد ما جاء من قبل.
  • كورا: آلة موسيقية في أفريقيا الغربية المتكلمة بالفرنسية! كور: أغنية (باليونانية).
  • رع: إله مصري ترمز إليه الشمس، وهو لقب لفرعون.
  • روج: إله سماوي عند السيرير، يتمثَّل صوته في الرعد.
  • ركس: ملك باللاتينية.

ولا نجد في اللغات الأنجلو-جرمانية إلا كلمتَي كينج وكونيج.

وبوسعنا أن ندرس بنفس الطريقة كلمة هيمن (ومعناها الزواج بالفرنسية) التي تعود بالأحرى إلى النظام الأمومي الزنجي، وتُعيد إلى الذهن كلمة «من» التي تعني الانتساب إلى الأم بالوُلوف، وتعني أيضًا الثدي بالمصرية والوُلوف، وتشير إلى أول ملوك مصر، واسمه المُحَوَّر مينا، وهكذا يتضمن هذا الاسم فكرة نقل السلطة السياسية عن طريق الانتساب للأم؛ ولذا فليس من باب المصادفة أن الملك السوداني الذي وضع قواعد أول عبادة للشمس في النوبة يحمل اسم من-ثيو، وهو معاصر لمينا أو سابق عليه.

وكذلك كلمة جِلِبْ، وتعني كتلة من الطين باللاتينية، وجِب التي تعني الأرض بالمصرية.

ومن الممكن دراسة مشتقات كلمة تيران (طاغية)، والعديد من الكلمات الأخرى.

والواقع أنه عندما يقول النازيون إن الفرنسيين من سلالة زنوج، فإن ذلك يقوم على أساس تاريخي حقيقي من حيث إنه يشير إلى اتصال الشعوب ببعضها في عصر إيجة، هذا مع استبعاد ما يقصده النازيون من تحقير من شأن الفرنسيين. ولكن الأمر ليس صحيحًا بالنسبة للفرنسيين وحدهم، بل هو أكثر من ذلك بالنسبة للإسبان والإيطاليين واليونانيين … إلخ، أي جميع تلك الشعوب التي يريدون تبرير لونها الأقل بياضًا بالمقارنة مع الأوروبيين الآخرين بسكناها الجنوب. أما الجانب الباطل في نظريات النازي فهو مسألة التفوق العِرقي، بَيْدَ أنه من المؤكد منذ العصر الجليدي الرابع أن الجنس الشمالي ذا العيون الزرقاء والشعر الأشقر هو الذي كان الأقل تهجينًا. بل إن تلك النظريات النازية تثبت ما قلته من قبل حول سوء نوايا المتخصصين. فهي تُبيِّن، في الواقع، أن التأثير الزنجي على منطقة البحر الأبيض المتوسط ليس سرًّا بالنسبة لأي عالم، وهم يتظاهرون بأنهم يجهلون ذلك، ولكنهم يستخدمونه عند الحاجة.

ووفقًا للينورمان، فإن الفلسطينين (Philistins) وهم يافثيون من جنس أبيض، اجتاحوا شواطئ بلاد كنعان في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وقد ألحق بهم الهزيمة رمسيس الثالث الذي حطَّم أسطولهم، وحال بذلك دون تمكُّنهم من العودة عن طريق البحر. وهكذا اضطر فرعون إلى إيواء شعبٍ بأسره — على نحو ما — لحرمانه إياه من إمكانية الخروج. وقد أعطاهم أراضي استقروا فيها. وبعد قرنين من التطورات، دمَّر الفلسطينيون صيدا في القرن الثاني عشر، في نفس الفترة التي تلقَّت فيها طروادة نجدة من ملك مصر مكوَّنة من ١٠ آلاف إثيوبي، وتم تدميرها على يد الإغريق، وأسس الفينيقيون صُور التي أوَت لاجئي صيدا ونمت.

وأصبحت إسبانيا مرسًى في الطريق إلى موربيهان (فرنسا) وجزر سورلنج (إنجلترا، أيرلندا) حيث كان الفينيقيون يتوجهون لجلب القصدير الذي كانوا يستخدمونه لصُنع البرونز.

وتم استعمار إسبانيا بسرعة وبلغ التهجين حدًّا كبيرًا حتى إن الإغريق اعتبروا جنس أهالي شبه الجزيرة الأيبرية (طارسيس) من أصل كنعاني. وإذا كان الإسبان الآن أشد الأوروبيين اسمرارًا، فإن هذا التهجين يعود — بدرجة أكبر — إلى ذلك الاختلاط، لا إلى اتصالهم مؤخرًا بالعرب، هذا مع استبعاد التأثيرات العِرقية التي كان من الممكن أن تنتج عن تواجد الجنس الأسود الجريمالدي في جنوب أوروبا في نهاية العصر الحجري الجديد.

«وبعد قرنٍ واحدٍ من تأسيس قابس، كان سكان صُور يسيطرون، كسادة لا منازع لهم، على أغنى وأخصب مناطق باتيكا (الأندلس تقريبًا فيما بعد)، وكل وادي البيتيس (الوادي الكبير)، وعلى التورديتانيين والتوردول، وعلى امتداد بلاد الباستول. وقد نقلوا هناك أعدادًا كبيرة من الليبيين-الفينيقيين لكي يتوفر لديهم مستوطنون يتولَّون شئون الزراعة. وقد امتزج جنسهم مع الأهالي الأصليين إلى درجة أن سكان مدن تورديتانيا في أيام سترابون، كانوا في غالبيتهم من أصل كنعاني، حسب قول هذا الجغرافي الإغريقي. أما الذين كانوا يسكنون الشواطئ المجاورة لملقا وأدبير فكانوا لا يزالون يحملون اسم الباستولوفينيقيين أو الليبي-فينيقيين حتى في ظِلِّ سيطرة الرومان، وتفيدنا الأوسمة بأن اللغة الفينيقية كانت لا تزال تُستخدَم في نفس الفترة في مدن قابس وملقا وصفاقس وأدبير» (لينورمان، المرجع السابق، ص٥٠٩-٥١٠).

وعليه، فإن الاستيطان الروماني تغلَّب على الاستيطان الفينيقي، في إيطاليا أولًا، حيث تم تدمير كل ما يمكن أن يبقي على ذكرى الأتروسك (الآثار، اللغة …) ثم في إسبانيا وأفريقيا بالقضاء على قرطاجنة.

وكانت قرطاجنة إحدى المستوطنات الفينيقية الأخيرة التي أسستها الملكة اليسار على الشاطئ الأفريقي في عام ۸۲۲ق.م. في عهد ليكورجوس باليونان.

ومنذ ١٤٥٠ق.م. كان الليبيون البيض، وهم من شعوب البحار، أو الريبو قد اجتاحوا شمال أفريقيا، غرب مصر، وقد توفر لهم الوقت للانتشار على امتداد الشاطئ باتجاه الغرب، وذلك قبل تأسيس قرطاجنة كما أفادنا بذلك هيرودوت. وكانت المناطق الداخلية مأهولة إذن بزنوجٍ من سكان البلاد الأصليين منذ العهود القديمة وبقبائل ليبية من جنس أبيض ومنها قبيلة الماس. وتم التهجين تدريجيًّا، على غرار إسبانيا، وكان القرطاجنيون زنجويين، سواء كانوا من أبناء الشعب أو منتمين إلى الطبقة الحاكمة. ومن المعروف أن القائد القرطاجني هانيبال الذي كاد أن يُدمِّر روما، ولا يزال يُعتبر من أعظم القادة العسكريين الذين عرفهم العالم، كان من أشباه الزنوج. وبوسعنا أن نقول إن هزيمته أذنت بنهاية تفوق العالم الزنجي أو شبه الزنجي. وانتقلت الشعلة — منذ ذلك العهد — إلى السكان الأوروبيين في شمال البحر الأبيض المتوسط. وقد انتشرت بعد ذلك حضارة هذا البحر التقنية من شواطئه نحو داخل القارة، على عكس ما جرى في أفريقيا. وهكذا بدأت سيطرة شمال البحر الأبيض المتوسط على جنوبه، وظلَّت أوروبا تسيطر منذ ذلك العهد على أفريقيا حتى أيامنا هذه، فيما عدا الفتح الإسلامي، وذلك لأن التغلغل الأوروبي في أفريقيا، والسيطرة التي اكتملت في نهاية القرن التاسع عشر، بدآ مع انتصار روما على قرطاجنة.

