الفصل التاسع

الأعداد والثقافة: نمَط الإعاشة والرمزية

على قمَّة هرم خوفو، أكبرِ أهرامات الجيزة، نجد السِّحر الرياضيَّ لقُدماء المصريين يَقبع هناك عاريًا؛ ملايين الأطنان من الحجر الجيري المُجوَّى تتقارب عند القمة المُربَّعة، وهي مساحة تتَّسع بالكاد لأن يَستريحَ فيها فردٌ واحد فقط بعد وصوله إلى القمة، وتُحيط به منحدرات شديدة الانحدار على الجوانب الأربعة (غير أنَّ أعقاب السجائر المُبعثَرة على القمة توضِّح أنَّ العديد من الأشخاص قد تمكَّنوا من الصعود والاسترخاء هناك بالأعلى). حين ينظر المرء إلى جوانب الهرم من الأعلى، وهو يبتلع أي نزعة لرُهاب المُرتفعات، فإنه يُدهَش من الانتظام الهندسي لمربَّعات الحجارة مُتَّحِدة المركز، التي تأخُذنا نحو القاعدة؛ فعلى طول ١٣٩ مترًا رأسيًّا، يزداد حجم المربعات المرصوصة تدريجيًّا كلما اقتربَت من الأرض. وعلى العكس من القمة المربعة الصغيرة للغاية، يبلغ طول كلِّ جانبٍ من جوانب القاعدة المربعة ما يقرُب من ٢٣٠ مترًا. ومن المُثير أنَّ محيط قاعدة الهرم، يُساوي تقريبًا ضِعف الارتفاع الأصلي للهرم عند ضرب هذا الارتفاع في ثابت الدائرة π.1 لا يزال بعض الخلاف قائمًا بشأن ما إذا كان هذا التناظُر مقصودًا أم أنه أمر عرَضي فحَسْب قد جاء نتيجةً للتناظر الكلي للهرم ودقَّة البناء. أما ما لا يوجَد خلافٌ بشأنه، فهو أنَّ هذا الهرم إنجاز استثنائي وخالدٌ للمِعماريين والعمَّال القُدامى. لقد صمَد كأعلى بناءٍ صنَعه البشر على مدار ما يَقرب من أربعة آلاف عام، وذلك إلى أن اكتملَت كاتدرائية لِنكولن في إنجلترا عام ١٣١١. لقد كان الهرَم مقبرةً للفرعون المصري خوفو منذ أن اكتمَل إنشاؤه قرابة العام ٢٥٤٠ قبل الميلاد؛ فهذا البناء المذهل قديمٌ للغاية حتى إنه قد ظلَّ من أماكن الجذب السياحيِّ على مدار آلاف السنين حتى الآن. إنَّ إنشاءه قد استلزم تخصيص نسبةٍ كبيرة من السكان للعمل فيه، وهم الذين أنشَئوه، مثله في ذلك كغيره من الآثار العظيمة والمقابر والمباني. لقد احتلَّ مركزًا مِحوريًّا في ثقافتهم، مُجسِّدًا لأساطيرهم ومُعزِّزًا العديد من القِيَم الرُّوحية. إنَّ تشييد هرم خوفو وغيره من الأهرامات، قد أسهم في تشكيل حياة المصريين القدماء، بل إنه لا يَزال يُؤدي دورًا بارزًا في حياة الكثير من المصريين المُعاصِرين الذين ينتفعون من السياحة بعد بنائه بأربعة آلاف وخمسمائة عام.

إنَّ الأمر لا يتطلَّب الكثير من التأمُّل حتى نُدرك أنَّ البناء، كغيره الكثير من إنجازات البشرية في آلاف الأعوام القليلة الماضية، لم يكن لِيُصبح ممكِنًا بدون الأعداد والرياضيَّات؛ فالمشروعات الكبيرة التي يتعاون فيها عددٌ من الثقافات، التي تُسهِم بدورها في تشكيل تلك الثقافات من خلال حَلْقة استجابة مادية اجتماعية، عادةً ما تتوقَّف على الرياضيات. ولن يختلف أحدٌ على أنَّ الرياضيات قد سمحَت بازدهار بعض المظاهر الواضحة من الثقافة المادية، مثل هرم خوفو وغيره من المباني الضخمة. في هذا الفصل، سوف نستكشف عددًا قليلًا من هذه الطرُق التي غيرَت بها الأعدادُ خبراتِ البشر اليوميةَ في معظم الثقافات. إضافةً إلى هرم خوفو، توجَد العديد من الأمثلة الأقل وضوحًا والأكثر انتشارًا، في مظاهر الثقافة المادية والرمزية التي ابتُكِرت من خلال الأعداد أو أصبحت مُمكنة بسبب وجودها؛ فمنذ فترةٍ طويلة ونحن نعترِف بأنَّ الرياضيات مؤشر مُهمٌّ للعمارة والتصنيع، وتَقدُّم العمليات الطبية والعِلمية وما إلى ذلك. وبالرغم مما يحمله هذا الاعتراف العام من مزايا، فيُمكننا أن نقول إنه يعكس قِصَر نظرنا التاريخي؛ إذ إنَّنا عادةً ما نُركِّز على التطوُّرات الحديثة نسبيًّا في الرياضيات الغربية، التي نتَج عنها العديدُ من الإنجازات في مجالات الهندسة والعلوم. أما هنا، فنحن نُولي تركيزًا أكبرَ على عمقٍ تاريخي أبعد، وعلى الدور التأسيسي الذي لعِبَته الأعداد في بناء الممارسات الثقافية التي أعادت تشكيل الخبرة البشرية، بعيدًا عن دورها في الرياضيات المُتقدِّمة. ربما يكون الأمر الأكثر أهمية، هو أنَّ الأعداد قد جعلت من الثورات الزراعية أمرًا مُمكنًا، وما يَرتبط بها من اختراع أنظمة الكتابة في أجزاء مختلفة من العالم، وفي مراحل مختلفة من التاريخ. فلم تتطوَّر الممارسات الرياضية المعقدة في بلاد الرافدَين والصين وأمريكا الوسطى، إلا بعد أن وفرَت الثورات الزراعية الفوائض الغذائية، التي أتاحت وجود طبقاتٍ من الأشخاص المدرَّبين على استخدام الرياضيات في هذه المناطق. بالرغم من ذلك، فقبل هذه التطورات، لم يكن ظهور الأنظمة العددية سابقًا على الزراعة والكتابة بشكلٍ عرَضي؛ ففي واقع الأمر كانت هذه الأنظمة العددية هي الأساسَ الذي بُنِيَت عليه هذه الحضارات الكبيرة، ومنها الحضارة التي شَيَّدَت هرم خوفو. ولسْنا نزعُم هنا أنَّ الأنظمة العددية المعقَّدة تتمخَّض دومًا عن اتساع الرقعة الزراعية أو أنظمة الكتابة، بل نزعُم أنَّ استخدام مثل هذه الأنظمة كان معيارًا ضروريًّا لانبثاق مثل هذه الظواهر. وفيما يلي سأُقدِّم بعض الأدلة التي تدعم هذا الرأي.

الأعداد ونمَط الإعاشة

إننا نُرشِّح خِبرتنا من خلال ما تعلَّمناه وشاركناه من معتقَداتٍ وقِيَم وأدوات ورثناها من المُحيطين بنا، وذلك بطرُقٍ لا شعورية في معظم الأحوال. أي إننا نُرشِّح خبرتنا من خلال ثقافتنا الأصلية. إنَّ جميع عناصر حياتنا تقريبًا تتأثَّر بهذا الترشيح؛ ماذا يعني لك الزواج؟ حسنًا، يتوقَّف هذا على ثقافتك الأصلية؛ ففي بعض الثقافات يعني الزواجُ أن يكون لك أكثرُ من شريكة، وفي ثقافاتٍ أخرى يعني الزواجُ الارتباطَ بشريكةٍ واحدة فقط. أحيانًا يكون الزواج بعقدٍ مدى الحياة، وأحيانًا لا يحدُث هذا. في تَجارِبي الشخصية في ثقافاتٍ مختلفة، شهدتُ زواج مُراهقَين عمرهما اثنا عشَر عامًا، وزواج أنثى عمرها أحدَ عشر عامًا من ذكرٍ عمره أربعون عامًا، وزواج رجلٍ واحدٍ بعدَّة نساء، وزواج امرأتَين في الخمسين من عمرهما، إضافةً إلى غير ذلك الكثير من ترتيبات الزواج. وفي كلٍّ من هذه الثقافات التي التقيتُ فيها بأفرادٍ في هذه الزيجات، كانت ترتيباتهم تبدو طبيعيةً للغاية بالنسبة إليهم، بالرغم من أنها تبدو شاذَّةً جدًّا في بعض المُجتمعات في العالم. إنَّ هذه الترتيباتِ تعكس بعض الاختلافات الأساسية في مفهوم الطفولة بين ثقافات العالَم أيضًا. وليس هذا مجالًا لذِكر الطرُق التي تُؤسِّس بها الثقافات حياتنا الاجتماعية، لكن إذا كانت الثقافات تُحدِّد مفهومنا عن الطفولة والزواج، فلن يقَع خارج نطاقها من جوانب الحياة إلا عددٌ قليل. ومثلما ذكرتُ سابقًا، فإنَّ المكوِّن اللغوي للثقافة يمكن أن يؤثر في كلِّ شيء، بدايةً من كيفية تفكيرنا في الزمان والمكان، إلى التمييز بين فئات الألوان، وأحيانًا يكون ذلك بشكلٍ مُستمر (وإن كان خفيًّا). موجَز القول أنَّ خِبرتنا الإدراكية والسلوكية تعدُّ نتيجةً لعوامل تتعلق بالثقافة بطريقةٍ أو بأخرى. وهذه العوامل تتضمَّن الأعدادَ التي تستخدِمها مجموعاتٌ مُحدَّدة من الأشخاص.

