الفصل الثاني

قانونا نيوتن الأول والثالث: استاتيكا الجسيمات

لعل السمة الأكثر جذبًا للاهتمام بالميكانيكا الكلاسيكية هي «اقتصادها المنطقي». فكل شيء مُشتَق من قوانين نيوتن الثلاثة للحركة. [حسنًا، تقريبًا كل شيء. ولكن على المرء أيضًا معرفة بعض المعلومات عن القوى المؤثرة.] ومن الضروري بالطبع فهم ما تقضي به القوانين بصورة واضحة، واكتساب بعض الخبرة في تطبيق القوانين في حالات محددة.

نحن معنِيُّون هنا بالقانونين الأول والثالث، وسوف يناقَش القانون الثاني في الفصل التالي. والوقت المنقضي في تأمُّل معنى هذه القوانين (أقل ما يُقال عنه) ليس وقتًا ضائعًا.

(١) قانون نيوتن الأول: القوى

القانون الأول، كما عبَّر عنه نيوتن بكلماته هو: «كل جسم يحافظ على حالته من سكون أو حركة منتظمة في خط معتدل، إلا إذا أُجبر على تغيير هذه الحالة بواسطة قوى أثَّرت عليه.»1 بلغتنا الحديثة، ينص القانون الأول على أن سرعة الجسم تظل ثابتة فقط إذا لم تكن هناك قوى مؤثرة عليه أو إذا كانت محصلة الجمع (المتجهي) للقوى المؤثرة عليه تساوي صفرًا. لاحظ أنه عندما نقول إن السرعة ثابتة، فإننا نعني أن كلًّا من مقدار واتجاه متجه السرعة يكون ثابتًا. نفترض في هذه العبارة أن جميع أجزاء الجسم لديها نفس السرعة؛ لأننا لا نعلم في هذه المرحلة المبكرة من المناقشة ما تعنيه «سرعة الجسم».
وهنا ينشأ فورًا سؤالان:
  • (أ)

    ماذا تعني القوة؟

  • (ب)

    بالنسبة لأي مجموعة من المحاور يكون القانون الأول صحيحًا؟ (لاحظ أن أي جسم ساكن أو متحرك بسرعة ثابتة مقيسة بالنسبة لمجموعةٍ ما من المحاور قد يكون متحركًا بعجلة ما بالنسبة لمجموعة محاور أخرى.)

إجابتا السؤالين (أ) و(ب) مترابطتان. في الواقع، إذا كان في نيتنا إدخال مفهومٍ معقَّد بدرجة كافية للقوة، فسيكون القانون الأول صحيحًا بالنسبة لكلِّ مجموعة من المحاور ولا يضيف جديدًا. عبارة «المفهوم المعقَّد بدرجة كافية للقوة» تتضمن افتراض أنه طالما رأينا سرعة الجُسيم تتغيَّر فإن هناك قوة مؤثِّرة على الجُسيم حتى لو لم نكُن نرى مصدر هذه القوة.

سوف نُصِرُّ على إعطاء كلمة «قوة» معنًى محددًا جدًّا يناظر بدقة طريقةَ استخدامنا للكلمة في لغتنا اليومية. نُعَرِّف القوة أنها «الدفع أو الشد المؤثِّر بواسطة قطعة من المادة على قطعة أخرى من المادة.» هذا التعريف ليس كميًّا (سوف نقدم بعد قليل قياسًا كميًّا للقوة) ولكن يؤكد على حقيقة أنه يحق لنا أن نتكلم عن «القوة» فقط عندما نتمكن من التعرُّف على قطعة المادة التي تبذل القوة وقطعة المادة التي تُبذل عليها القوة.

ستوضح بعض الأمثلة البسيطة ما نعنيه وما لا نعنيه عندما نستخدم كلمة «القوة».
  • مع سقوط حجر في اتجاه الكرة الأرضية نلاحظ أن سرعته تتغير، ونقول إن الكرة الأرضية تشُد الحجر. هذا الشد (الذي نسميه القوة الجاذبة التثاقلية التي تؤثر بها الكرة الأرضية على الحجر) هو استخدام مقبول لمصطلح «القوة»؛ لأننا نستطيع رؤية قطعة المادة (الكرة الأرضية) التي تؤثر بهذه القوة. وقد تعلمنا، بالطبع، التعايش مع فكرة أن قطعة من المادة يمكنها التأثير بقوة ما على قطعة أخرى من المادة دون أن تلمسها مباشرة.

  • تدبر موقف سيدة جالسة داخل عربة سكة حديد متحركة. تشدها الكرة الأرضية لأسفل، بينما يؤثِّر عليها المقعد الذي تجلس عليه بقوة لأعلى. إذا كانت هناك ملفات زنبركية في المقعد، فإن هذه القوة المؤثِّرة لأعلى ناشئة من الملفات الزنبركية، التي تكون مضغوطة. (هناك «زنبركات» بكل مقعد، لكن قد تكون هذه الزنبركات جامدة. عندما تجلس على مقعد خشبي فإنك تهبط قليلًا داخل المقعد، ضاغطًا الخشب إلى أن يؤثر عليك بقوة لأعلى مساوية في المقدار ومضادة في الاتجاه للشد الذي تؤثر به الكرة الأرضية عليك لأسفل.) إذا تسارعت العربة في الاتجاه الأمامي، فإن المقعد يؤثر بقوة إضافية على السيدة، وتكون هذه القوة متجهةً للأمام وتنشأ بواسطة ظهر المقعد. عند فحص الملفات الزنبركية (أو المطاط الإسفنجي) في ظهر المقعد سيتبين أنها مضغوطة أثناء الفترة الزمنية التي يتسارع خلالها القطار. أثناء تسارع القطار ستشعر السيدة بأن شيئًا ما يدفع ظهرها ناحية المقعد. ومع ذلك، لا نعترف بأن هناك أي قوة تدفع السيدة ناحية الجزء الخلفي من العربة؛ لأننا لا نجد أمامنا أي قطعة من المادة تؤثِّر بهذه القوة على السيدة. (إذا كان للعربة نافذة خلفية وإذا نظرنا من خارج هذه النافذة واستطعنا رؤية قطعة ضخمة من مادة كبيرة في حجم كوكب خلف العربة، يمكننا القول إن قوة الجاذبية التي يؤثر بها هذا الكوكب تشد السيدة نحو الخلف. لكننا بالطبع لا نرى هذا.)