وعندما ندرس الحضارة التي قامت في حوض البحر الأبيض المتوسط يتعين علينا أن نؤكد الدور الأساسي الذي قام به الزنوج وأشباه الزنوج في فترة كانت فيها الأجناس الأوروبية لا تزال همجية، وتكاد توشك أن تصبح أهلًا للتَحَضُّر.

«غير أنهم (الفينيقيين) كانت لديهم في كل مكان تلك الوكالات التي كان لها تأثير هائل على مختلف البلدان التي أقاموها فيها. وقد أصبحت جميعها نواة لمدن كبيرة؛ ذلك لأن الأهالي الأصليين الذين كانوا لا يزالون من الهمج، راحوا يتجمعون بسرعة حول الصناعات الفينيقية تجتذبهم المزايا التي وجدوها فيها، وإغراءات الحياة المُتحضِّرة. وكانت جميع هذه الوكالات مراكز نَشِطَة لنشر الصناعة والحياة المادية. والشعب الهمجي لا يزاول التجارة النشطة على مدى طويل مع شعب متحضر دون أن يستعير — شيئًا فشيئًا — بعض ثقافته، خاصة عندما يتعلق الأمر بأجناس ذكية وأهل للتقدم كما كانت أجناس أوروبا. وقد تولدت لديهم احتياجات جديدة، فهم يتطلعون بنهمٍ إلى المنتجات المُصنَّعة التي يحضرونها لهم، ويكتشفون ذلك الترف الذي لم يكن قد تبادر إلى أذهانهم من قبل. وسرعان ما دفعتهم الرغبة في معرفة أسرار تلك الصناعات والإلمام بالفنون التي تنتجها، والعكوف على استخدام الموارد التي توفِّرها أراضيهم بأنفسهم، بدلًا من مواصلة توريدها لهؤلاء الأجانب الذين يُجيدون الاستفادة منها.»

«وهذا التأثير المباشر للحضارة على البربرية متأصل تمامًا في الطبيعة البشرية حتى إنه يحدث بطريقة شبه لا واعية على الرغم من الحساسيات والحقد والعداء، بل والحروب التي قد تنشب بين التجار والشعوب التي يتعاملون معها. وقد حدث ذلك بين الفينيقيين والإغريق، مع أن العلاقات لم تكن ودِّية على الأقل في البداية» (لينورمان، المرجع السابق، ص٥٤٣).

وتعود تجارة الرقيق الأبيض مع العالم الأسود، والتي لا يمكن أن نُقلِّل من دورها في تغيُّر لون بشرة المصريين إلى أفتح، إلى عهد الهيمنة الفينيقية هذه. والنص التالي لا يترك مجالًا للشك حول حقيقة تلك التجارة ومداها، وكذلك على مدى التباين بين لون المصريين السود والبيض في الشواطئ الشمالية:

«السفن الفينيقية المُحمَّلة بسلع واردة من مصر وآشور ترسو في ميناء المدينة الإغريقية، وهي تبسط حمولتها على الشاطئ الرملي طوال خمسة أو ستة أيام لإتاحة الوقت للسكان المقيمين داخل الأراضي للحضور والمشاهدة والتبضع. وبدافعٍ من الفضول تتقدم نساء البيلوبونيز بلا ارتيابٍ حتى يقتربن من السفن. ومن بينهن أيو ابنة الملك إيناخوس. ويهجم القراصنة عند الإشارة المصطلَح عليها على الإغريقيات الجميلات ويختطفونهن، وترفع السفينة مرساها بلا إبطاء وتقلع إلى مصر. وكان على فرعون أن يدفع ثمنًا باهظًا لقاء تلك الفتيات ذوات البشرة البيضاء والتقاطيع الصافية للغاية المناقِضة تمامًا لتقاطيع القطيع البشري الذي كانت تُحضِره جيوشه من سوريا» (لينورمان، نفس المرجع، ص٥٤٣).

وبوسعنا أن نذكر أيضًا، في إطار هذه الوقائع، اختطاف أومايوس، ابنة ستيسيوس، وهو من أعيان سيروس، على يد الفينيقيين، واختطاف باريس ابن بريام لهيلينا، الذي جرى على الأرجح في ظروف مشابهة، إذا ما تذكَّرنا أن فرعون مصر أرسل عشرة آلاف إثيوبي لإغاثة طروادة التي كان يتولى الدفاع عنها الملك بريام وابنه باريس.

وكان تهجين الكنعانيين أسرع مما كان بين المصريين نظرًا لقلة عددهم نسبيًّا، ولتواجدهم على طريق هروب هذه الشعوب البيضاء، التي انتهى بها الأمر إلى غزوهم من كافة الأنحاء. ويبدو أن الشعب اليهودي، أي أول فرع أبيض سُمِّي الجنس السامي، ابتداءً من إسحاق، لم يكن إلا نتاجًا لذلك التهجين كما رأينا ذلك آنفًا؛ ولذا فقد كتب مؤرخ لاتيني يقول إن اليهود من أصل زنجي.

أما الروح الفجَّة والتجارية التي يتسم بهما سِفرا التكوين والخروج في التوراة، فتعكس الظروف التي واجهها الشعب اليهودي منذ البداية.

كما أن الإنتاج الفكري لليهود منذ أصوله حتى أيامنا هذه تُفسِّره هو أيضًا الظروف الدائمة التي عايشوها؛ فقد شكَّلوا مجموعات صغيرة من عديمي الجنسية وسط الأمم، منذ تشتتهم، وتعرَّضوا دائمًا لقلقٍ مزدوجٍ؛ ضمان وجودهم المادي وسط بيئة معادية في الكثير من الأحوال، والخوف من التعرُّض لعمليات الاضطهاد الدورية. ففي الماضي، كانت الظروف الطبيعية في السهوب الأوروبية-الآسيوية لا تتيح أي أوهام ولا أي خمول، وإذا كان الإنسان لم يُقِم هناك حضارة رائعة فإن الأمر يرجع إلى البيئة المعادية له تمامًا. أما الآن فإن الظروف السياسية والاجتماعية هي التي تحرم اليهود أي دعة فكرية. فاليهود لم يصبح لهم ذكر في التاريخ إلا مع قدوم النبيَّين داود وسليمان، أي في بداية الألف الأولى قبل الميلاد، في عهد ملكة سبأ. وكانت قد مضت عدة آلاف من السنوات على الحضارة المصرية، ومن باب أولى الحضارة النوبية السودانية.

وقد استولى نابوزنخسر على البلد، فيما بعد، ونَقَلَ السكان اليهود إلى بابل، وتلك هي الفترة المسماة مرحلة الأسر.

وقد تفرَّق اليهود — شيئًا فشيئًا — واختفت الدولة اليهودية بسرعة، ولم تعد إلى الظهور من جديدٍ إلا مع الصهيونية الراهنة؛ بن جوريون.

ولقد أثبتت، بكل وضوحٍ، التنقيبات الأنتروبولوجية القليل، التي تجاسر البعض على القيام بها، أن الفينيقيين لم تكن بينهم وبين النموذج السامي الرسمي أي جوانب مشتركة.

ولما كان الفينيقيون قد تنقَّلوا في كافة أرجاء حوض البحر الأبيض المتوسط، فقد جرى البحث عن هياكلهم في مختلف أنحاء ذلك الحوض. وهكذا تم العثور على جماجم، من المفترض أنها لفينيقيين، في غرب ميناء سرقوصة بجزيرة صقلية، ولكن هذه الجماجم مستطيلة وبارزة الفكين، أي إنها ذات سمات زنجوية.

«أما جماجم إيطاليا نيكاسترو، فكل ما نعرفه حول هيئتها وتكوينها يتلخص في السطور التالية؛ كانت الجماجم التي تم فحصها منخفضة الصدغين ولها شكل المعيَّن تقريبًا، ومجموعة الأسنان بارزة للغاية وكاملة ومرتَّبة بشكلٍ جيدٍ … والشكل المستطيل ذو الفكَّين الناتئَين المميز لجماجم الجنس المدفون (جماجم تم العثور عليها في غرب سرقوصة)» (أوجين بيتار، الأجناس والتاريخ، سلسلة تطور البشرية، نهضة الكتاب، ١٩٢٤م، ص۱۰۸).

