الفصل الثامن

الغرب والباقي: قضايا تداخل حضاري

(١) العالمية الغربية

في العالم الناشئ، لن تكون العلاقات بين الدول والجماعات التي تنتمي إلى حضارات مختلفة علاقاتٍ وثيقة، بل غالبًا ما ستكون عدائية، بيد أن هناك علاقات أكثر عرضةً للصراع من غيرها. على المستوى الأصغر، فإن أشدَّ خطوط التقسيم الحضاري عنفًا هي تلك الموجودة بين الإسلام وجيرانه الأرثوذوكس والهندوس والأفارقة والمسيحيين الغربيين. وعلى المستوى الأكبر، فإن التقسيم السائد هو بين «الغرب والآخرين» مع أشدِّ الصراعات القائمة بين المجتمعات الإسلامية وبعضها من جهة، والمجتمعات الإسلامية والغرب من جهةٍ أخرى. ومن المرجَّح أن تنشأ أخطر الصراعات في المستقبل نتيجة تفاعل الغطرسة الغربية والتعصُّب الإسلامي والتوكيد الصيني.

من بين جميع الحضارات، فإن الحضارة الغربية هي الوحيدة التي كان لها تأثير رئيسي وأحيانًا مُدمر على كل الحضارات الأخرى. العلاقة بين قوة وثقافة الغرب، وقوة وثقافة الحضارات الأخرى هي — نتيجة لذلك — السمة الأكثر ظهورًا في عالم الحضارات. ومع زيادة القوة النسبية للحضارات الأخرى، يقلُّ التوجُّه نحو الثقافة الغربية وتزداد ثقة الشعوب غير الغربية بثقافتها الأصلية والالتزام بها. المشكلة الرئيسية في العلاقات بين الغرب والباقي بالتالي، هي التنافُر بين جهود الغرب — وبخاصة أمريكا — لنشر ثقافة غربية عالمية وانخفاض قُدرته على تحقيق ذلك، وقد فاقم سقوط الشيوعية من هذا التنافر بأن قَوَّى في الغرب النظرة إلى أن أيديولوجيته الليبرالية الديمقراطية قد انتصرت كونيًّا وبالتالي أصبحت صالحةً لتعميمها عالميًّا.

الغرب — وبخاصة الولايات المتحدة — الذي كان دائمًا أمةً تبشيرية، يعتقد أن الشعوب غير العربية لا بد أن تلتزم بالقِيَم الغربية فيما يتعلق بالديمقراطية والأسواق الحرة والحكومة المحدودة وحقوق الإنسان والفردانية وحكم القانون، وأنها لا بد أن تجسد تلك القيم في مؤسساتها. الأقليات في الحضارات الأخرى تتبنَّى هذه القِيَم وتُنميها، ولكن التوجهات السائدة نحوها تتراوح بين الشك فيها على نطاقٍ واسع والمعارضة الشديدة لها. وما يعتبره الغرب عالميةً يعتبره الباقي استعمارًا.

الغرب يحاول وسوف يواصل محاولاته للحفاظ على وضعه المتفوق، والدفاع عن مصالحه بتعريفها على أنها مصالح «المجتمع العالمي»، وقد أصبحت هذه العبارة هي التسمية المهذبة لما كان يُطلق عليه «العالم الحر»، وذلك لإضفاء شرعيةٍ كونية على الأعمال التي تُعبر عن مصالح الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى. فالغرب مثلًا يحاول أن يجمع اقتصاد المجتمعات غير الغربية في نظامٍ اقتصادي عالمي يُسيطر عليه. وعن طريق صندوق النقد الدولي IMF والمؤسسات الاقتصادية الدولية الأخرى يُنمي الغرب مصالحه الاقتصادية ويفرض على الدول الأخرى السياسات الاقتصادية التي يراها ملائمة. وفي أي اقتراع لدى الشعوب غير الغربية، لا شك أن صندوق النقد الدولي سوف يلقى تأييدًا من وزراء المالية ومن قلةٍ أخرى، ولكنه يواجَهُ بمعارضة عامة من كل الآخرين الذين قد يتفقون مع وصف «جيورجي أرباتوف» لمسئولي صندوق النقد بأنهم: «البلشفيك الجدد، الذين يحلو لهم مصادرة أموال الآخرين وفرض قواعد من السلوك الاقتصادي والسياسي غير ديمقراطية وغربية، وخنق الحرية الاقتصادية.»1 كما لا يتردَّد غير الغربيين في الإشارة إلى الفجوات بين المبادئ والتصرفات الغربية. النفاق، ازدواجية المعايير، «ولكن ليس» … كل ذلك هو ثمن تلك العالمية المزعومة. الغرب مع الديمقراطية «ولكن ليس» عندما تأتي بالأصوليين الإسلاميين إلى السلطة، ومنع انتشار الأسلحة يُطلب من إيران ولكن ليس من إسرائيل، والتجارة الحرة هي أكسير النمو الاقتصادي ولكن ليس الزراعة، وحقوق الإنسان قضية مع الصين ولكن ليس مع السعودية، والعدوان على الكويت الغنية بالنفط مُستهجَن على أوسع نطاقٍ ولكن ليس العدوان على البوسنيين الذين لا يُوجَد لديهم نفط. ازدواجية المعايير في الممارسة العملية هي الثمن الذي لا يمكن تجنُّبه في مستويات المبادئ العالمية. وبعد حصولها على الاستقلال السياسي، فإن الدول غير الغربية تريد أن تُحرر نفسها من السيطرة الغربية الاقتصادية والعسكرية والثقافية. مجتمعات شرق آسيا في طريقها لأن تتساوى اقتصاديًّا مع الغرب. الدول الآسيوية والإسلامية تبحث عن طرقٍ مختصرة لكي تتوازن عسكريًّا مع الغرب. الطموحات العالمية للحضارة الغربية، القوة النسبية الغربية المتدهورة، التوكيد الثقافي المتزايد للحضارات الأخرى، كل ذلك يؤكد العلاقات الصعبة بين الغرب والشرق بوجهٍ عام. إلا أن طبيعة تلك العلاقات ومدى عدائيتها تختلف جدًّا وتنقسِم إلى ثلاثة مستويات:

بالنسبة لحضارات التحدي: من المرجح أن تكون علاقات الغرب بالإسلام والصين متوترة على نحوٍ ثابت وعدائية جدًّا في معظم الأحوال. علاقات الغرب مع أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهما حضارتان أضعف ومعتمدتان إلى حدٍّ ما على الغرب، سوف تتضمَّن مستوياتٍ أقلَّ من الصراع، وبخاصة بالنسبة لأمريكا اللاتينية. علاقات روسيا واليابان والهند بالغرب من المرجَّح أن تكون وسطًا بين العلاقات مع المجموعتَين السابقتَين، وتتضمَّن عوامل تعاون وصراع، حيث إن دول المركز الثلاث السابقة، تقف أحيانًا إلى جانب حضارات التحدي وأحيانًا إلى جانب الغرب. إنها حضارات «التأرجُح» بين الغرب من جهةٍ والحضارتين الإسلامية والصينية من جهةٍ أخرى. الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية، كل منهما ينتظِم تقاليد ثقافية عظيمة تختلف جدًّا عن التي لدى الغرب، وهي في نظرهما أرقى من تقاليد الغرب بمراحل لا محدودة. وقوة وتأكيد كليهما إزاء الغرب تتزايدان، كما يتزايد الصراع ويشتدُّ بين مصالحهما وقيمهما ومصالح وقِيَم الغرب. ولأن الحضارة الإسلامية تفتقر إلى دولة مركز، فإن علاقتها مع الغرب تتباين من دولةٍ إلى أخرى، إلا أنه منذ السبعينيات يوجَد اتجاهٌ معادٍ للغرب، ثابت تقريبًا: من علاماته صعود الأصولية وتحولات القوة داخل الدول الإسلامية من حكومات أكثر موالاة للغرب إلى حكومات أكثر عداءً له، وظهور ما يُشبه الحرب بين الجماعات الإسلامية والغرب، وضعف العلاقات الأمنية التي كانت قائمة بين بعض الدول الإسلامية والولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة.

وراء الخلافات حول القضايا المحددة يكمُن السؤال الأساسي الذي يتعلق بالدور الذي ستلعبه تلك الحضارات بالنسبة للغرب في تشكيل مستقبل العالم. هل ستعكس المؤسسات الكونية وتوزع القوى واقتصاد وسياسات الدول في القرن الواحد والعشرين القِيم والمصالح الغربية أساسًا، أم أنها سوف تتشكل حسب قيم ومصالح الإسلام والصين؟

النظرية الواقعية في العلاقات الدولية تتنبأ بأن دول المركز في الحضارات غير الغربية لا بد لها من أن تتآلف معًا لكي تُوازن قوى الغرب المسيطرة، وقد حدث ذلك بالفعل في بعض المجالات. إلا أن ائتلافًا شاملًا مضادًّا للغرب يبدو غير واردٍ في المستقبل القريب. الحضارتان الإسلامية والصينية مختلفتان أساسًا من ناحية الدين والثقافة والبنية الاجتماعية والتقاليد والسياسة والافتراضات الأساسية الجذرية في أساليب الحياة. وبطبيعتِها، يُوجَد بين الحضارتين الإسلامية والصينية أمور مشتركة أقلُّ مما بين كل منهما والحضارة الغربية ولكن في السياسة، العدو المشترك يخلق مصلحةً مشتركة. المجتمعات الإسلامية والصينية ترى الغرب عدوًّا لها، ولذلك لديها سبب للتعاون ضدَّه معًا، كما سبق أن فعل الحلفاء و«ستالين» ضد «هتلر». هذا التعاون يحدث حول عدة أمور تتضمن حقوق الإنسان والاقتصاد، والأهم من ذلك الجهود التي تبذلها المجتمعات في كلٍّ من الحضارتَين لتطوير قدراتها العسكرية، وبخاصة أسلحة الدمار الشامل والصواريخ اللازمة لاستخدامها وذلك لكي تواجِهَ التفوُّق العسكري التقليدي للغرب.

بأوائل التسعينيات، كان هناك «اتصال كونفوشي إسلامي» بين الصين وكوريا الشمالية من جهة، واتصال — بدرجات مختلفة — بين باكستان وإيران والعراق وسوريا وليبيا والجزائر من جهة أخرى لمواجهة الغرب بالنسبة لتلك المسائل.

القضايا التي تقسم الغرب وتلك المجتمعات الأخرى تتزايد أهميتُها على الأجندة الدولية، ومن بينها ثلاث قضايا تتضمَّن مساعي الغرب من أجل:
  • (١)

    الحفاظ على تفوُّقه العسكري من خلال سياسات منع الانتشار والانتشار المضاد للأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية ووسائل استخدامها.

  • (٢)

    تنمية القيم والمؤسسات السياسية الغربية بالضغط على المجتمعات الأخرى لاحترام حقوق الإنسان كما يفهمها الغرب وتبنِّي الديمقراطية بالأسلوب الغربي.

  • (٣)

    حماية التماسُك الثقافي والاجتماعي والإثني للمجتمعات الغربية بتقييد عدد المسموح بقبولهم من غير الغربيين كمهاجرين أو لاجئين.

وفي تلك المجالات الثلاثة واجه الغرب، ومن المرجَّح أن يظلَّ يواجِهُ صعوبات لحماية مصالحه ضد مصالح المجتمعات غير الغربية.