    إذا كانت أرضية العربة ملساء جدًّا، وإذا كان هناك صندوق ما موضوع على الأرضية، فإن الصندوق سيبدأ في التحرك نحو الخلف مع تسارع العربة. إذا قمنا بقياس الموضع والسرعة بدلالة محاور مرتبطة بالعربة، فسوف نقول إن الصندوق يتسارع نحو الجزء الخلفي للعربة. ومع ذلك، لا نقول إن هناك قوة تدفع الصندوق نحو الخلف لأننا لا نستطيع أن نجِدَ أمامنا أي قطعة من المادة تؤثِّر بهذه القوة؛ لذلك، بمفهومنا المحدود للقوة، لا يكون قانون نيوتن الأول صحيحًا إذا استخدمنا محاور مرتبطة بالعربة المتسارعة. من ناحية أخرى، إذا استخدمنا محاور مرتبطة بسطح الأرض، يكون قانون نيوتن الأول صحيحًا. وبالنسبة لهذه المحاور فإن سرعة الصندوق لا تتغير؛ وهذا متسق مع مقولة أنه لا توجد قوة تؤثر على الصندوق.

سوف نرى أن المفهوم البسيط نسبيًّا «للقوة» الذي عرَّفناه سيكون كافيًا إلى حَدٍّ كبير لتأدية أغراضنا. إننا نصادف العديد من القوى في حياتنا اليومية، ولكن إذا نظرنا بتمعُّن أدق، فإنه يمكن تفسيرها جميعًا بدلالة الجذب التثاقُلي الذي تؤثر به قطعة واحدة من المادة (تكون عادة الكرة الأرضية) على أخرى. سوف نشير من حين لآخر إلى قوى «التَّماس» التي يؤثر بها أحد الجسمين على الآخر عندما يكون سطحاهما متلامسين. يمكن أن يكون لقوى «التماس» هذه، بوجه عام، مركب عمودي على السطح ومركب مماسٌّ للسطح؛ ويسمى المركَّبان على التوالي ﺑ «القوة العمودية» و«قوة الاحتكاك». إذا فحصنا المصدر الميكروسكوبي لهذه القوى، فسنجد أنها قوى كهربية بين سطح جزيئات (أو ذرات) أحد الجسمين وبين سطح جزيئات الجسم الآخر. حتى لو لم يكُن للجزيئات أي محصلة للشحنة، فكل جزيء يحتوي على شحنات موجَبة وسالبة، وعندما يقترب جزيئان من بعضهما بدرجة كافية، لا تتلاشى تمامًا القوى بين الشحنات المتنوعة ويكون هناك قوة محصلة. لحسن الحظ، لا يتطلب تطبيق قوانين نيوتن فهمًا ميكروسكوبيًّا مفصلًا لما يسمى بقوى التماس؛ ومع ذلك، فإننا نرفض إدراج أي قوة على لائحتنا إلا إذا كُنَّا متأكدين من إمكانية تفسيرها في النهاية بدلالة القُوَى التثاقلية أو القوى الكهربية أو المغناطيسية أو كلتيهما. (الجسيمات الأساسية التي تكوِّن المادة تتعرَّض لقوى تثاقلية وكهرومغناطيسية، وأيضًا لنوعين آخرين من القوى: القوة القوية والقوة الضعيفة. لا تلعب هاتان القوتان الأخيرتان دورًا في ملاحظاتنا اليومية.)

(٢) الأُطر القصورية

والآن، بعد أن عرفنا ما نعنيه بكلمة قوة، نستطيع أن نسأل: «بالنسبة لأي محاور يكون صحيحًا أن الجسيم الذي لا تؤثر عليه قوى يتحرك بسرعة ثابتة؟» بمعنى: بالنسبة لأي محاور يكون قانون نيوتن الأول صحيحًا؟ كثيرًا ما تُسمَّى مجموعة المحاور ﺑ «إطار الإسناد» أو «الإطار المرجعي»، وتسمى تلك المحاور التي يكون قانون نيوتن الأول صحيحًا بالنسبة إليها الأُطر القصورية.

من المهم ملاحظة أنه، نتيجة لقانون نيوتن الأول، يوجد أكثر من إطار قصوري. إذا كانت مجموعة ما من المحاور إطارًا قصوريًّا، وإذا كان هناك مجموعة أخرى من المحاور تتحرك بسرعة ثابتة دون دوران بالنسبة إلى ؛ فإن تكون هي أيضًا إطارًا قصوريًّا. وهذا ينتج من حقيقة أن أي جسيم له سرعة ثابتة بالنسبة إلى المحاور سيكون له أيضًا سرعة ثابتة بالنسبة إلى المحاور .

لقد رأينا بالفعل أن مجموعة المحاور المرتبطة بعربة سكة حديد متسارعة ليست إطارًا قصوريًّا، لكن مجموعة المحاور المرتبطة بالكرة الأرضية تُعَدُّ إطارًا قصوريًّا. في الحقيقة هذا ليس صحيحًا تمامًا. بالنسبة لمعظم الأغراض، تبدو المحاور المرتبطة بالكرة الأرضية إطارًا قصوريًّا. ومع ذلك، نتيجة لدوران الكرة الأرضية، تدور هذه المحاور بالنسبة إلى خلفية النجوم البعيدة. إذا أعطيت قرص لعبة الهوكي سرعةً كبيرةً في اتجاه الجنوب على حلبة تزلُّج جليدية ملساءَ تمامًا في مدينة فيلادلفيا، فإنه لن ينتقل في خط مستقيم تمامًا بالنسبة إلى المحاور المرتبطة بسطح الجليد، بل سينحرف قليلًا نحو الغرب بسبب دوران الكرة الأرضية. هذا التأثيرُ مهمٌّ في المدفعية البحرية ويوضح أن المحاور المرتبطة بالكرة الأرضية ليست إطارًا قصوريًّا تامًّا. إن مجموعة المحاور الأفضل — وإن كانت أقل سهولة — هي تلك التي لا تدور بالنسبة إلى النجوم البعيدة والتي تتحرك نقطة أصلها مع مركز الكرة الأرضية.

«بندول فوكو» ظاهرة أخرى من الظواهر التي توضح أن المحاور المرتبطة بسطح الكرة الأرضية ليست إطارًا قصوريًّا تامًّا. إن الكرة الرأسية المربوطة بوَتَرٍ متدلٍّ من سقف مبنًى في القطب الشمالي أو الجنوبي سوف تتذبذب في مستوًى لا يدور بالنسبة للنجوم البعيدة، بينما تدور الكرة الأرضية بالنسبة إلى مستوَى البندول.

