خاتمة

نتيجتان هامَّتان يمكن للقارئ أن يستخلصهما من مطالعة «الفرق والمذاهب المسيحية»، هما:

حتمية ظهور الإسلام الذي وضع حدًّا لفوضى العقائد التي جعلت المسيحية تحت تأثير البيئة الغربية «سببًا في نشوء جميع أنواع الانحرافات في البلاد العربية وما جاورها حتى أشرفت منطقة الشرق الأدنى حتى الهند على الغرق في طوفان الزندقات أو الهرطقات البعيدة جدًّا عن روح المسيحية الأولى، بحيث لم يكُن بدٌّ للوحي الإسلامي، بمقتضى السُّلطة الإلهية الملازمة لكل وحي، من أن ينأى بنفسه عن المعتقدات المسيحية التي كانت أيسر ما يكون مصدرًا للانحرافات بمقدار ما كانت تعبِّر عن حقائق باطنة صارت إلى الابتذال دون أن تتكيف التكيف الصحيح».١
فالبُعد الإلهي الذي وجده آباء الكنيسة الأولى في شخص يسوع — وهو بالمناسبة بعدُ موجود في كل إنسان على درجات متفاوتة — حملهم على الخوض في ذات الله التي لم يُخلق العقل البشري لإدراكها، وهو ما نهى عنه نبيُّ الإسلام بعد ستة قرون ونيف مرَّت على ميلاد السيد المسيح، إذ قال عليه الصلاة والسلام: «تفكَّروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله.»٢

يبيِّن ف. شيئون لماذا رفض الإسلام عقيدة التثليث المسيحية، وهي أصل البلبلة التي شاعت في هذه الديانة، اعتبارًا بأن العناية الإلهية قد دأبت على عدم قبول الاختلاط فيما بين صور الوحي، منذ أن انقسمت البشرية الواحدة إلى «بشريات» مختلفة، وابتعدت عن التقليد البدئي، وهو التقليد الوحيد الممكن. يقول ف. شيئون: إن سوء تفسير الإسلام لعقيدة التثليث المسيحية هو من طبيعة ربَّانية، لأن التعليم الذي تنطوي عليه هذه العقيدة تعليم باطني، جوهريًّا وحصريًّا، ولا يقبل تعليمًا «ظاهريًّا» بالمعنى المخصوص للكلمة.

ولقد كان على الإسلام أن يحدَّ من انتشار هذه العقيدة، لكن هذا لا يمنع أن تكون الحقيقة الشاملة، التي تعبِّر عنها هذه العقيدة، ماثلةً في الإسلام نفسه.٣ ولعلَّه ليس من غير المفيد، من جهة أخرى، أن نبيِّن ها هنا أن تأليه عيسى ومريم، الذي ينسبه القرآن بصورة غير مباشرة إلى النصارى، يفسح في المجال أمام تثليث لا يواحده مع التثليث الذي تعلمه النصرانية، رغم أنه لا يقلُّ عنه اعتمادًا على الوقائع، فهناك أولًا مفهوم «أم الله» وهو تعليم غير ظاهري يتعذَّر عليه، بما هو كذلك، أن يجد له مكانًا في المنظور الديني الإسلامي. وهناك ثانيًا «الماريانية» التي يرفضها الإسلام، بما هي اغتصاب جزئي لحقِّ الله في العبادة. ثم هناك أخيرًا «الوثنية المريمية» التي كان يدين بها بعض الفرق في الشرق، وكان على الإسلام أن يحاربها حربًا تشتدُّ عنفًا كلما دنَت قُربًا من الوثنية العربية.٤

وقد يذهب ف. شيئون إلى القول بما يمكن اعتباره «فلسفة» غير منطوقة، وفي الوقت نفسه، موروثة سيكولوجيًّا، في أعماق أمة، أو مجموعة من الأمم، تجعلها تنظر إلى العالم والإنسان والألوهة على هذا النحو أو ذاك، حتى إذا جاء الوحي الإلهي معبِّرًا عن هذه «الفلسفة» الجوَّانية حصل تطابقٌ بين رسالة الوحي وعقل الجماعة أو الجماعات المعنية، فكأن الوحي قام بعملية انتشال ما بالأعماق إلى سطح الواعية، أيْ إن المؤمن هنا يغدو واعيًا لما كان غائبًا عن وعيه، وقد كان بين يديه وهو لا يدري.