مثلما رأيْنا، فإنَّ مصطلحات الأعداد يكون لها تأثيرٌ على التفكير العددي الأساسي؛ إذ تُمكِّننا من اكتساب المهارات الأساسية لتمييز الكميات، ويمكن استخدام هذه المهارات بعد ذلك في تأسيس عِلم الحساب. إضافةً إلى هذا، يبدو أنَّ المهارات الأساسية لتمييز الكميات وعلم الحساب، تسمح بوجود ما يرتبط بها من تغييرات ثقافية، أو تُسهِّل من وجودها على الأقل، مثل تلك التغيرات المُرتبطة بنمَط الإعاشة. وبهذا، فقد تُشكِّل تلك التغييراتُ مصدرَ ضغطٍ على أفراد ثقافات محدَّدة في أن يَزيدوا من تطوير مخزونهم من مفردات الأعداد، وأن يَصقُلوا استراتيجياتهم الحسابية. وبعبارةٍ أخرى: يبدو أنَّ هناك علاقةً تكافُلية بين الأعداد والجوانب غير اللغوية من الثقافة؛ إذ إنَّ كِلَيهما يتوقَّف على الآخر، على مدار الأجيال. ويتَّضح جزءٌ من هذه الأدلة التي تدعم وجود هذه العلاقة التكافُلية، من خلال دراسة العلاقات العالمية بين العناصر السلوكية في الثقافة، وبين اللغة العددية.

إنَّ أحد الأمور المذهلة بشأن الأعداد (من منظورٍ مُتعدِّد الثقافات) هو النطاق الواسع لتنوُّعها، ويتَّضح هذا التنوُّع في المعلومات التي عرَضْناها في هذا الكتاب. ويجدُر بنا أن نُشير إلى أنَّ معظم جوانب المعنى لا تتنوَّع بهذه الدرجة الكبيرة فيما يتعلَّق بنطاق التعبير عنها في لغات العالم. فعلى سبيل المثال، في حالة مصطلحات الألوان، نجد تنوُّعًا بالفعل فيما يتعلق بكيفية ترميز لغات العالم لدرجات الألوان، لكنَّ هذا التنوُّع ينحصِر في نطاق عدد مصطلحات الألوان الأساسية، وعادةً ما تمتلك اللغاتُ ما يتراوَح بين ثلاثة مصطلحات وأحد عشر مصطلحًا للألوان الأساسية. وينطبق الأمر نفسُه على مصطلحات العواطف، وحتى الروائح قد ثبَت أنها تتنوَّع بطرُقٍ مشابهة، إضافةً إلى مجموعةٍ متنوعة من فئات المفاهيم. أما حين يتعلق الأمر بمفاهيم الكميات، فإنَّ اللغات تختلف بدرجةٍ أكبر في عدد الكلمات التي تستخدمها، في ترتيب الحجم، على المقياس الأُسِّي. وهذا لا يَعني أنَّه لا توجَد قواعد في كيفية بناء تعبيرات الأعداد، وهو لا يَعني أيضًا أنَّ معانيَ مصطلحات الأعداد ليس لها حدود. فبالرغم من أنَّ مقدار مفردات الأعداد يختلف اختلافًا كبيرًا بين اللغات، نظرًا إلى أنَّ نطاق الكميات التي يمكن تَسميتها غير محدود، فإنَّ ترجمة هذه المفردات عادةً ما تكون مباشِرة للغاية؛ فالكلمة التي تُعبِّر عن العدد ٦ في أي لغةٍ من اللغات، يُشير تعريفها إلى التعبير عن ستة أشياء على وجه التحديد. وهو أمر منطقي؛ فالأجسام المادية كمياتها مُنفصلة، أي إنها ترِد في مجموعاتٍ منفصلة. وعلى العكس من ذلك، نجد أنَّ ألوان الطيف الضوئي المرئي تمتزِج مع بعضها. ونتيجةً لهذا، ولعوامِلَ أُخرى، فإنَّ الدلالات المادية التي تُعبِّر عنها مصطلحات الألوان غالبًا ما تختلف بعضَ الشيء من لغةٍ إلى أخرى (راجع الفصل الأول)؛ إذ إنَّ هذه المصطلحات تُقسِّم الضوء المرئيَّ بأشكالٍ محددة، لكنها مُتباينة. وعلى العكس من ذلك، فإنَّ معنى كلمةٍ مثل «خمسة» يظلُّ ثابتًا بين اللغات بشكلٍ عام.

مع ذلك، فنظرًا إلى أنَّ «النطاق» الذي يمكن أن تتنوَّع فيه الأعداد المنطوقة بين الثقافات منقطعُ النظير، فثَمَّة أهمية خاصَّة لأنْ نَستكشف العلاقة بين أنظمة الأعداد وغيرها من العوامل الثقافية. لقد انشغَل العديد من الباحثين باستكشاف العلاقة بين الأعداد والثقافة على مدار سنوات، وسوف نناقِش هنا أحد أهمِّ النتائج التي توصَّلَت إليها هذه الأعمال البحثية، وهي إظهار العلاقة بين أنواع أنظمة الأعداد وبين أساليب الإعاشة. وقد قدَّمَت الأعمالُ الحديثة بعضَ الأدلَّة على وجود ارتباطٍ يمكن تمييزه بوضوحٍ بين الأنظمة العددية البسيطة (التي توشِك أحيانًا ألَّا تكون موجودةً على الإطلاق)، وبين أسلوب الإعاشة القائم على الصيد وجمْع الثمار. وعلى العكس من ذلك، تُوضِّح هذه الأعمالُ وجودَ علاقةٍ بين أنظمة العيش الزراعية وبين أنظمة الأعداد الأكثر تعقيدًا.2
بقيادة بيشَنس إبس من جامعة تكساس، قام فريق من علماء اللغويات مؤخَّرًا بتوثيق تعقيد أنظمة الأعداد في العديد من لُغات العالم. وقد اهتمَّ الباحثون تحديدًا بالحدِّ العددي الأعلى في اللغات، أي أكبر كميةٍ لها اسم مُحدَّد. وليس من السهل تأسيسُ هذا الحدِّ في حالة بعض اللغات، مثل لغة الباردي؛ فهذه اللغة الأسترالية تَستخدِم كلماتٍ للتعبير عن الكميات ١ و٢ و٣، لكنَّ وضع الكلمة التي تَرمُز إلى الكمية ٤ أقلُّ وضوحًا؛ إذ إنها تنطوي على تَكرار الكلمة المُستخدَمة للعدد ٢. (مثلما أشرْنا في الفصل الثامن، فإنَّ الكلمة التي تُعبِّر عن العدد «أربعة» في اللغات الأسترالية، غالبًا ما تتكوَّن من أعدادٍ أصغر.) إضافةً إلى ذلك، فإنَّ كلمة «ني-مارلا» أو «يد» يمكن أن تُشير إلى العدد ٥، لكنَّ ذلك بين بعض مُتحدِّثي الباردي فحسْب. ومثل هذا العدد المُميز يُجسِّد مثالًا على التحدِّيات العرَضية في تأسيس الحدود العُليا في أنظمةٍ عددية مُعينة. بالرغم من ذلك، ففي معظم الحالات يَكون تحديد العدد الأكبر في لغةٍ ما مهمةً مباشرة بدرجةٍ كبيرة. وقد توصَّل الفريق المَعنيُّ من علماء اللُّغويات إلى الحدِّ العددي الأكبر في ١٩٣ لغة في الثقافات التي تقوم على الصيد وجمع الثِّمار في أستراليا والأمازون وأفريقيا وأمريكا الشمالية. إضافةً إلى ذلك، فقد فحَصوا الحدَّ العدديَّ الأكبر في ٢٠٤ من اللغات في الثقافات الزراعية والرعوية في هذه الأماكن أيضًا، واكتشفوا أنَّ الحدَّ العددي في لغات الجماعات التي تعتمِد على الصيد وجمع الثمار، عادةً ما يكون أصغر. وينطبق ذلك تحديدًا في أستراليا والأمازون، وهي المناطق التي تعتمِد في أسلوب العيش على الصيد وجمع الثمار بشكلٍ كامل. وقد ذكَرْنا الأعداد المحدودة التي تستخدِمها هذه اللغات في الفصل الثالث، أما الآن فسوف نربط هذه القيود بالعوامل الثقافية.3
في حالة اللغات الأسترالية لاحظَتِ الدراسة المَعنيَّة أنَّ ٨٠ بالمائة من اللغات، محدودة من ناحية الأعداد، وأكبر كمية تُمثَّل فيها لا تَزيد عن ٣ أو ٤.4 وقد أشارت الدراسةُ إلى أنَّ لغةً أسترالية واحدة، وهي لغة الجاميلاراي، هي التي يَزيد حدُّها العددي الأكبرُ على العشَرة، وأعلى عدد تُمثِّله هو العدد ٢٠. ونظرًا إلى أنَّ كل جماعات السكَّان الأصليين في أستراليا تعتمد عادةً على الصيد وجَمع الثمار، فإنَّ العلاقة بين وجود عددٍ محدود من مصطلحات الأعداد ونمَط العيش، يؤثِّر بشدَّة على الاتجاه المُتوقَّع في تلك القارة. وتتَّضِح هذه العلاقة بقوةٍ أيضًا في أمريكا الجنوبية، أو الأمازون على وجه التحديد؛ فعادةً ما يكون الحدُّ الأعلى في اللغات التي تستخدِمها ثقافاتُ الصيد وجمع الثمار في هذا الإقليم، أقلَّ من عشرة، فلا توجَد سوى لغةٍ واحدة من هذه اللغات هي التي تَمتلك أعدادًا للكميات الأكبر من ٢٠، وهي لغة هاوراني. إنَّ ثُلثَيِ اللغات التي تستخدِمها جماعات هذا الإقليم يكون الحدُّ الأكبر فيها ٥ أو أقل، وأما الثلث الآخَر فلا يَزيد الحدُّ الأكبر فيه عن عشرة. وهذه النِّسَب من الأنظمة العددية المحدودة أكبر كثيرًا ممَّا قد نتوقَّعه من عَيِّنةٍ عشوائية من الثقافات. واختصارًا، فإنَّ العلاقة بين أساليب العيش الأساسية والتعقيد العددي مُتغلغلةٌ في هذه الأقاليم.
وبالرغم مما تَجلُبه مثلُ هذه النتائج من فائدة، فإنها تنطوي على إحدى المشكلات، وهي أنها مَبنيَّة على أساس التصنيف المُبسَّط للثقافات إلى نوعَين: ثقافات تتبع نمَط الصيد وجمع الثمار مقابلَ ثقافات لا تتبع نمطَ الصيد وجمع الثمار. وهذا التصنيف ضروريٌّ لإجراء هذا العمل الاستبياني، غير أنه مِن المهم أيضًا أن نُراعيَ أنَّ أنماط إعاشة البشر تتنوَّع تنوُّعًا أكبر مما يَنطوي عليه هذان المُسمَّيان. فعلى سبيل المثال، نجد أنَّ المجموعات التي تعيش على الصيد وجمع الثمار تختلف بدرجةٍ كبيرة في مقدار ما تحصُل عليه من سُعراتٍ حرارية من خلال الصيد، وفي أنواع الصيد الذي تُمارسه. وبالرغم من كلِّ شيء، فإنَّ مجموعاتِ الصيد وجمعِ الثمار في أستراليا والأمازون وغيرها من الأماكن، تصطاد أنواعًا مختلِفة من الحيوانات، وتعيش في أنظمةٍ بيئية مختلفة. وهذا الاختلاف في الأنظمة البيئية، يتضمَّن الاختلافَ في إمكانية الوصول إلى مصادر الماء العذب، ومن ثَمَّ اختلاف معدلات الاعتماد على الأسماك وغيرها من الحيوانات المائية كمصدرٍ للحصول على السُّعرات الحرارية. إضافةً إلى ذلك، فالعديد من الجماعات التي تعتمد على الصيد وجمع الثمار، تعتمد على أساليب القطع والحرْق في الزراعة، بدرجةٍ ما على الأقل، حتى وإن لم يُمارِسوا الزراعة المُستقرة على الإطلاق. وأخيرًا، فإنَّ أنواع الشبكات الاجتماعية الأكبرَ التي تتضمَّن مجموعاتِ الصيد وجمع الثمار، تختلف اختلافًا كبيرًا؛ فبعض مجموعات الصيد وجمع الثمار في الأمازون تعيش في انعزالٍ بدرجةٍ كبيرة. وفي الواقع، وفقًا لتقنيات التصوير بالقمر الصناعي الجديدة، توجَد العديد من جماعات السكَّان الأصليين المُنعزلة التي تعيش في الإقليم. وعلى العكس من ذلك، فإنَّ معظم جماعات الصيد وجمع الثمار التي تَعيش في منطقة الحوض العظيم بجنوب غرب أمريكا (وهي المنطقة التي ركَّز عليها إبس وزملاؤه)، طالما كانت مُتَّصِلة مع بعضها البعض، ومتَّصِلة بالمجتمعات الأكبر منها أيضًا. ومع هذا التواصل يأتي انتشار التجارة وتقييم السِّلَع، مما يَزيد من فائدة مفردات الأعداد، بينما يُؤدي هذا الترابُط المجتمعي الكبير إلى استعارة مفردات الأعداد. وموجز القول أنَّ ثقافات الصيد وجمع الثمار المختلفة، تواجِه ضغوطاتٍ اجتماعيةً ثقافية كبيرةَ التنوُّع، فيما يتعلَّق بزيادة استخدام الأعداد. ومن ثَمَّ، فبالرغم من أنَّ الاستخدام المُتجانس لمصطلحات مثل «مجموعات الصيد وجمع الثمار» أمر منطقي، فهو يُعتِّم على بعض الاختلافات المهمة بين أنواع الثقافات؛ ولهذا فليس من الغريب أنَّ مجموعات الصيد وجمع الثمار في أمريكا الشمالية، تمتلك أنظمةً عددية أكثرَ تعقيدًا، من تلك التي تمتلكها مجموعات الصيد وجمع الثمار التي تعيش في الأمازون على سبيل المثال.5