كان نيوتن مهتمًّا بالأساس بحساب مدارات الكواكب. لهذا استخدم محاوِرَ لها نقط أصل ثابتة بالنسبة إلى الشمس، ولا تدور بالنسبة للنجوم البعيدة. وهذه المجموعة هي أفضل إطار قصوري استطاع أن يَجِدَهُ، ويبدو أنه رأى أن من البدهي أن تكون هذه المحاور ثابتة في «الفضاء المطلق» الذي «يظل دائمًا متشابهًا وغير قابِل للتحرُّك دون أن يكون له علاقة بأي شيء خارجي.» لاحظ كبلر أن، بالنسبة لهذه المحاور، الكواكب تتحرك في مدارات إهليجية، وأن الأزمنة الدورية للكواكب (أي الزمن اللازم لكي يصنع الكوكب دورة واحدة حول الشمس) تتناسب طرديًّا مع نصف القطر الأكبر للإهليج مرفوعًا إلى الأُس ٣ / ٢. استخدم نيوتن قوانينه في الميكانيكا، بالإضافة إلى قانونه العام للجاذبية (الذي أعطى معادلة كمية للقوة التي تبذلها الشمس على الكواكب) لتفسير ملاحظات كبلر، بفرض أن المحاور قيد البحث تُكوِّن إطارًا قصوريًّا أو تُقَدَّر كذلك تقريبًا. الأكثر من ذلك، استطاع أن يحسب مدار مُذَنَّب هالي بدقة هائلة.

يقول معظم (وربما كل) الفيزيائيين اليوم إن مفهوم «الفضاء المطلق» يعتبر مفهومًا مراوغًا، أو لا معنى له، وأن الأُطُر القصورية تُعَرَّف فيزيائيًّا بتأثير المادة البعيدة. من العادي — عندما نسرد القوى المؤثرة على جسم — أن نقوم فقط بتضمين القوى المؤثرة عليه بواسطة أجسام أخرى قريبة منه بدرجة كافية؛ مثلًا، إذا كان الجسم كوكبًا، نأخذ في الاعتبار قوة الجاذبية التي تؤثر بها الشمس على الكوكب، لكننا لا نأخذ في الاعتبار صراحة القوة التي تؤثر بها النجوم البعيدة على الكوكب (حتى إننا لا نعلم في واقع الأمر كيف نحسب تلك القوة). وبالرغم من ذلك، فإن تأثير النجوم البعيدة لا يمكن تجاهله لأنها تحدد أيَّ الأُطُر يكون قصوريًّا؛ أي إنها تُمَيِّز المحاور المفضلة التي تكون قوانين نيوتن صحيحة بالنسبة لها. إن الصفة المهمة للمحاور المرتبطة بالشمس ليست أنها ساكنة في فضاء مطلق، وإنما أنها تسقُط بحرية تحت تأثير جاذبية المادة الكلية خارج النظام الشمسي.

في معظم الأمثلة المنزلية التي سوف نناقشها، يمكن اعتبار المحاور المرتبطة بسطح الكرة الأرضية أنها إطار قصوري. وفي مناقشة حركة الكواكب سوف نستخدم محاور مرتبطة بالشمس ولا تدور بالنسبة للنجوم البعيدة.

(٣) تعريف كَمِّي للقوة، علم استاتيكا الجسيمات

ينص قانون نيوتن الثاني — الذي سوف نناقشه في الفصل التالي — على أن عجلة أي جسم تتناسب طرديًّا مع القوة الكلية المؤثرة على هذا الجسم. يستخدم بعض المؤلِّفين هذه الحقيقة أساسًا لتعريف كَمِّي للقوة. سوف نطرح تعريف «القوة» كَمِّيًّا قبل مناقشة القانون الثاني. وبذلك سيكون من الواضح أن القانون الثاني تقريرٌ عن الكون، وليس مجرد تعريف لكلمة «قوة». وسوف نعتاد عندئذٍ على تحليل القوى عن طريق دراسة عدد من أمثلة الاتِّزان الاستاتيكي للجسيمات.

بالنسبة إلى وحدة القوة، اخترنا حالة الدفع أو الشد البسيطة التي يسهُل تَكرارُها. وهذا ينتج، على سبيل المثال، من زنبرك معياري ممدود بكَمِّيَّة معيارية عند درجة حرارة معيارية. وتكون وحدتا القوة إذن هما القوة المؤثِّرة بواسطة اثنين من تلك الزنبركات المعيارية، مربوطين بالجسم ذاته ويشدانه في نفس الاتجاه. (حسب خواص الزنبرك، قد يكون هذا مماثلًا للقوة التي يؤثر بها زنبركٌ وحيدٌ ممدودٌ بضعف الكمية المعيارية أو لا يكون كذلك.)

الأكثر غرابة من ذلك، إذا تخيَّلنا أن لدينا مصدرًا لفئران متماثلة، تشد دائمًا بكامل قوتها، يمكن إذن استخدام «الفأر» وحدة للقوة. يمكن تمثيل فأر واحد يشد في اتجاه معين بواسطة سهم طوله وحدة واحدة يشير في ذلك الاتجاه. ويمكن تمثيل ثلاثة فئران تجذب في نفس الاتِّجاه بسهم طوله ثلاث وحدات يشير في ذلك الاتجاه. يمكن تعميم التعريف بسهولة على أعدادٍ كسرية من الفئران؛ فمثلًا، إذا وُجِد أن سبعة سناجب تشد في اتجاه معين، تصنع بالضبط نفس تأثير تسعة عشر فأرًا تشد في ذلك الاتجاه، فإننا عندئذٍ نمثل القوة التي يؤثر بها سنجاب واحد بسهمٍ طوله ١٩ / ٧ في الاتجاه الملائم. (بما أن أي عدد صحيح هو نهاية متوالية من الأعداد الكسرية؛ فإن التعريف مُعمَّم بسهولة على القوى التي تكافئ عددًا صحيحًا من الفئران. (وهو ليس مثل عدد من الفئران الصحيحة!)) وهكذا يمكن تمثيل أي دفع أو شد في اتجاه محدَّد بسهم في ذلك الاتجاه، ويكون طول السهم هو عدد الفئران اللازم لكي يحاكي بإتقان الدفع أو الشد المُعطى.