(٢) نشر الأسلحة

انتشار القدرات العسكرية جاء نتيجة للتطور الاقتصادي والاجتماعي الكوني. عندما تُصبح اليابان والصين والدول الآسيوية الأخرى أغنى اقتصاديًّا، فإنها تصبح أقوى عسكريًّا … وكذلك الأمر بالنسبة للمجتمعات الإسلامية في النهاية. وهكذا روسيا أيضًا إذا نجحت في إصلاح اقتصادها. وقد شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين دولًا كثيرة غير غربية تحصل على أسلحة متطورة عن طريق نقل السلاح من المجتمعات الغربية: روسيا، إسرائيل، الصين، كما تنشئ تسهيلات محلية لإنتاج أسلحة متقدمة جدًّا. هذه العمليات سوف تستمر وربما تتسارع خلال السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين، إلا أن الغرب، وفي ذلك القرن أيضًا، (ونعني بالغرب الولايات المتحدة مع بعض الاستكمالات من بريطانيا وفرنسا)، سوف يكون هو الوحيد القادر على التدخُّل عسكريًّا في أي جزءٍ من العالم تقريبًا. الولايات المتحدة فقط هي التي سيكون لدَيها القوة الجوية القادرة فعلًا على قصف أي مكان في العالم. هذه هي العناصر الرئيسية للوضع العسكري للولايات المتحدة كقوة كونية وللغرب كحضارة مسيطرة في العالم. بالنسبة للمُستقبل القريب فإن توازن القوى العسكرية التقليدية بين الغرب والباقي سيكون في صالح الغرب بمراحل. الوقت والجهد والتكلفة المطلوبة لتطوير قدرة عسكرية تقليدية من الدرجة الأولى، يجعل الدول غير الغربية تبحث عن وسائل أخرى لمواجهة القوة العسكرية التقليدية للغرب. أسرع الطرق التي يمكن تصوُّرها لذلك هو الحصول على أسلحة الدمار الشامل ووسائل استخدامها. دول المركز في الحضارات والدول التي تُعتبر قوًى إقليمية مسيطرة أو تطمح لأن تكون كذلك، لديها دوافع خاصة للحصول على تلك الأسلحة.

وأسلحة كتلك، من شأنها أولًا أن تمكن تلك الدول من فرض سيطرتها على دول أخرى من نفس حضارتها وفي منطقتها، وثانيًا فإنه سوف تزوِّدها بوسائل لردع أي تدخُّل في حضارتها ومنطقتِها من قبل الولايات المتحدة أو أي قوةٍ خارجية أخرى. ولو كان «صدام حسين» قد أخَّرَ غزوه للكويت عامَين أو ثلاثة حتى يحصل العراق على أسلحة نووية، فمن المرجَّح أنه كان سيستولي على الكويت و— من الممكن جدًّا — على حقول النفط السعودي أيضًا، الدول غير الغربية تقوم باستخلاص الدروس الواضحة التي تمخَّضت عنها حرب الخليج. بالنسبة للعسكر في كوريا الشمالية كانت تلك الدروس «لا تدع الأمريكان يعززون قواتهم، لا تدعهم يستخدمون قوتهم الجوية، لا تدعهم يأخذون زمام المبادرة، لا تدعهم يخوضون حربًا بخسائر أمريكية قليلة». أما بالنسبة لمسئول عسكري هندي رفيع المستوى فكان الدرس الأكثر وضوحًا هو: «لا تحارب الولايات المتحدة إلا إذا كان لديك أسلحة نووية.»2 هذا الدرس حفظه القادة السياسيون والعسكريون في أنحاء العالم غير الغربي عن ظهر قلب، كما استوعبوا نتيجته الطبيعية التي تبدو مقبولة وهي أن: «الولايات المتحدة لن تحاربك إن كان لديك أسلحة نووية.»
يقول «لورانس فريدمان»: «أكثر من تعزيزها لسياسة القوة، فإن الأسلحة النووية في الواقع تثبت ميلًا نحو تشظي النظام العالمي الذي تلعب فيه القوى الكبرى السابقة دورًا أصبح أقل أهمية.» وهكذا يُصبح دور الأسلحة النووية بالنسبة للغرب في عالم ما بعد الحرب الباردة عكس ما كان عليه أثناءها. ثم إن الأسلحة النووية، كما يُشير وزير الدفاع «لي آسبن» قد عوَّضت شعور الغرب التقليدي بالنقص في مواجهة الاتحاد السوفيتي، بأن أصبحت هي «المعادل». إلا أنه في عالم ما بعد الحرب الباردة، فإن الولايات المتحدة «لم تجارِ القوة العسكرية التقليدية، وأعداؤنا المحتملون هم الذين قد يحصلون على الأسلحة النووية، وقد ينتهي بنا الأمر لنكون نحن المتعادلين.»3

ولذلك ليس من المستغرب أن تؤكد روسيا على دور الأسلحة النووية في تخطيطها الدفاعي، وفي سنة ١٩٩٥ استعدت لشراء صواريخ عابرة للقارات وقاذفات إضافية من أوكرانيا، كما علق أحد خبراء السلاح الأمريكان: «نحن نسمع الآن ما اعتدنا أن نقوله عن الروس في الخمسينيات. الروس يقولون اليوم: نحن في حاجة إلى الأسلحة النووية لكي نعوض تفوقهم التقليدي.»

وعلى نحوٍ عكسي ولأسباب تتعلق بالردع، رفضت الولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة أن تتخلى عن حقِّها في البدء باستخدام الأسلحة النووية، واتباعًا لوظيفة الردع الجديدة للأسلحة النووية في عالم ما بعدَ الحرب الباردة، تخلت روسيا بالفعل في سنة ١٩٩٣م عن الالتزام السوفيتي السابق بألا تكون البادئة باستخدامها. في نفس الوقت فإن الصين في تطويرها لاستراتيجيتها النووية للردع المحدود بعد الحرب الباردة، بدأت هي الأخرى تعيد النظر في التزامها في سنة ١٩٦٤م بألا تكون هي البادئة باستخدامها،4 كما بدأت في إضعاف هذا الالتزام. وحيث إن دول المركز والقوى الإقليمية الأخرى لديها أسلحة نووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، فمن المرجَّح أن تتبع تلك الأمثلة لكي تُعَظِّمَ من أثر ردع أسلحتها على العمل العسكري التقليدي الغربي ضدها.

الأسلحة النووية يمكن أن تهدد الغرب أيضًا على نحوٍ أكثر مباشَرة. الصين وروسيا لديهما أسلحة باليستية ذات رءوس نووية يمكن أن تصل إلى أوروبا وأمريكا الشمالية. كوريا الشمالية وباكستان والهند يوسعون مدى صواريخهم ومن المحتمل أن تُصبح قادرة على تهديد الغرب، بالإضافة إلى ذلك فإن الأسلحة النووية يمكن أن يتمَّ توجيهها بوسائل أخرى. المحللون العسكريون وضعوا صورةً متخيلة لدرجات العنف بدءًا من أعمال وأشكال الحرب المحدودة، إلى الحروب الأوسع التي تتضمَّن قوات تقليدية كبيرة، إلى الحرب النووية.

الإرهاب، تاريخيًّا، هو سلاح الضعيف، أي سلاح أولئك الذين لا يملكون قوة عسكرية تقليدية. منذ الحرب العالمية الثانية كانت الأسلحة النووية هي السلاح الذي يعوض به الضعيف نقصه في الأسلحة التقليدية. في الماضي كان الإرهابيون لا يستطيعون سوى القيام بأعمال محدودة مثل قتل بعض الأفراد هنا أو تدمير منشأة هناك. كان لا بد من استخدام قوات عسكرية كبيرة للقيام بأعمال عنف على نطاق واسع، إلا أنه عند مدًى مُعين ستكون قلة من الإرهابيين قادرة على إحداث عنف واسع وتدمير واسع أيضًا، وأعمال العنف والأسلحة النووية، كل منها على حدة هي أسلحة غير الغربيين الضعاف. وعندما يجتمعان، إذا اجتمعا، فإن غير الغربي الضعيف يصبح قويًّا.

في عالم ما بعد الحرب الباردة تركزت جهود تطوير أسلحة الدمار الشامل ووسائل استخدامها في الدول الإسلامية والكونفوشية. باكستان، وربما كوريا الشمالية أيضًا، لديها كمية قليلة من الأسلحة النووية، أو على الأقل لديها القدرة على تجميعها بسرعة، كما أنها تقوم بتطوير صواريخ أبعد مدًى لاستخدامها. العراق لديها إمكانيات حرب كيماوية كبيرة، وكانت تبذل جهودًا واسعة للحصول على أسلحة بيولوجية ونووية. إيران لديها برنامج واسع لتطوير الأسلحة النووية كما تقوم بتوسيع قدراتها على استخدامها. في سنة ١٩٨٨م أعلمَ الرئيس «رفسنجاني»: «علينا نحن الإيرانيين أن نجهز أنفسنا لاستخدام الأسلحة الكيماوية والبكتريولوجية والراديولوجية١ الهجومية والدفاعية.» وبعد ذلك بثلاث سنوات أعلن نائبه أمام مؤتمر إسلامي «طالما أن إسرائيل مستمرة في امتلاك الأسلحة النووية، فلا بد أن نتعاون نحن المسلمين لإنتاج قنبلة ذرية، بصرف النظر عن محاولات الأمم المتحدة لحظر انتشار الأسلحة.» وفي سنة ١٩٩٢م و١٩٩٣م قال كبار المسئولين في الاستخبارات الأمريكية إنها كانت ماضية في طريقها لامتلاك أسلحة نووية، وفي سنة ١٩٩٥م صرح وزير الخارجية «ورن كريستوفر» بكل وضوح: «إيران منهمكة اليوم في جهدٍ كثيف لتطوير أسلحة نووية.» كما تقول التقارير إن الدول الإسلامية الأخرى المهتمة بتطوير أسلحة نووية تضم ليبيا والجزائر والسعودية. وفي عبارة موحية ﻟ «علي المزروعي»: «الهلال فوق سحابة الفطر»، ويمكن أن يُهدد آخرين بالإضافة إلى الغرب. وقد ينتهي الأمر بالإسلام «لاعبًا الروليت مع حضارتين أُخريين: الهندوسية في جنوب آسيا، والصهيونية واليهودية المسيسة في الشرق الأوسط.»5
نشر الأسلحة موجود حيث يُوجَد الاتصال الكونفوشي-الإسلامي الواسع والمحدد مع الصين، التي تلعب الدور الرئيسي في نقل الأسلحة التقليدية وغير التقليدية لكثير من الدول الإسلامية. هذه الانتقالات تشمل: بناء مفاعل نووي حصين سرًّا في الصحراء الجزائرية، ظاهريًّا لأغراض البحث والتجارب، ولكنه قادر كما يعتقد كثير من الخبراء الغربيين على إنتاج البلوتونيوم، وبيع مواد أسلحة كيماوية إلى ليبيا وتزويد السعودية بصواريخ CSS-2 متوسطة المدى، وتزويد كل من العراق وليبيا وسوريا وكوريا الشمالية بتكنولوجيا أو مواد نووية، ونقل كميات كبيرة من الأسلحة التقليدية إلى العراق. إلى جانب كل ما نقلته الصين، فإن كوريا الشمالية زودت سوريا في التسعينيات بصواريخ «سكود» تم تسليمها لها عبر إيران، ثم زودتها بمنصات متحركة لإطلاقها.6

الرابطة الرئيسية في علاقات التسليح الكونفوشية الإسلامية هي العلاقة بين الصين وكوريا الشمالية — بدرجة أقل — من جانب، وباكستان وإيران من جانب آخر. بين عامي ١٩٨٠م و١٩٩١م كانت إيران وباكستان هما أكبر دولتَين مُتلقيتَين للسلاح الصيني، وكانت العراق هي الثانية في الترتيب.