وقد نقل إلينا أيضًا أوجين بيتار وَصْفًا لبرتولون يتعلق بالقرطاجنيين والباسك، وهم في اعتقاد برتولون فرع من القرطاجنيين. وهذا الوصف هام من حيث إن صاحبه يُقدِّم — في الواقع — نموذجًا زنجيًّا دون أن يدري:

«لقد صوَّر لنا (برتولون) الأشخاص الذين اعتبرهم السلالة الحالية للقرطاجنيين القُدامى، على الوجه التالي: كانت بشرة هؤلاء الأفراد سمراء للغاية. ويرتبط ذلك باعتياد الفينيقيين على صبغ تماثيلهم بلون بُني ضارب إلى الاحمرار لكي يُعطي ذلك لون البشرة … والأنف مستقيم ومُقوَّر قليلًا أحيانًا، وهو لحيم في الكثير من الأحوال، ومنتفخ في طرفه في بعضها. والفم متوسط وعريض إلى حدٍّ كبير في بعض الحالات، والشفاه غليظة في أغلب الأحوال، والوجنتان بارزتان بدرجة قليلة» (بيتار، المرجع السابق، ص٤٠٩).

ومن الواضح أننا بصدد وصف للزنجي، أو على الأقل للزنجوي، وذلك رغم التوريات.

وهناك فقرة أخرى لنفس المؤلف تُبيِّن أن الأرستقراطية القرطاجنية كانت كلها ذات انتسابات زنجية.

«وهناك عظام أخرى تم العثور عليها في قرطاجنة، تعود إلى مرحلة صراعها مع روما ومُودَعة في متحف لافيجيري، وهي لأفراد تم اكتشافهم داخل توابيت متميزة تخص، على ما يبدو، النخبة القرطاجنية، وكل الجماجم هنا تقريبًا مستطيلة … والوجه قصير إلى حدٍّ ما …» (ص٤١١).

والجمجمة المستطيلة والوجه القصير يُميزان الزنجي. وهناك فقرة أخرى أهم لنفس المؤلف، وهي تثبِت أن الطبقة العليا في المجتمع القرطاجني كانت زنجية أو زنجوية.

«إن الذين زاروا، خلال السنوات الأخيرة، متحف لافيجيري في قرطاجنة، يتذكرون ذلك التابوت الفخم لكاهنة تانيت، الذي اكتشفه ب. ديلاتر، وهذا التابوت المُحلَّى بالزخارف أكثر من أي تابوت آخر، تم اكتشافه هناك، وهو أجملها من الناحية الفنية، وتمثل صُورته الخارجية على الأرجح الكاهنة ذاتها، مما يشير إلى أن التابوت كان يخص بالضرورة شخصية دينية رفيعة المقام، وكانت المرأة المُودَعة داخله متميزة بسماتها الزنجوية؛ لقد كانت أفريقية الجنس» (ص٤١٠).

والاستنتاج الذي يستخلصه المؤلف من هذا النص هو أن عدة أجناس كانت تتعايش معًا في قرطاجنة. ونحن نوافقه على ذلك، كما يتضح من كل ما جاء آنفًا. ولكن هناك استنتاج آخر يفرض نفسه بدرجة أكبر لم يستخلصه المؤلف، وهو أن من بين تلك الأجناس المتعايشة معًا، كان الجنس الذي يحتل أعلى المراتب الاجتماعية ويحظى باحترامٍ أكبر، ويتولى القيادة السياسية، وترجع إليه تلك الحضارة، كان زنجويًّا، حسب الأدلة المادية التي تم العثور عليها، اللهم إلا إذا نبع التفسير من أفكار مسبقة.

فلو افترضنا أن قنبلة ذرية سقطت فوق باريس وتركت المدافن سليمة، فإن الأنتروبولوجيين الذين سيفتحون المقابر لتحديد نوعية الجنس الفرنسي، سيجدون أيضًا أن الفرنسيين لم يكونوا الوحيدين المقيمين في باريس. ومن جهة أخرى لا يمكن أن نتصور أن الجثمان الموجود في أفخم مقبرة فريدة من نوعها، مثل مقبرة نابليون في الأنفاليد، يخص عبدًا أو شخصًا ما مجهول الهوية!

ولذا فمن الممكن تحديد سِمات الجنس الفينيقي بدقة أشد لو أرادوا ذلك، وكذلك كل الأجناس الزنجية الأخرى الشبيهة بها، والتي يعود إليها فضل قيام الحضارة.

بل ومن الممكن تحقيق ذلك انطلاقًا من اعتبارات أنتروبولوجية بحتة، على الرغم من أن الخبرة تُثبت أنه يمكن الدفاع عن كل الأطروحات المبتغاة في هذا المجال.

إن الملايين تُنفَق للحَفر في أراضٍ صلصالية في بلاد ما بين النهرين، على أمل العثور على وثائق تُثبت — بكل تأكيد وحسم — أن مهد الحضارة كان في غرب آسيا.

ومع أن القائمين بذلك يعقدون آمالًا ضئيلة في بلوغ مراميهم، إلا أنهم يواصلون العمل كما لو كان الروتين قد توصَّل إلى منعطف نهائي. وعلى العكس من ذلك فإن موقع المقابر الفينيقية معروف بدقة، وكل ما هو مطلوب هو فتحها للتعرُّف على جنس الأجداث الموجودة داخلها. ولكن هناك احتمالات كبيرة بأن تكون زنجية إلى حدٍّ يصبح معه من المستحيل إنكار ذلك؛ ولذا فالأفضل ألا يمسها أحد.

«ولكي نتعرف بدقة على الصفات الأنتروبولوجية للفينيقيين القُدامى، يتعين أن توجد تحت أيدينا الهياكل المُودَعة في مدافن العصر الفينيقي الكبير، على شواطئ صيدا وصُور، حيث ازدهرت قوتهما بوصفهما مدينتَين تجاريتَين. غير أن هذه الوثائق لم توضع بعد للأسف تحت تصرُّف الإتنولوجيين، ولا شك أن النقاب سيُرفع عنها يومًا ما عندما ستجرى عمليات تنقيب منتظمة تؤدي إلى الحفاظ على الموجودات الأثرية والهياكل في آنٍ واحد» (بيتار، المرجع السابق، ص٤٠٧).

وهذه الكلمات ترجع إلى عام ١٩٢٤م، ولم تتم منذ ذلك التاريخ إلا حفريات قليلة في المنطقة (رأس شمرا، وقد توقَّفت في عام ۱۹۳۹م). وقد تم اكتشاف العديد من الوثائق بمحض الصدفة. وتَبيَّن من أقدم المقابر التي تم العثور عليها في فينيقيا، وهي تعود إلى العصر الحجري الحديث، واكتشفها م. ن. دونان في جبيل، أنها تخص نموذجًا بشريًّا اعتبره الدكتور فالوا جنسًا أسمر من منطقة البحر الأبيض المتوسط، حسب ترتيب سيرجي. غير أن هذا الجنس الأسمر ليس إلا جنسًا زنجيًّا، ومن جهة أخرى تعرَّضَت بعض تلك الجماجم لتشويه نجده حتى الآن لدى الزنوج المانجبيتو في الكونغو.

«لقد استنتج الدكتور فالوا من العِظام التي فحصها أنها لأفرادٍ ذوي جماجم مستطيلة وصغيرة تخص الجنس «الأسمر المنتمي للبحر الأبيض المتوسط حسب ترتيب سيرجي» وبعض الجماجم بها تشويه متعمَّد تم تحقيقه بطريقة اصطناعية، بربط الجمجمة، مما أدى إلى استطالتها من الأمام إلى الخلف، على شكل بيضة، بحيث يتم تحقيق التشويه الذي ظهر في عصر تل العمارنة في العديد من الآثار، وبالأخص بالنسبة لشخصيات الأسرة المالكة» (د. كونتينو، الحضارة الفينيقية، ١٩٤٩م، الناشر بايو، ص۱۸۷).

(٤) مشكلة الجنس المصري كما رآها وعالجها الأنتروبولوجيون

قد يتصور المرء أن هذه القضية أنتروبولوجية أساسًا، وبالتالي فإن استنتاجات الأنتروبولوجيين ستُبدد كل الشكوك بإفادتنا بحقائق ثابتة وقاطعة.

