الفصل الثالث

(١-١) النساطرة

رأى النساطرة في مجمع خلقيدونية انتصارًا لمذهبهم الذي حُرم، وكُفِّر في أفسس سنة ٤٣١م. وأمَّا أتباع القدِّيس كيرلس الشديدو التمسك بصِيَغه العقدية، فانخدعوا عن أمرهم، وظنُّوا أنهم ظُلموا. وقد ولَّد هذه العقيدة النفسية عندهم فهمُهم الضيِّق للصِّيَغ الإسكندرانية أولًا، وهتافات النصر التي صدرت عن خصومهم النساطرة ثانيًا، فاعتقدوا أن ما تقرَّر في خلقيدونية إنما كان عدولًا عمَّا تم الإجماع عليه في أفسس سنة ٤٣١م، حيث كُفِّر نسطور، وحُرم، وتم تثبيت عقيدة العذراء أمًّا لله. وخرج هؤلاء وأولئك بتعاليم يختلف بعضُها عن بعض، ولم يجمع بين الطرفين سوى اليقين بأن كلًّا منهما هو الذي أصبح الزائد عن حُرمة العقيدة المسيحية القويمة. ثم جاءت غايات السياسة وأغراضها، وتزيَّت النزعة القومية تلك الصِّيَغ العقدية المختلفة التي أخذ أصحابها يلجئون إليها، لا لشيء، إلا ليحقِّقوا استقلالهم عن بيزنطة.١

(١-٢) مدرسة نصيبين مركزًا للنسطورية

بعد أن أُغلقت مدرسة الرها في سنة ٤٨٩م، انتقل أساتذتُها وطلبتُها المتأثرون بتعاليم نسطور إلى مدرسة نصيبين، وكانت يومئذٍ جزءًا مما كان يُسمَّى بسورية الشرقية (العراق).٢ كان هؤلاء الأساتذة يترجمون ما يتلقَّونه من علماء أنطاكية إلى لغتهم السريانية، ولا سيما مؤلَّفات تيودوروس المصيصي، وهو من الذين رفضوا عقيدة أم الله وصفًا للعذراء مريم، كما رفضوا أن يكون المسيح ابن الله حقًّا وطبعًا.٣ ويبدو أن العامل القومي هو الذي كان وراء استخدام هؤلاء الأساتذة للغة السريانية وحدها في شعائرهم الدينية ومؤلَّفاتهم العقدية، وبذلك انفصلوا انفصالًا تامًّا عن اللغة اليونانية، وعن كل صلة لهم ببيزنطة.٤

(١-٣) أساقفة نسطوريون

كان من أشدِّ المهاجرين النساطرة من الرها إلى نصيبين تحمُّسًا للمذهب رجلان كانا هما المؤسِّسان الحقيقيان للمدرسة الجديدة، وهما برصوما ونرسيس. وكانا قد غادرا الرها إلى نصيبين سنة ٤٥٧م. ثم إنهما هما اللذان ضمنا للنسطورية الانتشار في الكنيسة الكلدانية، وحملا هذه الكنيسة على الانشقاق نهائيًّا عن أنطاكية، ومن خلالها عن بيزنطة.٥

برصوما

أمَّا برصوما، فكان قد عُيِّن أسقفًا على نصيبين، وتُوفِّي سنة ٤٩٠م، وهو الذي أسَّس المدرسة، ووضع لها قوانينها، وسلَّم إدارتها لنرسيس، ثم ناشد ملك الفُرس المجوسي فيروز شاه (٤٥٧–٤٨٤م)، أن يقبل النساطرة وحدهم مسيحيين في بلاده، (وكان الرومان قد تنازلوا للفُرس عن سورية الشرقية منذ عام ٣٦٣م)، وصور له الفِرَق المسيحية الأخرى تأتمر به مع بيزنطة. فنصَّبوا أسقفًا نسطوريًّا على أردشير، عاصمة سورية الشرقية، وتبعه سائر أساقفة البلاد في مذهبه، وبذلك تم انشقاق الكنيسة الكلدانية نهائيًّا عن الكنيسة الكبرى.٦

نرسيس

أمَّا نرسيس، فبقي حتى موته (٥٠٧م)، أيْ ٥٠ سنة، روح مدرسة نصيبين ورأسها المدبِّر، وهو الذي جعلها مركزًا لإشعاع النسطورية وانتشارها.