مع بداية التسعينيات توثقت علاقات التسليح بين الصين وباكستان وفي ١٩٨٩م وقع البلدان مذكرة تفاهم مُدتها عشر سنوات «للتعاون العسكري في مجال الشراء والبحث والتطوير والإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا بالإضافة إلى التصدير إلى طرف ثالث من خلال اتفاق متبادل»، وفي سنة ١٩٩٣م وقعتا اتفاقًا تكميليًّا يقدم ضمانات لمشتروات باكستان من الأسلحة، ونتيجة لذلك أصبحت الصين «أكبر ممول يُعتمد عليه بالنسبة لباكستان، والذي يزودها بالمعدات العسكرية والمواد اللازمة لها في جميع تخصُّصات القوات المسلحة». كما قدمت إليها مساعدات لإنتاج الطائرات النفاثة والدبابات والمدفعية والصواريخ، والأهم من ذلك أنها قدمت إليها المساعدات اللازمة لتطوير كفاءة أسلحتها النووية: اليورانيوم للتخصيب، والاستشارات الخاصة بالتصميم، وربما السماح لها بتفجير جهاز نووي في منطقة تجارب صينية. وحينذاك زودت الصين باكستان بصواريخ M-11 الباليستية التي يبلغ مداها ٣٠٠كم والتي تستطيع حمل أسلحة نووية، وذلك في إطار خرق تعهداتها للولايات المتحدة. في مقابل ذلك حصلت الصين على تكنولوجيا إعادة التزويد بالوقود في الجو وصواريخ «ستنجر» من باكستان.7
وبأوائل التسعينيات كانت علاقات التسليح بين الصين وإيران قد اتسع مداها. أثناء الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينيات زودت الصين إيران ﺑ ٢٢٪ من أسلحتها، وفي ١٩٨٩م كانت هي أكبر ممول لها بالسلاح. كما شاركت الصين بنشاطٍ في جهود إيران المعلنة للحصول على أسلحة نووية. وبعد توقيع «اتفاق صيني-إيراني مبدئي» وافق البلدان في يناير ١٩٩٠م على مذكرة تفاهم بشأن التعاون العلمي ونقل التكنولوجيا العسكرية مُدتها عشر سنوات. وفي سبتمبر ١٩٩٢م قام الرئيس «رفسنجاني» بزيارة لباكستان بصحبة خبراء الأسلحة النووية، ثم توجه إلى الصين حيث وقع اتفاقًا آخر للتعاون النووي، وفي فبراير ١٩٩٣م وافقت الصين على إنشاء مفاعلَين نوويَّين 300-MW في إيران. ووفاء بهذه الاتفاقيات نقلت الصين التكنولوجيا والمعلومات النووية اللازمة إلى إيران ودرَّبَت العلماء والمهندسين الإيرانيين وزودتها بجهاز تخصيب الكاليوترون.
وفي سنة ١٩٩٥م، وبعد ضغط مُتواصِل من الولايات المتحدة وافقت الصين على «إلغاء» — كما تقول الولايات المتحدة — أو «تعليق» — كما تقول الصين — بيع المفاعلين اﻟ 300-MW إلى إيران.

كانت الصين أيضًا ممولًا رئيسيًّا بالصواريخ والتكنولوجيا الخاصة بها إلى إيران والتي تضمنت في نهاية الثمانينيات صواريخ «دودة الحرير» التي تم تسليمها عن طريق كوريا الشمالية وكذلك «عشرات وربما المئات من أنظمة توجيه الصواريخ والمعدات التي تعمل بالكمبيوتر» وذلك في سنة ١٩٩٤م - ١٩٩٥م.

جدول ٨-١: تحويلات أسلحة صينية مختارة (١٩٨٠–١٩٩١م)
إيران باكستان العراق
دبابات قتال رئيسية ٤٥٠ ١١٠٠ ١٣٠٠
ناقلات جند مدرعة ٣٠٠ - ٦٥٠
صواريخ موجهة مضادة للدبابات ٧٥٠٠ ١٠٠ -
مدفعية/قاذفات صواريخ ١٢٠٠* ٥٠ ٧٢٠
طائرات مقاتلة ١٤٠ ٢١٢ -
صواريخ مضادة للسفن ٣٣٢ ٣٢ -
صواريخ أرض/جو ٧٨٨ ٢٢٢ -
التسليم غير مؤكد.
†  المصادر: Karl W. Eikenberry, Explaining and influencing chinese arms transfers (Washington: national defence university, institute for national strategic studies Mcnair paper no. 36. Feb. 1995) p. 12.
كما أعطت إيران حق إنتاج الصواريخ الصينية أرض-أرض. وأكملت كوريا الشمالية هذه المساعدة بشحن صواريخ «سكود» إلى إيران ومساعدتها على تطوير معدات إنتاجها، ثم الموافقة في ١٩٩٣م على تزويدها بصواريخ «نودنج ١» التي يبلغ مداها ٦٠٠ميل. وعلى الضلع الثالث من المثلث قامت إيران وباكستان بتطوير تعاون واسع في المجال النووي بقيام باكستان بتدريب العلماء الإيرانيين، ثم بالاتفاق بين باكستان وإيران والصين في نوفمبر ١٩٩٢م على القيام بمشروعات نووية مشتركة.8
المساعدات الصينية الواسعة لكل من باكستان وإيران من أجل تطوير أسلحة الدمار الشامل، تُقدِّم دليلًا على مستوًى غير عادي من الالتزام والتعاون بين هذه الدول. ونتيجة لهذه التطورات وما تمثله من أخطار وتهديدات محتملة للمصالح الغربية، انتقلت قضية نشر أسلحة الدمار الشامل إلى رأس أجندة الأمن الغربي. في ١٩٩٠م مثلًا، كان ٥٩٪ من الشعب الأمريكي يرَون منع انتشار الأسلحة النووية هدفًا مهمًّا من أهداف السياسة الخارجية. وفي ١٩٩٢ كان ٨٢٪ من الشعب و٩٠٪ من قادة السياسة الخارجية يرَون ذلك أيضًا. الرئيس «كلينتون» ركز على أولية منع الانتشار في سبتمبر ١٩٩٣م، وفي خريف ١٩٩٤م أعلن «حالة طوارئ قومية» للتعامل مع «التهديد غير العادي وغير المألوف للأمن القومي والسياسة الخارجية واقتصاد الولايات المتحدة»، بسبب «نشر الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية ووسائل استخدامها». في ١٩٩١م أنشأت وكالة الاستخبارات المركزية CIA مركزًا لمنع الانتشار مجهزًا بفريق عمل قوامه مائة شخص، وفي ديسمبر ١٩٩٣م أعلن «آسبن» وزير الدفاع «مبادرة دفاع ضد الانتشار» جديدة، واستحدث منصبًا جديدًا لسكرتير مساعد للأمن النووي والتصدي للانتشار.9

أثناء الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي قد دخلتا في سباق تسليح تقليدي، لتطوير أسلحة نووية أكثر تقدمًا من الناحية التكنولوجية وكذلك وسائل استخدامها. كانت حالة من التعزيز والتعزيز المضاد. في عالم ما بعد الحرب الباردة أصبحت المنافسة الرئيسية في مجال التسليح من نوع مختلف.

أعداء الغرب يُحاولون الحصول على أسلحة الدمار الشامل، والغرب يحاول أن يمنعهم من ذلك. هذه ليست حالة تعزيز ضد تعزيز، بل لعلَّها حالة «تعزيز ضد إعاقة». حجم وإمكانيات الترسانة النووية الغربية — ودون أدنى مبالغة — ليسا جزءًا من المنافسة. إن محصلة سباق تسلح «تعزيز ضد تعزيز»، تعتمد على الموارد والالتزام والكفاءة لدى كل من الجانبين، وهي ليست مسألة قضاء وقدر. ومحصلة سباق تسلح بين «تعزيز وإعاقة» أكثر قابلية للتنبؤ بها. جهود الغرب للإعاقة قد تعوق جهود المجتمعات الأخرى للتسلح، ولكنهم لن يتوقفوا. النمو الاقتصادي والاجتماعي في المجتمعات غير الغربية، الحوافز التجارية لكل من المجتمعات الغربية وغير الغربية لتحقيق ثروات من خلال بيع السلاح والتكنولوجيا والخبرة، الدوافع السياسية لدول المركز والقوى الإقليمية من أجل حماية سيطرتها المحلية … كل ذلك معًا يهدم جهود الغرب التي يقوم بها لإعاقة الآخرين. الغرب يتبنَّى منع الانتشار كتعبيرٍ عن مصالح كل الدول في النظام والاستقرار العالمي.

إلا أنَّ هناك دولًا أخرى تنظر إليه على أنه يخدم مصالح السيطرة الغربية. هذه الحالة تظهر في الفرق في الاهتمام بقضية الانتشار بين الغرب — وبخاصة الولايات المتحدة — من جانب، والقوى الإقليمية التي سيتأثر أمنها بمنع الانتشار من جانب آخر، وكان ذلك ملحوظًا بالنسبة لكوريا. ففي عامي ١٩٩٣م، ١٩٩٤م شغلت الولايات المتحدة تفكيرها لدرجةٍ كبيرة بمستقبل الأسلحة النووية في كوريا الشمالية. وفي نوفمبر ١٩٩٣م قال الرئيس «كلينتون» بكل وضوح: «لن نسمح لكوريا الشمالية بصنع قنبلة نووية، ولا بد أن نكون في مُنتهى الحزم بالنسبة لهذا الأمر.» أعضاء مجلس الشيوخ والنواب والمسئولون السابقون في إدارة «بوش» ناقشوا مدى الحاجة إلى القيام بهجوم وقائي على المنشآت النووية في كوريا الشمالية. قلق الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي لكوريا الشمالية له جذوره إلى حدٍّ كبير في اهتمامها بمنع الانتشار في العالم. القدرة الكورية لن تعوق أو تعقد أعمال الولايات المتحدة في شرق آسيا فقط، ولكن كوريا الشمالية إذا استطاعت أن تبيع التكنولوجيا و/أو الأسلحة فيمكن أن تحقق آثارًا مثل أثر الولايات المتحدة في جنوب آسيا والشرق الأوسط.

من ناحية أخرى، فإن كوريا الشمالية تنظر إلى القنبلة في ضوء علاقتها بمصالحها الإقليمية. كثير من أبناء كوريا الجنوبية ينظرون إلى قنبلة كوريا الشمالية كقنبلة كورية. قنبلة لن تُستخدَم أبدًا ضد كوريات أخرى، بل يمكن أن تُستخدَم ضد اليابان وغيرها من الأخطار المحتملة، دفاعًا عن الاستقلال والمصالح الكورية.

كوريا الشمالية سوف تتحمَّل التكلفة … والنقد العالمي الشديد لها لصناعة القنبلة. كوريا الجنوبية سترثها في النهاية. دمج الأسلحة النووية الشمالية ومع البراعة الصناعية الجنوبية سوف يمكن كوريا مُتحدة من الاضطلاع بدورها المناسب كلاعبٍ رئيسي على المسرح الشرق آسيوي، ونتيجة لذلك وجدت اختلافات بينَه وبين مدى رؤية واشنطن لأزمة تقوم على شبه الجزيرة الكورية في سنة ١٩٩٤م وغياب أي إحساس بوجود أزمة في سيئول، مما أحدث «فجوة ذعر» بين العاصمتين. وكما لاحظ أحد الصحفيين في يونيو ١٩٩٤م عندما كانت الأزمة في أوجِها، أن أحد «الأشياء الغريبة في التحفظ الكوري الشمالي النووي عما كان الأمر منذ عدة سنوات، هو أن الإحساس بالأزمة يتزايد كلما بعُد المرء عن كوريا.»

فجوة أخرى مشابهة بين مصالح أمريكا الأمنية ومصالح القوى الإقليمية حدثت في جنوب آسيا، وذلك عندما أصبحت الولايات المتحدة أكثر قلقًا واهتمامًا بمسألة الانتشار النووي هناك أكثر من سكان المنطقة. الهند وباكستان كلاهما كان يرى أن من الأسهل قبول التهديد النووي من قِبَل الآخر، عن قبول المقترحات الأمريكية بوقف أو تخفيض أو إزالة كلا الخطرين.10

جهود الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى لمنع انتشار الأسلحة «المعادلة» الخاصة بالدمار الشامل صادفت نجاحًا محدودًا والأرجح أنه سيظل هكذا.