والأمر ليس كذلك؛ فالطابع المتعسِّف للمعايير المستخدَمة، مع استبعاد فكرة استنتاج يمكن قبوله بلا انتقادٍ، يلجأ إلى العديد من «التعقيدات البارعة» حتى إن المرء يتساءل أحيانًا … ألم تكن المشكلة أقرب إلى الحل، لو لم تُعالج بتلك الطريقة؟

ومع أن استنتاجات تلك الدراسات الأنتروبولوجية أقل من الحقيقة، إلا أنها تشهد مع ذلك — وبالإجماع — بأن جنسًا زنجيًّا تواجد منذ أقدم عصور ما قبل التاريخ حتى عهد الأسرات. ويستحيل أن نذكر هنا كافة تلك الاستنتاجات، وهي معروضة باختصارٍ في الفصل العاشر من كتاب ما قبل التاريخ، وما قبل ظهور الكتابة في مصر، للدكتور إميل ماسولار (معهد الإتنولوجيا، باريس، ١٩٤٩م)، وسنكتفي هنا بذكر بعض تلك الاستنتاجات.

«وترى الآنسة فاوسيت أن جماجم نقادة تُشكِّل مجموعة متجانسة بما فيه الكفاية حتى إنه يمكننا أن نتكلم عن جنس نقادة؛ فهو جنس أقرب إلى الجرمان من حيث الارتفاع الكُلِّي للجمجمة، وارتفاع الأُذنين، وارتفاع الوجه وعرضه، وارتفاع الأنف، ومعامل الدماغ ومعامل الوجه وارتفاع المحجر وطول سقف الحلْق ومعامل الأنف.»

«… وهكذا فإن أهل نقادة في عصور ما قبل الأسرات يُشبهون الزنوج بحكم بعض سِماتهم والأجناس البيضاء بحكم سمات أخرى» (نفس المرجع، ص٤٠٢ و٤٠٣).

والسِّمات التي تُقرِّب جنس نقادة المصري في عصور ما قبل الأسرات من الزنوج سمات أساسية، على عكس تلك التي تُقرِّبهم من الجرمان، ومن جهة أخرى فإن «معامل الأنف» عند الإثيوبيين والدرافيديين يقربهم من الجرمان مع أنهما من الجنس الأسود.

وعمليات القياس هذه التي تدفعنا إلى التردد إزاء هذين النقيضَين المتمثلَين في الجنس الزنجي والجنس الأبيض تدلُّنا على مدى مرونة تلك المعايير المستخدَمة. ولنذكر هنا أحد تلك المعايير:

«أراد طومسون وراندال-ماك أيفر أن يُحدِّدا بمزيدٍ من الدقة مدى أهمية العامل الزنجوي في سلسلة من الجماجم المكتشَفة في مرمدة بني سلامة وأبيدوس (العرابة المدفونة) والهو (نجع حمادي). وقد قسَّموها إلى ثلاث مجموعات؛ أولًا الجماجم الزنجوية (وهي التي يقِل فيها معامل الوجه عن ٥٤، ويزيد فيها معامل الأنف على ٥٠، أي أن الوجه منخفض وعريض والأنف عريض)، ثانيًا الجماجم غير الزنجوية (التي يزيد فيها معامل الوجه على ٥٤٪ ومعامل الأنف على ٥٠، والوجه مرتفع وضيق والأنف ضيق)، ثالثًا الجماجم الوسيطة (التي تنتمي إلى إحدى المجموعتين الأوليين من حيث معامل الوجه، وإلى المجموعة الأخرى من حيث معامل الأنف، أي الجماجم التي تتوسط هاتين المجموعتين). وهكذا تكون نسبة الزنجويين في عصر ما قبل الأسرات القديم ٢٤٪ وسط الرجال و١٩٪ وسط النساء، و٢٥ و٢٨٪ على التوالي في عصر ما قبل الأسرات الحديث.»

«وقد اعترض كيث على صلاحية المعيار الذي اختاره طومسون وراندال-ماك إيفر للتمييز بين الجماجم الزنجوية وغير الزنجوية. وهو يرى أنه لو استخدم هذا المعيار بالنسبة لسلسلة من جماجم الإنجليز الحاليين، لوجدنا أن حوالي ٣٠٪ منهم زنجويون» (المرجع السابق، ص٤٢٠ و٤٢١).

وبوسعنا أن نُبدي ملاحظة عكسية لملاحظة كيث، وبأن نقول إنه لو تم فحص زنوج أفريقيا السوداء اليوم البالغ عدهم ١٤٠ مليون نسمة، وفقًا لتلك المعايير، لخرج على أقل تقدير مائة مليون من الزنوج «بيضًا بغير سوء» حسب تلك المقاييس!

ولنلاحظ من جهة أخرى أن التمييز بين الزنجويين وغير الزنجويين والوسطيين ليس واضحًا؛ فغير الزنجوي ليس من جنس أبيض، ومن باب أولى فإن «الوسيط» ليس أبيض.

«وقد واصل فالكنبورجر — من جديد — الدراسة الأنتروبولوجية للمصريين بفحصٍ حديثٍ ﻟ ۱۷۸۷ جمجمة لذكور تعود إلى بداية عصر ما قبل الأسرات القديم حتى أيامنا هذه، فميَّز بين أربع مجموعات رئيسية …» (المرجع السابق، ص٤٢١).

ويؤدي توزيع الجماجم المنتمية لعصر ما قبل الأسرات بين تلك المجموعات الأربع إلى النتائج التالية:

«٣٦٪ من الزنجويين، و٣٣٪ من البحر الأبيض المتوسط، و١١٪ من الكرو-مانيونيين، و٢٠٪ من أفراد لا ينتمون إلى إحدى تلك المجموعات الثلاث، ولكنهم أقرب إلى الكرو-مانيونيين أو إلى الزنجويين. ونسبة الزنجويين هنا أعلى بكثيرٍ من النسبة التي أشار إليها طومسون وراندال-ماك إيفر، والتي وجدها كيث مع ذلك مرتفعة للغاية.»

«هل تتفق أرقام فالكنبورجر مع الواقع؟ إننا لا نملك تقرير ذلك، فإذا كانت صحيحة، فإن السكان في عصر ما قبل الأسرات كانوا لا يمثِّلون جنسًا نقيًّا كما قال إليوت-سميث، وكانوا يتكوَّنون من ثلاثة عناصر عِرقية على أقل تقدير؛ زنجويين بنسبة تزيد على الثلث، وأهالٍ من البحر الأبيض المتوسط بنسبة الثلث، وعُشر من الكرومانيونيين، وخُمس من أفراد مهجَّنين إلى حدٍّ أو آخر» (نفس المرجع، ص٤٢٢).

ويتعيَّن علينا أن نستخلص من كافة تلك الاستنتاجات، أن الالتقاء بينها يُثبِت، رغم كل شيء، أن الشعب المصري كان زنجيًّا بالأساس في عهد ما قبل الأسرات.

وعليه، لا يتفق ذلك مع الفكرة القائلة بأن العنصر الزنجي لم يتسرب إلى مصر إلا في وقتٍ متأخرٍ. فعلى العكس، تؤكد الوقائع أن هذا العنصر كان مُهيمنًا من بداية التاريخ المصري القديم حتى نهايته، خاصة إذا لاحظنا أن «الانتساب إلى البحر الأبيض المتوسط» ليس مرادفًا للجنس الأبيض، فالأمر يتعلق بالأحرى بجنسٍ أسمر أو مُنتمٍ إلى البحر الأبيض المتوسط» وفقًا لإليوت-سميث:

«يَعتبر إليوت-سميث هؤلاء المصريين فرعًا «لما يُسميه الجنس الأسمر، وهو ليس إلا جنس البحر الأبيض المتوسط أو الجنس الأوروبي الأفريقي حسب تعريف سيرجي» (نفس المرجع، ص٤١٨).

وصفة الأسمر التي تتعلق بلون البشرة ليست سوى «تورية» تشير إلى الزنجي.

وهكذا يتبين لنا أن الجنس المصري كان كله زنجيًّا، مع تغلغل بعض العناصر من الرُحَّل البيض في ظل حضارة العمري.

وتكشف دراسة بتري حول الجنس المصري عن إمكانية تصنيف هائلة قد تثير دهشة القارئ.

