عبد الله الثاني

– آسفة.

– لِم الأسف دكتورة؟

– لست دكتورة، أنا أمل فقط، لست هي دكتور مراد، ولم أعد أندهش كيف أجدني في عيادتك دون أن أجيء إليك.

عرف الدكتور أحمد أنها ربة القمر كما سماها الدكتور عبد الله الذي بدأ بالفعل يثير حفيظته، كان يريد معرفة المزيد عنه، فما عرفه حتى الآن يظهر الكثير من التناقض، قد يكون مرضيًّا، وقد يكون أخطر، أكثر ما يخشاه أن يكون أمام شخصية «سيكوباتية» قد تكون أكبر ضررًا على أمل الآن.

– أرجو أن ترتاحي بنيتي، ليس لدينا اليوم سوى بعض الأحاديث عن دكتور عبد الله.

– أعرف الكثير عن عبد الله، أعرف الكثير عن هؤلاء الفنانين والفلاسفة، هم يحتاجون دومًا لتلك الدماء الحارة في حياتهم، تدفعهم لحافة الجنون، وكلما بردت بحثوا عن الأحر، ربما هي تناسبه؛ فهي تتجول أمامه عارية بحرارتها، وتتركني لأفيق بعريها، أما أنا فسأظل كأمي، بدمائها الزرقاء، تحب، تعطي؛ فيصيبها النسيان قبل أن يصيبها الحظ.

– لكنكما قضيتما بعض الوقت الممتع سويًّا، إن صح وصفي له بالممتع.

المتعة دكتور ليست في الوقت الذي نمضيه، المتعة الحقيقية في الإحساس بالرغبة، شعوري بأنني مرغوبة، مطلوبة، وكل ما يأتي بعد ذلك هو ثمن هذا الشعور، كنت معه باختياري مراتٍ قليلة، وأفقت مراتٍ أخرى برفقته بعد أن انتهى منها، لا أعرف ما يحدث بينهما، كل ما أعرفه أنه حتى خيانته لا يمكنه إخفاؤها.

– ولِم عليه أن يخفيها؟

– نوع من الاحترام دكتور، أنا احترمت ما عرفته عنه بالصدفة، احترمت ما لا يعرفه عن نفسه، ربما قبلت أنا التخلص من علتي، لكنني لا أملك أن أفرض عليه التخلص من علته.

– وما علته؟

– هو مثلي له جانب آخر لا يعرفه هو، لم أفهمه في البداية، لكن حين أدركت أنني أحتاج لعلاج، أدركت أن ما به يحتاج أيضًا للعلاج، كنت أتمنى أن نُشْفى سويًّا، لكن لا أعرف الكثير عن حالته، لا أعرف الكثير عن حالتي أيضًا، كل ما أعرفه أنني فهمت الآن أشياءَ عديدة لم أكن أفهمها، أو أعرف سببها.

– أريد أن أعرف المزيد عنه بنيتي.

هدأت أمل أكثر، كانت تريد الحديث، لم تكن تقاوم كما كانت من قبل، هي تتحدث بحرية أكثر كلما بَعُدَ الحديث عن أمها وأبيها، دَوَّنَ دكتور أحمد مراد ملاحظاته وهو يدخن غليونه، وأمل تتحدث بصوت هادئ.

أن يأتي لي ساعي البريد، فهي الزيارة غير المرحب بها؛ فعادة ما يحمل أخبارًا غير سارة، لست في انتظار خطاب من حبيب غائب، أو قريب مسافر، وقعت له بعلم الوصول، واستلمت دعوى! هل قرر أبناء أعمامي الاستيلاء على ما بقي لنا من الإرث؟ هل يريدون كل شيء؟ لقد تركت لهم الكثير بالفعل، ماذا يريدون بعد الآن؟ كان عليَّ الذهاب لمكتب محاماة في الإسكندرية، حتى أفهم سر تلك الدعوى، فكرت في الاتصال بمحامي أبي، لكن فضلت الذهاب أولًا، ولن أوقع أية أوراق قبل الرجوع إليه.

•••

طلبت من عامل الجراج إعداد السيارة، وأعددت ما يكفيني لعدة أيام بالإسكندرية، وأوصيت الممرضتين بأمي، وانطلقت، كانت المسافة طويلة، لكني اعتدت قطعها، لم تعد تضايقني، أتوقف في منتصف الطريق عند استراحة بفندقها المتواضع، ومطعمها الأكثر تواضعًا؛ فأتناول القهوة وأترك العمال يهتمون بالسيارة.