بما أننا أنشأنا طريقة لتمثيل القوى بواسطة أَسْهُم لها أطوال واتجاهات، فيبدو من البدهي تقريبًا أن القوى لها جميع خصائص المتجهات. وبالأخص عند افتراض وجود فريقين من الفئران مربوطين بنفس النقطة على نفس الجسم. ليكن أحد الفريقين متكونًا من فأرًا تشد جميعها في نفس الاتجاه (ممثلًا بمتجه )، وليكن الفريق الآخر متكونًا من فأرًا تشدُّ جميعها في اتجاه آخر (ممثلًا بمتجه ). أليس من الواضح أن فريقي الفئران اللذين يشدان بالتزامن يكافئان — من جميع النواحي — فريقًا واحدًا من الفئران حيث يكون اتجاه هذا الفريق الوحيد هو اتجاه المتجه ويكون عدد الفئران في الفريق الوحيد ؛ أي طول المتجه ؟ أعتقد أن لدينا هنا نقطة مهمة تحتاج إلى برهان ويمكن برهنتها دون الاستعانة بتجربة. ولأن العديد من القراء قد يعتبرون هذا البرهان استطرادًا غير ضروري، فإننا سنعرضه بوصفه ملحقًا (ملحق (ج). [إثبات أن القوة كمية متجهة]).

على أي حال، ينبغي أن نعي بوضوح أنه عندما نُمَثِّل القوى بمتجهات، فإننا لا نعني فقط أن للقوة مقدارًا واتجاهًا، وإنما نعني أيضًا أن «أي قوتين (كلٌّ منهما يمثلها متجه) تؤثران بالتزامن على نفس النقطة تكافئان قوة واحدة، مُمَثَّلة بمتجه حاصل جمع متجهي هاتين القوتين.» ينتج من ذلك أن تأثير أكثر من قوتين على نفس النقطة، يكافئ تأثير قوة واحدة مُمَثَّلة بمتجه حاصل جمع المتجهات التي تمثل القوى المنفردة.

يمكننا الآن مناقشة اتِّزان الكتل النقطية. و«الكتلة النُقَطيَّة» هي جسم صغير جدًّا لدرجة تجعلنا نقيس فقط موضعه مع إهمال حقيقة أن أجزاء الجسم المختلفة قد تكون لها سرعات مختلفة. سنرى حالًا — نتيجة لقانون نيوتن الثالث — أن قوانين نيوتن لا تُطَبَّق فقط على الكتل النقطية ولكن تُطَبَّق أيضًا على أجسام مركبة أكبر حجمًا تتكون من عدة كتل نقطية.

fig20
شكل ٢-١: فريقان من الفئران مربوطان بنفس النقطة على نفس الجسم (شكل (أ) بالأعلى). يتكون أحد الفريقين من فأرًا تشد في نفس الاتجاه الذي يمثله المتجه ويتكون الفريق الآخر من فأرًا تشد في نفس الاتجاه الذي يمثله المتجه . أليس من الواضح أن فريقي الفئران مكافئان لفريق واحد (شكل (ب))؛ حيث يكون اتجاه الفريق الوحيد هو اتجاه المتجه وعدد الفئران في الفريق الوحيد هو مقدار المتجه ؟ للبرهان، انظر ملحق (ج).

يقال إن جسمًا ما في حالة اتزان عندما يكون ساكنًا (ليس فقط للحظة، ولكن بصورة مستديمة أو على الأقل لفترة زمنية محددة؛ فإذا رُميت كرة رأسيًّا لأعلى، فسوف تكون ساكنة لحظيًّا في اللحظة التي تصل عندها إلى أعلى نقطة. الكرة لا تكون في حالة اتزان عند تلك اللحظة؛ لأنها لا تبقى ثابتة لفترة زمنية محددة، كما أن القوة المحصلة المؤثرة على الكرة ليست صفرًا. من ناحية أخرى، الكرة المستقرة على الأرض تكون في حالة اتزان.) أو متحركًا بسرعة ثابتة. طبقًا لقانون نيوتن الأول، الجسم وهو في حالة اتزان لا تؤثر عليه قوة.

أبسط مثال للاتزان هو جسيم خارج مجال المجموعة الشمسية، يبعد بدرجة كافية عن الشمس والكواكب بحيث يكون من الممكن إهمال قوى الجاذبية التي يتعرض لها. هذا المثال لا يثير الاهتمام نظرًا لعدم وجود قُوًى مؤثرة على الجسيم. أمثلة الاتزان الأكثر أهمية — وهي ما نصادفها في حياتنا اليومية — هي تلك الحالات التي يكون فيها صافي (أو «محصلة») القوة على جسم صفرًا، رغم وجود عدة قوى مؤثرة على الجسم؛ لذلك فإن اتِّزان الجسم ينتج من حقيقة أن المجموع المتجهي لجميع القوى المؤثرة على الجسم يكون صفرًا.