كان أولو الأمر في المدرسة، إبَّان نشأتها، قد تقيَّدوا بالصيغة العقدية التي انعقد عليها الإجماع سنة ٤٣١م، (وهي الصيغة القائلة بأن المسيح أقنوم واحد في طبيعتَين).٧
لكنهم لم يلبثوا أن تخيَّلوا في هذه الصيغة شيئًا من اللبس (منشؤه الخلط بين مفهومَي الأقنوم والطبيعة). وأخذوا، تحت تأثير نرسيس، يتجهون إلى القول بالإثنينية الأقنومية (مما يعني أن اللاهوت والناسوت في المسيح، كلًّا منهما، منفصل عن الآخر وأن العذراء ليست أم الله).٨

() باباي الأكبر

كان باباي رئيسًا على دير إبراهيم في الجبل المعروف اليوم باسم «طور عبدين»، فوق نصيبين، في شمال سورية الشرقية. وقد قام بالدور الحاسم في توحيد صفوف النساطرة من الناحية العقدية والسياسية، فاشتهر عندهم باسم باباي الأكبر. أمَّا من حيث العقيدة، فإنه لم يزَل بخصومها يتتبعهم في الأديرة وخارجها، ويستعين عليهم حتى بضباط البلاط الفارسي، وقِيل إنه انتُخب رئيسًا على أساقفة النساطرة في أردشير، فرفض حتى يستطيع أن يتفرغ لمهمته التي كانت تتطلب منه تجولًا مستمرًّا وتنقلًا من مكان إلى آخر. مات الرجل في ٦٢٧م، وخلَّف آثارًا كثيرةً أهمُّها كتابه «في الاتحاد».٩
في هذا الكتاب يعترف باباي بأن العذراء أمُّ الله، ويلحُّ على إثبات وحدة الأقنوم في المسيح، لكنه، من ناحية ثانية، ينسب للمسيح طبيعتَين كاملتَين، كلٌّ منهما قائمة في ذاتها وبذاتها، مما يجعل اعترافه بأن العذراء أمُّ الله لا ينهض على أساس، وبذلك يخرج عمَّا أجمع عليه الآباء في مجمعَي أفسس وخلقيدونية.١٠

(١-٤) مآل النساطرة

بهذه العقيدة، انفصل النساطرة عن الكنيسة الأم، وانسحبوا إلى مناطقهم من بلاد فارس وسورية الشرقية (العراق)، داخلين في نفوذ الفُرس، وكانت الحيرة، الواقعة في جنوبَي الكوفة، عاصمتهم الكبرى بين العرب اللخميين، على أن قومًا من المونوفيزية (القائلين بالطبيعة الواحدة) كانوا هم أيضًا، ومنذ القرن السادس، قد استوطنوا هذه المدينة، لكنهم كانوا لجئوا إليها فرارًا من اضطهاد بيزنطة، ريثما يتوصل أئمتُهم، بدورهم، إلى الاستقلال في القرن السابع بمصر وبقسمَي سورية الغربية والفُراتية. والواقع أن هؤلاء الأئمة استطاعوا، في نهاية الأمر، أن يفصلوا هذه الأقطار من القومية البيزنطية والثقافة اليونانية، لاجئين في صَوْغ شعائرهم الدينية، مثلما فعل النساطرة، إلى اللغة القبطية في مصر، واللغة السريانية في سورية.١١

(٢) حالة الفِرَق والمذاهب المسيحية بعد خلقيدونية: المونوفيزية

تبيَّن معنا، فيما تقدَّم، أن الإشكالية الكبرى التي نشأت عنها المذاهب والفِرَق المسيحية ترجع إلى تحديد ماهية العلاقة بين اللاهوت والناسوت في المسيح: هل هو أقنوم واحد في طبيعتَين أم هو كينونة في أقنومَين؟

وبما أن الأقنوم هو ما يقوم في ذاته وبذاته مستقلًّا عن كل شيء سواه، فإن قول النساطرة بأن المسيح ذو أقنومَين معناه اللاهوت والناسوت، اللذان اجتمعا في المسيح، منفصلَين أحدهما عن الآخر انفصالًا تامًّا، ينتج عنه أن الذي صُلب ومات إنما هو يسوع الإنسان لا يسوع ابن الله، وتاليًا إن الذي ولدته العذراء إنما هو أيضا يسوع الإنسان، وإن السيدة العذراء ليست أمَّ الله، بل أمُّ يسوع الإنسان.