بالمفهوم المعاكس، عندما يشيع في أمة معتقَدٌ وافدٌ لا بدَّ من أن يصيبه قدْرٌ من التكييف والتحريف بما يتوافق مع ذهنية هذه الأمة. من هنا نجد ف. شيئون يقول: لعلَّنا نستطيع القول — وإن وجود الزنادقة المذكورين شاهد على ذلك — إن التثليث القرآني ينطبق أساسًا على ما قد آلت إليه المعتقدات المسيحية نتيجةً لتكيُّف غير صحيح، كان لا بدَّ للعرب أن يقعوا فيه لأن هذه المعتقدات لم تكُن مُعدَّةً من أجلهم.٥

ونضيف أن التعقيدات الفلسفية التي تضمنتها بعض المصطلحات اللاهوتية كالوحدة في الجوهر بين الآب والابن والأقنوم أو الأقانيم، ليست من المسائل التي يسهل على عامة الناس تداولها وفهمها. وهنا أذكر قولًا لكارل ماركس يبيِّن فيه متى تصبح الفلسفة قوةً ماديةً فاعلةً في التاريخ، إنها تصبح كذلك عندما تشيع في جماهير الشعب.

وهنا، يمكننا أن نتساءل هل يصبح الشعب فيلسوفًا أم تصير الفلسفة شعبية؟

إن الدغماطيقا المسيحية، وهي في الأصل عقيدة باطنية، إذ اتخذت لنفسها صفة الظاهرية، كان لا بدَّ لها من أن تتعرض لمختلف التفسيرات والتأويلات التي تصدُر عن العقل الخطابي Pensée Discursive، أعني العقل البشري الذي يتعامل مع العالم الخارجي، فالمسيح إنسان محض عند قوم، وهو إله محض عند آخرين، وهو إله وإنسان في كينونة واحدة عند أقوام ثالثين. وعند التسليم بذلك، هل الطبيعتان البشرية (الناسوت) والإلهية (اللاهوت) في هذه الكينونة متحدتان منفصلتان؟ وهل حادثة الصَّلْب وقعت على اللاهوت والناسوت معًا أم هي وقعت على الناسوت فقط؟ وما هو موقع أمِّ الله إن لم تكُن الطبيعتان متصلتين؟ هذا كله، أو بعضه، على ما يذهب إليه ف. شيئون، كان السبب العميق وراء الرَّجْع الإسلامي على المسيحية، فباعتبار أن هذه قد خلطت الحقيقة (الباطن) بالشريعة (الظاهر)، انطوت على مخاطر معيَّنة أدَّت إلى خلل في توازن الحقيقة على مدى القرون، وأسهمت، بصورة غير مباشرة، في الخراب الرهيب الذي عليه عالمنا اليوم، وفقًا لقول المسيح «لا تطرحوا للكلاب ما هو قُدسي، ولا تلقوا بدرركم قدَّام الخنازير، لئلَّا تدوسها بأقدامها، وترتدَّ إليكم، وتمزقكم.»٦
ثم ماذا عن صلة الروح القُدُس بالآب والابن؟ هل الروح القُدُس منبثق من الآب والابن معًا كما تقول الكنيسة الكاثوليكية، أم هو منبثق من الآب فقط كما تقول بذلك الكنيسة الأرثوذكسية؟ وفي هذا الصدد يقول والتر كوفمان، صاحب «الأديان في أبعادها الأربعة» ما يلي: «الشجار الذي نشب فيما بين المسيحيين، وكذا التعقيدات الشاذة التي اتسمت بها الخلافات المسيحية حول علاقة الآب بالابن وعلاقة هذَين بالروح القُدُس؛ كل ذلك قد يسَّر بالإسلام أن يتوسع (على حساب المسيحية)، وأن يجعل من البساطة الرفيعة التي جاء بها التوحيد الإسلامي تلقَى قبولًا مضاعفًا لدى كثير من الناس.»٧
هذا، ومع ذلك، نجد مجمع لاتران الرابع يؤكد أن «القوام الإلهي، أو الجوهر الإلهي، أو الطبيعة الإلهية» من حيث هي «حقيقة عُليا لا يدركها عقل، ولا يصفها لسان» و«التي هي المبدأ الوحيد لكل شيء، من غيرها لا يمكن أن يوجَد شيء، وأن هذه الحقيقة لا تلد ولا تولد».٨
بين أن يكون الآب والدًا للابن (يسوع) وبين ما يقرره مجمع لاتران الرابع أن الجوهر الإلهي أو الطبيعة الإلهية لا تلد ولا تولَد، وهو ما يتفق تمامًا مع مضمون سورة الإخلاص التي اشتمل عليها القرآن الكريم؛ إن هذا يجعلنا نتذكر حيرة القدِّيس أثناسيوس، وكان أسقف الإسكندرية، الذي اعترف بصراحة أنه كلما قَسَر فهمه على التفكير في اللوغوس (الكلمة) انكفأت على نفسها جهوده المرهقة غير المُجدية، وأنه كلما زاد تفكيره قلَّ فهمُه، وكلما كتب قلَّت قدرتُه على التعبير عن أفكاره.٩