(٤) أمثلة لحالة الاتزان الاستاتيكي للجسيمات

مثال ٢-١ (اتزان استاتيكي لكتلة على الأرض). في أول مثال للاتزان، دعنا نعتبر كتلة ساكنة على الأرضية. نفترض هنا أن الكتلة يمكن التعامل معها على أنها «كتلة نقطية» تتبع قانون نيوتن الأول. حتى لو لم تكُن الكتلة صغيرة جدًّا، فإننا سنرى حالًا أن قانون نيوتن الثالث يبرر اعتبارها «كتلة نقطية».تؤثر قوتان على الكتلة: تشد الكرة الأرضية الكتلة لأسفل وتدفع أرضية الغرفة الكتلة لأعلى. ولأنه ينبغي للقوة الكلية على الكتلة أن تتلاشى، فلا بد أن تكون القوتان متساويتين في المقدار ومتضادتين في الاتجاه. رغم أنهما مختلفتان تمامًا من حيث المنشأ. فالشد الذي تؤثر به الكرة الأرضية لأسفل (يسمى عادة «الجاذبية» أو «الوزن» في الاصطلاح الشائع) هو ببساطة المجموع المتجهي لقوى الجاذبية التي تؤثر على الكتلة بواسطة كل جزيء من جزيئات الكرة الأرضية. إن النسبة التي تسهم بها الجزيئات القريبة (في نطاق بضعة أميال من الكتلة) في هذا المجموع تكون مهملة، وقوة الجذب المؤثرة على الكتلة ناجمة في الأساس عن انجذاب الكتلة إلى الجزيئات البعيدة؛ لأن عدد الجزيئات البعيدة كبير للغاية. من الناحية الأخرى، القوة التي تؤثر بها أرضية الغرفة لأعلى هي قوة كهربية قصيرة المدى جدًّا (وهي قوة «التماس» التي ذكرناها بالفعل) تؤثر بها الجزيئات الموجودة بسطح أرضية الغرفة على الجزيئات الموجودة في أسفل الكتلة.
fig21
شكل ٢-٢: مخطط الجسم الحر لكتلة مستقرة على أرضية الغرفة. هي قوة الجاذبية التي تؤثر بها الكرة الأرضية على الكتلة. هي قوة التماس التي تؤثر بها أرضية الغرفة على الكتلة.
يسمى مقدار قوة الجاذبية التي تؤثر بها الكرة الأرضية على جسم ما وزن الجسم، وعادة ما يرمز له بالحرف . تعتمد قيمة العددية على ما نختاره ليكون وحدة القوة. فيما يسمى بالنظام البريطاني للوحدات، لا يكون الفأر هو وحدة القوة وإنما الرطل. يمكن تعريف الرطل بأنه قوة الجاذبية التي تؤثر بها الكرة الأرضية على جسم معياري معين موضوع في مكان محدد على سطح الكرة الأرضية. فمثلًا: يمكن أن يكون هذا الجسم ٤٥٤ سنتيمترًا مكعبًا (٢٧,٧٠ بوصة مكعبة) من الماء عند درجة حرارة ٤ درجات مئوية وتحت الضغط الجوي، وموجودًا في تقاطع شارع الثالث والثلاثين مع شارع والانت بمدينة فيلادلفيا. أما وحدة القوة في النظام المتري فهي النيوتن، وتساوي تقريبًا ٠,٢٢٥ رطلًا. [لاحظ أن محرك البحث جوجل سوف يقوم بإجراء العديد من التحويلات الشائعة بالنيابة عنك ليست هناك حاجة لحفظ معاملات تحويل معينة. غير أنه من المفيد معرفة (على أقل تقدير) معاملات التحويل الشائعة، مثلًا: متر قدم، سنتيمتر بوصة، كيلووات حصان، وغيرها.] غالبًا ما نختصر وحدة النيوتن إلى الحرف . ومن المفيد دائمًا إنشاء مخطط جسم حر تُمَثَّل فيه كلٌّ من القوى المؤثرة على الجسم بواسطة متجه. عادة ما تُرسم جميع المتجهات نابعة من مصدر مشترك. إذا كان الجسم في حالة اتزان، فإن المجموع المتجهي لجميع القوى في مخطط الجسم الحر يكون صفرًا. مخطط الجسم الحر في المثال الحالي بسيط للغاية (شكل ٢-١) ولا يضيف شيئًا لوصفنا الحرفي. في الأمثلة الأكثر أهمية التالية، يمكن الحصول على استنتاجات مقاديرية من الرسم البياني للجسم الحر.
fig22
شكل ٢-٣: الكتلة مُثَبَّتة في مكانها بواسطة قوة تؤثر في اتجاه موازٍ للمنحدر. يتضمن مخطط الجسم الحر ثلاث قوى.
fig23
شكل ٢-٤: انظر مثال ٢-٢(ب). هذه المرة ثُبِّتت الكتلة في مكانها بواسطة قوة مؤثِّرة أفقيًّا.
مثال ٢-٢ (كتلة في حالة اتزان على منحدر لا احتكاكي). اعتبر كتلة في حالة اتزان على مستوى مائل أملس. تشد الكرة الأرضية الكتلة لأسفل ويؤثر المستوى على الكتلة بقوة تماس في اتجاه متعامد على المستوى. من المؤكد أن هناك ضرورة لأن تؤثر قوة ثالثة على الكتلة لكي تجعلها في حالة اتزان. نعلم من الخبرة أن اتجاه هذه القوة الثالثة لا يتحدد بطريقة وحيدة. فمثلًا، يمكن الحفاظ على اتزان الكتلة بقوة مناسبة تؤثر موازية للمستوى في الاتجاه الصاعد (شكل ٢-٣) أو بقوة أفقية مناسبة (شكل ٢-٤). في الواقع، هناك متَّصَل من الاتجاهات المحتملة للقوة الثالثة. ولكي تكون الكتلة في وضع اتزان، لا بد أن يكون للقوة الثالثة المقدار المناسب. وهو ما يعتمد على الاتجاه الذي تؤثر فيه.
  • (أ)
    دعنا ننظر أولًا للحالة التي تُطَبَّق فيها القوة الثالثة في اتجاه موازٍ للمنحدَر. يعرض مخطط الجسم الحر القوى المؤثرة على الكتلة. هي قوة الجاذبية المؤثرة بواسطة الكرة الأرضية، هي قوة التماس المؤثرة بواسطة المنحدَر و هي القوة الثالثة. أظهرنا هذه القوة لتبين دفعة من أسفل موازية للمنحدَر، لكن ينتج نفس مخطط الجسم الحر من «شَدٍّ» في اتجاه موازٍ للمنحدَر من نقطة تماس على جانب الجسم ناحية الاتجاه الصاعد. يمكن في الحالة الثانية توفير هذه القوة بواسطة وتر؛ حيث تكون عندئذٍ هي الشد في الوتر. نرغب في حساب و .
    ينص قانون نيوتن الأول على:
    (2-1)
    هذه معادلة متجهيَّة، وتكون صحيحة فقط إذا كان مجموع مركبات للمتجهات الثلاثة صفرًا وكان مجموع مركبات صفرًا أيضًا. يمكننا اختيار اتجاهي المحورين و بالكيفية التي تلائمنا، والاختيار الأكثر ملاءمة هو أن يكون المحور موازيًا للمنحدَر والمحور عموديًّا على المنحدر. عندئذٍ تكون مركبتا و للمعادلة (2-1) هما:
    (2-2a)
    (2-2b)
    وبذلك يكون و . لاحظ أننا لو أخذنا المحور في الاتجاه الأفقي والمحور في الاتجاه الرأسي، لكانت مركبتا و للمعادلة (2-1) هما ، و ، وهو ما يؤدي مرة أخرى إلى و .
  • (ب)
    إذا أثرت القوة الثالثة في الاتجاه الأفقي (نسميها مرة أخرى)، فإن مخطط الجسم الحر يكون كما بالشكل (٤-٢). إذا أخذنا المحور في الاتجاه الأفقي والمحور في الاتجاه الرأسي، تكون مركبات المعادلة المتجهية هي و ؛ وبذلك يكون و . لاحظ التعبيرين المختلفين لحساب في هذه الحالة والحالة السابقة، ولاحظ أيضًا أن في هذه الحالة تصبح لا نهائية كلما اقتربت من . هل يتفق هذا مع «حدسك الفيزيائي»؟
fig24
شكل ٢-٥: رسم توضيحي ومخطط الجسم الحر للمثال ٢-٣.
مثال ٢-٣ (كتلة معلقة من السقف بوترين). اعتبر كتلة معلقة بوترين متساويي الطول، كلٌّ منهما متصل بالسقف ويصنع زاوية مع الاتجاه الأفقي (انظر شكل ٢-٥). يعرض مخطط الجسم الحر القوى المؤثرة على الكتلة. هي قوة الجاذبية المؤثرة بواسطة الكرة الأرضية و و هما القوتان المؤثرتان بواسطة الوترين. من التماثل الموجود في المسألة يتأكد لنا أن و لهما نفس المقدار، الذي سنسميه . إذا أخذنا المحور في الاتجاه الأفقي والمحور في الاتجاه الرأسي، تكون مركبتا المعادلة المتجهية هما:
(2-3)
لا تخبرنا المعادلة الأولى من هاتين المعادلتين شيئًا إلا أنها تؤكد وحسب افتراضنا بأن الشد في كلٍّ من الوترين يكون متساويًا. وتخبرنا الثانية بأن الشد المطلوب في الوترين هو .لاحظ أن الشد يصبح كبيرًا جدًّا عندما تكون صغيرة جدًّا (في الواقع عندما ). وهكذا نرى أن أي قوة جانبية متواضعة تُطَبَّق على سلك مشدود يمكنها كسر هذا السلك. ومع ذلك، إذا أثَّرنا بقوة جانبية في منتصف حبل مربوط من مادة النايلون، فإن الحبل سيتمدد، ولأن لا تظل صغيرة، فإن الشد في الحبل لن يصبح كبيرًا جدًّا.
fig25
شكل ٢-٦: رسم توضيحي ومخطط الجسم الحر للمثال ٢-٤.
مثال ٢-٤ (كتلة معلقة من السقف بواسطة وترين مختلفين في الطول). قد يكون الوتران في المثال السابق مختلفي الطول بحيث (شكل ٢-٦). لاحظ أنه يجب ربط كلٍّ من الوترين بالكتلة على حدة. (لو كانت الكتلة معلقة من حلقة تنزلق بحرية على الوتر، فإن الكتلة ستنزلق حتى يصبح .) في المثال الحالي وتكون مركبتا معادلة القوة هما:
(2-4)
بحل هاتين المعادلتين الخطيتين الآنيتين، نجد أن:
(2-5)
لاحظ أنه عندما تكون فإن النتيجة تتفق مع نتيجة المثال السابق.