وبعد شهرٍ من تصريح الرئيس «كلينتون» بأنه لن يسمح لكوريا الشمالية بأن تمتلك سلاحًا نوويًّا، أبلغته وكالة الاستخبارات الأمريكية أن كوريا ربما كانت تمتلك بالفعل سلاحًا أو سلاحَين.11 وبالتالي تحوَّلت سياسة الولايات المتحدة نحو تقديم الجَزَر للكوريين الشماليين في محاولة لاستمالتهم لئلا يُوسعوا ترسانتهم النووية. لم تستطع الولايات المتحدة كذلك أن تعكس أو توقف تطوير الأسلحة النووية في الهند وباكستان، ولا هي استطاعت أن توقف تقدُّم إيران النووي. وفي مؤتمر أبريل ١٩٩٥م بخصوص «اتفاقية منع الانتشار النووي»، كانت القضية الرئيسية تدور حول ما إذا كان يجب أن تجدد لفترة غير محدودة أو لخمسٍ وعشرين سنة. تزعمت الولايات المتحدة الدعوة لتمديد دائم، واعترض عدد كبير من الدول الأخرى على تمديد بهذا الشكل، إلا إذا كان مصحوبًا بتخفيض أكبر في الأسلحة النووية لدى القوى الخمس الكبرى. مصر عارضت التحديد إلا إذا وَقَّعَت إسرائيل على الاتفاقية وقبلت بعملية التفتيش الوقائي، وفي النهاية فازت الولايات المتحدة بإجماعٍ ساحق على التمديد اللامحدود من خلال استراتيجية ناجحة للي الذراع والرشوة والتهديد. مصر والمكسيك كانتا ضد التمديد، لكن لا مصر ولا المكسيك استطاعت أن تصمد في موقفها المعارض أمام الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة.
وبينما مُدِّدَت الاتفاقية بالإجماع إلا أن ممثلي سبع دول إسلامية (سوريا – الأردن – إيران العراق – ماليزيا – ليبيا – مصر) ودولة إفريقية واحدة (نيجيريا) عبروا عن آراء معارضة في الاجتماع الأخير.12

في سنة ١٩٩٣م تحولت الأهداف الأولية للغرب كما هي محددة في السياسة الأمريكية، من منع الانتشار إلى الانتشار المضاد. وكان هذا التحول اعترافًا واقعيًّا بعدم القدرة على تجنُّب بعض الانتشار. وفي الوقت المناسب سوف تتحوَّل سياسة الولايات المتحدة من التصدي للانتشار إلى التكيف معه، وإلى كيفية خدمة مصالح الولايات المتحدة والغرب من خلال تبنِّي الانتشار، هذا إذا استطاعت الحكومة أن تهرب من أفكار الحرب الباردة. واعتبارًا من سنة ١٩٩٥م ظلت الولايات المتحدة والغرب ملتزمَين بسياسة «التعويق» المَقضيِّ بفشلها في النهاية. هذا الانتشار للأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، مظهر أساسي من مظاهر انتشار القوة البطيء، والذي لا مفرَّ منه مع ذلك، في عالم مُتعدِّد الحضارات.

(٣) حقوق الإنسان والديمقراطية

في السبعينيات والثمانينيات، تحول أكثر من ثلاثين دولة من أنظمة سياسية سلطوية إلى أنظمة ديمقراطية. موجة التحول هذه وراءها أسباب كثيرة. النمو الاقتصادي كان بلا شك هو العامل الرئيسي وراء ظهور هذه التغيرات السياسية، بالإضافة إلى ذلك فإن سياسات وتصرفات الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الغربية والمؤسسات الدولية ساعدت على تحقق الديمقراطية في إسبانيا والبرتغال وكثير من دول أمريكا اللاتينية والفلبين وكوريا الشمالية وأوروبا الشرقية. كان التحول الديمقراطي ناجحًا حيث كانت المؤثرات المسيحية والغربية قوية. واتضح أن استقرار الأنظمة الديمقراطية الجديدة في دول أوروبا الغربية والوسطى والتي كانت معظمها كاثوليكية أو بروتستانتية، أكثر احتمالًا عنه في دول أمريكا اللاتينية. في شرق آسيا، عادت الفلبين الكاثوليكية والخاضعة لتأثير أمريكي شديد إلى الديمقراطية في الثمانينيات، بينما في كوريا الجنوبية وتايوان تبنى القادة المسيحيون حركة نحو الديمقراطية. وكما أشرنا من قبل، في الاتحاد السوفيتي السابق: في جمهوريات البلطيق يتم إرساء الديمقراطية بنجاح، في الجمهوريات الأرثوذوكسية مستويات الديمقراطية ودرجات استقرارها مختلفة وغير مؤكدة، في الجمهوريات الإسلامية آفاق الديمقراطية غير واضحة. في التسعينيات، حدثت تحولات ديمقراطية في معظم دول العالم — خارج أفريقيا — باستثناء كوبا، حيث تعتنق الشعوبُ المسيحيةَ الغربية أو حيث تُوجَد مؤثرات مسيحية كثيرة. هذه التحولات، مع سقوط الاتحاد السوفيتي، ولدت اعتقادًا لدى الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة بأن هناك ثورة ديمقراطية كونية في الطريق، وأن المفاهيم الغربية عن حقوق الإنسان والأشكال الغربية للديمقراطية السياسية سوف تسود العالم بسرعة. وقد صدقت على ذلك إدارة «بوش» بإعلان «جيمس بيكر» وزير الخارجية في أبريل ١٩٩٠م إن «وراء الكبح، توجَد الديمقراطية.» وأنه من أجل عالَم ما بعد الحرب الباردة: «حدد الرئيس بوش مهمتنا الجديدة بأن تكون هي تبني الديمقراطية وتدعيمها.»

وفي حملته الانتخابية في ١٩٩٢م كرر «كلينتون» أكثر من مرة أن «تبني الديمقراطية» سيكون على رأس أوليات إدارته وأن التحول الديمقراطي كان الموضوع الوحيد للسياسة الخارجية، والذي كرس له خطابًا كاملًا في حملته. وبمجرد أن باشر مهامه كرئيس أوصى بزيادة بمقدار الثلثين في الاعتمادات المالية المخصصة للصندوق القومي للديمقراطية. كما حدد مساعده لشئون الأمن القومي الموضوع الرئيسي في سياسته الخارجية بأنه «توسيع الديمقراطية»، كما حدد وزير دفاعه تبني الديمقراطية كواحد من أربعة أهدافٍ رئيسية، وحاول أن يستحدث وظيفة عليا في إدارته لمتابعة هذا الهدف.

وبدرجة أقل وطرق أقل وضوحًا، حظي تبني حقوق الإنسان والديمقراطية بدور مهم في السياسة الخارجية للدول الأوروبية، وكذلك في المعايير التي تتبعها المنظمات والمؤسسات الاقتصادية الدولية الخاضعة للسيطرة الغربية، في تقديمها للقروض والمنح للدول النامية. واعتبارًا من ١٩٩٥م، فإن الجهود الأمريكية والأوروبية لتحقيق هذه الأهداف لم تحقق سوى القليل من النجاح. جميع الدول غير العربية تقريبًا كانت تقاوم ذلك الضغط الغربي، من بينها دول هندوسية وأرثوذوكسية وإفريقية، وإلى حدٍّ ما من أمريكا اللاتينية. أكبر مقاومة لجهود التحول الديمقراطي الغربي جاءت من الإسلام ومن آسيا وكانت هذه المقاومة عميقة الجذور في الحركات العريضة للتوكيد الثقافي المتجسد في الصحوة الإسلامية والإصرار الآسيوي.

فشل الولايات المتحدة بالنسبة لآسيا، نابع أساسًا من الثروة الاقتصادية المتزايدة وثقة الحكومات الآسيوية بنفسها، كما أن الخبراء الآسيويين كانوا يُذَكِّرون الغرب مرارًا وتكرارًا بأن عصر الاعتماد والتبعية القديم قد انقضى، وأن الغرب الذي كان يُحقق نصف نتاج العالم الاقتصادي في الأربعينيات، وسيطر على الأمم المتحدة وكتب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، قد أصبح في ذمة التاريخ.

يقول أحد المسئولين في سنغافورة: «الجهود المبذولة لتبني حقوق الإنسان في آسيا، لا بد أن تضع في الاعتبار إعادة توزع القوى في عالم ما بعد الحرب الباردة … النفوذ الغربي على الشرق وجنوب شرق آسيا قد قل كثيرًا.»13 وهو مُحق. بينما الاتفاق بخصوص القضايا النووية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية يجب أن يُطلَق عليه مُسمى «استسلام تفاوضي»، فإن إذعان الولايات المتحدة بخصوص قضايا حقوق الإنسان أمام الصين والقوى الآسيوية الأخرى كان استسلامًا غير مشروط. بعد تهديدها للصين بالتخلي عن معاملتها كدولةٍ أولى بالرعاية إن لم تتعاون بخصوص حقوق الإنسان، وجدت الولايات المتحدة وزير خارجيتها:
  • أولًا: يُعامَل معاملة مهينة في بكين ولا يحظى بأي بادرةٍ لحفظ ماء الوجه، ثم ردَّت على هذا السلوك بالتخلي عن سياستها السابقة والفصل بين حالة الدولة الأَولى بالرعاية وقضية حقوق الإنسان. وكرد فعلٍ أمام هذا الضعف البادي واصلت الصين ووسَّعت من سلوكها الذي كانت إدارة «كلينتون» تعترض عليه.
كما قامت الإدارة بتراجُعات مماثلة في تعاملها مع سنغافورة بخصوص احتجاز مواطن أمريكي، ومع إندونيسيا بخصوص أعمال العنف القمعي في «تيمور الشرقية». قدرة الأنظمة الآسيوية على مقاومة الضغوط الغربية بشأن حقوق الإنسان دعمتَها عدة عوامل. رجال الأعمال الأمريكيون والأوروبيون كانوا متلهفين على توسيع تجارتهم مع تلك النمور السريعة النمو، وعلى الاستثمار فيها، وعَرَّضُوا حكوماتهم لضغوط كثيرة حتى لا تخرب علاقتهم الاقتصادية معها. بالإضافة إلى ذلك فإن الدول الآسيوية كانت ترى أن ضغطًا من هذا النوع يعتبر انتهاكًا لسيادتها وهرع بعضها لدعم البعض عند إثارة تلك القضايا. رجال الأعمال الذين جاءوا من تايوان واليابان وهونج كونج للاستثمار في الصين، كانت لهم مصلحة أساسية في أن تظل الصين محتفظة بوضعية الدولة الأَولى بالرعاية مع الولايات المتحدة. الحكومة اليابانية عمومًا كانت تُبعد نفسها عن سياسة أمريكا بخصوص حقوق الإنسان. بعد وقتٍ قصير من أحداث ميدان «تيانان من» قال رئيس الوزراء «كيشي ميازاوا»: إننا لم نسمح «لمفاهيم مجردة عن حقوق الإنسان» أن تؤثر على علاقاتنا بالصين. دول اﻟ ASEAN لم يكن لديها استعداد لممارسة ضغط على «ميانمار» وبالفعل رحبوا بالعسكر في اجتماعهم في ١٩٩٤م، بينما كان على الاتحاد الأوروبي كما قال المتحدث الرسمي باسمه أن يعترف بأن سياسته «لم تكن ناجحة جدًّا»، وأنها كان عليها أن تسير مع الأسلوب الذي تعاملت به اﻟ ASEAN مع «ميانمار». بالإضافة إلى أن القوة الاقتصادية المتنامية مكَّنت دولًا مثل ماليزيا وإندونيسيا من أن تطبق شروطًا عكسية على الدول والشركات التي تنتقِدها أو تشارك في أعمال يرونها غير مرغوب فيها.14
وبشكل عام، فإن القوة الاقتصادية المتنامية للدول الآسيوية تجعلها في حصانة متزايدة ضد الضغط الأوروبي فيما يتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية. وكما لاحظ «ريتشارد نيكسون» في ١٩٩٤م «القوة الاقتصادية الصينية اليوم، تجعل محاضرات الولايات المتحدة لها عن حقوق الإنسان عملًا وقحًا، في خلال عقد من الزمان لن يكون لها لزوم، وبعد عقدين ستكون شيئًا مضحكًا.»15 ولكن النمو الصيني في ذلك الوقت كان قد استطاع أن يجعل المحاضرات الغربية «لا لزوم لها». النمو الاقتصادي يُقَوِّي موقف الحكومات الآسيوية في علاقتها بالحكومات الغربية، وعلى المدى الطويل سوف يقوي من المجتمعات الآسيوية في علاقاتها بحكوماتها، وإذا جاءت الديمقراطية إلى دول آسيوية أخرى فإنها ستأتي لأن البرجوازية الآسيوية المتزايدة والطبقات المتوسطة التي تتنامى قوتها، تُريدها أن تأتي.