البعض من الراحة يأتي في منتصف الطريق، هكذا فكرت وأمامي قهوتي، لماذا لم يمنح أبي تلك الراحة لأمي في منتصف طريقهما؟ كان دائم الضغط، كثير التطلب، لم يكن ليرضى إلا برؤيتها مقهورة، حتى دفعها للنسيان، حتى اسمها، هل كان صعبًا حقًّا توفير بعض الراحة؟ فقط القليل منها، كان سينقذها، لكنه كغيره، سياراته أهم لديه من زوجته.

رشفت مرارة أمي بقهوتي، رشفت حيرتي أيضًا، ورشفت شوقي لعبد الله، رشفت غيرتي وغضبي، وأكملت رحلتي للإسكندرية، كان الوصول لهذا المكتب سهلًا، بناية لا تختلف كثيرًا عن بنايات الإسكندرية، صعدت للمكتب وقدمت لموظفة الاستقبال الورقة التي تسلمتها من ساعي البريد، طلبت مني الانتظار وهي تتفحصني بدهشة أعرفها جيدًا، واعتدتها فلم تعد تضايقني.

مر بعض الوقت حتى دعتني للدخول لمكتب أكبر، كان عبد الله واقفًا في انتظاري! لم أكن الوحيدة المصابة بالذهول في المشهد، كان هو أيضًا، كان مختلفًا، لم يكن ذلك الفنان العفوي الحافي القدمين، بل كان يشبه رجال السياسة بأناقته المصطنعة وشعره المهندم.

وقفنا لحظات نتطلع بتعجب، كلٌّ منا يجوب الآخر بعينيه، نسيت سبب مجيئي حين دعاني للدخول، وددت احتضانه، لكن عينيه منعتني، مددت يدي فتلقفها بيد باردة، لم أعرفها من قبل، بدا إطراؤه على ملابسي ساخرًا، شعرت أنه يكرر نفسه، يعيد تصدير دهشته، أو ربما صار يستمتع بالسخرية من ملابسي، أخرستني برودته، تلمست له بعض العذر، ربما لأننا في مكان عمله.

– كنت أظنك أستاذًا بالجامعة.

– تحدثنا من قبل في هذا الأمر وقلت لكِ إنني لم أكن أستاذًا بالجامعة قط.

صدمني رده، لم أسأله من قبل، وبالطبع لم يجبني من قبل، زادني من الشك أضعافًا، سألته هل يعرفني جيدًا؟ فأجاب بأنه بالطبع يعرفني، وأنني أوكلته في قضيتي لتصحيح أنصبة الميراث عن والدي! كانت صدمتي الكبرى، إلى هذا الحد أراد التخلص مني؟ أنا، «أمل خطاب» التي طاردها لبيتها لينال منها؟ الآن أصبحت مجرد «زبونة» لديه؟ كم استيقظت عاريًا في أحضاني؟ هل كل هذا بسبب ثورتي؟ لم تتحمل ما أصابني من غيرة وخوف فقررت الهروب من كل شيء بتلك الحيلة الرديئة؟

لم أكن أدري أكنت أحدث نفسي، أم أحدثه، لكنه أجاب ما لم أسأله أو ربما سألته، لا أدري.

– أعتذر عن اختفائي المرة السابقة، كان عليَّ الرحيل قبل استيقاظك.

– عن أي شيء تتحدث؟

– يوم أتيت لبيتك، مراجعة الأوراق؟ النبيذ؟ لا أظنك نسيتِ.

– لا بالطبع، كيف أنسى؟! أنت أتيت لتراجع الأوراق وقضيت الليلة معي ثم رحلت قبل أن أستيقظ، أليس هذا ما تحاول قوله؟

– لِم كل تلك الثورة؟ أحاول فقط الاعتذار.

كان متفاجئًا بثورتي، يتصرف كأنها المرة الثانية التي يقابلني، ومرتنا الأولى يذكرها ولا أعرف عنها شيئًا، روايته كانت الأغرب لي، يظنني تغيرت، يرى أنني كنت أكثر نضارة وبساطة، كنت أكثر أنوثة، وأنه كان ينوي تكرار زيارته لي بعد أن ينهي بعض الأعمال.