(٥) قانون نيوتن الثالث

لم نعتبر بعد الاتزان الاستاتيكي للأنظمة التي تتكون من عدة أجسام قد تؤثر بقوى على بعضها البعض. ولكي نناقش تلك الأنظمة ينبغي لنا تقديم خاصية مهمة جدًّا للقوى لم تُذكر حتى الآن ولا يمكن استنتاجها من أي شيء ذُكِرَ هنا حتى هذه المرحلة. نص نيوتن لهذه الخاصية هو:

لكل فعل يوجد دائمًا رد فعل عكسي مساوٍ؛ أو، الفعلان المتبادَلان المؤثران على جسمين يكونان دائمًا متساويين، ويتجهان نحو نقطتين متضادتين.

يسمى هذا قانون نيوتن الثالث للحركة. ويستمر نيوتن في إعطاء بعض الأمثلة عن القانون الثالث:

إذا ضغطت على حجر بإصبعك، فإن الحجر يضغط أيضًا على إصبعك. إذا سحب حصان حجرًا مربوطًا بحبل، فإن الحصان (إذا جاز لي أن أقول ذلك) يُسحب للوراء نحو الحجر بنفس القدر …

باللغة الحديثة، يمكن صياغة القانون الثالث كما يلي:
لكل قوة يؤثر بها A على B، يؤثر B بقوة مساوية ومضادة في الاتجاه على A.

تسمى هاتان القوتان بزوج «الفعل – رد الفعل».

إن للقانون الثالث نتائج مهمة جدًّا ويلزم في الأساس الفهم التام لما يؤكده هذا القانون. دعنا ننظر مرة أخرى للمثال ٢-١ (الكتلة على الأرضية). هناك قوتان تؤثران على الكتلة: (قوة الجاذبية المؤثرة بواسطة الكرة الأرضية) و (قوة التماس المؤثرة بواسطة الأرضية). إن رد الفعل تجاه هو قوة الجاذبية المؤثرة على سطح الكرة الأرضية بواسطة الكتلة. وتُمَثَّل هذه القوة بالمتجه ؛ أي إن مقدار قوة الجاذبية المؤثرة على سطح الكرة الأرضية بواسطة الكتلة هو ، لكن اتجاه هذه القوة لأعلى، ورد فعل هو قوة التماس التي تؤثر على الأرضية بواسطة الكتلة. وكما ذكرنا من قبلُ، فإن هذه القوة هي قوة كهربية قصيرة المدى للغاية. لهذه القوة نفس مقدار لكنها في الاتجاه المعاكس (لأسفل)، وتمثَّل بالمتجه .
يوجد سوء فَهم شائع بأن و هما زوج من فعل ورد فعل. لاحظ أن القوتين في زوج من فعل ورد فعل لا تؤثِّران على نفس الجسم (إحدى القوتين تؤثِّر بواسطة A على B بينما تؤثر الأخرى بواسطة B على A). وبما أن و تؤثران على نفس الجسم (الكتلة)، فلا يمكن أن تكونا زوجًا من فعل ورَدِّ فعل. علاوة على ذلك، القوتان في زوج من فعل ورد فعل تكونان من نفس المصدر الفيزيائي، مثلًا: كلتاهما قوتا جاذبية أو كلتاهما قوتا تماس. لكن قوة جاذبية و قوة تماس؛ لذا نرى مرة أخرى أنهما لا يمكن أن تكونا زوجًا من فعل ورد فعل.