وعلى العكس من الاتفاق على التمديد غير المحدود لاتفاقية منع الانتشار، فإن الجهود الغربية لتبني حقوق الإنسان والديمقراطية في منظمات الأمم المتحدة عمومًا لم تصل إلى شيء. وباستثناءات قليلة مثل تلك التي أدانت العراق، فإن قرارات حقوق الإنسان كانت تقاوم غالبًا عند التصويت عليها في الأمم المتحدة. وبصرف النظر عن بعض دول أمريكا اللاتينية، كانت الحكومات الأخرى متردِّدة في أن تشارك في جهود تتبنى ما يراه آخرون «استعمار حقوق الإنسان».

في سنة ١٩٩٠م مثلًا، تقدَّمت السويد نيابة عن عشرين دولة غربية بمشروع قرار يدين النظام العسكري في «ميانمار»، ولكن المعارضة من جانب دول آسيوية ودول أخرى أسقطته. كما أُسقِطَت أيضًا في التصويت مشروعات قرارات بإدانة إيران لانتهاكها حقوق الإنسان. وفي التسعينيات، استطاعت الصين على مدى خمس سنوات أن تحشد الدعم الآسيوي لهزيمة مشروعات قرارات تبنَّاها الغرب للتعبير عن القلق إزاء انتهاكها لحقوق الإنسان. في سنة ١٩٩٤م وضعت باكستان على جدول أعمال لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، مشروعًا لإدانة الهند بسبب انتهاكها لحقوق الإنسان في كشمير. اتحدت الدول الصديقة للهند ضد المشروع، كما تدخَّلت أيضًا دولتان صديقتان لباكستان وهما الصين وإيران — وكانتا هدفًا لإجراءات مماثلة — وأقنعتا باكستان بسحب المشروع. وبعد فشلها في إدانة وحشية الهند في كشمير لاحظت «الإيكونومست» أن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: «أقرته بالغياب، دول أخرى تهرب بجرائهما في القتل: تركيا، إندونيسيا، كولومبيا، الجزائر … كلها نجت من اللَّوم، وهكذا تُقدم اللجنة العون لحكوماتٍ تمارس التعذيب وسفك الدماء، وهذا تمامًا عكس ما قصد إليه الذين أنشئوها.»16

الاختلافات حول حقوق الإنسان بين الغرب والحضارات الأخرى، وقدرة الغرب المحدودة على تحقيق أهدافه، ظهرت جليَّةً في مؤتمر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الذي عقد في فيينا في يونيو ١٩٩٣م، كانت الدول الأوروبية ودول أمريكا الشمالية في جانب، وفي الجانب الآخر كان هناك كتلة من حوالي خمسين دولة غير غربية. أنشط ١٥ عضوًا فيها كانوا يمثلون حكومات دولة واحدة من أمريكا اللاتينية (كوبا) ودولة بوذية واحدة (ميانمار) وأربع دول كونفوشية ذات أيديولوجيات سياسية وأنظمة اقتصادية ومستويات تنمية متباينة (سنغافورة، فيتنام، كوريا الشمالية، الصين) و٩ دول إسلامية (ماليزيا، إندونيسيا، باكستان، إيران، العراق، سوريا، اليمن، السودان، ليبيا)، أما قيادة هذا التجمع الآسيوي-الإسلامي فكانت من الصين وسوريا وإيران. وبين هذين التجمُّعين كانت هناك دول أمريكا اللاتينية — بصرف النظر عن كوبا — التي غالبًا ما تؤيد الغرب، ودول إفريقية وأرثوذوكسية، أحيانًا كانت تؤيد المواقف الغربية وغالبًا ما كانت تعارضها.

كانت القضايا التي انقسمت بشأنها الدول على طول خطوط التقسيم الحضاري تضم: العالمية في مواجهة النسبية الثقافية بخصوص حقوق الإنسان، الأولية النسبية للحقوق الاقتصادية والسياسية بما في ذلك حق التنمية مقابل الحقوق السياسية والمدنية، الشرطية السياسية فيما يتعلق بالمعونات الاقتصادية، إنشاء لجنة لحقوق الإنسان تابعة للأمم المتحدة، المدى المسموح به للمنظمات غير الحكومية المجتمعة في نفس الوقت في فيينا للاشتراك في المؤتمر الحكومي، الحقوق الخاصة التي يجب أن يقرها المؤتمر، إلى جانب قضايا أخرى معينة مثل إمكانية السماح للدالاي لاما بالتحدث أمام المؤتمر أو إمكانية إدانة انتهاك حقوق الإنسان في البوسنة صراحة. كما كانت هناك خلافات جوهرية بين الدول الغربية والكتلة الآسيوية-الإسلامية بخصوص تلك القضايا. قبل شهرين من مؤتمر فيينا، اجتمعت الدول الآسيوية في بانجكوك وأصدرت بيانًا بأن حقوق الإنسان يجب النظر إليها «في إطار الخواص القومية والإقليمية والخلفيات التاريخية والدينية والثقافية المختلفة»، وأن مراقبة حقوق الإنسان اعتداء على سيادة الدولة، وأن ربط المعونات الاقتصادية بالأداء في قضية حقوق الإنسان يتعارض مع الحق في التنمية. كان الخلاف حول هذه القضايا وغيرها كبيرًا، لدرجة أن الوثيقة الصادرة عن الاجتماع التحضيري الأخير السابق على مؤتمر «فيينا» كانت كلها تقريبًا تشير بين الأقواس إلى اعتراضات من دولةٍ أو أكثر. لم تكن الدول الغربية مستعدةً جيدًا ﻟ «فيينا»، وفي المؤتمر كانت قليلة العدد، وقدمت أثناء الجلسات تنازلات أكثر مما قدم خصومها. ونتيجة لذلك وبصرف النظر عن الإقرار القوى لحقوق المرأة، فإن البيان الذي وافق عليه المؤتمر كان بيان الحد الأدنى. وكما لاحظ أحد المدافعين عن حقوق الإنسان، كان وثيقة «مَعيبة ومُتناقضة» وتمثل انتصارًا للتحالف الآسيوي-الإسلامي وهزيمة للغرب.17 لم يتضمن بيان «فيينا» أي إقرار صريح لحقوق حرية التعبير والصحافة والاجتماع والعقيدة، وهكذا فإنه في جوانب كثيرة كان أضعف من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام ١٩٤٨م.
هذا التحول، يعكس تدهور قوة الغرب. ويلاحظ أحد الأمريكيين المدافعين عن حقوق الإنسان أن «نظام حقوق الإنسان الدولي الذي كان قائمًا في سنة ١٩٤٥م لم يعُد له وجود، وأن السيادة الأمريكية قد تآكلت وأن أوروبا حتى مع أحداث ١٩٩٢م ليست أكثر من شبه جزيرة، وأن العالم اليوم عالم عربي آسيوي إفريقي كما هو عالم غربي. واليوم أصبح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية أقلَّ صلةً بالنسبة لمعظم هذا الكوكب عما كانت عليه في الحقبة التالية للحرب العالمية الثانية مباشرة.» ناقد آسيوي آخر لسياسة الغرب له نفس الرأي: «لأول مرة منذ تبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في سنة ١٩٤٨م، نجد أن الدول التي ليست مغموسة تمامًا في التقاليد اليهودية-المسيحية والقانون الطبيعي تأتي في المرتبة الأولى. هذا الوضع غير المسبوق سوف يُحدد السياسة العالمية الجديدة لحقوق الإنسان، كما سيضاعف من فرص الصراع.»18 «الرابح الأكبر» في فيينا، كما علق مراقب آخر: «كان الصين بلا جدال، على الأقل إذا كان النجاح يقاس بالقول للآخرين أن يبعدوا عن الطريق. وقد استمرت الصين في الحصول على مكاسب أثناء المؤتمر بإلقاء ثقلها هنا وهناك.»19
ورغم أن الغرب لم يكن له التفوُّق لا في التصويت ولا في المناورة في فيينا، إلا أنه استطاع أن يحقق انتصارًا غير ضئيلٍ على الصين بعد شهور قليلة. كان حصول الصين على الموافقة على تنظيم دورة الألعاب الأولمبية سنة ٢٠٠٠ في «بكين» هدفًا رئيسيًّا لها، وقد استمرت موارد كثيرة من أجل تحقيق ذلك. كانت هناك في الداخل دعاية كبيرة للأولمبياد وكانت التوقعات الجماهيرية مرتفعة وشحنت الحكومة الصينية الحكومات الأخرى لكي تضغط على الاتحادات الأولمبية، وشارك في الجملة كل من تايوان وهونج كونج. وعلى الجانب الآخر كان هناك الكونجرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي ومنظمات حقوق الإنسان يعارضون بشدة اختيار «بكين» لذلك. ورغم أن التصويت في اللجنة الأولمبية يتم عن طريق الاقتراع السري، كان من الواضح أنه يتم حسب خطوط حضارية. في الاقتراع الأول وبواسطة دعم إفريقي، كانت «بكين» في المركز الأول و«سيدني» في المركز الثاني. في الاقتراعات التالية بعد أن تم استبعاد «إسطنبول»، أعطى التجمع الكونفوشي الإسلامي أصواته بالإجماع ﻟ «بكين»، وبعد استبعاد «برلين» و«مانشستر» ذهبت أصواتهما ﻟ «سيدني»، مما حقق لها الفوز وفرض هزيمة ساحقة مهينة على «بكين»، التي ألقت باللوم على الولايات المتحدة بشدة.٢ وعلق «لي كوان يو» قائلًا: إن «أمريكا وبريطانيا قد نجحتا في إضعاف فرصة الصين … السبب الظاهري كان «حقوق الإنسان»، بينما السبب الحقيقي سياسي وذلك لإظهار النفوذ السياسي الغربي.»20

ومما لا شك فيه أن المهتمين بالرياضة في العالم أكثر من المهتمين بحقوق الإنسان، إلا أن هزيمة الغرب في فيينا وأماكن أخرى بخصوص حقوق الإنسان، هذا الاستعراض المعزول للنفوذ الغربي كان كذلك تذكرة بضعف الغرب.