«غير أن بتري نشر دراسة عن أجناس مصر في عصرَي ما قبل الأسرات والأسرات الأولى، لا يقدم فيها سوى تصورات، وهو يُميِّز، علاوة على الجنس المكتنز الإليتين، ستة أنواع مختلفة؛ ذو الأنف المعقوف المميَّز للجنس الليبي ذي البشرة البيضاء، والنوع ذو اللحية المجدولة المنتمي على ما يبدو لجنسٍ من الغزاة، ربما جاء من شواطئ البحر الأحمر، والنوع ذو الأنف المُدبب الذي جاء — بلا شك — من الصحراء العربية، والنوع ذو الأنف المستقيم، المنتمي أصلًا إلى مصر الوسطى، والنوع ذو اللحية المندفعة للأمام المنتمي أصلًا إلى الوجه البحري، والنوع ذو الحاجز الأنفي المستقيم المنتمي أصلًا إلى الصعيد. ووفقًا لتلك التصورات كانت توجد في مصر في تلك العصور سبعة أنواع مختلفة من الأجناس. وسنرى في الصفحات القادمة أن دراسة الهياكل لا تسمح أبدًا بالتوصل إلى مثل تلك الاستنتاجات» (نفس المرجع، ص۳۹۱).

ويدل هذا التصنيف على مدى عدم جدية المعايير المستخدَمة لتحديد الجنس المصري، وطابعها الاعتباطي.

وكنت أنوي إجراء تحليل ميكروسكوبي لكثافة مسام جلد المومياوات، لكن عددها المحدود لم يكن يسمح باستخلاص أي استنتاج ذي قيمة على صعيد الجنس المصري.

وعلى أي حال، يتضح لنا أن الأنتروبولوجيا لم تتوصل إلى تواجد جنس مصري أبيض، بل إنها تميل إلى عكس ذلك.

غير أن المشكلة أصبحت مُلغاة من الكتب الدراسية الحالية؛ ففي أغلب الأحوال يتم القَطْع بأن المصريين كانوا بيضًا. وهكذا يبدو لجميع غير المتخصصين الشرفاء أن هذا الحسم يعتمد بالضرورة على دراسات مدعومة تمت من قبل، بينما لم يحدث ذلك، كما يتبين مما جاء آنفًا، وهكذا تم صرف أنظار العديد من الأجيال.

«في جنوب المثلث الكبير للشمال الغربي، كان يعيش كما هو الحال اليوم، العالم الأسود لأفريقيا الوسطى، المعزول عن البيض بالمساحة الصحراوية الشاسعة. وكان وادي النيل السبيل الوحيد المفتوح نحو الشمال بالنسبة لسود الداخل، وكانوا يسلكونه أحيانًا للوصول إلى مصر، ولكن في جماعات صغيرة. ولما كانوا منعزلين عن الحضارة النيلية بسبب ذلك الحاجز الصحراوي، ويعيشون اعتمادًا على أنفسهم، فإنهم لم يتأثروا بتلك الحضارة، ولم يُقدِّموا لها — بالتالي — أي إسهام ذي قيمة، وهكذا فإن هذه الحضارة تكون وقفًا على الجنس الأبيض» (بريستد، اكتساب الحضارة، بايو، ١٩٤٥م، ص٥٠).

هذا هو نوع التأكيدات الجارية التي نجدها الآن في الكتب الدراسية، والطابع المطلق لما قرره بريستد لا يعادله سوى عدم اعتماده على أي أساس؛ ولذا لم يحرص هذا المؤلف على التأكد من ذلك عن طريق الوقائع. فالصحراء التي فصلت دائمًا العالم الأسود عن العالم الأبيض في وادي النيل ليست سوى فكرة لا تمت للواقع بِصلة.

ويتخبط بريستد في تناقضاته بالزعم من جهة بأن الصحراء فصلت دائمًا الزنوج عن النيل، وبالإقرار من جهة أخرى بأن وادي هذا النهر كان السبيل الوحيد للوصول إلى الشمال. فمجرد إلقاء نظرة على خريطة أفريقيا يبيِّن أنه يمكن الوصول إلى وادي النيل من أي نقطة في القارة السوداء دون اجتياز الصحراء.

وتنبع أفكار بريستد من مفهوم خاطئ لإعمار القارة الأفريقية؛ ففي مقابل تواجد السود في كافة أنحاء القارة، على شكل مجموعات صغيرة خاملة، في الوقت الذي نمت فيه الحضارة المصرية، هناك كمٌّ وفير من الوقائع التي تدفع إلى الاعتقاد بأن الشعب الزنجي عاش أولًا في هذا الوادي قبل أن ينتشر في كافة الاتجاهات بالقارة، في موجات متتالية.

وهذا ما أكدته المعطيات الأنتروبولوجية المذكورة آنفًا، والتي تشهد على أن الزنوج تواجدوا في وادي النيل في عصور ما قبل التاريخ.

ومن جهة أخرى فإن الطابع الزنجي للحضارة المصرية، كما هو معترف به اليوم، يستبِعد أن تكون «وقفًا على الجنس الأبيض».

ويحاول العديد من المؤلفين الالتفاف حول المشكلة بالكلام عن البيض ذوي البشرة الحمراء أو السوداء دون أن يصدم ذلك رجاحة تفكيرهم الديكارتي، نظرًا لأن هناك فكرة سائدة، وهي أن قيام أي حضارة إنسانية لا يمكن أن يكون قد تم على يد جنس زنجي.

«أفريقيا هي ليبيا، في مفهوم الإغريق، وهو تعبير في غير موضعه أصلًا لأن هناك شعوبًا أخرى كثيرة في القارة خلافًا لليبيين الذين يمثِّلون قسمًا من البيض في الطرف الشمالي، أو إذا أردنا، المطل على البحر الأبيض المتوسط، ويتميزون بهذه الصفة عن عددٍ كبيرٍ من أقسام البيض ذوي البشرة السمراء (أو الحمراء) (المصريين) …» (بدرال، آثار أفريقيا السوداء، بايو، ١٩٥٠م، ص٦).

وفي كتابٍ مدرسي مخصص لتلاميذ الصف الخامس نجد ما يلي:

«لا يتميز الأسود بلون بشرته (لأن هناك بيضًا ذوو بشرة سوداء) بقدر ما يتميز بملامحه؛ الشِّفاه الغليظة والأنف الأفطس … إلخ» (الجغرافيا للصف الخامس، مطبوعات بايير وأولاده، ١٩٥٠م).

إنهم لم يتمكنوا من تبييض الجنس المصري إلا عن طريق مثل هذه التعريفات، وفي ذلك دليل قاطع على أنه جنس زنجي.

وموقف بريستد إزاء مسألة الجنس المصري هو — بشكلٍ خاصٍّ — موقف المتخصصين في الآثار المصرية الحاليين الذين تنبَّهوا للمسألة أكثر من أسلافهم فتجنَّبوا المشكلة بكل بساطة عن طريق بعض التأكيدات التي يقدمونها لغير المتخصصين على أساس أنها تستند إلى معلومات علمية سابقة، وليس ذلك إلا ضربًا من الاحتيال الذهني.

وينتهي هنا القسم النقدي؛ فقد عرضنا في الفصول السابقة مختلف أنواع الأطروحات المتعلقة بأصل الجنس المصري.

وجميع الأطروحات التي تتناول تلك القضية تنتمي إلى أحد تلك الأنواع التي عُرضت آنفًا، وأنا لم أتعرض لها، كعادتي، نقلًا عن هذه الحجة أو تلك في هذا المجال، ولكن حسب ما أورده أصحابها بأكبر قدرٍ من التفاصيل، مما يتيح إبراز التناقضات التي تتضمنها كلها، ويستحيل التغلب عليها. وعليه فإن هذا العرض كامل، والفكرة العامة التي نخرج بها هي فشل كافة تلك المحاولات التي لم تُصِبْ هدفها، ولا يجب أن تُشكِّل بالنسبة للقارئ أيَّ عنصر في توجيه قناعته.

ويبقى لنا الآن الانتقال إلى الجانب البنَّاء بعرض مختلَف الوقائع التي تُثبت الأصل الزنجي للجنس المصري.