القانون الثالث ينطبق حتى لو لم تكن الأجسام قيد الاعتبار في حالة اتزان. فمثلًا: أي جسم يسقط في اتجاه الكرة الأرضية يؤثر بقوة جاذبية على الكرة الأرضية تكون مساوية في المقدار ومضادة في الاتجاه لقوة الجاذبية التي تؤثر بها الكرة الأرضية على الجسم. عندما يضرب مضرب في لعبة كرة القاعدة كرةً، فإن الكرة تؤثر على المضرب بقوة مساوية في المقدار ومضادة في الاتجاه للقوة التي يؤثر بها المضرب على الكرة. لكن يوجد تناقض شائع يطرحه هذا السؤال: «إذا كانت القوة التي تؤثِّر بها الكرة على المضرب مساوية في المقدار ومضادة في الاتجاه للقوة التي يؤثر بها المضرب على الكرة، فلماذا إذن تتسارع الكرة؟» الإجابة من قانون نيوتن الثاني الذي ينص على أن تسارُع الكرة يتناسب مع محصلة القوة المؤثرة على الكرة. وبذلك تكون القوة التي تؤثر بها القوة على المضرب ليست ذات صلة بمسألة تسارع الكرة من عدمه.

إن إغراء توصيف (على نحو خاطئ) و بأنهما زوج من فعل ورد فعل تنشأ جزئيًّا من حقيقة أنه عند الاتزان . إذا ما اعتبرنا حالة عدم اتزان تكون الكتلة فيها على أرضية مِصعد يتسارع لأعلى؛ فإن القوة المحصلة المؤثرة على الكتلة لا تساوي صفرًا؛ أي . تتسارع الكتلة في هذه الحالة لأعلى لأن قوة التماس لأعلى التي تؤثر بها الأرضية على الكتلة تكون أكبر من قوة الجاذبية لأسفل التي تؤثر بها الكرة الأرضية على الكتلة. ومع ذلك، يكون قانون نيوتن الثالث صالحًا: قوة الجاذبية التي تؤثر بها الكتلة على الكرة الأرضية تكون مساوية ومضادة لقوة الجاذبية التي تؤثر بها الكرة الأرضية على الكتلة، وقوة التماس التي تؤثر بها الكتلة على الأرضية تكون مساوية في المقدار ومضادة في الاتجاه لقوة التماس التي تؤثر بها الأرضية على الكتلة.
fig26
شكل ٢-٧: رسم توضيحي للمثال ٢-٥. كتلتان موضوعتان في حالة اتزان بواسطة قوة مؤثِّرة في اتجاه موازٍ للمنحدر. يبين شكل (ب). مخطط الجسم الحر للكتلة رقم ٢، بينما يبين شكل (ج). مخطط الجسم الحر للكتلة رقم ١.

على وجه الدقة، ليست جميع القوى في الطبيعة تتبع تمامًا القانون الثالث. (مع تعديل مناسب لمنطوق القانون الثالث، تكون جميع القوى خاضعة للقانون. ومع ذلك، فإن المنطوق المعدل يكون مختصرًا نوعًا ما وغير مفيد بالنسبة لهدفنا.) ومع ذلك، إذا ابتعدنا (كما سنفعل في هذا الكتاب) عن الحالات التي تنتج فيها كمية كبيرة من الإشعاع الكهرومغناطيسي، يكون القانون الثالث صحيحًا. أحد الأمثلة الشائعة لقوة تنتهك القانون الثالث، يُستَشهد به (على نحو خاطئ)، هو لقوة مغناطيسية بين قطعتي سلك، تحمل كلٌّ منهما تيارًا كهربيًّا. في الواقع، لا يمكن قياس القوة بين قطعتين تحملان تيارًا كهربيًّا، القوة الوحيدة التي يكون لها مغزًى فيزيائي هي القوة بين حلقتي سلك مغلقتين، هذا ما يتبع القانون الثالث.

مثال ٢-٥ (الاتزان الاستاتيكي لكتل على منحدر). كتوضيح مبدئي لأحد استخدامات قانون نيوتن الثالث، نعتبر تعميمًا طفيفًا لمثال ٢-٢. افترض أن لدينا كتلتين على مستوًى مائل أملس، الكتلة العلوية (رقم ٢) تكون مدعومة بالكتلة السفلية (رقم ١)، والتي تكون مدعومة بدورها بواسطة قوة خارجية تؤثر في اتجاه موازٍ للمنحدَر.يتضمن مخطط الجسم الحر للكتلة رقم ٢ (انظر الشكل ٢-٧) القوة التي تبذلها الأرض، والقوة التي يبذلها المستوى، والقوة التي تبذلها الكتلة رقم ١ على الكتلة رقم ٢. وسنفترض أن الكتلتين مستطيلتين لهما أسطح ملساء بحيث تكون موازية للمستوى. يتضمن مخطط الجسم الحر للكتلة رقم ١ (بالإضافة إلى و ) القوة التي تؤثر بها الكتلة رقم ٢ على الكتلة رقم ١. من قانون نيوتن الثالث، تكون هذه القوة هي . أضف إلى ذلك أن مخطط الجسم الحر للكتلة رقم ١ يجب أن يتضمَّن القوة الخارجية المؤثرة على الكتلة رقم ١. لاحظ بوضوح أن هي قوة مؤثرة على الكتلة رقم ١ وليس الكتلة رقم ٢. القوة المؤثرة بواسطة رقم ١ على رقم ٢ هي .شرط الاتزان للكتلة رقم ٢ هو:
(2-6a)
وللكتلة رقم ١ هو:
(2-6b)
مركبات المعادلتين (2-6a) و(2-6b) في اتجاه المحور الموازي للمنحدر والاتجاه العمودي عليه هي:
وهذه أربع معادلات في المجاهيل الأربعة ، ، ، . نحصل بحلها على:
(2-6c)
(2-6d)
(2-6e)
لاحظ أنه بدون القانون الثالث كان سيتحتم أن ندخل قوة أخرى مجهولة (القوة التي تؤثر بها الكتلة رقم ٢ على الكتلة رقم ١، التي يمكن تسميتها ). عندئذٍ سيكون لدينا أربع معادلات في خمسة مجاهيل ولن تكون المسألة قابلة للحل رياضيًّا.في المثال السابق، يمكن الحصول على معادلتي و مباشرة من المعادلة (2-2a) والمعادلة (2-2b) لأن مسألة اتِّزان الكتلة العلوية مماثلة للمسألة التي سبق حلُّها للتو في المثال ٢-٢. الأهم هو ملاحظة أن المعادلة (2-6d) في يمكن الحصول عليها مباشرة من المعادلة (2-2a) إذا تعاملنا مع الكتلتين على أنهما جسم مركَّب وزنه . بالمثل، من المعادلة (2-2b)، تكون القوة الكلية العمودية على هذا الجسم المركب هي .