فهو لم ينسَ الليلة التي قضاها معي.

كنت ثائرة، لم أكن لأقبل ما يقول، لست رخيصة ومتساهلة إلى هذا الحد، إن كان لا يذكر شيئًا عني سوى تلك الليلة فهو يراني مستهترة بلا شك، لقاء أول في بيتي، نبيذ، قضاء الليل، أنوثة ملفتة؛ فالطبيعي أن يجيء اختفاؤه في اليوم التالي، بينما أذكر الكثير عنا، وأراه الآن ينكر كل ما أنكره أنا، لم يبقَ لي سوى إلغاء كل الإجراءات التي لا أعرف عنها شيئًا، وألملم أوراق أبي وأخرج من مكتبه ثائرة لأجد موظفيه أمام المكتب كالجيران المتطفلة، صحت بهم: «لست زوجته، ولم يضربني، إلام تنظرون؟!»

خرج خلفي لم يكن يفهم سبب ثورتي، يتصور أنني غضبت لأنه رحل وأنا نائمة! يردد الاعتذارات، حاول تهدئتي، حتى جلسنا في مقهًى بفندق يواجه البحر بمحطة الرمل، طلب لي عصير الليمون المثلج، وتناول هو القهوة.

روى لي ما حدث في اليوم الذي لا أعرف عنه شيئًا، قال بأنني كنت مختلفة، أظهر تفهمًا، يصدقني، ولم أفهم أيضًا سر تفهمه، جعلني أروي له كل شيء منذ عرفته، بدت عليه الدهشة، لكنها لم تكن بقدر دهشتي، وكأنه سمع ما قلته من قبل.

جلسنا نتلحف صمتنا، يقينا قليلًا من برودة تلك الحقائق التي لا نعرفها، تدهشنا ولم نعد ننكرها، يصدقني ويصدق روايتي، وأصدقه وأصدق روايته، تحول الغضب لخوف، وتحولت الاتهامات باندفاعها لتَراجُع بعيد ببئر من الخواء، هل أصابنا جميعًا ما أصاب أمي؟ داء النسيان؟

ودعني وهو يقبل بعينيه الأخرى، وودعته وأنا أشتاق بروحي للآخر، ما كنت أدركت بعدُ أننا صرنا أربعة.

كنت أفكر وأنا راحلة عنه، نعم أشتاق للآخر، لكني أريد معرفة الثاني، لا أفهم ماذا أريد؟ أو مَن أريد؟ وحين بدأت أفهم ما يحدث له، وعرفت بوجودها أدركت ما قد تكون عليه حالته، هل يمكن أن أترك لها الأول فهو يشبهها، وتترك لي الثاني فهو يشبهني، لكنني أخاف المزيد من التعلق، تكفيني حيرتي، وتكفيه حيرته، أهكذا كان أبي؟ مبتسمًا للجميع، قاسيًا حادًّا مع أمي، هل كان أيضًا مزدوج المشاعر؟ هل هذا عذر لأبي؟ لا، الجميع يدعي الحسن بينما ينضح قبحًا، لا يستحقني، كما كان أبي لا يستحق أمي.

– اهدئي أمل، هل تريدين بعض القهوة؟

– لا، شكرًا دكتور، أريد فقط الذهاب الآن، هذا ما أحتاجه الآن.

– حسنًا، يمكنك الآن الذهاب لحجرتك.

أغمضت أمل عينيها والدكتور أحمد ينظر بتعجب لكل تلك المعلومات والملاحظات، عاد لكل ما يعرفه عن الأب، لم يكن سيئًا على الإطلاق، كان يعتقد أن مفتاح العقدة في والديها، وضع ملاحظة أخرى، وأعد ملفًّا آخر للدكتور عبد الله مسعود قبل أن تفيق أمل، إلهة الصيد.

– هل تعرف أن عبد الله المنمق أكثر إثارة من الفنان الفيلسوف؟

– لم يكن هذا رأيك من قبل.

– هل قلت لك رأيي من قبل؟

– أعتقد، لكن يسعدني أن أسمع أكثر منك.

– أنا متعبة الآن سآتي لك قريبًا.

ودعت الدكتور أحمد مراد ورحلت أمل، وتركته وسط الكثير من علامات الاستفهام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١