الفصل الثاني

الفِرَق والمذاهب المسيحية بعد نيقية حتى مجمع خلقيدونية ٤٥١م

مجمع أنطاكية لعام ٣٤١م – أبولو ليناريوس اللاذقي: المسيح إله فقط – إلهية الروح القُدُس – السابليانية أو الوجهية – نسطور ثيودوروس المصيصي – كيرلس الإسكندري – أفتيخيس – مجمع خلقيدونية عام ٤٥١م.

***

لم يكُن مقدَّرًا لمجمع نيقية أن يحسم الخلاف بين آريوس وخصومه، فقد مرَّ معنا أن الإمبراطور قسطنطين بعد أن نقل عاصمته من روما إلى بيزنطة عاد فألغى مقررات مجمع نيقية، ما تعلق منها بطبيعة العلاقة بين الآب والابن. وقد جاءت قراراته هذه بُعَيد انعقاد مجمعَي صور والقسطنطينية في الأعوام ٣٣٥ و٣٣٦م ترتيبًا؛ المجمعَين اللذَين أكدا على الروحية الشرقية المناهضة للكنيسة الرومانية.١ بل أكثر من هذا، فقد عُيِّن آريوس أسقفًا على القسطنطينية، لكنه ما لبث أن مات مسمومًا بعد ذلك بوقت قصير سنة ٣٣٦م. وقد قال خصومه يومئذٍ إن موته كان معجزة، لكن الإمبراطور شكَّ في وجود عملية اغتيال كان أثناسيوس وراءه، فتم شجبُه لهذا السبب.٢

(١) مجمع أنطاكية لعام ٣٤١م

تنادى الأساقفة الشرقيون للدفاع عن الآريوسية، وعلى رأسهم تيودوس أسقف اللاذقية، أوسيبيوس أسقف قيصرية (فلسطين)، وأوسيبيوس الآخر أسقف نيقوميديا، وعقدوا مجمعًا في أنطاكية أقروا فيه مبادئ للإيمان قريبةً من مبادئ نيقية، لكن لا تعترف بمساواة الابن بالآب، فاعتبره البعض ذا خلفية آريوسية، بل ذهب بعض أتباع آريوس إلى القول بأن المسيح «مشابه للآب في الذات والجوهر» مع الاعتراف إلى ذلك بأنه «كلمة الله». وذهب آخرون إلى رفض الاعتراف بالمسيح إلهًا، وبأنه «كلمة الله»، ونفوا عنه صفة التشبيه بالآب حتى.٣

(٢) إلهية الروح القُدُس

استطاع الأساقفة الذين وقفوا في الجهة المضادة لآريوس وأتباعه أن يحدِّدوا تحديدًا دقيقًا لفظة أوسيا (الذات والجوهر)، وهيبوستاس (الأقنوم أو الشخص)، فكانت لهم بذلك هذه الصيغة التي لم تزَل عليها الأجيال المسيحية في سرِّ الثالوث، وهي أن الله واحد في ثلاثة أقانيم. على أن هذا لم يتم إلا في مجمع القسطنطينية الذي انعقد في العام ٣٨١م، من أجل تكفير قوم أنكروا إلهية الروح القُدُس، فتقرر أن الروح القُدُس هو الربُّ المُحيي المنبثق من الآب والذي تجب عبادته مع الآب والابن.٤

(٣) أبوليناريوس اللاذقي: المسيح إله فقط

كان أبوليناريوس أسقفًا على أبرشية اللاذقية، عاشَ بين ٣١٠ و٣٩٠م. مال في تعريف الإنسان إلى النظرة الأفلاطونية القائمة على أن الإنسان مركَّب من الجسد والنفس الحيوانية والنفس الناطقة (الروح)، فذهب إلى أن المسيح بشر، بمعنى أن الكلمة الإلهي اتخذ له جسدًا بشريًّا ونفسًا حيوانية. أمَّا الروح أو النفس الناطقة فقد ناب الكلمة منابها، فلم يكُن للمسيح إلا طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهية، إذ إن الجسد، بحدِّ ذاته، ليس الطبيعة الإنسانية، ولم يكُن لأفعال المسيح بعد ذلك إلا أصل واحد تُردُّ إليه فيتولاها، وهذا الأصل هو الطبيعة الإلهية بالذات.٥
إن فهم أبوليناريوس على النحو المتقدم ينتقص من الطبيعة البشرية في المسيح، إذ يجعلها محرومةً من النفس الناطقة (الروح). كُفِّرت أقواله في مجمع الإسكندرية الذي انعقد برئاسة أثناسيوس في العام ٣٦٢م، ثم في القسطنطينية المسكوني الثاني في العام ٣٨١م.٦