النفوذ الغربي لم يتضاءل فقط، ولكن التباس الديمقراطية أيضًا يضعف الإرادة الغربية في تبنيها في عالم ما بعد الحرب الباردة. أثناء الحرب الباردة واجه الغرب والولايات المتحدة بخاصة مشكلة «الصديق الطاغية». ورطة التعاون مع جماعات العسكر والطغاة الذين كانوا مُعادين للشيوعية ومن هنا كانوا شركاء مُفيدين أثناء الحرب الباردة. هذا التعاون كان يُسبب قلقًا وأحيانًا جرحًا، عندما كانت تلك الأنظمة تمارس انتهاكاتٍ فاضحة لحقوق الإنسان، ورغم ذلك كان التعاون يُبرَّر على أنه أهون الشرور: تلك الحكومات كانت عادة أقل قمعًا من الأنظمة الشيوعية، ويمكن أن نتوقَّع أن تكون أقلَّ قوة وأكثر عرضةً للمؤثرات الأمريكية والخارجية الأخرى. وما المانع من العمل مع طاغية صديق أقلَّ وحشية إذا كان البديل طاغية آخر أكثر وحشية وليس صديقًا؟ في عالم ما بعد الحرب الباردة يمكن أن يكون الخيار أكثر صعوبةً بين طاغية صديق وديمقراطية غير صديقة. الافتراض الغربي السهل بأن الحكومات المنتخبة ديمقراطيًّا سوف تكون متعاونة وموالية للغرب، لا يحتاج لأن نعتبره صحيحًا في المجتمعات غير الغربية، حيث يمكن أن تأتي الانتخابات إلى السلطة بقومِيِّين وأصوليين مُعادين للغرب. لقد شعر الغرب بالارتياح عندما تدخل الجيش الجزائري في سنة ١٩٩٢م وألغى الانتخابات التي كان من الواضح أن الجبهة الإسلامية FIS الأصولية ستفوز بها. كما اطمأنت الحكومة الغربية أيضًا عندما طرد حزب الرفاة في تركيا وحزب BJP القومي في الهند من السلطة بعد تحقيقهما انتصارات انتخابية في ١٩٩٥م و١٩٩٦م، من جانب آخر وفي إطار ثورتها، فإن إيران كان يُوجَد بها أحد أكثر الأنظمة ديمقراطية في العالم الإسلامي، والانتخابات التنافُسية في دول عربية كثيرة بما في ذلك السعودية ومصر من المؤكد أنها ستفرز حكوماتٍ أقل تعاطفًا بكثيرٍ مع المصالح الغربية عن الحكومات غير الديمقراطية السابقة عليها. إن حكومة صينية منتخبة شعبيًّا يمكن أن تكون حكومةً وطنية إلى درجةٍ كبيرة. وحيث إن قادة الغرب يدركون أن العمليات الديمقراطية في المجتمعات غير الغربية غالبًا ما تأتي بحكومات غير صديقة، فإنهم يحاولون التأثير على تلك الانتخابات، كما يفقدون حماسهم كذلك لتنمية الديمقراطية في تلك التجمعات.

(٤) الهجرة

إذا كانت الديموغرافيا قدرًا، فإن حركة السكان هي محرك التاريخ. في قرون مضت أدَّت معدلات النمو السكاني المتفاوتة والظروف الاقتصادية والسياسات الحكومية إلى هجرات واسعة، قام بها اليونانيون واليهود والقبائل الجرمانية والإسكندنافيون والأتراك والروس والصينيون وغيرهم. أحيانًا كانت تلك الهجرات سلميةً نسبيًّا وأحيانًا كانت شديدة العنف. أوروبيو القرن التاسع عشر كانوا هم الجنس الأول بالنسبة للغزو الديموغرافي، بين عامي ١٨٢١ و١٩٢٤ هاجر حوالي ٥٥ مليونًا من الأوروبيين عبر البحار، منهم ٣٤ مليونًا إلى الولايات المتحدة. الغربيون غزوا شعوبًا أخرى وأحيانًا كانوا يُبيدونها، كما استوطنوا الأراضي الأقل كثافة سكانية. ربما كان تصدير البشر هو البُعد الوحيد الأكثر أهميةً في نهوض الغرب بين القرنين السادس عشر والعشرين، وقد شهدت نهابة القرن العشرين تدفقًا مختلفًا وأكبر حجمًا في مسألة الهجرة. في سنة ١٩٩٠م بلغ عدد المهاجرين بوسائل قانونية مائة مليون تقريبًا، كما بلغ عدد اللاجئين ١٩ مليونًا، وعدد المهاجرين بشكل غير قانوني عشرة ملايين أخرى على الأقل. هذه الموجة الجديدة من الهجرة كانت في جزءٍ منها نتيجة لانتهاء الاستعمار وقيام دول جديدة ولسياسات الدول التي كانت تُشجع أو تدفع الناس إلى الحركة. كما كانت كذلك نتيجة للتحديث والتطور التكنولوجي. التحسُّن الذي طرأ على وسائل الانتقال جعل الهجرة أكثر سهولة وسرعة وأقل تكلفة، التحسُّن في وسائل الاتصال حفز على البحث عن فرص اقتصادية وعلى تنمية العلاقات بين المهاجرين وأسرهم في بلادهم الأصلية. بالإضافة إلى أن النمو الاقتصادي في المجتمعات غير الغربية حفز على الهجرة في القرن العشرين مثلما كان النمو الاقتصادي للغرب حافزًا على الهجرة في القرن التاسع عشر. الهجرة أصبحت عملية تدعم نفسها، يقول «ميرون وينر»: «إذا كان هناك قانون واحد في الهجرة، فهو أنه بمجرد بدء سيل منها فإنه يستحث تدفقه ذاتيًّا. المهاجرون يمكِّنون أصدقاءهم وأقاربهم في الوطن من الهجرة وذلك بتزويدهم بالمعلومات عن الطريقة ومصادر تسهيل حركتهم ومساعدتهم على إيجاد عمل ومسكن» والنتيجة على حدِّ تعبيره، «أزمة هجرة كونية».21

الغربيون بشكل ثابت وبالإجماع، يعارضون الانتشار النووي ويدعمون الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكن نظرتهم إلى الهجرة على العكس من ذلك غير واضحة ومتغيرة مع تغير الموازين بوضوح في العقدين الأخيرين من القرن العشرين.

حتى السبعينيات، كانت الدول الأوروبية بشكل عام تتخذ موقفًا وديًّا من الهجرة وفي بعض الحالات — بالذات ألمانيا وسويسرا — كانت تشجع عليها لعلاج النقص في الأيدي العاملة. في سنة ١٩٦٥م ألغت الولايات المتحدة الحصص ذات التوجُّه الأوروبي والتي ترجع إلى العشرينيات وراجعت قوانينها بشدة لتسمح بزيادات هائلة ومصادر جديدة للمهاجرين في السبعينيات والثمانينيات. وبأواخر الثمانينيات فإن معدلات البطالة العالمية وأعداد المهاجرين المتزايدة وغلبة طبيعتهم اللاأوروبية، كل ذلك أحدث تغيرات حادة في التوجهات والسياسات الأوروبية وبعد سنوات قليلة أدت مشاكل مماثلة إلى تغيرٍ مُشابه في الولايات المتحدة.

الأغلبية من مهاجري ولاجئي أواخر القرن العشرين كانوا يتنقلون من مجتمعٍ غير غربي إلى آخر. تدفق المهاجرين على المجتمعات الغربية اقترب في أرقامه النهائية من أرقام هجرة القرن التاسع عشر، في سنة ١٩٩٠م كان هناك ما يُقدر بعشرين مليونًا من مهاجري الجيل الأول في الولايات المتحدة، و١٥٫٥ مليون في أوروبا، و٨ ملايين في أستراليا وكندا.

نسبة المهاجرين إلى التعداد الكلي وصلت حوالي ٧-٨٪ من السكان في سنة ١٩٩٤م وهو ضعف ما كان عليه الرقم في سنة ١٩٧٠م، وكانوا يشكلون ٢٥٥ من السكان في كاليفورنيا و١٦٪ من السكان في نيويورك.

في الثمانينيات دخل حوالي ٨٫٣ ملايين شخص إلى الولايات المتحدة و٤٫٥ ملايين في السنوات الأربع الأولى من التسعينيات.

الأغلبية الساحقة من المهاجرين الجدد من مجتمعات غير أوروبية. في ألمانيا وصل عدد الأجانب الأتراك المقيمين إلى ١٦٧٥٠٠٠ في ١٩٩٠م، واحتل القادمون من يوغوسلافيا وإيطاليا واليونان الجماعات الأكبر التالية. في إيطاليا كانت المصادر الرئيسية: المغرب والولايات المتحدة (أمريكيون إيطاليون عائدون) وتونس والفلبين. بمنتصف التسعينيات كان هناك حوالي ٤ ملايين مسلم يعيشون في فرنسا، وحوالي ١٣ مليونًا في أوروبا الغربية إجمالًا. في الخمسينيات كان ثلثا المهاجرين إلى الولايات المتحدة من أوروبا وكندا، في الثمانينيات حوالي ٣٥٪ من أكبر عدد من المهاجرين جاءوا من آسيا و٤٥٪ من أمريكا اللاتينية وأقل من ١٥٪ من أوروبا وكندا. الزيادة الطبيعية في السكان في الولايات المتحدة منخفضة وفي أوروبا صفر.

معدلات الخصوبة بين المهاجرين عالية، وهي بالتالي وراء معظم الزيادة السكانية في المجتمعات الغربية في المستقبل. ولذلك تزداد خشية الغربيين: «الآن يتم غزوهم لا بالجيوش والدبابات وإنما بواسطة مهاجرين يتكلَّمون لغاتٍ أخرى، يعبدون آلهة أخرى، ينتمون إلى ثقافاتٍ أخرى، ويخشون أنهم سيأخذون وظائفهم ويحتلون أراضيهم ويستنفدون الخدمات الاجتماعية ويهددون أسلوبهم في الحياة.»22
هذه الفوبيا ذات الجذور في التدهور الديموغرافي النسبي كما يلاحظ «ستانلي هوفمان»: «مبنية على صدامات حضارية حقيقية وقلق بشأن الهوية القومية»،23 بمنتصف التسعينيات، كان ثلثا المهاجرين إلى أوروبا من المسلمين، والقلق الأوروبي من الهجرة هو أولًا: قلق الهجرة الإسلامية. التحدي ديموغرافي — المهاجرون مسئولون عن ١٠٪ من المواليد في أوروبا، العرب حوالي ٥٠٪ من المواليد في بروكسل — كما أن التحدي ثقافي أيضًا.

المجتمعات الإسلامية سواء التركية في ألمانيا أو الجزائية في فرنسا، لم يتم اندماجها في الثقافات المضيفة، ومما يقلق الأوروبيين أن مؤشرات اندماجها ضيفة. هناك «خوف يتنامى في أوروبا كلها» كما قالت «جين مارس دوميناك» في ١٩٩١م «من مجتمع إسلامي يتقاطع مع الخطوط الأوروبية يصبح نوعًا من دولة ثالثة عشرة في الاتحاد الأوروبي.»