وبالرغم من محدودية المصطلحات المُستخدَمة لتصنيف الجماعات السكانية البشرية، فلا يزال لدَينا ارتباطٌ واضح بين أنواع أسلوب العيش، وتعقيد أنظمة الأعداد: الجماعات التي تعتمِد على الصيد وجمع الثمار، ولا تستخدِم الزراعة أو غيرها من الأساليب الزراعية المعقَّدة إلا قليلًا، تستخدم تقنياتٍ عدديةً مُتواضعةً في معظم الأحيان. وينبغي أن أؤكد على «في معظم الأحيان» هنا؛ إذ يوجَد بعض الاستثناءات من المجتمعات التي لا تعتمد على الزراعة، لكنها تمتلك حدودًا عددية كبيرةً نسبيًّا. ويوجَد عددٌ قليل من المُجتمعات الاستثنائية التي تُطبِّق بعض الممارسات الأساسية في الزراعة، لكن حدودها العددية منخفضة (مثل جماعة الموندوروكو التي تناولناها في المناقشة في الفصل الخامس.) بالرغم من ذلك، فما من جماعاتٍ زراعية كبيرة، سواءٌ في الوقت الحاليِّ أو في التاريخ المسجَّل لدَينا، دون أنظمةٍ عددية معقَّدة. ومع ذلك، يجِب أن أوضح أنَّ التفسير الذي أطرحه ليس تفسيرًا حتميًّا يَقضي بأنَّ الأنظمة العددية التي تتَّسم بوجود حدودٍ عددية مُرتفِعة، تؤدِّي حتمًا إلى ظهور الزراعة. وإنما أقترح أنَّ الأنظمة العددية القوية (كانت) ولا تزال عاملًا مهِمًّا يساعد في ابتكار الممارسات الزراعية. غير أنَّنا في نهاية المطاف نفترِض وجود تطوُّرٍ مشترك بين الأنظمة العددية وأنماط الإعاشة، أي إنَّ أنواعًا محدَّدة من أنماط الإعاشة (مثل الزراعة المُستقرة) تُشكِّل بعض الضغوطات لتطوير أنواعٍ أكثر تعقيدًا من الأعداد.

إنَّ تداعيات هذا الاستنتاج لا تقتصر على وعينا بالبشر في الوقت الحاليِّ فحسب، ولكنها تُؤثر أيضًا على فَهمنا للبشر على مدار التاريخ. فقد عاش نوعُنا في الغالبية العظمى من فترة وجوده على الصيد وجمع الثمار في أفريقيا، دون ممارساتٍ زراعية ولا شبكات تِجارة مُعقَّدة؛ إذن فمِن التفسيرات المنطقية للتوزيع المُعاصر لأنواع الأنظمة الثقافية والعددية، هو أنَّ البشر لم يَستخدِموا الأنظمة العددية المعقَّدة على مدار الجزء الأكبر من تاريخهم. ومن التفسيرات المنطقية الأخرى أنَّ التحوُّل إلى ثقافاتٍ أكثرَ استقرارًا وتعتمد على التجارة بدرجةٍ أكبر، قد أسهم في دفع العديد من المجموعات إلى تطوير تقنياتٍ عددية أكثر تعقيدًا. وقد كان هذا التحوُّل واضحًا بالفعل في نِقاشنا لنشأة الكتابة في الفصل الثاني؛ فقد تطوَّرت الأعداد المكتوبة، والكتابة بوجهٍ عام، في منطقة الهلال الخصيب بعد أن بدأَت الثورة الزراعية هناك؛ فحين بدأ البشر الذين كانوا يَعيشون في هذه المنطقة في تطوير مَزارعَ كبيرة، وأصبحَت الحياة في تلك المنطقة تعتمِد بصورةٍ أكبرَ على الزراعة، ظهرَت ضغوطات جديدة دفعَت البشر الذين يعيشون في هذا الجزء من العالَم إلى تسجيل كميات السِّلع بدقة. فقد كان عليهم مثلًا أن يَعُدُّوا مخزون القمح والشعير والدخن، وأن يُسجِّلوا أعداد هذه المحاصيل وغيرها من السلع الناتجة عن الزراعة أو التصنيع أو كِلَيهما، وذلك في المراكز الحضَرية التي تعتمد على الزراعة. وفي النهاية نتج عن هذه الضغوطات اختراعُ الأرقام وغيرها من الرموز، وذلك مثل الأرقام القائمة على العملات الفخَّارية، التي ناقشناها في الفصل الثاني. وقد أتاحَتْ هذه الأرقام وجود أشكالٍ جديدة من الزراعة والتجارة، التي كانت تَستلزم تمثيل الكميات والتمييز بينها بدقة. ومن ثَمَّ، فإنَّ المثال القديم لبلاد الرافدَين، يُوضِّح السبب وراء الربط الحاليِّ بين نمَط الإعاشة وأنواع الأعداد؛ فالأنظمة الاقتصادية الكبيرة التي تقوم على الزراعة والتجارة، تَستلزم وجود التعقيد العددي كي تنجَح. ومثل الأرقام المكتوبة فإنَّ الحدود العددية الكبيرة تُؤدِّي إلى نجاح الزراعة والتجارة؛ إذ إنها تُمكِّننا من التمييز الدقيق بين جميع الكميات المعنيَّة.

حتى بعض الممارسات الزراعية التي يُفترَض بأنها بسيطة، لن تكون مُمكِنة إن لم يَسبقها وجودُ أنظمة عددية معقَّدة. فمن جميع الأدلة التي استعرضناها، يُمكِننا القول بأنَّ الثورة الزراعية لم تكن لِتَحدُث إن لم يُطوِّر البشر مجموعاتٍ واسعةً من الأعداد. فمثلما رأيْنا يحتاج البشرُ إلى الأعداد كي يتمكَّنوا من التمييز بين معظم الكميات بدقة؛ ومن ثمَّ فمن الواضح أنَّ مفردات الأعداد وغيرها من الأدوات العددية ضرورية لنا لكي نتمكَّن من متابعة دورة القمر، وغيرها من السِّمات البيئية الضرورية لتطوير العديد من المُمارسات الزراعية. وبسبب هذه الضرورة؛ فإنَّ العديد من السجلات العددية المُبكِّرة في مناطقَ مختلفة مثل أمريكا الوسطى وبلاد الرافدَين، تتبع الدوراتِ الفلكيةَ والفصول. وبدون التقويمات المُفصَّلة المُستنِدة إلى الأعداد، لم يكن للبشر أن يتتبَّعوا الأنماطَ السَّماوية غير الواضحة، مثل تَكْرار مواقع الشمس في أوقاتٍ مختلِفة من العام. لقد اخترَعْنا أدواتٍ عددية، وقد أصبح من المُمكن أن نَستخدِم هذه الأدواتِ بعد ذلك بطرُقٍ غير مُتوقَّعة، ويمكن تحسينها لتلبية احتياجاتٍ غير مُتوقَّعة أيضًا. إنَّ استخدام الأعداد قد مكَّن البشَر من تتبُّع حدوث الاعتدال الربيعي والانقلاب الشتوي على سبيل المثال، وقد ثبَتَ أنَّ ذلك أمر مِحوري للزراعة. إضافةً إلى ذلك، فالأنظمة العددية التي تتضمَّن حدودًا عدديةً كبيرة، قد مكَّنَت السومريين وغيرهم من تحديد عدد صفوف الشعير بدقَّة، أو قياس مخزون الحبوب للشتاء على وجه التحديد. وبدون الأعداد لن تَكون مثل هذه المهام صعبةً فحسْب، بل مُستحيلة. ويمكننا أن نقول هذا الآن بثقة؛ نظرًا إلى الأبحاث التجريبية الحديثة التي ناقشناها في هذا الكتاب؛ إذن فالأعداد تُمكِّننا من الزراعة، وفي نهاية المطاف تؤدي الزراعة إلى وجود مُجتمعاتٍ أكبر وأكثر استقرارًا، وهذه المجتمعات تُنتِج شبكاتٍ أكبرَ من العقول التي تتشارك اللغة نفسها؛ ومِن ثمَّ تنتشر الأدوات العددية خلالها بسرعة.