أليس من حقِّ القارئ أن يصيح احتجاجًا: لِمَ كل هذه الشدة يا رسول الله؟!

قد يقول بعضهم: إن هذا سر … والحقُّ إن هذا القول لا يجيب عن السؤال بقدْر ما يتفلَّت من الجواب.

والنتيجة الثانية، وهي لا تقلُّ أهميةً عن الأولى، هي أن الديانة المسيحية ديانة سورية سواء من حيث نشأتها، أو من حيث مركز إشعاعها على العالم.

فالسيد المسيح كانت ولادته في بيت لحم، ونشأته في كفر ناحوم، وهما من أعمال سورية الجنوبية (فلسطين). والمدينة التي أشعَّت على العالم بنور المسيحية هي مدينة أنطاكية، وكانت يومئذٍ عاصمة سورية الغربية. وفي أنطاكية سُمِّي المسيحيون مسيحيين، وكانوا من قبلُ نصارى.

ولكن سورية، من ناحية ثانية، لم يقتصر دورها التنويري والحضاري في تاريخ البشرية على إرساء الأُسُس التي قامت عليها الديانة المسيحية وحسب، وإنما كانت هي أيضًا بعد المدينة المنورة، مركز الإشعاع الإسلامي الذي عمَّ نوره أرجاء العالم القديم، يوم أن كانت دمشق حاضرة الخلافة الأموية، ودمشق الإسلام هي دمشق المسيحية التي على الطريق إليها كانت هداية القدِّيس بولس، الذي انقلب من يهودي فريسي متعصِّب منغلق حاقد إلى رسول يهدي «الأمم» إلى رحاب المسيحية التي تتسع للناس قاطبة. لقد كسر الطوق الذي ضربته اليهودية حول نفسها، وراح يبشر بالمحبة بعد أن كان يدعو إلى العداوة والبغضاء.

لئنْ كان الإسلام عربي النشأة وسوري الامتداد والإشعاع، لقد كانت المسيحية سورية النشأة والامتداد والإشعاع، ولذلك، إن من حقِّ العربي، وإن كان مسيحيًّا، أن يعتزَّ بالإسلام، ومن حقِّ كل سوري، وإن كان مسلمًا، أن يعتزَّ بالمسيحية، والعربي السوري من حقِّه أن يعتزَّ بكلتيهما.

وإذا كان من حقِّه أن يؤثِر إحداهما على الأخرى، فلأنه بذلك يستجيب لرؤيته التي يعينها له نموذجه — بالمعنى اليونغي١٠ — الذي يجعله يرى العالم والإنسان والألوهية على هذا النحو أو ذاك. فالإنسان لا يختار نموذجه كما لا يختار أبوَيه.
١  ف. شيئون، فصل من كتابه «الوحدة الداخلية للأديان» بعنوان «الإيمان والإسلام والإحسان»، ترجمة نهاد خياطة، إصدار المؤسسة الجامعية، ببيروت ١٤١٦ﻫ/١٩٩٦م، ص٣٣.
٢  رواه أبو نعيم في الحلية، الجامع الصغير. وفي رواية الطبراني في الأوسط: تفكَّروا في آلاء الله.
٣  لعلَّه يشير إلى قوله تعالى: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ (البقرة: الآية ٨٧).
٤  ف. شيئون، الإيمان والإسلام والإحسان، ص٣٤.
٥  المرجع السابق نفسه، والصفحة نفسها.
٦  ف. شيئون، الإيمان والإسلام والإحسان، ص٩٢-٩٣.
٧  Walter Kaufmann, Religions in Four Dimensions, New York, p 146.
٨  Louis Gardet, L’Islam, Paris 1967, pp. 56-57 et 424.
٩  انظر:
Edward Gibbon, The Decline and Fall of the Roman Empire, Vol I, New York, p. 680.
١٠  نسبةً إلى عالِم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