في الطرف المقابل مما ذهب إليه النساطرة، قام مذهب المونوفيزية، وهم أصحاب الطبيعة الواحدة في المسيح، وكأنه رجْعٌ معاكس على ما قال به الأوَّلون. ولعلَّ أشدَّ غُلاة المونوفيزية أفتيخيس الذي ذهب إلى أن المسيح كان قبل التجسُّد ذا طبيعتَين، لكنه بعد التجسُّد تلاشت الطبيعة البشرية أمام الطبيعة الإلهية، ولم يبقَ غير هذه الأخيرة. وقد مرَّ معنا أن أفتيخيس قد كُفِّر، وحُرم.

على أن الذي ضبط المونوفيزية المعتدلة في سورية بصيغتها النهائية، كما أخذ بها مَن عُرفوا باليعاقبة فيما بعد، هو سفيروس الأنطاكي الذي اعتلى سُدَّة بطريركية أنطاكية ٥١٢م إلى ٥١٨م.

ويقوم مذهب الرجل على أن المسيح طبيعة واحدة أو أقنوم واحد، وهو الكلمة الذي تجسَّد، لا ليصبح شيئًا آخر، بل ليكون موجودًا على وجهٍ آخر. ١٢

•••

لا يمكننا القول إن الاختلافات المذهبية أو العقدية لم تكُن شعارًا لتطلعات قومية كانت ترمي إلى الاستقلال عن هيمنة بيزنطة واللغة اليونانية على المسيحية المشرقية. وقد اشتدَّت هذه الميول عندما تدخَّل الإمبراطور يوستيفانوس في المسائل اللاهوتية، جاعلًا من نفسه حَكَمًا فيها، محاولًا التوفيق بين مقرَّرات مجمعَي أفسس وخلقيدونية، لكن هذه المحاولات لم تنجح إلا في تنظيم كنيسة مونوفيزية في سورية الغربية والفُراتية على رأسها يعقوب بن عداي؛ ومن هنا عُرف أتباعها باليعاقبة الذين اعتمدوا السريانية لغةً لاهوتيةً وطقسيةً لكنيستهم. ومثل ذلك فعل المصريون، إذ تمذهبوا بالمونوفيزية، واعتمدوا اللغة القبطية في طقوسهم.١٣