إنَّ انتشار الأدوات العددية لم يكُن سِمةً مميزة للماضي فحسْب، أي خلال الثورة الزراعية في الهلال الخصيب على سبيل المثال. فالواقع أنَّ انتشار أنظمة الأعداد لا يَزال يُغيِّر أنماط العيش، والأرجح أنه يَحدُث اليوم بالغزارة نفسِها التي كان يَحدُث بها في أي فترةٍ من التاريخ؛ فثمَّة أنواعٌ مختلفة من الضغوطات الاجتماعية الثقافية التي تواجِهُ الأفراد في عصرنا، وتَدفعهم إلى استخدام أنظمةٍ عددية وتعديلها. فلنتأمَّل مثالًا هذه الحالة، وهو صديق لي يَنتمي إلى إحدى الجماعات الأصلية، هي الكاريتيانا. ومن أجل الحفاظ على سرِّية هُوية صديقي هذا؛ سوف أُشير إليه باسم باولو. إنَّ جماعة الكاريتيانا تتكوَّن من ٣٥٠ فردًا من السكان الأصليين، يعيشون في جنوب غرب الأمازون. ويَعيش معظمهم في مَحميَّة تبعُد حوالي ٩٠ كيلومترًا عن المدينة البرازيلية النامية، بورتو فاليو، غير أنَّ نسبةً مُتزايِدة من أفراد الكاريتيانا يَعيشون في بورتو فاليو نفسِها. قضى باولو الجزءَ الأكبر من طفولته في ثمانينيَّات القرن الماضي وتسعينيَّاته في أكبر قرية في المحمية التي تعيش فيها الجماعة. فيمكننا القول إنه قد نشأ في جزيرة بالأدغال تُحيط بها الطرُق والمزارع البرازيلية. خلال ذلك الوقت، تعلَّم أعداد الكاريتيانا (راجع الفصل الثالث) لكنه تعرَّض أيضًا للأعداد البرتغالية والأرقام البرتغالية. وينطبق الأمر نفسُه على بقية أفراد جيله من الكاريتيانا. فبينما كان العديد من أفراد الكاريتيانا يسعَون وراء رزقهم في مدينة بورتو فاليو المُجاورة، جاهد العديد منهم للحفاظ على طريقتهم التقليدية في العيش في مَحمِيَّتهم. وقد كان ذلك مُتاحًا في ذلك الوقت؛ إذ كان لا يَزال من الممكن ممارسةُ طرُقهم التقليدية في العيش من الصيد وجمع الثمار والبستنة. أما حديثًا فقد صار الحفاظ على طريقتهم التقليدية في العيش أمرًا يصعُب التمسُّك به؛ إذ بُني بالقُرب منهم سدٌّ كهرومائي مما أثر على مصائد الأسماك المحلية. وفي الوقت نفسه صارت أراضي الكاريتيانا تُواجِه تعدِّيًا أكثر مباشرة على يد عددٍ مُتزايد من السكان البرازيليين المَحليِّين، وقد نتج عن هذا التعدِّي وجودُ كمياتٍ أقلَّ من الصيد والأسماك في محمية الكاريتيانا. وباختصار، فبالرغم من جمال جزيرتهم الموجودة في الأدغال وفائدتها، شعَر العديد من أفراد الكاريتيانا بأنه لا خيار أمامهم سوى أن يُحاولوا الحصول على عملٍ في الاقتصاد البرازيلي المحلي إنْ هُم أرادوا البقاء والنجاة. ويَنطبق هذ الأمرُ تمامًا على باولو، فقد الْتحَق بالمدارس البرازيلية لبعض الوقت، وحصَّل قدرًا من التعليم العالي، وهو يعمل الآن في منظمةٍ حكومية. ولكي يتمكَّن من القيام بكل هذا؛ كان على باولو بالطبع أن يتعلَّم قواعد اللغة البرتغالية وكتابتها، وكان عليه أيضًا أن يتعلَّم الأعداد والحساب. وباختصارٍ فقد واجه ضغوطاتٍ اجتماعيةً واقتصادية عظيمة، دفعَتْه لتعلُّم أعداد ثقافة أخرى.

لِنَعُد مرةً أخرى إلى موضوعنا؛ إنَّ باولو ليس سوى فردٍ واحد من مئات ملايين الأفراد الذين يتحدَّثون لغاتٍ قد أصبحَت اليوم معرَّضة للاندثار، ويواجهون ضغوطاتٍ مُماثلةً لتعلُّم أعداد لغاتٍ أخرى. ووفقًا لبعض التقديرات، فإنَّ ٩٠ بالمائة من ٧٠٠٠ لغة توجَد اليوم مُعرَّض للاندثار بدرجةٍ أو بأخرى. والسبب الأساسي في تعرُّضها للانقراض، هو أنَّ أفرادًا مثل باولو يُجبَرون على الانضمام لدولٍ أكبر، ويتعلَّمون لغاتٍ أصلحَ للاقتصاد. وهذه اللغات التي تكون ذاتَ أصولٍ أوروبية في العادة، تَستخدِم أنظمةً عددية ورياضية معقَّدة، وتحديدًا عند مقارنتها بلُغات المجتمعات الصغيرة التي تعتمد على الصيد وجمع الثمار والبستنة. فالناس في نيو غينيا وأستراليا والأمازون وغيرها من المناطق يُضطَرُّون إلى تعلُّم الرياضيَّات. ولكي يتمكن السكان الأصليُّون من النجاة أو الكفاح أو كِلَيهما، يُجبَرون باستمرارٍ على التواصُل بشكلٍ أكبر مع شعوب الدول المُهيمِنة. وهذا التفاعل الطويل مع ثقافات شعوب هذه الدول، عادةً ما يستلزم تعلُّم أنظمةٍ عددية معقَّدة. إنَّ هذه النقطة تُوضِّح لنا نمَط ما كان يحدُث من قبل على مستوى كلِّ منطقة بعَينها، على مدار آلاف الأعوام تُشكِّل الثقافاتُ ضغوطاتٍ قويةً على بعضها البعض لتبنِّي الأعداد وغيرها من التقنيات العددية. ومثلما أنَّ الأعداد قد أتاحَتْ حدوث بعض التغيرات الثقافية، مثل الاعتماد على الزراعة بدرجةٍ أكبر، فإنَّ التغيُّرات الثقافية أيضًا تُمكِّن من تعلُّم أعدادٍ جديدة. إنَّ الثقافة السلوكية وأنظمة الأعداد، كل منهما يعمل جنبًا إلى جنب، وتجمَع بينهما حلقةُ استجابة؛ فالتغيُّرات في الممارسات الثقافية غالبًا ما تَستلزم اكتساب أدواتٍ عددية جديدة، مما يُسهِّل بدوره اكتسابَ هذه الممارسات الثقافية، التي قد تتطلَّب بدَورها وجود أدواتٍ عددية أكثر تعقيدًا، وهكذا.

المزايا المُهملة لبعض أنظمة الأعداد

عند الحديث عن المزايا المُحتملة التي أصبحَت ممكِنةً بسبب وجود أنظمةٍ عددية مُعقدة (مثل الزراعة) يجِب أن أُوضِّح أنني لا أساوي بين استخدام مثل هذه الأنظمة وبين «تطوُّر» الثقافة أو اللغة. فقد دأب العديدُ من علماء اللغة والعلماء في مجال علم الإنسان في القرنَين الثامنَ عشر والتاسع عشر على تلك العادة المؤسِفة، وهي مُساواة سِمات اللغات والثقافات الأوروبية بما يُفترَض أنه المرحلة اللاحِقة في تطوُّر المُجتمعات البشرية. ويمكن قول الشيء نفسِه عن المُستعمِرين الأوروبيِّين، الذين كانوا يَعتبرون أنَّ الثقافة الغربية هي أوْجُ التكيُّف الاجتماعي البشري. ولم تَعُد مثلُ هذه الآراء تَحظى بالتقدير، وإن كان ذلك جزئيًّا على الأقل؛ إذ إنَّ الأعمال البحثية الميدانية المُوسَّعة قد أثبتَت أنها محْض هُراء؛ فعلى سبيل المثال، كان بعض المُستوطنين يرَون من قبل أنَّ لُغات السكان الأصليين الأمريكيين بدائية، وتفتقِر إلى التهذيب النحْوي الذي تَحظى به اللغاتُ الأوروبية الحديثة أو الكلاسيكية. وبالرغم من أنَّ البعض من غير المُختصِّين في علم اللغويات ربما لا يَزالون يعتقدون بصحَّةِ مثل هذه الآراء القديمة، فإنَّ العالِمَين في اللغويات ومجال علم الإنسان: فرانز بواس، وإدوارد سابير، قد أطاحا بمِثل هذه الآراء في الدوائر الأكاديمية، وذلك منذ فترةٍ طويلة في أوائل القرن الثامن عشر. فقد وضَّحا كيف أنَّ هذه اللغات التي يُزعَم بأنها لغاتٌ أصلية بدائية، تمتلئ بجميع أشكال التعقيدات النحوية التي لا نجِدها في اللغات الهندية الأوروبية. وذلك لا يَعني أيضًا أنَّ اللغات الأصلية أكثر تعقيدًا؛ فمنذ فترةٍ من الوقت والإجماعُ في مجال اللغويات على أنَّه لا تُوجَد طريقة موضوعية لترتيب اللغات من حيث تعقيدُها الجوهري. إضافةً إلى ذلك، فبما أنَّنا نتَّفِق بصفةٍ عامة على أنَّ جميع اللغات تعود إلى أصلٍ أفريقي؛ فما من أساسٍ نستنتج منه أنَّ بعض اللغات أكثرُ تطوُّرًا من غيرها.