١  هناك افتراض بأن الجنس الأصفر ذاته ناتجٌ عن تزاوج بيض مع سود، ولكن في عهود قديمة للغاية من تاريخ البشرية. والواقع أن الخضاب الخاص بالصفر مماثلٌ لخضاب الخلاسيِّين حتى إن التحليل الكيميائي الحيوي المقارن لا يكشف عن اختلاف كبير في كمية الميلانين (الصبغة السمراء اللون).
ولم تتمَّ بعدُ دراسة منتظمة لمجموعات دماء الخلاسيِّين، وقد تُتيح عقد مقارنة جديرة بالاهتمام مع مجموعات دماء الصفر.
فالقسمات العرقية للصفر: الشفاه، الأنف، بروز الفكَّين، شبيهة بقسمات الخلاسيِّين ومظهر سحنتهم (الأوداج البارزة والجفون المنتفخة والغضون المنغولية والعيون المائلة وبداية الأنف المنخسف) قد لا تكون سوى نتاج تأثير المناخ على مدى آلاف وآلاف السنوات على الوجه من جراء الرياح الباردة.
فانقباض الوجه تحت تأثير الرياح قد يكفي لتفسير بروز الأوداج وانتفاخ الجفون؛ إذ إنهما سمتان عرقيَّتان مترابطتان.
والريح التي تصفع الوجه عندما يكون الجو باردًا لا تستطيع أن تُفلت من طرف العين إلا كمحصلة مائلة وصاعدة نتيجة لسخونة جزئيات الهواء. وقد تسببت تلك القوة الميكانيكية على المدى الطويل في تشويه العين في نفس الاتجاه، ويكون تأثير هذا المناخ أشدَّ على الأجسام اليافعة كما هو الحال بالنسبة للأطفال، ويفترض هذا التفسير بالطبع توارث الصفات المكتسبة.
ومن المعروف من جهة أخرى أن القسمات المسماة قسمات منغولية تتراجع من شمال آسيا إلى جنوبها وفقًا لتطور المناخ.
ومن الملاحظ أنه أينما يكون هناك صُفر، تتواجد أيضًا مجموعات صغيرة من السود والبيض يبدو أنها رواسب العناصر الأساسية التي نشأ عنها ذلك الجنس. وينطبق ذلك على كافة أنحاء جنوب شرق آسيا: المريس في جبال فيتنام حيث نجد — بشكلٍ يسترعي الانتباه — أسماء كا، وثاي، وحام، وكذلك النجريتوس والآينو في اليابان … إلخ.
ويقول مثل ياباني: «لكي يكون الساموراي شجاعًا، يجب أن تجريَ في عروقه بعضُ الدماء السوداء.» ووفقًا لكتاب الحوليات الصينيِّين، كانت هناك إمبراطورية زنجية في جنوب الصين في فجر تاريخ ذلك البلد.
فهل نتج الجنس الأصفر عن الآريِّين الأوائل المختلطين بزنوج جنوب الهند (الدرافيديِّين)؟
٢  التنويه بذلك من جانب المؤلف.
٣  يتبيَّن لنا من كافة أقدم الآثار المصرية التي تُصور جميع أجناس العالم — ومنها على سبيل المثال نقوش بيبان الملوك — أن الجنس الوحيد الذي كان يستخدم الوشم في تلك العهود القديمة، وهو الجنس الذي يُسمَّى حاليًّا الجنس الشمالي. فما كان الزنوج المصريون ولا الزنوج الأفارقة يلجئون إلى الوشم حسب كافة الوثائق المصرية المعروفة. ولم يكن هناك معنًى أصلًا لوشم إلا على البشرة البيضاء نظرًا لاختلاف اللون. وقد وصل إلى أفريقيا مع الليبيِّين البيض، ولم يُحاكِه الزنوج إلا في عهد متأخر للغاية. ولما كان من المستحيل تحقيق التباين بين الأبيض والأزرق أو غيره على البشرة السوداء فقد تم اللجوء إلى التشريط.
ولم نتمكن للأسف من نشر صورة لتلك النقوش التي تناولها شامبليون في رسالته.
٤  كان فيجاك يجهل أن كلَّ شعر مجعد صوفي التركيب، فالكيراتين، العنصر الكيميائي الذي يدخل في تركيب الصوف هو الذي يجعل الشعر مجعَّدًا؛ وعليه فإن هذه الحجة لا تقوم على أي أساس.
٥  يستند شيروبيني هنا إلى النص التالي لديودور الصقلي:
«يقول الإثيوبيون إنهم الأول بين كل البشر، ويسوقون لذلك أدلةً يعتقدون أنها جلية. ومن الأمور المتفق عليها عمومًا أنهم نشئوا في هذا البلد ولم يأتوا أبدًا من جهة أخرى، وعليه يجب أن يُعتبروا من السكان الأصليِّين، ويبدو أنهم قد خرجوا من الأرض قبل بقية البشر نظرًا لموقعهم المباشر تحت مسار الشمس. فيما أن حرارة الشمس بانضمامها إلى رطوبة الأرض تمنح الأخيرة نوعًا من الحياة. فإن المواقع الأكثر اقترابًا من خط الاستواء يتعين أن تُنتج كائناتٍ حيةً قبل المواقع الأخرى. ويقول الإثيوبيون أيضًا إنهم أسَّسوا عبادة الآلهة والأعياد والاجتماعات العامة والقرابين، أي باختصار كل الممارسات التي تُمجَّد بها الألوهية. ولذا فإنهم مُعتبَرون أكثر الناس تديُّنًا، ويعتقدون أن قرابينهم أحسنها قبولًا لدى الآلهة، ويشهد لهم على ذلك أحد أقدم شعراء الإغريق وأكثرهم تمتعًا بالتقدير، عندما أشار في الإلياذة إلى انتقال جوبيتر والآلهة الآخرين إلى إثيوبيا لحضور الاحتفالات والقرابين السنوية التي كانت تُعَدُّ لهم جميعًا عند الإثيوبيِّين.»
جوبيتر اليوم، وفي رفقته كل الآلهة،
يتقبل القرابين من الإثيوبيِّين.
(الإلياذة، ١: ٤٢٢)
«ويقولون إن الآلهة كافأَتهم على تقواهم بامتيازات عظيمة؛ مثل عدم سقوطهم أبدًا تحت سيطرة أمير أجنبي، والواقع أنهم حافظوا دائمًا على حريَّتهم بفضل الوحدة العظيمة التي سادت دائمًا بينهم؛ وقد فشلت محاولات عدة أمراء شديدي البأس لإخضاعهم، وجاء قمبيز لمهاجمتهم بفِرَقٍ كثيرة، فهلك جيشه بالكامل وتعرَّضت حياته هو نفسه للخطر. والملكة سميراميس المشهورة بذكائها ومآثرها. شعرت بمجرد دخولها إثيوبيا أن مرماها لن يتحقق إطلاقًا. وصال وجال باكوس وهرقل في كافة أنحاء العالم ولكنهما امتنعا عن محاربة الإثيوبيِّين وحدهم، إما خوفًا من قوَّتهم أو لتبجيلهما لتقواهم.»
«ويقول الإثيوبيون إن المصريين يُشكلون إحدى جالياتهم التي جاء بها أوزيريس إلى مصر، بل إنهم يدَّعون أن هذا البلد لم يكن في بداية العالم سوى بحر، وأن النيل الذي يدفع بفيضاناته كمياتٍ كبيرة من غرين إثيوبيا، ردمَه في نهاية الأمر وحوَّله إلى جزء من القارة … وهم يُضيفون قائلين إن المصريِّين أخذوا عنهم وعن كُتَّابهم وأسلافهم الجانبَ الأكبر من قوانينهم، وإنهم تعلَّموا منهم تمجيدَ الملوك كآلهة ودفن موتاهم في احتفالات مهيبة، وأن النحت والكتابة نشآ عند الإثيوبيِّين …»
«ويسوق الإثيوبيون أدلةً أخرى لإثبات أسبقية وجودهم على المصريين ولكن ليس هناك ما يدعو إلى ذكرها هنا»
(تاريخ الكون، الكتاب الثالث، ص٣٣٧–٣٤١، ترجمة الأب تيراسون، باريس، ١٧٥٨م.)
«وبالأمس، ومن أجل زيارة إثيوبيا المقدسة،
انتقل جوبيتر إلى شواطئ المحيط.»
هوميروس (الإلياذة، ١: ٤٢٣)
وذلك باعتبار أن هوميروس هو الذي ألَّف الإلياذة.
٦  ناحاس: صعلوك بلغة الوُلوف وجمعها ناحاس-في؛ الصعاليك.