(٤) السابليانية أو الوجهية

قال هؤلاء إن الله واحد بالطبيعة الأقنومية، فهو آب أو ابن أو روح قُدُس تبعًا لظهور صفاته المختلفة، وليست الأقانيم في الأساس إلا وجوهًا، عليها نتصور الله من خلال أفعاله. ولقد عُرف هذا المذهب بالفردانية الوجهية وأنصاره بالوجهيِّين. كانوا يقولون إن الآب تألم في صورة الابن أو وجهه لدى موت المسيح على الصليب، لأنهم تصوروا الآب والابن شيئًا واحدًا بالذات والأقنوم. وهذا، وإن الداعين إلى هذه الأقوال كلها إنما كانوا قومًا من آسية الصغرى، أقاموا في روما حيث كفروا، ولا سيما آخر مَن ظهر منهم، وهو سابليوس، ومن هنا جاءت تسميتهم بالسابليانية.٧

(٥) نسطور والنسطورية: الإنسان في المسيح منفصل عن الإله فيه

وُلد نسطور فيما يُعرف اليوم ببلدة مرعش، من أعمال تركيا حاليًّا، وهو القائل بأن للمسيح أقنومَين.

والأقنوم، في عُرف الكنيسة، هو «القائم في ذاته، وبذاته».٨ درس في أنطاكية، ثم التحق بأحد الأديرة الواقعة في جوارها، ولم يلبث أن اشتهر بمواعظه، فاختاره الإمبراطور أسقفًا على القسطنطينية في سنة ٤٢٨م، وأخذ هناك بمقاومة الآريوسية وغيرها من المذاهب غير الرسمية، فتفاءل الناس بصدق جهاده في سبيل العقيدة القويمة، إلا أنه، منذ أواخر السنة ذاتها، ظهر بتعليمه الجديد، ومؤدَّاه أن العذراء ليست «أم الله» حقًّا، وأن المسيح لا يقوم بأقنوم واحد، بل بأقنومَين (خلافًا للعقيدة الرسمية التي ترى في المسيح أقنومًا واحدًا في طبيعيتَين لاهوتية وناسوتية).٩ بلغ الخبر كيرلس، أسقف الإسكندرية يومئذٍ، فدعا إلى عقد مجمع أفسس الثالث في العالم ٤٣١م، الذي كفَّر نسطور، وعزله، ومُنع من نشر آرائه، ونُفي إلى البطراء (٤٣٥م)، ثم إلى صحراء مصر حيث مات سنة ٤٥١م، بعد أن وضع مؤلَّفه الأخير بعنوان «كتاب هيرقليدس الدمشقي»، من خلاله استطاع المؤرخون أن يطَّلعوا على مذهب الرجل.١٠

يترتب من هذه الرؤية أن الذي تألم، وصُلب، ومات، إنما هو الإنسان في يسوع (الناسوت) دون يسوع ابن الله (اللاهوت)، ما دامت الطبيعتان البشرية والإلهية منفصلتَين بعضهما عن بعضهما الآخر. ومن هنا لم تكُن مريم «أم الله» … ومن ناحية أخرى، ينتفي تدبير الفداء.

(٦) ثيودوروس المصيصي (٣٥٠–٤٢٨م)

لم يكُن نسطور أول مَن قال بالأقنومَين في المسيح، بمعنى أن أقنوم اللاهوت منفصل عن أقنوم الناسوت، بل كان في هذا تابعًا لثيودوروس المصيصي الذي يقول في كتابه «تجسد ابن الله»:

«عندما نميز بين الطبيعتَين نقول إن طبيعة الله — الكلمة — طبيعة كاملة، كما أن أقنومه كامل أيضًا. وبالمعنى ذاته نقول: إن الطبيعة البشرية في المسيح كاملة أيضًا، وإن أقنومه البشري كامل، لكن عندما ننظر في الاتحاد بين الطبيعتَين لا يقابلنا إلا أقنوم واحد، أمَّا هذا الاتحاد فهو اتصال أو إسناد أو إضافة، والأولى أن يُقال إنه (سُكنى) الكلمة الإلهي في الإنسان يسوع، على أن هذه (السُّكني) لا تتحقق بحضور الكلمة من حيث الذات والجوهر في هذا الإنسان، ولا حتى حضورًا بالقوة بما هو أصل للأفعال والأعمال، بل حضور بالأنس والرضوان، سُكنى الله في الأبرار.»١١
يبدو أن هذه النظرة هي أقرب ما تكون إلى ما يتحدث عنه الصوفية المسلمون في وصف مقامَي الجمع والفرق حيث لا يصير الإنسان إلهًا، ولا الله إنسانًا، بل نوع من التجاذب غير العضوي الذي يُبقي على هُويَّة كلٍّ من العبد والمعبود، وهذا — على ما نرى — لا تقبل به العقيدة الأرثوذكسية التي تذهب إلى أن أفعال المسيح وصفاته ترتدُّ كلها إلى أصل واحد فيه متميز عن لاهوته وناسوته.١٢
انتهى المصيصي إلى نفس النتيجة التي انتهى إليها فيما بعد، وهي أن مريم ليست أم الله إلا بالمعنى الإضافي أو المجازي، وأن يسوع ليس ابن الله حقًّا وفعلًا، وإن أُطلقت عليه هذه التسمية فبمعنى أنه يصبح أهلًا لها بالنعمة فقط، والذي وُلد ومات ليس ابن الله، بل هو الإنسان، ابن داود.١٣

هذا الفهم الذي يقرر أن يسوع ليس ابن الله ينسف من الأساس فكرة الكفَّارة التي تقوم على أن الله أرسل ابنه لكي يتألم، ويُصلَب، ويموت تكفيرًا عن الخطيئة الأولى التي ورثها البشر عن الإنسان الأول؛ آدم.

(٧) كيرلس الإسكندري (٣٧٥–٤٤٤م)

اعتلى كيرلس سُدَّة بطريركية الإسكندرية من سنة ٤١٢م، إلى سنة ٤٤٤م. تولَّى الردَّ على مذهب النساطرة بصيغةٍ شابَها اللبس، أدَّت إلى نشوء مذهب أفتيخيس واليعاقبة من بعده، ونعني به مذهب أصحاب الطبيعة الواحدة (المونوفيزية).١٤
يذهب كيرلس إلى أن الوحدة الأصلية في المسيح هي وحدة «الكلمة» المتجسِّد، فالكلمة هو ابن الله، وهو كامل قبل تجسُّده، ثم شاء أن يضمَّ إليه الطبيعة الإنسانية التي لا تغنيه في شيء، لأنها لا تزيده شيئًا، ثم «صار جسدًا»، أيْ إنسانًا. لقد «وُلد إنسانًا»، لكنْ لا يسعنا القول إن أقنومًا جديدًا حدث في التجسُّد (كما يقول النساطرة)، بل هو «الكلمة» الإلهي الذي «وُلد» إذ اتحد بطبيعة إنسانية من غير أن يفقد شيئًا من وحدته.١٥ وأن ما بين الطبيعتَين، الإلهية والبشرية، بل فيه اتحاد حقيقي يسميه كيرلس «اتحادًا في الأقنوم»، لا بمعنى أنه ينتج عنه أقنوم جديد، بل بمعنى أنه تحقَّق في الأقنوم القديم الذي هو أقنوم «الكلمة الإلهي».١٦
بعبارة أخرى، إن أقنوم الابن ينطوي في ذاته على الطبيعتَين كلتيهما الإلهية والبشرية، على اللاهوت والناسوت جميعًا، حتى قبل التجسُّد، فكأن اللاهوت والناسوت كانا قبل التجسُّد موجودَين معًا وجودًا بالقوة، حتى إذا كان التجسُّد صارا موجودَين بالفعل.١٧
لكن كيرلس قال أيضًا إن المسيح طبيعة واحدة هي طبيعة الكلمة الإلهي المتجسِّدة، وهو ما نتج عنه تأويلات ومواقف عقدية كثيرة لم تكُن ترضَى عنها الكنيسة دائمًا. وكان في طليعة هذه المواقف هرطقة أفتيخيس الذي قال إن للمسيح طبيعةً واحدة، بمعنى أن الناسوت فَنِي في اللاهوت بعد التجسُّد.١٨

(٨) أفتيخيس: المسيح إله فقط.