وبِناءً على هذا، فمِن المُهمِّ ألا نقع في الفخِّ نفسه مُجدَّدًا. من الواضح أنَّ اللغات تختلف في درجة تعقيدها العددي؛ إذ إنَّ بعضَها يمتلك مخزونًا من الأعداد أكبرُ كثيرًا مما تمتلِكه غيرها. غير أنَّ ذلك لا يَعني أنَّ هذه اللغاتِ المَعنيةَ هي أكثر تعقيدًا بشكلٍ عام، أو أنَّ المُتحدِّثين بها هم أكثر تقدُّمًا من الناحية الاجتماعية الثقافية، وإنما يَعني أنَّ مُتحدِّثي هذه اللغات يمتلكون أدواتٍ يمكنهم استخدامُها لتسهيل أنواعٍ مُحدَّدة من السلوك. وكل ذلك لا جدال فيه، لكن هذا لا يَعني أنه يمكن وضعُ جميع الثقافات على طريقٍ بسيط يؤدي إلى الحداثة، ولا يَعني أنه يجِب على جميع الناس أن يَهتمُّوا بمثل هذا الطريق. إنَّ حالة الكاريتيانا توضِّح كيف أنَّ استخدام الأنظمة العددية ليس أمرًا اختياريًّا بالنسبة إلى العديد من الأشخاص. والأمر المُثير للاهتمام أنه حتى مع هذه الضغوطات لاستخدام الأنظمة العددية، فإنَّ بعض المجموعات تظلُّ غيرَ راغبة في استخدام مجموعةٍ كبيرة من الأعداد. وتلك هي الحالة التي تنطبق على أفراد البيراها، الذين نجد أنهم عادةً ما يُناهِضون معظم مظاهر الثقافة البرازيلية. فهل يجعل هذا من ثقافة البيراها أقلَّ تقدُّمًا؟ إذا كان المرء يتبنَّى منظور المركزية الأوروبية، فسوف تكون الإجابة أجل بالتأكيد. بالرغم من ذلك، فإنَّ أفراد البيراها يَبدون راضين بشكلٍ عام عن الخيارات التي اتَّخَذوها للحفاظ على ثقافتهم، كما أنَّ تمَركُزهم الإثني يُكذِّب الاستنتاج الساذج بأنهم هم أنفسُهم يشعُرون بدونِيَّتهم أو بدائيَّتهم عند مقارنتهم مع غرباء. إنَّ سُلالتهم الثقافية الفخورة، طالما تكيَّفَت جيدًا مع البيئة التي تعيش فيها؛ إذ نجَحوا في الحياة في الأمازون منذ آلاف الأعوام.6
إنَّ منظور المركزية الأوروبية التقليدي تجاه التعقيد اللُّغوي، والذي يفترِض تلقائيًّا أنَّ لغات الجماعات الأصلية بدائية، لم يتسبَّب في التبسيط المُبالغ فيه للقواعد اللغوية للغات الأخرى فحسْب، بل تسبَّب أيضًا في التمويه على التعقيد العددي في بعض اللغات. فعلى سبيل المثال، كان ثَمَّة افتراض شائع بأنَّ الأنظمة العددية تُصبح أقلَّ تعقيدًا إذا لم تكن تتبع الأساس العشري، أو إذا كانت الثقافات التي تستخدِمها لا تمتلك أنظمةَ كتابة. أما الآن، فقد بدأ الباحثون يُدرِكون أنَّ بعض الأنظمة العددية للجماعات الأصلية تُقدِّم مزايا مُحدَّدة لبعض المهام الرياضية، وهي مزايا لا تُوفِّرها أنواع الأعداد الأوروبية. إنَّ التقدير الذي أصبحَت تحظى به الأنظمة العددية غير المعروفة، قد جاء نتيجةَ العمل الذي قدَّمه اثنان من علماء الإدراك؛ هما أندريا بندر وسيجهارد بيلر، اللذان نشرا في العَقد الماضي دراساتٍ مُذهلة عمَّا سبَق ذِكره من المزايا الإدراكية لبعض الأنظمة العددية الأصلية في بعض جُزُر المحيط الهادي. وتوضِّح الدراساتُ التي قاما بها أنَّ ما تتَّسم به بعضُ الأنظمة العددية للغات الأصلية من تعقيدٍ وسِماتٍ جمالية يتمُّ إهماله في بعض الأحيان.7
في الفصل الثالث، ذكرْنا أنه بالرغم من أنَّ معظم أنظمة الأعداد المنطوقة تقوم على أساس الجسم البشري، فإنه تُوجَد بعض الاستثناءات؛ فبعض أنظمة الأعداد السُّداسية في نيو غينيا على سبيل المثال، يبدو أنها قد ظهرَت من الأنماط الشائعة في الترتيبات المُستخدِمة لتخزين الخيوط. وغالبًا ما ينظُر الغرباء على هذه الثقافة إلى هذه الأعداد على أنها أعداد بسيطة؛ لأنها تُقدِّم أكثرَ فائدةٍ لها في سياقاتٍ معيَّنة، ولا يمكن تطبيقها بسهولةٍ على جميع الأشياء التي يمكن جمعُها. ففي بعض اللغات، يمكن أن تقتصِر مفردات الأعداد أو ما يُشبِهها على سياقاتٍ مُحدَّدة فقط؛ فعلى سبيل المثال، نجد أنَّ اللغة البالِّية وغيرها من اللغات التي يُوجَد بعضها في جنوب أستراليا، تستخدِم أسماء ترتيب الميلاد. وهذه ليست أعدادًا، بل أسماء للأفراد بناءً على ترتيب ميلادهم بين إخوتهم. فحين نجد شخصًا يُدعى «كيتوت» باللغة البالية، على سبيل المثال، نعرف أنه رابعُ طفلٍ وُلِد في أُسرته. وفي لغة الكورنا الأسترالية، نجد أنه يمكن تمييزُ ترتيب الأطفال وفقًا لميلادهم من الأول إلى الثامن، من خلال نهايات الأسماء.8 إنَّ هذه الكلمات الشبيهةَ بالأعداد، لا تُستخدَم إلا في الأسماء؛ ومن ثمَّ فهي ليست مجردة بالدرجة الكافية لأن تكون أعدادًا مناسبة. بالرغم من ذلك، فالقول بأنَّ أنظمة الأعداد التي تَستخدِم مصطلحاتٍ عدديةً محدودة بأشياء مُعيَّنة، أقل تجريدًا ونفعًا، هو استنتاج يَفتقر إلى وجود أساس قوي يدعمه في بعض الحالات. وفي حقيقة الأمر، أوضحَت أبحاث بيندر وبيلر على اللغات البولينزية أنَّ بعض الأنظمة العددية التي تَستخدِم مصطلحاتٍ عدديةً مخصَّصة لأشياء مُعيَّنة، يمكن أن تُوفِّر مزايا إدراكيةً واضحة للمُتحدِّثين بها.

فلنتأمَّل في مثال اللغة التي كانت تُستخدَم من قبل في جزيرة مانجريفا في بولينيزيا الفرنسية. كانت هذه اللغة تَستخدِم تسلسُلاتِ عدٍّ مختلفةً، وفقًا لما إذا كان المُتحدِّث يَعُدُّ على سبيل المثال ثمار فاكهة الخُبز أو البندان (شجرة تُشبه النخيل) أو أخطبوطات. وهذا التنوُّع البارز قد يَعُدُّه الغرباء على الثقافة بدائيًّا أو غير متطوِّر؛ إذ إنه لا يوجَد مجموعة واحدة من مصطلحات الأعداد المجرَّدة يمكن استخدامها لعدِّ جميع العناصر. غير أنَّ الأمر المُثير للاهتمام هو أنَّ اللغة المانجريفية تنحدِر من اللغة المُحيطية الأولية، وهي لغة كانت تمتلك على ما يبدو نظامًا عشريًّا موَحَّدًا يمكن استخدامه لعدِّ أي شيء. إذن، فنظام العدِّ في اللغة المانجريفية وغيره من أنظمة العدِّ في بولينيزيا، قد تطوَّرَت من نظامٍ عشري قد يراه البعض أكثر تطوُّرًا من نظام العدِّ المانجريفي، لكنَّ مثل هذا التطوُّر يُعارض الافتراض القائل بأنَّ الأعداد المانجريفية تُمثِّل مرحلةً مُبكِّرة في تطوير أعدادٍ تتَّسِم بالتعقيد العددي الحقيقي. وربما يعود السبب في هذا المسار التاريخي غير المُتوقَّع الذي اتَّخذه هذا النظام العددي، إلى حقيقة أنَّ أنظمة الأعداد المُرتبطة بأنواع الأشياء، يمكن أن تَزيد من سرعة الحساب الذهني في بعض السياقات، مع تقليل الجهد الإدراكي المبذول في أداء بعض المهام الرياضية في غياب الكتابة.

لقد كانت اللغة المانجريفية تمتلك نظامًا عدديًّا أساسيًّا يتضمَّن مصطلحات الأعداد الأكثر وضوحًا والمُستخدَمة في عدِّ أنواعٍ محدَّدة من الأشياء، وقد كان هذا النظام الأساسي عشريًّا في واقع الأمر. وبداخل هذا الإطار العشريِّ كانت اللغة تمتلك أيضًا تسلسُلاتٍ عدديةً أخرى، لعدِّ أنواع مُحدَّدة من الأشياء بشكلٍ أكثر فعالية. وقد كانت هذه التسلسُلات العددية تتداخَل بصورةٍ بارزة. فالكلمة «تاوجا» على سبيل المثال، تُشير إلى ١ أو ٢ أو ٤ أو ٨ من الأشياء، وَفقًا لنوع هذا الشيء الذي تَعُدُّه. وثمَّة قفزةٍ ثنائية بين كل نوع «تاوجا» والذي يَليه؛ ذلك أنَّ ٢ × ٢ = ٤، و٢ × ٤ = ٨. بالرغم من ذلك، فقد ظلَّت سِمة العشرية التي كانت موجودةً في اللغة المحيطيَّة الأصلية، في العدِّ المانجريفي؛ إذ يمكن تجميع «تاجوا» بالعشرات، أي إنَّ اللغة المانجريفية كانت تَعُدُّ كميات «تاجوا» وبأسلوبٍ عشري؛ لذا فإنَّ الكلمة «باوا» على سبيل المثال تُعبِّر عن الكمية ٢٠ أو ٤٠ أو ٨٠، وفقًا لنوع العنصر الذي يجري عدُّه. بعبارة أخرى، فإنَّ الكلمة «باوا» تُشير إلى الكمية ١٠، لكن ذلك من أجل التعبير عن قيمة عشرة «تاجوا»، والتي يمكن أن تختلف على نحوٍ ثُنائي؛ ومن ثمَّ فإنَّ «باوا» تَعني في الأساس: ١٠ ×٢ أو ١٠ × ٤ أو ١٠ × ٨، وفقًا لما يجري عدُّه.