كما يعلق صحافي أمريكي عن الهجرة بقوله: «العداء الأوروبي انتقائي بدرجةٍ لافتة، قليلون في فرنسا قلقون بخصوص هجوم ضارٍ من الشرق. البولنديون على أية حال أوروبيون وكاثوليك. وفي الغالب الأعم فإن المهاجرين الأفارقة غير العرب لا يخشى منهم ولا ينظر إليهم باحتقار. العداء في معظمه موجَّه للمسلمين. كلمة «مهاجر» مرادفة عمليَّا لكلمة «الإسلام» الذي هو الآن ثاني أكبر عقيدة في فرنسا ويعكس تعصبًا إثنيًّا وثقافيًّا جذوره عميقة في التاريخ الفرنسي.»24 إلا أن الفرنسيين مثقفون أكثر مما هم عنصريون. فقد قبلوا الأفارقة السود الذين يتكلمون فرنسية سليمة في هيئتهم التشريعية، ولكنهم لا يقبلون تلميذات المدارس المسلمات اللائي يرتدين غطاء الرأس (الحجاب). في ١٩٩٠م كان ٧٦٪ من الشعب الفرنسي يعتقد أن هناك عربًا أكثر من اللازم في فرنسا، وكان ٤٦٪ يعتقدون أن هناك سودًا أكثر من اللازم، و٤٠٪ يرون الآسيويين أكثر من اللازم، و٢٤٪ يرون اليهود أكثر من اللازم. في سنة ١٩٩٤م قال ٤٧٪ من الألمان إنهم يفضلون ألا يكون لهم جيران عرب، و٣٩٪ لا يريدون جيرانًا بولنديين، و٣٦٪ لا يريدون الأتراك، و٢٢٪ لا يريدون اليهود.25

في أوروبا الغربية معاداة السامية الموجهة ضد العرب حلت بدرجة كبيرة محل معاداة السامية الموجهة ضد اليهود. المعارضة العامة للهجرة والعداء للمهاجرين ظهرا في أوضح صورهما في أعمال العنف ضد مجتمعات المهاجرين وضد الأفراد، الأمر الذي أصبح قضيةً مهمة في ألمانيا في بداية التسعينيات.

أما الأكثر دلالةً فكانت الزيادة في الأصوات بالنسبة للأحزاب اليمينية والقومية المعادية للهجرة. إلا أن تلك الأصوات نادرًا ما كانت كبيرة. الحزب الجمهوري الألماني حصل على أكثر من ٧٪ من الأصوات في الانتخابات الأوروبية في عام ١٩٨٩م. ولكنه في سنة ١٩٩٠م حصل على ٢٫١٪ في الانتخابات القومية.

وفي فرنسا نجد أن أصوات الجبهة القومية التي كانت ضئيلة في ١٩٨١م، ارتفعت إلى ٩٫٦٪ في سنة ١٩٨٩م ثم استقرت بين ١٢، ١٥٪ في الانتخابات الإقليمية والبرلمانية. في سنة ١٩٩٥م حصل المرشحان القوميان للرئاسة على ١٩٫٩ من الأصوات، والجبهة القومية انتخبت العمد في المدن الرئيسية بما فيها «تولون» و«نيس».

في إيطاليا ارتفعت نسبة الأصوات لصالح التحالف الوطني MSI بالمثل من حوالي ٥٪ في الثمانينيات إلى ما بين ١٠، ١٥٪ في أوائل التسعينيات. في بلجيكا ارتفعت أصوات الجبهة الفلمنكية — الجبهة القومية — إلى ٩٪ في انتخابات المحليات في ١٩٩٤م وحصلت الجبهة على ٢٨٪ من الأصوات في «أنتويرب».
في النمسا ارتفعت أصوات حزب الحرية في الانتخابات العامة من أقل من ١٠٪ في سنة ١٩٨٦م إلى ما يزيد على ١٥٪ في سنة ١٩٩٠م وإلى قرابة ٢٣٪ في ١٩٩٤م.26

الأحزاب الأوروبية المعارضة للهجرة الإسلامية كانت إلى درجة كبيرة، هي المرآة التي تعكس صورة الأحزاب الإسلامية في الدول الإسلامية. كلاهما كان ضئيل الحظ في الفوز في الانتخابات، كلاهما يستهجن المؤسسة الفاسدة ويستغل المظالم الاقتصادية وبخاصة البطالة، ويتوسل أساليب إثنية ودينية ويهاجم النفوذ الأجنبي في مجتمعه، وفي الحالتين كانت الجماعات المتطرفة تلجأ إلى أعمال الإرهاب والعنف. في معظم الحالات كانت الأحزاب الإسلامية والأحزاب الأوروبية القومية تحقق نتائج أفضل في الانتخابات الوطنية.

المؤسسات السياسية الأوروبية والإسلامية ردت على تلك التطورات بنفس الأسلوب. في الدول الإسلامية كما رأينا، أصبحت الحكومات أكثر تأسلمًا في توجهاتها وسياساتها وممارساتها. في أوروبا، تبنت الأحزاب الرئيسية الخطاب والأساليب التي ينتهجها اليمين والأحزاب المعادية للهجرة. وحيث كانت السياسة الديمقراطية تعمل بكفاءة ويوجد حزبان أو أكثر كبديلين للحزب الإسلامي أو الحزب القومي، كانت أصواتهم تصل إلى سقف من حوالي ٢٠٪.

كانت أحزاب المعارضة تخترق هذا السقف فقط عندما لا يوجد بديل آخر للحزب أو للائتلاف الموجود في السلطة، كما حدث في الجزائر والنمسا وإيطاليا إلى حد بعيد.

في أوائل التسعينيات كان الزعماء السياسيون الأوروبيون ينافس بعضهم البعض في الاستجابة للشعور المعادي للهجرة. في فرنسا أعلن «جاك شيراك» في سنة ١٩٩٠م أن «الهجرة يجب أن توقف تمامًا»، وطالب وزير الداخلية «شارل باسكوا» في سنة ١٩٩٣م «بنسبة هجرة صفر»، و«فرانسوا ميتران»، و«إديث كريسون»، و«فاليري جيسكار ديستان» وسياسيون كثيرون كانت لهم مواقف معادية للهجرة. في الانتخابات البرلمانية في ١٩٩٣م كانت الهجرة قضية مهمة، وساعدت بجلاء على فوز أحزاب المحافظين. في أوائل التسعينيات تم تغيير سياسة الحكومة الفرنسية لتجعل من الصعب على أبناء الأجانب الحصول على الجنسية، وعلى عائلات الأجانب أن يهاجروا، وعلى الأجانب أن يحصلوا على حق اللجوء السياسي، وعلى الجزائريين أن يحصلوا على تأشيرات دخول إلى فرنسا، والمهاجرون بطرق غير قانونية تم ترحيلهم، كما تم تشديد صلاحيات الشرطة والسلطات الحكومية الخاصة بالهجرة.

في ألمانيا، عبر المستشار «هيلموت كول» وغيره من الزعماء السياسيين عن قلقهم بخصوص الهجرة، وفي أهم تحرك لها عدلت الحكومة المادة السادسة عشرة من الدستور الألماني التي تتضمن حق اللجوء السياسي ﻟ «أناس مضطهدين لأسباب سياسية» وقطعت المزايا الممنوحة لطالبي اللجوء. في سنة ١٩٩٢م كان عدد اللاجئين إلى ألمانيا ٤٣٨٠٠٠ شخص وانخفض العدد في ١٩٩٤م إلى ١٢٧٠٠٠ فقط. في ١٩٨٠م خفضت بريطانيا الهجرة إليها إلى حوالي ٥٠٠٠٠ في السنة ومن هنا كانت القضية تثير قلقًا ومعارضة أقل منها في أي بلد آخر في القارة الأوروبية. بين عامي ١٩٩٢م و١٩٩٤م خفضت عدد طالبي اللجوء المسموح لهم بالبقاء من أكثر من ٢٠٠٠٠ إلى أقل من ١٠٠٠٠. ومع تخفيض قيود الحركة داخل الاتحاد الأوروبي أصبحت المخاوف البريطانية مركزةً إلى حد كبير على هجرة غير الأوروبيين من القارة. وإجمالًا، فإن الدول الأوروبية الغربية في منتصف التسعينيات كانت تتحرك بلا هوادة نحو تخفيض الهجرة من المصادر غير الأوروبية إلى حدها الأدنى، إن لم يكن القضاء عليها تمامًا.

قضية الهجرة برزت إلى الصدارة في الولايات المتحدة بعد أوروبا بوقتٍ ما، ولكنها لم تولد نفس ذلك التوتر العاطفي.

فالولايات المتحدة كانت دائمًا بلد مهاجرين أو هكذا ترى نفسها، وتاريخيًّا، كانت تمارس عمليات ناجحة في استيعاب القادمين الجدد. بالإضافة إلى ذلك فإن نسبة البطالة في أواخر الثمانينيات والتسعينيات كانت أقل كثيرًا عنها في أوروبا، ولم يكن الخوف من فقدان الوظائف عاملًا حاسمًا في تشكيل المواقف بالنسبة للهجرة. كما أن مصادر الهجرة إلى أمريكا كانت أكثر تنوعًا عنها بالنسبة لأوروبا، وهكذا فإن الخوف من الغرق وسط مجموعة أجنبية واحدة لم يكن منتشرًا على المستوى القومي، رغم أنه كان كذلك في مواقع محلية معينة.

المسافة الثقافية بين أكبر جماعتي هجرة والثقافة المضيفة كانت أقلَّ مما هي عليه في أوروبا: فالمكسيكيون كاثوليك ويتحدثون الإسبانية، والفيلبينيون كاثوليك ويتحدثون الإنجليزية، ورغم هذه العوامل تحول الرأي العام الأمريكي بحدة في ربع القرن بعد صدور قانون ١٩٦٥م الذي سمح بالزيادة الكبيرة في الهجرة من آسيا وأمريكا اللاتينية.

٣٣٪ فقط من الشعب الأمريكي كانوا يريدون هجرة أقل في سنة ١٩٦٥م، وفي سنة ١٩٧٧م كانت النسبة ٤٢٪، وفي ١٩٨٦م كانت ٤٩٪ وفي ١٩٩٠م، ١٩٩٣م كانت ٦١٪، وتظهر استطلاعات التسعينيات أن ٦٠٪ أو أكثر من الشعب يحبذون هجرة أقل.27
وبينما تؤثر الاهتمامات والظروف الاقتصادية على المواقف بالنسبة للهجرة، فإن المعارضة المتزايدة في الأوقات الجيدة والسيئة توحي بأن الثقافة والجريمة وأساليب الحياة كانت أكثر أهمية في هذا التغير في الرأي. ويعلق أحد المراقبين في سنة ١٩٩٤م: «كثير من الأمريكيين وربما معظمهم، ما زال ينظر إلى بلدِه كمجتمعٍ أوروبي مُستقر، قوانينه موروثة عن إنجلترا، لغته هي الإنجليزية (ويجب أن تظل) مؤسساته ومنشآته العامة تستلهِم النماذج الكلاسيكية الغربية، دينه له جذور يهودية مسيحية، وعظمته نابعة أساسًا من قيم العمل البروتستانتية.» تعبيرًا عن هذه المخاوف، قال حوالي ٥٥٪ من عينة من الشعب إنهم يعتقدون أن الهجرة تشكل تهديدًا للثقافة الأمريكية، وبينما يرى الأوروبيون التهديد إسلاميًّا أو عربيًّا فإن الأمريكيين يرونه أمريكيًّا لاتينيًّا وآسيويًّا ومكسيكيًّا في الأساس، وعند سؤالهم في سنة ١٩٩٠م عن المصادر التي تسمح الولايات المتحدة بالهجرة منها أكثر من اللازم، حددت عينة من الأمريكيين «المكسيك» ضعف أي مكان آخر، تليها «كوبا» في الترتيب، ثم الشرق (نسبة غير محددة) وأمريكا الجنوبية وأمريكا اللاتينية (غير محددة) واليابان وفيتنام والصين وكوريا.28 تنامي المعارضة العامة للهجرة في أوائل التسعينيات عجل برد فعلٍ سياسي مثل ذلك الذي حدث في أوروبا. وطبقًا لطبيعة النظام السياسي الأمريكي، فإن الأحزاب اليمينية المعادية للهجرة لم تفز في الانتخابات، ولكن دعاة عدم الهجرة وجماعات المصالح أصبحت أكثر عددًا وأكثر نشاطًا وأعلى صوتًا. وكان معظم الاستياء يتركز على نحو ٣٫٥–٤ ملايين مهاجر بطرق غير قانونية وقد استجاب السياسيون لذلك.