هل يجوز القول دائمًا إن القوة الكلية على جسمٍ ما في حالة اتزان تكون صفرًا، حتى لو كان الجسم نظامًا مركَّبًا من عدة أجزاء؟ بمساعدة القانون الثالث يمكننا إثبات أن الإجابة هي «نعم». إذا لم يكُن الحال كذلك، فسيكون قانون نيوتن الأول قابلًا للتطبيق فقط على أجسام «أولية» معينة (من المحتمل أن تكون ذات أبعاد ميكروسكوبية) ولن يكون قابلًا للتطبيق على أجسام مثل الكرات والكتل التي تتكوَّن بالفعل من جزيئات عديدة.

باختصار، يسمح لنا القانون الثالث أن ننحي جانبًا السؤال الحساس عن ماهية «الجسيمات» التي تتبع قوانين نيوتن للحركة. إذا كانت الأجسام الصغيرة بدرجة كافية تتبع قانون نيوتن الأول، فإن القانون الثالث يقضي ضمنًا بأن تتبع الأجسام الأكبر هي الأخرى قانون نيوتن الأول (يسمح القانون الثالث أيضًا بأن نُطبق القانون الثاني على أجسام كبيرة «مركبة» كما سنرى بعد قليل).

نُعرِّف النظام بأنه أيُّ تجميعة من الجسيمات (الجسيم هو جسم صغير بدرجة تكفي لأن يتبع قوانين نيوتن). تُرَقَّم الجسيمات بالدليل . ونقول إن النظام في حالة اتزان عندما يكون كل جسيم من جسيمات النظام في حالة اتزان (أي ساكنًا أو متحركًا بسرعة ثابتة).
إذا كانت هي القوة الكلية المؤثرة على الجسيم رقم ؛ فإن حالة الاتزان تكون لكل ، وبالتالي:
(2-7)
يمكننا كتابة كمجموع حدين:
(2-8)
حيث هي القوة «الخارجية» المؤثرة على الجسيم رقم (أي القوة المؤثرة على الجسيم رقم بواسطة جسيمات لا يشملها النظام) و هي القوة المؤثرة بواسطة الجسيم رقم على الجسيم رقم . (نفترض أن أي جسيم لا يمكنه التأثير بأي قوة على نفسه. وهذا تحديدًا نابع من قانون نيوتن الثالث الذي ينص على أن الفعل ورد الفعل سيكونان متماثلين في حالة القوة الذاتية.) وبهذا فإن المعادلة تصبح:
(2-9)
لكنَّ كلًّا من حدود الجمع المزدوج تُلاشي بعضها في ثنائيات؛ فمثلًا، الجمع الذي يحتوي على و ، هو ثنائي فعل ورد فعل، ومن ثم يكون مجموعه المتجهي صفرًا. وبذلك يتلاشى الجمع المزدوج (أي إن القوة الداخلية الكلية تتلاشى. يمكن تلخيص هذا عادة بجملة أنه «لا يمكنك رفع نفسك بواسطة رباط حذائك»)، ويكون لدينا:
(2-10)
وبذلك، إذا كان نظام جسيمات ما في حالة اتزان فإن القوة الخارجية الكلية على النظام يجب أن تتلاشى.
تسمح لنا النظرية السابقة بتطبيق قانون نيوتن الأول على أيٍّ من الكتلتين في مثال ٢-٥، أو على النظام المركب المتكوِّن من كلتا الكتلتين. لنا بالطبع مطلق الحرية في اختيار أي مجموعة مناسبة من الجسيمات لتكون «النظام» المَعْنِيَّ بالدراسة. سوف نرى في أمثلة لاحقة أنه كثيرًا ما يمكن استغلال هذه الحرية لتبسيط حل المسألة.
fig27
شكل ٢-٨: يتضح هنا أنه برغم عدم وجود محصلة قوة على نظام ما؛ فإن النظام قد لا يكون في حالة اتِّزان. في هذه الحالة تؤثر قوتان متساويتان ومتضادتان على طرفي القضيب.
أثبتنا أنه إذا كان نظام ما في حالة اتزان، يجب أن تتلاشى القوة الكلية الخارجية المؤثرة على النظام. لكننا لم نُثبت أنه إذا تلاشت القوة الكلية المؤثرة على نظامٍ ما، فإن النظام يكون في حالة اتِّزان (مع علم أن ، لا يمكننا استنتاج أن لكل ). وبرغم تلاشي القوة الكلية الخارجية المؤثرة على نظام ما؛ فإن النظام قد لا يزال في حالة اتزان. أحد الأمثلة البسيطة (شكل ٢-٨) حالة قضيب تؤثر عليه قوة (عمودية على القضيب) عند أحد الطرفين وقوة عند الطرف الآخر. من الواضح أن القضيب سيبدأ في الدوران برغم تلاشي القوة الكلية الخارجية. أُرجِئَت مناقشة «الشروط الضرورية والكافية» لاتزان الأجسام الجاسئة إلى الفصل الثامن.

(٦) الحبال والأوتار: معنى «الشد»

يتكون العديد من النبائط البسيطة والمهمة (مثلًا، نظام لكتلة وأوتار وبكرة) من عدة أجزاء متصلة بأوتار أو حبال. قبل تحليل مثل هذه النبائط، علينا فَهم المقصود بالوتر وماذا يعني الشد فيه. لأغراض مفاهيمية دعنا نقسم الوتر إلى جزءين: A وB، بواسطة مستوى تخيلي عمودي على الوتر عند نقطة اختيارية ما (نؤكد على أن المستوى ما هو إلا بناء رياضياتي لا يُتلف الوتر!) يؤثِّر الجزء B بقوة على A (شكل ٢-٩)، ومن القانون الثالث يؤثر A بقوة على B.
fig28
شكل ٢-٩: مفاهيميًّا، نقسم الوتر إلى قطعتين بواسطة مستوًى تخيلي. يؤثر B بقوة