بصفةٍ أساسية، فقد كان سكان جزيرة المانجريف يَعدُّون الأشياء المُهمَّة في ثقافتهم وشبكاتهم التجارية بالأزواج أو الأرباع أو الثماني. ومثلما يقترِح بيندر وبيلر، إذا كان أحدُهم يعُدُّ اثنَيْ عشر «تواجا» من الأسماك، فإنه يُشير بذلك إلى ٢٤ سمكة. وإذا كانوا يَعُدُّون اثنَي عشر «تواجا» من جوز الهند، فإنهم يُشيرون بذلك إلى ٤٨ من ثمار جوز الهند.9 لم يكن سكان جزيرة مانجريف يَعُدُّون الأشياء بصفتها عناصر مُنفصلة، بل بصفتها مجموعاتٍ يَسهُل التمييز بينها. وهذه الاستراتيجية التي تتمثَّل في عدِّ الأشياء بالمجموعات، ستوفِّر بعض المزايا فيما يتعلَّق بالأشياء التي تُوجَد في كميَّاتٍ مُتوقَّعة من ٢ و٤ و٨، ونحن نقوم اليوم بعملياتٍ مُماثلة حين نعُدُّ الأشياء التي توجَد بطبيعتها في مجموعات؛ فعلى سبيل المثال إذا طلبتَ من شخصٍ ما أن يبتاع لك البيرة من المتجر، فيمكنك أن تطلُب منه أن يشتريَ لك «أربعًا من عبوات الستة» بدلًا من أن تطلُب منه «أربعًا وعشرين من زجاجات البيرة». لقد كان نظام العدِّ المانجريفي مُخصَّصًا للكميات التي تُوجَد عادةً في النظام البيئي المحلي.

إضافةً إلى ذلك، فإنَّ النظام المانجريفي يوضِّح المزايا المُحتمَلة لاستخدام الاستراتيجية الثنائية في تجميع الكميات بسرعة؛ فحجم الكمية التي يُشار إليها بالكلمة «تاجوا» تقوم على الأُس ٢. لقد وضَّح لايبنيز في أعماله الشهيرة، مزايا الحسابات القائمة على الأساس الثنائي في الجزء الأول من القرن الثامن عشر. وتقترح أبحاثُ بيندر وبيلر أنَّ سكان جزيرة المانجريف قد استغلوا بعضًا من هذه المزايا قبل عمله بقرون، مما يُوضِّح لنا أنَّ أساليبَ العدِّ المُستخدَمة في بعض جزُر المحيط الهادي، التي تبدو بدائيةً وغير مجرَّدة، ليست بهذا القدر من البدائية بالرغم من كلِّ شيء. ويبرُز لنا مثلُ هذا الاستنتاج بمثابة حكايةٍ تحذيرية؛ فبعض الأنظمة العددية «غير المُتطوِّرة» تعمل بكفاءة، وبطرُقٍ معقَّدة خادعة، لكي تُلبِّي احتياجات من استخدموها أو ما زالوا يستخدِمونها.

وتقترح الأبحاث الحديثة أيضًا، أنَّ درجة التعقيد في بعض الأنظمة العددية غير اللغوية لم تحظَ بالتقدير الكافي. فالعديد من ألواح العدِّ والمِعدادات التي كانت تُستخدَم في الماضي، لا تزال مُستخدَمة في بعض الثقافات في مُختلِف أنحاء العالم، وهي توفِّر مزايا واضحةً لمن يَستخدِمونها. ولن يَشُكَّ الكثيرون في هذا الاستنتاج إذا رأَوا بعض الأشخاص يَستخدِمون مِعْداد السوروبان الياباني على سبيل المثال (الذي اختُرِع منذ قرونٍ عدَّة على غِرار مِعْداد سوان بان الصيني). إنَّ الأطفال في المجتمعات الغربية الصناعية لم يَعتادوا على استخدام المِعدادات، التي قد تبدو بدائيةً مقارنةً بالآلات الحاسِبة التي تنتشِر في قاعات الصفوف الدراسية في معظم أنحاء العالم، غير أنَّ هذه المِعدادات تُقدِّم بعض المزايا الإدراكية على عكس الآلات الحاسِبة. وتقترح الأبحاث أنَّ السبب في هذا يعود إلى أنَّ الأطفال الذين يَشبُّون على استخدام المِعداد، يُطوِّرون «مِعدادًا ذهنيًّا» بمرور الوقت. أي إنهم يَستوعبون تركيب المِعداد داخليًّا، ويستخدمون الصوَرَ الذهنية للمِعداد في إجراء الحسابات من خلال استعمال الخرز بصورةٍ خيالية. ووفقًا لبعض الاستنتاجات الحديثة من ثقافاتٍ مُتعدِّدة؛ اتَّضح أنَّ الأشخاص الذين يستخدمون الاستراتيجيات الرياضية القائمة على المعداد، يتفوَّقون على الأشخاص الذين لا يَعرفون مثل هذه الاستراتيجيات، في بعض المهامِّ الرياضية على الأقل. وليس مُصادفةً أن نجد أنَّ العديد من المدارس في قارة آسيا، قد أصبحت تَستخدِم مِعداد السوروبان. إنَّ فعالية المعداد الذهني، تُوضِّح لنا مرةً أخرى أنَّ الرموز العددية غير الغربية، تُوفِّر بعض المزايا الواضحة، مقارَنةً بتلك الرموز التي اعتاد عليها معظمُنا. وتُؤكِّد هذه الفعالية أيضًا على نقطةٍ أساسية أخرى، وهي أنَّ التقنيات العددية تُمِدُّنا بطرُقٍ جديدة للتعامُل مع الكميات ذهنيًّا، وهي طرُقٌ قد تبدو غيرَ متوقَّعة قبل اختراع هذه التقنيات المَعنيَّة أو استخدامها. ويَنطبق هذا الأمر على هذه التقنيات، سواء أكانت كلماتِ عدٍّ جديدةً، أو معداداتٍ جديدة، أو أي تمثيل عددي آخر للكميات.10

رحلة الصفر المؤثرة والبطيئة

في أعماق الأدغال الكمبودية، ثمَّة مجموعة من الوجوه الضخمة المُتخفِّية، المصنوعة من الحجَر الرملي، تَبرُز مُحدِّقة في القادِم إليها من وسط بناءٍ شاسع مُترامي الأطراف، وذلك هو معبد بايون. ويقع هذا المعبد في عاصمة مملكة خمير القديمة، التي تُعرَف باسم أنجكور ثوم. وتلك الوجوه التي يصِل ارتفاعها إلى عشرات الأمتار التي تقع في أنحاء المعبد، تُمثِّل خليطًا من وجهَي بوداسف أفالوكيتاسفارا، الذي يُقال إنه يُجسِّد الشفقة لجميع البوذيِّين، وجيافارمان السابع، ملك خمير (انظر الشكل ٩-١). وقد بُنِي هذا المعبد تلبيةً لأمر الملك جيافارمان السابع، والذي يُقال عنه: إنه كان شخصًا صالحًا قد حكَم هذه الأدغالَ قبل ما يقرُب من ٩٠٠ عام. إنَّ التاريخ يذكر جيافارمان بالخير، ويعود السبب في ذلك جزئيًّا إلى أنه قد أسَّس ما يَزيد على ١٠٠ مستشفًى لعلاج مواطني إمبراطوريته. وعلى بُعد عدَّة كيلومترات من أنجكور ثوم، يوجَد أنجكور وات أكبر مبنًى ديني في العالم، وقد بُنِي خلال فترة حُكم والد جيافارمان السابع. ومثل الأهرامات العظيمة في الجيزة، أو أهرامات أمريكا الوسطى، فإنَّ معابد إمبراطورية خمير تحتل مكانةً مُميَّزة في خيالنا الجَمعي. ففي أنجكور، وبعيدًا عن الحضارة الغربية من ناحيتَيِ المكان والزمان، أسَّس مواطِنو هذه الإمبراطورية بعضًا من أكثر المباني المذهلة في العالم. وقد ابتكروا أيضًا شبكاتٍ للمستشفيات والطرُق وأنظمةً للري منقطعة النظير. وقد فعَلوا كل ذلك بدقَّةٍ مذهلة، حتى إنَّ التناظُر والمهارة الفنية التي تَظهر في أطلال أنجكور، تملؤنا بالرَّهبة.
fig7
شكل ٩-١: أحد الأوجه الموجودة في معبد بايون، كمبوديا. الصورة من التقاط المؤلِّف.
وسط جميع مباني خمير العظيمة المُحيطة بنا، قد نَغفل بسهولة عن بعض التقنيات الأساسية التي كانت هي صميمَ هذا الإنجاز البشري الرائع. وهذه التقنيات لا تتجلَّى للمرء فور أن يَسير حول واجهات معبد بايون الحجَرية وفي ساحاته، لكنَّ هذه الواجهات والساحات شاهدة على تلك التقنيات المَعنيَّة. ولعلَّك تستطيع أن تُخمِّن التقنيات التي أُشير إليها: الأعداد المنطوقة والأرقام المكتوبة. إضافةً إلى ذلك، فأنا أُشير تحديدًا إلى رقمٍ مهمٍّ ومُبتكَر، ويبدو أنه قد سهَّل تأسيس إمبراطورية خمير، بعد أن وصل من شِبه القارَّة الهندية قبل قرونٍ من ظهور وجوه بايون في الحياة. هذا الرقم الذي أتحدَّث عنه هو «الصفر». ولا يَزال هذا الرمز الدائري الذي يَرمُز إلى اللاشيء يظهر في الثقافة الكمبودية المُعاصرة؛ إذ نجِده على العُملة الكمبودية على سبيل المثال. وبالرغم من الإغراء الذي يتمثَّل في أن نرى في كمبوديا المعاصرة هذا الرمز الدائري الذي يُعبر عن الصفر فنفترِض أنه مأخوذٌ من الصفر الغربي ٠، فإنَّ الطريق العكسي للتأثير هو الصحيح. والواقع أنه في العام ٢٠١٥، أُعيدَ اكتشاف أقدَم نقشٍ واضح للصفر الدائري على مستوى العالم، في كمبوديا. وهذا الصفر المَعنيُّ هو نقطة كبيرة للغاية، ووظيفته حفظ الخانة المكانية في العدد الخميري القديم الذي يُعبِّر عن الكمية ٦٠٥. لقد نُقِش هذا الصفر على لَوح حجَري يعود تاريخه إلى العام ٦٨٣ ميلاديًّا، وقد وُجِد على بُعد كيلومتراتٍ فحسب من وجوه بايون وغيرها من أطلال أنجكور وات وأنجكور ثوم. ومثلما أوضَحْنا في الفصل الثاني، فإنَّ حضارة المايا قد طوَّرَت هي أيضًا صيغةً كتابية للصفر، ورمزَت حضارة الإنكا إلى المفهوم في نظام الكويبو الذي كانت تستخدِمه، وتُوجَد أيضًا بعض الأدلَّة على وجود المفهوم في النقوش البابلية. بالرغم من ذلك، فهذا الصفر الذي نَعرفه جميعًا ونُحبُّه، هذا الرمز الدائري الذي يُعبِّر عن اللاشيء لتيسير الكثير جدًّا من العمليات الحسابية، لم يَستخدِمه اليونانيون ولا الرومان ولا مُعظم الحضارات القديمة الأخرى. وهو لم يُستخدَم بالفعل على الإطلاق في أيٍّ من حضارات العالم القديم، إلَّا بعد أن تطوَّر في الهند على ما يبدو في القرن الخامس تقريبًا. ومن هناك اتَّخذ طريقَه إلى الشرق بسرعة إلى حدٍّ ما، فوصل إلى كمبوديا (والصين بعد ذلك) وساعد في تأسيس الرياضيات في إمبراطورية خمير التي كانت شديدةَ التأثر بالثقافة الهندية، ومنها الهندوسية في ذلك الوقت، كما أنه ساعد أيضًا في تأسيس الرياضيات في ثقافاتٍ أخرى بطرُقٍ جديدة.11