ومثل أوروبا، كان أقوى رد فعل يُوجد على مستوى الولاية والمستويات المحلية التي تتحمَّل معظم نفقات المهاجرين.

والنتيجة أن «فلوريدا» في سنة ١٩٩٤م — وبعد ذلك انضمت إليها ست ولايات أخرى — قاضت الحكومة الفيدرالية من أجل ٨٨٤ مليون دولار سنويًّا لتغطية نفقات التعليم والرعاية الاجتماعية وإعمال القانون والنفقات الأخرى الناجمة عن الهجرة بأساليب غير قانونية. في كاليفورنيا، حيث يوجَد أكبر عددٍ من المهاجرين في الكم النهائي والنسبة، حصل العمدة «بيت ولسن» على التأييد العام بدعوته لحرمان أطفال المهاجرين غير القانونيين من التعليم ورفض منح جنسية الولايات المتحدة لمواليد المهاجرين غير القانونيين وإيقاف المدفوعات التي تتحملها الولاية من أجل الرعاية الطبية الطارئة للمهاجرين بطرقٍ غير قانونية.

وفي نوفمبر ١٩٩٤م وافق أهالي كاليفورنيا بالإجماع على مشروع القانون رقم ١٨٧ الذي يحرم المهاجرين بطرقٍ غير قانونية وأطفالهم من المزايا الصحية والتعليمية والاجتماعية.

كما تحركت إدارة «كلينتون» في ١٩٩٤م، في خطوة عكس موقفها السابق، نحو تشديد الرقابة على الهجرة وتشديد القواعد التي تحكم اللجوء السياسي وتوسيع الإدارة المعنية بالهجرة والتطبيع وتقوية دوريات المراقبة على الحدود وإقامة حواجز على طول الحدود مع المكسيك.

جدول ٨-٢: سكان الولايات المتحدة حسب الجنس والعرق (٪)*
إيران باكستان العرق
بيض غير هيسبانيين ٧٤٪ ٦٤٪ ٥٣٪
هيسبانيون ١٠ ١٦ ٢٥
سود ١٢ ١٣ ١٤
سكان جزر آسيوية وباسيفكية ٣ ٦ ٨
هنود أمريكيون/وألاسكا ١
الإجمالي بالمليون ٢٦٣ ٣٢٣ ٣٩٤
المصدر: U.S. Bureau of Census, Population Projections of the United States by Age, Sex, Race and Hispanic Origin: 1995 to 2050 (Washington: U.S. Government Printing Office, 1996), pp. 12-13.
في سنة ١٩٩٥م أوصت لجنة «إصلاح شئون الهجرة» التي أقرها الكونجرس في سنة ١٩٩٠م بتقليص حجم الهجرة السنوية من حوالي ٨٠٠٠٠٠ إلى ٥٥٠٠٠٠ مع إعطاء الأفضلية للأطفال الصغار والزوجات ولكن ليس لأقارب آخرين للمواطنين الحاليين والمقيمين، وأدى هذا الإجراء إلى «إثارة مشاعر الغضب بين الأسر الآسيوية الأمريكية والأسر الهيسبانية»،29 وكانت التشريعات التي جسدت الكثير من توصيات اللجنة والإجراءات الأخرى المقيدة للهجرة في الطريق عبر الكونجرس في ١٩٩٥-١٩٩٦م وبمنتصف التسعينيات أصبحت الهجرة قضية سياسية رئيسية في الولايات المتحدة، وفي سنة ١٩٩٦م كانت معارضة الهجرة بندًا رئيسيًّا في الحملة الانتخابية ﻟ «باتريك بوكانان». الولايات المتحدة تتبع خطى أوروبا في التحرك نحو تخفيض دخول غير الغربيين إلى مجتمعها تخفيضًا كبيرًا. ولكن هل يستطيع أي من أوروبا أو الولايات المتحدة إيقاف مد الهجرة؟ فرنسا مرت بموجةٍ مهمة من التشاؤم الديموغرافي بدءًا من الرواية القاسية ﻟ «جان راسبيل»٣ في السبعينيات إلى التحليل المثقف ﻟ «جان كلود شيسنيه» في التسعينيات وتلخصها تعليقات «بيتر ليلوش» في ١٩٩١م: «التاريخ، القرابة، الفقر، يضمنون أن فرنسا وأوروبا مقدر لهما أن تغمرهما أناس من المجتمعات العاجزة في الجنوب. ماضي أوروبا كان أبيض ويهوديًّا مسيحيًّا أما المستقبل فلا.»30

إلا أن المستقبل لا يتقرر بشكل نهائي، كما أنه لا يُوجد أي مستقبل دائم. القضية ليست ما إذا كانت أوروبا سوف تتحوَّل إلى الإسلام أو الولايات المتحدة إلى الهيسبانية. القضية هي إذا ما كانت أوروبا وأمريكا ستصبحان مجتمعات مشقوقة أو مصدوعة تضم مجتمعَين متمايزَين ومنفصلَين من حضارتَين مختلفتين إلى حدٍّ كبير. وهذا بدوره يتوقف على عدد المهاجرين ومدى استيعابهم في الثقافات الغربية السائدة في أوروبا وأمريكا. والمجتمعات الأوروبية بشكل عام إما أنها لا تريد أن تستوعب المهاجرين، أو أن لديها صعوبة شديدة في عمل ذلك، كما أن درجة رغبة المهاجرين المسلمين وأطفالهم في أن يتمَّ استيعابهم ليست واضحة. ومن هنا فإن الهجرة الكبيرة المتواصلة من المرجَّح أن تفرز أقطارًا منقسِمة إلى مجتمعاتٍ مسيحية وإسلامية، هذه النتيجة يمكن تجنُّبها لدرجة أن الحكومات والشعوب الأوروبية مستعدة لتحمل تكاليف الحد من تلك الهجرة، بما في ذلك التكاليف المالية المباشرة للإجراءات المضادة للهجرة، والتكاليف الاجتماعية اللازمة للمجتمعات المهاجرة الموجودة بالفعل، والتكاليف الاقتصادية المحتملة على المدى الطويل، نتيجة نقص الأيدي العاملة ونسبة الزيادة السكانية المنخفضة.

مشكلة الغزو الإسلامي الديموغرافي على أية حال من المرجح أن تضعف، حيث إن معدلات النمو السكاني في مجتمعات شمال أفريقيا والشرق الأوسط تصل إلى أعلى مستوياتها ثم تبدأ في الهبوط كما حدث في بعض الدول.31

وطالما أن الضغط الديموغرافي يدفع إلى الهجرة، فإن الهجرة الإسلامية يمكن أن تقل بحلول عام ٢٠٢٥م، وإن كان هذا لا ينطبق على دول شبه الصحراء الإفريقية.

إذا حدث نمو اقتصادي وأدى إلى تعبئة اجتماعية في غرب ووسط أفريقيا فإن الدوافع وإمكانات الهجرة ستزيد، وتهديد أوروبا بخطر «الأسلمة» سيحل محله خطر «الأفرقة». إمكانية تحقيق هذا الخطر سوف تتأثر بمدى نقص السكان في أفريقيا نتيجة الإيدز والأوبئة الأخرى، ودرجات اجتذاب جنوب أفريقيا لمهاجرين من أماكن أخرى من القارة.

وبينما يمثل المسلمون المشكلة العاجلة بالنسبة لأوروبا، يمثل المكسيكيون نفس المشكلة بالنسبة للولايات المتحدة. وعلى فرض استمرار التوجهات والسياسات الحالية، فإن تعداد سكان أمريكا كما توضح الأرقام في الجدول رقم ٨-٣ سوف يتغير بشكل جوهري في النصف الأول من القرن الواحد والعشرين، ليصبح حوالي ٥٠٪ بيضًا و٢٥٪ هيسبانيك، وكما هو الحال في أوروبا فإن التغيير في سياسة الهجرة وآثار الإجراءات المتخذة ضدها استطاعت أن تغير هذه الافتراضات.

وحتى مع ذلك، ستظل القضية المركزية هي درجة استيعاب الهيسبان في المجتمع الأمريكي كما حدث بالنسبة لجماعات الهجرة السابقة.

جدول ٨-٣: سكان الولايات المتحدة حسب الجنس والعرق (٪)*
١٩٩٥م ٢٠٢٠م ٢٠٥٠م
بيض غير هيسبانيين ٧٤٪ ٦٤٪ ٥٣٪
هيسيانيون ١٠ ١٦ ٢٥
سود ١٢ ١٣ ١٤
سكان جزر آسيوية وباسيفكية ٣ ٦ ٨
هنود أمريكيون/وألاسكا ١
الإجمالي بالمليون ٢٦٣ ٣٢٣ ٣٩٤
المصادر: U.S. Bureau of Census. Population Projections of the United States by Age, Sex, Race and Hispanic Origin: 1995 to 2050 (Washington: U.S. Government Printing Office. 1996) pp. 12-13.

الجيل الثاني والجيل الثالث من الهيسبان يواجهون مجموعة كبيرة من الدوافع والضغوط من أجل ذلك. من ناحية أخرى فإن الهجرة المكسيكية تختلف عن الهجرات الأخرى في جوانب قد تكون مهمة.

  • أولًا: المهاجرون من أوروبا أو آسيا يعبرون محيطات. المكسيكيون يمشون عبر حدود برية أو يخوضون عبر بحار. هذا إلى جانب السهولة المتزايدة في وسائل الانتقال والاتصال التي تمكنهم من الحفاظ على صلات وثيقة وصلات هوية مع مجتمعاتهم في بلدانهم الأصلية.
  • ثانيًا: المهاجرون المكسيك متمركزون في الولايات المتحدة الجنوبية الغربية ويشكلون جزءًا من مجتمع مكسيكي متصل وممتد من «يوكاتان إلى كلورادو» (انظر الخريطة ٨-١).
  • ثالثًا: توحي بعض الدلائل بأن مقاومة الاستيعاب أقوى بين المكسيكيين المهاجرين عما كانت بين الجماعات المهاجرة الأخرى، وأن المكسيكيين يميلون إلى الاحتفاظ بهويتهم المكسيكية، كما ظهر في النضال ضد مشروع القانون رقم ١٨٧ في كاليفورنيا سنة ١٩٤٩م.
  • رابعًا: المنطقة التي استقر بها المكسيكيون كانت الولايات المتحدة قد ضمَّتها بعد أن هزمت المكسيك في منتصف القرن التاسع عشر، ومن المؤكد أن التقدم الاقتصادي المكسيكي سوف يُولد مشاعر مكسيكية انتقامية. وفي الوقت المناسب فإن نتائج التوسع العسكري الأمريكي في القرن التاسع عشر ستواجه تهديدات، ربما يعكسها التوسع الديموغرافي المكسيكي في القرن الواحد والعشرين.
figure
خريطة ٨-١: الولايات المتحدة: دولة صدع في سنة ٢٠٢٠م.

ميزان القوى المتغير بين الحضارات يجعل من الصعب على الغرب أكثر فأكثر أن يحقق أهدافه بالنسبة لانتشار الأسلحة وحقوق الإنسان والهجرة وغيرها من القضايا. ولكي يقلل خسائره في ذلك إلى حدها الأدنى، فإن الموقف يتطلب من الغرب أن يستخدم موارده الاقتصادية ببراعة بأسلوب الجزرة والعصا في التعامل مع المجتمعات الأخرى لكي يدعم وحدته وينسق سياساته، ولكي يجعل من الصعب على المجتمعات الأخرى، أن تستخدم دولة غربية ضد دولة غربية أخرى وأن ينمي ويستغل الخلافات بين الدول غير الغربية. إن قدرة الغرب على متابعة هذه الاستراتيجيات سوف تتشكل حسب طبيعة ومدى صراعاته مع حضارات التحدي من جانب ومدى قدرته على التوحد مع حضارات الحركة وتطوير المصالح المشتركة معها من جانب آخر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