وُلد أفتيخيس سنة ٣٧٨م. في سنة ٤٠٨م، عُيِّن رئيسًا لدَير كبير في القسطنطينية يضمُّ ٣٠٠ راهب، وكان من أشدِّ مناوئي النسطورية، وكان من أتباعه رجل اسمه كريزاف تسلَّم منصبًا سنة ٤٤١م، في البلاط الملكي. كان أفتيخيس شاهدًا على معموديته، مما جعل هذا الأخير ذا نفوذ عظيم في بيزنطة، فاستغلَّ منزلته في قمع كل ما يشتمُّ منه رائحة النسطورية. تمسَّك بصِيَغ كيرلس الحرفية، وراح ينعت بالهرطقة كل مَن لا يوافقه على رأيه، وانتهى به الأمر، بعد إنذارات عديدة لم يعبأ بها لمكانته، إلى أن اقتيد أمام المحكمة الدينية العُليا في القسطنطينية. طرحت عليه المحكمة السؤالَين التاليَين: هل المسيح بشر مثلنا؟ وهل هو في طبيعتَين؟ فأجاب عن السؤال الأول بالنفي، وعن السؤال الثاني أجاب: كان قبل سرِّ التجسُّد ذا طبيعتَين، ولم يبقَ بعد ذلك إلا طبيعة واحدة. وأصرَّ على موقفه، فكُفِّر، وخُلع، وحُرم.١٩ رفض أفتيخيس قرار المحكمة، وكتب إلى البابا في روما متظلمًا، ثم لم يلبث أن جعله ديوسكوروس الذي خلَّف كيرلس على أسقفية الإسكندرية في ذمته وحمايته. أمَّا الإمبراطور، فقد أشار عليه كريزاف أن يدعو إلى عقد مجمع مسكوني جديد في أفسس، فتم له ما أراد، لكن المجمع لم ينعقد في هذه البلدة، بل في خلقيدونية.٢٠

(٩) مجمع خلقيدونية لعام ٤٥١م

انعقد هذا المجمع في ظلِّ الإمبراطور مرقيانوس (٤٢٠–٤٥٧م) والبابا ليونطوس الكبير وضمَّ ما بين ٥٠٠ و٦٠٠ أسقف. تم فيه تحديد الإيمان الصحيح بالطريقة المألوفة، أيْ بتلاوة إباناته المختلفة وإقرارها علنًا فقرءوا العقيدة التي أُجمع عليها في نيقية (٣٢٥م)، من حيث مساواة الكلمة أو الابن مع الآب في الذات والجوهر، بما يعني أن المسيح إنسان وإله في آنٍ واحد. ثم العقيدة التي أُقرت في مجمع القسطنطينية (٣٨١م)، التي نصَّت على ألوهية الروح القُدُس بوصفه الأقنوم الثالث المنبثق من الآب، ثم طلب الإمبراطور صيغةً وجيزةً عن العقيدة، فوضع له الأساقفة تعليم الكنيسة الصحيح المتعلق بالمسيح على الشكل التالي:

«إنَّا نعلم أن المسيح، ابن الله الوحيد، هو
ربٌّ واحدٌ في طبيعتَين بدون امتزاج ولا تغيُّر
(إزاء المونوفيزية) وبدون تقسيم وتفريق
(إزاء النساطرة) ودون أن يلغي هذا
الاتحاد تمايز الطبيعتَين، ومع بقاء خواص
كلٍّ من الطبيعتَين على حالها.»٢١
١  الينابيع في المسيحية والإسلام، أديب نصر الدين، بيروت ١٩٩٤م، ص١٨٤.
٢  محمد عطاء الرحيم، عيسى يبشر بالإسلام، ص١٦٤.
٣  غرديه وقنواتي، فلسفة الفكر الديني، ج٢، ص٢٨٨.
٤  المرجع السابق نفسه، ص٢٨٩.
٥  غ. و. ق، فلسفة الفكر الديني، ج٢، ص٢٩٠.
٦  المرجع نفسه، ص٢٩١.
٧  غ. و. ق، فلسفة الفكر الديني، ج٢، ص٢٨٣-٢٨٤.
٨  المرجع نفسه، ص٢٩٦.
٩  العبارة بين القوسَين من تدخلنا؛ الكاتب.
١٠  غ. و. ق، الفكر الديني، ج٢، ص٣٠٢.
١١  غ. و. ق، الفكر الديني، ج٢، ص٣٠٣.
١٢  المرجع نفسه، ص٢٩٢.
١٣  المرجع نفسه، ص٣٠٣.
١٤  غ. و. ق، الفكر الديني، ج٢، ص٣٦٩.
١٥  المرجع نفسه، ص٣٠٩.
١٦  المرجع نفسه، ص٣١٠.
١٧  غ. و. ق، الفكر الديني، ص٣١٧.
١٨  المرجع نفسه، ص٣١٨.
١٩  غ. و. ق، الفكر الديني، ج٢، ص٣١٧.
٢٠  المرجع السابق نفسه، ص٣١٨.
٢١  غ. و. ق، الفكر الديني، ج٢، ص٣٢٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