أما رحلة الصفر إلى الغرب، فقد كانت أكثر بطئًا، فرمْز الصفر الذي نَستخدمه لحفظ الخانة المكانية (أي كعلامة مُلائمة تدلُّ على اللاشيء في العمليات الحسابية) لم يُوجَد في أوروبا إلَّا في القرن الثالث عشر. ففي القرن التاسع دعا عالم رياضيات فارسي يُدعى الخوارزمي (الذي اشتُقَّت كلمة «خوارزمية» من اسمه) في أعماله المُؤثِّرة إلى استخدام نظام الأرقام الهندية، بما في ذلك الصفر. وبعد ذلك بقرونٍ عدَّة، تُرجِمَت هذه الأعمال إلى اللغات الأوروبية. وفي عام ١٢٠٢، قام عالم الرياضيَّات الإيطالي ليوناردو بيسانو الذي يشتهر باسم ليوناردو فيبوناتشي، بكتابة كتابه الشهير «كتاب الحساب». وقد ذكرَت هذه المخطوطةُ أيضًا المزايا العظيمةَ لاستخدام الصفر (ونظام الأرقام الهندية بوجهٍ عام) وأشار إلى أنه يُسهِّل مُختلِف العمليات الرياضية. وبالرغم من تردُّد العديد من الأوروبيين في تقبُّل هذا النظام الشرقي؛ ففي نهاية المطاف اتَّخذ الصفرُ والأرقام المُستنِدة إلى النظام العشري طريقَها إلى الثقافة الغربية، وأصبحَت هي الرموزَ السائدة في ممارسة الرياضيات. ومن المنطقي جدًّا أن يكون استخدام الصفر قد أسهم فيما حدَث بعد ذلك من تطوُّر العِلم والتقنية في أوروبا. ويُمكننا بالطبع أن نقول إنَّ هذه الأداة الإدراكية البسيطة، التي هي مجرَّد رقمٍ مُبتكَر، كان لها العديدُ من النتائج المؤثرة على حياة سكَّان خمير والصينيين والأوروبيين ومعظم البشر في الوقت الحالي. ففي النهاية نجد أنَّ تسهيل حلِّ المسائل الحسابية يعني تسهيل العمارة، وتسهيل العلوم. وبصفةٍ عامة، يمكننا أن نقول إنها هِبَة واضحة للتطوُّر التقني. وبالرغم من أنَّ الأرقام العشرية التي تتضمَّن الصفر، التي استخدمَتها أوروبا ربما لا تكون أكثر «تطوُّرًا» من جانبٍ ثقافي محايِد، فيبدو أنها قد سرَّعَت إيجاد الحلول لأنواعٍ محدَّدة من المهام الرياضية التي اضطلَعَت بها الثقافات الأوروبية في الجزء الأخير من العصور الوسطى، وخلال عصر النهضة. لقد طوَّر الأوروبيُّون بمن فيهم الرومان واليونانيون القُدماء نظامًا رياضيًّا دقيقًا بدون وجود الصفر، ولا يبدو الرمز مُكوِّنًا ضروريًّا لوجود الحضارات الكبيرة. بالرغم من ذلك، فمِن الصعب أن نتخيَّل حدوث الثورة الصناعية أو التقنية بدون استخدام هذا الرقم.

إنَّ التحسينات التي تُجرى على اللغة العددية، ومنها التحسينات الكتابية كالصفر، تسمح بحدوث التغيُّرات الثقافية الخارجة على اللغة، أو تُعجِّل بها على أقلِّ تقدير. وانظر كيف حسَّن اختراعُ الصفر الرياضيَّات الغربية؛ فبدونه ما كان تمثيلُ الأعداد السالبة بالرموز، والنظام الإحداثي الديكارتي، والتمثيل البياني للدَّوال، والحدود في حساب التفاضُل وغيرها أمرًا يسيرًا. وفي المقابل، فإنَّ هذه الأدوات الرمزية كانت بمثابة منصَّاتٍ لغيرها من الاستراتيجيات الرياضية، والأرجح أنَّ حدوث ثورة رياضية مُتواضِعة في أوروبا بعد معرفتها برقم الصفر، ليس مُصادَفةً على الإطلاق. ومن غير المُرجَّح أن تكون مصادفةً أن تسبق المعرفةُ بالصفر والكتابة الرياضية التي تستند إلى الأساس العشري، الابتكاراتِ التقنيةَ المُبكِّرة في إمبراطورية خمير. ومن ثمَّ، فإنَّ وجوه بايون هي تمثيل مُصغَّر للظاهرة الأكبر التي نُشير إليها، وهي أنَّ الثقافة، لا سيما الثقافة المادية المعقَّدة، تتأثَّر على نطاقٍ واسع بالأدوات العددية المُبتكرة، والتي تكون هي بدَورها، مُنتجًا لتقاليدٍ ثقافية محدَّدة.12