(٢-١) ظهور هرطقة جديدة تتزامن مع ظهور الإسلام: القول بالمشيئة الواحدة في المسيح

القول بالمشيئة الواحدة في المسيح إنما جاء من قِبَل بطريرك القسطنطينية سرجيوس (٥٣١–٦٣٨م)، في محاولة منه لكسب ولاء المونوفيزية، أقباطًا ويعاقبة، لبيزنطة التي كان يتهدَّد إمبراطوريتها العربُ من الجنوب والفُرسُ من الشرق. وقد عُرف أتباع هذا المذهب ﺑ «المونوتيلية»، أو أصحاب المشيئة الواحدة، وكان منهم الموارنة.١٤ وهذا القول تؤدي إليه المونوفيزية، الطبيعة الواحدة، مثلما تؤدي المقدِّمات إلى النتائج. لقي هذا القول مقاومةً من القدِّيس صفرونيوس، أسقف أورشليم الذي سلَّم مفاتيح القُدْس إلى الخليفة العادل عمر بن الخطاب (رض). فكتب سرجيوس إلى البابا هونوريوس (٦٢١–٦٣٨م) مبيِّنًا له ضرورة الأخذ بهذه النظرة تجنُّبًا للفتنة التي كانت تذرُّ بقرنها في الجانب المشرقي من الإمبراطورية. وافقه البابا على ما ذهب إليه، وتأسيسًا على هذه الموافقة، أصدر الإمبراطور هرقل مرسومًا تضمَّن الصيغة التالية: «إنَّا نعترف بمشيئة واحدة في ربنا يسوع المسيح الإله الحقيقي.»١٥
وفي جواب البابا إلى سرجيوس جاء قوله: «إنَّا نعترف بمشيئة واحدة في ربنا يسوع المسيح، لأنه واضح أن اللاهوت تولَّى ناسوته بكل ما فيه ما عدا الخطيئة.»١٦ أيْ إن الناسوت يخضع للاهوت بمثل ما يخضع الجسد للنفس … لكن البابوات الذين خلفوا هونوريوس ارتدُّوا عمَّا ذهب إليه؛ الأمر الذي أحدث انشقاقًا بين بيزنطة والكنيسة الكاثوليكية بروما، انتهى إلى عقد مجمع مسكوني هو الثالث في القسطنطينية بين ٦٨٠ و٦٨١م برعاية الإمبراطور قسطندس الرابع (٦٦٨–٦٨٦م)، والبابا القدِّيس أغاثون (٦٧٨–٦٨١م)، وفيه تقرَّر وجوب الإيمان «بأن في المسيح فعاليتَين طبيعيتَين، حقيقيتَين، بدون تقسيم، ولا استحالة، ولا تفريق، ولا امتزاج، وهاتان المشيئتان الطبيعيتان الحقيقيتان، لا تضادُّ إحداهما الأخرى» … بل «كلتا الطبيعتين في المسيح تعمل، بالاشتراك مع الأخرى، ما هو خاصٌّ بها».١٧
١  غ. و. ق، الفكر الديني، ج٢، ص٣٢١-٣٢٢.
٢  كانت سورية في ذلك الزمان تمتدُّ من سواحل البحر المتوسط إلى مرتفعات إيران، وكان أهلها يتكلمون اللغة السريانية، ثم إنهم كانوا يميزون فيها ثلاثة أقسام؛ سورية الغربية وعاصمتها أنطاكية، وسورية الوسطى أو الفُراتية وعاصمتها مدينة الرها، ثم أخيرًا سورية الشرقية، وكانت تمتدُّ من المنطقة الواقعة شمال نهر دجلة إلى مصبِّه في الجنوب، وكانت عاصمتها (أردشير) أو (سلوقية اقتيزيفون) نحو الجنوب بقليل من المكان الذي بنَى فيه فيما بعد العباسيون مدينتهم بغداد (غ. و. ق، الفكر الديني، ج٢، ص٣٢٢).
٣  غ. و. ق، الفكر الديني، ج٢، ص٣٠٣.
٤  المرجع نفسه، ص٣٢٤.
٥  غ. و. ق، الفكر الديني، ج٢، ص٣٢٤.
٦  المرجع نفسه، ص٣٢٤-٣٢٥.
٧  نذكر أن الأقنوم هو ما يقوم في ذاته ولذاته، على حين أن الطبيعة لا تقوم بذاتها، بل هي جزء من كل أو جزء في كل، ولذلك لا يصحُّ، من وجهة نظر مسيحية قويمة، أن تكون الطبيعة أقنومًا. الكاتب.
٨  غ. و. ق، الفكر الديني، ج٢، ص٣٢٥.
٩  المرجع نفسه، ص٣٢٥-٣٢٦.
١٠  المرجع نفسه، ص٣٢٦.
١١  المرجع نفسه، ص٣٢٧.
١٢  غ. و. ق، الفكر الديني، ص٣٣٠-٣٣١.
١٣  غ. و. ق، الفكر الديني، ج٢، ص٣٣٧–٣٤١.
١٤  انظر: أديب نصر الدين، الينابيع في المسيحية والإسلام، بيروت ١٩٩٤م، ص١٧٤وما بعدها.
١٥  غ. و. ق، الفكر الديني، ص٣٤٢-٣٤٣.
١٦  غ. و. ق، الفكر الديني، ص٣٤٧.
١٧  غ. و. ق، الفكر الديني، ص٣٤٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