٧  نقلًا عن ماريوس فونتان: الأمصار (من ٥۰۰۰ إلى ۷۱٥ قبل الميلاد)، مطبوعات لومييو، ص۲۱۹.
٨  يلاحظ ماسبيرو أن ذلك الافتراض تبنَّاه بعض علماء الطبيعة وعلماء أصل الجنس البشري، ومنهم: هارتمان، ومورتون، وهامي، وسيرجي.
٩  هذان الشكلان للجمع (إن وآ) كانَا موجودَين في اللغة الجرمانية الشمالية.
١٠  كان جنسريك قد احتل شمال أفريقيا، بما في ذلك الجزائر وطرابلس؛ وكان أسطوله يسيطر على كافة أرجاء البحر الأبيض المتوسط الغربية، كما كان يهدد شواطئ اليونان وصقلية وإيطاليا. وقد حطم الأساطيل المتحالفة لإمبراطورَي الشرق والغرب بالقرب من رأس آذار في تونس وضمَّ إلى مملكته الممتدة الأطراف أصلًا، جزيرتَي سردينيا وكورسيكا وجزر البليار. ورأى إمبراطور القسطنطينية، زينون، أن من الحكمة أن يعقد الصلح معه ويعترف بكافة فتوحاته. واتخذ جنسريك كافة الإجراءات اللازمة لتسهيل عمليات تعزيز وتنظيم إدارة الإمبراطورية لخلفه. (لريس هالفين، البرابرة، مطبوعات الكان، ۱۹۳۰م، ص۳۷، ۳۸).
ومن الصعب أن نتصور إذن أن الفاندال لم يتركوا أيَّ أثر لهم في شمال أفريقيا.
١١  يقدِّم لنا كتاب «طريق السودان» لعبد الرحمن بن عبد الله بن عمران بن أمير السعدي معلوماتٍ لها أهميتها فيما يتعلق بأصل الطوارق، فيقول: إنهم المسوفيون وينسبون أنفسهم إلى الصنهاجة الذين يُرجِعون أصلَهم إلى بني حِمير كما جاء في كتاب الحلل الموشية في ذكر أخبار المراكشية، وهم بدو رُحَّل يتوغلون في الصحاري ولا يستقرون أبدًا في موقع واحد وليست لديهم أيُّ مدن يلجئون إليها، وتمتد مسيراتهم في الصحراء حتى شهرين بين بلاد السود وبلاد المسلمين.
وقد قَدِم الصنهاجة من اليمن ووصلوا إلى الصحراء، وطنهم الحالي في المغرب. وهم يتنقلون من بلد إلى بلد طوال عدة أيام، ويَصِلون إلى المغرب الأقصى، بلد البربر، حيث يحطون رحالهم كما لو كانوا في وطن جديد. وقد تقاربَت لغتهم مع لغة البربر بعد أن عاشوا وسطَهم وارتبطوا بهم عن طريق التزاوج.
١٢  يقول أميلينو إن المصريين كانوا يُطلقون على قلب أفريقيا كلمةَ أماني التي تعني بلد الأجداد، ولفظ ماميي معناه الأجداد بلغة الولوف.
١٣  من خلال فحص جبانات دياسبوليس بارفا (الهو، بالقرب من بني حمادي) رأى سير وليم بتري أنه بالإمكان ترتيب الآثار التي وجدت داخلها — وبالأخص الآنية الفخارية — ترتيبًا زمنيًّا، وتقسيمها إلى مراحل متتابعة من القديم إلى الحديث، باستخدام أرقام متتالية من ١ إلى ١٠٠، تدخل في نطاقها كلُّ العصور الحضارية التي عرفتها مصر.
١٤  يحكي بلوتارك في كتاباته عن «الإيزيس والأوزيريس» (بصيغة الجمع) أن الإله أوزيريس وُلِد في أول الأيام الخمسة، كما كتب موريه، أي في اليوم اﻟ ٣٦١، وهو ما يتفق مع يوم ٢٦ ديسمبر، وفقًا للتعديل الذي أجري على التقويم. وقد حدد البابا يوليوس الأول (في القرن الرابع الميلادي)، مولد المسيح في ٢٥ ديسمبر، ولكن من المعروف أن المسيح لم يُقيَّد في سجلات للمواليد، وأن تاريخ ميلاده غير معروف. فما الذي أوحى إلى البابا باختيار هذا التوقيت الذي لا يبعد سوى يوم واحد عن تاريخ مولد أوزيريس؛ إذ لم يكن التقليد المصري الذي واصله التقويم الروماني؟ ويصبح ذلك جليًّا عندما يتم الربط بين مولد المسيح وفكرة شجرة الميلاد، فقد يكون كلُّ ذلك ضربًا من التعسف لو أننا لم نكن نعلم أن أوزيريس كان أيضًا إله النبات، بل إنه كان يُصبغ أحيانًا باللون الأخضر على غرار النبات الذي كان يرمز إلى تجدده بعد دفنه في الأرض. وكان يُرمز إلى أوزريريس بشجرة قطعَت فروعها، يتم نصبها للتبشير بعودة الحياة النباتية، لقد كان الأمر يتعلق إذن بأحد الطقوس الزراعية المميزة لمجتمعٍ حضري.
كان هذا الرمز النباتي لأوزيريس يُسمَّى دجد باللغة المصرية، وتوجد بلغة الوُلوف كلمات:
دجد: قائم، منتصب، مغروس رأسيًّا؛ دجد – دجد – آرال: قائم تمامًا (تشديد لكلمة دجد)؛ دجان: رأسي؛ دجن: وتد.
ذلك هو إذن الأصل القديم لشجرة عيد الميلاد، ويتضح مرة أخرى، بالتوغل في الزمن، أن العديد من السِّمات المميزة للحضارة الغربية، والتي لم يَعُد أصلها معروفًا، لا يمكن تفسيرها إلا بربطها بأصلها الزنجي-المصري.
١٥  يريد موريه أن يُثبت أن التقويم المصري تم اختراعه في هليوبوليس، ولكن الوثائق المتوفرة تؤكد عكس ذلك.
«كان كهنة طيبة مشهورين بتعمُّقهم في علم الفلك والفلسفة، وقد جاء استخدام تنظيم الوقت عن طريقهم، لا وفقًا لدورة القمر ولكن حسب دورة الشمس، فكانوا يُضيفون إلى الشهور الاثنَي عشر، المكوَّن كل منها من ثلاثين يومًا، خمسة أيام كل سنة. ولما كان يبقى جزء من اليوم لاستكمال مدة السنة، فقد كانوا يحسبون فترة مكوَّنة من عددٍ كاملٍ من الأيام لكي يتكون من الأجزاء الزائدة يومًا كاملًا» (سترابون، الكتاب السابع عشر، الفصل الأول، الفقرة ٢٢، ص٨٦٦).
وهذا الجزء من اليوم (ربع اليوم) يؤدي جمعه إلى إضافة يوم كل أربع سنوات، وبالتالي عامًا كل ١٤٦٠ سنة … ومن هنا نشأت فترة اﻟ ١٤٦١ سنة التي تبدأ في نهايتها السنة المدنية مع السنة الشمسية (دورة الشعرى اليمانية).
١٦  باستثناء التيهينو أو الليبو السود الذين يعتبرون أسلاف الليبو الحاليِّين في شبه جزيرة الرأس الأخضر، كان السود قد سبقوا التيهينو أو الليبيِّين البيض (شعب البحر) في هذه المنطقة الغربية من الدلتا. وكان التيهينو أول سكان سود، سببًا في الخلط في تسمية الليبي «البُنِّي»، وإن كان المقصود في الواقع زنجيًّا يتميز عن بقية المصريين بمدى تحضُّره فقط، وقد استُخدم في الكتب الدراسية الرسمية للإشارة إلى سلف مفترض للبربر. وتستدعي كلمة تاهانو أو تيهينو، كلمة تاكانو بالوُلوف التي تعني المكان الذي يلجأ إليه المرء للبحث عن الحطب.
١٧  وكذلك مدينة أبيدوس في هلسبونتوس (الاسم القديم لمضيق الدروانيل).
١٨  أصل كلمة طيبة ليس هندو-أوروبي، وهي تُنطق حسب الإملاء الإغريقي (طايبا)، ومن الملاحظ أنه توجد حاليًّا في أفريقيا السوداء، وبالأخص في السنغال، عدة مدن تحمل اسم طاببا؛ ولذا هناك أساس للاعتقاد بأن أسماء تلك المدن يرجع إلى اسم العاصمة المقدسة القديمة في صعيد مصر.
١٩  عرفت بعض القبائل الجرمانية النظام الأمومي، وكان ذلك شيئًا استثنائيًّا لدى البرابرة، وقد حرص تاسيتوس على التنويه بذلك قائلًا:
«غير أن الزيجات في هذا البلد عفيفة، ولا توجد سِمات في عاداتهم تستحق مزيدًا من الإطراء. فهم الوحيدون تقريبًا من بين البرابرة الذين يكتفون بزوجة واحدة، باستثناء عددٍ كبيرٍ من العظماء الذين يتخذون عدة زوجات، لا بدافع من الخلاعة، ولكن لأن العديد من العائلات يطمع في مصاهرتهم، فالرجل، لا المرأة، هو الذي يُقدِّم المهر.»
«وابن الأخت عزيز على خاله بقدر ما هو عزيز على والده؛ بل إن البعض يعتقد أن أُولى تلك الأواصر تكون أقدسها وأوثقها. وعندما يستقبلون رهائن يفضِّلون أبناء الأخوات باعتبار أنه توجد بينهم روابط أقوى تهمُّ الأسرة لأكثر من مبرر، غير أن الأبناء هم الورثة والخلف» (تاسيتوس، عادات الجرمان، الفصلان ۱۸ و۲۰).
ومن المحتمل إلى حدٍّ كبيرٍ أن تلك السمة الثقافية الزنجية دخلت عند الجرمان الذين كانوا قد أصبحوا نصف مستقرين في نفس الوقت مع أتباع عبادة إيزيس التي نوَّه تاسيتوس بأصلها الأجنبي الأكيد:
«يقدم قسم من السوافبيين هم أيضًا القرابين لإيزيس، ولا أعرف سبب هذه العبادة الأجنبية أو مصدرها، فهناك فقط صورة لسفينة ترمز إلى ذلك، تفيد بأنها جاءت من وراء البحار» (نفس المرجع السابق، الفصل التاسع).
وقد وُلِدَ يوليوس قيصر قبل تاسيتوس ﺑ ١٥٥ سنة، وكتب هو أيضًا عن عادات الغال والجرمان، ولكنه لم يُشِر أبدًا إلى النظام الأمومي، ولا إلى وجود كهنة، وغير ذلك من الوقائع الدينية التي نوَّه بها تاسيتوس:
«وعادات الجرمان مختلفة تمامًا؛ لأنه لا يوجد لديهم كهنة ليرأسوا عباداتهم، ولا يهتمون إطلاقًا بتقديم القرابين. ولا يحسبون آلهة إلا من يرونهم ويوفرون لهم نِعَمًا ملموسة؛ الشمس والنار والقمر، بل إنهم لم يسمعوا عن آلهة أخرى. وهم يقضون طوال حياتهم في القنص وفي التمارين الحربية، ويحرصون منذ الصِّغر على تحمُّل المشاق» (يوليوس قيصر، حرب الغال، الكتاب السادس، الفصل الحادي والعشرين).
ويُثبت ذلك أن تلك المؤسسات دخلت أوروبا في وقتٍ متأخرٍ، ربما عن طريق بريطانيا، التي كانت مرفأً في الطريق لجلب القصدير.
«وتعاليمهم (أي تعاليم الكهنة) التي تم اكتشافها على ما يقال في بريطانيا، انتقلت إلى بلاد الغال، وحتى الآن لا يزال يذهب إلى هناك لدراستها مَن يريدون التعمق في معرفتها» (المرجع السابق، الكتاب السادس، الفصل الثالث عشر).
٢٠  وصف يوليوس قيصر وتاسيتوس عادات الجرمان الحربية والهمجية، عندما كانوا رُحلًا أو شبه رُحل، ولم يكتسبوا بعد مفهوم الملكية العقارية.
«إنهم لا يعكفون على زراعة الأرض، ويعيشون أساسًا على اللبن والجبن واللحوم. ولا يملك أيٌّ منهم قطعة أرض خاصة أو ذات حدود مرسومة، ولكن القضاة أو الزعماء يحددون في كل سنة لمختلف العشائر والأسر المجتمعة المساحات، ومواقعها التي يرون أنها مناسبة، ويجهرونها على الانتقال إلى موقع آخر. وهم يقدمون عدة مبررات لذلك؛ فهم يخشون أن تدفعهم قوتهم وإغراء التعود إلى الإقلاع عن التعلُّق بالأسلحة لصالح الزراعة، ومن أكبر دواعي الفخر بالنسبة لهذه المدن أن تكون محاطة بحدودٍ خرِبة ومساحات شاسعة موحشة. وهم يعتقدون أن الشجاعة تتمثل في إجبار الشعوب المجاورة على ترك أراضيها، وفي ألا يتجاسر أحد على الإقامة على مقربة منهم. وهم يعتقدون في الوقت نفسه أنهم سيكونون بذلك آمنين لعدم خوفهم من التعرض لغزو مفاجئ … والسرقة خارج حدود المدينة ليست مدعاة للخزي، فهي تساعد، كما يقولون، على تدريب الشباب والحد من الكسل» (يوليوس قيصر، المرجع السابق، الكتاب السادس، الفصلين الثاني والعشرين والثالث والعشرين).
«ويتمثَّل أوج العار في تخلي الفرد عن درعه … وهو يبلِّغ الأم أو الزوجة بالجروح التي أصابته، ولا تخشى هذه أو تلك عد الإصابات، وتقدير مدى حجمها، وكلٌّ منهما تقدِّم للمحاربين، وهم في المعمعة الغذاء وتحرضهم … وإذا سئمت المدينة، التي نشَئوا فيها، الفراغ نتيجة للسَّلم الطويل؛ فإن رؤساء الشباب يسعَون إلى محاربة أي شعب أجنبي؛ ذلك أن هذه الأمة تكره الراحة تمامًا! وهم في حاجة إلى سيادة القوة والسلاح لإعاشة العديد من الرفاق … ولن تتمكَّنوا من إقناعهم بحرث الأرض وانتظار المحصول بقدر ما يمكنكم دفعهم إلى تحدِّي الأعداء، والسعي إلى الإصابة بجروح. وإنه لكسل وجبن في نظرهم أن يحصل المرء بعَرقِه على ما يمكنه أن يوفِّره لنفسه بالدم.»
«وهم يتدثَّرن أيضًا بفراء البهائم، وهو فراء أشد خشونة باتجاه نهر الراين وأكثر تأنُّقًا في الداخل، حيث لا توفر التجارة مطلقًا أي زينات أخرى. وهم يختارون هناك البهائم ويُجمِّلُون جلودها بتلطيخها بالألوان … وتخلو جنازاتهم من أي أُبَّهة؛ وكل ما في الأمر أنهم يحرصون على حرق جثمان الشخصية الشهيرة بنوعٍ خاص من الخشب» (تاسيتوس، عادات الجرمان، الفصل السادس والسابع والرابع عشر والسابع عشر والسابع والعشرين).
٢١  لم يسمح أسلافنا للنساء بالتصرف في أي مسألة، حتى ولو كانت منزلية، بدون إذن خاص. وقد واصلوا إخضاعهن لتبعية آبائهن وإخوتهن وأزواجهن. وبالنسبة لنا، سنسمح لهن عما قريب، إذا شاءت الأقدار، بالمشاركة في إدارة الشئون العامة والتردد على المحافل والاستماع إلى الخطب، والتدخل في تصرفات المجالس العامة … ومزايا حضورهن، وهو ما يطالبن به اليوم «أقل من تلك التي تحرمهن منها تقاليدنا وقوانيننا، وإن كان ذلك لا يروق لهن …» وعليكم بإحصاء كافة الترتيبات التشريعية التي حاول بها أسلافنا تقييد استقلالية النساء وإخضاعهن لأزواجهن، وانظروا كم من مشاق نواجهها، رغم كل تلك العراقيل القانونية، لإلزامهن بواجباتهن. فماذا بعد لو تركتم لهن الحبل على الغارب لفصم تلك الروابط الواحدة تلو الأخرى، والتحرر من كل تبعية، والتشبُّه تمامًا بأزواجهن، فهل تعتقدون أنه سيكون من الممكن تحمُّلهن؟ لن يصبحن متساويات معنا؛ إذ سرعان ما سيُسيطرن علينا» (تيت-ليف، تاريخ روما، الكتاب الرابع والثلاثون، خطاب كانتون تأييدًا للإبقاء على قانون أوبيا المعارض لتحرير النساء، ١٩٥ق.م.).
٢٢  لم يسمح تعصب الكنيسة في العصور الوسطى وعدم تسامحها بإرجاع تاريخ تلك العبادة إلى ذلك العصر.
أما الافتراض بأن هذه العبادة جاءت على أيدي الصليبيين فمعناها أن الذين ذهبوا لمحاربة «الهرطقة» جلبوا معهم بدعة أخرى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