الأعداد في صميم الابتكار الرمزي: عودة إلى الكتابة

لم تتطوَّر الكتابة بصورةٍ مستقلة، إلا على مدار مرَّاتٍ قليلة في التاريخ البشري، في بلاد الرافدين، وفي أمريكا الوسطى، وفي الصين، وفي مصر (وهو أمر خاضع للجدَل).13 وفي كلٍّ من هذه الثقافات الأربعة، نجد أنَّ أقدمَ نماذج من الكتابة كان مِحورها الأعداد بدرجةٍ كبيرة. وقد أكَّدْنا على هذه النقطة في الفصل الثاني في مناقشتنا لأقدم أنظمة الكتابة، التي ظهرَت في بلاد الرافدَين؛ فالعديد من الألواح المِسمارية التي اكتُشِفت هناك، هي في الواقع سجلَّات لبياناتٍ كمية. ويبدو أنَّ الكتابة المِسمارية بصورتها المُكتمِلة لم تَظهر إلا بعد تطوير أنظمة تسجيل الحسابات العددية، أو بالتوازي معها على الأقل.
ومن المُثير للاهتمام أيضًا أنَّ ذلك يمكن أن يَنطبق أيضًا على الكتابة الصينية، التي يعود تاريخُ النماذج الأولى منها إلى عهد سلالة تشانج الحاكِمة، وهو ما يَزيد عن ٣٠٠٠ عام. وكان أقدم هذه النماذج مُسجَّلًا على عظام العرافة، وهي عظام قد نُقِشَت عليها رموز عددية تُحدِّد كميات بعض العناصر، مثل عدد السُّجناء من الأعداء، وعدد الطيور والحيوانات التي تمَّ صَيدها. وفي أمريكا الوسطى، إضافةً إلى ذلك، نجد أنَّ إحدى السِّمات الأساسية المشتركة في أقدم نصوص هذه المنطقة هي تمثيل الأعداد بالخطوط والنقاط. (انظر الشكل ٢-٤) وعادةً ما تكون هذه الأشكال المُبكِّرة من الكتابة في هذه المنطقة أشكالًا تقويمية وعددية بدرجةٍ أو بأخرى. وأخيرًا في مصر، نجد أنَّ أقدم الأشكال المعروفة من الكتابة الهيروغليفية عادةً ما تُعبِّر عن معلوماتٍ بشأن كميات السلع. من الواضح إذن، أنَّ الأرقام هي سِمة مشتركة في جميع الأشكال الأولى من الكتابة، وليست الكتابة في بلاد الرافدَين فحسب. إنَّ أشكال الكتابة القديمة التي ظهرَت في مُختلِف أنحاء العالم تُركِّز على الأعداد، مثلما أنَّ نُقوشات العصر الحجَري القديم ورسوماته الشبيهة بالرموز تُركِّز على الكميَّات في أغلب الأحيان. وقد رأيْنا هذا في الفصل الثاني في مناقشتنا لبعض الأدوات التي سجَّل عليها البشرُ الرسومَ مثل قرْن غزال الرَّنة المُكتَشَف في ليتل سولت سبرينج، الذي يعود تاريخه إلى ١٠٠٠ عام. إنَّ مثل هذه الأشكال المصوَّرة ليست مجردة أو اصطلاحية بالدرجة الكافية كالكتابة، لكن مِن الواضح أنها كانت تُؤدِّي وظيفةً مُماثلة للتعبير عن الأفكار في صورةٍ ثنائية البُعد.
إذن، فالأعداد موجودة منذ بدايات جميع أنظمة الكتابة. ومن التفسيرات المنطقية لهذه الحقيقة أنَّ رموز الأعداد المكتوبة، تعمل بمثابة مؤشراتٍ ضرورية على وجود أنظمةٍ كتابية أكثر اكتمالًا. لكن إن كان الأمر كذلك؛ فلماذا تؤدي مثل هذا الدور المحوري في ظهور الكتابة؟ سوف أعرض عليكم تفسيرًا مُحتملًا قد أشرتُ إليه سابقًا في الفصل الثاني، في مُناقشتي لأنظمة العِصي القديمة. فإذا تناولْنا عددًا رومانيًّا مثل العدد III، الذي يُمثَّل بشكلٍ مصور؛ إذ يُمثِّل كل خطٍّ عنصرًا واحدًا. وعلى العكس من ذلك، فالكلمة اللاتينية et («و») تُمثِّل مفهومًا بسيطًا، لكنه ليس مصوَّرًا؛ إذ إنَّ الرمزَين اللذَين تتكوَّن منهما الكلمة، لا تُوجَد بينهما وبين المفهوم الذي تُعبِّر عنه الكلمة، أي علاقة مادية فعلية؛ فهما لا يُشبِهان ما يُعبِّران عنه، مثلما يُشبِه الرمز III ما يُعبِّر عنه. (فحين أقول سوبر بَاول III، على سبيل المثال، فإنَّ كل علامة رأسية تُمثِّل مباراة واحدة.) وفي النهاية قد تُصبح الأرقامُ أقلَّ تصويرًا؛ ولهذا فإنَّ الأصول التصويرية للرقم ٧ على سبيل المثال، لم تَعُد واضحة. ويبدو أنَّ تطوير الرموز العددية المكتوبة يكون أسهلَ في البداية، مقارنةً برموز المفاهيم والأصوات الأخرى؛ بسبب مفهوم المطابقة واحدًا إلى واحد. فيمكن على سبيل المثال تمثيل الكميات المُفرَدة بخطوطٍ مفرَدة، ثم تمثيل الكميات الكبيرة من خلال جمع هذه الخطوط. وفي الأنظمة التي تعتمِد على المطابقة التصويرية، كلما زادت الكميات استلزَم ذلك خطوطًا أكثر (أو نقاطًا أو زوايا، إلخ …)؛ ومن ثمَّ فإنَّ السِّمة التصويرية الكامنة في العديد من الأرقام، تَعتمد على قُدرتنا على تمييز مفهوم مطابقة كلِّ عنصرٍ بعنصرٍ واحد. ومثلما أكَّدنا في الفصول السابقة، فإنَّ هذه القُدرة تكون فطريةً حين يتعلَّق الأمر بالكميات الصغيرة، ومُكتسَبةً من خلال اللغة حين يتعلَّق الأمر بالكميات الكبيرة. وقد ركزت أيضًا على دور الأصابع في تطوير التفكير العددي، مع ملاحظة أنَّ الأصابع هي أول تمثيلٍ خَطِّي للكميات في حياة الفرد. إنَّنا نستطيع فَهْم العلامات الخطية على الحِجارة أو الورَق أو الخشب، بصِفتها تمثيلاتٍ للكميات بسهولةٍ أكبر؛ لأنَّنا نرى هذه التمثيلاتِ الخطيةَ في أيدينا. ونتيجةً لمِثل هذه العوامل؛ يمكن تمثيل الكميات مباشرةً أو من خلال الصوَر عن طريق توليفاتٍ من أشكالٍ ثنائية البُعد، وذلك بسهولةٍ نسبية من الناحية الإدراكية، لا تنطبق على ما يبدو بالنسبة إلى المفاهيم الأخرى.14
إذن، من الواضح أنه يمكن كتابة رموز الكميات بسهولةٍ نسبيًّا لثلاثة أسبابٍ مُترابطة على الأقل. أولها أنَّ البشر مُهيَّئون فطريًّا لاستيعاب تطابُق بعض الكميات بصورةٍ مجرَّدة؛ فنحن نُدرك تلقائيًّا أنَّ الأشياء يمكن أن تتطابَق بعضها مع بعض بأنماطٍ بسيطة من التطابق لكنها مجرَّدة. وثاني هذه الأسباب أنَّ هذا التطابق المجرَّد يمكن الإشارة إليه بسهولة نسبية باستخدام رموز غير لفظية. فبالرغم من كلِّ شيء، لا تتطلَّب الرموز التي تُستخدَم للإشارة إلى الكميات أيَّ رسمٍ أو نقشٍ مُعقَّد بدرجةٍ كبيرة، فعلى العكس من ذلك كانت التمثيلات المُبكِّرة للمفاهيم الأخرى تُكتَب من خلال الصور التوضيحية في جميع أساليب الكتابة؛ ومن ثمَّ فقد كان رسمُ معظم الرموز يَستلزِم درجةَ تعقيدٍ أكبرَ مما يستلزمه رسم الأعداد المكتوبة. على سبيل المثال، كان تمثيلُ كلمة «ماموث» أو «صيد» أصعبَ من تمثيل I أو II أو III. وثالث هذه الأسباب أنَّ أصابعنا بمثابة رموز خطية طبيعية، وهي التي نبدأ في استخدامها لمطابقة الكميات. إنَّ استخدام أصابعنا بمثابة رموز عددية، قد سهَّل على الأرجح استخدامَ رموز خطية أخرى لتمثيل الأعداد بعد ذلك. وبمرور الوقت، يمكن تسمية هذه الرموز الأخرى بعد ذلك بمصطلحاتٍ ثابتة وأكثر تجريدًا، ثم تطوَّرت الأرقام الحقيقية تدريجيًّا من هذه العلامات المُستخدَمة في أنظمة العِصي.
إذن، فموجز القول إنَّ السهولة الكامنة في تمثيل الكميات بالخطوط وغيرها من العلامات، يمكن أن تكون هي الأساسَ الطبيعيَّ للتمثيلات ثنائية الأبعاد للكميات، بصورتها الأكثرِ اكتمالًا وتجريدًا. وهذا النوع الأخير من التمثيل يمكن أن يُعجِّل بإدراك أنَّ المفاهيم الأخرى يمكن أن تُمثَّل هي أيضًا في صورةٍ مجرَّدة ثنائية البُعد. وعلى الأقل، من المهم أن نُدرِك أنه في ذلك العدد القليل من الأماكن على مستوى العالم، التي اختُرِعت فيها الكتابة بصورتها المُكتملة (حتى وإن كان ذلك تدريجيًّا) كانت الأرقام المكتوبة موجودةً في بداية نشأة أنظمة الكتابة المَعنيَّة. ومثلما كانت الأعداد ضروريةً في تطوير الزراعة وانتشارها، يبدو أنها كانت ضرورية أيضًا في اختراع الكتابة وانتشارها.15

وأخيرًا، فإنَّ الدور المهم الذي أدَّتْه الأعداد في نشأة الكتابة يعود على الأرجح إلى حقيقةٍ أخرى بسيطة أيضًا؛ وهي أنَّ الأرقام عمليةٌ للغاية؛ فهي تؤدي وظائفَ أساسيةً في بعض أنواع التفاعلات البشرية، ومنها التعامُلات الاقتصادية على سبيل المثال. فالعديد من أوائل السجلَّات المكتوبة، هي أعمال كاتبي الحسابات المَعنيِّين بالتجارة بين طرَفَين أو أكثر. إنَّ تسجيل الحسابات قد يَسَّر الإبقاء على شبكات التجارة، وتخزين السلع بعناية. وممَّا يتَّصِل بذلك أيضًا أنَّ الأرقام قد مكَّنَتْنا من مُتابعة التقويم وتسجيله، مما أتاح لنا التوصُّل إلى توقُّعات دقيقة بشأن الفصول وجَني المحاصيل. إنَّ الأرقام ضرورية للقيام بالعديد من أنشطة المجتمعات العامرة بالسكان. (وهي مجتمعات يمكن تتبُّعُ أصولها إلى الممارسات الزراعية التي يسَّرَتها الأعداد.)

لمِثل هذه الأسباب، تُعَدُّ الأعداد عنصرًا تأسيسيًّا في ظهور الكتابة حول العالم. ومن المُعترَف به عمومًا أنَّ الثورة العِلمية والتصنيع والطب الحديث، قد اعتمدَت على بعض الممارسات الرياضية المحدَّدة. وحتى قبل وجود هذه الممارسات بآلاف الأعوام، قد ساعدَت الأعدادُ اللفظية على إحداث تغييراتٍ عميقة في الكيفية التي يَحيا بها البشَر، وفي كيفية استخدامهم للرموز للتعبير عن الأفكار.

خاتمة

من الأهرامات التي بناها قدماء المصريين، إلى المدن الحجَرية في أنجكور، إلى أطلال بلاد الرافِدَين وأمريكا الوسطى القديمة، تظهر لنا سِمةٌ مُشتركة. وهي أنَّ المُجتمعات الزراعية التي ابتكرَت هذه الآثار العظيمة، قد اعتمدَت بدرجةٍ كبيرة على الأعداد، أو الأرقام على وجه التحديد. وقد كانت الأشكال الأولى من الأنظمة الكتابية التي طوَّروها تُركِّز بدرجةٍ مذهلة على تمثيل الأعداد. ونتيجةً لذلك، فإنَّ هذه الأرقام قد أتاحت أشكالًا جديدة من الهندسة والعمارة، التي غيَّرَت البيئات التي كانت تطوَّرَت فيها هذه الثقافات؛ فالأرقام على غِرار الصفر قد سهَّلَت التعامُل مع الكميات. وبعد ذلك تطوَّرَت أنواع جديدة من الممارسات الثقافية، التي قد شكلَت بدورها ضغوطاتٍ جديدةً على أنظمة الأعداد. وقبل ذلك كله يبدو أنَّ الأعداد اللفظية الدقيقة، كانت مِحوريةً للغاية في ظهور أنواعٍ محدَّدة من الزراعة، بدليل مثلًا أنَّ معظم الجماعات السكانية المُعاصرة التي تَعتمد على الصيد وجمع الثمار، لا يَستخدمون سوى أنظمةٍ عددية محدودة الوظائف وذات حدٍّ عددي صغير. وباختصار، فإنَّ الأعداد المنطوقة والأرقام المكتوبة، كان لهما دورٌ محوري في إحداث تغييرات جذرية في ثقافاتٍ عدة منذ آلاف الأعوام. وفي العديد من الثقافات المعاصرة المُعرَّضة للانقراض، تَحدُث اليومَ تغييراتٌ مُشابِهة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